كلهم إلى معرفة حكم هذا، وكثرة نزوله بهم. فمن حَقِّه أن يعلمه جميعهم أو أكثرهم، وينقلون ما سمعوا به. فإذا لم ينقلوا أو نقله واحد لا أكثر دونهم، استريب خبره ولم يصح العمل به، لا سيما إذا كان الراوي لنا امرأة بخبر مَسِّ الذَّكرِ، فإن الناقلَ عن النبيِّ ﷺ بالوضوءِ منه بُسْرةَ، وهي امرأةٌ لا حاجةَ لها في معرفة ذلك، ولا يصحُّ أن يخصَّ المرأة بذكرِ أحكام ذكور الرجال دون أن يعلم بذلك الرجال)) (إيضاح المحصول من برهان الأصول، صـ ٥٢٣).
وقال ابنُ العربي: ((قال أصحابُ أبي حنيفةَ: لا يُقبل خبر بُسْرةَ ونظرائها في هذا الباب لوجهين:
أحدهما: أن هذا حديث يُروى عن امرأةٍ، والحكمُ معلَّق بالرجالِ، فكيفَ يختص برواية النساء؟ ! وهذه تهمةٌ توجب التوقف وريبة ربما أثرت في التحصيل.
وثانيهما: أن هذه مسألة يعم بها البلوى، وما تعم به البلوى فيه دليلٌ على ضَعْفِهِ)) (عارضة الأحوذي ١/ ١١٧).
وقال أبو العباسِ الدَّاني: ((وقد طعنَ فيه قومٌ من ثلاثةِ أوجهٍ ... والثالث: انفراد بُسْرةَ به من بين سائرِ الصحابةِ على كثرتهم؛ إذ لم يأتِ عن غيرِها من وجهٍ لا مطعنَ فيه، وهو مما تعم به البلوى. قالوا: وما كان كذلك لم تنفردْ به امرأةٌ لا سيما وهو من أحكامِ الرجالِ)) (الإيماء ٤/ ٢٦٢ - ٢٦٥).
وقال الحازميُّ: ((وقال بعضُ من ذهبَ إلى الرخصة ... قال: وأما بُسْرةُ فغيرُ مشهورةٍ، واختلافُ الرُّواةِ في نسبها يدلُّ على جهالتها؛ لأن بعضَهم يقول: هي كِنانية. وبعضُهم يقول: أسدية. ثم لو قَدَّرنا انتفاء الجهالة عنها ما كانت
стр. 10012
أيضًا توازي طَلْقًا في كثرةِ روايته؛ إذ قلة روايتها تدلُّ على قلةِ صحبتها. ثم اختلاف الرواة في حديثها يدلُّ على ضَعْفِ حديثها، ثم حديثُ النساءِ إلى الضعفِ ما هو!
قالوا: وقد روينا عن عليِّ بنِ المدينيِّ، ومحله من هذا الشأن ما قد عُرِف- أنه قال ليحيى بنِ مَعِينٍ: كيف تتقلدُ إسناد بُسْرةَ، ومروان أرسلَ شرطيًّا حتى ردَّ جوابها إليه؟ !
وروينا عن أبي حفص الفلَّاسِ أنه قال: حديثُ قيسِ بنِ طَلْقٍ عندنا أثبتُ من حديثِ بُسْرةَ)) (الاعتبار، صـ ٤٢ - ٤٣).
وقال القرافيُّ: ((وأورد الحنفيةُ على حديثِ بُسْرةَ عَشَرة أسئلة ...
وثالثها: أن ربيعةَ شيخ مالك ﵀ قال: لو شَهِدَتْ بُسْرةَ في بَقْلة ما قَبِلْتُها.
وسادسها: أن الرجلَ أَوْلى بنقله من بُسْرةَ.
وسابعها: أنه مما تعم به البلوى، فينبغي أن يُنقل مستفيضًا، ولما لم يكن كذلك دَلَّ على ضَعْفِهِ.
وثامنها: إنكار أكابر الصحابة ﵃ لحكمه؛ كعليٍّ وابنِ مسعودٍ، فيقولُ عليٌّ: ما أبالي مسستُه أو مسستُ طرف أنفي. ويقولُ ابنُ مسعودٍ: إن كان شيءٌ منك نجسًا فاقطعه.
وعاشرها: أنه مُعارَضٌ بحديثِ طَلْقٍ، والقياسُ على سائرِ الأعضاءِ)) (الذخيرة ١/ ٢٢٢).
وقال بدرُ الدينِ العينيُّ: ((وقد يقال: إن بُسْرةَ غيرُ مشهورةٍ لاختلافِ الرُّواةِ في نسبها؛ لأن بعضَهم يقولُ: هي كنانية. وبعضُهم يقول: هي أسدية. ولو
стр. 10013
سَلِم عدم جهالتها فليستْ تُوازي طَلْقًا في شهرته وكثرة روايته وطول صحبته. وبالجملة فحديثُ النساءِ إلى الضعفِ لا يُوازي حديث الرجال)) (شرح سنن أبي داود ١/ ٤٢٨).
وقال أيضًا: ((وأيضًا: إن عروةَ لم يرفعْ بحديث بُسْرةَ رأسًا. يعني لم يعتبره ولم يلتفتْ إليه؛ وذلك إما لكون بُسْرةَ عنده ممن لا يوجد مثل ذلك الحكم عنها، وذلك لكونها انفردتْ بهذه الرواية مع عموم الحاجة إلى معرفته، وما بال رسول الله ﷺ لم يقلْ هذا بين يدي كبار الصحابة، ولم ينقله أحدٌ منهم؟ ! إنما قاله بين يدي بُسْرةَ، وقد كَانَ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا ... )) (البناية شرح الهداية ١/ ٢٩٩)، وانظر (نخب الأفكار ٢/ ٨١).
وقال -في (نخب الأفكار ٢/ ٨٢) -: ((ومع هذا كله يخالف حديثُ بُسْرةَ ما رُوي عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعمرانَ بنِ حُصينٍ، وحذيفةَ بنِ اليمانِ، وأبي الدرداءِ، وعمارِ بنِ ياسرٍ، وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، وأبي أمامةَ، وسعيدِ بنِ المُسيَّبِ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ، وربيعةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وسفيانَ الثوريِّ، وجماعةٍ أخرى.
فهل يَسَع للمُنْصِفِ في دينه أن يتركَ قولَ هؤلاءِ الأعلامِ منَ الصحابةِ الأجلاء ومِنَ التابعين العظماء، ويعمل بحديثِ بُسْرةَ الذي لما جرى أمره في زمن مروان بن الحكم، وشاورَ مَن بقي من الصحابة في زمانه، قالوا: لا نَدَعُ كتاب ربنا ولا سُنة نبيه بقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت؟ ولهذا قال ربيعة: والله لو شَهِدَتْ بُسْرةَ على هذا النعل لما أجزتُ شهادتها)).
قلنا: هذه أهم الطعون التي طُعِن بها على بُسْرةَ، ويجابُ عن هذه الطعون بما يلي:
стр. 10014
أما الأمر الأول: فالقولُ بأنها امرأة لا يضرُّ إذ ثبتتْ صحبتها، وهذه لا يختلف أهل العلم فيها، ولم يُنْكِر أحدٌ فيما وقفنا عليه ذلك، ونَقْلُ النساءِ والرجال سُنة رسول الله ﷺ واحد، وإلا رددنا سننًا كثيرة انفردَ بها أزواجُ رسولِ اللهِ ﷺ .
وقد احتجَّ الشافعيُّ على من يقول: (حديث امرأة) بقوله: ((فقلتُ: تَرُدُّ حديث بُسْرةَ بنت صفوان مُهاجِرة معروفة بالفضل- بأن تقول: (حديث امرأة) وتحتجُّ بحديثِ امرأة ليست عندك منها معروفة أكثر من أن زوجها روى عنها؟ ! )) (الأم ٤/ ٧٤).
قال المازريُّ: ((واعتلالهم بأن بُسْرةَ امرأةٌ لا يَحْسُنُ خصوصها بذكرِ هذا دون الرجال- جوابه أنه من الممكنِ أن يكونَ المخاطبُ رجالًا سمعتِ الخطابَ لهم، ثم افترقوا واندرسوا قبل النقل واختُرِموا دونه، أو لهم عذرٌ مما تقدمتِ الإشارةُ إليه)) (إيضاح المحصول من برهان الأصول، صـ ٥٢٥ - ٥٢٦).
وقال ابنُ العربيِّ: ((إن هذا الحكمَ متعلقٌ بالرجالِ فلا يُقبلُ فيه النساء.
فنقول: فإن كان حكم يُقبل فيه النساء كان مختصًّا بهن أو عامًّا، قال الله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾. ...... وقد قبلت الصحابة حديث عائشة في التقاء الختانين، ونُسِخ به ((المَاءُ مِنَ المَاءِ)) وهو حديث امرأة. وهذا أعظم فإنه نُسِخ بحكم مستقر. وحديث مس الذكر لم يَنسخ شيئًا ... )) (عارضة الأحوذي ١/ ١١٧).
وقال -في (القبس شرح موطأ مالك بن أنس، صـ ١٦٥) -: ((وأعجبُ من هذا ما حَكَاهُ الدارقطنيُّ أيضًا عن أحمدَ بنِ حَنبلٍ ويحيى بنِ مَعِينٍ، أنه
стр. 10015
ليس في مَسِّ الذَّكرِ حديثٌ صحيحٌ! ! مع أنهم يتلون حديث مالك، ﵁، عن بُسْرةَ! إلا إن مالوا إلى طريق المعنى وقالوا بقول أبي حنيفة، بأن قولَ بُسْرةَ -وهي امرأةٌ- في مثل هذه النازلة التي تتعلق بالرجال ولا يرويها أحد سواها- بعيدٌ.
