← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 169

مع المشككين في السنة

عبد الرحمن الخميسي

Полный текст (317 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الشبهة الثامنة عشرة اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بتبيين الحديث القولي للقرآن وتفصيله له يقول المشكك: «يقول الله: إن آياته مبينة ومفصلة. فيقولوا: بل الحديث القولي يبينها ويفصلها». والجواب: أولًا: نعم آيات القرآن الكريم آيات مفصلة ومبينة وواضحة، وقد أخبر الله تعالى بذلك في كتابه الكريم، ومن ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ [الأنعام:٩٧]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة:٩٩]. ٣ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾ [الحج:١٦]. ومعنى هذه الآيات: أن الله تعالى أنزل كتابه على عبده واضحًا في لفظه ومعناه، وفي أمره ونهيه، ويفهم المخاطب العربي الذي لم يتغير لسانه المرادَ من هذه الأوامر والنواهي والألفاظ، ولا لبس في هذا عند أحد. ثانيًا: وجود المجمل في القرآن الكريم الذي يحتاج إلى بيان لا يعني عدم وضوحه في لفظه ومعناه، كما سبق؛ لأن المجمل أمر زائد على لفظ الآية الواضحة لم تتعرض لبيانه وتفصيله، والذي بين هذا الأمر الزائد هو النبي ﷺ بقوله وفعله. ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، و [البقرة:٨٣]، و [البقرة:١١٠]، و [النساء:٧٧]، و [النور:٥٦]، و [المزمل:٢٠]. فهذا اللفظ واضح الدلالة في وجوب الصلاة والزكاة، ولا يختلف في ذلك اثنان. ولم يتعرض هذا اللفظ المجمل القرآني لتفصيل الصلاة والزكاة، وإنما بينهما النبي ﷺ . وفي هذا المعنى أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤]. وإن لم تكن هذه الآية أمر للنبي ﷺ ببيان القرآن بقوله وفعله فما معناها إذًا؟

стр. 142

ثالثًا: لا إشكال عند هذا المشكك في أن السنة العملية تبين القرآن الكريم. ومعنى هذا: إثباته لوجود المجمل في القرآن. وحينئذ كيف يرد على شبهة نفسه عندما وقع في محذور ما فر منه؟ رابعًا: أن السنة القولية التي بينت بعض الآيات إنما هي تفسير لأقوام لم يستطيعوا تعيين المراد من هذه الآيات؛ لقصور في فهمهم. وذلك مثل: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام:٨٢]. فالظلم عمومًا يراد به: ظلم الإنسان لنفسه بالمعاصي، وظلمه لغيره، والشرك بالله تعالى. فجاءت السنة القولية فوضحت لهم المراد بالظلم هنا، وأنه: الشرك بالله تعالى لا غير (١). والله أعلم.

стр. 143

الشبهة التاسعة عشرة اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بالتضييق على من لم يقاتلنا يقول المشكك: «يقول الله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة:٨]. فيقولوا: بل نضطرهم إلى أضيق الطريق، ونفرض عليهم الجزية، ولا نبدؤهم بالسلام، ولا نعود مرضاهم، ولا يتم تهنئتهم بأعيادهم. فهل تلك التعاليم المحمومة والفقه المعتوه من البر الذي أمرنا به القرآن»؟ والجواب: أولًا: هذه الآية وما فيها من جواز البر والإحسان والعدل إلى أهل الكتاب -اليهود والنصارى- هي في غير المقاتلين والمحاربين منهم، قولًا واحدًا؛ لأن المحارب -وهو: الذي بينه وبين المسلمين جميعًا أو بعضهم قتال، أو أعلن عليهم الحرب مباشرة أو بغير مباشرة بالتأييد والنصرة أو بالسلاح ولو كان يعيش بين ظهراني المسلمين- لا يجوز البر والقسط إليه إلا في الحالات الإنسانية التي تقتضيها أخلاق الحرب في الإسلام. ثانيًا: ثبت عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ) (١). وفي رواية: (أَهْلِ الْكِتَابِ) (٢). والكلام على هذا الحديث في عدة نقاط: ١ - قوله ﷺ : (الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى) أو (أَهْلِ الْكِتَابِ) هذا لفظ عام يشمل المحاربين وغيرهم، فيحمل الحديث على أن المراد بذلك: هم المحاربون؛ تغليبًا. وهؤلاء لا بر معهم ولا كرامة. ٢ - إذا سلمنا أن المراد بهم اليهود والنصارى جميعًا المحاربين منهم وغير المحاربين فمن السنة ألا نبدأهم بالسلام؛ وذلك للآتي:

стр. 144

أ- أن السلام تحية خاصة بالمسلمين. ب- أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكيف تلقيه على من لا يؤمن به ولا يقر بألوهيته ووحدانيته؟ فإلقاؤه على الكافر فيه مناقضة لمعناه؛ لأن من معانيه: أنه المُسلِّمُ لعباده من عذابه. فكأنك حين تلقيه عليه تدعو له أن يسلمه الله من عذابه. ولا يصح هذا في حق الكافر. ج- ما في السلام من إعزاز وتودد وتحبب إلى الكافر، وقد نهانا الله عن ذلك. وأما بدؤهم بغير السلام فلا مانع منه، مثل: صباح الخير، ومساء الخير، وأهلًا، ومرحبًا، ونحو ذلك من التحايا. ٣ - لم يعرف عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ﵃ ولا عن أحد من السلف أنهم كانوا يضيقون على الواحد من أهل الكتاب الطريق حتى يلصقونه بالجدار مثلًا. وإذا كان الحال كذلك فمعنى قوله في الحديث: (فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ)، أي: لا توسعوا لهم إذا قابلوكم في طريق بحيث تكون لهم السعة فيه ولكم الضيق، بل استمروا في طريقكم، فإن وجد ضيق فيكون عليهم لا عليكم. وهذا أمر طبيعي في كل شخص يمشي في طريق، فإنه يسير في الطريق الواسع ويترك الضيق منه لغيره. والله أعلم. ثالثًا: إنكار هذا المشكك الجاهل لفرض الجزية على أهل الكتاب هو إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، وإنكار لمحكم القرآن الكريم الذي يدعي الإيمان به والاكتفاء به عن السنة، وذلك ردةٌ. قال تعالى في بيان فرض الجزية على أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩]. رابعًا: لم يرد حديث صحيح في النهي عن عيادة مرضى الكفار من غير المحاربين، وما روي في ذلك لم يثبت، بل حكم عليه بعض العلماء -كالجوزقاني- بالوضع، بل عكسه -وهو زيارتهم- هو الثابت عن النبي ﷺ ، فقد ثبت في الصحيح عن أنس ﵁ قال: (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ) (١). وفي رواية: (فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ) (٢).

