← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 169

مع المشككين في السنة

عبد الرحمن الخميسي

Полный текст (317 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهنا انتهت الردود بحمد الله تعالى على هذا المشكك. وقد طالت كثيرًا؛ لأني رددت على جميع شبهاته التي أوردها في منشوره بالتفصيل. وبنهاية الرد عليها ينتهي الفصل الثاني بعون الله تعالى وتوفيقه.

стр. 212

الفصل الثالث دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء (١) ويشتمل على: مقدمة. أولًا: حقائق مهمة متعلقة بالصحيحين وعقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة ﵃ وآل البيت. ثانيًا: الرد على شبهات "رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء".

стр. 213

مقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فقد اطلعتُ على رسالة كتبها بعض أدعياء العلم (١) ينزِّه فيها -بزعمه- سيِّد الأنبياء ﵊ عن أقوال الأغبياء (٢) -حسب قوله-، فتخرَّص فيها وخلَّط، وشرَّق وغرَّب، وما اهتدى إلى ضالته، ولا قدر أن يصل إلى غايته، وجلُّ ما عمله في رسالته هذه هو: التشكيك في سنة النبي ﷺ الصحيحة. وهيهات أن يتشكك فيها الموقنون، أو يتردد فيها العالِمون! وأما مَن هم دون ذلك فلا يحتاجون إلى هذا الكمِّ الهائل من الأدلة والأقوال لزرع الشك في قلوبهم، وإنما يكفيهم من ذلك حديث ضعيف أو رأي شاذ أو قول مطّرح ليتشبثوا به أو يستندوا إليه. ولم يكن للباحث أن يسلك هذا المسلك التشكيكي من غير أدلة قاطعة ولا حجة واضحة؛ إذ ليس هذا من المنهج العلمي الصحيح، وليس كذلك من الغيرة الدينية، وليس هذا سوى الهوى والتعصُّب الأعمى. وهذا في الواقع هو مسلك الرافضة قديمًا وحديثًا، فإن من المعروف عنهم أنهم لا يعتمدون في الشرعيات إلا على ما نُقل لهم عن بعض أهل البيت ﵈، ولا يقبلون أيَّ طريق آخر للنقل، ومن ثمَّ فإن جميع كتب السُّنَّة بما فيها الصحيحان كذب عندهم، لا يجوز الاعتماد عليها ولا الرواية منها ولا الرجوع إليها. منهج النقد عند العلماء الذين نقدوا بعض أحاديث الصحيحين: تكلَّم بعض الأئمة السابقين كالدارقطني وأبي مسعود الدمشقي على مجموعة من أحاديث الصحيحين، فلم يفحشا القول ولا أوغرا الصدور ولا هيَّجا النفوس ضدهما، كما فعله مؤلف هذه الرسالة، وإنما كان كلامهما موجهًا لنقد تلك المجموعة من الأحاديث فقط، مع اعترافهما أحيانًا أن الصواب في بعضها مع الشيخين. هذا إلى أنّ نقدهما لم يكن موجهًا للطعن في أصل الكتابين. وإضافة إلى ذلك فقد كان نقدهما مبنيًا على أسس علمية وقواعد حديثية يعرفها أهل هذا الشأن. ولذلك جاء كلامهما موضوعيًا بعيدًا عن الهوى والتعصُّب، فقبله من قبله وردَّه من ردَّه من العلماء.

стр. 214

وكان الأجدر بصاحب هذه الرسالة إذا كان دافعه لهذا هو النية الصحيحة -كما يقول- أن ينهج نهجهما ويسلك مسلكهما ويحذو حذوهما في ذلك، لكن الذي يقرأ رسالته يجد فيها شيئًا آخر ونهجًا مغايرًا، وكما قيل: "كلُّ إناء بما فيه ينضح". أهم المؤاخذات على رسالة "تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء" في نقد أحاديث الصحيحين: إليك أخي القارئ الكريم أهم المؤاخذات التي اشتملت عليها هذه الرسالة إجمالًا: ١ - الحقد على علماء أهل السُّنَّة، ورميهم بالكذب والغباء والجهل والنَّصْب، أي: العداء لأهل البيت ﵈. ٢ - الغلو في النبي ﷺ وآل البيت ﵈، وخاصة العلماء منهم. ٣ - الجهل بعلم الحديث ورجاله، حيث تُرد الأحاديث الثابتة بالهوى بزعم أنها تخالف عصمة النبي ﷺ ، أو أنها تخالف المروءة، ويُحكم على بعض الأحاديث بالضعف من غير ذكر مستند التضعيف. ٤ - الاستدلال بالأحاديث الواهية والضعيفة، وترك الأحاديث الثابتة الصحيحة. ٥ - التشكيك في الصحيحين، وأنهما ليسا أصح الكتب بعد كتاب الله . ٦ - التناقض الذي ظهر في الرسالة من حيث الاستدلال بالصحيحين، وهي موضوعة أصلًا للتشكيك فيهما. ٧ - تفسير النصوص على خلاف ما فسرها به العلماء المتقدمون من غير دليل ولا برهان. ٨ - الاتهام بالباطل للأمويين وأنصارهم بأنهم وراء وضع الأحاديث بقصد الحط من قدر النبي ﷺ . وغير ذلك من الأمور التي سأتعرض لها بالرد في حينه. وقبل البدء في الرد على ما جاء في هذه الرسالة أحب أن أبين بعض الحقائق المهمة في هذا الجانب.

стр. 215

أولاً حقائق مهمة متعلقة بالصحيحين واعتقاد أهل السنة في الصحابة ﵃ وآل البيت وفيه: - مكانة صحيحي البخاري ومسلم في التاريخ العلمي الإسلامي. - عقيدة أهل السنة في الصحابة ﵃ وآل البيت.

стр. 216

مكانة صحيحي البخاري ومسلم في التاريخ العلمي الإسلامي (١) لم يقع كتاب بعد القرآن الكريم في نفوس المسلمين كما وقع الصحيحان منهم، فقد أُريحوا من النظر في أسانيدهما؛ لأن رجالهما كما قال الإمام الذهبي: «قد قفزا القنطرة» (٢). وأُريحوا من النظر في عللهما من حيث الاتصال والإرسال، والوقف والرفع، والشذوذ وعدمه، وغير ذلك؛ لأن الشيخين اشترطا ألا يخرجا إلا الحديث الصحيح الذي اتصل سنده، وكان كل من رواته موصوفًا بالضبط، وسلم من الشذوذ والعلة القادحة (٣). وزاد البخاري فاشترط في اتصال السند: أن يكون كل واحد من الرواة قد لقي من حدَّث عنه ولو مرة واحدة. واكتفى مسلم في ذلك بالمعاصرة إذا أمكن اللقاء، كما هو مذهب الجمهور (٤). ثم إن من نظر في طريقة الشيخين في تأليفهما لصحيحيهما والمدة التي استغرقاها في ذلك تمحيصًا وتدقيقًا وعدد الأحاديث التي استخلصاها منها وإجماع العلماء على تلقي ما فيهما بالقبول سوى أحاديث يسيرة، إضافة إلى عوامل أخرى كـ: جلالة الشيخين، وتقدمهما على غيرهما في معرفة الصحيح يدرك حقيقة أهمية هذين الكتابين عند المسلمين، وعِظَم مكانتهما في نفوسهم. فقد استخرج البخاري صحيحه من ستمائة ألف حديث، كما روى عنه أبو علي الغساني وغيره (٥)، واستخرج مسلم صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، كما رواه عنه الخطيب البغدادي (٦). غير أن هذه العبارة كما يقول ابن الصلاح: «قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة والتابعين، وربما عد الحديث المروي بإسنادين حديثين» (٧). وقد استغرق البخاري في تصنيف صحيحه ست عشرة سنة، وما أدخل فيه حديثًا إلا اغتسل وصلى ركعتين، واستخار الله في إدخالها فيه، فقد جاء عنه أنه قال: «صنفت الجامع من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله» (٨).

