← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 169

مع المشككين في السنة

عبد الرحمن الخميسي

Полный текст (317 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الشبهة التاسعة والعشرون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بوقوع الخلق في سبعة أيام لا ستة يقول المشكك: «ومما أورده "صحيح مسلم": حديث رقم (٢٧٨٩): باب ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇، يقول فيه: حدثني ... عن أبي هريرة قال: (أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ). بما يعني: سبعة أيام كاملة، وعدها واحدًا تلو الآخر. بينما يقول الله بالقرآن (١) في سبعة مواضع بسبع (٢) آيات أذكر منها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق:٣٨]. فأين رجال العلم من هذا التناقض؟ أَوَ خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام كما يقول الله أم سبعة أيام كما يقول المزورون على النبي باسم حديث صحيح؟ أم إننا لا نفهم البلاهة التي لا يستطيع فك طلاسمها إلا العلماء المتخصصون؟ وإذا كانوا يفهمون أليس من مسئولية العلماء توضيح ما يفهمونه لنا؛ حتى نفهم ولا نكون مفكرين؟ وقد يحدونا الأمل لاستئصال المخ باعتباره زائدة دودية ملتهبة». والجواب: للعلماء المتقدمين والمتأخرين في هذا الحديث ثلاثة مسالك: المسلك الأول: مسلك التضعيف والرد، لكن من غير حط ولا تشنيع، كما فعل هذا المشكك الحاقد. وممن ذهب إلى ذلك: ١ - البخاري، حيث قال عنه: «قال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب. وهو أصح» (٣). ونقل عنه ابن القيم في "بدائع الفوائد" قوله فيه: «إنه حديث معلول، وأن الصحيح: أنه قول كعب -يعني: كعب الأحبار-» (٤).

стр. 177

٢ - ابن تيمية، حيث قال عنه: «حديث معلول، قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره» (١). وقال أيضًا عمن ضعفه: «وهذا هو الصواب» (٢). وقال أيضًا عنه: «بيّن أئمة الحديث كيحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وغيرهم أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي ﷺ » (٣). وقال أيضًا عنه في "التوسل والوسيلة": «الحديث المختلف فيه» (٤). ٣ - ابن القيم، حيث قال عنه في "المنار المنيف": «وهو في "صحيح مسلم"، ولكن وقع الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار» (٥). ٤ - ابن كثير، حيث قال عنه: «اختلف فيه على ابن جريج» (٦). ٥ - المعلمي، حيث قال عنه: «في صحة هذه الرواية عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح نظر» (٧). ٦ - محمد الأمين الشنقيطي، حيث قال عنه: «يظهر عدم صحته» (٨). ٧ - ابن عثيمين، حيث قال عنه: «حديث ليس بصحيح، ولا يصح عن النبي ﷺ » (٩). المسلك الثاني: مسلك التصحيح للحديث والسكوت؛ لاعتقادهم عدم وجود مخالفة بينه وبين القرآن الكريم في الحقيقة. وممن ذهب إلى هذا: ١ - الإمام مسلم الذي خرجه في صحيحه. ٢ - ابن حبان في صحيحه (١٠).

стр. 178

٣ - ابن العربي في "أحكام القرآن" (١). ٤ - الزرقاني في "مختصر المقاصد" (٢). ٥ - شعيب الأرناؤوط في تخريجه وتحقيقه لـ"صحيح ابن حبان" (٣). المسلك الثالث: مسلك التصحيح والجمع بينه وبين القرآن الكريم؛ لاعتقادهم عدم وجود مخالفة حقيقية بينهما. ولهؤلاء طريقتان في الجمع: الأولى: أن هذه الأيام السبعة المذكورة في الحديث غير الأيام الستة المذكورة في القرآن. وذهب إلى هذا الألباني، حيث قال عنه: «وقد توهم بعضهم أنه مخالف للآية المذكورة في أول الحديث، وهي أول سورة السجدة، وليس كذلك كما كنت بينته فيما علقته على "المشكاة" (٥٧٣٥). وخلاصة ذلك: أن الأيام السبعة في الحديث هي غير الأيام الستة في القرآن، وأن الحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن، ولا يخالفه. وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر (٤)، فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من (٥) الجمع.

стр. 179

فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات» (١). قلت: وحديث الأخضر بن عجلان أخرجه الإمام النسائي في "السنن الكبرى" في كتاب التفسير من طريقه عن أبي هريرة ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِي قَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! إِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَوْمَ السَّابِعِ، وَخَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ) (٢)، الحديث، بنحو رواية مسلم. وهذا الحديث ذكره الذهبي في كتاب "العُلو" (٣)، وحسنه الألباني في تعليقه على المختصر، فقال: «الحديث جيد الإسناد» (٤). وهو شاهد لما ذهب إليه الألباني من الجمع؛ إذ بيّن أن السبعة الأيام في الحديث هي غير الستة الأيام التي في القرآن، وأن هذه الأيام السبعة هي تفصيلية لما جرى من خلق في الستة الأيام. الثانية: أن الآية تتحدث عن خلق السموات والأرض وما بينهما من أفلاك ومجرات وكواكب وأنجم وغيرها في ستة أيام، ولم تتحدث عن خلق ما فيهن، وقد أشار القرآن إلى المغايرة بينهما فقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة:١٢٠]، وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء:٤٤]. فدل هذا على: أن ما فيهن من خلق لم يدخل في حساب خلق السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك خلق آدم ﵇ الذي وقع في اليوم السابع في آخر ساعة من يوم الجمعة. إضافة إلى: أن الحديث يتحدث عن تفصيل الخلق على الأرض، ولم يتعرض لتفصيل خلق السماوات الذي جرى في يومين. ثم إنه لم يتجاوز تفصيل خلق الأرض الأربعة أيام التي ذكرها القرآن، فالتربة خلقت في يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء. وهذه أربعة أيام تتعلق بالأرض.

стр. 180

ثم قال: (وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ)، أي: خلق الأنجم والشمس والقمر في هذا اليوم. وهذه تتعلق بيومي خلق السماوات. ثم قال: (وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ)، أي: نشرها في الأرض، ولم يتحدث عن خلقها في هذا اليوم، فيحتمل أنه خلقها في أحد أيام الأرض الأربعة، ويحتمل في غيرها، ولا يدخل ذلك في حساب الأيام الستة؛ لأنه جرى في السماوات والأرض، أي: فيهن، ولم يدخل في خلق ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. وخَلْق ما فيهن قد جرى في غير الستة الأيام. والله أعلم. وبهذا يلتئم الحديث مع الآية، ولا يعارضها. وهو أولى من تضعيفه مع صحة سنده. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨]. والحمد لله رب العالمين.