стр. 145

خامسًا: تهنئة اليهود والنصارى بأعيادهم فيها تفصيل: ١ - إن كانت أعيادًا دينيةً فلا يجوز تهنئتهم بها بإجماع العلماء؛ لأن فيها إقرارًا لهم على شركهم واعتقاداتهم الباطلة. ٢ - إن كانت أعيادًا غير دينية أو كانت أفراحًا اجتماعية كأعياد الأم والعمال والتهنئة بالزواج وسلامة السفر والسلامة من الحوادث ونحو ذلك فلا مانع منها. قال الإمام ابن القيم: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به (١) فحرام بالاتفاق، فيقول: عيد مبارك عليك، أو: تهنأ بهذا العيد، ونحوه. فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قَدْرَ للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل. فمن هَنَّأَ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه» (٢). سادسًا: قوله تعالى: ﴿مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٢٩] أي: ما حرم الله تعالى في كتابه وما حرمه رسوله ﷺ في سنته. وفي هذا دلالة على: وجوب العمل بالسنة القولية التي ينكرها هذا الدعي المشكك. والله أعلم.

стр. 146

الشبهة العشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بمباشرة الحائض من فوق الإزار يقول المشكك: «يقول تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]. فيقول أهل الحديث: إن النبي كان يأمر زوجاته بالاتزار، ثم يباشرهن من خلف الإزار». والجواب: أولًا: أن اعتزال المرأة الحائض والنفساء المذكور في الآية المراد به هو: النهي عن جماعهما في الفرج بلا خلاف بين العلماء (١). بل إن من فعله مع أهله معتقدًا جوازه فقد خرج من ربقة الإسلام (٢). ثانيًا: تعميم اعتزال المرأة الحائض إلى ما هو أشمل من الجماع كعدم مباشرتها وترك مجالستها ومؤاكلتها هو من عادات اليهود وتقاليدهم الباطلة، فعن أنس ﵁: (أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ) (٣). ويتضح من هذا الحديث: أن المراد باعتزال المرأة في المحيض في الآية هو: ترك جماعها في أثناء الحيض، فلا تجامع في الفرج. وهذا هو موضع النهي بلا خلاف. وليس فيه النهي عن المباشرة فيما دونه؛ وذلك لحاجة الرجل إلى ذلك في فترة امتناعه عن الجماع في زمن الحيض، ولو لم يبح له ذلك لارتكب ما نهي عنه، خاصة إذا اشتدت عليه الشهوة أو كان به شبق، قال ابن كثير في تفسيره: «ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم إلى أنه تجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج» (٤).

стр. 147

ثالثًا: مباشرة النبي ﷺ لأزواجه الحُيَّض من فوق الإزار ثابتة في الصحيحين وغيرهما (١). وفعل ذلك ﷺ لعدة أمور: ١ - للدلالة على جوازه. ٢ - مخالفةً لليهود. ٣ - تعبيرًا عن حبه لامرأته، وبأن ذلك منها لا يدعوه إلى نبذها وكراهتها. رابعًا: أن مسألة مباشرة الحائض فيما دون الفرج هي مسألة خلافية، ومن يملك إربه وكان قادرًا على منع نفسه من الإيلاج في الفرج والدبر جاز له أن يباشر امرأته ويتلذذ بها فيما عدا ذلك كيف ما شاء. قال ابن حزم: «وللرجل أن يتلذذ من امرأته الحائض بكل شيء حاشا الإيلاج في الفرج، وله أن يُشَفِّرَ ولا يولج، وأما الدبر فحرام في كل وقت. وفي هذا خلاف -أي: في المباشرة-:

стр. 148

فروينا عن ابن عباس: (أَنَّهُ كَانَ يَعْتَزِلُ فِرَاشَ امْرَأَتِهِ إذَا حَاضَتْ) (١). وقال عمر بن الخطاب (٢)

стр. 149

وسعيد بن المسيب (١) وعطاء (٢) - إلا أنه لا يصح عن عمر- وأبو حنيفة ومالك والشافعي: (له ما فوق الإزار من السرة فصاعدًا إلى أعلاها، وليس له ما دون ذلك) (٣)» (٤). وأما من لا يملك إربه ويخشى إن باشر دون الفرج أن يولج فيه أو في الدبر فتحرم عليه المباشرة؛ من باب (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) (٥)، ولحديث النعمان بن بشير ﵁ قال: (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) (٦). والله أعلم.