وهذا قولٌ ضعيفٌ؛ لأن الله تعالى لم يُرِد أن يُجري السُّنةَ مُجرى القرآن حتى يتولى حفظها كما تولى حفظه. وإنما أرادَ تعالى أن يكون القرآنُ محفوظًا نصًّا معلومًا قطعًا. وأن تكون السنةُ يلتقطها الرواة التقاطًا، ويؤخذ من كلِّ أحد ما سَمِع منه، حتى من النساء والرجال؛ ولذلك قال تعالى. ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ الآية، فما اجتمع من السُّنة اجتمع، وما خفي منها في وقتٍ سيظهر في وقتٍ آخر. بل كان كثير من الصحابة يقبضون أنفسهم عن ذكرها.
فلا تستبعدوا -بَصَّركم اللهُ تعالى- والحالة هذه أن تَضبطَ امرأةٌ ما يفوتُ رجلًا، وأن يَذكر امرؤ ما نَسِي آخر))، وانظر (المسالك ٢/ ١٧٩ - ١٨٠)، و (أحكام القرآن ٣/ ٥٧٢ - ٥٧٣).
وقال أبو العباسِ الدَّاني عن قول ربيعة: ((ذكره الطحاويُّ في معاني الآثار، وفيه غلوٌ)) (الإيماء ٤/ ٢٦٦).
وقال أيضًا: ((والجواب عن هذا أن يقالَ: إن الصحابةَ كلهم ذَكَرهم وأُنثاهم محمولون على العدالة والصدق؛ لاختيار الله تعالى إياهم، وثناءه عليهم ... إلى أن قال: فما نقله واحدٌ منهم عنه ﷺ وجبَ قَبوله. وعلى هذا جمهورُ السلفِ إلا مَن شَذَّ)) (الإيماء ٤/ ٢٦٧ - ٢٧٠).
وقال ابنُ الجوزيِّ: ((وما حكوه عن الحربيِّ فبعيدٌ؛ لأن قولَه: (عن امرأة)
стр. 10016
يدلُّ على وهن، وليس في الصحابيات مغمزٌ)) (التحقيق ١/ ١٨٢).
وقال القرافيُّ: ((عدم استقلال المرأة في الشهادة لا يدلُّ على عدمِ قَبولِ روايتها، وإلا لما قُبلتْ رواية عائشة ﵂ (الذخيرة ١/ ٢٢٢).
وقال ابنُ المُلقِّنِ: ((وقولُ إبراهيمَ الحربيِّ السالف على تقدير ثبوته عنه - ليس بجيدٍ منه؛ لأن قولَه: (عن امرأةٍ) يدلُّ على وهنٍ، وليس في الصحابيات مغمزٌ، ولله الحمد)) (البدر المنير ٢/ ٤٦٠).
أما الأمر الثاني: فالقولُ بجهالةِ بُسْرةَ وعدم اشتهارها قول غير صحيح؛ فإن بُسْرةَ من سيدات قريش، كما قال الحاكمُ في (المستدرك ١/ ٤٧٣).
ورَوَى من طريقِ أحمد بن زهير أبي خيثمة، وهو عنده في (تاريخه - السِّفر الثاني ٣٣٨٥) قال: أخبرنا مصعب بن عبد الله قال: ((بُسْرةُ بنتُ صفوان بن نوفل بن أسد، من المُبايِعاتِ، ورقةُ بنُ نوفلٍ عمُّها، وليس لصفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قُصَيّ عقب إلا مِن قِبَل بُسْرةَ، وهي أم معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي، جدة عائشة بنت معاوية أم أبيها، وعائشة هي أم عبد الملك بن مروان، وبُسْرةَ بنت صفوان هي التي حَدَّثَ عنها مروان بن الحكم أنها سمعتِ النبيَّ ﷺ يقولُ: ((مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الوُضُوءُ))، وهي من المبايعاتِ، وما كانتْ تفارقُ منزل مروان بن الحكم)). اللفظ للتاريخ.
وأسندَ الحاكمُ في (المستدرك ٤٨٣) إلى منصور بن سلمة الخزاعي، قال: قال لنا مالك بن أنس: ((أتدرون مَن بُسْرةُ بنتُ صفوان؟ هي جَدة عبد الملك بن مَرْوان، أم أمه، فاعرفوها)). وسندُهُ صحيحٌ.
وترجمَ ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٣/ ٣٧) لبُسْرةَ، فقال: ((بُسْرةُ بنتُ صفوان بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، من المهاجرات، خديجة امرأة
стр. 10017
رسول الله ﷺ عمة أبيها)).
وانظر: (معرفة الصحابة لأبي نعيم ٦/ ٣٢٧١)، و (السنن الكبير للبيهقي ١/ ٣٨٤)، و (الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٤/ ١٧٩٦)، و (أسد الغابة، ط/ العلمية ٧/ ٣٨)، و (تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣٣٢)، و (تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ١١/ ٢٧١)، و (الإصابة في تمييز الصحابة ١٣/ ٢٠٥)، وغيرها.
ولذا قال الشافعيُّ: ((والذي يَعيبُ علينا الرواية عن بُسْرةَ- يَروي عن عائشة بنت عَجْرَد، وأم خِداش، وعِدَّة من النساء لسن بمعروفاتٍ في العامةِ، ويحتجُّ بروايتهن. ويُضَعِّف بُسْرةَ مع سابقتها، وقديم هجرتها، وصحبتها النبي ﷺ ، وقد حَدَّثتْ بهذا في دار المهاجرين والأنصار، وهم متوافرون، فلم يدفعه منهم أحدٌ، بل عَلِمنا بعضهم صارَ إليه عن روايتها، منهم عروة بن الزبير، وقد دَفَع وأَنْكَرَ الوضوء من مَسِّ الذَّكَرِ قبل أن يسمعَ الخبرَ، فلما عَلِم أن بُسْرةَ روتْهُ قال به وتَرَك قولَه)) (معرفة السنن ١/ ٣٩٤).
وقال ابنُ حزمٍ: ((وبُسْرةُ مشهورةٌ، من صواحبِ رسولِ اللهِ ﷺ المبايعاتِ المهاجراتِ- هي بُسْرةُ بنتُ صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، بنت أخي ورقة بن نوفل، وأبوها ابنُ عَمِّ خديجة أم المؤمنين)).
وقال أيضًا: ((وصَحَّ أن بُسْرةَ مشهورةٌ صاحبة، ولقد كان ينبغي لهم أن ينكروا على أنفسهم شرع الدين وإبطال السنن برواية أبي نصر بن مالك، وعمير، والعالية زوجة أبي إسحاق، وشيخ من بني كنانة، وكل هؤلاء لا يَدرى أحدٌ مِن الناسِ مَن هم؟ (المحلى ١/ ٢٣٦ - ٢٤٠).
وقال الحاكمُ: ((وقد ثبتَ بما ذكرناه اشتهار بُسْرةَ بنت صفوان، وارتفع
стр. 10018
عنها اسم الجهالة بهذه الروايات)) (المستدرك ١/ ٤٧٤).
وقال البيهقيُّ: ((فأما ما قال الشافعيُّ في اشتهارِ بُسْرةَ بنت صفوان، فهو كما قال)) (معرفة السنن ١/ ٣٩٦) ثم أسندَ كلامَ مُصعبٍ ومالكٍ المتقدم.
وقال أيضًا: ((وفيما ذَكَر الشافعيُّ، وذِكْرنا عن غيره من بيان حال بُسْرةَ، ومعرفتها، وتصديق عروة إيَّاها، ورجوعه إلى روايتها- ما يَكشف عن ثقتها، وثقة مَن حَمَل الحديث عنها، مع ما روينا من سؤاله بُسْرةَ عن الحديث وتصديقها مَن حَدَّثه عنها)) (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٩٨).
وقال الحازميُّ: ((أجابَ مَن ذَهبَ إلى الإيجابِ، وقال: لا يُنكِر اشتهار بُسْرةَ بنت صفوان بصحبة النبي ﷺ ، ومتانة حديثها- إلا مَن جَهِل مذاهب التحديث، ولم يُحِط علمه بأحوال الرواة)) (الاعتبار، صـ ٤٣)، وانظر (الإمام لابن دقيق العيد ٢/ ٢٩١).
وقال ابنُ القيم: ((وبُسْرةُ هذه من الصحابيات الفضليات. قال مالكٌ: أتدرون مَن بُسْرةُ بنت صفوان؟ هي جدة عبد الملك بن مروان، أم أمه، فاعرفوها. وقال مصعب الزبيري: هي بنت صفوان بن نوفل، من المُبايِعاتِ وورقة بن نوفل عمها. وقد ظَلَم مَن تَكلم في بُسْرةَ وتَعَدى)) (حاشيتة على سنن أبي داود ١/ ٣٠٨).
وقال ابنُ المُلقِّنِ: ((وأما الجواب عن الثالث: فكَذَبَ وافترى مَن ادَّعى جهالةَ بُسْرةَ؛ فإنها بُسْرةُ بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ... )) (البدر المنير ٢/ ٤٥٩).
أما الجواب عن الأمر الثالث -وهو الاختلاف في نسبها- فقد قال ابنُ عبدِ البرِّ: ((وقد اختُلف في بُسْرةَ هذه: فقيل: هي من كنانة. ومَن قال هذا جعلها خالة
стр. 10019
مروان لا خالة عبد الملك، وأم مروان بنت علقمة بن صفوان بن أمية بن محرث الكناني.