стр. 181

الشبهة الثلاثون اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بأن النبي ﷺ بُعث بقتال الناس حتى يسلموا وبالسيف يقول المشكك: «ومن أعاظم الإفك: ما رواه البخاري ومسلم وأورده النووي في كتابه الشهير "شرح الأربعين النووية" من: أن رسول الله قال: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا (١) فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) (٢). فيقوم الفقهاء بتبرير الحديث بأن كلمة (النَّاسَ) لا تعني: كل الناس. لكنهم ذهلوا عن حديث رواه الإمام أحمد بمسنده: (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ (٣) الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي) (٤). فهل يكون نبينا مما (٥) ينطبق عليه قول ربنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء:١٠٧]؟ فهل أرسله بالسيف رحمة للعالمين»؟

стр. 182

ثم ذكر رواية أخرى لحديث: (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ) أخرجها الإمام أحمد وانفرد بها كما قال، ثم قال: «فالذي بعثه الله بالسيف وجعل رزقه تحت ظل رمحه لا يكون إلا زعيم عصابة، ولا يمكن لرسول بعثه الله رحمة للعالمين لأن (١) يقول هذا الهراء»؟ والجواب: أولًا: قوله: «وأورده النووي في كتابه الشهير "شرح الأربعين النووية"» الخ هذا وهم من هذا المشكك أو جهل منه، فإني لا أعلم أن النووي له شرح على كتابه "الأربعين"، وإنما الذي قام بشرحه هم بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين، ومنهم: ابن رجب الحنبلي، وابن دقيق العيد، وابن عثيمين، وصالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وغيرهم. ثانيًا: قوله: «ومن أعظم الإفك» الخ كبرت كلمة تخرج من فيه الأفاك الكذاب، وصدره الممتلئ غيظًا وحقدًا على السنة النبوية ورواتها. وأقسم بالله تعالى إنْ الأفاك والكذاب إلا هو. ثالثًا: كلمة (النَّاسَ) في الحديث فسرها شراح الحديث كالقاضي عياض والخطابي والنووي وغيرهم بأن المراد بهم هم: أهل الأوثان والشرك دون أهل الكتاب (٢)؛ وذلك: ١ - أن هؤلاء -أعني: أهل الكتاب- يقولون: لا إله إلا الله، بخلاف أهل الأوثان، فإنهم لا يقولونها. ٢ - أنه يقبل من أهل الكتاب الجزية ويكف عنهم ولو بقوا على كفرهم، بخلاف أهل الشرك، فإنه لا يقبل منهم إلا الإيمان أو يقاتلون. وتفسير (النَّاسَ) في الحديث بما ذكر لا يعني عدم قتال غيرهم من أهل الملل الكافرة بمن فيهم أهل الكتاب إذا لم يعطوا الجزية أو إذا نقضوا عهدهم. ويدل على ذلك: ١ - قتال النبي ﷺ لليهود في: بني قريظة، وبني قينقاع، وبني النضير، وفي خيبر. ٢ - قتاله ﷺ للروم النصارى في: مؤتة، وتبوك. ٣ - قتال أصحابه ﵃ من بعده لجميع أهل هذه الملل. ٤ - قتال الصحابة ﵃ للمجوس في القادسية وغيرها.

стр. 183

وقد قال القاضي عياض: «واختصاصه ذلك -يقصد: عصمة المال والنفس- بمن قال: "لا إله إلا الله" تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا: مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يقر بالصانع ولا يوحده، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقُوتل عليه، فأما غيره ممن يقر بالتوحيد والصانع فلا يُكتفى في عصمة دمه بقوله ذلك؛ إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: (وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ) (١)» (٢). وأقر النووي القاضي عياضًا على ما ذكر، وزاد: «قلت: ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ ، كما جاء في الرواية الأخرى لأبى هريرة -هي مذكورة في الكتاب-: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ) (٣)» (٤). فهؤلاء الأئمة مع كونهم فسروا (النَّاسَ) بأهل الشرك والأوثان، إلا أنهم أوجبوا قتال غيرهم من أهل الكتاب والملل الأخرى وإن كانوا يتلفظون بكلمة التوحيد حتى يؤمنوا بالنبي ﷺ وبشرعه. وشاهد هذا من كتاب الله تعالى: ١ - قال - جل وعلا -: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء:٧٦]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾ [التوبة:١٢]. ٣ - قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩]. رابعًا: حديث النبي ﷺ : (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ) إلخ معناه: أنه بعث بالجهاد في سبيل الله تعالى الذي فرضه الله في كتابه، كما تقدم ذكر بعض الآيات في ذلك.

стр. 184

ونص على "السيف" لأنه آلة الحرب الأشهر في ذلك الوقت. وليس هذا غاية في الإسلام، بل هو وسيلة. وقوله: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) أي: أن الله أباح له الغنائم التي حرمها على من قبله من الأنبياء ﵈. وقوله: (وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي) هو بيان لحقيقة ما يؤول إليه أمر العصاة والكفار في الدنيا والآخرة، وهذا كما أخبر الله عن ذلك في عدة آيات من القرآن، منها: ١ - قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور:٦٣]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [يونس:٢٧]. ٣ - قال تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ [الأنعام:١٢٤]. فهل أيها المشكك الجاهل الضال من بعثه الله تعالى بالجهاد في سبيل الله وأحل له الغنائم وجعل من لا يتبعه ويعصيه ويخالف أمره ذليلًا صاغرًا هو زعيم عصابة؟! قاتلك الله وأخزاك! والله أعلم.

стр. 185

الشبهة الحادية والثلاثون القول بمخالفة حديث: (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) لقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ يقول المشكك: «وبينما يقول الله بكتابه (١): إن النبي قال لصاحبه في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] تجد الإمام البخاري يرويها في كتابه قائلًا: (مَا ظَنُّكَ (٢) بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا)؟ وكأن القرآن لم يكن موجودًا مع ذلك الإمام حين قام بكتابة تلك السطور الآثمة». والجواب: أولًا: أنه لا يوجد تعارض بين قول النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ الذي أخرجه عنه البخاري وغيره: (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) (٣)؟ وبين قوله ﷺ له الذي حكاه عنه القرآن: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]؛ لأن معنى قوله ﷺ : (اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) أي: الله معنا، وهي نفس معنى قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وقد حكى الله تعالى أقوال الكفار وغيرهم ممن لا يتكلمون بالعربية بمعانيها، ولم يحكها عنهم بألفاظهم بل بلفظ القرآن المعجز البليغ؛ لأن ألفاظهم ليست بليغة ولا معجزة. ثانيًا: يقال لهذا المشكك: إن القرآن الكريم كان حاضرًا وموجودًا مع الإمام البخاري حينما قام بكتابة تلك السطور المنيرة والمضيئة من السنة -وليست الآثمة كما تزعم-، فقد بوب في صحيحه في كتاب التفسير: «باب قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]»، ثم ساق الحديث، وفيه: قال أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ : (يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا، قَالَ: مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) (٤)؟