стр. 150

الشبهة الحادية والعشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في إثباتهم لحد الردة يقول المشكك: «يقول تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. فيخترعوا لنا: حد الردة». وقال أيضًا: «والله لم يرتب عقوبة على المرتدين، وقد ارتد على عهد رسول الله كثيرون فلم يقتلهم. وقال أيضًا: «ويقول جل في علاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران:٩٠]. فهاهم يكفرون دون أن تمتد إليهم يد القتل المسماة بـ"حد الردة"». والجواب: أولًا: استدلال هذا المشكك بهذه الآيات وغيرها على إنكار حد الردة وعدم تشريعه لكونه لم يذكر في القرآن الكريم استدلال سقيم وعقيم وغير صحيح؛ للآتي: ١ - هذه الآيات لم تنف حد الردة أبدًا، ولم تتعرض له لا من قريب ولا من بعيد؛ لأنها جميعها تتحدث عن العقوبة الأخروية للمرتد دون العقوبة الدنيوية له. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] ليس فيه إباحة للردة، ولا ترك الحرية لمن شاء في اختيار الكفر، بل هو لفظ سيق مساق التهديد والوعيد الشديد؛ بدليل ما بعده، وهو قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]، أي: إنا أعتدنا للكافرين والمشركين والمرتدين نارًا عظيمة تحيط بهم من كل الجهات (١). ولو كان في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ترك الحرية لهم في اختيار الكفر لكان وعيده سبحانه الشديد لهم بالنار المحدقة بهم من باب التناقض منه، وحاشاه - جل وعلا -! إذ كيف يسمح لهم أولًا بالكفر ثم يعذبهم عليه؟ هذا تناقض، وكلامه سبحانه منزه عن التناقض والتضاد.

стр. 151

ثانيًا: قوله: «وقد ارتد على عهد رسول الله كثيرون فلم يقتلهم» غير صحيح، بل العكس هو الصحيح، والذين قتلهم النبي ﷺ على الردة كثيرون، ومنهم: ١ - العرنيون الذين أسلموا واجتووا المدينة. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: (قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ) (١). متفق عليه. وهذه عقوبة مغلظة؛ لقتلهم وردتهم (٢). ٢ - كعب بن الأشرف وأبو رافع بن أبي الحقيق اليهوديان. وقد كانا يؤذيان النبي ﷺ ، فقتلهما غيلة. فعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا -يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ: وَأَيْضًا، وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَه) (٣). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ نَائِمٌ) (٤).

стр. 152

٣ - عبد الله بن خطل. قتله النبي ﷺ يوم الفتح. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: (إَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ) (١). وكان قد أسلم ثم ارتد (٢). ٤ - مِقْيَس بن صُبابة. قتله النبي ﷺ يوم الفتح أيضًا. فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ. فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا -وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ- فَقَتَلَهُ، وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ) (٣). وكان قد أسلم ثم ارتد أيضًا (٤).

стр. 153

٥ - أم ولد الأعمى. فقد كانت تهجو النبي ﷺ ، فقتلها سيدها وأهدر النبي ﷺ دمها. فعن ابن عباس ﵄: (أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ، فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ. فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا، فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) (١). وقول هذا المشكك: «وقد ارتد على عهد رسول الله كثيرون فلم يقتلهم» هو من الاحتجاج بالسنة، وهذا من تناقضه! إذ كيف يحتج علينا بما لا يؤمن به؟! ثالثًا: أحاديث حد الردة مشهورة، وهي مروية في الصحيحين وغيرهما عن عدة صحابة ﵃، ومنهم: ١ - عبد الله بن عباس ﵄ (٢). وحديثه في "صحيح البخاري". ٢ - أبو هريرة ﵁ (٣). وحديثه في "المعجم الأوسط" للطبراني.

стр. 154

٣ - عبد الله بن مسعود ﵁ (١). وحديثه في الصحيحين. ٤ - أبو موسى الأشعري ﵁ (٢). وحديثه في الصحيحين أيضًا. ٥ - عثمان بن عفان ﵁ (٣). وحديثه في "سنن أبي داود" و"الترمذي" و"النسائي". ٦ - أم المؤمنين عائشة ﵂ (٤). وحديثها في "سنن النسائي". وهذه الأحاديث بطرقها تشهد بثبوت حد الردة، وهي كافية لمن كان له قلب أو عقل أو كان عنده إنصاف -وأراد الله به خيرًا- أن تقنعه ويأخذ بها، ولكن كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرعد:٣٣].

стр. 155

رابعًا: حد الردة كما أنه قد ثبت بالسنة القولية فقد ثبت كذلك بالسنة العملية المتواترة عن النبي ﷺ ، وقد قتل النبي ﷺ مجموعة من المرتدين، كما تقدم ذكره. وكذلك لم يزل المسلمون منذ عصر النبي ﷺ إلى عصرنا الحاضر يقيمون هذا الحد على من ترك دين الإسلام إلى غيره بشروطه المعتبرة. ومن أشهر الحروب التي وقعت بسبب الردة: الحروب التي شنها الصحابة الكرام ﵃ في عهد أبي بكر الصديق ﵁، وأجمعوا عليها، وسميت في التاريخ بـ"حروب الردة". ولو كان للعرب الحق أو كان لهم الحرية في ترك دينهم الحق على ما يقول هذا المشكك لما قاتلهم الصحابة ﵃ حتى أجبروهم على العودة إلى دين الإسلام، ولكان فعلهم هذا تعديًا على حقوقهم، وسفكًا للدماء بغير حق. وهذا من أبطل الباطل. ومن زعم أن هذه الحروب كانت سياسية فقط فهو جاهل ومغالط، وملبس على الناس. خامسًا: حد الردة كما أنه من الحدود العملية المشهورة بين المسلمين فإنه يتوافق مع القوانين العادلة المطبقة في أكثر بلدان العالم؛ لأنه حد سببه الخيانة العظمى، وعقوبتها في الأغلب في تلك البلدان هي الإعدام. والخيانة العظمى هنا في حد الردة جاءت لله تعالى ولرسوله ﷺ وللمجتمع المسلم. فليس الإسلام إذًا بدعًا من هذه القوانين العادلة. سادسًا: أجمع العلماء على أن المرتد عن دين الإسلام إلى الكفر يستتاب، قيل: ثلاثة أيام، وقيل: أكثر من ذلك، فإن تاب وإلا قتل. وممن نقل الإجماع: ١ - ابن حزم، حيث قال: «واتفقوا أن من كان رجلًا مسلمًا حرًا باختياره وبإسلام أبويه كليهما أو تمادى على الإسلام بعد بلوغه ذلك ثم ارتد إلى دين كفر كتابي أو غيره وأعلن ردته واستتيب في ثلاثين يومًا مائة مرة فتمادى على كفره وهو عاقل غير سكران أنه قد حل دمه، إلا شيئًا رويناه عن عمر وعن سفيان وعن إبراهيم النخعي أنه يستتاب أبدًا» (١). ٢ - ابن قدامة، حيث قال: «وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد» (٢). واختلفوا في المرتدة: فالجمهور على: أنها كالرجل تقتل (٣). وخالف أبو حنيفة فقال: تحبس وتضرب حتى تعود إلى الإسلام (٤). والله أعلم (٥).