стр. 217

وقال أيضًا: «صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته» (١). وقال تلميذه الفربري: «سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: ما وضعتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين» (٢). ورُوي عن بعض الأئمة: أن البخاري صنف صحيحه ببخارى، وقيل: بمكة، وقيل: بالبصرة (٣). وروى الحافظ ابن عدي عن جماعة من المشايخ أنهم قالوا: «دوَّن محمد بن إسماعيل البخاري تراجم جامعه بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكلِّ ترجمة ركعتين» (٤). وليس بين هذه الأقوال بحمد الله تعارض، والجمع بينها كما قال ابن حجر: «إنه ابتدأ تصنيفه وترتيبه وأبوابه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرّج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها. ويدل عليه قوله: "إنه أقام فيه ست عشرة سنة"؛ فإنه لم يجاور بمكة هذه المدة كلها» (٥). ثم قال عن رواية ابن عدي السابقة: «ولا ينافي هذا أيضًا ما تقدم؛ لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة وهنا حوله من المسودة إلى المبيضة» (٦). وقال البخاري: «ما أدخلت في هذا الكتاب -يعني: جامعه- إلا ما صحَّ، وتركت من الصحاح كي لا يطول الكتاب» (٧).

стр. 218

وروى عنه الإسماعيلي أنه قال: «لم أخرج في هذا الكتاب إلَّا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر. قال الإسماعيلي: لأنه لو أخرج كل صحيح عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعة من الصحابة، ولذكر طريق كل واحد منهم إذا صحت، فيصير كتابًا كبيرًا جدًا» (١). ولما انتهى من تأليفه عرضه على بعض الأئمة في هذا الشأن؛ ليأخذ برأيهم فيه، إن كان ثمّ خطأ فيصلحه أو لحن فيقومه أو حديث ضعيف فيطرحه. وهذا هو دأب العقلاء العارفين أن يشاوروا أصحاب الاختصاص الناصحين؛ فإنه قلّ أن يحيد الصواب عنهم. قال أبو جعفر العقيلي: «لما ألَّف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلَّا في أربعة أحاديث. قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة» (٢). وأمَّا مسلم فقد مكث في تأليف صحيحه قريبًا من المدة التي استغرقها البخاري في تأليف صحيحه. ويدلُّ عليه: ما قاله أحمد بن سلمة: «كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة. قال: وهو اثنا عشر ألف حديث» (٣). قال الذهبي معقبًا عليه: «يعني: بالمكرر، بحيث إنه إذا قال: "حدّثنا قتيبة وأخبرنا ابن رمح" يعدان حديثين، اتفق لفظهما أو اختلف في كلمة» (٤). وقال مسلم: «ما وضعت شيئًا في كتابي هذا إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئًا إلا بحجة» (٥). وقال أيضًا: «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه» (٦)، أي: وإن كان قد اختلف في صحة بعضه. وهذا جوابه كما قال النووي من وجهين: «أحدهما: أن مراده: أنه لم يضع فيه إلَّا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه وان لم يظهر اجتماعها في بعض الاحاديث عند بعضهم. والثاني: أنه أراد: أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنًا أو إسنادًا، ولم يرد: ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته. وهذا هو الظاهر من كلامه» (٧). وقال مكي بن عبدان: «سمعت مسلمًا يقول: عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة، فكل ما أشار عليَّ في هذا الكتاب أن له علة وسببًا تركته، وكل ما قال: إنه صحيح ليس له علة فهو الذي أخرجت. ولو أن أهل الحديث يكتبون الحديث مائتي سنة فمدارهم على هذا المسند» (٨).

стр. 219

ثناء العلماء على الصحيحين وإجماعهم على صحتهما: قال ابن الصلاح في معرض تقسيمه للصحيح: «هذه أمهات أقسامه، وأعلاها الأول، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيرًا: "صحيح متفق عليه". يطلقون ذلك ويعنون به: اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه؛ لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول. وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به. خلافًا لقول من نفى ذلك؛ محتجا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ. وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًا، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولًا هو الصحيح؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المنبني على الاجتهاد حجة مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك. وهذه نكتة نفيسة نافعة، ومن فوائدها: القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته؛ لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن» (١). وقال ابن تيمية عن الحديث الصحيح: «إنه يفيد العلم، ويُجزم بأنه صدق؛ لأن الأمة تلقته بالقبول تصديقًا وعملًا بموجبه، والأمة لا تجتمع على ضلالة، فلو كان في نفس الأمر كذب لكانت الأمة قد اتفقت على تصديق الكذب والعمل به. وهذا لا يجوز عليها. ومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث، كجمهور أحاديث البخاري ومسلم، فإن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين، وسائر النَّاس تبع لهم في معرفة الحديث. فإجماع أهل العلم بالحديث على أن هذا الخبر صدق كإجماع الفقهاء على أن هذا الفعل حلال أو حرام أو واجب، وإذا أجمع أهل العلم على شيء فسائر الأمة تبع لهم، فإجماعهم معصوم لا يجوز أن يجمعوا على خطأ؛ حيث قوله ﷺ : (لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ) (٢)» (٣).

