← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 169

مع المشككين في السنة

عبد الرحمن الخميسي

Полный текст (317 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وهذا النوع -كما سبق- هو الذي تلقته الأمة بالقبول، كما نقله عنهم ابن الصلاح والنووي وابن تيمية، وغيرهم. ثانيًا: إضافة إلى ما سبق: أن هذا الحديث بعينه لم يرد ضمن الأحاديث المنتقدة على الشيخين، لا من قِبَل الأئمة السابقين ولا اللاحقين، فهو حديث في نهاية الصحة، ولا غبار عليه لا في سنده ولا متنه، فرواته جميعًا من الأئمة الحفاظ المتقنين. وهذا يُعرَف بالرجوع إلى تراجمهم في كتب الرجال التي أجمعت على وصفهم بذلك، وكلُّ من له أدنى اهتمام بعلم الحديث ورجاله يعرف هذا. وكذلك ليس في إسناده ولا متنه أيُّ علة تقدح فيه. فقول صاحب الرسالة فيه إذًا: "إنه شاذ ومختلق" ليس له تفسير عندي إلَّا الجهل أو التعصُّب. ومما يدلُّ على ذلك: أنه لم يعتمد في ردِّه لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث على القواعد العلمية المعروفة عند المحدِّثين، والتي وُضعت لتمييز الحديث المقبول من غيره، وإنما اعتمد على العقل، ثم على بعض الأحاديث التي لا تقاوم حديث حذيفة ﵁، إمَّا لضعفها وإمَّا لعدم معارضتها له.

стр. 247

الرد على أدلة صاحب الرسالة التي رد وأنكر بها الحديث: ها أنا أورد استدلالاته الواهية، ثم أكرُّ عليها بالردِّ الشافي والوافي إن شاء الله تعالى في هذه النقاط التي أُفند فيها شبهته هذه، كالتالي: أولًا: استدل صاحب الرسالة على نفيه لبول النبي ﷺ قائمًا بأدلة عقلية. وسأذكر أدلته العقلية هذه التي أوردها وأرد عليها بعون الله، كالتالي: ١ - قال: «هذا الحديث مردود لا يقبله العقل السليم، وهو مخالف للآداب السامية الرفيعة والأخلاق النبيلة المليحة»، إلخ. فيقال له: إنك بقولك هذا قد اتهمت بطريق غير مباشر جميع الأمة بما فيها أئمة الهدى ومصابيح الدُّجى من أمثال الأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة وغيرهم بأن عقولهم غير سليمة؛ لكونهم تلقوا هذا الحديث بالقبول وأخرجوه في كتبهم. أفلا يحق للمرء بعد هذا أن يمدَّ رجليه كما مدَّهما أبو حنيفة؟! ثم يقال له: - متى كان العقل ميزانًا صحيحًا لقبول الشرع، فما وافقه قبله وما لم يوافقه لم يقبله؟ - وما هي مواصفات العقل السليم عندك؟ ومن الذي وضعها؟ وعلى أيِّ أساس وُضعت؟ وأين نجدها؟ - وهل عقول علماء الكفار هي الأخرى سليمة أو لا؟ وإذا كانت سليمة فقد يقال بأن ردّهم للشرع وعدم قبولهم له هو عين الصواب؛ لأن عقولهم هي التي أرشدتهم إلى ذلك، وإذا قيل بأنها ليست سليمة فيقال: فكيف استطاعوا إذًا أن يهتدوا إلى هذه الاختراعات العجيبة التي ملأت الدنيا بعقول ضعيفة وتفكير هزيل؟ أفلستم معي بعد هذا أن سلامة العقل ليست ميزانًا صحيحًا للشرع؟ وعلى قاعدة "العقل السليم" التي خرج بها علينا صاحب الرسالة يمكن أيضًا أن نرد قضايا كثيرة في الشرع؛ لأن العقل بمفرده لا يدركها ولا يقبلها، مثل: - أمور الغيب التي أخبر الله تعالى ورسوله ﷺ بها. - قصة الإسراء والمعراج في ليلة واحدة. - قطع يد السارق في ربع دينار، مع أن فيها نصف الدِّية لو أنها قطعت بغير حق. - رجم الزاني المحصن بالحجارة حتى الموت.

стр. 248

وغير ذلك. فإن هذه القضايا وغيرها لم يقبلها المسلم بمجرد عرضها على العقل فقط، وإنما قبلها لكونه مؤمنًا، ومن صفة المؤمن: التسليم والانقياد لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ولو خالف ذلك عقله وهواه، وعلى ذلك دلت الكثير من آيات القرآن الكريم، ومنها: أ- قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥]. ب- قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور:٥١]. ٢ - قال: «وحاشاه ﵌ أن يصدر منه هذا الفعل المستهجن عمله عند العرف العام»، يعني: البول من قيام. وقال: «فلا شك أن الله يطالبنا بتنزيهه وتقديسه، وعدم قبول المطاعن فيه، ولذلك نحن وكل المسلمين مطالبون بطرح كل ما يتعارض مع عصمته أو ما يمسّ شخصه الكريم من قريب أو بعيد». فيقال له: إن القول: "إن البول قائمًا يخالف الآداب السامية والأخلاق النبيلة، وأنه من الأفعال المستهجنة عرفًا، وأنه يتعارض مع عصمته ﷺ " ليس بصحيح، وكيف يكون صحيحًا وهو أمر مألوف عند العرب في الجاهلية والإسلام؟ ويدلُّ عليه: أ- قول حذيفة ﵁ في حديثه السابق: (فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ) (١). ب- عن عبد الرحمن ابن حسنة ﵁ قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ (٢)، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ) (٣)، الحديث.

стр. 249

فدلَّ هذا على: أن الرجال كانوا يبولون قيامًا، وإلا لما أنكروا على النبي ﷺ جلوسه. ج- حكى الإمام ابن ماجة عن شيخه أحمد بن عبد الرحمن المخزومي أنه قال: «وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الْبَوْلُ قَائِمًا، أَلَا تَرَاهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ يَقُولُ: (قَعَدَ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ)» (١)؟ ٣ - لكون البول من قيام كان مألوفًا عند العرب فقد ثبت عن بعض الصحابة ﵃ أنهم بالوا قيامًا (٢)، منهم: أ- عمر بن الخطاب ﵁ (٣). ب- علي بن أبي طالب ﵁ (٤). ج- زيد بن ثابت ﵁ (٥). د- عبد الله بن عمر ﵄ (٦).

стр. 250

ه- سهل بن سعد ﵁ (١). و- أنس بن مالك ﵁ (٢). ز- أبو هريرة ﵁ (٣). ح- سعد بن عبادة ﵁ (٤).

стр. 251

فهل هؤلاء الصحابة الأجلاء ﵃ كانوا يفعلون ما يخالف الآداب السامية والأخلاق النبيلة؟ حاشاهم وكلا. ثانيًا: استدل صاحب الرسالة على إبطال حديث حذيفة ﵁ وردِّه بأدلة سمعية، وأورد ستة أحاديث قال عنها: "إنها جاءت ناسفة له"، يعني: لحديث حذيفة ﵁ في بول النبي ﷺ قائمًا. وأنا بعون الله أوردها حديثًا حديثًا، وأبيِّن ما فيها؛ ليتضح الحق لطالبه ويستنير الطريق لسالكه: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: (مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا) (١). وهذا الحديث -كما بينت في تخريجه- أخرجه: ابن ماجة والترمذي والنسائي، كلهم من طريق المقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه عن عائشة ﵂. وهذا الحديث مختلف في صحته، فقد ضعَّفه الترمذي كما هو واضح من عبارته: هو «أحسن شيء في الباب وأصح». وضعَّفه كذلك العراقي والسيوطي وغير واحد من المتأخرين، كما نقله عنهم الألباني (٢)؛ لأن في بعض طرقه شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ عند أهل العلم، لكن تابعه سفيان الثوري عند أبي عوانة وغيره. ويكون الحديث بهذه الطريق صحيحًا، وهو ما جزم به النووي والذهبي وابن حجر، ورجحه الألباني أخيرًا (٣). فحديثٌ بهذه الصورة ليس له إلا طريق واحد -هو طريق المقدام بن شريح- إضافة إلى وجود الاختلاف فيه -كما سبق- يقول عنه صاحب الرسالة: "إنه متواتر"! فهل المتواتر عند أهل العلم هو الذي يرويه شخص واحد أم إنه الذي يرويه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه؟ هذه إحدى طامَّاته. وطامة أخرى أشد منها تمس صحابيًا كبيرًا استأثره النبي ﷺ بمعرفة المنافقين، وأعلمه بما كان وما يكون إلى يوم القيامة، كما في "صحيح مسلم" (٤)، وهو حذيفة بن اليمان ﵁ صاحب سرِّ رسول الله ﷺ ، وقال عنه ما يلي: «ومن حدَّث أنه بال قائمًا فقد جرَّحَتُهُ -أي: عائشة ﵂، ولا يمكن للسيدة عائشة ﵂ أن ترمي غيرها بالكذب بأمرٍ لم تعلمه، فهي زوج الرسول وتعرف ما تقول».