فعلى هذا تكون بُسْرةَ عمة أم مروان. وإلى هذا ذهب ابن البرقي، وليسَ بشيءٍ.
والصحيح أنها بُسْرةُ بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، قرشية أسدية. قال الزبير بن بكار: ليس لصفوان بن نوفل عقب إلا من بُسْرةَ هذه. قال: وهي أم معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي، جَدة عائشة بنت معاوية، وعائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي هي أم عبد الملك بن مروان.
هذا قول الزبير وعمه مصعب، وهو أصحُّ ما قيل في ذلك إن شاء الله)) (التمهيد ١٧/ ١٨٩).
ولكن تَعَقَّبه مُغلطَاي فقال: ((وفيه نظر؛ لأن أسد بن عبد العزى لا مخرج له عن نسب كنانة، فكأن البرقي نسبها إلى الجذر لا إلى الفصيلة. والله أعلم)) (شرح ابن ماجه ١/ ٥٣٨).
أما الجواب عن الأمر الرابع -وهو أن عروةَ لم يرفعْ بحديثها رأسًا- فالجوابُ عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن المحفوظَ في الحديثِ أن عروةَ لم يرفعْ بحديثِ مروان رأسًا وليس بُسْرةَ، كما تقدَّمَ عند الأمر الثاني في الطعون على الحديث عمومًا.
الوجه الثاني: قال مغلطاي: ((قوله: (إن عروة لم يرفع بحديث بُسْرةَ رأسًا، وذلك أنها عنده في حال مَن لا يؤخذ عنها) فغير صحيح لكونها صحابية
стр. 10020
معروفة الصحبة، ومَن كانت بهذه المثابة فأَجدر بأن يُرفعَ لحديثها الرءوس! ! قال الحاكمُ: (هي من سيدات قريش ... ) وأيضًا: فقد أسلفنا أنه أَخَذَ عنها هذا الحديث نفسه وحَدَّثَ به عنها بغير واسطة كما سَبَقَ، فدلَّ أنها عنده أهل وموضع للرواية، لا كما زعم، لا سيما عمله بما روته له ورجوعه إليه بعد إنكاره ذلك)) (شرح ابن ماجه ١/ ٥٣٧ - ٥٣٩).
أما الجوابُ عن الأمرِ الخامسِ -وهو انفرادها بحكم تعم به البلوى، وهذه ريبة توجب التوقف في قَبوله- فلم تنفردْ به بُسْرةُ، وإنما رُوي عن بضعة عشر صحابيًّا غيرها، بين رجل وامرأة، وإن كانت جميعها معلولة، كما سيأتي.
قال الشافعيُّ: ((قد روينا قولنا عن غير بُسْرةَ عن النبيِّ ﷺ ) (معرفة السنن ١/ ٣٩٤).
وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: ((سُئِلَ أبو عبد الله عن الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ، فقال: نعم، نَرى الوُضُوءَ مِن مَسِّ الذَّكَرِ. قيلَ له: فمَن لم يره أتعنفه؟ قال: الوُضُوءُ أَقْوَى. قيل له: فمَن قال: (لَا وُضُوءَ)؟ قال: الوُضُوءُ أكثرُ عن النبيِّ ﷺ وعن أصحابِهِ والتابعين)) بواسطة (التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ١٩٩).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: ((وأما الذين رووا عن النبيِّ ﷺ من الصحابة في مَسِّ الذَّكَرِ مثل رواية بُسْرةَ وأم حبيبة؛ فأبو هريرة، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، ولكن الأسانيد عنهم معلولة)) (التمهيد ١٧/ ١٩٤).
وقال المازريُّ: ((وأُجِيبُوا على هذا بأنه قد رواه أربعة عشر من الصحابة، بين رجل وامرأة. وهذا يوجب انتشاره. ورجحوا أيضًا بأن الأخبارَ الواردةَ معلولةٌ)) (شرح التلقين ١/ ١٩٢).
وقال المنذريُّ: ((وقد وقعَ لنا هذا الحديثُ من رواية عبد الله بن عمر،
стр. 10021
وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وزيد بن خالد، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي هريرة، وعائشة، وأم حبيبة ﵃) (مختصر سنن أبي داود ١/ ٧٠).
وقال القاضي أبو الطيبِ: ((قال أصحابُنَا: رَوَى الوضوءَ مِن مَسِّ الذَّكَرِ بضعة عشر نفسًا من الصحابة عن رسول الله ﷺ ) (المجموع شرح المهذب ٢/ ٤٢).
وقال القرافيُّ -في الجواب عن السادس والسابع-: ((إنَّ الخبرَ رواه نحو خمسة عشر من الرجال والنساء)) (الذخيرة ١/ ٢٢٣).
وقال ابنُ المُلقِّنِ: ((ولم تنفردْ بُسْرةُ -أيضًا- بهذه السُّنَّةِ، بل رواها جماعاتٌ منَ الصحابةِ عن النبيِّ ﷺ غيرها: أبو هريرة، وزيد بن خالد ... فهؤلاء سبعة عشر من الصحابة رووا مثل رواية بُسْرةَ، وذَكَر الترمذيُّ منهم ثمانية، وأَهْمَل (تسعة) وذَكَر الحاكمُ منهم عَشَرة وأَهْمَل سبعة؛ فاستفدهم)) (البدر المنير ٢/ ٤٦٥).
وقال ابنُ حَجرٍ: ((وفي الباب: عن جابر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وزيد بن خالد، وسعد بن أبي وقاص، وأم حبيبة، وعائشة، وأم سلمة، وابن عباس، وابن عمر، وعلي بن طَلْق، والنعمان بن بَشير، وأنس، وأُبَي بن كعب، ومعاوية بن حَيْدة، وقَبيصة، وأَرْوَى بنت أُنيس)). (التلخيص الحبير ١/ ٢١٦).
ولذا عَدَّ غَيرُ واحدٍ أحاديثَ الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ منَ المتواترِ.
فذكره السيوطيُّ في (قطف الأزهار المتناثرة، صـ ٦١)، وتبعه المناويُّ في (فيض القدير ٦/ ٢٢٨)، والكتانيُّ في (نظم المتناثر، صـ ٦٥).
стр. 10022
وقال الزرقانيُّ: ((واعلم أن حديثَ الوضوءِ مِن مَسِّ الفَرْجِ متواترٌ، أخرجه مَن سَبَقَ عن بُسْرةَ. وابنُ ماجه عن جابرٍ وأُمِّ حبيبةَ. والحاكمُ عن سعدٍ، وأبي هريرةَ، وأُمِّ سلمةَ. وأحمدُ عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ، وابنِ عمرٍو. والبزارُ عن ابنِ عمرَ وعائشةَ. والبيهقيُّ عنِ ابنِ عباسٍ وأروى بنتِ أُنيس. وذَكَره ابنُ منده عن أُبيٍّ، وأنسٍ، وقَبيصةَ، ومعاويةَ بنِ حَيْدةَ، والنعمانِ بنِ بَشيرٍ. وأصحها كما قال البخاريُّ حديثُ بُسْرةَ)) (شرح الزرقاني على الموطأ ١/ ١٨٩).
وأما مسألةُ خبرِ الواحدِ إذا خالفَ ما تعمُّ به البلوى، فالجمهورُ على قَبوله، خِلافًا لبعض الأحنافِ.
قال الغزاليُّ: ((مسألةُ خبرِ الواحدِ فيما تعمُّ به البلوى- مقبول، خِلافًا للكَرْخي وبعضِ أصحابِ الرَّأْي؛ لأن كلَّ ما نقله العدلُ وصِدْقه فيه ممكن وجبَ تصديقه.
فمسُّ الذَّكَر مثلًا نقله العدلُ وصِدْقه فيه ممكن، فإنا لا نقطعُ بكذبِ ناقلِهِ.
بخلاف ما لو انفردَ واحدٌ بنقلِ ما تحيلُ العادةُ فيه أن لا يستفيض؛ كقتلِ أميرٍ في السوقِ، وعَزْل وزيرٍ، وهجوم في الجامع مَنَع الناسَ منَ الجمعةِ، أو كخسفٍ أو زلزلةٍ أو انقضاضِ كوكبٍ عظيمٍ ... وغيره منَ العجائبِ، فإن الدَّواعي تتوفرُ على إشاعة جميع ذلك ويستحيلُ انكتامه)) (المستصفى، ١/ ٣٢١)، وانظر (أصول الفقه لابنِ مُفْلحٍ ٢/ ٦١٦ - ٦١٨).
ولذا قال الشافعيُّ: ((وقد حَدَّثَتْ (١) بهذا في دار المهاجرين والأنصار، وهم
стр. 10023
متوافرون، فلم يدفعه منهم أحدٌ، بل عَلِمنا بعضَهم صارَ إليه عن روايتها، منهم عروة بن الزبير، وقد دَفَع وأنكرَ الوضوءَ من مَسِّ الذَّكرِ قبل أن يسمعَ الخبرَ، فلما عَلِمَ أن بُسْرةَ رَوتْهُ قال به وتَرَك قولَه)) (معرفة السنن ١/ ٣٩٤).
وقال ابنُ حزمٍ: ((وقال بعضُهم: هذا مما تعظم به البلوى، فلو كان لما جهله ابنُ مسعودٍ، ولا غيرُهُ منَ العلماءِ! ! وهذه حماقةٌ، وقد غابَ عن جمهورِ الصحابةِ ﵃ الغُسل من الإيلاج الذي لا إنزال معه، وهو مما تكثر به البلوى. ورأى أبو حنيفةَ الوضوءَ منَ الرُّعافِ -وهو مما تكثر به البلوى-، ولم يَعرفْ ذلك جمهورُ العلماءِ. ورأى الوُضُوءَ من ملء الفم من القَلْس، ولم يره من أقل من ذلك. وهذا تعظم به البلوى، ولم يَعرفْ ذلك أحدٌ من ولد آدم قبله. ومثل هذا لهم كثير جدًّا.
ومثل هذا من التخليط لا يُعارِض به سنن رسول الله ﷺ إلا مخذول)) (المحلى ١/ ٢٤٠).
وقال أبو العباسِ الدَّاني: ((وأما قولهم: (إن هذا مما تعم به البلوى، فكيف تنفردُ به امرأةٌ؟ ! ) فلعلَّه قد كان مستفيضًا عند الصحابة إذ كانوا متوافرين، واكتفَوا بشهرته عندهم عن نقله. وإنما وقعَ الخلافُ فيه بعد أن ذهبَ معظمهم، فاحتيج إلى بُسْرةَ لتأخر وفاتها، ولما أَخبرتْ به لم يُنكِر ذلك عليها أحدٌ منَ الصحابةِ)) (الإيماء ٤/ ٢٧٠ - ٢٧١).
أما الجواب عن الأمر السادس -وهو مخالفتها لأكثر الصحابة، وما رُوي عن رسولِ اللهِ ﷺ من تركِ الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ- فإن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ وغيرَهُ ذهبوا إلى حديثِ بُسْرةَ وعملوا به. وقد سَبَقَ عن أحمدَ أن الوضوءَ من مَسِّ الذَّكرِ أكثر عن الصحابة. وما جاءَ من حديثِ طَلْقٍ وغيرِهِ في معارضة حديثها فإن العلماءَ لم يتفقوا على قَبولِهِ، بل الأكثر على تضعيفه، كما
стр. 10024
سيأتي.
قال الخَطَّابيُّ: ((قد ذَهَبَ إلى إيجابِ الوضوءِ من مَسِّ الذَّكَرِ جماعةٌ من السَّلفِ، منهم عمر، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، رضوان الله عليهم)) (معالم السنن ١/ ٦٥).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: ((وأما الصحابة القائلون بإيجاب الوضوء مِن مَسِّ الذَّكَرِ: فعمر بن الخطاب، وابن عمر، وأبو هريرة -على اختلافٍ عنه- والبراء بن عازب، وزيد بن خالد الجُهَني، وجابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص -في رواية أهل المدينة عنه-)) (الاستذكار ٣/ ٣٢)، وبنحوه قال الحازميُّ في (الاعتبار، صـ ٤٠).
ولذا قال البيهقيُّ: ((فأما ما احتجوا به من أقاويل الصحابة، فقد رجَّحَ الشافعيُّ قولَ مَن أوجبَ منه الوضوء على قول من لم يوجبه، بأن الذي قال: (لا وُضُوءَ فيه) إنما قاله بالرأي. والذي أوجب الوضوء فيه لا يوجبه إلا بالاتباع لأن الرأي لا يوجبه.
هذا، والوُضُوءُ عن رسولِ اللهِ ﷺ ثابتٌ، وما ثبتَ عن النبيِّ ﷺ لم يكن في قولِ أحدٍ خالفه حجة على قوله)) (معرفة السنن ١/ ٤١٢).
وقال القرافيُّ: ((الحديثُ لم يَثبتْ عندهم وثبتَ عند غيرهم، ولا يجبُ في الصحابيِّ أن يطلعَ على سائرِ الأحاديثِ)) (الذخيرة ١/ ٢٢٣).
قلنا: ولكن قول أحمد المتقدم عن أكثرِ الصحابةِ يخالفه نقل محمد بن الحسن، وابن قتيبة المتقدم. وقال إسحاقُ بنُ راهويه: ((وأكثرُ أصحابِ النبيِّ ﷺ على الرخصةِ)) (مسائل أحمد وإسحاق، رواية الكوسج ٢/ ٤٠٥).
ولم يصحَّ في الوضوءِ من مَسِّ الذَّكَرِ قولٌ عن أحدٍ من الصحابةِ، إلا عن
стр. 10025
ابنِ عمرَ، وقيل: سعد بن أبي وقاص، وعائشة.
قال البيهقيُّ: ((وقد صَحَّتِ الروايةُ عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، ﵃ أنهم كانوا يوجبون الوضوء إذا مَسَّ الذَّكَرَ)) (الخلافيات ٢/ ٢٧٦).
قلنا: هذا أكثر ما ذُكر في هذا الحديثِ من طعون، وما أجابَ به مَن ذَهب إليه، وقد ذكرنا في ثنايا التحقيق كثيرًا من المصححين له ومَن طعنوا فيه، ونذكر منَ المصححين والأقوال ممن لم نذكرهم جملة:
فروى عبدُ الملكِ الميمونيُّ عن ابنِ مَعِينٍ، أنه قال: ((إنما يَطعنُ في حديثِ بُسْرةَ مَن لا يذهبُ إليه)) (التحقيق لابنِ الجوزيِّ ١/ ١٨٢) و (البدر المنير ٢/ ٤٦١).
وسياقه عند مغلطاي أتم، فقال: ((وفي كتابِ الميمونيِّ: قلتُ لابنِ مَعِينٍ: أيُّ حديثٍ عن النبيِّ ﵇ أثبتُ في الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكرِ؟ قال: حديثُ بُسْرةَ صحيحٌ، مِن أثبتها، وإنما يطعنُ عليه مَن لا يذهبُ إليه. قلتُ: فلِمَ لا تَتَوضَّأُ أنتَ مِنه؟ ! قال: لأني رأيتُ أصحابَ النبيِّ ﷺ لا يَتَوَضَّأُ بعضُهم. قلتُ: فإذا اختلفَ الصحابةُ في شيءٍ وأنتَ تجدُهُ عن النبيِّ ﵇ تدعه؟ ! )) (شرح ابن ماجه ١/ ٥٣١ - ٥٣٢).
قلنا: وتقدَّمَ عن مُضَر بن محمد أنه قال: سألتُ يحيى بنَ مَعِينٍ: أيُّ حديثٍ يصحُّ في مَسِّ الذَّكَرِ؟ فقال يحيى: لولا حديثٌ جاءَ عن عبد الله بن أبي بكر لقلتُ: لا يصحُّ فيه شيءٌ؛ فإن مالكًا يقول: حدثنا عبد الله بن أبي بكر قال: حدثنا عروة قال: حدثنا مروان قال: حدثتني بُسْرةَ)) (الاستذكار ٣/ ٢٧ - ٢٨).
стр. 10026
قلنا: هذه الحكايةُ أسندَها ابنُ عبدِ البرِّ عن شيخِهِ خَلَف بن القاسم، قال: حدثنا محمد بن زكريا بن يحيى المقدسي ببيت المقدس، قال: حدثنا مضر بن محمد، به. وابنُ زكريا هذا لم نجدْ لَهُ ترجمةً.
ورُويت عن مُضَر من وجهٍ آخرَ، ذَكَره ابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٢/ ٣٠٢) قال: "ورَوَى علي بن عبد الله بن الفضل البغدادي، ثنا إبراهيم بن محمد بن خالد الحربي، ثنا مضر بن محمد، قال: ((سألتُ يحيى بنَ مَعِينٍ عن مَسِّ الذَّكَرِ، أيُّ شيءٍ أصحُّ فيه منَ الحديثِ؟ قال يحيى بنُ مَعِينٍ: لولا حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ، فإنه يقول فيه: (سمعت، قال: سمعت)، لقلتُ: لا يصحُّ فيه شيءٌ ... ). قال: نقلته من (الجزء الثاني من منتقى أبي الحسن الدارقطني على ابن الفضل).
وهذا أيضًا إلى مضر لا يصحُّ، فيه: إبراهيم بن محمد بن خالد الحربي، لم نجدْهُ. وفي سياقته هذه مخالفة لسياقة المقدسي، سيأتي التنبيه عليها في حديث أم حبيبة ﵂.
وقال مغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ٥٣٢): ((ولما سأله مضر بن محمد قال: ما صَحَّ فيه شيءٌ إلا حديث بُسْرةَ، وحديث بُسْرةَ فيه شيء)).
وقال أبو داود: ((قلتُ لأحمدَ: حديثُ بُسْرةَ ليس بصحيح في مَسِّ الذَّكرِ؟ قال: بلى هو صحيح؛ وذلك أن مَرْوانَ حدَّثهم، ثم جاءهم الرسولُ عنها بذلك)) (سؤالات أبي داود لأحمد ١٩٦٦).
وروى يعقوبُ بنُ سفيانَ عن أحمدَ أنه سُئِلَ عن حديثِ بُسْرةَ فقال: "هو صحيحٌ، وأنا أذهبُ إليه. قِيلَ له: على الاختيارِ أو على الوجوبِ؟ قال: على الاختيارِ" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٥٣١).
стр. 10027
وصَحَّحَهُ: أبو علي بن السكن، حيثُ ذكره في كتابه الصحيح مصححًا له، كما في (التمهيد ١٧/ ١٩٣)، وقال: ((كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يذهبُ إلى حديثِ بُسْرةَ ويختارُهُ)).
وقال أيضًا: ((إن صَحَّ عن النبيِّ ﷺ في مَسِّ الذَّكَرِ شيءٌ، فحديثُ بُسْرةَ)) (التمهيد ١٧/ ١٩٤).
وقال ابنُ الصَّلاحِ: ((هذا الحديثُ حسنٌ ثابتٌ من حديثِ بُسْرةَ بنتِ صفوان، أخرجه أصحابُ كتب السنن بأسانيد، ولم يخرج في الصحيحين)) (شرح مشكل الوسيط ١/ ١٩٠).