стр. 220

وقال إمام الحرمين الجويني: «لو حلف انسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي ﷺ لما ألزمته الطلاق ولا حنثته؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتها» (١). وقال النووي: «اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز: الصحيحان -البخاري ومسلم-، وتلقتهما الأمة بالقبول» (٢). ولا يُفهم من هذا القول للنووي أنه يقارن الصحيحين بكتاب الله أو يجعلهما مثله، كما فهم ذلك صاحب الرسالة الذي سنرد عليه في هذا الفصل، وفهمه هذا هو فهم خاص به لم يسبقه إليه أحد من العلماء. فإن غاية ما في هذه العبارة: الجزم بصحة ما جاء في الكتابين إلى النبي ﷺ كالجزم بأن ما بين دفتي المصحف هو كلام الله تعالى، وأنه لا يوجد كتاب بعد القرآن يُمكن أن يُستدل بما فيه كله غير هذين الكتابين. وما فهمه صاحب الرسالة من عبارة النووي فهم عجيب، إما أن يكون الحامل له: التعصُّب أو الجهل بالأساليب العربية، وأحدهما أسوأ من الآخر. على أن الإمام النووي قد سبقه إلى استخدام مثل هذه العبارة الإمام الشافعي، وهو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، حيث قال في موطأ الإمام مالك: «ما أعلم شيئًا بعد كتاب الله أصح من "موطأ مالك"» (٣). فهل أخطأ الإمام الشافعي هو الآخر في التعبير وسوَّى بين "الموطأ" وكتاب الله أو قارنه به؟ وما هو جواب صاحب الرسالة على الإمام الشافعي، وهو الذي شهد له الأئمة بفصاحة لسانه وبلاغة بيانه ومتانة أسلوبه؟

стр. 221

وقال أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن: «ما في هذه الكتب أجود من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري» (١). وقال الإمام الذهبي عن كتاب الصحيح للإمام البخاري: «وأما جامعه الصحيح فأجل كتب الإسلام، وأفضلها بعد كتاب الله تعالى» (٢). وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير: «وكتابه الصحيح يستقى بقراءته الغمام، وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه، وكذلك سائر أهل الإسلام» (٣). وقال الحافظ أبو نصر الوايلي السجزي: «أجمع أهل العلم -الفقهاء وغيرهم- أن رجلًا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما رُوي عن النبي ﷺ قد صح عنه ورسول الله ﷺ قاله لا شك فيه أنه لا يحنث، والمرأة بحالها في حبالته» (٤). وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: «ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث» (٥). ووافقه على ذلك بعض شيوخ المغرب، ورجح الجمهور "صحيح البخاري" عليه؛ لمعاني كثيرة، ذكرها النووي وغيره (٦). وهذا الإجماع الذي نقلته عن العلماء على أحاديث الصحيحين يُستثنى منه الأحاديث التي انتقدت عليهما، وتبلغ مائتي حديث، كما ذكر ابن الصلاح وابن تيمية وغيرهما، وقد اتفقا منها على اثنين وثلاثين حديثًا، وانفرد البخاري بثمانية وسبعين حديثًا، ومسلم بالباقي. ولا يعني ذلك أنها ليست بصحيحة كلها، فإن معظم هذه الأحاديث القول فيها قول الشيخين، والراجح فيها رأيهما، كما ذكر ذلك النووي وابن حجر، ولكن لأن الخلاف وقع من العلماء فيها فلم يحصل عليها الاتفاق كبقية أحاديث الكتابين.

стр. 222

قال ابن حجر: «ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى، وهي ما ادعاه الإمام أبو عمر (١) ابن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه، فإن هذه المواضع متنازع في صحتها، فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب. وقد تعرض لذلك ابن الصلاح في قوله: "إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره" (٢). وقال في مقدمة شرح مسلم له: "ما أخذ عليهما -يعني: على البخاري ومسلم- وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه؛ لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول" (٣). انتهى». قال ابن حجر: «وهو احتراز حسن» (٤).

стр. 223

عقيدة أهل السُّنَّة في الصحابة وآل البيت (١) وسأتكلم على هذا الموضوع في مسألتين، وهما: المسألة الأولى: عقيدة أهل السنة في الصحابة ﵃. المسألة الثانية: عقيدة أهل السنة في آل البيت.

стр. 224

المسألة الأولى عقيدة أهل السنة في الصحابة ﵃ - ما كنت أريد أن أتحدث عن عقيدة أهل السُّنَّة في الصحابة ﵃؛ لأنها معروفة للقاصي والداني، وهذه كتبهم تشهد عليهم بذلك، ومنها: "لمعة الاعتقاد" لموفق الدين ابن قدامة المقدسي، حيث قال فيها: «ومن السُّنَّة تولي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]» (١). إلى أن قال: «ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃» (٢). غير أن ما قرأته في رسالة دعيّ العلم عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ جعل شعري يقف وجلدي يقشعر، ومن ثم اضطرني إلى هذا الحديث عنهم -أي: الصحابة ﵃ عمومًا وعن معاوية ﵁ خصوصًا، حيث إن مثل هذا الكلام الذي ورد فيها لا يعهد مثله إلا عن الرافضة، فهم الذين أغاروا على أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يستثنوا منهم ﵃ إلا نفرًا قليلًا، وكفَّروا عامة المهاجرين والأنصار وأئمة الإسلام. وكلام صاحب الرسالة في معاوية ﵁ قريب من كلام الرافضة فيه وإن لم يصرح هو بذلك. كلام "رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء" في معاوية بن أبي سفيان ﵁ -: استمعوا إلى كلام صاحبها وهو يتحدث عن معاوية ﵁ وعن ابنه يزيد ومروان بن الحكم في رسالته في الصفحة الثالثة: يقول: «فإذا كان سيدنا رسول الله ﷺ على هذه الحالة كما يقول هؤلاء الأشقياء فلا لوم بعد ذلك على معاوية بن أبي سفيان ومروان بن الحكم ويزيد بن معاوية وكل الطغاة الذين فعلوا الموبقات واستباحوا الحرمات وقتلوا الأبرياء». والجواب: أولًا: أن معاوية ﵁ عنده حسب كلامه أحد الطغاة الذين ارتكبوا الكبائر -وهي الموبقات- واستحلوا ما حرم الله وقتلوا الأنفس البريئة. وما معنى ذلك عندي إلا أنه كافر؛ لأن من يستحل شيئًا حرَّمه الله فهو كافر عند العلماء جميعًا. وهو حاصل كلام الرافضة فيه.

стр. 225

وهذا الكلام مرفوض جملة وتفصيلًا، فمعاوية ﵁ أحد أصحاب رسول الله ﷺ من مسلمة الفتح أو أسلم قبل ذلك بقليل، وقد قال الله تعالى في أصحاب نبيه ﷺ الذين أسلموا وأنفقوا قبل الفتح وبعده: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]. ثانيًا: أنه ﵁ أحد كتبة الوحي بين يدي النبي ﷺ ، ولم يكن ﵊ يعهد بذلك إلا لأمين، وولاه عمر بن الخطاب ﵁ على الشام بعد موت أخيه يزيد ﵁، ولم يزل واليًا عليها حتى وفاة عمر ﵁، ثم أقره عثمان ﵁ عليها مدة خلافته كلها، ثم استقل بالخلافة بعد مقتل علي ﵁ وتنازُل الحسن ﵁ له سنة إحدى وأربعين، وبايعه الصحابة ﵃، فسُمي ذلك العام: "عام الجماعة". ثالثًا: أنه ﵁ عند فريق من أهل السُّنَّة -كما تقدم- خال المؤمنين؛ لكون أخته أم حبيبة ﵂ إحدى أمهات المؤمنين. رابعًا: قال ابن تيمية عنه في مواضع من فتاويه: «إن إيمانه ثابت بالنقل المتواتر والإجماع، وإنه ممن حَسُن إسلامه، وإنه هو ومسلمة الفتح دخلوا في عموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦]. -أي: أنه من المؤمنين-. ودخلوا في قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]. وأنه لم يتهمه أحد بنفاق، ولو كان عمر بن الخطاب ﵁ يتخوف النفاق منه لم يوله، وأنه أول ملوك المسلمين وأفضلهم باتفاق العلماء، وكانت رعيته تشكر سيرته، وخلافته شابها الملك، ولكنه كان ملكًا ورحمة، وليس ذلك قادحًا فيها، وإن جميع علماء الصحابة والتابعين متفقون على أنه صادق على رسول الله ﷺ مأمون عليه في الرواية عنه» (١).