стр. 156

الشبهة الثانية والعشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بكون النبي ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي يقول المشكك: «ويقول تعالى بأنه أغنى رسوله. فيقولون بأنه مات مديونًا ودرعه مرهونة لدى يهودي» (١). وقال أيضًا: «وقولهم بفقر رسول الله، وإنه مات ودرعه مرهونة لدى يهودي. بينما كتاب الله يقرر: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى:٨]. ومات غنيًا بنص كتاب الله. فهل يجوز أن يموت رسول الله مديونًا ليهودي وهو يملك حديقة تدر عليه دخلًا؟ ولماذا لم يرهن درعه لدى مسلم؟ ومن الذي فك الرهن؟ أم ما زال الدرع لدى اليهودي؟ سننتظر تبريرات المبررين. فمن كمال الدين أن تعتقد بغنى رسول الله؛ تصديقًا منك لقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى:٨]. ولا تتخذ معتقدًا بفقره أو بغنى نفسه؛ لتنكر الآية وتنكر غنى رسول الله، وتضيّق إطلاق الآية ومنطلقها. فمن تمام الإيمان أن تعتقد وتؤمن بأنه كان غنيًا بمعنى الغنى الفعلي، وليس غنيًا غنًى نسبيًا، بما يعني: أن القائلين بفقره ينكرون الحقيقة القرآنية لمصلحة روايات بشرية». والجواب: أولًا: لا خلاف في أن الله تعالى قد أغنى رسوله ﷺ ، سواء: - أغناه بمال زوجه خديجة ﵂؛ وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى:٨] هي مكية (٢)

стр. 157

- أو أغناه بعد ذلك بما أفاء الله عليه ﷺ من غنائم الجهاد وأموال بني النضير خاصة التي كانت خالصة له ﷺ ، فكان ينفق على أهله منها قوت سنة، وما بقي يجعله في الكراع -السلاح- وعدة في سبيل الله، كما في الصحيحين وغيرهما (١). - أو أغناه بحديقته "فدك" التي غنمها في السنة السابعة، لكن الثابت أنه ﷺ أوقف حديقة فدك على أبناء السبيل (٢)، وقيل: كان ينفق منها على فقراء بني هاشم ويزوج أيمهم منها (٣).

стр. 158

- أو أغناه بغنى النفس الذي لا يعدله كنوز الأرض كلها. فكل ذلك ثابت في حقه ﷺ (١).

стр. 159

ثانيًا: ليس بمستنكر في العقل ولا العرف ولا الواقع أن يقترض الغني لسبب من الأسباب، كتأخر الحصاد مثلًا، أو نفاد محصوله، أو ضخ رأس ماله كله في مشروع تجاري، أو إنفاق جميع ما معه من أموال في وجوه الخير، كما هو حال النبي ﷺ ، ونحو ذلك. وهذه الدول الكبرى الغنية لم تزل ولا تزال تقترض لسد العجز الحاصل في ميزانيتها، ولا لوم عليها في ذلك. ولم يشنع عليها أحد لأجل ذلك كما شنع هذا المشكك. ثالثًا: ليس في الاقتراض أي عيب على الشخص حتى ولو كان غنيًا، وكذلك أيضًا ليس فيه أي عيب إذا اقترض من غير بني جنسه خاصة إذا كان في مقابل رهن، كما فعل النبي ﷺ ؛ وذلك لأنه: ١ - مما جرى به العرف بين الناس. ٢ - أنه قائم على السداد ولو بعد حين. وإذا لم يسدد المقترض لعجز أو موت فإن الدائن يملك الرهن شرعًا وعرفًا وقانونًا. رابعًا: أما كون النبي ﷺ اقترض من يهودي وليس من مسلم فلعله لم يكن عند المسلمين بغيته من الطعام في ذلك الوقت، أو لعله من باب تقريب اليهودي إلى الإسلام. وفوق كل ذلك فعله لبيان الجواز في هذا النوع من المعاملة وغيرها مع أهل الكتاب. خامسًا: ذكر ابن حجر في "الفتح" عن ابن الطلاع في كتابه "الأقضية النبوية": «أن أبا بكر افتك الدرع بعد النبي ﷺ » (١). ثم قال بعد ذلك: «لكن روى ابن سعد (٢) عن جابر: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى عِدَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّ عَلِيًّا قضى دُيُونه) (٣)» (٤). وكل ذلك محتمل.

стр. 160

وحتى لو لم تفك الدرع فلا ضير في ذلك؛ لأن الرهن هو في مقابل المرتَهَن، فإن تم السداد رد لصاحبه، وإن لم يتم تملكه المُقْرض عند انتهاء الأجل، كما هو المعمول به شرعًا وقانونًا. سادسًا: إثبات هذا المشكك حديقة للنبي ﷺ هو اعتراف منه بالسنة ولو من حيث لا يشعر. وفي إثباته هذا إظهار لتناقضه العجيب، وما أكثر تناقضاته في هذه التشكيكات الزائفة. والله أعلم.