стр. 186

فأكد البخاري بهذا تطابق معنى الحديث مع الآية الكريمة. ثالثًا: ويقال له أيضًا: إن القرآن الكريم كان حاضرًا وموجودًا مع الإمام البخاري حينما قام بكتابة تلك السطور المنيرة والمضيئة من السنة -وليست الآثمة-، فقد روى في صحيحه في مناقب المهاجرين وفضلهم ﵃ عن البراء بن عازب ﵁ قول النبي ﷺ لأبي بكر ﵁: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (١). فطابق فيه تمامًا لفظ القرآن الكريم. وهذا الحديث في قصة خروج النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ من مكة مهاجرين إلى المدينة، وهو حديث طويل، وفيه: (ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: بَلَى. فَارْتَحَلْنَا وَالقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَقُلْتُ: هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (٢). والله أعلم. الشبهة الثانية والثلاثون اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم ببر الوالدين بدلاً من الإحسان إليهما يقول المشكك: «وبينما يقول الله بأن الإحسان للوالدين هو المطلوب. فنجد (٣) الفقهاء يقولون ببر الوالدين. ويبدو أنهم لم يكونوا ليعلموا الفرق بين الإحسان والبر، هذا فضلًا عن أن البر موكول بالقرآن (٤) للأبوين. لكن يبدو أن السادة الفقهاء لم يميزوا بين حقوق الوالدين وحقوق الأبوين». والجواب: أولًا: أن الإحسان إلى الوالدين والبر بهما بمعنى واحد، ولا فرق بينهما. بل من بر بوالديه فقد أحسن إليهما، والعكس كذلك. وقد قال هذا المشكك: "إن هناك فرقًا بينهما". ولم يأت بأي دليل يسند كلامه. وهذا يدل على أن قصده هو التشكيك فقط. في حين أنه لا فرق بينهما في كتب الفقهاء والمفسرين، فمعنى البر هو: الطاعة. وهو اسم جامع لكل خير. ويشمل ذلك: طاعة الوالدين في المعروف، والقيام بخدمتهما اذا احتاجا إلى ذلك، والنفقة عليهما، وعدم عقوقهما ما لم يأمرا بمعصية. وكذلك معنى الإحسان إليهما مثل معنى البر تمامًا، ولا يقتصر على النفقة عليهما كما يتبادر إلى الذهن من اللفظ. ولم أجد لا من العلماء السابقين أو اللاحقين من فرق بين معنى قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣، والنساء:٣٦، والأنعام:١٥١، والإسراء:٢٣] وبين قول النبي ﷺ : (ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ) (٥). حتى جاء هذا المشكك الحاقد على أهل الحديث فذكر أن الإحسان إلى الوالدين هو غير البر بهما، ولم

стр. 187

يذكر أي دليل لا من القرآن ولا من اللغة على التفريق بينهما. ولأن بضاعته في ذلك مزجاة فيُتأكد أن الحامل له على ذلك هو: استعمال الحديث للفظ البر بالوالدين وعدم استعماله لفظ الإحسان إليهما، وهو ينكر السنة ويدعي مناقضتها للقرآن. فهذه هي القضية بعينها. وهذا الاستعمال النبوي ورد في حديث ابن مسعود ﵁ في "صحيح البخاري" وغيره، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (١). ثانيًا: قوله: «إن البر موكول بالقرآن (٢) للأبوين» أي: أن الأب هو الذي يبر بابنه. ولم أجد في القرآن ذلك حسب علمي، وليأت بالآية الدالة على ذلك إن كان من الصادقين. فإني أكاد أجزم أنه لا توجد آية تدل على ما ذهب إليه. وإنما في القرآن الوصية بالأولاد، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء:١١]. ثالثًا: قال: «يبدو أن السادة الفقهاء لم يميزوا بين حقوق الوالدين وحقوق الأبوين». ولم يذكر الفرق بين حقوقهما؛ لأن مهمته هي التشكيك لا غير، وليس الحق ولا العلم. ولا شك أن هناك فرقًا بين الوالد والأب، فالوالد يطلق على: من ولدتَ من صلبه، بخلاف الأب، فإنه يطلق على: الوالد وعلى الجد الأدنى فما فوقه إلى أبينا آدم ﵇. وقد يستعمل لفظ الأب على من ولدتَ من صلبه، كقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء:١١]. وكل من الأب والوالد له حق في الإسلام، لكن الأب الذي ولدتَ من صلبه أعظم حقًا ممن هو أعلى منه، وهو المراد بالبر والإحسان إليه في النصوص في المقام الأول. والله أعلم.

стр. 188

الشبهة الثالثة والثلاثون اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في عدم التفريق بين الذين أوتوا الكتاب وبين أهل الكتاب يقول المشكك: «كما لم يعلم الفقهاء الفرق بين "الذين أوتوا الكتاب" و"أهل الكتاب" و"الذين آتيناهم الكتاب"، فقالوا بالجزية على أهل الكتاب. وهو مما يخالف القرآن». والجواب: أولًا: قوله: "إن الجزية على أهل الكتاب مخالفة للقرآن الكريم؛ لأن أهل الكتاب هم غير الذين أوتوا الكتاب الذين فرض الله عليهم الجزية في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩] " قوله هذا جهل كبير بالشرع واللغة. ومن المضحكات المبكيات من هذا المتعالم الجاهل أن يتحدث فيما لا علم له به. ولا دافع له إلى ذلك سوى الحقد والكراهية للسنة ورواتها وعلمائها. والله المستعان. ثانيًا: لا يوجد فرق في الشرع ولا في اللغة ولا عند العلماء والفقهاء والمفسرين بين "أهل الكتاب" و"الذين أوتوا الكتاب". والمقصود بمن فرض عليه الجزية هم اليهود والنصارى الذين يطلق عليهم "أهل الكتاب" ويطلق عليهم "الذين أوتوا الكتاب"، بلا خلاف في ذلك بين العلماء. قال ابن حزم: «واتفقوا على وجوب أخذ الجزية من اليهود والنصارى ممن كان منهم من الأعاجم الذين دان أجدادهم بدين من الدينين قبل مبعث الرسول ﷺ » (١)، الخ. وقد أخذ النبي ﷺ الجزية من يهود خيبر وهجر واليمن ونصارى نجران وغيرهم، وجميع هؤلاء هم أهل كتاب. والله أعلم.