стр. 226

وسئل: «عمن يلعن معاوية فماذا يجب عليه؟ فأجاب: «من لعن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما ومن هو أفضل من هؤلاء كأبي موسى الأشعري وأبي هريرة ونحوهما أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان وعلي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق وعمر وعائشة أم المؤمنين وغير هؤلاء من أصحاب النبي ﷺ فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين. وتنازع العلماء هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل؟ كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) (١). واللعنة أعظم من السب، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ) (٢).

стр. 227

وأصحاب رسول الله ﷺ خيار المؤمنين. كما ثبت عنه أنه قال: (خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (١). وكل من رأى رسول الله ﷺ مؤمنًا به فله من الصحبة بقدر ذلك» (٢). فهل يجوز أن يُقال عنه ﵁ بعد هذا: إنه طاغية؟! خامسًا: بعد أن فتشت عن سبب رمي الرافضة لمعاوية ﵁ بذلك، وعن سبب لعنه وسبه وتكفيره لم أجد لهم سببًا أكبر إلا قتاله لعلي ﵁. وهذا الأمر لم يجعل الله تعالى إلينا الحكم فيه، بل جعله إليه سبحانه، فهو الذي يفصل بين الخصماء يوم القيامة، وهو الذي يحاسب الناس يومئذ، فيعذِّب من يشاء ويغفر من يشاء. فلأي شيء ننجس ألسنتنا بسب أولئك الذين برأهم الله تعالى وطهّرهم وعدّلهم، و ﵃ ورضوا عنه، سواء منهم من أسلم قبل الفتح أو بعده؟ ثم إنه لم يتعبدنا بالسب واللعن حتى لرءوس الطواغيت الذين عُلم كفرهم وموتهم على غير الإسلام، كفرعون وهامان وقارون وأبي جهل وأبي لهب، فلم يأمرنا سبحانه بسبهم ولا لعنهم، وحتى إبليس الذي لعنه الله في كتابه وأمرنا أن نتخذه عدوًا لم يأمرنا بلعنه؛ وذلك لأن اللعن ليس من العبادات حتى يأمرنا الله به، بل قد نهانا الله أن نسب آلهة المشركين حتى لا يتخذوا ذلك ذريعة لسب الله - جل وعلا -، فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]. ونبينا محمد ﷺ نهانا أن نسب الأموات أيًا كانوا، فعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا) (٣). سادسًا: ما حصل بين معاوية وعلي ﵄ من الاقتتال هما فيه متأولان مجتهدان، فالمصيب منهما -وهو علي ﵁ له أجران، والمخطئ -وهو معاوية ﵁ له أجر، فعن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) (٤).

стр. 228

والله سمى المتقاتلين: "مؤمنين"، أي: أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]. وسمى النبي ﷺ طائفتي معاوية وعلي ﵄ المتقاتلتين: "مسلمتين"، فقال عن ابن بنته الحسن بن علي ﵃: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ) (١). فأصلح الله به بين شيعة علي وشيعة معاوية. قال ابن تيمية تعليقًا على هذا الحديث: «وبرأ -يعني: النبي ﷺ الفريقين من الكفر والنفاق، وأجاز الترحم على قتلى الطائفتين -أي: في صفين-، وأمثال ذلك من الأمور التي يُعرف بها اتفاق علي وغيره من الصحابة على أن كل واحدة من الطائفتين مؤمنة» (٢). وبين في مكان آخر عقيدة أهل السنة فيما حصل بينهم ﵃ فقال: «ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يُغفر لهم من السيئات ما لا يُغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ : (أَنَّهُم خَيْرُ الْقُرُونِ) (٣)، وأن "المُدّ من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أُحُد ذهبًا ممن بعدهم" (٤). ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كُفِّرَ به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور» (٥). فاللهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر:١٠].

стр. 229

المسألة الثانية عقيدة أهل السنة في آل البيت ليس من المبالغة إذا قلت: إنه لا أحد من النَّاس أشد حبًا ولا إكرامًا ولا إجلالًا ولا موالاة لآل البيت من أهل السنة، ولكن بالطبع من غير إفراط ولا تفريط. وهذا من أصولهم المعلومة المدونة في كتبهم (١). وذلك مراعاة وحفظًا لوصية رسول الله ﷺ فيهم، حيث قال ﷺ كما في حديث زيد بن أرقم ﵁: (وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) (٢). وقال أبو بكر الصديق ﵁: (ارْقُبُوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ) (٣). وهم كذلك أبعد النَّاس عن أذيتهم أو التطاول عليهم أو احتقارهم؛ لأن من يؤذيهم لمنزلتهم وقربهم من النبي ﷺ فهو إنما يؤذي رسول الله ﷺ ؛ لقوله ﵊ حينما جاء إليه عمه العباس ﵁ يشكو جفوة من بعض قريش لبني هاشم: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي؛ فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) (٤). غير أن هذه الموالاة والمحبة إنما هي للمؤمنين الصالحين منهم، أمَّا الظلمة والفسقة والفجرة فقد تبرأ منهم ﷺ قبل غيره، وأعلن أنهم ليسوا له بأولياء، فعن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارًا غير سر يقول: (أَلَا أن آلَ أَبِي -يَعْنِي: فُلَانًا- لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) (٥). وبهذا جاء القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم:٤].

стр. 230

ومع عِظَم هذه المكانة لآل البيت عند أهل السُّنَّة إلا إنهم لا يعتقدون أنهم خير النَّاس ولا أفضلهم مطلقًا؛ لأن الخيرية عند الله تعالى لا تكون إلا بالتقوى، قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. وعن أبي هريرة ﵁: (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ) (١). ويختص الصحابة منهم بفضائل لا تكاد تخفى على أحد. أمَّا نسبهم فلا يطالهم فيه ذو نسب، ولا يبزّهم فيه أحد، فعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) (٢). وكذلك لا يعتقدون فيهم العصمة؛ لأن العصمة لا تكون إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأمَّا من عداهم فإنهم يُصيبون ويُخطئون، ويُحسنون ويُسيئون؛ لقوله ﷺ : (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) (٣). وأيضًا لا يعتقدون أنهم سفن النجاة، كما يقول صاحب الرسالة وغيره؛ إذ أن سفن النجاة في الحقيقة هم الأنبياء ﵈ والأعمال الصالحة فقط، أمَّا آل البيت فمنهم الظالم لنفسه ومنهم المقتصد ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله، مثل غيرهم من البشر.