وقال النوويُّ: ((واحتج أصحابنا بحديث بُسْرةَ، وهو صحيح)) (المجموع ٢/ ٤٢)، وانظر (خلاصة الأحكام ١/ ١٣٣).
وقال ابنُ الأَثيرِ: ((هذا حديثٌ صحيحٌ، أخرجه مالكٌ في (الموطأ)، وأبو داود، والترمذيُّ، والنسائيُّ)) (الشافي شرح مسند الشافعي ١/ ٢٤٥).
وحكى أبو الحسن محمد بن أحمد النصراباذي الفقيه- قال: ((استقبلني أبو حامد ابن الشرقي وأنا متوجه إلى منزلي، فقلتُ: أيها الشيخ، ما تقول في مَسِّ الذَّكَرِ، أيصح من جهةِ الإسنادِ؟ فقال: بلى، هو حديثٌ صحيحٌ. فقلتُ: إن مشايخَ أصحابك يقولون: لا يصحُّ! قال: مَن يقولُ هذا؟ ! قلتُ: أبو بكر بن إسحاق، وأبو علي الحافظ. فقال: أما أبو بكر بن إسحاق فقد سَبَقَ مني أني لا أقول في (حديثه) شيئًا. وأما أبو علي فلقيط (لا) يدري ما الحديث. وأما أنت فحائك، والحديثُ صحيحٌ! ! )) (البدر المنير ٢/ ٤٦٣).
وقال ابنُ المُلقِّنِ: ((هذا حديثٌ صحيحٌ، أخرجه الأئمةُ الأعلامُ أهلُ الحَلِّ والعَقْدِ والنقلِ والنقدِ: مالكٌ في (الموطأ)، والشافعيُّ في (الأم)، والإمامُ
стр. 10028
أحمدُ في (المسند)، وكذا الدارميُّ، وأصحابُ السننِ الأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وابنُ الجارودِ في (المنتقى)، والبيهقيُّ في كتبه الثلاثة: (السنن الكبير)، و (المعرفة)، و (الخلافيات). وإمامُ الأئمةِ محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خُزيمةَ، وتلميذُهُ أبو حَاتمِ بنُ حِبَّانَ في (صحيحيهما) والحاكمُ أبو عبدِ اللهِ في (مستدركه على الصحيحين)، بالأسانيدِ الصحيحةِ المتصلةِ)) (البدر المنير ٢/ ٤٥٢).
وقال ابنُ الهُمَام: ((وكلا الحديثين (١) مع ذلك لم يَسْلَمْ منَ الطعنِ: مرة في بُسْرةَ بالجهالةِ، ومرة بأن عروةَ لم يسمعْ من بُسْرةَ بل من مروانَ بنِ الحكم أو الشرطي-على ما عُرِف في موضعه- ومرة بالتكلم في مُلازمٍ ... وغير ذلك. والحَقُّ أنهما لا ينزلان عن درجةِ الحسنِ)) (فتح القدير ١/ ٥٥).
وصَحَّحَهُ أيضًا: ابنُ وَضَّاحٍ كما في (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٥٣٤)، والبغويُّ في (شرح السنة ١/ ٣٤١)، وقال: ((حسن))، وعبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام الصغرى ١/ ١٠٦)، و (الأحكام الوسطى ١/ ١٣٩)، وابنُ الحَصَّارِ المالكيُّ في (تقريب المدارك)، انظر (شرح ابن ماجه ١/ ٥٣٤)، وابنُ سَيدِ النَّاسِ في (الأجوبة الحديثية ٢/ ١٣٥ - ١٥١)، والسيوطيُّ (الجامع الصغير ٩٠٤٦)، والمناويُّ في (التيسير ٢/ ٤٤٤)، و (فيض القدير ٦/ ٢٢٨)، والزرقانيُّ في (شرح الموطأ ١/ ١٨٦)، والصنعانيُّ في (سبل السلام ١/ ٩٦)، والشوكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ٢٤٩)، والألبانيُّ في
стр. 10029
(إرواء الغليل ١/ ١٥٠)، و (صحيح أبي داود - الأم ١/ ٣٢٨).
قلنا: بقي التنبيه على أمرين مهمين:
الأمر الأول: أن الترمذيَّ قال: ((وسألتُ محمدًا عن أحاديثِ مَسِّ الذَّكَرِ، فقال: أصحُّ شيءٍ عندِي في مَسِّ الذَّكَرِ حديث بُسْرةَ بنة صفوان)) (العلل الكبير، صـ ٤٨).
قال ابنُ سَيدِ النَّاسِ: ((لا يقتضي هذا الكلام منَ البخاريِّ تصحيح حديث بُسْرةَ، وإنما مراده هو على عِلَّاتِهِ أصح من غيرِهِ من أحاديثِ البابِ)).
ثم قال: ((وقد اغترَّ بهذه العبارةِ القاضي أبو بكر بنُ العربي، فَحَكَى عنِ البخاريِّ تصحيح هذا الحديث (١)، وليس كذلك)) (الأجوبة ٢/ ١٣٧ - ١٣٨)، و (النفح الشذي ٢/ ٢٦٩).
وقلَّدَهُ العينيُّ في (البناية شرح الهداية ١/ ٢٩٩)، و (نخب الأفكار ٢/ ٨٢).
وقد قال ابنُ عبدِ البرِّ: ((وكلُّ مَن خَرَّج في الصحيحِ ذَكَر حديثَ بُسْرةَ في هذا البابِ وحديث طلق بن علي، إلا البخاريُّ؛ فإنهما عنده متعارضان معلولان. وعند غيره هما صحيحان. والله المستعان)) (التمهيد ١٧/ ١٩٧).
الأمر الثاني: أكثرَ الأحنافُ منَ النقلِ عن ابنِ مَعِينٍ قوله في (تاريخه): ((لا يصحُّ في الوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ شَيءٌ))، انظر (شرح مختصر الطحاوي للجصاص ١/ ٣٩٢)، و (التجريد للقدوري ١/ ١٨٥)، وغيرهما.
وذَكَره السرخسيُّ بلفظ: ((وحديث بُسْرةَ لا يكادُ يصحُّ، فقد قال يحيى بنُ
стр. 10030
مَعِينٍ: (ثلاثٌ لَا يصحُّ فيهنَّ حديثٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ ... ) منها هذا)) (المبسوط ١/ ٦٦)، ونَقَله عنه العينيُّ في (نخب الأفكار ٢/ ٨١).
قلنا: هذا النقلُ لم نقفْ عليه في تواريخ ابنِ مَعِينٍ المطبوعة، وإنما وقفنا عليه في (شرح مختصر الطحاوي للجصاص ٤/ ٢٦٨) قال: حدثنا أبو الحسن الكرخي قال: حدثنا أبو عون الفرائضي قال: ثنا العباسُ الدُّوريُّ، عن يحيى بنِ مَعِينٍ قال: ثلاثٌ لا يصحُّ فيها حديثٌ: أحدها: ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِّيٍّ)).
فاقتصرَ على واحدٍ منها فقط، ولكن ذكره ابنُ عبدِ الهادِي في (تنقيح التحقيق ١/ ٢٧٠)، فقال: ((وروى أبو بكرٍ الرازيُّ، عن أبي الحسنِ الكرخيِّ، عن أبي عونٍ الفرائضيِّ قال: سمعتُ عباسًا الدُّوريَّ قال: سمعتُ يحيى بنَ مَعِينٍ يقولُ: ((ثلاثةُ أحاديثٍ لا تصحُّ عن النبيِّ ﷺ : ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ))، و ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ))، و ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)). قال العباسُ: فذكرتُهُ لأحمدَ فقالَ: يصحُّ في مَسِّ الذَّكَرِ حديث مكحول عن عنبسة. قال: فجئتُ إلى يحيى فذكرتُ ذلك له، فقال: مكحولٌ لم يَرَ عنبسةَ)).
قلنا: ورجالُ إسنادِهِ ثقات غير أبي عون الفرائضي، فلم نعرفْه.
ولهذا ذهبَ جماعةٌ إلى تضعيفِ هذه الحكايةِ عن ابنِ مَعِينٍ:
فقال ابنُ الجوزيِّ: ((وما حكوا عن يحيى فإنه لا يَثبتُ)) (التحقيق ١/ ١٨١).
وتبعه الذهبيُّ في (التنقيح ١/ ٦٢)، وابنُ أبي العز في (التنبيه على مشكلات الهداية ٥/ ٨٢٨).
وقال ابنُ المُلقِّنِ: ((الحكايةُ عن يحيى بنِ مَعِينٍ أنه حديثٌ لا يصحُّ، فحكاية لا تَثبتُ عنه البتة كما نبَّه عليه ابنُ الجوزيِّ في (تحقيقه) وتبعه المنذريُّ قالا:
стр. 10031
وقد كان مذهبه انتقاض الوضوء بمسِّ الذَّكَرِ، وقد كان يحتجُّ بحديثِ بُسْرةَ كما رواه الدارقطنيُّ عنه. وروى عنه عبدُ الملكِ الميمونيُّ أنه قال: إنما يَطعنُ في حديثِ بُسْرةَ مَن لا يذهب إليه)) (البدر المنير ٢/ ٤٦١).
وبنحوه قال ابنُ حَجرٍ في (التلخيص الحبير ١/ ٢١٥)، والمناويُّ في (فيض القدير ٦/ ٢٢٨).
قلنا: أجابَ العينيُّ عن تضعيفهم بقوله:
((فإن قلتَ: قال بعضُ مَن عنده تعصبًا فاسدًا من أهل هذا الزمان: سُئِلَ بعضُ المخالفين عن يحيى بنِ مَعِينٍ أنه قال: (ثلاثة أحاديث لا تصحُّ: حديثُ مَسِّ الذَّكَرِ، و ((لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ))، و ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)). وقال: يُعرفُ هذا عن سفيانَ، ولا يُعرفُ هذا عن ابنِ مَعِينٍ.
قلتُ: لم يقمِ الدليلُ على ذلك حتى يُنظر فيه، على أن الإثبات مُقدَّم على النفي، وبذلك يجابُ عن قولِ ابنِ الجوزيِّ أيضًا أن هذا لا يَثبتُ عن ابنِ مَعِينٍ)) (البناية شرح الهداية ١/ ٢٩٩).
قلنا: وكذا نَقَلَ ابنُ القصارِ عن الأحنافِ قولهم: ((قد قال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: أربعة أحاديث لا تصحُّ عن النبيِّ ﵇، منها: حديثُ مَسِّ الذَّكَرِ، والقهقهة)) (عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار ١/ ٤٦٤).
وهذا القولُ لم نقفْ عليه مع طولِ بحثنا.
قلنا: وأسندَ الخطابيُّ في (معالم السنن ١/ ٦٦) قال: وحدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو بكر بن المنذر قال: ((بلغني عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ويحيى بنِ مَعِينٍ أنهما اجتمعا، فتذاكرا الوضوءَ من الذَّكَر، وكان أحمدُ يرى فيه الوضوء، ويحيى لا يرى ذلك، وتكلما في الأخبار التي رُويت في ذلك،
стр. 10032
فحصل أمرهما على أن اتفقا على إسقاطِ الاحتجاجِ بالخبرين معًا: خبر بُسْرةَ وخبر طَلْقٍ. ثم صارا إلى الآثارِ المرويةِ عن الصحابةِ في ذلك، فصار أمرهما إلى أن احتجَّ أحمدُ بحديثِ ابنِ عمرَ فلم يمكنْ يحيى دفعه)).
وقال ابنُ كثير: ((قال ابنُ المنذرِ: بلغني عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ويحيى بنِ مَعِينٍ أنهما اتفقا على ضَعْفِ هذا الحديثِ)) (إرشاد الفقيه ١/ ٥٠).
وهذا الذي ذكره ابنُ المنذرِ عن أحمدَ وابنِ مَعِينٍ إنما أخذه من رجاء المروزيِّ، فقال في (الأوسط ١/ ٣٠٩): ((وحكى رجاءٌ المروزيُّ عن أحمدَ وابنِ مَعِينٍ أنهما اجتمعا، فتذاكرا الوُضُوءَ من مَسِّ الذَّكَرِ، فكان أحمدُ يرى منه الوضوء، ويحيى لا يرى ذلك، وتكلما في الأخبار التي رُويت في ذلك، فحصل أمرهما على أن اتفقا على إسقاط الاحتجاج بالخبرين معًا خبر بُسْرةَ وخبر قَيْسٍ، ثم صارا إلى الأخبار التي رُويتْ عن الصحابة)).
فرجعَ قولُ ابنِ المنذرِ إلى حكاية النقاش المفسر عن السرخسي عن رجاء المروزي في اجتماعهم في مسجد الخيف، هو، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وعليُّ بنُ المدينيِّ، ويحيى بنُ مَعِينٍ. وتقدَّمَ أن هذه الحكاية شديدة الضعف؛ فإن النقاش والسرخسي كلاهما متهم.
ومع هذا قال مغلطاي: ((وذَكَر الخَطَّابيُّ أن هذه المناظرة كانت بين أحمد ويحيى، وأن أحمدَ احتجَّ بحديثِ ابنِ عمرَ ولم يدفعه يحيى، فلعلهما واقعتان)) (شرح ابن ماجه ١/ ٥٣٦).
قلنا: ومع ضَعْفِ الحكايةِ، فقد نَقَلَ ابنُ المنذرِ في (الأوسط ١/ ٣٠٩) قال: ((وحكى محمد (١) بن علي الوراق أنه سمع أحمدَ قال: ((وقد رُوي عن
стр. 10033
النبيِّ ﷺ أنه قال: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ))، ورُوي عنه أنه قال: ((إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ)) وكلا الحديثين فيهما شيء إلا أني أَذْهَبُ إلى الوُضُوءِ منه)).
وهذه الحكايةُ صحيحةٌ، فالوراقُ هو أبو جعفر، المعروف بحمدان، أحد النبلاء الحفاظ، وَثَّقَهُ الدارقطنيُّ، وقال الخطيبُ: ((وكان فاضلًا حافظًا عارفًا ثقةً)) (تاريخ بغداد ٤/ ١٠٢).
وقال أبو بكرٍ الخلالُ: ((رفيعُ القدرِ، كان عنده عن أبي عبد الله مسائل حسان، سمعتُ منه حديثًا، وسمعتُ مسائله بنزول)) (طبقات الحنابلة ١/ ٣٠٨). وقال الذهبيُّ: ((من فضلاء أصحابِ الإمامِ أحمدَ)) (تاريخ الإسلام ٦/ ٦١٥).
стр. 10034
رِوَايَةٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ: تَذَاكَرَ أَبِي وَعُرْوَةُ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: تَذَاكَرَ أَبِي وَعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ مَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، فَذَكَرَ عُرْوَةُ مَسَّ الذَّكَرِ، فَقَالَ أَبِي: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا سَمِعْتُ بِهِ! قَالَ عُرْوَةُ: بَلَى، أَخْبَرَنِي مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ أَنَّهُ سَمِعَ بُسْرةَ بِنْتَ صَفْوَانَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)). فقلتُ لمروانَ: فإني أشتهي أن تُرْسِلَ إليها! فأرسلَ إليها وأنا شاهدٌ رجلًا -أو قال: حَرَسِيًّا- فَجَاءَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِهَا فَقَالَ: إِنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ: (( ... فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولًا سَمِعَهُ مِنْهَا، وَأَنَا حَاضِرٌ، فَجَاءَ مِنْ عِنْدِهَا بِذَلِكَ)).
[الحكم]: مختلفٌ فيه كما سَبَقَ، وقوله: ((تَذَاكَرَ أَبِي وَعُرْوَةُ)) خطأ، والصوابُ أن المذاكرةَ بين عُرْوةَ ومَرْوانَ.
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [حم ٢٧٢٩٤/ حمد ٣٥٥ (واللفظ له) / تخث (السِّفر الثالث ٣٠٦٧) / جا ١٦/ تمهيد (١٧/ ١٨٦)].
تخريج السياق الثاني: [علقط (٩/ ٣٣٨) [.
[السند]:
رواه الحميديُّ: عن سفيان بن عيينة قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر قال: تذاكر أبي وعروة بن الزبير ما يُتوضَّأُ منه ... الحديث.
ورواه أحمدُ: عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
стр. 10035
حزم، أنه سمعه من عروة بن الزبير وهو مع أبيه يحدث، أن مروان أخبره، عن بسرة بنت صفوان، ... نحوه.
ورواه ابنُ أبي خيثمةَ في (تاريخه) قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، بنحوه.
ومداره عند الجميع على ابن عيينة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ اختُلِفَ في تصحيحه وتضعيفه لاختلاف أهل العلم في عدالةِ مَرْوانَ، مع جهالة الشرطي. واختُلف في أسانيدِهِ على عروةَ اختلافًا كثيرًا، كما بَيَّنَّا قريبًا.
قلنا: وقد شَذَّ ابنُ عيينةَ، فجَعَل المذاكرة بين والد عبد الله بن أبي بكر وعروة. والصوابُ ما قال مالك ومَن تابعه أن المذاكرة كانت بين عروة ومروان. وقد تقدَّمَ بيان ذلك في أول رواية.
стр. 10036
رِوَايَةُ فَأَرْسَلَ إِلَى بُسْرةَ- لَمْ يَذْكُرْ مَرْوَانَ:
وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: التَقَى أَبِي وَعُرْوَةُ فَذَكَرَا مَسَّ الذَّكَرِ، فَقَالَ أَبِي: لَمْ أَسْمَعْ بشيءٍ! قَالَ عُرْوَةُ: وَأَنَا لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بشيءٍ! فَأَرْسَلَ إِلَى بُسْرةَ، فَأَخْبَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: مختلفٌ فيه كما سَبَقَ. وقوله: ((التَقَى أَبِي وَعُرْوَةُ فَذَكَرَا ... )) خطأ، والصواب أن المذاكرة بين عروة ومروان. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ لجهالةِ المرسل.
[التخريج]: [حق ٢١٧١].
[السند]:
قال إسحاق بن راهويه: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر قال: التقى أبي وعروة، فذكرا مَسَّ الذَّكَرِ ... الحديث.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ لجهالةِ المرسل، كما سَبَقَ.
قلنا: وقد شَذَّ ابنُ عيينةَ، فجَعَل المذاكرة بين والد عبد الله بن أبي بكر وعروة، كما بينا في الرواية السابقة. والصوابُ ما قال مالك ومَن تابعه أن المذاكرةَ كانت بين عروة ومروان. وقد تقدَّمَ بيانُ ذلك.
أَخْبَرَنِي مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ، عَنْ بُسْرةَ بِنْتِ صَفْوَانَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)). قَالَ: فَأَنْكَرْتُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَحَدَّثَتْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَنَا حَاضِرٌ.
وهذا إسنادٌ اختُلِفَ في تصحيحه وتضعيفه، كما سَبَقَ؛ للاختلافِ في عدالةِ مروانَ. وكذا اختُلِفَ في سماعِ هشامٍ لهذا الحديثِ من أبيه، فأنكره شعبةُ وغيرُهُ، وأثبته آخرون، كما بينا قريبًا. واختُلف فيه أيضًا على هشامٍ على وجوهٍ كثيرة، كما بينا في أولِ رواية.
قلنا: وشَذَّ عليُّ بنُ مُسْهرٍ في متنه، فذكَرَ فيه: ((فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَحَدَّثَتْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَنَا حَاضِرٌ))، ولم يَذكر أحدٌ هذا الحرف عن هشام غير عليٍّ. وقد ذكرنا أن بضعة عشر راويًا رووه عن هشامٍ على هذا الوجه، لم يقلْ أحدٌ منهم ما ذكره عليٌّ، ولعلَّه من غرائب عليٍّ، فقد قال الحافظُ: ((ثقة، له غرائب بعد أن أضر)) (التقريب ٤٨٠٠).
الطريق الثاني: رواه ابنُ سَيدِ النَّاسِ في (الأجوبة) من طريق أبي بكر بن المقرئ، عن محمد بن زَبَّان بن حبيب، عن زكريا بن يحيى كاتب العُمَري، قال: حدثني المُفضَّل بن فَضَالة قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: كتبَ إليَّ ابنُ شهابٍ أن عروةَ سألَ مَرْوانَ عن الوُضُوءِ مِن مَسِّ الفرْجِ ... الحديث بالسياقة الثانية.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه -مع ما ذُكر أن الزهريَّ اختُلف عليه كثيرًا، وكذا الاختلاف في عدالة مروان، مع جهالة حارسه، كما بينا في أول رواية-: الانقطاع بين الزهري ومروان، فلم يسمعْه من مروانَ ولا عروةَ؛ فبينه وبين عروة عبد الله بن أبي بكر، كما جاء في رواية شعيب بن أبي حمزة وغيره، كما بينا في أول رواية.
стр. 10039
قلنا: وقد شَذَّ يزيد بن أبي حبيب في متنه، حيث قال: ((فحَدَّثَتْهُ بذلك الحديثِ، وعنده عروة))، والصوابُ أن الحارسَ حَدَّثَ مروان وعنده عروة كما يُفْهَم من سياق الأحاديث، كذا رواه شعيب بن أبي حمزة، ويونس، وعَقيل ... وغيرُهُم من أصحابِ الزهريِّ، وفي روايتهم: ((فَلَمْ أَزَلْ أُمَارِي مَرْوَانَ حَتَّى دَعَا رَجُلًا مِنْ حَرَسِهِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى بُسْرةَ يَسْأَلُهَا عَمَّا حَدَّثَتْ مِنْ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بُسْرةُ بِمِثْلِ الذِي حَدَّثَنِي عَنْهَا مَرْوَانُ)). ولم يقلْ أحدٌ منهم: (إنها حَدَّثَتْ مروانُ وعروةُ عنده) غير يزيد.
(الجوهر النقي ١/ ١٢٨)].
[التحقيق]:
رواه الطبرانيُّ في (المعجم الكبير ٢٤/ رقم ٤٩٩): حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ رِشْدِينَ، وَإِسْمَاعِيلُ بنُ الحَسَنِ الخَفَّافُ، المِصْرِيَّانِ، قَالَا: ثَنَا أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بنُ الحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَهُ عن عُرْوةَ، عَنْ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ، عَنْ بُسْرةَ بِنْتِ صَفْوَانَ، قَالَتْ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، فَقَالَ: ((وَمَنْ مَسَّ الذَّكَرَ يَتَوَضَّأْ)).
وتابع عَمْرًا الزُّهْرِيُّ:
فرواه النسائيُّ في (الصغرى)، و (الكبرى)، وأحمدُ في (المسند) من طريق شعيب بن أبي حمزة.
ورواه الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٤٢ - ٣٤٧)، وغيرُهُ: من طرقٍ عن يونسَ بنِ يزيدَ، وعقيلٍ، والليثِ بنِ سعدٍ، وعبدِ الرحمنِ بنِ مسافرٍ، وهَبَّار بن عقيل، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم.
ورواه ابنُ أبي عاصمٍ في (الآحاد والمثاني ٣٢٢٤) من طريقِ مَعْمَرٍ، به.
فرواه ثمانيتهم عنِ الزهريِّ عن عبد لله بن أبي بكر، بنحو رواية عمرو بن الحارث.
ورواه الأوزاعيُّ عنِ الزهريِّ، واختُلِفَ عليه في سنده.
والصحيح عنه ما رواه أبو المغيرة، كما عند الدارميِّ في (مسنده ٧٤٢)، وغيره، فقال عن الأوزاعيِّ، عنِ الزهريِّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ، به.
стр. 10042
وتابع أبا المغيرة:
الوليدُ بنُ مَزْيَد، كما عند الدارقطنيِّ في (العلل ٩/ ٣٤٨).
ومحمدُ بنُ بِشْر، كما عند الخلديِّ في (فوائده ٣٨).
وبِشر بن بكر، كما عند الطحاويِّ في (معاني الآثار ١/ ٧٢).
فرواه ثلاثتهم وغيرُهُم عن الأوزاعيِّ كما رواه أبو المغيرة عنه.
وثَم اختلافات أخرى عن الأوزاعيِّ، بيناها في أول رواية. والصحيح عنه ما ذكر.
قلنا: وهذا وإن كان صحيحًا عن الأوزاعيِّ فإنه أخطأ في أمرين:
الأول: قوله: ((عن أبي بكر))، والصواب: ((عن عبد الله بن أبي بكر)).
الثاني: إسقاط (مروان)، والصواب إثباته كما في رواية الجماعة.
والأوزاعي وإن كان إمامًا، غير أنه متكلَّمٌ في روايته عنِ الزهريِّ.
قال يعقوب بن شيبة: ((في روايته عنِ الزهريِّ خاصة شيء))، وقال ابنُ مَعِينٍ: ((الأوزاعيُّ في الزهريِّ ليس بذاك، أَخَذَ كتابَ الزهريِّ من الزبيدي)) انظر (الجزء العاشر من مسند عمر، صـ ٦٨٢ - ٦٨٣، ٦٨٥)، وقال الجوزجانيُّ: ((الأوزاعيُّ ربما يهمُ عنِ الزهريِّ)) (شرح علل الترمذي ٢/ ٦٧٤).
قلنا: وقد جاءتْ روايةٌ عن الأوزاعيِّ مُوافِقة لرواية الجماعة.
فأخرجَ ابنُ أبي عاصمٍ في (الآحاد والمثاني ٣٢٢٣) من طريق عبد الملك بن محمد، عن الأوزاعيِّ، وابنِ أبي ذئب، عنِ الزهريِّ، حدثني عبد الله بن أبي بكر، به.
стр. 10043
ولكن إسنادُهُا ضعيف، عبد الملك بن محمد هو الصنعاني ((لين الحديث)) (التقريب ٤٢١١).
قلنا: ورواه ابنُ جريج أيضًا عنِ الزهريِّ، فقال: عنِ ابنِ شِهابٍ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، أنه كان يُحَدِّثُ عن بُسْرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، نحوه. رواه ابنُ أبي عاصمٍ في (الآحاد والمثاني ٣٢٢٥).
فأسقط من إسنادِهِ (مروان)، وأخطأ في ذلك. والصوابُ ما رواه الجماعةُ عنِ الزهريِّ.
وابنُ جُريجٍ وإن كان ثقةً ثبتًا غير أنه متكلَّمٌ في روايته عنِ الزهريِّ.
قال ابنُ مُحْرِز: ((سمعتُ يحيى، وقال له عبد الله بن رومي أبو محمد اليمامي: أي شيء بلغني عن يحيى بن سعيد -يعني القطانَ- أنه كان يتكلَّمُ في حديثِ ابنِ جُريجٍ وابنِ أبي ذِئبٍ، عنِ الزهريِّ؟ فقال يحيى بنُ مَعِينٍ وأنا أسمع: نعم، كان لا يوَثِّقُهُما في الزهريِّ. فقال له عبد الله بن رومي اليمامي: ممَّ ذاك؟ ! قال: كانوا يقولون: إن حديثَهما إنما هو مناولة)) (تاريخ ابن مَعِينٍ، رواية ابن محرز ٦٢٤).
وقال معاوية بن صالح: سمعتُ يحيى بنَ مَعِينٍ يقول: ((كان يحيى بن سعيد لا يرضى حديث ابن أبي ذئب وابن جريج عنِ الزهريِّ، ولا يقبله)) (تهذيب التهذيب ٣/ ٦٣٠).
وقال ابنُ مَعِينٍ: ((ابنُ جُريجٍ ليسَ بشيءٍ في الزهريِّ)) (تاريخ ابن مَعِينٍ، رواية الدارمي ١٣).
قلنا: وقيل: إن سبب تضعيف رواية ابن جريج عنِ الزهريِّ أنه لم يسمعْ منه، وإنما حَمَل عنه مناولة، كما تقدَّمَ عن ابنِ مَعِينٍ.
стр. 10044
وقال عليُّ بنُ المدينيِّ: ((ابنُ جُريجٍ لم يسمعْ من ابنِ شهابٍ شيئًا، إنما عُرِضَ له عليه)) (المعرفة التاريخ ٢/ ١٣٩).
روى ابنُ أبي خيثمة في (تاريخه- السِّفر الثالث ٩٨٠) من طريقِ ابنِ عيينةَ، قال: ((دخلتُ أنا وابنُ جُريجٍ على ابنِ شهابٍ، ومع ابنِ جُريجٍ صحيفة، فقال ابنُ جُريجٍ: إني أريدُ أن أعرضها عليك)).
وقال محمدُ بنُ عليٍّ الجوزجانيُّ: ((قلتُ لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ابنُ أبي ذِئبٍ، سماعه من الزهريِّ عَرْض أو سماع؟ ! قال: لا نبالي كيف كان. قلتُ: ابنُ جُريجٍ؟ قال: ابنُ جُريجٍ عَرْض)) (تاريخ دمشق ٥٩/ ٤١٢).
قلنا: وجاءَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ التصريحُ بعدم سماعه منَ الزُّهْريِّ، ولكن في إسنادِهِ شيء.
فأسندَ ابنُ أبي حَاتمٍ في (الجرح والتعديل ٥/ ٣٥٧) قال: نا أبو زرعة قال: أخبرني بعضُ أصحابنا، عن قريش بن أنس، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ قال: ما سمعتُ منَ الزُّهْريِّ شيئًا، إنما أعطاني الزهريُّ جُزْأً، فكتبتُهُ وأجازَهُ لي.
وقال الذهبيُّ: ((كان ابنُ جُريجٍ يَروي الرواية بالإجازة وبالمناولة، ويتوسع في ذلك؛ ومِن ثَمَّ دخلَ عليه الداخل في رواياته عن الزهري؛ لأنه حَمَل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حَدَثَ في الخط بعدُ شكل ولا نقط)) (سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٣١).
وفي سنده جهالة في بعض أصحاب أبي زرعة.
قلنا: فالراجحُ عنِ الزهريِّ مما تقدَّمَ ما رواه شعيب ومَن تابعه، عنِ الزهريِّ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ، به.
стр. 10045
قلنا: فاتفق عمرو بن الحارث والزهري -في الراجح عنه- على إسنادِهِ ومتنه، ووافقهما على المتن أيضًا - عمر بن محمد بن زيد العُمَري، كما عند الطبرانيِّ في (المعجم الكبير ٢٤/ رقم ٤٩٨)، والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٤٠)، ولكنه أسقطَ من إسنادِهِ (مروان)، ولا يصحُّ، فالصوابُ إثباتُه كما تقدَّمَ.
وفي الإسنادِ إلى عمرَ: عبدُ الملك بن محمد الصنعاني، ضعيفٌ كما سَبَقَ. ولكنه توبع: تابعه الوليد بن مسلم، كما عند الدارقطنيِّ في (العلل ٩/ ٣٤٠ - ٣٤١)، وقَرَن الوليدُ بعمر بن محمد مالكَ بنَ أنسٍ، ووَهِم في ذلك؛ وذلك أن المحفوظَ عن مالكٍ ما رواه أصحابُ (الموطأ) وغيرُهُم بإثبات (مروان) كما تقدَّمَ في أول رواية. وكذا المحفوظ عن مالك في متنه، بلفظ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)).
وثَم فَرْقٌ بين هذا اللفظ ولفظ الزهري وعمرو؛ إذ إن لفظهما يفيدُ العمومِ، بخلاف لفظ مالك، فيفيد خصوص الوضوء بمَن مَسَّ ذَكَر نفسه خاصة. وهذا هو الراجح؛ فإن مالكًا تابعه ابن عيينة وابن عُلية وغيرُهُما كما بينا في أول رواية.
стр. 10046
رِوَايَةُ فَإِنَّ بُسْرةَ تُحَدِّثُ فِيهِ:
وَفِي رِوَايَةٍ: عن عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ قَالَ: ذَاكَرَنِي مَرْوَانُ مَسَّ الذَّكَرِ، فَقُلْتُ: لَيْسَ فِيهِ وُضُوءٌ. فَقَالَ: إِنَّ بُسْرةَ بِنْتَ صَفْوَانَ تُحَدِّثُ فِيهِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولًا، فَذَكَرَ الرَّسُولُ أَنَّهَا تُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ (فَرْجَهُ) فَلْيَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: مختلفٌ فيه كما سَبَقَ، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ.
[التخريج]:
[حم ٢٧٢٩٣ (واللفظ له) / طب (٢٤/ ١٩٧/ ٥٠٠) / ش ١٧٣٧/ حق ٢١٧٢/ تخث (السِّفر الثالث ٣٠٦٦) / مث ٣٢٢٨/ علقط (٩/ ٣٣٧) / تحقيق ١٨٤].
[السند]:
رواه أحمدُ في (المسند)، وابنُ أبي شيبةَ في (المصنف)، وإسحاقُ بنُ راهويه في (مسنده) قالوا -واللفظ لأحمدَ-: حدثنا إسماعيل بن عُلية، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: سمعت عروة بن الزبير يُحَدِّثُ أبي قال: ذَاكَرني مروان مَسَّ الذَّكَرِ، فقلتُ: ليسَ فيه وُضُوءٌ ... الحديث.
ومداره عند الجميع على ابن عُلية، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ اختُلِفَ فيه للاختلاف في عدالة مروان بن الحكم، مع جهالة الرسول وما وقع فيه من خلاف. أضف إلى ذلك أن هذه الرواية لم يَذكر مروان هل سمعه من بُسْرةَ أم سمع ممن سمعه منها؟
١٤١].
[التحقيق]:
له طريقان:
الطريق الأول: رواه الطيالسيُّ في (مسنده) -ومن طريقه الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٤٢) - قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ -أَوْ: مُحَمَّدِ- ابْنِ أَبِي بَكْرِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ، أن مَرْوانَ أَرْسَلَ إِلَى بُسْرةَ بِنْتِ صَفْوَانَ يَسْأَلُهَا، فَحَدَّثَتْ عن النبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)).
هذا إسنادٌ ضعيفٌ لجهالةِ الرسولِ.
وقوله: ((عن عبد الله -أو: محمد- ابن أبي بكر)) خطأ. والصوابُ عن شُعْبةَ ما رواه غندرٌ وغيرُهُ من أصحابِ شعبةَ، عنه عن محمد بن أبي بكر. بلا شك. كما بينا في أول رواية. رواه الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٤٢)، وغيرُهُ.
قلنا: وأخطأَ سعيد بن سفيان الجَحْدريُّ، فرواه عن شُعْبةَ عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، به. رواه الطبرانيُّ في (المعجم الكبير ٢٤/ ٥٠٣).
قلنا: وسعيد الجحدريُّ ((صدوقٌ يُخطئُ)) (التقريب ٢٣٢٣).
قال الدارقطنيُّ: ((ورواه شعبة، واختُلِفَ عنه: فرواه عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شُعْبةَ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ. قال ذلك أبو قِلَابة عنه.
ورواه أبو داود الطيالسيُّ، عن شُعْبةَ، عن عبد الله بن أبي بكر -أو: أخيه محمد بن أبي بكر-، عن عُرْوةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ. ورواه معاذ بن معاذ، وغندر، والنضر بن شُميل، عن شُعْبةَ، عن محمد بن أبي بكر. بغير
стр. 10049
شك)) (العلل ٩/ ٣١٩).
الطريق الثاني: رواه ابنُ أبي عاصمٍ في (الآحاد والمثاني ٣٢٣٤)، والبغويُّ في (حديث حماد بن سلمة ٢٨)، والطبرانيُّ في (المعجم الكبير ٢٤/ رقم ٥٠٩)، وغيرُهُم، مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أن مَرْوانَ قَالَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)). فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُرْوَةُ، فَقَالَ مَرْوَانُ: يَا شُرْطِيُّ، اذْهَبْ إِلَى بُسْرةَ بِنْتِ صَفْوَانَ فَسَلْهَا. فَقَالَتْ بُسْرةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)).
وتابع حمادَ بن سلمة: هشام بن حسان، كما عند الدارقطنيِّ في (العلل ٩/ ٣٣١).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه -مع جهالة الشرطي- الاختلافُ في سماع هشام بن عروة لهذا الحديثِ من أبيه، وقد اختُلف عليه على وجوهٍ كثيرة كما سَبَقَ وبينا في أول رواية.
من هذا الاختلاف: ما رواه تمام في (فوائده ١٤١) من طريق الخَصِيبِ بنِ نَاصِحٍ، ثَنَا هَمَّامُ بنُ يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بنُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ مَرْوَانَ، فَتَذَاكَرُوا الوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَرْوَانُ، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ شُرْطِيًّا مِنْ شُرَطِهِ إِلَى بُسْرةَ بِنْتِ صَفْوَانَ. قَالَ: فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ، فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)).
وفيه -أيضًا مع جهالة الرسولِ- الخصيبُ بنُ نَاصحٍ ((صدوقٌ يُخطئُ)) (التقريب ١٧١٧).
стр. 10050
رِوَايَةُ: الوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: عن عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ، عَنْ مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ أَنَّهُ قَالَ: الوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ. قَالَ مَرْوَانُ: أَخْبَرَتْنِيهِ بُسْرةُ بِنْتُ صَفْوَانَ. فَأَرْسَلَ عُرْوَةُ، قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، فَقَالَ: ((مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرًا: ((الوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)).
[الحكم]: مختلفٌ فيه كما سَبَقَ.
وقوله: ((الوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)) لا يصحُّ. والصوابُ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)).
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [ن ٤٥٢ (واللفظ له) / طح (١/ ٧٢) / طب (٢٤/ ١٩٤/ ٤٩٠) / علقط (٩/ ٣٤٥) / صحا ٧٥٣٠].
تخريج السياق الثاني: [جعفر ٥٢٤/ عد (٤/ ٧١) / علقط (٩/ ٣٤٠، ٣٤٧) / هقخ ٥٣٠].
[التحقيق]:
له أربعة طرق:
الطريق الأول: رواه النسائيُّ في (السنن) قال: أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث، عنِ ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ، عن مروان بن الحكم أنه قال: الوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ. قال مروانُ: أخبرتنيه بُسْرةُ بنتُ صفوانَ ... الحديث، بلفظ السياق الأول.