стр. 161

الشبهة الثالثة والعشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بعدم الإشهاد على الطلاق واحتسابهم الطلاق بإقرار أحد الزوجين يقول المشكك: «ويقول تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق:٢]. فيقول فقهاؤنا بعدم ضرورة الإشهاد على الطلاق، ويحتسبون الطلاق بإقرار الزوجة أو الزوج». والجواب: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] الإشهاد في هذه الآية ليس المراد به الإشهاد على الطلاق، وإنما: الإشهاد على الرجعة. وبهذا قال أكثر العلماء والمفسرين؛ وذلك: ١ - لما قد يحصل من إنكار الزوجة لها خاصة بعد انقضاء العدة. ٢ - قطعًا للشك في حصولها. ٣ - ابتعادًا عن الاتهام في العودة إلى معاشرة الزوجة بلا رجعة. وليس الإشهاد عند هؤلاء واجبًا، ولكنه مستحب؛ لما تقدم ذكره. وقالت الظاهرية بوجوب الإشهاد على الرجعة، وإن لم يشهد عندهم فلا تصح. وعللوا ذلك: ١ - أن الأمر بالإشهاد في الآية هو للوجوب. ٢ - أن الشهادة شرط في إنشاء الزواج بالاتفاق، فتكون شرطًا في استدامته بالرجعة. ثانيًا: أجمع العلماء على: أنه لا يجب الإشهاد على الطلاق؛ لما جاء من أن عدة من الصحابة ﵃ طلقوا زوجاتهم ولم يقع منهم إشهاد على طلاقهم وأقرهم النبي ﷺ ، ومنهم: ١ - ابن عمر ﵄ (١).

стр. 162

٢ - رفاعة القرظي ﵁ (١). ٣ - ركانة ﵁ (٢). ٤ - زوج فاطمة بنت قيس ﵄ (٣). وغيرهم ﵃.

стр. 163

وممن نقل الإجماع على ذلك: ١ - نقل ابن حزم عدم الخلاف في ذلك، فقال: «ولا نعلم خلافًا في أن من طلق ولم يشهد أن الطلاق له لازم، ولكن لسنا نقطع على أنه إجماع» (١). قلت: قد قطع غيره بذلك. ٢ - الشوكاني، حيث قال: «ومن الأدلة على عدم الوجوب -أي: عدم وجوب الإشهاد على الرجعة-: أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حكاه الموزعي في "تيسير البيان"» (٢). وقال أيضًا: «وقد وقع الاجماع على عدم وجوب الاشهاد في الطلاق» (٣). ٣ - الفقيه المعاصر وهبة الزحيلي، حيث قال: «وأجمع العلماء على عدم وجوب الإشهاد على الطلاق» (٤). ثالثًا: استدلال هذا المشكك بهذه الآية على وجوب الإشهاد على الطلاق شاذ، ولم يسبقه أحد إلى ذلك؛ لأن المقصود بها هو: الإشهاد على الرجعة، وليس على الطلاق. وهذا بلا خلاف. رابعًا: لم يطالب الشرع الزوج بوجوب الإشهاد على الطلاق؛ وذلك لتعسره، وربما لاستحالته عند فوران الغضب لديه واستحكامه عليه. خامسًا: قول المشكك: «ويحتسبون الطلاق بإقرار الزوجة أو الزوج» كلام صحيح في حق الزوج، وغريب في حق الزوجة. فلا أعلم أحدًا قال: إن الزوجة إذا أقرت بالطلاق ونفاه الزوج أنها تطلق بذلك؛ لأن القول قول الزوج في ذلك، وليس قولها، والعصمة هي بيد الزوج، وليس بيدها. والله أعلم.

стр. 164

الشبهة الرابعة والعشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بعدم الوصية لوارث يقول المشكك: «والله يقول بالوصية. بينما تقول السنة القولية: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) (١)». والجواب: أولًا: الوصية التي أشار إليها هذا المشكك وقال: "إن الله يقول بها" هي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة:١٨٠]. وهذه الآية منسوخة بآية المواريث -وهو لا يقر بالنسخ-، وهي قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء:٧]. ثانيًا: أجمع العلماء على عدم جواز الوصية لوارث، وأن الوصية له منسوخ. وممن حكى الإجماع على هذا: ١ - ابن حزم، حيث قال: «واتفقوا أن الوصية لوارث لا تجوز» (٢). ٢ - ابن رشد، حيث قال: «فإنهم اتفقوا على أن الوصية لا تجوز لوارث» (٣). ٣ - ابن قدامة، حيث قال: «وجملة ذلك: أن الإنسان إذا وصى لوارثه بوصية فلم يجزها سائر الورثة لم تصح بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا (٤)» (٥).

стр. 165

٤ - القرطبي، حيث قال في تفسيره: «إجماع المسلمين أنه لا تجوز وصية لوارث» (١). ٥ - ابن كثير، حيث قال في تفسيره: «إن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع» (٢). ثالثًا: السنة القولية التي ينكرها وجاءت بالنهي عن الوصية للوارث هي تأكيد لحقوق الورثة وبيان لما فرضه الله لهم، وقد قال بعض العلماء: إنها ناسخة لوجوب الوصية للوالدين والأقربين. وقال أكثرهم: إن الذي نسخ هذا الوجوب هي آية المواريث، كما تقدم. رابعًا: في تحريم الوصية للوارث إلا بإجازة بقية الورثة حفاظ على حقوق الورثة الآخرين من عبث بعض المورثين. ونسأل هذا المشكك: هل يقبل أن يوصي مورثه على سبيل الفرض بجميع ماله أو أكثره أو نصفه أو حتى أقل من ذلك لأحد الورثة دونه؟ فإن قبل بذلك فهذا شأنه، وإن لم يقبل فقد أقر ولو ضمنًا بأنه لا وصية لوارث. والله أعلم.

стр. 166

الشبهة الخامسة والعشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بتعذيب الميت ببكاء أهله عليه يقول المشكك: «ويقولون فيما أدخلوه زورًا بالتراث وينسبونه للصادق الأمين: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) (١). البخاري (١٢٨٦، ١٢٩٠)، مسلم (٢) (٩٢٧، ٩٢٨). فهل يعذبنا الله على ما لم نفعله، ومع كوننا أمواتًا؟ فأين هؤلاء وفكرهم عن الله حين وصف نفسه فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ وأين هم من قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم:٣٨]»؟ والجواب: أولًا: حديث (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) في الصحيحين من حديث عمر ﵁ (٣). وكذلك من حديث عبد الله بن عمر ﵄ (٤).