стр. 231

كلام "رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء" في آل بيت النبي ﷺ -: يقول صاحبها فيها: «إنهم سفن النجاة». والجواب: أولًا: صاحب الرسالة يشير بقوله: «إنهم سفن النجاة» إلى: ١ - حديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ) (١). ٢ - حديث أبي سعد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ. إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مَثَلُ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَنْ دَخَلَ غُفِرَ لَهُ) (٢). ثانيًا: هذان الحديثان لا يثبتان عن النبي ﷺ ، وبيان ذلك كالتالي: ١ - الحديث الأول رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق مفضّل بن صالح الكوفي إلى أبي ذر ﵁، وصححه (٣). وتعقبه الذهبي بقوله: «مفضّل: واه» (٤). بل نقل الذهبي في ترجمته في "ميزان الاعتدال" عن البخاري وغيره قولهم: «منكر الحديث» (٥).

стр. 232

وهذا الجرح عند البخاري يعني: أنه لا يحل الرواية عنه. ثم أورد له الذهبي في مناكيره هذا الحديث، ونقل عن ابن عدي الحافظ أنه قال: «أنكر ما رأيت له -أي: لمفضل هذا- حديث الحسن بن علي، وسائره أرجو أن يكون مستقيمًا». وتعقبه الذهبي بقوله: «قلت: وحديث سفينة نوح أنكر وأنكر» (١). ٢ - الحديث الثاني رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" عن أبي سعيد الخدري ﵁، وهو في "المعجم الكبير" له أيضًا من أربع طرق (٢). وكلها لا تخلو من متروك، وبيان ذلك كالتالي: أ- في الطريق الأولى والثالثة والرابعة: الحسن بن أبي جعفر، وهو متروك عند العلماء. إضافة إلى أنه في الطريق الأولى راوٍ ضعيف، وهو: علي بن زيد بن جدعان. ب- في الطريق الثانية: عبد الله بن داهر الرازي، وهو متروك كذلك. وبهذا يتبيَّن: أن الحديث ضعيف جدًا، حتى قال ابن تيمية عنه: «فهذا لا يُعرف له إسناد لا صحيح ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يُعتمد عليها» (٣). اللهم إنا نُشهِدُك أنا نُحب آل بيت نبيك الصالحين، ونُكرمهم ونُجلهم، ونُوالي كل من والاهم من المؤمنين، ونتبرأ من طريقة الروافض الغالين، وطريقة النواصب العادين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 233

ثانيًا الرد على شبهات «رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء» وفيه: - مقدمة. - توطئة: عصمة الأنبياء ﵈. - الرد على الشبهات الواردة في «رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء».

стр. 234

مقدمة (١) الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. ثم أما بعد: فقبل أن أشرع في بيان المؤاخذات التي اشتملت عليها هذه الرسالة بالتفصيل والرد عليها أحبُّ أن أبيِّن للقارئ الكريم رأي علماء الإسلام في بعض القضايا التي تعرضت لها هذه الرسالة إمَّا بالغلو وتجاوز الشرع والعقل فيها وإمَّا بالحط منها والتشكيك فيها وإمَّا بالكذب على أهل السُّنَّة والتحامل عليهم فيها.

стр. 235

توطئة عصمة الأنبياء ﵈ - لقد أبدى مؤلف الرسالة تفاعلًا كبيرًا مع عصمة الأنبياء ﵈ وهذا هو الواجب- إلا أنه تجاوز الشرع في ذلك، فلم يفرِّق في كلامه بين ما هو واجب أن يعصموا منه ﵈ وبين ما هو جائز عليهم، فراح ينفي عن نبينا ﷺ وعن غيره من الأنبياء ﵈ السهو والسحر والنسيان مطلقًا، وغير ذلك من الأمور التي أثبتها له أحد الأغبياء -بزعمه-، والتي لا تليق به ﷺ ؛ لكونه معصومًا عن كلِّ ذلك -حسب قوله-. المراجع التي اعتمدتها "رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء" لاتهام أهل السنة بالقول بعدم عصمة الأنبياء ﵈ -: لقد ألفيت صاحب الرسالة يردد في اتهامه لأهل السنة: ١ - مقالة ابن المطهر الرافضي القديم في كتابه "منهاج الكرامة في معرفة الإمامة" الذي ردَّ عليه الإمام ابن تيمية بكتاب سَّماه: "منهاج السنة النبوية". فلقد اتهم هذا الرافضي أهل السُّنَّة بأنهم يقولون: «إن الأنبياء غير معصومين، بل قد يقع منهم الخطأ والزلل والفسوق والكذب والسهو، وغير ذلك» (١). ٢ - مقالة علي بن محمد بن القاسم الهادي التي ردَّ عليها تلميذه الإمام محمد بن إبراهيم الوزير بكتابين، هما: "العواصم والقواصم"، ومختصره "الروض الباسم في الذبِّ عن سُنَّة أبي القاسم"، وهي نفس مقالة ابن المطهر السابق. فقد ذكر ابن الوزير في "العواصم والقواصم" اتهام علي بن محمد بن القاسم الهادي المحدثين من أهل السنة بقوله: «إنهم يجيزون الكبائر على الأنبياء ﵈» (٢). ثم رد على اتهامه هذا (٣). وذكره كذلك في "الروض الباسم" بقوله: «زعم صاحب الرسالة أن أهل الحديث يجيزون الكبائر في الأنبياء ﵈» (٤). ثم رد على اتهامه هذا (٥).

стр. 236

كلام الجُنيد فيما يُنزَّه عنه الأنبياء ﵈ -: يقول في رسالته: «ولا يسري إليهم الخطأ والسهو والنسيان». وقال أيضًا: «يجب أن تعلم بأنه ﵌ معصومٌ عن الخطأ والنسيان والسحر والهذيان ووسوسة الشيطان». وقال أيضًا: «فهم ﵈ معصومون حتى من الغفلة». واتهم أهل السنة أنهم ينسبون ذلك إلى الأنبياء ﵈. والجواب: أولًا: أن هذا اتهام باطل لأهل السُّنَّة، فلم يقل أحد منهم إن الأنبياء ﵈ غير معصومين بإطلاق، بل قد أجمعوا جميعًا فيما يتعلق بهذا على عدة أمور، فقد أجمعوا على: ١ - عصمتهم ﵈ من الكبائر. ٢ - عصمتهم ﵈ من الصغائر التي تُزري بمناصبهم، كرذائل الأخلاق والدناءات وسائر ما يُنَفّر عنهم مما يقال لها: "صغائر الخسة"، كسرقة لقمة والتطفيف بحبَّة. ٣ - عصمتهم ﵈ من تعمُّد الكذب في الأحكام الشرعية؛ لدلالة المعجزة على صدقهم (١). ٤ - أنهم ﵈ معصومون فيما يبلِّغونه عن الله تعالى (٢). وقال الإمام النووي: «اعلم أن النبي ﷺ معصوم من الكذب ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أُمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس معصوما من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام، ونحوها مما لا نقص فيه لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شريعته» (٣).

стр. 237

ثانيًا: وقع الخلاف بين أهل السُّنَّة في الصغائر التي لا تُزري بمنصب الأنبياء ﵈ وليست من الدناءات هل تقع منهم أو لا؟ ومنشأ الخلاف هو: ما حكاه الله تعالى عن بعض الأنبياء ﵈ مما ظاهره لنا أنه معصية، ومن ذلك: ١ - قوله تعالى عن أبينا آدم ﵇: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه:١٢١]. ٢ - قوله تعالى عن يونس ﵇: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء:٨٧]. ٣ - قوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣]. وقوله تعالى عنه ﵇: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات:٨٩]. ومن ذهب إلى وقوع هذه الصغائر منهم ﵈ كابن جرير الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين (١) - قالوا: «لا بدَّ من تنبيههم عليه، إما في الحال على رأي جمهور المتكلمين أو قبل وفاتهم على رأي بعضهم» (٢). وكذلك نقل ابن تيمية: أن عامة الجمهور الذين يجوزون عليهم هذه الصغائر يقولون: «إنهم معصومون من الإقرار عليها» (٣). والحق: أنهم ﵈ معصومون عن الصغائر والكبائر جميعًا. وهو ما رجحه القاضي عياض (٤) وأبو إسحاق الإسفراييني وابن فورك وابن حزم، وحكاه النووي عن المحققين (٥). قال القاضي حسين: «وهو الصحيح من مذهب أصحابنا -يعني: الشافعية-، وما ورد من ذلك فيحمل على ترك الأولى» (٦). وقال القاضي عياض: «لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تُزرى بفاعلها وتحطُّ منزلته وتسقط مروءته. واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم: فذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى: جواز وقوعها منهم. وحجتهم: ظواهر القرآن والأخبار.

стр. 238

وذهب جماعة من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا إلى: عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر، وأن منصب النبوة يجل عن مواقعها وعن مخالفة الله تعالى عمدًا. وتكلموا على الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وتأولوها، وأن ما ذكر عنهم من ذلك إنما هو فيما كان منهم على تأويل أو سهو أو مِن إذن من الله تعالى في أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها وأشياء منهم قبل النبوة. وهذا المذهب هو الحق» (١). وجواب آخر ذكره الشوكاني، حيث قال: «فإن قلت: فما تقول فيما ورد في القرآن الكريم منسوبًا إلى جماعة من الأنبياء وأولهم أبونا آدم ﵇، فإن الله يقول: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه:١٢١]؟ قلت: قد قدمنا وقوع الإجماع على امتناع الكبائر منهم بعد النبوة، فلا بد من تأويل ذلك بما يخرجه عن ظاهره بوجه من الوجوه. وهكذا يُحمل ما وقع من إبراهيم ﵇ من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات:٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٣]، وقوله في سارة: (إنها أخته) (٢)، على ما يخرجه عن محض الكذب؛ لوقوع الإجماع على امتناعه منهم بعد النبوة. وهكذا في قوله في يونس ﵇: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، لا بد من تأويله بما يُخرجه عن ظاهره. وهكذا ما فعله أولاد يعقوب بأخيهم يوسف. وهكذا يُحمل ما ورد عن نبينا ﷺ أنه: (كان يستغفر الله في كل يوم، وأنه كان يتوب إليه في كل يوم) (٣)، على أن المراد: رجوعه من حالة إلى أرفع منها» (٤). فأنت ترى بعد إيراد أقوال أهل العلم في هذه المسألة: أن نسبة الخطأ الصغير غير المُزري بمنصب النبي إلى النبي ﵇ لا تعدُّ غباءً ولا جهلًا، كما يدَّعيه مؤلف الرسالة. وكيف يكون ذلك غباءً وقد دلَّت ظواهر القرآن والسُّنَّة الصحيحة عليه، كما سبق؟ بل كيف يكون غباءً وقد قال به أئمة جهابذة لا نشكُّ في علمهم وإخلاصهم وفي معرفتهم بحقوق الأنبياء ﵈ وقدرهم وعلو مرتبتهم عند ربهم وكرامتهم عليه وما يجوز في حقهم وما لا يجوز؟ بل الغباء حقيقة فيمن يرى ويسمع الحق ثم يمشي مكبًَّا على وجهه لا يلتفت إليه ولا يأخذ به، ويُلقي به وراءه ظِهريًا. ثالثًا: أن النسيان الذي يطرأ على النبيّ ﷺ لا يقدح في عصمته؛ لأنه إنما ينسى ﷺ أولًا ليشرّع لأمته، وينسى ثانيًا لأنه من البشر، ومن خصائص البشر هؤلاء أنهم ينسون، وما سُمي ابن آدم إنسانًا إلا لكثرة نسيانه. وقد ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) (٥).

стр. 239

ثالثًا: أن النسيان الذي يطرأ على النبيّ ﷺ لا يقدح في عصمته؛ لأنه إنما ينسى ﷺ أولًا ليشرّع لأمته، وينسى ثانيًا لأنه من البشر، ومن خصائص البشر هؤلاء أنهم ينسون، وما سُمي ابن آدم إنسانًا إلا لكثرة نسيانه. وقد ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) (١).

стр. 240

وثبت عنه ﷺ نسيانه في بعض المواضع، وقد جاء في ذلك: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: (سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا، آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) (١). ٢ - نسي ﷺ مرةً فصلى إحدى صلاتي العشي ركعتين، ولم يذكِّره بذلك إلَّا أصحابه ﵃، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ -قَالَ مُحَمَّدٌ (٢): وَأَكْثَرُ ظَنِّي العَصْرَ- رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ ﷺ ذُو اليَدَيْنِ فَقَالَ: أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. قَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ) (٣).

стр. 241

٣ - رأى ﷺ ليلة القدر في المنام ثم أُنسيها، فعن أبي سعد الخدري ﵁ قال: (اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا وَقَالَ: إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا -أَوْ نُسِّيتُهَا-) (١) الحديث. قال الإسماعيلي: «النسيان من النبي ﷺ لشيء من القرآن يكون على قسمين: أحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية. وعليه يدل قوله ﷺ في حديث ابن مسعود في السهو: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) (٢). والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦ - ٧]. قال -يعني: الإسماعيلي-: فأما القسم الأول فعارض سريع الزوال؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر:٩]. وأما الثاني فداخل في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]. على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزة» (٣). إذًا: فمثل هذا النسيان وشبهه لا يمتنع وقوعه من الأنبياء ﵈، كما وقع لكليم الله موسى مع عبد الله الخضر ﵉، حيث نسي الشرط الذي اشترطه عليه ثلاث مرات، وهو أنه لا يسأله عن شيء يفعله حتى يكون هو الذي يبيِّنه له، غير أنه ﵇ كان في كلِّ مرة ينسى ذلك مما حمله على الاعتذار له بقوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ [الكهف:٧٣]. لكن هذا النسيان لا يقع منهم ﵈ في أصل التبليغ؛ لما تقدم من نقل الإجماع على عصمتهم ﵈ فيما يبلغونه عن ربهم، فلا يحصل منهم فيه خطأ ولا جهل ولا نسيان. وقد ذهب إلى هذا أكثر العلماء، بل حُكي الإجماع عليه، وحكى القاضي عياض الإجماع على امتناع السهو والنسيان في الأقوال البلاغية، وخص الخلاف بالأفعال، وأن الأكثرين ذهبوا إلى الجواز (٤). فهل أكثر أهل العلم أغبياء؟ حقًا إن هذا لهو الإفك المبين.

стр. 242

بيان جهل صاحب «رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء» في رسالته لم يكن يخطر ببالي أن يتصدى شخص للردِّ على قضية ما وهو يجهلها تمامًا إلَّا حينما قرأتُ الرسالة المشار إليها، فقد وجدت أن مؤلفها لا صلة له بالحديث لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هو جاهل بهذا العلم رواية ودراية، فهو لا يعرف معنى الشاذ ولا المتواتر عند العلماء، ولقد أزرى بنفسه وكشف عن جهله في رسالته هذه، وكان الأجدر به وقد أخذ على نفسه مسئولية الردّ على الأغبياء الأشقياء من الفقهاء والعلماء -كما يقول- أن يزاحمهم بركبتيه ويتعلَّم معهم أصول هذا العلم؛ حتى يكون ردُّه علميًا وجوابه سويًّا. غير أن هذا في ظني لم يحدث، ويدلُّ عليه: ١ - أنه يطلق على الحديث الصحيح بشرطه عند العلماء: شاذًّا ومكذوبًا! فكيف يتأتَّى ذلك وهو لم يصحّ عندهم أصلًا إلَّا بعد أن ثبتت عدالة رواته وضبطهم واتصال سنده وانتفى عنه الشذوذ والعلة القادحة؟! ٢ - أنه يردُّ الحديث الصحيح بالعقل والهوى؛ لكونه -حسب قوله- "مخالفًا للآداب السامية الرفيعة والأخلاق النبيلة المليحة"! ٣ - طامَّة الطامَّات: أنه يطلق على حديث الآحاد عند العلماء: متواترًا! فأين نجد في كتب أهل العلم بهذا الشأن: أن الشاذ والمكذوب هو الذي لا يقبله العقل؟ وأين نجد في كتبهم: أن ما رواه شخص واحد يكون متواترًا؟ ألستم معي أن هذا جهل مركب باصطلاحات العلماء؟ أو لنقلْ: إنه التعصُّب الأعمى الذي جرَّه إلى ذلك. وقد وقفتُ على كلامه هذا وغيره مما لم أنقله عند إيراده لجملة من أحاديث الصحيحين في رسالته التي عنون لها بقوله: "أحاديث شاذة ومردودة ومختلقة". فهل هذا الذي ذكره عن هذه الأحاديث صحيح؟ تعالوا بنا نتأمل وننظر:

стр. 243

الرد على الشبهات الواردة في «رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء» وفيها ست شُبَه: الشبهة الأولى: أحاديث بول النبي ﷺ قائمًا منافية لعصمته. الشبهة الثانية: اتهام الصحابة باللغط لما هَمَّ النبي ﷺ أن يكتب لهم كتابًا في مرض موته. الشبهة الثالثة: حديث سحر النبي ﷺ منافٍ لعصمته. الشبهة الرابعة: إثبات الصوت لله يقتضي التجسيم. الشبهة الخامسة: أحاديث طواف النبي ﷺ على نسائه وغيرها تصوِّره شغوفًا بالنساء ومشغولًا بالشهوات. الشبهة السادسة: حديث وفاة رسول الله ﷺ في حجر عائشة ينافي أحاديث موته في حجر علي.

стр. 244

الشبهة الأولى أحاديث بول النبي ﷺ قائمًا منافية لعصمته الحديث الأول الذي رده صاحب الرسالة: حديث: بول النبي ﷺ قائمًا. يقول صاحب الرسالة: «من هذه الروايات التي تتنافى مع آدابه السامية -يعني: النبي ﷺ وأخلاقه العالية: ما جاء عن حذيفة قال: (أَتَى النَّبِيُّ صلّى الله عليه (١) وسلم سُبَاطَةَ (٢) قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ (٣) فَتَوَضَّأَ) (٤)». أدلة صاحب الرسالة على رد وإنكار الحديث: استدل بأدلة عقلية ونقلية: ١ - الأدلة العقلية التي استدل بها على رد وإنكار الحديث: أ- قال: «هذا الحديث مردود لا يقبله العقل السليم، وهو مخالف للآداب السامية الرفيعة والأخلاق النبيلة المليحة، فالحبيب الأعظم ﵌ مشرِّع لأمته في جميع أعماله وأفعاله، ونحن مأمورون بالاقتداء به، وحاشاه ﵌ أن يصدر منه هذا الفعل المستهجن عمله عند العرف العام؛ لأنه عليه وآله الصلاة والسلام مُنزه عن كل ما يتنافى مع المروءة والأخلاق، كيف لا والملك الخلَّاق قال في حقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤]». ب- قال: «فلا شك أن الله يطالبنا بتنزيهه وتقديسه، وعدم قبول المطاعن فيه، ولذلك نحن وكل المسلمين مطالبون بطرح كل ما يتعارض مع عصمته أو ما يمسّ شخصه الكريم من قريب أو بعيد». ٢ - الأدلة النقلية التي استدل بها على رد وإنكار الحديث: قال: «وقد جاء حشدٌ هائل من الأحاديث ناسفًا لهذه الرواية، مبينًا طرق الهداية، صادعًا بالقول الفصل والنهاية»، وذكر ستة أحاديث، سأذكرها عند الرد عليها.

стр. 245

والجواب: الرد على إنكار صاحب الرسالة للحديث: أولًا: حديث حذيفة ﵁ في أن النبي ﷺ بال قائمًا جاء فيه عدة روايات في الصحيحين، وهي: ١ - أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء، باب البول قائمًا وقاعدًا، حديث رقم (٢٢٤)، فقد قال: «حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: (أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ)» (١). ٢ - أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الوضوء أيضًا، باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط، حديث رقم (٢٢٥)، فقد قال: «حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن حذيفة قال: (رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ)» (٢). ٣ - أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الوضوء أيضًا، باب البول عند سباطة قوم، حديث رقم (٢٢٦)، فقد قال: «حدثنا محمد بن عرعرة قال: حدثنا شعبة عن منصور عن أبي وائل قال: (كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ وَيَقُولُ: أن بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ! أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا)» (٣). ٤ - أخرجه البخاري أيضًا في كتاب المظالم والغصب، باب الوقوف والبول عند سباطة قوم، حديث رقم (٢٤٧١)، فقد قال: «حدثنا سليمان بن حرب عن شعبة عن منصور» (٤)، به. ٥ - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، حديث رقم (٢٧٣)، فقد قال: «حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا أبو خيثمة عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال: (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: ادْنُهْ. فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ)» (٥). ٦ - أخرجه مسلم أيضًا في كتاب الطهارة أيضًا، باب المسح على الخفين، حديث رقم (٢٧٣)، فقد قال: «حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل قال: (كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ وَيَقُولُ: إن بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أن صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ)» (٦). وبهذا يتبين أن الحديث متفق عليه، وهو أعلى أنواع الصحيح وأرفعه عند العلماء قاطبة، قال العراقي في ألفيته: «وَأَرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْويُّهُمَا ... ثُمَّ البُخَارِيُّ فَمُسْلِمٌ فَمَا شَرْطَهُمَا حَوَى فَشَرْطُ الجُعْفِي ... فَمُسْلِمٌ فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفي» (٧)