стр. 189

الشبهة الرابعة والثلاثون اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم بجواز نكاح الصغيرة يقول المشكك: «ويقول الله تعالى بأن عقود النكاح تكون مع البالغات وصاحبات الرشد. فيقول الفقهاء بجواز نكاح الطفلة وإن كانت رضيعة. وما ذلك إلا لعدم فهمهم القرآن». والجواب: أولًا: قوله: «ويقول الله تعالى بأن عقود النكاح تكون مع البالغات» هو من التقول على الله بغير علم، وليأتِ بالآية الدالة على ذلك إن كان صادقًا. ثانيًا: أن القرآن الكريم يدل على جواز نكاح الصغيرات -على عكس ما يدعي المشكك-، قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤]. والمقصود بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَحِضْنَ﴾ هن: الصغيرات دون البلوغ. وهو أمر مجمع عليه بين العلماء. قال ابن المنذر: «وأجمعوا أن نكاح الأب ابنته الصغيرة البكر جائز إذا زوَّجها من كفء» (١). ونقل هذا الإجماع كذلك ابن قدامة في كتابه "المغني" مقرًا له ومستدلًا به (٢). ثالثًا: ومع إجماع الفقهاء على جواز نكاح الصغيرات إلا أنهم ذكروا أنها لا تسلم لزوجها إلا إذا كانت مطيقة. والله أعلم.

стр. 190

الشبهة الخامسة والثلاثون اتهام الصحابة بمخالفة القرآن في قراءة بعض الآيات يقول المشكك: «ويذكر البخاري بكتابه (١) الآثم عن ابن مسعود: أن المعوذتين ليستا من القرآن (٢). ويذكر «صحيح البخاري» -حديث رقم (٤٥٦٣)، حسب ترقيم العالمية: حدثنا ... قال: (قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلُّنَا، قَالَ: فَأَيُّكُمْ أَحْفَظُ؟ فَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ، قَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل:١]؟ قَالَ عَلْقَمَةُ: "وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى"، قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ هَكَذَا، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل:٣]، وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ) (٣). البخاري (٤) -حديث رقم (٤١٤٥)، حسب ترقيم العالمية-: حدثني ... : (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: "وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ) (٥). فأي إجماع يمكننا تصوره على روايات تحذف الكلمات وتضيفها إلى كتاب الله؟ وإن محاولات التبرير بأن هذه قراءات تفسيرية هي محاولات لذر الرماد في العيون، فما لبس على لسان علقمة في الحديث الأول: (وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ) وعلى لسان ابن عباس في الحديث الثاني: (لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ) يرد هذه التبريرات من أساسها».

стр. 191

والجواب: أولًا: قول هذا المشكك عن "صحيح البخاري": «الآثم» هو الإثم بعينه والزور والبهتان حقًا. وما ذنب البخاري في ذلك؟ فإنما هو ناقل وراوٍ، وهو لم ينكر كون المعوذتين من القرآن، بل خالف ابن مسعود ﵁ وأصحابه، وأورد هاتين السورتين في تفسير القرآن من صحيحه، وبوب على ذلك بقوله: «سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق:١]» (١)، ثم شرح بعض ألفاظ هذه السورة، ثم روى الحديث رقم (٤٩٧٦) عن أبي بن كعب ﵁ في إثبات قرآنيتها (٢). وقال عقب ذلك: «سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس:١]» (٣)، وشرح كذلك بعض ألفاظها الغريبة، ثم روى الحديث رقم (٤٩٧٧) عن أبي بن كعب ﵁ السابق في إثبات قرآنيتها (٤). ثم ذكر هاتين السورتين في كتاب فضائل القرآن من صحيحه، فقال: «باب فضل المعوذات» (٥)، ثم روى حديث عائشة ﵂ رقم (٥٠١٦): (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا) (٦). وروى كذلك حديثها ﵂ الآخر رقم (٥٠١٧): (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) (٧). ثانيًا: أجمع المسلمون أن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﷺ هو: المكتوب في المصاحف المعجز المبتدأ بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس المتواتر بلفظه ومعناه. وأن الله تعالى قد وسع على الأمة في قراءته حتى بلغت عشر قراءات متواترة، وأن من قرأ على خلاف هذه القراءات فقراءته شاذة ومردودة مهما بلغ شأوه في العلم ومنزلته في الإسلام.

стр. 192

ثالثًا: ثبت بما لا مجال للشك فيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ في المعوذتين الآتي: ١ - كان ﵁ لا يكتبهما في مصحفه. فعن زر بن حبيش قال: (قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخْبَرَنِي: أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، فَقُلْتُهَا. فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ) (١). ٢ - كان يحكهما من المصحف. فعن علقمة عن عبد الله ﵁: (أَنَّهُ كَانَ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْمَصَاحِفِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُتَعَوَّذَ بِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ بِهِمَا) (٢). ٣ - كان ينكر كونهما من القرآن. فعن عن عبد الرحمن بن يزيد قال: (كَانَ عَبْدُ اللهِ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللهِ) (٣). قال الألباني: «جملة الحكّ والنفي صحيحة جدًّا عن ابن مسعود ﵁» (٤). وقد اختلف العلماء في تأويل صنيع ابن مسعود ﵁ هذا:

стр. 193

١ - قال أبو بكر الباقلاني ووافقه القاضي عياض كما في "فتح الباري": «لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى ألا يكتب في المصحف شيئًا إلا إن كان النبي ﷺ أذن في كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك. قال: فهذا تأويل منه، وليس جحدًا لكونهما قرآنًا» (١). قال ابن حجر: «وهو تأويل حسن» (٢).

стр. 194

٢ - قال ابن حزم: «وكل ما رُوي عن ابن مسعود من أن المعوذتين وأم القرآن لم تكن في مصحفه فكذب موضوع لا يصح» (١).

стр. 195

٣ - قال الفخر الرازي في تفسيره: «والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب باطل» (١). ٤ - قال النووي: «أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن، وأن من جحد شيئًا منه كفر، وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه» (٢). ويؤيد أن ابن مسعود ﵁ لم يكن ينكر قرآنية المعوذتين: أن قراءة أهل الكوفة المتواترة هي من طريقه ﵁، وفيها إثبات قرآنيتهما. وقال بعض العلماء المعاصرين: "لم يكتب ابن مسعود ﵁ المعوذتين في مصحفه اكتفاءً بشهرتهما، لا إنكارًا لقرآنيتهما". رابعًا: ثبت كذلك أن ابن مسعود ﵁ كان يقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل:٣] بحذف: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾، ويقرؤها ﵁: "والذكر والأنثى". وكذلك كان يقرؤها أصحابه، وأيضًا كان يقرؤها هكذا الصحابي الجليل أبو الدرداء ﵁ (٣). وهي قراءة شاذة بلا خلاف. وقد كانت قراءةً تتلى ثم نسخت، ولم يبلغ النسخ هؤلاء. قال ابن حجر: «ولعل هذا مما نسخت تلاوته، ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذُكِر معه. والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة وعن ابن مسعود وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة ثم لم يقرأ بها أحد منهم! وكذا أهل الشام حملوا القراءة عن أبي الدرداء، ولم يقرأ أحد منهم بهذا! فهذا مما يقوي أن التلاوة بها نسخت» (٤). خامسًا: وكذلك القول في قراءة ابن عباس ﵁: "وعلى الذين يُطَوّقونه". هي شاذة، والأغلب أنها تفسيرية. والله أعلم.

стр. 196

الشبهة السادسة والثلاثون اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم بعدم دخول الجنة بالعمل يقول المشكك: «ومع كون مصير الإنسان في الآخرة متوقفًا على عمله في الدنيا، يقول تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ [النمل:٩٠] (١). فيقول (٢) الفقهاء بأن دخول الجنة يكون برحمة الله، وليس بالعمل». والجواب: أولًا: لا خلاف بين المسلمين في وجوب العمل الصالح لدخول الجنة، كما نص الله تعالى في كتابه على ذلك في عدة آيات، ومن ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف:١١٠]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ [البقرة:٨٢]. ٣ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النحل:٣٢]، أي: ادخلوا الجنة بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من الصالحات. فهذه الآيات التي ذكرتها ونحوها هي الدالة على دخول الجنة بالعمل الصالح، وليس قوله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ [النمل:٩٠]؟ وقد ذكر المشكك خمس آيات أخرى بمعنى هذه الآية، وقد أخطأ في الاستدلال بها؛ لأن هذه الآيات سيقت في بيان جزاء الكفار وأنه سبحانه لم يظلمهم، وإنما جازاهم بعملهم الذي عملوه لا غير.

стр. 197

ثانيًا: ومع كون العمل الصالح واجبًا لدخول الجنة إلا أن دخولها متوقف على مشيئة الله تعالى ورحمته، وليس على عمل الشخص مهما كان عظيمًا. والقرآن يفسر بعضه بعضًا. ومن الآيات التي جاء فيها التفسير بأن دخول الجنة إنما يكون برحمة الله تعالى وفضله ومشيئته: ١ - قال تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة:٢٨٤]. ٢ - قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة:١٠٥، وآل عمران:٧٤]. ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة:٢١٨]. فبين سبحانه أنهم مع إيمانهم وهجرتهم وجهادهم في سبيل الله لا يعولون في دخولهم الجنة على عملهم، بل على فضل الله تعالى ورحمته. ٤ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء:١٧٥]. ٥ - قال تعالى في حال أهل الأعراف وإدخالهم الجنة برحمته: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾ [الأعراف:٤٩]. ٦ - قال تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور:٢٧]. فبين - جل وعلا - أن مغفرته لعبده المؤمن وإدخاله له الجنة ووقايته له من النار هو مَنٌّ منه عليه، وليس بعمله ولاسعيه. ثالثًا: وإذا كان العمل الصالح واجبًا لدخول الجنة ودخولها متوقف على مشيئة الله تعالى وفضله ومغفرته ورحمته فكيف التوفيق بين ذلك -أي: بين ما جاء أن دخول الجنة يكون بالعمل وبين ما جاء أن دخولها إنما يكون برحمة الله وتفضله ومشيئته-؟ فيقال: نعم يجب العمل الصالح كما أمر الله تعالى، فمن قَبِلَه الله تعالى وغفر له ورحمه دخل الجنة، ومن لم يقبله لم يدخلها، فإذا دخلها نزل فيها وارتفع في درجاتها بفضل عمله وسعيه، كما في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النحل:٣٢]. وهذا ما أشار إليه الحديث الذي ينكره هذا المشكك، وهو في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: لَا، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ) (١).

стр. 198

قال ابن القيم في كتابه القيم "حادي الأرواح": «فصل: وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه، وهو: أن الجنة إنما تدخل برحمة الله تعالى، وليس عمل العبد مستقلًا بدخولها وإن كان سببًا، ولهذا أثبت الله تعالى دخولها بالأعمال في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾، ونفى رسول الله دخولها بالأعمال بقوله: (لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ). ولا تنافي بين الأمرين؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكره سفيان وغيره قال: «النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ بِعَفْوِ (١) اللَّهِ، وَدُخُولُ الْجَنَّةِ بِرَحْمَتِهِ، وَانْقِسَامُ (٢) الْمَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ بِالْأَعْمَالِ». ويدل على هذا: حديث أبي هريرة -الذي سيأتي إن شاء الله تعالى-: (أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ) (٣). رواه الترمذي. والثاني: أن الباء التي نفت الدخول هي "باء المعاوضة" التي يكون فيها أحد العوضين مقابلًا للآخر، والباء التي أثبتت الدخول هي "باء السببية" التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره وأن لم يكن مستقلًا بحصوله. وقد جمع النبي ﷺ بين الأمرين بقوله: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَنْجُوَ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟! قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ) (٤). ومن عرف الله تعالى وشهد مشهد حقه عليه ومشهد تقصيره وذنوبه وأبصر هذين المشهدين بقلبه عرف ذلك وجزم به. والله المستعان» (٥). والله أعلم.

стр. 199

الشبهة السابعة والثلاثون اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم بوقوع طلاق الثلاث في مجلس واحد ثلاثًا يقول المشكك: «وبـ"صحيح مسلم" -حديث رقم (٢٦٨٩)، حسب ترقيم العالمية-: حدثنا ... عن ابن عباس قال: (كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ) (١). فالأئمة الأربعة ذهبوا بما (٢) يناقض مضمون هذا الحديث، ولذلك فالذي يقول عندهم لامرأته: "أنت طالق ثلاثًا" تبين منه بينونة كبرى. وقد خالفهم ابن حزم الظاهري وجعفر الصادق وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم. إن مما يضع العقل في الكف: أن هذا الحديث الذي لم يأخذ بمضمونه الفقهاء هو حديث يوافق تمامًا حيثيات الصياغة القرآنية الخاصة بهذه المسألة. وفي هذا دليل على: أن أحكام القرآن الكريم وأدلته لم تكن المعيار الأول في تحديد مصداقية الحديث ومرجعية الأحكام. لماذا لم يتم الانتباه إلى قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وبالتحديد إلى كلمة: ﴿مَرَّتَانِ﴾ التي لا يمكنها أن تعني تكرار عبارة الطلاق في مجلس واحد؟ فلو كان الأمر كما ذهب الأئمة إليه لكانت هذه العبارة القرآنية على الشكل: "الطلاق اثنتان". وقد بينت في كتاب ... الفارق الكبير بين الصياغتين، وذلك حين (٣) شرح قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]. وبينت الفارق بين هذه الصياغة القرآنية المطلقة وبين احتمال ورود هذه الصياغة على الشكل: "قالو ربنا أمتنا مرتين وأحييتنا مرتين". فعلى أي أساس تم رد هذا الحديث والعمل بخلافه؟ وهل الذين ذهبوا إلى أن طلاق الثلاث في مجلس واحد يعد طلقة واحدة كجعفر الصادق وابن تيمية ليسوا من علماء الأمة»؟

стр. 200

والجواب: أولًا: استدل هذا المشكك بحديث ابن عباس ﵄ السابق على عدم وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثًا. وهو من تناقضاته الكثيرة؛ إذ كيف يستدل علينا بما لا يؤمن به وما يعتقده مكذوبًا على النبي ﷺ ؟! هذا لا يقبل في العقل ولا في الشرع. والعجب من هذا المشكك أن يتحول منافحًا عن الحديث لأنه يوافق فهمه فقط، في الوقت الذي يشن فيه حملة شعواء على الصحيحين وغيرهما من كتب السنة، ويتهمها بالدجل والكذب، وغير ذلك من عبارات الحط والتشكيك! ثانيًا: أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد كان معروفًا في الجاهلية وعلى عهد النبي ﷺ ، ومما يدل على ذلك: ١ - في الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁ في قصة ملاعنة عويمر العجلاني زوجته عند النبي ﷺ ، قال سهل ﵁: (فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) (١). مما يدل على: أن هذا الطلاق كان متداولًا بينهم، وكان تبين به الزوجة، ولذلك فعله عُويمر ﵁، ولم يستشر النبي ﷺ فيه. ٢ - فعل ركانة ﵁، فعن عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده: (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَا أَرَدْتَ بِهَا؟ قَالَ: وَاحِدَةً، قَالَ: آللَّهِ مَا أَرَدْتَ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً؟ قَالَ: آللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً، قَالَ: فَرَدَّهَا عَلَيْهِ) (٢). ووقوع الطلاق بذلك ثلاثًا وبينونة المرأة به بينونة كبرى هو قول أكثر السلف والخلف، حتى ادعى بعضهم الإجماع عليه. قال القرطبي في تفسيره: «واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة. وهو قول جمهور السلف. وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى: أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة» (٣).

стр. 201

ثالثًا: أن حديث ابن عباس ﵄ قد اختلف العلماء فيه: ١ - منهم من غلّطه ووهمه، كالقرطبي وابن عبد البر. فقد نقل القرطبي عن ابن عبد البر قوله: «ورواية طاوس وهم وغلط، لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب. وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يُعرف في موالي ابن عباس» (١). ٢ - منهم من صحح الرواية عنه ولكنه تأولها، كالقاضي أبي الوليد الباجي، حيث قال: «وعندي أن الرواية عن ابن طاوس بذلك صحيحة، فقد رواه عنه الأئمة معمر وابن جريج وغيرهما. وابن طاوس إمام» (٢). وقال: «ومعنى الحديث: أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث تطليقات. ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ). فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة» (٣). وقال: «ويدل على صحة هذا التأويل: ما روي عن ابن عباس من غير طريق: أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة» (٤). ووافق القاضي الباجي في تأويله هذا: الكيا الطبري وعلماء الحديث وغيرهم. قاله القرطبي في تفسيره (٥).

стр. 202

قلت: وفتوى ابن عباس ﵄ هذه رواها عنه -كما قال أبو داود والطحاوي-: سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير والنعمان بن أبي عياش (١) أنه قال ﵄ فيمن طلق امرأته ثلاثًا: (عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ) (٢)، وأنها (لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) (٣).

стр. 203

رابعًا: قول المشكك: "إن كلمة: ﴿مَرَّتَانِ﴾ لا تعني تكرار عبارة الطلاق في مجلس واحد" غير صحيح لغةً ولا شرعًا، فإن المرة الواحدة قد تشتمل على أقوال وأفعال كثيرة بمجموعها، ومن هذا: ١ - قال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ [الإسراء:٤]. ولا شك أن المرة الواحدة من هذا الإفساد قد تشتمل على أقوال وأفعال كثيرة من الإفسادات. ٢ - قال تعالى عن المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة:١٠١]. وقد حصل لهم من العذاب في المرة الواحدة ألوان منه، كالقتل والجوع والفضيحة وغير ذلك. والله أعلم.

стр. 204

الشبهة الثامنة والثلاثون اتهام المحدثين والفقهاء بمخالفتهم لبعض الأحاديث يقول المشكك: «وقد عرضت أحاديث ردها الأئمة الأربعة، بينما أثبتها البخاري ومسلم بصحيحيهما». ثم ذكر أمثلة لذلك لكل من الأئمة أحمد ومالك وأبي حنيفة. والجواب: يجاب عن هذا عمومًا بما أجاب به الإمام ابن تيمية في كتابه "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، ومما قاله فيه: ١ - قال: «يجب على المسلمين بعد موالاة الله تعالى ورسوله ﷺ موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصًا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كل أمة قبل مبعث نبينا محمد ﷺ فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول ﷺ في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا» (١). ٢ - قال: «وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب اتباع الرسول ﷺ ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه. وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله. والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول. والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ» (٢). ٣ - قال: «وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة: السبب الأول: ألا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالمًا بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو موجب استصحاب فقد يوافق ذلك الحديث تارة ويخالفه أخرى.

стр. 205

وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث» (١). ثم ذكر أمثلة كثيرة لذلك. ثم قال: «السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده» (٢). وقال: «السبب الثالث: اعتقاده ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر سواء كان الصواب معه أو مع غيره أو معهما عند من يقول: "كل مجتهد مصيب"» (٣). ثم فصل القول في ذلك، وأطال النفس فيه. ثم قال: «السبب الرابع: اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطًا يخالفه فيها غيره. السبب الخامس: أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده، لكن نسيه. السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث تارة؛ لكون اللفظ الذي في الحديث غريبًا عنده، مثل لفظ: المزابنة، والمخابرة، والمحاقلة، والملامسة، والمنابذة، والغرر، إلى غير ذلك. السبب السابع: اعتقاده ألا دلالة في الحديث. والفرق بين هذا وبين الذي قبله: أن الأول لم يعرف جهة الدلالة، والثاني عرف جهة الدلالة لكن اعتقد أنها ليست دلالة صحيحة بأن يكون له من الأصول ما يرد تلك الدلالة سواء كانت في نفس الأمر صوابًا أو خطًا. السبب الثامن: اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مرادةً، مثل: معارضة العام بخاص، أو المطلق بمقيد، أو الأمر المطلق بما ينفي الوجوب، أو الحقيقة بما يدل على المجاز، إلى أنواع المعارضات. السبب التاسع: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله إن كان قابلًا للتأويل بما يصلح أن يكون معارضًا بالاتفاق، مثل آية أو حديث آخر أو مثل إجماع ... السبب العاشر: معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارِضًا، أو لا يكون في الحقيقة معارضًا راجحًا» (٤). انتهى كلامه باختصار.

стр. 206

الشبهة التاسعة والثلاثون القول بمخالفة حديث هَمِّ النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة لرحمته يقول المشكك: «بينما عندهم بـ"سنن أبي داود" -كتاب الصلاة- وبـ"سنن ابن ماجة" -كتاب المساجد والجماعات- تحت: "باب التغليظ في التخلف عن صلاة الجماعة (١) " بـ"مسند أحمد" -مسند ابن مسعود- حديثًا يبيح حرق الذين لا يصلون في جماعة في بيوتهم، أي: حرق البيت بمن فيه، حيث ذكر أبو داود: ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّار) (٢). فهل هذه هي الرحمة التي يطنطنون بها، والحكمة التي يرفعون عقيرتهم بها؟ أليس هذا أيضًا مخالفًا لقوله تعالى عن رسوله: إنه بالمؤمنين رءوف رحيم»؟ والجواب: أولًا: هذا الحديث ليس في السنن والمسند فقط كما خرّجه هذا المشكك، بل هو أيضًا في الصحيحين. ولربما لو كان يعلم بذلك لشنع عليهما أعظم تشنيع، ولرماهما بكل عظيمة. وأنا لم أقف إلى الآن على من يحقد أو يطعن فيهما من بني جلدتنا مثله أو قريبًا منه. ثانيًا: لا يوجد حديث أبدًا يبيح حرق المتخلفين عن صلاة الجماعة. ولكن المصيبة كل المصيبة والرزية كل الرزية أن يتكلم شخص في أمر لا يحسنه ولا يفهمه، ولا يفرق فيه بين الحقيقة والمجاز، ولا بين أسلوب التهديد وأسلوب الفعل. وهذا أكبر علامة على جهل هذا الإنسان.

стр. 207

ويزداد الأمر قبحًا وسوءًا إذا كان دافعه إلى ذلك هو الانحراف الفكري والعقدي. عافانا الله وإياكم من ذلك. ثالثًا: إن تبويب هؤلاء الأئمة على هذا الحديث يدل على أنه سيق للتهديد والتشديد في ترك الجماعة، ولبيان حكمها، وهو الوجوب عند من يرى ذلك، وأن ظاهره غير مراد قطعًا بغير خلاف بين العلماء: ١ - فالبخاري أورده في باب وجوب صلاة الجماعة (١). ٢ - ومسلم في باب فضل صلاة الجماعة (٢). ٣ - وابن ماجة في: باب التغليظ في التخلف عن الجماعة (٣). ٤ - وأبو داود في: باب في التشديد في ترك الجماعة (٤). ٥ - والترمذي في: باب ما جاء فيمن سمع النداء فلا يجيب (٥). ٦ - والنسائي في: التشديد في التخلف عن الجماعة (٦). رابعًا: مما يدل على أن ظاهر هذا الحديث غير مراد وأنه سيق للتغليظ والتهديد: قول النبي ﷺ فيه: (لقد هممت). والهم هو خاطر، وليس فعلًا، أي: أنه خطر على قلبه أن يفعل ذلك، ولم يفعله ﷺ . ومنعه من ذلك: ١ - كونه ﷺ رحيمًا بأمته، وليس فظًا ولا غليظًا عليهم، ولا جافٍ لهم. ٢ - أنه ﷺ قد نهى أن يعذب أحد بالنار، كما جاء عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ) (٧)، أي: بالنار. ولكون الهم ليس فعلًا فإن الله تعالى لا يؤاخذ عليه، ففي الحديث القدسي في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (قَالَ اللهُ ... وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً) (٨). والله أعلم.

стр. 208

الشبهة الأربعون اتهام البخاري بالتدليس أحيانًا في الحديث بقوله: «عن فلان» يقول المشكك: «وعن التدليس بكتب الصحاح فحدث ولا حرج، فكيف ترضى بالبخاري وهو يقول: "عن فلان" ولا يسميه؟ فقد قالها: ١ - بكتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. ٢ - وقالها بكتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثرًا. ٣ - وقالها بكتاب المغازي، باب ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ﴾ [آل عمران:١٥٣]. ٤ - وقالها بكتاب تفسير القرآن، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]. ٥ - وقالها بكتاب استتابة المرتدين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين. ٦ - وقالها بكتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين. أليست كلمة فلان هذه تعني: "مجهول" يا أساتذة علم الحديث؟ ألا يعتبر ذلك تدليس (١) أم إننا نحن الذين لم نفهم وأنتم المتخصصون أصحاب الحظوة والفهم؟ والعجيب أنك تجدهم إذا ما أظهرت لهم عوارًا بمتن أي حديث تجدهم يقولون بـ"إن البخاري حقق السند ولم يحقق المتن". بينما الحقيقة أنه لم يحقق متنًا ولا سندًا، لكن هناك من أرادوا له شهرة زائفة بلا موضوعية».

стр. 209

والجواب: أولًا: إن هذا المشكك للأسف لا يعرف الفرق بين: "التدليس" و"المبهم" و"المجهول". ولا يعرف الفرق بين: "الإبهام في السند" و"الإبهام في المتن". وهذه إحدى الرزايا التي أصيبت بها الأمة، وأخبرنا عنها النبي ﷺ ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) (١). وجاء في إخباره ﷺ عن الفتن وأشراط الساعة من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَكْثُرَ الجَهْلُ) (٢)، أي: الجهال. وما أكثر الجهل في كلام هذا المشكك! وهذا منه. ثانيًا: التدليس إذا كان يقصد به المعنى الاصطلاحي عند علماء الحديث فليس معناه ما ذكره، وإن كان يقصد به المعنى اللغوي أو الفقهي وهو: "كتمان عيب السلعة عن المشتري" -أي: أن البخاري كتم عن الناس شيئًا من العلم في الأسانيد أو المتون فلم يظهرها لهم- فليس بصحيح. ولو كان في "صحيح البخاري" شيء من ذلك لبينه العلماء السابقون. ولكونه لم يسبقه أحد إلى مثل هذا الاتهام فهذا يدل على أنه هو المدلس، لا البخاري الذي أجمعت الأمة على ثقته وإمامته وصحة كتابه. ثالثًا: المجهول هو: من عرف اسمه لكن لم تعرف عينه أو صفته، بخلاف المبهم، فإنه: الذي لم يصرح باسمه في الحديث. فإن كان الإبهام في الإسناد فلا يقبل؛ لأنه أشد جهالة من المجهول، وإن كان في المتن فلا يضر، بلا خلاف بين العلماء؛ لأنه لا يترتب على معرفته كبير فائدة، وقد يكون من الأولى عدم معرفته؛ سترًا عليه، كما أمر الشرع. رابعًا: قوله: "إن البخاري دلس في صحيحه فذكر فيه: عن فلان ولم يسمه" لقد تتبعت أنا المواضع التي أشار إليها عن طريق البحث الإلكتروني والبحث العادي، ولم أجد أنه قال في الإسناد: "عن فلان" إلا في موضع واحد فقط في كتابه، وهو في: كتاب استتابة المرتدين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين، حديث رقم (٦٩٣٩)، فقد قال: «حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن حصين عن فلان قال: (تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ) (٣)»، الحديث في قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وكتابه إلى المشركين يوم الفتح.

стр. 210

وقد صرح البخاري باسمه في: كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا، حديث رقم (٣٩٨٣)، فقد قال: «حدثني إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: سمعت حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي» (١)، وساق الحديث. فارتفع بذلك ما يخشى من إبهام الراوي. وأما باقي المواضع فلم يرد في الإسناد فيها أي إبهام، وإنما وقع الإبهام لبعض الأسماء في المتن، ومن ذلك: ١ - قول سعد بن أبي وقاص ﵁ للنبي ﷺ : (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ) (٢)؟ أي: لمَ لم تعطه كما أعطيت غيره. ٢ - قوله ﷺ في دعائه: (اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا) (٣). ٣ - قول أبي موسى الأشعري ﵁: (قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي) (٤)؟ ونحو ذلك. وهذا الإبهام لا يضر المتن شيئًا، كما يعلم ذلك أهل الصنعة. خامسًا: قوله عن البخاري: «بينما الحقيقة أنه لم يحقق متنًا ولا سندًا، لكن هناك من أرادوا له شهرة زائفة بلا موضوعية» كذب صريح، وإذا كان البخاري ليس من المحققين في الأسانيد والمتون فلا أعلم محققًا في الدنيا. ثم أليس هذا القول هو التدليس بعينه؟! وهو خلاف الحق، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]؟ والله المستعان، وإليه المصير.

стр. 211

وهنا انتهت الردود بحمد الله تعالى على هذا المشكك. وقد طالت كثيرًا؛ لأني رددت على جميع شبهاته التي أوردها في منشوره بالتفصيل. وبنهاية الرد عليها ينتهي الفصل الثاني بعون الله تعالى وتوفيقه.

стр. 212

الفصل الثالث دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء (١) ويشتمل على: مقدمة. أولًا: حقائق مهمة متعلقة بالصحيحين وعقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة ﵃ وآل البيت. ثانيًا: الرد على شبهات "رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء".

стр. 213

مقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فقد اطلعتُ على رسالة كتبها بعض أدعياء العلم (١) ينزِّه فيها -بزعمه- سيِّد الأنبياء ﵊ عن أقوال الأغبياء (٢) -حسب قوله-، فتخرَّص فيها وخلَّط، وشرَّق وغرَّب، وما اهتدى إلى ضالته، ولا قدر أن يصل إلى غايته، وجلُّ ما عمله في رسالته هذه هو: التشكيك في سنة النبي ﷺ الصحيحة. وهيهات أن يتشكك فيها الموقنون، أو يتردد فيها العالِمون! وأما مَن هم دون ذلك فلا يحتاجون إلى هذا الكمِّ الهائل من الأدلة والأقوال لزرع الشك في قلوبهم، وإنما يكفيهم من ذلك حديث ضعيف أو رأي شاذ أو قول مطّرح ليتشبثوا به أو يستندوا إليه. ولم يكن للباحث أن يسلك هذا المسلك التشكيكي من غير أدلة قاطعة ولا حجة واضحة؛ إذ ليس هذا من المنهج العلمي الصحيح، وليس كذلك من الغيرة الدينية، وليس هذا سوى الهوى والتعصُّب الأعمى. وهذا في الواقع هو مسلك الرافضة قديمًا وحديثًا، فإن من المعروف عنهم أنهم لا يعتمدون في الشرعيات إلا على ما نُقل لهم عن بعض أهل البيت ﵈، ولا يقبلون أيَّ طريق آخر للنقل، ومن ثمَّ فإن جميع كتب السُّنَّة بما فيها الصحيحان كذب عندهم، لا يجوز الاعتماد عليها ولا الرواية منها ولا الرجوع إليها. منهج النقد عند العلماء الذين نقدوا بعض أحاديث الصحيحين: تكلَّم بعض الأئمة السابقين كالدارقطني وأبي مسعود الدمشقي على مجموعة من أحاديث الصحيحين، فلم يفحشا القول ولا أوغرا الصدور ولا هيَّجا النفوس ضدهما، كما فعله مؤلف هذه الرسالة، وإنما كان كلامهما موجهًا لنقد تلك المجموعة من الأحاديث فقط، مع اعترافهما أحيانًا أن الصواب في بعضها مع الشيخين. هذا إلى أنّ نقدهما لم يكن موجهًا للطعن في أصل الكتابين. وإضافة إلى ذلك فقد كان نقدهما مبنيًا على أسس علمية وقواعد حديثية يعرفها أهل هذا الشأن. ولذلك جاء كلامهما موضوعيًا بعيدًا عن الهوى والتعصُّب، فقبله من قبله وردَّه من ردَّه من العلماء.

стр. 214

وكان الأجدر بصاحب هذه الرسالة إذا كان دافعه لهذا هو النية الصحيحة -كما يقول- أن ينهج نهجهما ويسلك مسلكهما ويحذو حذوهما في ذلك، لكن الذي يقرأ رسالته يجد فيها شيئًا آخر ونهجًا مغايرًا، وكما قيل: "كلُّ إناء بما فيه ينضح". أهم المؤاخذات على رسالة "تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء" في نقد أحاديث الصحيحين: إليك أخي القارئ الكريم أهم المؤاخذات التي اشتملت عليها هذه الرسالة إجمالًا: ١ - الحقد على علماء أهل السُّنَّة، ورميهم بالكذب والغباء والجهل والنَّصْب، أي: العداء لأهل البيت ﵈. ٢ - الغلو في النبي ﷺ وآل البيت ﵈، وخاصة العلماء منهم. ٣ - الجهل بعلم الحديث ورجاله، حيث تُرد الأحاديث الثابتة بالهوى بزعم أنها تخالف عصمة النبي ﷺ ، أو أنها تخالف المروءة، ويُحكم على بعض الأحاديث بالضعف من غير ذكر مستند التضعيف. ٤ - الاستدلال بالأحاديث الواهية والضعيفة، وترك الأحاديث الثابتة الصحيحة. ٥ - التشكيك في الصحيحين، وأنهما ليسا أصح الكتب بعد كتاب الله . ٦ - التناقض الذي ظهر في الرسالة من حيث الاستدلال بالصحيحين، وهي موضوعة أصلًا للتشكيك فيهما. ٧ - تفسير النصوص على خلاف ما فسرها به العلماء المتقدمون من غير دليل ولا برهان. ٨ - الاتهام بالباطل للأمويين وأنصارهم بأنهم وراء وضع الأحاديث بقصد الحط من قدر النبي ﷺ . وغير ذلك من الأمور التي سأتعرض لها بالرد في حينه. وقبل البدء في الرد على ما جاء في هذه الرسالة أحب أن أبين بعض الحقائق المهمة في هذا الجانب.

стр. 215

أولاً حقائق مهمة متعلقة بالصحيحين واعتقاد أهل السنة في الصحابة ﵃ وآل البيت وفيه: - مكانة صحيحي البخاري ومسلم في التاريخ العلمي الإسلامي. - عقيدة أهل السنة في الصحابة ﵃ وآل البيت.
следующие страницы →