стр. 252

وحاصل عبارته هذه: أن حذيفة ﵁ الذي روى عن النبي ﷺ أنه بال قائمًا مجروح؛ لكونه كذب في روايته لهذا الحديث. أفليس هذا هو الرفض بعينه يا قوم؟ ثم نقول له ولمن التبس عليه فهم الحديثين -أعني: حديث حذيفة وحديث عائشة ﵄ هذا-: إن الفقهاء والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء عيهم السلام لم يلتبس عليهم فهمهما، وخلصوا بعد النظر إليهما بعين البصيرة والإنصاف إلى مسلكين: المسلك الأول: القول بنسخ حديث حذيفة ﵁ من غير ردٍّ له ولا تكذيب، كما فعل صاحب الرسالة، وليته سلك هذا المسلك فأراح واستراح-. وقد مال إلى هذا أبو عوانة في مستخرجه وابن شاهين. المسلك الثاني: مسلك التوفيق بين الحديثين. وهو الذي عليه الجمهور. قال ابن حجر: «والصواب: أنه غير منسوخ. والجواب عن حديث عائشة: أنه مستند إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطّلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة. وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة. فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن» (١). ٢ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا عُمَرُ! لَا تَبُلْ قَائِمًا. فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ) (٢). وهذا الحديث -كما بينت في تخريجه- أخرجه: ابن ماجة والترمذي، وكذلك أخرجه البيهقي (٣). وفي هذا الحديث راوٍ متفق على ضعفه، وهو: عبد الكريم بن أبي المخارق (٤). ومع ذلك قال صاحب الرسالة عن هذا الحديث: "إنه حديث متواتر"! فيا للعجب! وإن تعجبوا فاعجبوا من حال دعيّ العلم هذا؛ فإنه يضعِّف ويصحِّح الأحاديث وفق هواه، لا على وفق قواعد المحدِّثين! فتراه يصحِّح الحديث الضعيف إذا كان متمشيًا مع منهجه وإن ضعَّفه أهل العلم جميعًا، ويضعِّف الحديث الصحيح وإن أطبق أهل العلم جميعًا على صحته! وفيما سبق من الأمثلة دلالة واضحة على ذلك. ومثل هذا الصنف من البشر يستحيل أن تصل معه إلى قناعة أو نقطة محددة؛ لأنه لا يحكمه منهج أصلًا، ولا يرضى أن يحتكم معك إلى منهج لا يوافق أصوله ومعتقده وهواه.

стр. 253

٣ - عن بريدة ﵁ أن رسول ﷺ قال: (ثَلاثٌ مِنَ الْجَفَاءِ: أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا، أَوْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ صَلاتِهِ، أَوْ يَنْفُخَ فِي سُجُودِهِ) (١). وهذا الحديث -كما بينت في تخريجه- أخرجه: البزار والطبراني. وهذا الحديث قال عنه الترمذي: «غير محفوظ» (٢). وقال عنه البخاري: «هذا حديث منكر، يضطربون فيه» (٣). وسبب الاضطراب فيه -كما ذكر الألباني-: أن اثنين من رواته -وهما: قتادة والجريري- روياه عن ابن بريدة عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا، وخالفهما سعيد بن عبيد الله الثقفي، فرواه عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ مرفوعًا. والثقفي هذا فيه بعض الضعف، قال عنه الدارقطني: "ليس بالقوي، يحدِّث بأحاديث يسندها وغيره يوقفها". وأورده الذهبي في "الميزان" (٤)، وقال الحافظ فيه: «صدوق ربما وهم» (٥). فمثله لا يُحتمل ما خالف فيه غيره ممن هو أوثق منه وأكثر (٦). ومع كل هذا فقد قال عنه صاحب الرسالة عن هذا الحديث: "إنه حديث متواتر"! فاللهم سلِّم. ٤ - قال صاحب الرسالة: «وفي "الشفا": (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبُولَ (٧) قَائِمًا)» (٨). اهـ.

стр. 254

وأقول: هذا الحديث ضعيف جدًا، أخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبد الله ﵄، وفي سنده: عدي بن الفضل التيمي، وهو متروك (١). ٥ - قال صاحب الرسالة: «وقد أورد الشوكاني في كتابه "نيل الأوطار" حديثًا ما (٢) نصّه: "وقد رُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا) (٣) "». وأقول: أ- إن هذا الأثرٌ موقوفٌ على عبد الله بن مسعود ﵁، وقد صحَّ عنه، كما ذكرت في تخريجه. ب- إنه ليس فيه حجة وإن كان صحيحًا؛ لكونه ليس من قول النبي ﷺ ، والحجة إنما هي في كتاب الله وفي سُنَّة رسوله ﷺ الثابتة عنه. ٦ - عن عبد الرحمن بن حسنة ﵁ قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: وَيْحَكَ! أَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ) (٤). وهذا الحديث قال عنه ابن حجر: «وهو حديث صحيح، صححه الدارقطني وغيره» (٥). وأقول: أ- ليس في الحديث دلالة على النهي عن البول قائمًا. ب- إنه لا ينفي حديث حذيفة ﵁ في البول قائمًا، كما يدَّعي صاحب الرسالة. وإنما غاية ما فيه: حكاية فعله ﷺ في ذلك. والفعل لا يدلُّ على الوجوب ولا على تحريم ما سواه، كما يقول الأصوليون. وليس ثمَّة قول أبلغ من قول ابن حجر في هذا الباب: «ولم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عنه شيء -أي: عن البول قائمًا-» (٦). وقد قطعت جهيزة قول كل خطيب.

стр. 255

ومما تقدم يتضح لنا: أن البول قائمًا ليس عملًا منكرًا ولا مستهجنًا، ولا مخالفًا للآداب والأخلاق النبيلة، بل هو أمر مألوف للعرب في جاهليتهم وإسلامهم. ثالثًا: لما كان غالب أحوال النبي ﷺ البول قاعدًا (١) مع إضافة حديث عائشة ﵂ السابق: (مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا) (٢) إلى ذلك فقد حاول بعض الأئمة الأعلام تفسير بوله ﷺ قائمًا، والأسباب التي دعته ﷺ إلى ذلك، فذكروا أمورًا معقولة لا تنافي توقيره ومحبته وعصمته ﷺ ، وليست مختلقة، كما يدَّعي صاحب الرسالة، وهي كذلك متوافقة مع بشريته ﵊، ومما ذكروه في ذلك: ١ - ما روي عن الإمامين الشافعي وأحمد: أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا. فلعله ﷺ كان به هذا الوجع. ٢ - أنه كان به ﷺ علة في مأبضه -أي: باطن ركبته-، فلم يتمكن ﷺ لأجله من القعود. ورُوي في ذلك حديث لم يصح (٣). ٣ - ما ذكره الحافظ ابن حبان: "من أنه لم يجد مكانًا يصلح للقعود، فقام؛ لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله" (٤). ٤ - أنه ﷺ إنما بال قائمًا لأن السباطة رخوة يتخللها البول، فلا يرتد إلى البائل منه شيء. ٥ - ومنها -وهو الأظهر والأصح-: أنه ﷺ بال قائمًا لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله ﷺ البول عن قعود (٥). رابعًا: بقي أن أقول: إن تعظيم النبي ﷺ إلى حدٍّ يخرجه عن بشريته هو من الغلوّ المحرَّم والإطراء

стр. 256

المنهي عنه، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) (١). وما شنّع به صاحب الرسالة على من يقول: إنه ﷺ «بال قائمًا لأنها حالة يُؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار» هو من هذا القبيل؛ إذ كيف يُجيز عليه ﷺ البول والغائط وهما أشد ولا يجيز عليه خروج الريح؟! أليس هذا غلوًا؟ ولا يعني جواز ذلك عليه ﷺ أنه كان يفعله بحضرة الناس، فإن هذا مما عصمه الله منه، وهو غير لائق بأدنى البشر، فكيف به ﷺ وهو خير البشر؟ ولأجل هذا كان إذا أراد الحاجة انطلق حتى لا يراه أحد (٢). وليتأمل هؤلاء الغالون في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠]. ليعلموا بأنه ﵊ لم يخرج عن صفة البشرية التي فطر الله عليها الخلق، غير أن الله تعالى ميزه عنهم بالوحي، ثم عصمه بسبب ذلك من الوقوع في الإثم وسائر ما يُزري بمنصب النبوة. على أن هذه العصمة هي أمر خارجي، وليست من الصفات البشرية؛ لأن البشر جميعًا جُبِلُوا على الخير والشر، فمن نفى عن النبي ﷺ صفة من هذه الصفات الجبلّية التي لم يعصمه الله منها فقد أخرجه عن بشريته، وجاوز حدَّ الإطراء فيه. بصَّر الله الجميع بالحق، وهدانا إلى سواء السبيل.