стр. 246

وهذا النوع -كما سبق- هو الذي تلقته الأمة بالقبول، كما نقله عنهم ابن الصلاح والنووي وابن تيمية، وغيرهم. ثانيًا: إضافة إلى ما سبق: أن هذا الحديث بعينه لم يرد ضمن الأحاديث المنتقدة على الشيخين، لا من قِبَل الأئمة السابقين ولا اللاحقين، فهو حديث في نهاية الصحة، ولا غبار عليه لا في سنده ولا متنه، فرواته جميعًا من الأئمة الحفاظ المتقنين. وهذا يُعرَف بالرجوع إلى تراجمهم في كتب الرجال التي أجمعت على وصفهم بذلك، وكلُّ من له أدنى اهتمام بعلم الحديث ورجاله يعرف هذا. وكذلك ليس في إسناده ولا متنه أيُّ علة تقدح فيه. فقول صاحب الرسالة فيه إذًا: "إنه شاذ ومختلق" ليس له تفسير عندي إلَّا الجهل أو التعصُّب. ومما يدلُّ على ذلك: أنه لم يعتمد في ردِّه لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث على القواعد العلمية المعروفة عند المحدِّثين، والتي وُضعت لتمييز الحديث المقبول من غيره، وإنما اعتمد على العقل، ثم على بعض الأحاديث التي لا تقاوم حديث حذيفة ﵁، إمَّا لضعفها وإمَّا لعدم معارضتها له.

стр. 247

الرد على أدلة صاحب الرسالة التي رد وأنكر بها الحديث: ها أنا أورد استدلالاته الواهية، ثم أكرُّ عليها بالردِّ الشافي والوافي إن شاء الله تعالى في هذه النقاط التي أُفند فيها شبهته هذه، كالتالي: أولًا: استدل صاحب الرسالة على نفيه لبول النبي ﷺ قائمًا بأدلة عقلية. وسأذكر أدلته العقلية هذه التي أوردها وأرد عليها بعون الله، كالتالي: ١ - قال: «هذا الحديث مردود لا يقبله العقل السليم، وهو مخالف للآداب السامية الرفيعة والأخلاق النبيلة المليحة»، إلخ. فيقال له: إنك بقولك هذا قد اتهمت بطريق غير مباشر جميع الأمة بما فيها أئمة الهدى ومصابيح الدُّجى من أمثال الأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة وغيرهم بأن عقولهم غير سليمة؛ لكونهم تلقوا هذا الحديث بالقبول وأخرجوه في كتبهم. أفلا يحق للمرء بعد هذا أن يمدَّ رجليه كما مدَّهما أبو حنيفة؟! ثم يقال له: - متى كان العقل ميزانًا صحيحًا لقبول الشرع، فما وافقه قبله وما لم يوافقه لم يقبله؟ - وما هي مواصفات العقل السليم عندك؟ ومن الذي وضعها؟ وعلى أيِّ أساس وُضعت؟ وأين نجدها؟ - وهل عقول علماء الكفار هي الأخرى سليمة أو لا؟ وإذا كانت سليمة فقد يقال بأن ردّهم للشرع وعدم قبولهم له هو عين الصواب؛ لأن عقولهم هي التي أرشدتهم إلى ذلك، وإذا قيل بأنها ليست سليمة فيقال: فكيف استطاعوا إذًا أن يهتدوا إلى هذه الاختراعات العجيبة التي ملأت الدنيا بعقول ضعيفة وتفكير هزيل؟ أفلستم معي بعد هذا أن سلامة العقل ليست ميزانًا صحيحًا للشرع؟ وعلى قاعدة "العقل السليم" التي خرج بها علينا صاحب الرسالة يمكن أيضًا أن نرد قضايا كثيرة في الشرع؛ لأن العقل بمفرده لا يدركها ولا يقبلها، مثل: - أمور الغيب التي أخبر الله تعالى ورسوله ﷺ بها. - قصة الإسراء والمعراج في ليلة واحدة. - قطع يد السارق في ربع دينار، مع أن فيها نصف الدِّية لو أنها قطعت بغير حق. - رجم الزاني المحصن بالحجارة حتى الموت.

стр. 248

وغير ذلك. فإن هذه القضايا وغيرها لم يقبلها المسلم بمجرد عرضها على العقل فقط، وإنما قبلها لكونه مؤمنًا، ومن صفة المؤمن: التسليم والانقياد لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ولو خالف ذلك عقله وهواه، وعلى ذلك دلت الكثير من آيات القرآن الكريم، ومنها: أ- قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥]. ب- قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور:٥١]. ٢ - قال: «وحاشاه ﵌ أن يصدر منه هذا الفعل المستهجن عمله عند العرف العام»، يعني: البول من قيام. وقال: «فلا شك أن الله يطالبنا بتنزيهه وتقديسه، وعدم قبول المطاعن فيه، ولذلك نحن وكل المسلمين مطالبون بطرح كل ما يتعارض مع عصمته أو ما يمسّ شخصه الكريم من قريب أو بعيد». فيقال له: إن القول: "إن البول قائمًا يخالف الآداب السامية والأخلاق النبيلة، وأنه من الأفعال المستهجنة عرفًا، وأنه يتعارض مع عصمته ﷺ " ليس بصحيح، وكيف يكون صحيحًا وهو أمر مألوف عند العرب في الجاهلية والإسلام؟ ويدلُّ عليه: أ- قول حذيفة ﵁ في حديثه السابق: (فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ) (١). ب- عن عبد الرحمن ابن حسنة ﵁ قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ (٢)، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ) (٣)، الحديث.

стр. 249

فدلَّ هذا على: أن الرجال كانوا يبولون قيامًا، وإلا لما أنكروا على النبي ﷺ جلوسه. ج- حكى الإمام ابن ماجة عن شيخه أحمد بن عبد الرحمن المخزومي أنه قال: «وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الْبَوْلُ قَائِمًا، أَلَا تَرَاهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ يَقُولُ: (قَعَدَ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ)» (١)؟ ٣ - لكون البول من قيام كان مألوفًا عند العرب فقد ثبت عن بعض الصحابة ﵃ أنهم بالوا قيامًا (٢)، منهم: أ- عمر بن الخطاب ﵁ (٣). ب- علي بن أبي طالب ﵁ (٤). ج- زيد بن ثابت ﵁ (٥). د- عبد الله بن عمر ﵄ (٦).

стр. 250

ه- سهل بن سعد ﵁ (١). و- أنس بن مالك ﵁ (٢). ز- أبو هريرة ﵁ (٣). ح- سعد بن عبادة ﵁ (٤).
следующие страницы →