стр. 167

ثانيًا: أنكرت أم المؤمنين عائشة على ابن عمر ﵄ هذا الحديث (١)، وكذلك أنكرته على عمر بن الخطاب ﵄ (٢).

стр. 168

وذكرت ﵂ أن النبي ﷺ قاله في شأن الكافر، وليس في شأن المؤمن. ونسبتهما إلى الخطأ والنسيان، ولم تنسبهما إلى الكذب (١) -كما فعل هذا المشكك الجاهل-. وكذلك أنكره على ابن عمر أبو هريرة ﵄ (٢). والحديث لا مجال لإنكاره؛ لأنه ثابت في الصحيحين وغيرهما. ثالثًا: تأول العلماء هذا الحديث بعدة تأويلات، ومن أحسنها: ١ - قولهم: إن الميت يعذب ببكاء أهله إذا أوصاهم بالنوح ورضي به في حياته، فيعذب بذلك؛ لأنه امتداد لعمله السيئ. وبهذا قال أكثر العلماء (٣).

стр. 169

٢ - قيل: معنى: (يُعَذَّبُ) أي: يتألم نفسيًا؛ لبكائهم. وأوردوا لذلك شواهد من اللغة. وبهذا قال ابن جرير والقاضي عياض (١)، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) وجماعة من المتأخرين. ٣ - قيل: المراد بذلك هو: الكافر، وليس المؤمن، كما ذهبت إليه عائشة ﵂. وقيل غير ذلك. وكل هذه التأويلات صحيحة. والله أعلم.

стр. 170

الشبهة السادسة والعشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بإغواء حواء لآدم ﵉ بالأكل من الشجرة التي حُرِّمت عليهما في الجنة يقول المشكك: «ورد بـ"صحيح (١) البخاري" المنسوب زورًا للبخاري: أن حواء هي التي أغوت آدم بالأكل من الشجرة. الحديث رقم (٣٣٣٠، ٣٣٩٩)، و"صحيح مسلم" (١٤٧٠). بينما يقول الله تعالى بسورة (٢) طه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه:١٢٠ - ١٢١]. أتكلم إبليس مع حواء أم أتكلم مع آدم كما ذكر القرآن؟ أآدم هو الذي عصى كما قال الله أم أن حواء هي التي تزعمت المعصية كما تقول السنة المزعومة»؟ والجواب: أولًا: قوله عن "صحيح البخاري": «المنسوب زورًا للبخاري» هو من المضحكات المبكيات! إذ كيف يقول هذا الفدم الجاهل هذا الكلام ويشكك في نسبة كتاب إلى صاحبه وهو مما لا يخفى شهرة في العالم؟ بل وقد أطبق الشرق والغرب على ذلك؟ وتواتر النقل عن الصغير والكبير والرجل والمرأة والعالم والجاهل والمسلم والمستشرق والمتقدمين والمتأخرين أن الكتاب الموسوم بـ"صحيح البخاري" هو لصاحبه المعروف بـ: محمد بن إسماعيل البخاري؟! فيا لله ما أجهل هذا المشكك! وما أغباه! وما أضله عن الحق! ثانيًا: لا يوجد حديث ينص صراحة على أن حواء هي التي أغوت آدم ﵉ بالأكل من الشجرة. والحديث الذي أشار إليه المشكك لا يدل على ذلك، ولفظه في "صحيح البخاري": عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنَّ أُنْثَى زَوْجَهَا) (٣).

стр. 171

فأين نجد في هذا اللفظ: أن حواء أغوت آدم ﵉ بالأكل من الشجرة؟! وإنما خاض شراح الحديث كالنووي وابن حجر في معنى: (وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنَّ أُنْثَى زَوْجَهَا) فقالا: إن أمنا حواء دعت آدم وحرضته على الأكل من الشجرة -أي: شجعته على ذلك- بعد أن أغراهما إبليس بالأكل منها (١). فهذا الذي نقله هذا المشكك ونسبه إلى السنة هو من كلام الشراح، وليس من كلام النبي ﷺ . ويحتمل في معنى خيانتها لآدم ﵇ غير ذلك سوى الفاحشة (٢). فلا يصح له أن يجعل كلام الشراح هذا على أنه من السنة، ونسبته ذلك إليها هو من الافتراء والكذب على النبي ﷺ ، وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (٣). وحسبه ذلك. ثالثًا: قوله: «أتكلم إبليس مع حواء أم أتكلم مع آدم كما ذكر القرآن؟ أم أن حواء هي التي تزعمت المعصية كما تقول السنة المزعومة»؟ يدل على جهله بالقرآن الذي أثبت كلام إبليس مع الأبوين ﵉ جميعًا، وأنه وسوس لهما ودلاهما بغرور جميعًا حتى أكلا من الشجرة، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ [الأعراف:٢٠ - ٢٢]. والله أعلم.

стр. 172

الشبهة السابعة والعشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في تفسيرهم للمغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى يقول المشكك: «وهم يفسرون قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة:٧]: أن المغضوب عليهم هم: اليهود، وأن الضالين هم: النصارى. ولا أعلم سببًا لتخصيص الغضب [على اليهود] (١)، وتخصيص الضلال للنصارى (٢). أليس الكفار والمنافقون مغضوبًا عليهم وضالين؟ أليس قاتل المؤمن من المغضوب عليهم والملاعين بنص كتاب الله»؟ والجواب: أولًا: يتفق هذا المشكك مع غيره أن اليهود: مغضوب عليهم، وأن النصارى: ضالون؛ لأنهم كفار. فلماذا الإنكار منه إذن؟ لا شك أن إنكاره إنما جاء لكونهم وصفوا بذلك في السنة المطهرة، وهو ينكر هذه السنة جملة وتفصيلًا، ولا يعترف بها. وقد جاء هذا التفسير عن النبي ﷺ من حديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ: الْيَهُودُ، وإنَّ الضَّالِّينَ: النَّصَارَى) (٣). وإذا كان هذا المشكك يقر بحال هاتين الطائفتين كما سبق فاستنكاره لتخصيصهم بذلك لا يخرجهم عن تلك الأوصاف التي وصفوا بها، وإنما يزداد به إثمًا على إثم لا غير. ثانيًا: ما ورد في السنة في ذلك هو بيان وتفسير لحقيقة اليهود والنصارى، ولا يعني ذلك أن الكفار الآخرين والمنافقين وبعض من وصف بذلك من أهل الكبائر لا يتصفون بغضب الله عليهم أو كونهم غير ضالين؟ ومن يقول بذلك لا يعرف الشرع ولا اللغة.