стр. 257

الشبهة الثانية اتهام الصحابة باللغط لما هَمَّ النبي ﷺ أن يكتب لهم كتابًا في مرض موته الحديث الثاني الذي رده صاحب الرسالة: حديث: ما وقع من لغط بين الصحابة ﵃ لما أراد النبي ﷺ في مرض موته أن يكتب لهم كتابًا. يقول صاحب الرسالة: «جاء في رواية البخاري من كتاب المرض والطب: (أنه اجتمع عند رسول الله ﷺ رِجَالٌ -فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ-، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ : هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ -يعني: يهذي ويتكلم بما لا يعي-، وَعِنْدَنَا الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. فاختلف الحاضرون وَاخْتَصَمُوا، فأمرهم النبي بالانصراف) (١). وفي رواية ثانية: أنهم بعد موقفهم المعارض لكتابة الكتاب قالوا له: (ألا نأتيك بالدواة والكتف يا رسول الله؟! فقال: لا، أبعد الذي قلتم؟ ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيرًا). وفي رواية للبخاري -المجلد الثالث- باب مرض النبي ﷺ بسنده إلى سعيد بن جبير: أن ابن عباس كان يقول: (لقد اشتد الوجع برسول الله ﷺ يوم الخميس فقال: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَتَنَازَعُوا -وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ نِزَاعٌ-، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ -القائل هنا: عمر، كما أوضحتها الرواية الأولى-، فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ. وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ: إِخْرَاج المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَنْ يَجِيزُوا الوُفْودَ التي كانت تأتيه بِمِثْلِ مَا كَانْ يُجِيزُهُمْ. وَسَكَتَ الراوي عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: نَسِيتُهَا) (٢). على حدِّ تعبير البخاري». اهـ. ثم خلص في آخر بحثه إلى رفض الحديث وعدم قبوله، قائلًا: «إن كتاب البخاري ليس قرآنًا منزَّلًا لا يمكن ردّه». والجواب: الكلام على هذا الحديث من وجوه: أولًا: أن هذا الحديث في أعلى درجات الصحة وأرفعها عند العلماء جميعًا، فهو من الأحاديث المتفق عليها، حيث أخرجه كل من البخاري ومسلم في صحيحهما في مواضع، منها: ١ - أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب كتابة العلم، حديث رقم (١١٤)، فقد قال: «حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: (لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ. قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ. فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ)» (٣). ٢ - أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، حديث رقم (٣١٦٨)،

стр. 258

فقد قال: «حدثنا محمد حدثنا ابن عيينة عن سليمان بن أبي مسلم الأحول سمع سعيد بن جبير سمع ابن عباس ﵄ يقول: (يَوْمُ الخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الحَصَى، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ! مَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَتَنَازَعُوا -وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ-، فَقَالُوا: مَا لَهُ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ، فَقَالَ: ذَرُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ. فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ، قَالَ: أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ. وَالثَّالِثَةُ خَيْرٌ، إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا وَإِمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا. قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ (١))» (٢). ٣ - أخرجه البخاري أيضًا في كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، حديث رقم (٤٤٣١)، فقد قال: «حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: (يَوْمُ الخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ! اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَتَنَازَعُوا -وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ-، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ، فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ. وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ، قَالَ: أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ. وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: فَنَسِيتُهَا)» (٣). ٤ - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يُوصي فيه، حديث رقم (١٦٣٧)، فقد قال: «حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد -واللفظ لسعيد- قالوا: حدثنا سفيان عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: (يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِي. فَتَنَازَعُوا -وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ-، وَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ، قَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ. قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَهَا فَأُنْسِيتُهَا)» (٤).

стр. 259

٥ - أخرجه مسلم أيضًا في كتاب الوصية أيضًا، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يُوصي فيه، حديث رقم (١٦٣٧)، فقد قال: «حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا وكيع عن مالك بن مِغْوَل عن طلحة بن مُصَرِّف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: (يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ -أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ- أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَهْجُرُ)» (١). ٦ - أخرجه مسلم أيضًا في كتاب الوصية أيضًا، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يُوصي فيه، حديث رقم (١٦٣٧)، فقد قال: «وحدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد قال عبد: أخبرنا وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: (لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قُومُوا. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ)» (٢). وبهذا يتبين أن الحديث صحيح ومتفق عليه.

стр. 260

ثانيًا: ويضاف إلى ذلك: أن هذا الحديث لم يذكره أحد ضمن الأحاديث المنتقدة على الشيخين، لا الدارقطني من قبل ولا أبو مسعود الدمشقي من بعد، ولا غيرهما ممن تكلم على أحاديثهما. ثالثًا: قول صاحب الرسالة: إن النبي ﷺ قال لهم لما عادوا يسألونه: هل يأتونه بالدواة والكتف: «(ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيرًا)» هذه اللفظة دسَّها -صاحب الرسالة- في الحديث، ولم ترد في أي طريق من طرقه، لا في الصحيحين ولا في غيرهما. وإني أتحداه أن يذكر مرجعًا معتمدًا من كتب السُّنَّة يبيِّن فيه اسم الكتاب والباب الذي وردت فيه هذه اللفظة. وهيهات هيهات له ذلك! اللهم إلا في نهج الكذب الذي هو أصح عندهم من "صحيح البخاري" فيُحتمل. ولم أكن أتوقع من دعيّ العلم هذا أن يصل به الحال إلى أن يكذب على النبي ﷺ ، وينسب إليه شيئًا لم يقله. أفلا يخشى هذا المتجرئ من توعّد النبي ﷺ من يفعل ذلك متعمدًا بالنَّار، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (١). وفي لفظ: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (٢). والحديث متفق عليه، وهو حديث متواتر، أي: أنه يفيد القطع بحرمة الكذب على النبي ﷺ عمدًا، وهذا ما حمل أبا محمد الجويني والد إمام الحرمين أبي المعالي على تكفير من يتعمَّد الكذب عليه ﷺ (٣). ولا يبعد عندي بعد أن قرأت الرسالة المذكورة أن يكون صاحبها متشبعًا بفكر الرافضة وإن لم يكن على خطِّهم تمامًا، فإنه يقول بالكثير مما يقولونه ويردده، مما يدلُّ على أنهم يردون موردًا واحدًا، ويصدرون عنه جميعًا.

стр. 261

وإن من ينظر في حال الطوائف المنتسبة إلى الإسلام يجد الرافضة أشدهم ضررًا وأعظمهم كذبًا، وليس أدلّ على ذلك من استخدامهم للتقية دينًا، ولسبِّ الصحابة ﵃ وتكفيرهم شعارًا وعقيدة. قال الإمام ابن تيمية مؤكدًا على ذلك -وهو أخبر النَّاس بخبثهم ومكرهم-: «فهم أشد ضررًا على الدين وأهله، وأبعد عن شرائع الإسلام من الخوارج الحرورية، ولهذا كانوا أكذب فرق الأمة. فليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أكثر كذبًا ولا أكثر تصديقًا للكذب وتكذيبًا للصدق منهم، وسيما النفاق فيهم أظهر منه في سائر الناس» (١)، إلى أن قال: «وكل من جرَّبهم يعرف اشتمالهم على هذه الخصال -أي: خصال النفاق-، ولهذا يستعملون التقية التي هي سيما المنافقين واليهود، ويستعملونها مع المسلمين، ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ويحلفون ما قالوا وقد قالوا، ويحلفون بالله ليرضوا المؤمنين ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾» (٢). وصاحب الرسالة وإن كان قد رفض هذا الحديث ولم يقبله إلا أنه بإثباته لهذه اللفظة فيه يريد أن يبيِّن للنَّاس أنها هي الوصية الثالثة التي نسيها الراوي، وكأنه يلمح بهذا إلى أن الرواة بمن فيهم البخاري قد تمالئوا على حذفها. وعبارته التي ذكرها في آخر الحديث -وهي قوله: «على حدِّ تعبير البخاري» - تدلُّ على ذلك. وليس ما أراده صحيحًا، ولا ما ألمح إليه حقًا، فإن هذه الوصية قد نسيها الراوي فعلًا، وهو سليمان بن أبي مسلم الأحول، كما نصَّ على ذلك البخاري بعد سياقه للحديث (٣).