стр. 173

وهذا الذي ورد في السنة هو تأكيد لما في القرآن الكريم من أوصاف لليهود بالغضب والنصارى بالضلال. وغاب ذلك عن هذا المشكك؛ لجهله الكثير بالقرآن، فقد وصفهم الله بذلك في غير ما آية في القرآن، ومن ذلك: ١ - قال تعالى عن اليهود: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة:٦٠]. ٢ - قال تعالى عن اليهود أيضًا: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة:٩٠]. ٣ - قال تعالى عن النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة:٧٧]. ثالثًا: وصف اليهود بالمغضوب عليهم والنصارى بأنهم ضالون هو قول الجماهير من أهل العلم؛ لما جاء من تفسير النبي ﷺ لذلك. وهذا التفسير هو المعتمد. وقد فسره بعضهم بغير ذلك فقال: إن المغضوب عليهم هم: المتبعون للبدع، والضالين هم: من تنكب سنن الهدى. وقال ابن كثير: «غير صراط المغضوب عليهم، وهم: الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ﴿وَلَا﴾ صراط ﴿الضَّالِّينَ﴾، وهم: الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بـ ﴿لَا﴾ ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى» (١). والله أعلم.

стр. 174

الشبهة الثامنة والعشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بكون النبي ﷺ توفي والتحريم بخمس رضعات قرآنًا يتلى يقول المشكك: «وبـ"صحيح مسلم" أيضًا -وهو كتابهم الصحيح المقدس المعجزة- بفنون (١) التصادم مع كتاب الله، حيث يطعن عليه بالنقص، حيث ورد بباب (٢) التحريم بخمس رضعات بالحديث (٣) رقم (١٤٥٢): حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة أنها قالت: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) (٤). فأين ذهبت تلك الآية طالما أن الرسول توفي وهي مما يقرأ من القرآن، أم أن هناك نسخهم المزعوم الذي استمر بعد وفاة الرسول؟ أليس هذا تشكيكًا في صحة ما بأيدينا من كتاب الله»؟ والجواب: أولًا: قوله: «كتابهم الصحيح المقدس المعجزة» هذا من كذبه وافترائه على أهل الحديث، فإنهم لم يقولوا قط عن "صحيح مسلم" ولا عن "صحيح البخاري": إنه الكتاب المقدس المعجزة. وليعز هذا الافتراء إلى مصدر موثوق من كتبهم إن كان من الصادقين. وأما قولهم عنه: "إنه صحيح" فهذا مما لا خلاف فيه عندهم، سوى بعض الأحاديث المستثناة منه التي انتقدها الدارقطني وغيره. وكون هذا المشكك لا يعترف بذلك وإنكاره له أشد الإنكار فإنه بذلك قد خالف إجماع المسلمين منذ القرن الثالث الهجري وإلى اليوم. وللإمام ابن حزم كلام خطير فيمن كان هذا حاله، وربما انفرد به عن العلماء، وهو: أن مخالف الإجماع بعلم كافر، فقد قال في مقدمة كتابه "مراتب الإجماع": «أما بعد: فإن الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية يرجع إليه ويفزع نحوه، ويكفر من خالفه إذا قامت عليه الحجة بأنه إجماع» (٥).

стр. 175

وقال أيضًا: «ومن شرط الإجماع الصحيح: أن يُكَفَّر من خالفه بلا اختلاف بين أحد من المسلمين في ذلك» (١). وتعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: «فمن كفَّر مخالف الإجماع إنما يكفره إذا بلغه الإجماع المعلوم» (٢). ثانيًا: القرآن الكريم المكتوب في المصاحف والمحفوظ في الصدور لا يتشكك فيه أحد من المسلمين، ولا تؤثر على صحته رواية مخالفة أينما رويت، ولا قراءة شاذة مهما تليت. وهذا من الإجماع المعلوم بين الأمة جميعًا. ثالثًا: حديث عائشة ﵂ هذا في كون الرضعات المحرمة عشرًا ثم نسخن بخمس قرآنًا يتلى هي منسوخة بلا خلاف؛ بدليل: أنها غير موجودة في المصحف. وهو لا يؤمن بالنسخ، وهذا شأنه. فأما العشر الرضعات فنسخ حكمها وتلاوتها، وأما الخمس فنسخ تلاوتها وبقي حكمها. وإذا لم يعمل بهذا فلعله أن ينكح أخته أو أمه من الرضاعة. وأما قول عائشة ﵂: (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) فمقصودها -كما ذكر النووي في "شرح صحيح مسلم"-: «أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًا، حتى إنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ: "خَمْسُ رَضَعَاتٍ"، ويجعلها قرآنًا متلوًا؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى» (٣). والله أعلم.