стр. 262

ونصَّ عليه كذلك الحميدي في "مسنده"، حيث جاء في روايته للحديث: «قال سفيان: قال سليمان: لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتُها أو سكت عنها» (١). ولما كانت مبهمة فقد اختلف العلماء في المراد بها، قال ابن حجر: «قال الداودي: "الثالثة: الوصية بالقرآن. وبه جزم ابن التين". وقال المهلب: "بل هي تجهيز جيش أسامة". وقوَّاه ابن بطال: بأن الصحابة لما اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أسامة قال لهم أبو بكر: (إن النبي ﷺ عهد بذلك عند موته) (٢).

стр. 263

وقال عياض: يحتمل أن تكون هي قوله: (ولَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا) (١)؛ فإنها ثبتت في "الموطأ" مقرونة بالأمر بإخراج اليهود» (٢). ثم قال ابن حجر بعد ذلك مباشرة: «يحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) (٣)» (٤).

стр. 264

رابعًا: قول عمر بن الخطاب ﵁: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ) ليس معناه: أنه صار يهذي ويتكلم بما لا يعي، كما فسَّره به صاحب الرسالة. فحاشاه ﵁ أن يصدر منه هذا المعنى في حق النبي المعصوم ﵊ الذي هو أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه (١)، بل كيف يصدر منه وهو ﵁ المُحدَّث (٢) -أي: الملهم (٣) - العبقري الذي شهد له النبي ﷺ بالجنة (٤)

стр. 265

والعلم (١)، والدِّين (٢) والشهادة (٣)، وفرار الشيطان منه (٤)؟!

стр. 266

ولكنه مرض القلب الذي أعمى صاحبنا عن الحق، فجعله يتخبط كالضال الذي لا يعرف أين وجهته. وإنما معنى كلامه ﵁ كما قال ابن حجر: إنه «يشق عليه إملاء الكتاب أو مباشرة الكتابة. وكأن عمر ﵁ فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل» (١). وقال الخطابي: «ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله ﷺ ، أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله ﷺ من الوجع وقرب الوفاة مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه، فتجد (٢) المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين» (٣). وقال النووي: «وأما كلام عمر ﵁ فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره» (٤). وقال أبو بكر البيهقي: «وإنما قصد عمر بن الخطاب ﵁ بما قال التخفيف على رسول الله ﷺ حين رآه قد غلب عليه الوجع» (٥). خامسًا: ومع وقوف صاحب الرسالة على هذه المعاني الحقّة لكلام عمر ﵁ إلا أنه لم يتوقف عن كيل الاتهامات له، حيث أكد بأن قول القائلين: (مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ) هو القائل له؛ مستدلًا على ذلك بأن الرواية الأولى قد أوضحت ذلك (٦). وليس هذا الاتهام بصحيح، ويعوزه الدليل الصريح. بل الأدلة تدل على خلاف ذلك، وهذه الأدلة هي: ١ - صيغة الجمع في لفظة: (قَالُوا) تدلُّ على أن المتكلم بذلك أكثر من واحد. ولا يقل قائل: إنه قد يقصد بها التعظيم؛ لأن من يعرف الصحابة ﵃ وتواضعهم يعلم يقينًا أنهم أبعد النَّاس عن تعظيم أنفسهم. ٢ - أن عمر ﵁ لم يكن في البيت وحده، بل كان معه رجال آخرون. ٣ - أنه لم ينسب أحد من شراح الحديث هذا القول إليه ﵁، بل جميعهم متفقون على إبهام القائل، وأنه غير عمر ﵁. ورجَّح ابن حجر أن «يكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام» (٧). والعجب من حال دعيّ العلم هذا تناقضه الشديد واضطرابه في الحكم على أحاديث الصحيحين! مما يؤكد وهن استدلالاته وخطأ مقولاته، فبينما نراه في هذا الحديث يؤكد على نسبة هذه الأقوال إلى عمر ﵁ مما يعني اعترافًا ضمنيًا منه بصحة الحديث إذا بنا نراه في آخر البحث يرفضه ولا يقبله، مدعيًا بأن كتاب البخاري ليس قرآنًا منزَّلًا لا يمكن ردّه. ولستُ

стр. 267

أدري بعد قوله هذا كيف يسوغ له أن يستدل بشيء من أحاديثه، وهو بهذه المنزلة عنده؟! ولا تتعجبوا؛ فإن هذا ما حدث فعلًا، فقد استدلَّ في رسالته في الصفحة الحادية والثلاثين على وجوب الاستجابة لأمر الرسول ﷺ بما أخرجه البخاري عن أبي سعيد بن المعلّى ﵁ قال: (مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُصَلِّي فَدَعَانِي، فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟ فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]) (١)، الحديث؟ سادسًا: اتفق العلماء على: أنه ﷺ معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه، ومعصوم ﷺ كذلك من ترك بيان ما أُمر ببيانه، وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، كما أنه في المقابل ليس معصومًا ﷺ من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام، ونحوها مما لا نقص فيه لمنزلته، ولا فساد لما تمهّد من شريعته (٢). وإذا اتضح هذا فليعلم أن قوله: (أَهَجَرَ)؟ -بفتحات- هو على الاستفهام. «وهو أصح من رواية من روى: (هَجَرَ) (٣)، و (يَهْجُرُ) (٤)؛ لأن هذا كله لا يصح منه ﷺ ؛ لأن معنى (هَجَرَ): هذى. وإنما جاء هذا من قائله استفهامًا للإنكار على من قال: لا تكتبوا، أي: لا تتركوا أمر رسول الله ﷺ ، وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه؛ لأنه ﷺ لا يهجر. وإن صحَّت الروايات الأخرى كانت خطًا من قائلها، قالها بغير تحقيق، بل لِمَا أصابه من الحيرة والدهشة؛ لعظيم ما شاهده من النبي ﷺ من هذه الحالة الدالة على وفاته وعظيم المصاب به، وخوف الفتن والضلال بعده، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع. وقول عمر ﵁: (حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ) ردٌّ على من نازعه، لا على أمر النبي ﷺ . قاله القاضي عياض (٥).

стр. 268

سابعًا: أن عمر وغيره من الصحابة ﵃ ممن امتنع عن إحضار الكتف والدواة ليكتب لهم فيها النبي ﷺ لم يكونوا ﵃ عصاةً، كما صورهم صاحب الرسالة؛ لأن أمره هذا ﵊ لم يكن للوجوب، بل للندب. ويدلُّ عليه: أن طلبه ﷺ هذا منهم كان في يوم الخميس، وقد عاش ﷺ بعده إلى يوم الاثنين، ولم يثبت أنه ﷺ عاود أمرهم بذلك. ولو كان واجبًا لم يتركهم لاختلافهم؛ لأنه ﵊ لا يترك التبليغ لمخالفة من خالف. وقد كان الصحابة ﵃ يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم، فإذا عزم امتثلوا (١). وفَهْمُ الصحابة ﵃ أجمعين لأمره ﷺ هذا بأنه ليس للوجوب كفهمهم ﵃ لقوله ﷺ لهم: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) (٢). حيث تخوف أناس من فوات الوقت فَصَلُّوا في الطريق، وتمسك آخرون بظاهر النص فلم يُصَلُّوا إلا بعد أن وصلوا، فلم يعنِّف ﵊ أحدًا من الفريقين (٣). وقال البيهقي: «ولو كان ما يريد (٤) النبي ﷺ أن يكتب لهم شيئًا مفروضًا لا يستغنون عنه لم يتركه باختلافهم ولغطهم؛ لقول الله : ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه» (٥). قال النووي: وهذا «كما أمر في ذلك الحال بإخراج اليهود من جزيرة العرب وغير ذلك مما ذكره في الحديث» (٦). ثامنًا: اختلف العلماء في المراد بالكتاب الذي همَّ النبي ﷺ أن يكتبه لهم: فقيل: أراد ﷺ أن يكتب كتابًا ينصّ فيه على الأحكام؛ ليرتفع الاختلاف. وقيل: بل أراد ﷺ أن ينصّ على أسامي الخلفاء بعده؛ حتى لا يقع بينهم الاختلاف. قاله سفيان بن عيينة. ويؤيده: أنه ﷺ قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة ﵂: (ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ؛ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ) (٧). أخرجه مسلم. ومع ذلك لم يكتب.

стр. 269

قال ابن حجر: «والأول أظهر؛ لقول عمر: (كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا)، أي: كافينا، مع أنه يشمل الوجه الثاني؛ لأنه بعض أفراده» (١). وبعد هذا التطواف بين أقوال العلماء في معنى هذا الحديث أحب أن أُقرّ عيون الغيورين على السُّنَّة بأن الطعن في أحاديث الصحيحين أو بعضها بهذه الطريقة السخيفة التي سلكها صاحب الرسالة لم يُعهد عن أحد من العلماء الرَّبانيين أبدًا، وإنما عُرف ذلك عن بعض الطوائف كالزنادقة والرافضة قديمًا (٢) والمستشرقين والمستغربين حديثًا (٣). وهذا مما يخفف الألم ويهوّن المصيبة؛ لأن دوافع هؤلاء معلومة لكل أحد، والناس لا يغترون بكلامهم ولا يلقون إليه بالًا؛ لِمَا ظهر لهم من سوء نياتهم وقبح أعمالهم. فالزنادقة ردُّوا السُّنَّة مطلقًا، ولم يكتفوا بذلك حتى أدخلوا عليها أحاديث ليست منها. قال حماد بن زيد البصري: «وضعت الزَّنَادِقَة على رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة عشر ألف حَدِيث» (٤). وأمَّا الرافضة فقد تقدم أنهم لا يقبلون أي طريق للنقل إلا ما كان عن بعض أهل البيت، وعرَّفوا الحديث الصحيح بأنه: «ما اتصل سنده إلى المعصوم -أي: من الأئمة- بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات حيث تكون متعددة» (٥).

стр. 270

وأمَّا المستشرقون -وهم علماء الكفار الذين اعتنوا بدراسة الإسلام- فلا يُستغرب ذلك منهم؛ لِمَا تنطوي عليه نفوسهم من الكفر والخبث وعدم إرادة الخير للمسلمين، قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥]. ولكن الذي يدعو للاستغراب في الحقيقة هو: ما صدر من أذنابهم المستغربين في بلاد الإسلام من تشكيك ورفض للسُّنَّة! ومما قاله أحد هؤلاء الأذناب (١): إن الأحاديث الموجودة حتى في الصحيحين «ليست ثابتة الأصول والدعائم، بل هي مشكوك فيها، ويغلب عليها صفة الوضع» (٢)! ولسنا بحمد الله تعالى بعد كل هذا محتاجين أن نُخيّر من قِبَل صاحب الرسالة بين القول بصحة الحديث أو الجزم بمخالفة عمر ﵁ وعصيانه لأمر الرسول ﷺ ، فالحديث صحيح صحيح، كما تقدم، وعمر ﵁ لم يعصِ ولم يخالف أمر نبيه ﷺ ، كما قال العلماء. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 271

الشبهة الثالثة حديث سحر النبي ﷺ منافٍ لعصمته الحديث الثالث الذي رده صاحب الرسالة: حديث: سحر النبي ﷺ . يقول صاحب الرسالة: «ورد في "صحيح البخاري" باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر؟: وقال ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب: (بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) (١). حدثني محمد بن المثنى حدثنا يحيى حدثنا هشام قال: حدثني أبي عن عائشة: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ) (٢). وفي رواية للبخاري أيضًا بلفظ: (حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ) (٣)». اهـ. ثم ادَّعى هذا المتعصِّب الجاهل: أن هذا الحديث مُختلق مُوضوع على رسول الله ﷺ ؛ لأن السحر -كما يقول-: "عبارة عن تسليط أرواح شيطانية سفلية على المسحور حتى يتكلم بما لا يعي، ويفعل الشيء وهو لم يفعله". ثم قال: «وعلى هذا: فإنه لا يعقل أن النبي ﷺ كان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله. فأين العصمة إذًا؟ وكيف تتسلط عليه الأرواح الشيطانية وهو عين الحضرة الوحدانية، وهو دائمًا ذاكرًا لله في كلِّ ما يفعله»؟ والجواب: وأُجيب على هذه الدعاوى بما يلي: أولًا: أن هذا الذي ادعاه عن هذا الحديث جهل عظيم منه، وتعصُّب مقيت ناشئ عن مرض في القلب طمس على بصره وبصيرته، فأعماه عن رؤية الحق وسلوك طريق أهله. ولو كان ممن يتعاطى هذا العلم مع شيء من الإنصاف لعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المتفق على صحتها لدى الأمة، وذلك لاتفاق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما، كما تقدم، ولخلوِّه أيضًا من أي نقد في سنده أو متنه من قبل أئمة هذا الشأن.

стр. 272

ثانيًا: أن السحر ليس فقط كما يقول: "عبارة عن تسليط أرواح شيطانية سفلية على المسحور"، وإنما هو إضافة إلى ذلك: - منه ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده. - منه ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانيتها بزعم السحرة (١). وذكر ابن القيم: أن السحر نوعان: نوع مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة، وآخر -وهو أشد ما يكون من السحر-: انفعال القوى الطبيعية عنها (٢). وهذا النوع الأخير هو الذي أصيب به النبي ﷺ ، فقد كان السحر متسلطًا على جسده وجوارحه الظاهرة فقط. قال القاضي عياض: «اعلم -وفقنا الله وإياك- أن هذا الحديث صحيح متفق عليه، وقد طعنت فيه الملحدة وتذرعت به؛ لِسُخْفِ عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع. وقد نزَّه الله الشرع والنبي عما يدخل في أمره لبْسًا، وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا يُنكر ولا يقدح في نبوته. وأما ما ورد من أنه: (كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلُ الشَّيْءَ وَلَا يَفْعَلُهُ) (٣) فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا. وإنما هذا فيما يجوز طروّه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فُضِّلَ من أجلها، وهو فيها عُرضة للآفات كسائر البشر. فغير بعيد أن يُخَيَّلَ إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان» (٤). إلى أن قال: «فقد استبان لك -من مضمون هذه الروايات (٥) -: أن السحر إنما تَسَلَّطَ على ظاهره وجوارحه، لا على قلبه واعتقاده وعقله» (٦).

стр. 273

وقال المازري: «وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث من طريق ثابتة (١)، وزعموا أنه يحطّ منصب النبوة ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. وزعموا أن تجويز هذا يُعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، ولعله يتخيل إليه جبريل ﵇ وليس ثَمّ ما يراه، أو أنه أوحى إليه وما أوحي إليه. وهذا الذي قالوه باطل؛ وذلك أن الدليل قد قام على صدقه فيما يبلغه عن الله سبحانه وعلى عصمته فيه، والمعجزة شاهدة بصدقه. وتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان رسولًا مُفضّلًا من أجلها هو في كثير منه عُرضة لما يعترض البشر، فغير بعيد أن يُخَيَّلَ إليه في أمور الدنيا ما لا حقيقة له» (٢). ثالثًا: ثبت في روايات هذا الحديث وغيره: أن الذي كان يُخَيَّلَ إلى النبي ﷺ أنه يفعله ولا يفعله هو: إتيانه للنساء، ومن تلك الروايات: ١ - في "صحيح البخاري" في كتاب الطب باب هل يَسْتَخْرِجُ السحر (٥٧٦٥): عن عائشة ﵂ قالت: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ. قَالَ سُفْيَانُ (٣): وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا) (٤). ٢ - أخرج ابن سعد عن ابن عباس ﵄: (مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُخِّذَ عَنِ النِّسَاءِ وَعَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَهَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ) (٥)، الحديث، وذكر فيه قصة سحره. والمعتمد في هذا: إنما هو على رواية عائشة ﵂؛ فإنها أصح. ولا مانع كذلك أن يحبس ﵊ عن الطعام والشراب؛ فإن السحر كان قد تسلَّط على جوارحه الظاهرة -كما تقدم- حتى أضعفه وأمرضه، فيكون ذلك بسبب هذا. وبهذا يتضح معنى قول عائشة ﵂ في الرواية الأخرى: (حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ) (٦) أنه هو: إتيانه للنساء من عدمه. والأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا كالآيات، والتفسير بالوارد خير أنواع التفاسير عند العلماء. قال العراقي في فصل "غريب ألفاظ الحديث" من ألفيته: «وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ ... كَالدُّخِّ بِالدُّخَانِ لاِبْنِ صَائِدِ» (٧)

стр. 274

رابعًا: أن قول صاحب الرسالة عن النبي ﷺ : "إنه عين الحضرة الوحدانية" هو نفسه الحلول والاتحاد الذي كانت تقول به وتعتقده كثير من فرق الكفر والضلالة، كـ: غلاة الرافضة، والرزامية، والمقنَّعية، والحلمانية، والحلَّاجية، وغيرهم. فإن هؤلاء يزعمون أن روح الإله حلَّت في أشخاص سمّوهم، وقالوا: إن وجود المحدثات هو عين وجود الخالق، ليس غيره ولا سواه (١). وكان الحلَّاج ومن بعده ابن عربي والتلمساني وابن الفارض وابن سبعين يلهجون بذلك كثيرًا، حتى قال ابن عربي: «العبد ربٌّ والرب عبدٌ ... يا ليت شعري من المكلَّف إن قلتَ عبدٌ فذاك ربٌّ ... أو قلتَ ربٌّ أنى يكلَّف» (٢) ومذهب هؤلاء لا يشك مسلم في كفره. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن عربي وكتابه "فصوص الحكم"، فأجاب بما يلي: "ما تضمَّنه كتاب "فصوص الحكم" وما شاكله من الكلام فإنه كفر باطنًا وظاهرًا، وباطنه أقبح من ظاهره. وهذا يسمى: مذهب أهل الوحدة، وأهل الحلول، وأهل الاتحاد. وهم يسمون أنفسهم المحققين. وهؤلاء نوعان: نوع يقول بذلك مطلقًا، كما هو مذهب صاحب "الفصوص" ابن عربي وأمثاله -مثل: ابن سبعين، وابن الفارض، والتلمساني، وأمثالهم- ممن يقول: إن وجود المخلوق هو وجود الخالق، وأن العارفين الذين يرون الحق في كل شيء، بل يرونه عين كل شيء" (٣). ثم ساق شيئًا من أقوالهم وأشعارهم في ذلك، ثم قال: «فأقوال هؤلاء ونحوها باطنها أعظم كفرًا وإلحادًا من ظاهرها ... ولهذا فإن كل من كان منهم أعرف بباطن المذهب وحقيقته كان أعظم كفرًا وفسقًا ... فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب ووافقهم عليه كان أظهر كفرًا وإلحادًا. وأما النوع الثاني: فهو قول من يقول بالحلول والاتحاد في معيَّن، كالنصارى الذين قالوا بذلك في المسيح عيسى، والغالية الذين يقولون بذلك في علي بن أبي طالب وطائفة من أهل بيته» (٤)، وذكر أمثلة أخرى لذلك، ثم قال: «فهذا كله كفر باطنًا وظاهرًا بإجماع كل مسلم. ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر، كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين» (٥). والحمد لله رب العالمين.

стр. 275

الشبهة الرابعة إثبات الصوت لله يقتضي التجسيم الحديث الرابع الذي رده صاحب الرسالة: حديث: نفي الصوت لله . يقول صاحب الرسالة: «روى البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد معلقًا بصيغة التمريض -حيث قال-: ويُذكر عن جابر عن عبد الله بن أُنيس قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يَحْشُرُ اللَّهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ .. أَنَا الدَّيَّانُ)» (١). ثم قال: «قال المحققون الأفاضل: هذا حديث ضعيف الإسناد، في سنده: عبد الله بن محمد بن عقيل، ضعيف جدًا، والقاسم بن عبد الواحد، وهو صاحب مناكير». وقال أيضًا: «ونجد أن المجسمة أثبتوا أن لله صوتًا من هذا الحديث، تعالى الله عما يقولون. أضف إلى ذلك: أن علماء أصول الحديث قالوا بأن المعلق إذا جاء بصيغة الجزم -كـ: قال، وذَكَر، وحَكَى- فهو حكم بصحته عن المضاف إليه. هذا عند بعض العلماء. أما إذا جاء بصيغة التمريض -كـ: قيل، وذُكر، وحُكي- فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه (٢). من هنا نعلم: أن هذا الحديث شاذ مردود. فكيف يقولون: إن كتاب البخاري كله صحيح؟ ونحن نقول: فيه المقبول وفيه المردود»؟ اهـ. والجواب: أقول: لقد اشتمل كلامه هذا على جهل وكذب وتجهّم، وبيان ذلك والرد عليه أوجزه فيما يلي: أولًا: أن هذا الحديث ذكره البخاري في صحيحه معلقًا في موضعين: الموضع الأول: بصيغة الجزم. وقد ذكره في كتاب العلم في باب الخروج في طلب العلم (٣). والموضع الثاني: بصيغة التمريض. وذكره في كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ:٢٣].

стр. 276

فاقتصار صاحب الرسالة على تخريج الموضع الثاني دون الإشارة إلى الموضع الأول يدلُّ على قصوره أو عدم أمانته. ثم إن إيراد البخاري له في الموضع الثاني بصيغة التمريض لا يدلُّ على ضعفه عنده مطلقًا؛ لأن هذه الصيغة لا تدلُّ على ضعف الحديث المعلق باطراد، خاصة وأنه قد جزم به في الموضع الأول، وكذلك «فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارًا يُؤنس به ويرُكن إليه»، كما قال ابن الصلاح (١). وقد اعترض ابن حجر على ابن الصلاح في قوله: "إن المعلق الذي يورده البخاري في صحيحه مما لم يكن في لفظه جزْم وحُكْم أنه ليس في شيء منه حكم من البخاري بصحة ذلك عمن ذكره عنه" (٢): "بأن من هذه المعلقات مواضع يسيرة تلتحق بشرطه، ومنها «ما هو صحيح وإن تقاعد عن شرطه إما لكونه لم يخرج لرجاله أو لوجود علة فيه عنده، ومنه (٣) ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، وهو على قسمين: أحدهما: ما ينجبر بأمر آخر -أي: يتقوَّى-. وثانيهما: ما لا يرتقي عن مرتبة الضعيف، وحيث يكون بهذه المثابة فإنه يُبيِّن ضعفه ويصرِّح به حيث يورده في كتابه» " (٤). وإذًا: فاختيار صاحب الرسالة لقول ابن الصلاح -وإن لم يصرح به- في صيغة التمريض على إطلاقه غير صحيح؛ لأن ابن حجر أعرف بـ"صحيح البخاري" منه ومن غيره، وقد جاء حكمه هذا عن علم واستقراء، يشهد به كتابه الذي ألَّفه في معلقات البخاري، وسمّاه: "تغليق التعليق". وإذا قالت حذام فصدِّقوها ... فإن القول ما قالت حذام بل أبلغ منه. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر:١٤]. ثانيًا: أن الحديث الذي حكم عليه الشيخان -البخاري ومسلم- بالصحة وتلقته الأمة عنهما بالقبول هو: ما روياه في أصول كتابيهما بالإسناد المتصل. فهذا هو الذي حكما بصحته بلا إشكال، دون ما ذكراه بغير إسناد متصل، سواء في الشواهد والمتابعات أو في غيرها. وقد نصَّ على ذلك ابن الصلاح وغيره من الأئمة (٥). وعليه: فإن هذا الحديث المعلق ليس هو على شرط البخاري، وبالتالي فإنه لا يدخل في مسمّى الصحيح عند الأئمة.

стр. 277

وأمَّا إدخال صاحب الرسالة له ضمن أحاديث الصحيح التي أخل فيها البخاري بشرطه ثم استنكاره على من يقول: "إن كتاب البخاري كله صحيح" فجهل ما بعده جهل، ورزيَّة يجل عنها كل رزيَّة. والموفق من وفَّقه الله. ثالثًا: أن هذا الحديث بالإسناد الذي فيه عبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف، كما قال صاحب الرسالة، ولكنْ له طرق أخرى يرتقي بها إلى درجة الحسن، منها: ١ و ٢ - أخرج الطبراني في "مسند الشاميين" وتمَّام في "فوائده" من طريق الحجاج بن دينار عن محمد المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵁، وساق الحديث بطوله، وفيه: (فَقَالَ -يعني: عبد الله بن أُنَيْس ﵁: نَعَمْ يَا جَابِرُ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً بُهْمًا، يُنَادِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ غَيْرِ فَظِيعٍ، يَسْمَعُ مَنْ بَعُدَ كَمَنْ قَرُبَ، فَيَقُولُ: أَنَا الدَّيَّانُ، لَا تَظَالُمَ الْيَوْمَ، وَعِزَّتِي لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ وَلَوْ لَطْمَةَ كَفٍّ بِكَفٍّ أَوْ يَدٍ عَلَى يَدٍ) (١)، الحديث. ٣ - أخرج الخطيب البغدادي في "الرحلة في طلب الحديث" من طريق أبي جارود العبسي -وقيل: العنسي- عن جابر ﵁، بنحوه (٢). فهذه الطرق الثلاث يقوِّي بعضها بعضًا. وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب ليس كما قال صاحب الرسالة: إنه «ضعيف جدًا». وإنما ضعفه يسير على الراجح من أقوال العلماء، وهو كما قال الترمذي فيه: «صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه» (٣). قال: «وسمعت محمد بن إسماعيل -يعني: البخاري- يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحُميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل. قال محمد -يعني: ابن إسماعيل البخاري-: وهو مقارب الحديث» (٤). وقال عنه ابن حجر: «صدوق، في حديثه لين، ويقال: تغير بآخرة» (٥).

стр. 278

وأما القاسم بن عبد الواحد فهو ابن أيمن المكي، قال أبو حاتم: «يُكتب حديثه، قلت (١): يحتجُّ بحديثه؟ قال: يحتجُّ بحديث سفيان وشعبة» (٢). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٣). وقال الذهبي: «وُثِّق». ثم ساق له حديثًا من مناكيره (٤). وقال ابن حجر: «مقبول» (٥). ولأجل هذا فقد صحح الحديث الحاكم في مستدركه (٦)، ووافقه الذهبي. وحسَّنه ابن القيم، حيث قال: «هذا حديث حسن جليل، وعبد الله بن محمد بن عقيل صدوق حسن الحديث، وقد احتج به غير واحد من الأئمة، وتَكَلَّمَ فيه من قِبَلِ حفظه. وهذا الضرب ينتفي من حديثهم ما خالفوا فيه الثقات ورووا ما يخالف روايات الحفاظ وشذوا عنهم، وأما إذا روى أحدهم ما شواهده أكثر من أن تُحصر -مثل هذا الحديث- فلا ريب في قبول حديثه. أما (٧) القاسم بن عبد الواحد بن أيمن المكي فحسن الحديث أيضًا، وقد احتج به النسائي مع تشدده في الرجال، وأن له فيهم شرطًا أشد من شرط مسلم، وحَسَّن الترمذي حديثه، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"» (٨). رابعًا: أن نبز أهل السُّنَّة والجماعة بالألقاب السيئة والألفاظ النابية ليس بضائرهم شيئًا، ولا يضر الرامي لهم بذلك إلا نفسه. ومن يتأمل في هذه الألقاب يجد أنها ليست وليدة اليوم، وإنما وُلدت يوم وُجدت فرق أهل الزيغ والضلالة من الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم من المبتدعة. فهؤلاء ما فتئوا في إلصاق التهم بأهل السُّنَّة، ومن هذه التهم التي يصفونهم بها: ١ - تارة يصفونهم بـ"المجسّمة"، كصاحب الرسالة، أي: أنهم يشبِّهون الخالق بالمخلوق، ويجعلونه جسمًا مثله.

стр. 279

٢ - وتارة يصفونهم بـ"الحشوية"، أي: أنهم يقولون بوجود الحشو في كلام المعصوم. وكل هذا من الافتراءات والأكاذيب عليهم، فإنهم بحمد لله ليسوا بمجسِّمة ولا حشوية ولا مُعطّلة، بل هم وسط في باب الأسماء والصفات بين هذه الفرق كلها، حيث يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه وما أثبته له رسوله ﷺ في سنته الصحيحة من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، على حدِّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى:١١]. ومن هذه الصفات التي أثبتوها له - جل وعلا - على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه بالمخلوق: صفة الصوت. ومن أقوالهم في ذلك: ١ - قال عبد الله ابن الإمام أحمد: «سألت أبي ﵀ عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت، فقال أبي: «بَلَى إِنَّ رَبَّكَ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ. هَذِهِ الْأَحَادِيثُ نَرْوِيهَا كَمَا جَاءَتْ». وقال أبي ﵀: «حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: (إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ) (١)»» (٢). ٢ - قال الإمام ابن تيمية: «والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه، ونادى موسى بصوت نفسه، كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف. وصوت العبد ليس هو صوت الرب ولا مثل صوته؛ فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقد نصَّ أئمة الإسلام -أحمد ومن قبله من الأئمة- على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه، تكلَّم به بحرف وصوت، ليس منه شيء كلامًا لغيره، لا جبريل ولا غيره» (٣).

стр. 280

٣ - قال الإمام ابن القيم: «مما يظن أنه مجاز وليس بمجاز: لفظ "النداء الإلهي". وقد تكرر في الكتاب والسنة تكرارًا مطردًا في محاله، متنوعًا يمنع حمله على المجاز، فأخبر تعالى: أنه نادى الأبوين في الجنة، ونادى كليمه، وأنه ينادي عباده يوم القيامة. وقد ذكر سبحانه النداء في تسعة مواضع في القرآن، أخبر فيها عن ندائه بنفسه، ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت؛ فإنه بمعناه وحقيقته باتفاق أهل اللغة، فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعًا، ولهذا جاء إيضاحه في الحديث الصحيح الذي بلغناه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وسائر الأمة تلقته بالقبول. وتقييده بالصوت إيضاحًا وتأكيدًا، كما قيد التكليم بالمصدر في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء:١٦٤]. قال البخاري في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ) (١)» (٢). ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]؟ وأيضًا: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج:٤٦]. والحمد لله رب العالمين.

стр. 281

الشبهة الخامسة أحاديث طواف النبي ﷺ على نسائه وغيرها تصوِّره شغوفًا بالنساء ومشغولاً بالشهوات الحديث الخامس الذي رده صاحب الرسالة: حديث: طواف النبي ﷺ على نسائه ومباشرته للحائض منهن من فوق الإزار. يقول صاحب الرسالة: «أخرج البخاري بسنده عن أنس بن مالك قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ) (١)، الحديث. وفي رواية: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) (٢)» اهـ. لقد ردَّ صاحب الرسالة هذا الحديث بدعوى أنه يصوِّر النبي ﷺ رجلًا مشغولًا بالجنس شغوفًا بالنساء، فقد قال: «فانظروا إلى هذه الرواية التي تصور الرسول ﵌ بأنَّه مشغولٌ بالجنس، شغوفٌ بالنساء». ثم قال بعد ذلك: «من أين لأنس علمه بهذه الرواية؟ هل أخبره النبي ﷺ بأنه طاف على نسائه في ساعة واحدة بغسل واحد»؟ وقال أيضًا: «وكلا والله إن مثل هذا الكلام يستبعد وقوعه من العصاة المجرمين، فما بالنا بشفيع الخلق أجمعين، والذي كان -كما في الحديث-: (أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا) (٣)»؟ وقال أيضًا: «وعلى فرض صحتها -وهو مستحيل- كيف يجامع نساءه الإحدى عشرة (٤) أو التسع (٥) -كما في رواية أخرى-، وهو الذي ﵌ قد نهى أن يأتي الرجل امرأته كالحيوان، ينزو عليها بدون أن يجعل لذلك مقدمات من تقبيل وغيره (٦)؟ فلا بدَّ من زمن يستغرق في قضاء حاجته». ثم قال بعد ذلك: «ثُمَّ كيف تقول هذه الرواية: (بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) مع أنه ﵌ القائل: (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ) (٧). وفي رواية: (فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) (٨)».

стр. 282

ثم قال بعد ذلك: «ويا ليتهم توقفوا عن هذه الرواية! بل راحوا ينسبون إليه روايات تصفه بأنه كان شهوانيًا إلى حدِّ أنه كان إذا رأى امرأة فأعجبته تثور الشهوة فيه. نعوذ بالله من قولهم هذا». وأورد أحاديث في هذا المعنى، ثم عقب عليها بقوله: «إن مثل هذه الروايات وضعت للنيل من قدسية النبي ﵌، ولتبرير مجون الحكام الأمويين الذين امتلأت قصورهم بالجواري والنساء بلا حدود»؛ لأنهن ملك يمين. ثم قال بعد ذلك: «وهناك من الروايات ما هو أفظع وأبشع، فمنها: ما أخرجه البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: (كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ) (١). وأخرج البخاري أيضًا بسنده عن عائشة ﵂ قالت: (كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا) (٢)، الحديث». وقال أيضًا: «فبربك أيها المسلم كيف تقبل مثل هذه الروايات التي تصف نبيك سيدنا محمدًا ﵌ بأنه بلغ إلى أقصى درجة من الشهوة الجنسية؟ فهو لم يصبر -بزعم هذه الرواية- عن امرأته في حال حيضها حتى يباشرها وهو صائم (٣). فهل رسول الله ﵌ كان يجهل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]؟ هذا ما لا يقوله عاقل» اهـ. والجواب: أجيب عن هذه المطاعن فيما يلي: أولًا: أن هذا الحديث صحيح باتفاق أهل هذا الشأن، ولا توجد ثمَّ علة في سنده ولا متنه تمنع من قبوله، ولذلك خرّجه البخاري في صحيحه. وصاحب البيت أدرى بما فيه. وعلى هذا: فإن الشرع والعقل يلزمانه بقبوله، فأما الشرع: فقد دلَّت الدلائل الكثيرة منه على وجوب قبول خبر الثقة. ورجال هذا الحديث جميعًا من الموصوفين بالعدالة والحفظ والإتقان. وهذه الصفات هي صفات الثقة عند العلماء. وأمَّا العقل: فيقال له: كيف يتأتى في الأذهان قبول خبر شخص مرةً ورد خبره وتكذيبه مرة أخرى؟ لأنه إمَّا أن يكون ثقة فيلزم قبول خبره كله إلا ما شذَّ فيه، وإمَّا أن يكون كاذبًا فيلزم رد خبره كله من غير استثناء. لكن صاحب هذه الرسالة لم يلتزم بأي واحدة من هذه، ولهذا فقد وقع في تناقض كثير في رسالته، حيث نراه يرفض هذا الحديث وغيره مما أخرجه الشيخان أو أحدهما، ويستدلُّ في الوقت نفسه بأحاديث مخرجة فيهما رُويت من طريق أولئك الرواة الذين سبق وأن رفض حديثهم! فكيف يصحُّ مثل هذا عند العقلاء؟!

стр. 283

ثانيًا: يُقال له: متى كان الميول إلى ما أباحه الله تعالى من النساء والاشتغال بكثرة الجنس معهن سُبّة وعيبًا ينقص من قدر النبي ﷺ ويزري بمكانته؟ وقد ثبت إخبار النبي ﷺ عن نفسه بذلك، ومما ثبت عنه في ذلك: ١ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ) (١). وفي رواية عن أنس ﵁ أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ) (٢). وفي رواية ثالثة عن أنس بن مالك ﵁ أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: (حُبِّبَ إِلِيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ) (٣). ٢ - عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال لأولئك النفر الذين تقالّوا عبادته: (لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (٤).

стр. 284

ولو كان الاشتغال بالجنس المباح يزري بمنصبه ﵊ لم يتزوج إحدى عشرة امرأة غير الإماء، ولاكتفى بواحدة. وكيف يكون مزريًا بمنصبه وقد اعتبره ﷺ عبادة يؤجر عليها الرجل؟ ففي الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) (١). ومع ذلك فلم يكن الجنس كل همه ﷺ ولا شغله الشاغل، ويدلُّ على ذلك: ١ - أنه ﷺ لم يجمع قبل الهجرة بين اثنتين من النساء قط. ٢ - لم يتزوج ﷺ بكرًا غير عائشة ﵂. ٣ - لما غاضبنه أزواجه ﵅ بسبب النفقة آلى ﷺ منهنَّ جميعًا، وحلف ألا يدخل عليهنَّ شهرًا (٢). فلو كان ليس له ﷺ همٌّ إلا الجنس لما استطاع أن يصبر عنهنَّ شهرًا كاملًا. ولم يكن حبه ﷺ للنساء يشغله عن واجباته وأعماله الدينية والدنيوية، فهذه عائشة ﵂ تحدِّثنا عما كان يصنع في بيته لما سُلت عن ذلك، فعن الأسود قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ) (٣)، يعني: ولم يلتفت إليهنَّ ﵅. فهل يجوز بعد هذا أن يتهم العلماء الربانيون والمحدِّثون الصادقون بأنهم ينسبون إلى النبي ﷺ روايات غير صحيحة تصوّره أنه شهواني، شغله الشاغل وهمه الأكبر هو النساء؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وزور وحوب كبير! ثالثًا: أن أنس بن مالك ﵁ ليس الصحابي الوحيد الذي روى طواف النبي ﷺ على نسائه ﵅، بل شاركه في ذلك: ١ - عائشة أم المؤمنين ﵂، وهي واحدة ممن طاف عليهن ﷺ . ٢ - أبو رافع ﵁ مولى النبي ﷺ . وهذا ما كان يجهله صاحب الرسالة، أو أنه تجاهله عمدًا؛ ليُلبِّس على النَّاس ويقوِّي حجته، وحجته بحمد الله داحضة. وبيان ذلك في الآتي: - أما حديث عائشة ﵂ فأخرجه الشيخان عن محمد بن المنتشر قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا) (٤). وفي رواية عنها ﵂: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا) (٥). - وأما حديث أبي رافع ﵁ فأخرجه أبو داود عن أبي رافع ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ: هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ) (٦). وقال أبو داود عقب ذكره: «وحديث أنس أصح من هذا» (٧). قلت: وهذه العبارة لا تعني ضعف الحديث عند العلماء، ولهذا سكت عليه ابن حجر لما ذكره في الفتح (٨)، مما يدلُّ على أن أقل درجاته عنده أنه حسن، كما هو معروف من منهجه. وبهذا يتضح: عدم انفراد أنس ﵁ بهذا الخبر، وأنه يمكن أن يكون تلقاه عن عائشة ﵂ أو عن النبي ﷺ نفسه. ولا مانع من ذلك، ولا محظور فيه شرعًا؛ لأنه لا يدخل في مسمى الأسرار الزوجية التي يحرم إفشاؤها والتحدُّث بها، وقد دلَّت النصوص على أن ذكر الجماع بمجرده لا يعتبر سرًا من الأسرار الزوجية المنهي عن إفشائها، غير أنه لا ينبغي التحدث به إلا عند الحاجة، فقد جاء في الحديث عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ) (٩).

стр. 285

وقد ذكر العلماء: أن المراد بالأسرار الزوجية هي تفصيلات الجماع، وما يحدث عند فعله من أقوال أو أفعال. وحاشا النبي ﷺ أن يقدم على حكاية شيء من ذلك، وهو القائل كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) (١). وبقي أن تعرف الحكم من إِطْلاع الأمة على طوافه ﷺ على نسائه في ليلة واحدة، وهي لا شك ظاهرة لكلِّ ذي عقل راجح وقلب سليم، فمن ذلك: ١ - تعريفهم بما اختص الله تعالى نبيه ﷺ من القوة الجسدية دونهم، وقد قال أنس ﵁ في آخر حديثه السابق: (كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ) (٢). وقال ابن حجر: «وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: ما أُعطي النبي ﷺ من القوة على الجماع، وهو دليل على كمال البنية وصحة الذكورية» (٣). ٢ - بيان أن القسم بين زوجاته ﵅ ليس واجبًا عليه ﷺ كسائر النَّاس، ومصداق هذا قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١]. ٣ - جواز معاودة الجماع من غير إحداث غسل بينهما. إلى غير لك من الحكم. فظهر بهذا: أن صاحب الرسالة لم يكن بارًا في يمينه حينما قال: «وكلا والله إن مثل هذا الكلام يستبعد وقوعه من العصاة المجرمين»، الخ. ومثل هذه اليمين ليس لها كفارة عند العلماء إلا التوبة الصادقة؛ لأنها يمين كاذبة. وكيف لا تكون كذلك وصاحبها قد حلف على أمر غيبي يجهله، ولا يُستبعد وقوعه من أحد، فضلًا عمن سماهم؟ فهل استقرأ أحوال العصاة المجرمين جميعًا حتى يُخبر عنهم بذلك؟ رابعًا: ليس هناك تعارض بين جماعه ﷺ لنسائه جميعًا في ليلة واحدة وبين أنه يجعل لذلك مقدمات من تقبيل ونحوه، ولا شك أن مثل هذا الأمر قد يستغرق زمنًا، لكن ليس بالضرورة استغراق الليلة كلها في ذلك، كما قد يظن، وقياس النبي ﷺ على غيره من الرجال في هذا غير صحيح؛ لأنه يختلف عنهم في القوة، كما سبق.
следующие страницы →