стр. 176

الشبهة التاسعة والعشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بوقوع الخلق في سبعة أيام لا ستة يقول المشكك: «ومما أورده "صحيح مسلم": حديث رقم (٢٧٨٩): باب ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇، يقول فيه: حدثني ... عن أبي هريرة قال: (أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ). بما يعني: سبعة أيام كاملة، وعدها واحدًا تلو الآخر. بينما يقول الله بالقرآن (١) في سبعة مواضع بسبع (٢) آيات أذكر منها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق:٣٨]. فأين رجال العلم من هذا التناقض؟ أَوَ خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام كما يقول الله أم سبعة أيام كما يقول المزورون على النبي باسم حديث صحيح؟ أم إننا لا نفهم البلاهة التي لا يستطيع فك طلاسمها إلا العلماء المتخصصون؟ وإذا كانوا يفهمون أليس من مسئولية العلماء توضيح ما يفهمونه لنا؛ حتى نفهم ولا نكون مفكرين؟ وقد يحدونا الأمل لاستئصال المخ باعتباره زائدة دودية ملتهبة». والجواب: للعلماء المتقدمين والمتأخرين في هذا الحديث ثلاثة مسالك: المسلك الأول: مسلك التضعيف والرد، لكن من غير حط ولا تشنيع، كما فعل هذا المشكك الحاقد. وممن ذهب إلى ذلك: ١ - البخاري، حيث قال عنه: «قال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب. وهو أصح» (٣). ونقل عنه ابن القيم في "بدائع الفوائد" قوله فيه: «إنه حديث معلول، وأن الصحيح: أنه قول كعب -يعني: كعب الأحبار-» (٤).

стр. 177

٢ - ابن تيمية، حيث قال عنه: «حديث معلول، قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره» (١). وقال أيضًا عمن ضعفه: «وهذا هو الصواب» (٢). وقال أيضًا عنه: «بيّن أئمة الحديث كيحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وغيرهم أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي ﷺ » (٣). وقال أيضًا عنه في "التوسل والوسيلة": «الحديث المختلف فيه» (٤). ٣ - ابن القيم، حيث قال عنه في "المنار المنيف": «وهو في "صحيح مسلم"، ولكن وقع الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار» (٥). ٤ - ابن كثير، حيث قال عنه: «اختلف فيه على ابن جريج» (٦). ٥ - المعلمي، حيث قال عنه: «في صحة هذه الرواية عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح نظر» (٧). ٦ - محمد الأمين الشنقيطي، حيث قال عنه: «يظهر عدم صحته» (٨). ٧ - ابن عثيمين، حيث قال عنه: «حديث ليس بصحيح، ولا يصح عن النبي ﷺ » (٩). المسلك الثاني: مسلك التصحيح للحديث والسكوت؛ لاعتقادهم عدم وجود مخالفة بينه وبين القرآن الكريم في الحقيقة. وممن ذهب إلى هذا: ١ - الإمام مسلم الذي خرجه في صحيحه. ٢ - ابن حبان في صحيحه (١٠).

стр. 178

٣ - ابن العربي في "أحكام القرآن" (١). ٤ - الزرقاني في "مختصر المقاصد" (٢). ٥ - شعيب الأرناؤوط في تخريجه وتحقيقه لـ"صحيح ابن حبان" (٣). المسلك الثالث: مسلك التصحيح والجمع بينه وبين القرآن الكريم؛ لاعتقادهم عدم وجود مخالفة حقيقية بينهما. ولهؤلاء طريقتان في الجمع: الأولى: أن هذه الأيام السبعة المذكورة في الحديث غير الأيام الستة المذكورة في القرآن. وذهب إلى هذا الألباني، حيث قال عنه: «وقد توهم بعضهم أنه مخالف للآية المذكورة في أول الحديث، وهي أول سورة السجدة، وليس كذلك كما كنت بينته فيما علقته على "المشكاة" (٥٧٣٥). وخلاصة ذلك: أن الأيام السبعة في الحديث هي غير الأيام الستة في القرآن، وأن الحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن، ولا يخالفه. وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر (٤)، فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من (٥) الجمع.

стр. 179

فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات» (١). قلت: وحديث الأخضر بن عجلان أخرجه الإمام النسائي في "السنن الكبرى" في كتاب التفسير من طريقه عن أبي هريرة ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِي قَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! إِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَوْمَ السَّابِعِ، وَخَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ) (٢)، الحديث، بنحو رواية مسلم. وهذا الحديث ذكره الذهبي في كتاب "العُلو" (٣)، وحسنه الألباني في تعليقه على المختصر، فقال: «الحديث جيد الإسناد» (٤). وهو شاهد لما ذهب إليه الألباني من الجمع؛ إذ بيّن أن السبعة الأيام في الحديث هي غير الستة الأيام التي في القرآن، وأن هذه الأيام السبعة هي تفصيلية لما جرى من خلق في الستة الأيام. الثانية: أن الآية تتحدث عن خلق السموات والأرض وما بينهما من أفلاك ومجرات وكواكب وأنجم وغيرها في ستة أيام، ولم تتحدث عن خلق ما فيهن، وقد أشار القرآن إلى المغايرة بينهما فقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة:١٢٠]، وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء:٤٤]. فدل هذا على: أن ما فيهن من خلق لم يدخل في حساب خلق السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك خلق آدم ﵇ الذي وقع في اليوم السابع في آخر ساعة من يوم الجمعة. إضافة إلى: أن الحديث يتحدث عن تفصيل الخلق على الأرض، ولم يتعرض لتفصيل خلق السماوات الذي جرى في يومين. ثم إنه لم يتجاوز تفصيل خلق الأرض الأربعة أيام التي ذكرها القرآن، فالتربة خلقت في يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء. وهذه أربعة أيام تتعلق بالأرض.

стр. 180

ثم قال: (وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ)، أي: خلق الأنجم والشمس والقمر في هذا اليوم. وهذه تتعلق بيومي خلق السماوات. ثم قال: (وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ)، أي: نشرها في الأرض، ولم يتحدث عن خلقها في هذا اليوم، فيحتمل أنه خلقها في أحد أيام الأرض الأربعة، ويحتمل في غيرها، ولا يدخل ذلك في حساب الأيام الستة؛ لأنه جرى في السماوات والأرض، أي: فيهن، ولم يدخل في خلق ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. وخَلْق ما فيهن قد جرى في غير الستة الأيام. والله أعلم. وبهذا يلتئم الحديث مع الآية، ولا يعارضها. وهو أولى من تضعيفه مع صحة سنده. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨]. والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →