(المصنف ٤١٤) -ومن طريقه الطبرانيُّ في (الكبير ٢٤/ رقم ٤٨٥)، وغيرُهُ-.
والحسينُ بنُ مهديٍّ، كما عند الطحاويِّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٧١).
وأحمد بن منصور، كما عند الدارقطنيِّ في (العلل ٩/ ٣٤٨).
ثلاثتهم رووه عن عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عن معمرٍ، عنِ الزهريِّ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ قال: تذاكرتُ أنا ومروانُ الوُضُوءَ من مَسِّ الفرجِ، فقال مروانُ: حدَّثتني بُسْرةُ بنتُ صفوان أنها سمعتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمرُ بالوضوءِ من مَسِّ الفَرْجِ. فكأنَّ عروة لم يقنعْ بحديثِهِ، فأَرْسَلَ مروانُ إليها شرطيًّا، فرجعَ فأخبرهم أنَّها سمعتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يأمرُ بالوضوءِ من مَسِّ الفَرْجِ.
فخالفَ رواية من تقدَّمَ -إلا رواية قتيبة عن الليث- في إسقاط عبد الله بن أبي بكر. وكذا في المتنِ ذَكَره بلفظ الأمر والعموم في قوله: ((مَس الفَرْجِ)) وهذا يَشْملُ فرج الرجل نفسه أو غيره.
قلنا: وهذا الوجهُ هو الأرجحُ على معمرٍ، فقد تابعه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، كما ذكر الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٢١).
وكذا تابعهما: عبد الواحد بن زياد، كما عند الضياءِ المقدسيِّ في (المنتقى من مسموعات مرو، ق ٣١/ ب-٣٢/أ)، ولكن ذكره بلفظ: ((تَوَضَّئُوا مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)).
ورواه سعيدُ بنُ أبي عروبةَ، وقيل: عن شُعْبةَ، عن معمرٍ، عنِ الزهريِّ، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ بلفظ: ((إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ، فَلْيَتَوَضَّأْ)) فأسقطَ عبد الله بن أبي بكر ومروان.
رواه النسائيُّ في (السنن ٤٥١ - واللفظ له)، والطبرانيُّ في (المعجم
стр. 9977
الصغير ١١١٣)، والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، والبيهقيُّ في (الخلافيات ٥٠٦).
قلنا: ولكن رواية عَبْدِ الرَّزَّاقِ ومَن تابعه هي الأرجح.
ورواه الأوزاعيُّ فقال: عنِ الزهريِّ، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ بنتِ صفوان، أنها سمعتْ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: ((يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)).
رواه الدارميُّ في (مسنده ٧٤٢)، وابنُ أبي عاصمٍ في (الآحاد والمثاني ٣٢٢٠)، والطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٧٢)، والطبرانيُّ في (الكبير ٢٤/ رقم ٤٨٧)، وغيرُهُم.
ورُوي عن الأوزاعيِّ على وجوه أُخَر:
فقيل: عنه، عنِ الزهريِّ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ. رواه الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٤٤٧)، والبيهقيُّ في (الخلافيات ٥٠٧) من طريق محمد بن مصعب، عنه، به.
وقيل: عنه، عنِ الزهريِّ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ. رواه ابنُ أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٣٢٢٣) من طريق عبد الملك بن محمد، عنه، وقَرَن ابن أبي ذئب به.
وقيل: عنه، عنِ الزهريِّ، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ. رواه ابنُ البَخْتَري في (مجموع له ٥٢٤)، والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٤٧) من طريق محمد بن كثير. والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٤٧) من طريق الوليد بن مسلم. كلاهما عن الأوزاعي، به.
وكُلُّ هذه الأوجه شاذةٌ لا تصحُّ، والصحيحُ عن الأوزاعيِّ ما ذُكِر أولًا.
стр. 9978
قال الدارقطنيُّ: ((ورواه الوليد بن مَزْيَد، وإسماعيل بن عبد الله بن سَمَاعة، وعمر بن عبد الواحد، وأبو المغيرة، وابن أبي العشرين، وشعيب بن إسحاق، وعمرو بن أبي سلمة، ورَوَّاد بن الجَرَّاح، ويحيى البابلتي، ومحمد بن بِشْر السّيني. رووه عن الأوزاعي، عنِ الزهريِّ، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ)) (العلل ٩/ ٣٢١).
ورواه عبد الرحمن بن نمر اليَحْصُبي، رواه عنه الوليد بن مسلم، واختُلف عليه:
فقيل: عن الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن نمر، عنِ الزهريِّ، عن عُرْوةَ، أنه سمع مروان يقول: أخبرتني بُسْرةَ بنتُ صفوان الأسدية، أنها سمعتْ رسولَ اللهِ ﷺ يَأْمرُ بالوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ. والمرأةُ مثل ذلك.
رواه ابنُ أبي عاصمٍ في (الآحاد والمثاني ٣٢٣١)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٧/ ١٦٢) -ومن طريقه البيهقيُّ في (السنن الكبير ٦٤٠) - من طريق هشام بن عمار، عن الوليد، به.
ورواه الطبرانيُّ في (مسند الشاميين ٢٨٧٧) -ومن طريقه ابن عساكر- من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي. والبيهقيُّ في (معرفة السنن ١٠٥٩) من طريق صفوان بن صالح. كلاهما عن الوليد، به.
وقيل: عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن نمر، عنِ الزهريِّ، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ، بمثل ما تقدَّم.
رواه ابنُ حِبَّانَ في (الصحيح ١١١٢) من طريق عبد الله بن أحمد بن ذَكْوان الدمشقي، عن الوليد، به.
وذَكَر الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٢١) متابعة محمود بن خالد لابن ذكوان.
وقيل: عن ابن نمر، عنِ الزهريِّ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ،
стр. 9979
عن مروان، عن بُسْرةَ، به.
رواه البيهقيُّ في (السنن الكبير ٦٤٢) من طريق أبي موسى الأنصاري، عن الوليد، به.
قلنا: وسيأتي تحقيق هذه الروايات في تخريج مستقل إذ فيها لفظة منكرة انفرد بها عبد الرحمن بن نمر، وهي قوله: ((والمرأة مثل ذلك)).
ورواه ابنُ أخي الزهري، فقال: حدثنا عمي قال: أخبرني عروة أنه سمع بُسْرةَ بنت صفوان تقول: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)) رواه الخطيبُ في (تاريخ بغداد ١٠/ ٤٥١).
وقوله: ((أخبرني عروة)) وهم، قال الدارقطنيُّ: ((ووهم في قوله: (عنِ الزهريِّ)؛ لأن الزهريَّ إنما سمعه من عبد الله بن أبي بكر عن عُرْوةَ)) (العلل ٩/ ٣٢١).
ورواه يزيد بن أبي حيبيب عنِ الزهريِّ، فقال: كتبَ إليَّ الزهريُّ أن عروةَ سَأَلَ مروانَ عن الوُضُوءِ من مَسِّ الفَرْجِ، فأخبره مروان بحديثِ بُسْرةَ بنت صفوان فيه، فأنكر ذلك عروة. ثم إن مَرْوانَ أرسلَ إلى بُسْرةَ فجاءته، فحدثته بذلك الحديث، وعنده عروةُ، قالتْ: ذُكِر لرسولِ اللهِ مَسُّ الفَرْجِ فقال: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)). رواه ابنُ سَيدِ النَّاسِ في (أجوبته ٢/ ١٣٦) من طريق يزيد، به.
وهذه الروايةُ شاذةٌ إذِ انفردَ يزيدُ عنِ الزهريِّ في قوله: ((فجَاءتْهُ، وعنده عروةُ)) وهذا ظاهره أن بُسْرةَ أتت مجلس مروان فحَدَّثتْ به في حضور عروة. وهذا لم يقلْه أحدٌ ممن روى الحديثَ عنِ الزهريِّ، فضلًا عن مالكٍ ومَن تابعه.
стр. 9980
قلنا: وثَمَّ خلافاتٌ أخرى على الزهريِّ، ولكنا نراها شاذةٌ لا تصحُّ؛ ولذا أعرضنا عن ذكرها.
قال العُقيليُّ: ((الصواب: رواية يونس وعقيل ومَن تابعهما)) (الضعفاء الكبير ٣/ ٢٤ - ٢٥).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: ((وقد روى ابنُ شهابٍ حديثَ مَسِّ الذكرِ عن عُرْوةَ عن مروانَ عن بُسْرةَ. هكذا يرويه أهلُ الحفظِ والإتقانِ عن ابنِ شهابٍ، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ. وقد اختُلف فيه عن ابنِ شهابٍ، ولا يصحُّ عنه فيه إلا ما ذكرتُ)).
وقال: ((هذا هو الصحيحُ في حديثِ بُسْرةَ: عروة عن مروان عن بُسْرةَ.
وكلُّ مَن قال خلاف هذا فقد أخطأ فيه عند أهل العلم. والاختلاف فيه كثير على هشام وعلى ابن شهاب، والصحيح فيه عنهما)) (التمهيد ١٧/ ١٢٠، ١٥٦).
والذي يتلخص لنا ممن رووا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر- أن الحديثَ رُوي عنه على أحوال، وهي:
الأول: عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ.
الثاني: عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ أن مَرْوانَ أرسلَ حارسًا إلى بُسْرةَ.
الثالث: عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ. فأسقط مروان.
الرابع: عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن مروان، عن بُسْرةَ. فأنكر عروة فأرسلَ مروان حارسًا يسألها.
وسيأتي عقب ذكر الخلافات على هشام بن عروة أقوال العلماء جملة
стр. 9981
حول هذه الخلافات، وما يترجح منها.
أما رواية هشام بن عروة، فاختُلف عليه على أوجه:
الوجه الأول: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بُسْرةَ، ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأْ)).
رواه الترمذيُّ في (جامعه ٨٣)، والنسائيُّ في (الكبرى ٤٥٣)، من طريق يحيى بن سعيد القطان.
ورواه أحمدُ في (المسند ٢٧٢٩٥) عن يحيى.
ورواه أبو علي الطوسيُّ في (مستخرجه ٦٩)، وغيرُهُ، من طريقِ أيوبَ السَّختياني.
والطحاويُّ في (معاني الآثار ١/ ٧٣) من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجُمَحي.
وابنُ حِبَّانَ في (الصحيح ١١١٠)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٨/ ٧٩)، وغيرُهُما من طريقِ علي بن المبارك.
وابنُ أبي عاصمٍ في (الآحاد والمثاني ٣٢٣٥)، والطبرانيُّ في (الكبير ٢٤/ ٥١١)، وغيرُهُما، من طريق عبد الحميد بن جعفر.
ومحمد بنُ مَخْلَد العطار في (أحاديث له عن شيوخه ٧٤)، وغيرُهُ، من طريق أبي علقمة الفَرْوي.
والدارقطنيُّ في (السنن ٥٣٠) من طريقِ ابنِ عيينةَ.
والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٢٨، ٣٢٩) من طريق حماد بن سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن الطُّفَاوي، وأبي معمر المدني.
стр. 9982
والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٢٩، ٣٣١) من طريق أبي معشر يوسف بن يزيد، وعَبَّاد بن صهيب، وهشام بن حسان.
والمخلص في (فوائده ٥٦٣) من طريق جُنَادة بن مَرْوان.
وابنُ شَاهينَ في (ناسخ الحديث ١٢٠)، والمخلص في (فوائده ٢٣٧٧) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم.
والطبراني في (المعجم الكبير ٢٤/ رقم ٥١٦) من طريق محمد بن دينار.
ستة عشرتهم رووه عن هشام بن عروة، به.
ورجاله ثقات.
ولذا قال الترمذيُّ: ((هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)).
وقال ابنُ الجوزيِّ: ((هذا الإسنادُ لا مطعنَ فيه)) (التحقيق ١/ ١٧٦).
قلنا: ولكنه أُعِلَّ بعلتين:
العلة الأُولى: أن هشام بن عروة لم يسمعه من أبيه.
قال شعبة بن الحَجاج: ((لم يسمع هشام بن عروة حديثَ أبيه في مَسِّ الذَّكرِ)). رواه أحمدُ في (العلل ٣٧٤٥)، والفسويُّ في (المعرفة التاريخ ٢/ ٨١٩).
وقد مالَ الإمامُ أحمدُ لهذا القولِ، فأسندَ الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٣٧) من طريق هارون الحَمَّال، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن مروان، عن بُسْرةَ بنت صفوان -وكانت قد صحبت النبي ﷺ أن النبيَّ ﷺ قال: ((إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ، فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)).
стр. 9983
قال هارون: فذكرتُ هذا لأحمدَ بنِ حنبلٍ فقال: أرى لقولِ شعبةَ أصلًا. قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: هشام بن عروة لم يسمعْ حديثَ مَسِّ الذَّكَرِ من أبيه.
وسيأتي الكلامُ على هذا الطريقِ قريبًا.
وقال النسائيُّ: ((هشام بن عروة لم يسمع من أبيه هذا الحديث)) (السنن ١/ ٥٤٥).
وقال الطحاويُّ: ((إن هشام بن عروة أيضًا لم يسمعْ هذا من أبيه؛ وإنما أخذه من أبي بكر، فدلَّسَ به عن أبيه)) (معاني الآثار ١/ ٧٣).
قلنا: وقد أجابَ بعضُ العلماءِ على هذه العلةِ بما أسندَهُ الإمامُ أحمدُ في (المسند ٢٧٢٩٥، والعلل ٣٧٤٤)، وغيرُهُ عن يحيى بنِ سعيد القطان قال: حدثنا يحيى بنُ سعيد، عن هشامٍ قال: حدثني أبي، أن بُسْرةَ بنتَ صفوان أخبرته، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)).
وقال الإمامُ أحمدُ -عقبه في (العلل ٣٧٤٥) -: "حدثنا يحيى بن سعيد قال: قال شعبة: لم يسمع هشام حديث أبيه في مَسِّ الذَّكرِ. قال يحيى: فسألتُ هشامًا فقال: أخبرني أبي".
قالوا: فهذا يحيى القطان -وهو إمامٌ- نَقَلَ الحديثَ عن هشامٍ، وفيه تحديث عروة لهشام، وسؤال يحيى لهشام على قول شعبة، فأجابه هشام بقوله: أخبرني أبي.
ممن أجاب بهذا: البيهقيُّ في (معرفة السنن ١/ ٤٠١ - ٤٠٢)، والضياءُ المقدسيُّ في (السنن والأحكام ١/ ١٤٤)، وابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٢/ ٢٩٩)، وابنُ سَيدِ النَّاسِ في (النفح الشذي ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، و (الأجوبة
стр. 9984
٢/ ١٣٩ - ١٤٠)، وابنُ عبدِ الهادِي في (تنقيح التحقيق ١/ ٢٦٨)، والزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٥٥)، وابنُ المُلقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣)، وابنُ حَجرٍ في (التلخيص الحبير ١/ ٢١٥)، والمغربيُّ في (البدر التمام شرح بلوغ المرام ٢/ ٣٤)، والألبانيُّ في (سلسلة الأحاديث الصحيحة ١٢٣٥).
قلنا: ما أجاب به هؤلاء لا يَسْلَم لهم؛ لأمرين:
الأمر الأول: أن هشامًا وإن جزمَ بسماعه من أبيه في رواية القطان- محتمل لأن يكون قاله بما ظَنَّ هو في نفسِهِ من صدقه، والواقع خلافه؛ وذلك أنه قد رُوي عنه بإسنادٍ صحيحٍ أنه أخذه عن آخَرَ عن أبيه، كما سيأتي؛ ولذا جزمَ شعبةُ ومَن تابعه بعدم سماعه. وقد جاء في روايته أيضًا السماع بين عروة وبُسْرةَ. وهذا أيضًا لا يَسْلَم له كما تقدَّم، وسيأتي مزيدُ بَيانٍ.
ولذا قال ابنُ مَعِينٍ: ((الحديثُ الذي يُحَدِّثُ به يحيى القطانُ، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: حدثتني بُسْرةَ- هو خطأ)) (تاريخ ابنُ مَعِينٍ - رواية الدوري ٤٧١٨).
فهذا ابنُ مَعِينٍ، ومعلومٌ شأنُه في هذا العلم، وكذا شعبةُ، وأحمدُ، والنسائيُّ ومَن تابعهم- على خلاف ما نَقَلَ ابنُ القطان عن هشامٍ.
الأمر الثاني: أن هشامًا متكلَّمٌ في روايته خارج المدينة، في الكوفة وغيرها، وليس قوله: ((حدَّثني)) مما سُمع منه بالمدينة؛ ولذا فاحتمال خطئه وارد.
وبهذا أجابَ العينيُّ على البيهقيِّ ومَن تابعه، فقال: ((وقال يعقوب بن شيبة: هشام بن عروة ثقةٌ ثبتٌ، لم يُنكَر عليه شيءٌ إلا بعد ما صارَ إلى
стр. 9985
العراقِ، فإنه انبسطَ في الرواية عن أبيه، فأَنْكَر ذلك عليه أهل بلده، وكان تَسَهُّله أنه أرسلَ عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه.
وقال ابنُ خِرَاش: كان مالكٌ لا يرضاه، وكان هشامٌ صدوقًا تَدخل أخباره في الصحيح، بلغني أن مالكًا نَقم عليه حديثه لأهل العراق)) (نخب الأفكار ٢/ ٩١، والبناية شرح الهداية ١/ ٢٩٨).
وقال أيضًا: ((شعبةُ صرَّحَ بأن هشامًا لم يسمعْ هذا الحديث من أبيه عروة، فكيف يكون قول يحيى: (سمع من أبيه) مُعارِضًا لقول شعبة أنه لم يسمع أباه؟ ! )) (البناية شرح الهداية ١/ ٢٩٨، ونخب الأفكار ٢/ ٩٢).
العلة الثانية: أن عروةَ لم يسمعْه من بُسْرةَ، بينهما مروان بن الحكم، كما تقدَّمَ من رواية عبد الله بن أبي بكر عن عُرْوةَ مخالفًا مروان في إسقاطه.
وقد رُوِي عن هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بُسْرةَ، كما رواه عبد الله بن أبي بكر، كما في الوجه الثاني.
الوجه الثاني: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بُسْرةَ.
رواه الترمذيُّ في (جامعه ٨٤)، وابنُ خُزيمةَ في (الصحيح ٣٥) من طريق أبي أسامة.
ورواه ابنُ ماجه في (السنن ٤٨٢)، وإسحاقُ بنُ راهويه في (مسنده ٤٨٢)، وغيرُهُما، من طريق عبد الله بن إدريس.
وأحمدُ في (العلل ٣٧٤٣)، وابنُ حِبَّانَ في (الصحيح ١١١١)، وغيرُهُما، من طريقِ الثوريِّ.
وابنُ أبي خيثمةَ في (تاريخه- السِّفر الثاني، رقم ٣٣٨٦)، وغيرُهُ، من
стр. 9986
طريقِ وُهَيْب بن خالد.
ورواه الطحاويُّ في (معاني الآثار ١/ ٤/ ٧٢) من طريقِ حمادِ بنِ سلمةَ.
ورواه الحارثُ بنُ أبي أسامةَ كما في (بغية الباحث ٨٧) عن يحيى بن هاشم.
ورواه الطحاويُّ في (معاني الآثار ١/ ٧٢، ٧٣)، وغيرُهُ، من طريق علي بن مُسْهِر، وابن أبي الزناد.
ورواه البيهقيُّ في (السنن الكبير ٦٢٤) من طريق أنس بن عياض.
ورواه الدارقطنيُّ في (السنن ٥٣٠) من طريق يزيد بن سنان.
ورواه الطبرانيُّ في (الكبير ٢٤/ رقم ٥١٢)، والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٣١) من طريق هشام بن حسان.
ورواه الطبرانيُّ في (الكبير ٢٤/ رقم ٥١٣)، والدارقطنيُّ في (السنن ٥٣٩) من طريق ابن جريج.
ورواه الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٣٦) من طريق محمد بن إبراهيم بن دينار.
ورواه الدارقطنيُّ في (السنن ٥٣٣، والعلل ٩/ ٣٣٤) من طريق إسماعيل بن عياش.
رواه أربعة عشرتهم عن هشام بن عروة، به.
فاختلفَ أهلُ العلمِ بين هذين الوجهين، مع ما ذُكر عن عبد الله بن أبي بكر عن عُرْوةَ بإثبات مروان، أيهما يقدم؟ أهو الوجه الذي ذُكر فيه مروان؟ أم هو الوجه الذي سقط منه مروان؟ أم أن كليهما محفوظ؟ على
стр. 9987
أقوال:
الأول: ذهبَ فريقٌ إلى تصحيحِ الوجهِ الذي ذُكر فيه مروان دون غيره:
وتقدَّمَ قولُ ابنِ مَعِينٍ: ((الحديثُ الذي يُحَدِّثُ به يحيى القطان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: حدثتني بُسْرةَ- هو خطأ)) (تاريخ ابنُ مَعِينٍ - رواية الدوري ٤٧١٨).
وقال مُضَر بن محمد: ((سألتُ يحيى بنَ مَعِينٍ: أي حديث يصح في مَسِّ الذَّكَرِ؟ فقال يحيى: لولا حديث جاء عن عبد الله بن أبي بكر لقلتُ: لا يصحُّ فيه شيءٌ؛ فإن مالكًا يقول: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا عروة، حدثنا مروان، حدثتني بُسْرةَ. فهذا حديثٌ صحيحٌ. فقلتُ له: فبُسْرةَ من غير هذا الطريق؟ فقال: مروان عن حديث بُسْرةَ)) (التمهيد ١٧/ ١٩٢). فهذا ميلٌ منه إلى تصحيحِ طريقِ مروانَ دونَ غيرِهِ.
قلنا: ولكن هذه الحكاية رواها ابنُ عبدِ البرِّ عن شيخِهِ خَلَف بن القاسم، حدثنا محمد بن زكرياء بن يحيى بن أَعْيَن المقدسي، حدثنا مُضَر بن محمد، به. وابن زكرياء لم نجدْ لَهُ ترجمةً.
وتقدَّمَ أنها رويت من وجهٍ آخرَ، فيه كلام.
وقال البخاريُّ: ((والصحيحُ: عن عُرْوةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ)) (العلل الكبير للترمذي، صـ ٤٨).
وقال ابنُ منده -بعد ذكر روايات-: ((فالحديثُ راجعٌ إلى مروانَ)) (الإمام ٢/ ٢٨٢).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: ((وذكرنا ما يصحُّ من ذلك في حديثِ بُسْرةَ، وأنه لا يصحُّ فيه قول النبيِّ ﷺ إلَّا ما في (الموطأ) من روايةِ مالكٍ، عن عبد الله بن
стр. 9988
أبي بكر، سمع عروة، سمع مروان، سمع بُسْرةَ، سمعت النبي ﵇) (الاستذكار ٣/ ٢٧).
وقال أيضًا: ((والاختلافُ فيه كثير على هشامٍ وعلى ابنِ شهابٍ. والصحيحُ فيه ما ذكره ابنُ مَعِينٍ وغيرُهُ، على ما وصفتُ لك، والروايةُ الصحيحةُ عن ابنِ شهابٍ مثل رواية مالك قد تقدمتْ من حديثِ ابنِ عيينةَ عن ابنِ شِهابٍ.
وكذلك رواه عُقيل بن خالد، عن ابنِ شِهابٍ.
وكذلك رواه الليثُ، عن عبد الرحمن بن خالد، عنِ ابنِ شِهابٍ، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه سمع عروةَ يُحَدِّثُ عن مروانَ أن بُسْرةَ أخبرته)) (الاستذكار ٣/ ٢٩).
وقال -في (التمهيد ١٧/ ١٨٥) -: ((والحديثُ الصحيحُ الإسنادِ في هذا عن عُرْوةَ عن مروانَ عن بُسْرةَ)).
وقال أيضًا: ((هذا هو الصحيحُ في حديثِ بُسْرةَ (عروة، عن مروان، عن بُسْرةَ) وكلُّ مَن خالفَ هذا فقد أخطأَ فيه عند أهلِ العلمِ .. والاختلافُ فيه كثير على هشامٍ، وعلى ابنِ شِهابٍ. والصحيحُ فيه عنهما ما ذكرنا في هذا الباب. وقد كان يحيى بنُ مَعِينٍ يقول: (أصح حديث في مَسِّ الذَّكرِ حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ) وكان أحمدُ بنُ حَنبلٍ يقولُ نحو ذلك أيضًا)) (التمهيد ١٧/ ١٩٠ - ١٩١).
قلنا: وذهبَ آخرون إلى تصويبِ كلا الوجهين، وأن هشامًا كان يُحَدِّثُ به مرة عن أبيه، عن مروان، عن بُسْرةَ، عن السماع الأول، عن عُرْوةَ. وكان يُحَدِّثُ به تارة أخرى عن أبيه، عن بُسْرةَ، على مشافهة عروة لبُسْرةَ. وكان هشام ربما نَشِطَ فحَدَّثَ به على الوجهين جميعًا، كما سيأتي في الوجه
стр. 9989
الثالث.
قال الدارقطنيُّ: ((فلما اختُلفَ على هشام بن عروة في إسنادِ هذا الحديثِ:
فرواه عنه جماعةٌ منَ الرُّفعاءِ الثقاتِ؛ منهم أيوب السَّختياني، ويحيى القطان، ومَن قدمنا ذكره معهما؛ فرووه عن هشام، عن أبيه، عن بُسْرةَ.
وخالفهم جماعةٌ منَ الرُّفعاءِ الثقاتِ أيضًا؛ منهم سفيان الثوري، وهشام بن حسان، وعبد الله بن إدريس ... وغيرُهُم ممن قدمنا ذكره معهم، رووه عن هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بُسْرةَ.
فلما وَرَدَ هذا الاختلافُ عن هشامٍ أشكلَ أمرُ هذا الحديث، وظنَّ كثيرٌ من الناسِ ممن لم ينعم النظر في الاختلافِ أن هذا الخبرَ غيرُ ثابتٍ لاختلافهم فيه، ولأن الواجبَ في الحكمِ أن يكون القول قول من زاد في الإسناد؛ لأنهم ثقات فزيادتهم مقبولة، فحَكَمَ قومٌ مِنْ أهلِ العلمِ بضعفِ الحديثِ لطعنهم على مروان.
فلما نظرنا في ذلك وبحثنا عنه، وجدنا جماعة منَ الثقاتِ الحفاظ؛ منهم شعيب بن إسحاق الدمشقي، وربيعة بن عثمان التيمي، والمنذر بن عبد الله الحِزامي، وعنبسة بن عبد الواحد الكوفي، وعلي بن مُسْهِر القاضي الكوفي، وحميد بن الأسود أبو الأسود البصري، وزهير بن معاوية الجُعْفي. فرووا هذا الحديثَ عن هشامٍ، عن أبيه، عن مروان، عن بُسْرةَ. ذكروا في روايتهم في آخر الحديثِ أن عروةَ قال: ((ثم لقيتُ بُسْرةَ بعدُ، فسألتُها عن الحديثِ، فحدَّثتني به عن رسولِ اللهِ ﷺ ، كما حدَّثني مروانُ عنها)).
دلَّ ذلك من رواية هؤلاء النفر على صحة الروايتين الأُوليين جميعًا، وزالَ الاختلافُ والحمد لله، وصَحَّ الخبرُ، وثبتَ أن عروةَ سمعه من بُسْرةَ،
стр. 9990
شافهته به بعد أن أخبره مروان عنها بعد إرساله الشرطي إليها.
ومما يقوي ذلك، ويدلُّ على صحته، وأن هشامًا كان يُحَدِّثُ به مرة عن أبيه، عن مروانَ، عن بُسْرةَ، عن السماع الأول، عن عُرْوةَ. وكان يحدِّثُ به تارة أخرى عن أبيه، عن بُسْرةَ، على مشافهة عروة لبُسْرةَ، وسماعه منها بعد أن سمعه من مروان عنها- ما قدمنا ذكره من رواية ابن جريج، وحماد بن سلمة، وزمعة، وأبي علقمة الفَرْوي، وسعيد الجُمَحي، وابن أبي الزناد، ومعمر، وهشام بن حسان؛ فإنهم رووه عن هشام على الوجهين جميعًا. وكان هشام ربما نشط فحَدَّثَ به على الوجهين جميعًا في وقتٍ آخرَ كما رواه شعيب بن إسحاق ومَن تابعه)) (العلل ٩/ ٣١٦ - ٣١٧).
وقال الحاكمُ: ((هكذا ساقَ حمادُ بنُ زيدٍ هذا الحديثَ، وذَكَر فيه سماع عروة من بُسْرةَ. وخَلَف بن هشام ثقة، وهو أحد أئمة القراء.
ومما يدلُّ على صحةِ رواية الجمهور من أصحاب هشام بن عروة، عن هشام، عن أبيه، عن بُسْرةَ؛ منهم أيوب بن أبي تميمة السَّختياني، وقيس بن سعد المكي، وابن جريج، وابن عيينة، وعبد العزيز بن أبي حازم، ويحيى بن سعيد، وحماد بن سلمة، ومعمر بن راشد، وهشام بن حسان، وعبد الله بن محمد أبو علقمة، وعاصم بن هلال البارقي، ويحيى بن ثعلبة المازني، وسعيد بن عبد الرحمن الجُمَحي، وعلي بن المبارك الهُنَائي، وأبان بن يزيد العطار، ومحمد بن عبد الرحمن الطُّفَاوي، وعبد الحميد بن جعفر الأنصاري ... وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ويزيد بن سنان الجَزَري، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الرحمن بن عبد العزيز، وحارثة بن هرمة الفُقَيْمي، وأبو معمر، وعَبَّاد بن صهيب ... وغيرُهُم.
وقد خالفهم فيه جماعةٌ، فرووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان،
стр. 9991
عن بُسْرةَ. منهم سفيان بن سعيد الثوري، ورواية عن هشام بن حسان، ورواية عن حماد بن سلمة، ومالك بن أنس، ووهيب بن خالد، وسَلَّام بن أبي مطيع، وعمر بن علي المُقَدَّمي، وعبد الله بن إدريس، وعلي بن مُسْهِر، وأبي أسامة ... وغيرُهُم.
وقد ذكر الخلاف فيه على هشام بن عروة بين أصحابه.
فنظرنا فإذا القومُ الذين أثبتوا سماع عروة من بُسْرةَ أكبر، وبعضهم أحفظ من الذين جعلوه عن مروان، إلا أن جماعةً منَ الأَئمةِ الحفاظ أيضًا ذكروا فيه مروان؛ منهم مالك بن أنس، والثوري، ونظراؤهما، فظَنَّ جماعةٌ ممن لم ينعم النظر في هذا الاختلاف أن الخبرَ واهٍ لطعنِ أئمة الحديث على مروان.
فنظرنا فوجدنا جماعةً من الثقاتِ الحُفَّاظِ رووا هذا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بُسْرةَ. ثم ذكروا في رواياتهم أن عروة قال: ((ثم لقيتُ -بعدَ ذلكَ- بُسْرةَ، فحدَّثتني بالحديثِ عن رسول الله ﷺ كما حدَّثني مروانُ عنها)) دلَّنَا ذلك على صحةِ الحديثِ وثبوتِهِ على شرطِ الشيخين، وزالَ عنه الخلافُ والشبهةُ، وثبتَ سماعُ عروةَ من بُسْرةَ))
وتابع الدارقطنيَّ جماعةٌ كابنِ خُزيمةَ وابنِ حِبَّانَ كما تقدَّمَ قريبًا.
قلنا: ما ذَكَره الدارقطنيُّ والحاكمُ ومَن تابعهما لا يَسْلَم لهم. وذلك نبينه في الوجه الثالث.
الوجه الثالث: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروانَ، عن بُسْرةَ، به. قال عروةُ: ((سألتُ بُسْرةَ فصَدَّقته))، وفي لفظٍ آخرَ: ((فأنكرَ عروةُ، فَسَأَلَ بُسْرةَ فصَدَّقته)).
стр. 9992
أما اللفظ الأول- ((سألتُ بُسْرةَ فصَدَّقته)) - فرواه ابنُ الجارودِ في (المنتقى ١٨)، وابنُ خُزيمةَ في (صحيحه) كما في (مراسلة البُلقيني لابنِ حَجرٍ- الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابنِ حَجرٍ، للسخاوي ١/ ٣٤٧)، وابنُ حِبَّانَ في (الصحيح ١١٠٩)، وغيرُهُم، من طريقِ ابنِ أبي فُدَيْك، عن ربيعة بن عثمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بُسْرةَ، أن النبيَّ ﷺ قال: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)). قال عروةُ: ((سألتُ بُسْرةَ فصَدَّقته)).
وهذا إسنادٌ رجاله ثقات، غير ربيعة بن عثمان، فمختلفٌ فيه؛ فقال وكيعٌ: ((نا ربيعة بن عثمان التيمي: وكان فيه عسر، وكان عنده أحاديث حسنة، وكان ثقة)) (تاريخ أسماء الثقات ٣٦١)، ووَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ (الجرح والتعديل ٣/ ٤٧٧). وقال ابنُ سعد: ((كان ثقةً ثبتًا قليلَ الحديثِ، وكان فيه عسر)) (الطبقات الكبرى ٧/ ٥٥٠). وقال النسائيُّ: ((ليس به بأس)) (تهذيب الكمال ٩/ ١٣٣). وقال البزارُ: ((مدنيٌّ، لا بأسَ به)) (المسند ١٥/ ٣٠٩)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٦/ ٣٠١). وقال الحاكمُ: ((من ثقات أهل المدينة، ممن يُجْمَع حديثه)) (سؤالات السجزي ١٩٢).
بينما قال أبو زرعة: ((إلى الصدق ما هو، وليس بذاك القوي)). وقال أبو حَاتمٍ: ((منكرُ الحديثِ، يُكتبُ حديثُهُ)) (الجرح والتعديل ٣/ ٤٧٧).
ولَخَّص حاله الحافظ بقوله: ((صدوقٌ له أوهامٌ)) (التقريب ١٩١٣).
وتابع ربيعةَ: عنبسةُ بنُ عبدِ الواحدِ، كما عند الحاكمِ في (المستدرك ٤٨١)، وغيره، من طريق محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، ثنا عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا عنبسة بن عبد الواحد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بُسْرةَ، أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ، فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)) قال: فأتيتُ بُسْرةَ فحدَّثتني كما حدَّثني مروانُ
стр. 9993
عنها أنها قالتْ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ ذلك. ورجاله ثقات إلابعض الكلام في الحضرمي، ومُشْكُدانة عبد الله بن أبان.
قلنا: أما اللفظُ الآخرُ- وهو قوله: ((فأنكرَ عروةُ، فسألَ بُسْرةَ فصَدَّقته)) - فرواه ابنُ حِبَّانَ في (الصحيح ١١٠٨)، والدارقطنيُّ في (السنن ٥٢٧)، وغيرُهُما، من طرقٍ عن شعيب بن إسحاق، قال: حدَّثني هشام بن عروة، عن أبيه، أن مَرْوانَ بنَ الحكمِ حدَّثه، عن بُسْرةَ بنتِ صفوان، أن النبيَّ ﷺ ، قال: ((إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ))، قال: فأنكرَ ذلك عروةُ فسألَ بُسْرةَ فصَدَّقته.
ورجاله ثقات؛ فإن شعيبًا ثقةٌ مأمونٌ، لم يُنْقَمْ عليه إلا الإرجاء ولم يؤثر في روايته.
قلنا: قد استدلَّ عليُّ بنُ المدينيِّ بهذه الرواية على تصحيح ما قال يحيى القطان عن هشام بن عروة؛ فقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: "سمعتُ عليَّ بنَ المدينيِّ، وذَكَر حديث شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة الذي يَذكر فيه سماع عروة من بُسْرةَ، فقال عليٌّ: هذا مما يدلُّك أن يحيى بن سعيد قد حفظ عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: أخبرتني بُسْرةَ".
ثم قال: "قال عليٌّ: فحدَّثني أبو الأسود حميد بن الأسود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بُسْرةَ بنت صفوان -وقد كانت صحبت النبي ﷺ أن النبيَّ ﷺ قال: ((إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ، فَلَا يُصَلِّيَنَّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)) فأنكرَ ذلك عروةُ، وسألَ بُسْرةَ فصَدَّقته. رواه الحاكمُ في (المستدرك ٤٨١)، وعنه البيهقيُّ في (السنن الكبير ١/ ٣٨٤).
قال الحاكمُ: ((ومنهم أبو الأسود حميد بن الأسود البصري، الثقة المأمون)).
стр. 9994
وتابعهما: المنذرُ بنُ عبدِ اللهِ الحِزَاميُّ، كما عند الدارقطنيِّ في (العلل ٩/ ٣٣٦)، والحاكمِ في (المستدرك ٤٨٠)، وغيرهما. والمنذرُ: ((مقبولٌ)) كما في (التقريب ٦٨٨٨).
وكذا تابعهما: عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي فروةَ، كما عندَ الدارقطنيِّ في (العلل ٩/ ٣٣٥)، وقال: ((مثل حديث شعيب بن إسحاق)).
فاختُلفَ على هشامٍ، أيّ اللفظين هو المحفوظ، هل هو بإثبات ((تاء الفاعل، سألتُ))، أم بإضمار الفاعل، هكذا: ((فَسَأَلَ)):
وثَمَّ فرقٌ بينَ اللفظينِ؛ إذ الأول يُثبتُ سؤال عروة لبُسْرةَ، ومشافهته لها. والثاني محتمل لأن يكون مروان هو الذي سأل. وهذا يدلُّ عليه رواية عبد الله بن أبي بكر عن عُرْوةَ، كما تقدَّمَ في أول الخلاف.
قال ابنُ دقيق العيد: ((ولتعلم أن رواية ربيعة بن عثمان وعنبسة ترجح في الدلالة على ما قصد من إثبات سماع عروة من بُسْرةَ على رواية شعيب والمنذر بن عبد الله. وقد ذكرنا لفظ رواية شعيب. ورواية المنذر ذكرها الحاكمُ بسنده عنه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بُسْرةَ بنت صفوان، عن النبيِّ ﷺ قال: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)). فأنكر عروةُ فسأل بُسْرةَ فصَدَّقته)) (الإمام ٢/ ٢٩٧).
قلنا: والذي نَراه راجحًا هو لفظ شعيب بن إسحاق ومَن تابعه، وأن المراد بقوله: ((سأل بُسْرةَ فصَدَّقته)) هو مروانُ؛ وذلك لأمور:
الأمر الأول: أن هذا هو المحفوظ في حديث عبد الله بن أبي بكر عن عُرْوةَ، كما سَبَقَ.
الأمر الثاني: أن اللفظَ الآخرَ رواه أربعة، معظمهم ثقات، بخلاف الأول.
стр. 9995
الأمر الثالث: أن هشامًا جاء عنه روايات تبين ذلك:
فروى البغويُّ في (حديث حماد ٥٥٩)، وابنُ أبي عاصمٍ في (الآحاد والمثاني ٣٢٣٤)، وغيرُهُما، من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، ((أن مَرْوانَ قال: يا شرطي، اذهبْ إلى بُسْرةَ فسلها، كيف سمعتْ رسولَ اللهِ ﷺ يقول في مَسِّ الذَّكرِ ... )) فذكر الحديث. وهذا هو
الوجه الرابع: عن هشام، عن أبيه، ((أن مَرْوانَ قال: يا شرطي، اذهبْ إلى بُسْرةَ فسلها ... )) كما تقدَّم.
وتابع حمادًا هشامُ بنُ حسانَ، كما عند الدارقطنيِّ في (العلل ٩/ ٣٣١).
وقد رواه غيرهما، فروى حديثَ عروة عن مروان عن بُسْرةَ، ثم إرسال مروان حارسًا إلى بُسْرةَ ليسألها. وهو الوجه الخامس.
الوجه الخامس: عن هشامٍ، عن أبيه: ((أنه كان عند مروان بن الحكم، فسُئل عن مَسِّ الذَّكَرِ، فلم يَرَ به بأسًا. قال: فبَعَثَ مروانُ بعضَ حرسه إلى بُسْرةَ بنتِ صفوان، فقال: ألستِ حدَّثتيني أن النبيَّ ﷺ قال: ((إِذَا مَسَّ الرَّجُلُ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، فَلَا يُصَلِّيَنَّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ))؟ ، فرجعَ، فقال: قالت: نعم)).
رواه الطبرانيُّ في (المعجم الكبير ٢٤/ رقم ٥٠٧)، والبيهقيُّ في (معرفة السنن ١٠٦٣)، وغيرُهُما، من طريق محمد بن أبي بكر المُقَدَّمي، ومحمد بن عبيد (واللفظ له)، قالا: ثنا حماد بن زيد، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، به.
قلنا: ولكن رواه الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٣١ - ٣٣٢)، والحاكمُ في (المستدرك ٤٧٧)، وغيرُهُما، من طريق سليمان بن حرب، ومحمد بن الفضل عارم، وخلف بن هشام (واللفظ له)، قالوا: ثنا حماد بن زيد، عن
стр. 9996
هشام بن عروة، ((أنَّ عُرْوةَ كَانَ عندَ مروانَ بنِ الحَكَمِ، فَسُئِلَ عن مَسِّ الذَّكرِ، فلم يَرَ به بأسًا، فَقَالَ عروةُ: إن بُسْرةَ بنتَ صفوان حدَّثتني أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: ((إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ إِلَى ذَكَرِهِ، فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)) فبَعَثَ مروانُ حرسيًّا إلى بُسْرةَ، فَرجَعَ الرَّسُولُ فقال: نعم. قال هشام: قد كان أبي يقولُ: ((إِذَا مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ فَرْجَهُ، فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)).
هكذا رواه الدارقطنيُّ والحاكمُ، فجعلا قوله: ((حدَّثتني بُسْرةَ)) من قولِ عروةَ. وهذا لا يصحُّ، فقدِ انفردَ بهذا القولِ خلفُ بنُ هشامٍ؛ ولذا قَرَن الحاكمُ روايته برواية سليمان بن حرب وعارم، وقال: (اللفظ له) أي: لخلف، وهو إن كان ثقةً فقد خالفه أربعة أثبات، وقد جاءتْ روايةُ المُقَدَّمي مُوافِقة لرواية محمد بن عُبيد، وعليها يُحمل لفظ ابن حرب وعارم، ويكون خلف هو المنفرد بهذا القول.
إلا أن يكون حمادٌ اضطربَ فيه؛ وذلك أنه ذَكَرَ الحديثَ بلفظٍ مخالفٍ لما رواه الأكثرُ، فقال: ((إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ إِلَى ذَكَرِهِ، فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ))، وهذا اللفظُ شاذٌّ؛ ولذا أفردناه بتخريجٍ وتحقيقٍ مستقلٍ، كما سيأتي.
وتابع حماد بن زيدٍ، على لفظ الجماعة: علي بن مسهر، ولكنه قال في روايته: إن بُسْرةَ حدَّثتْ مروان وعروة حاضر. ولم يُتابَع على هذا. وهو
الوجه السادس: رواه الطبرانيُّ في (المعجم الكبير ٢٤/ رقم ٥٠٦)، والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٣٧)، وغيرُهُما، من طريق علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ((أخبرني مروانُ بنُ الحَكمِ، عن بُسْرةَ بنتِ صفوان، قالتْ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ))، قال: فأنكرتُ عليه، فأَرْسَلَ إليها فحَدَّثَتْه عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وأنا حاضرٌ.
стр. 9997
وقوله: ((فحدَّثَتْه عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وأنا حاضرٌ)) شاذٌّ لا يصحُّ؛ إذِ انفردَ به ابنُ مُسْهرٍ، وهو وإن كان ثقةً إلَّا أن له غرائبُ كما قال الحافظُ في (التقريب ٤٨٠٠).
الوجه السابع: عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن مروانَ، عن بُسْرةَ، به.
رواه الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٣٧) من طريق هارون الحمال، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، قال: حدثنا داود بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عُرْوةَ، عن مروان، عن بُسْرةَ بنت صفوان، وكانت قد صحبت النبي ﷺ ، أن النبيَّ ﷺ ، قال: ((إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ، فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)).
قال هارونُ: "فذكرتُ هذا لأحمدَ بنِ حنبلٍ فقال: أرى لقولِ شعبةَ أصلًا، قال يحيى بنُ سعيد: قال شعبةُ: هشام بن عروة لم يسمعْ حديثَ مَسِّ الذَّكرِ من أبيه". ورجاله ثقات.
فاستدلَّ بهذه الرواية على عدم سماع هشام من أبيه، كما ذهبَ شعبةُ ومَن تابعه.
وكذا استدلَّ بها القُدُوري، فقال: ((فإن قالوا: رواه هشام بن عروة عن أبيه. قلنا: دَلَّسَ به. والصحيحُ: ما رواه هشام عن عبد الله بن أبي بكر عن عُرْوةَ)) (التجريد للقدوري ١/ ١٨٨).
وتابع داودَ العطار أبو أسامة، كما عند الدارقطنيِّ في (العلل ٩/ ٣١٥)، ولكن قال: ((والمحفوظُ: عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن مروانَ، عن بُسْرةَ. وليس فيه عبد الله بن أبي بكر)). وبنحوه قال الدَّاني في (الإيماء
стр. 9998
٤/ ٢٥١).
والاعتماد على طريق العطار، ولكن قال الحاكمُ: ((جئنا الآن إلى من يعلل هذا الحديث الثابت الصحيح بروايات واهية ...
- هشام بن عروة عن عبد الله بن أبي بكر عن عُرْوةَ رواية داود العطار، وهو واهمٌ فيه.
- وهشام بن عروة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عُرْوةَ فيما رُوِي من وجه غير معتمدٍ عن هشام بن عروة. فجميع هذه الروايات واهية. والحديثُ عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن بُسْرةَ- ثابتٌ صحيحٌ)). رواه البيهقيُّ في (الخلافيات ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩) عن الحاكمِ، به.
وما ذكره الحاكمُ من رواية هشام عن أبي بكر بن محمد عن عُرْوةَ هو الوجه الثامن.
الوجه الثامن: عن هشام، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ.
رواه ابنُ أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٣٢٣٣)، والطبرانيُّ في (الكبير ٢٤/ رقم ٥٠٤) من طريق حجاج، ثنا همام بن يحيى، عن هشام بن عروة، حدثني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)). ورجاله ثقات.
وبهذا يُتعقب على الحاكم إذ قال: ((فيما رُوي من وجهٍ غير معتمد)).
قال ابنُ دقيق العيد -ردًّا على الحاكم-: ((هذا إبهامٌ وعدمُ إيضاحٍ لجهالةِ
стр. 9999
الردِّ. وهذه الرواية أخرجها الطبرانيُّ عن علي بن عبد العزيز، عن حَجاج بن منهال، عن همام بن يحيى، عن هشام. وهؤلاء كلهم مُوثَّقُونَ في الروايةِ)) (الإمام ٢/ ٣٠٠).
وبنحوه قال ابنُ المُلقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ٤٦٢).
واستدلَّ الطحاويُّ بهذا الطريقِ على عدمِ سماعِ هشامٍ من أبيه، فقال: ((هشام بن عروة أيضًا لم يسمع هذا من أبيه؛ وإنما أخذه من أبي بكرٍ فدلَّس به عن أبيه))، ثم قال حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخَصِيبُ، قال: ثنا همام، عن هشام بن عروة، قال: حدثني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عُرْوةَ، بنحوه. وزاد فيه مروان. (شرح معاني الآثار ١/ ٧٣)، وانظر (نخب الأفكار ٢/ ٩١).
ولكن هذا الطريق فيه الخَصيب بن ناصح ((صدوقٌ يُخطئُ)) (التقريب ١٧١٧).
ولعلَّ هذا هو الذي ألجأ الحاكم إلى قوله المتقدم، ولكن الخصيب توبع من إمامٍ ثقةِ كما تقدَّمَ.
وأَعَلَّ هذا الوجه عن هشامٍ ابنُ سَيدِ النَّاسِ، فقال: ((لكنها مرجوحة بمخالفة الجَمِّ الغفير إيَّاها عن هشام بن عروة)) (النفح الشذي ٢/ ٢٧٣).
قلنا: وثَمَّ وجوهٌ أخرى عن هشامٍ، ولكنها شاذَّةٌ لا تصحُّ، وما ذُكر أقوى الوجوه عنه؛ ولذا أعرضنا عن غيرها.
وبسبب هذا الخلاف وما قيل فيه، ذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى القولِ باضطرابِ أسانيدِهِ:
قال ابنُ قتيبة الدِّينَوَرِيُّ: "فقد طَعَنَ آخرون في حديثِ بُسْرةَ، وضَعَّفُوهُ
стр. 10000
باختلافِ الألفاظِ فيه: فمرة مروانُ يقول: ((حدَّثتني بُسْرةَ))، ومرة: ((بَعَثَ إليها شرطيًّا يسألها، فأرسلتْ إليه معه بالجواب))، ومروان ليس كغيره. يقول لنا إسحاقُ: ((حديثُ بُسْرةَ أثبتُ الأحاديثِ في الوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكرِ))، وإذا كان مع هذا الاضطراب أثبت الأحاديث، فما ظنُّكَ بغيرِهِ؟ ! " (المسائل والأجوبة، صـ ٩٢).
وقال مسلم بن الحَجاج: ((لا يصحُّ في الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ حديثٌ عن النبيِّ ﷺ ، وأشارَ بيده مضطربة)). انظر (التجريد للقدوري ١/ ١٨٦).
وقال ابنُ المنذرِ: ((وقد اختُلِفَ في إسنادِ حديثِ عُرْوةَ)) وذَكَر الاختلافات في بعض طرقه، ثم قال: ((وقد تُكلِّمَ في هذا الإسنادِ)) (الأوسط ١/ ٣٠٣ - ٣٠٥).
وقال الطحاويُّ: ((فهذا حديثُ مُلازمٍ (١)، صحيح مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسنادِهِ ولا في متنه؛ فهو أَوْلى عندنا مما رويناه، فهو أَوْلى -عندنا- مما رويناه أولًا منَ الآثارِ المضطربة في أسانيدها)) (معاني الآثار ١/ ٧٦).
وقال أبو العباسِ الدَّاني: ((ورواه عن عُرْوةَ أيضًا أبو الأسودِ وغيرُهُ، وهو مستفيضٌ عنه، أُخْبِرَ به على وجوهٍ مختلفةٍ، فكثر الخلاف فيه حتى نُسِب الاضطرابُ إلى ناقليه ... )) (الإيماء ٤/ ٢٥٤).
стр. 10001
وقال ابنُ التركماني: ((الروايةُ فيه عنِ الزهريِّ مضطربةٌ)) (الجوهر النقي ١/ ١٢٨).
وقال بدرُ الدينِ العينيُّ: ((فالحديثُ ضعيفٌ لاضطرابِهِ)) (البناية شرح الهداية ١/ ٢٩٨)، و (نخب الأفكار ٢/ ٩٤).
قلنا: وقد حاولَ الدَّاني دفعَ هذا الاضطرابِ، فقال -بعد ذكر وجوه الاختلاف-: ((وليس هذا بخلاف، ولا فيه تناقض، وإنما هو بحسب نشاط المحدث وكسله، أو على ما يراه مِن أغراض سائليه)) (الإيماء ٤/ ٢٦٠).
وفي هذا ما فيه، فلا حاجةَ للتعقيبِ عليه.
قلنا: وقد رُوِي الحديثُ من طرقٍ عن عُرْوةَ من غيرِ طريقِ عبدِ اللهِ وهشامٍ، ولكنها طرقٌ ضعيفةٌ لا تصحُّ:
منها: ما رواه الترمذيُّ في (جامعه ٨٥) قال: حدثنا علي بنُ حَجرٍ، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، نحوه.
وإسنادُهُ ضعيفٌ، ابنُ أبي الزنادِ متكلَّمٌ في روايتِهِ خارج المدينة.
قال عليُّ بنُ المدينيِّ: ((ما حَدَّثَ بالمدينةِ فهو صحيحٌ. وما حَدَّثَ ببغدادَ أفسده البغداديون. ورأيتُ عبدَ الرحمنِ -يعني ابنَ مَهديٍّ- خَطَّط على أحاديث عبد الرحمن بن أبي الزناد. وكان يقول فى حديثه عن مشيختهم، ولَقَّنه البغداديون عن فقهائهم، عدهم، فلان وفلان وفلان)).
وقال أيضًا: ((حديثُه بالمدينةِ مقاربٌ، وما حَدَّثَ به بالعراقِ فهو مضطربٌ)).
وقال عمرو بن علي: ((فيه ضَعْفٌ، ما حَدَّثَ بالمدينةِ أصحُّ مما حَدَّثَ
стр. 10002
ببغدادَ، كان عبد الرحمن -يعني: ابنَ مَهْديٍّ- يَخُطُّ على حديثِهِ)).
وقال محمد بن سعد: ((قَدِم بغداد في حاجة له، فسمع منه البغداديون، وكان كثير الحديث، وكان يُضَعَّف لروايته عن أبيه)).
وقال زكريا بن يحيى الساجيُّ: ((فيه ضَعْفٌ، وما حَدَّثَ بالمدينةِ أصح مما حَدَّثَ ببغدادَ)). انظر (تهذيب الكمال ١٧/ ٩٩ - ١٠٠).
قلنا: وعليُّ بنُ حَجرٍ الراوي عنه سكن بغداد قديمًا، ثم انتقلَ إلى مرو، فنزلها واشتهر حديثُه بها. كما قال الخطيبُ البغداديُّ (تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٢).
ورواه ابنُ أبي الزناد مرة أخرى، فقال: عن هشام، عن أبيه، عن مروانَ، عن بُسْرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، مثله. رواه الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٧٣)، والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٣٣) من طريقين عنه.
ولعلَّ هذا الوجه هو الأرجح؛ فإن أحدَ رواته عنه هو عبد العزيز الأويسي، مدني.
ومنها: ما رواه الطحاويُّ في (معاني الآثار ١/ ٧٣)، والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٥٢) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوةَ، عن بُسْرةَ، به.
وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ لضَعْفِ ابنِ لهيعةَ وتدليسه وقد عنعن، واضطرابه، كما سيأتي، والخلاف في سماع عروة من بُسْرةَ كما تقدَّم، فالصحيحُ أن بينهما مروانَ بنَ الحَكمِ.
قال الطحاويُّ: ((كيف تحتجون في هذا بابنِ لهيعةَ، وأنتم لا تجعلونه حجة لخَصْمكم فيما يَحتج به عليكم؟ ! )) (معاني الآثار ١/ ٧٣)، وانظر (البناية
стр. 10003
شرح الهداية لبدر الدين العيني ١/ ٢٩٨)، و (نخب الأفكار ٢/ ٩٣).
ومنها: ما رواه ابنُ المقرئ في (معجمه ١٦٣)، والدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٥٣) من طريقين عن الليثِ قال: حدَّثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبيرِ، عن مروان بن الحكم، عن بُسْرةَ بنت صفوان، عن رسول الله ﷺ قال: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ)).
وفي إسنادِهِ عبد الحميد بن جعفر: وإن وَثَّقَهُ جماعةٌ، فقد قال ابنُ حِبَّانَ: ((ربما أخطأَ)) (الثقات ٧/ ١٢٢)، وقال الحافظُ: ((صدوق، رُمِي بالقدرِ، وربما وهم)) (التقريب ٣٧٥٦).
قلنا: ولم يسمعْه عبد الحميد من عروة؛ بينهما هشام بن عروة، كما رواه الطبرانيُّ في (المعجم الكبير ٢٤/ رقم ٥١١)، والدارقطنيُّ في (السنن ٥٣٦)، وغيرُهُ، من طريق محمد بن بكر البُرْساني، عن عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بُسْرةَ، بنحوه. وزاد فيها عبدُ الحميد زيادة سيأتي تحقيقها في تخريج مستقل، وهي قوله: ((أو أُنْثَيَيْهِ أو رُفْغَيْهِ)).
قلنا: ورواه أيضًا عن مروان غير عروة:
فرواه الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٥٣) من طريق بكر بن سهل، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا الهيثم بن حميد، قال: حدثنا ابن وهب، عن سليمان بن موسى، عن مروان بن الحكم، عن بُسْرةَ بنت صفوان، أن رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قال: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه بكر بن سهل الدمياطي، ضَعَّفَهُ النسائيُّ وغيرُهُ (لسان
стр. 10004
الميزان ٢/ ٣٤٤).
وسليمان بن موسى مختلفٌ فيه، ولَخَّصَ حالَه الحافظُ فقال: ((صدوقٌ فقيهٌ، في حديثِهِ بعض لين، وخولط قبل موته بقليلٍ)) (التقريب ٢٦١٦).
وروايتُه عن مروانَ مرسلةٌ، قال الدارقطنيُّ: ((ورُوِي عن سليمان بن موسى مرسلًا، عن مروان بن الحكم، عن بُسْرةَ)) (العلل ٩/ ٣٢٢).
قلنا: ورُوِي أيضًا عن بُسْرةَ من غيرِ طريقِ مروانَ، ولا يصحُّ:
رواه الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٥٣) من طريق سليمان التيمي، قال: ((بلغني أن مَرْوانَ بنَ الحَكَمِ أَرْسَلَ إلى بُسْرةَ يسألها عن مَسِّ الذَّكرِ، فقالتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وأَمَرنَا بالوُضُوءِ)).
وهذا إسنادٌ ضعيف لجهالةِ مَن بَلَّغَ سليمان. وأيضًا فيه جهالة رسول مروان إلى بُسْرةَ.
ورواه الدارقطنيُّ في (العلل ٩/ ٣٥٣) من طريق عِمَامَة بن عمرو، عن مِسْوَر بن عبد الملك، عن عثمان بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن بُسْرةَ بنت صفوان، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَالمَرْأَةُ كَذَلِكَ)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، ومتنٌ منكرٌ:
أما الإسنادُ، ففيه: مِسْوَر بن عبد الملك، "ليس بالقويِّ". قاله الأزديُّ (لسان الميزان ٨/ ٦٥). وشيخه عثمان بن عطاء "ضعيف" (التقريب ٤٥٠٢).
وأما المتنُ: فقوله: ((وَالمَرْأَةُ كَذَلِكَ))، وسيأتي لها تحقيقٌ مستقلٌ.
قلنا: وثَم طرقٌ أُخرى عن بُسْرةَ، سيأتي تحقيقها في الروايات الآتية.
стр. 10005
الأمر الرابع مما طُعن به هذا الحديث: الطعن في راوية الحديث، وذلك من ستةٍ أوجهٍ:
الأول: أنها امرأةٌ، وحديثُ النساءِ إلى الضعفِ ما هو، مع عدم استقلال المرأة في الشهادة.
الثاني: عدم اشتهارها.
الثالث: الاختلاف في نسبها، هل هي أسدية أم كنانية؟ مما يدلُّ على جهالتها.
الرابع: أن عروةَ لم يَرفع بحديثها رأسًا.
الخامس: انفرادها بحكم تعمُّ به البلوى، وهذه ريبةٌ توجبُ التوقف في قَبوله.
السادس: مخالفتها أكثر الصحابة، وما رُوِي عن رسول الله ﷺ من ترك الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكَرِ.
ونذكرُ أقوالَ مَن طعنَ على بُسْرةَ بما تقدَّم، ثم نجيبُ عنها بما وقعَ لنا مِن كلامِ أهلِ العلمِ- على النحوِ التالي:
قال ربيعةُ الرأي -شيخ الإمام مالك-: ((وَيْحَكُمْ! مِثل هذا يأخذ به أحد، ونعمل بحديث بُسْرةَ؟ ! واللهِ لو أن بُسْرةَ شهدتْ على هذه النعلِ، لَمَا أجزتُ شهادتها! إنما قِوَام الدين الصلاة، وإنما قِوام الصلاة الطهور! فلم يكن في صحابة رسول الله ﷺ مَن يقيم هذا الدين إلا بُسْرةَ؟ ! )).
أسندَهُ الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٧١) من طريق ابن وهب، قال: أخبرني ابن زيد، عن ربيعة، به.
стр. 10006
قال الخزرجيُّ -معلقًا على كلام ربيعة-: ((ولَعَمْري إنه صادقٌ فيما قال! لأن هذا حُكمٌ (يتعلق) بالرجالِ، فكيف تختص بروايتِهِ امرأةٌ؟ ! هذه تهمة توجب التوقف.
وقَبول الصحابة ﵃ خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين- لا يناقضُ ما قلناه؛ لأنه حُكْم مشترك بين الرجال والنساء، وحديث التقاء الختانين ثبتَ في الصحيح عن أبي هريرة، وعكسه عن عثمانَ، وحديث عائشة ﵂ كان مُرجِّحًا لا مُثْبِتًا)) (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب ١/ ١٢٢)، وبنحوه قال العينيُّ في (نخب الأفكار ٢/ ٨٣).
وقال محمدُ بنُ الحسنِ الشيبانيُّ: ((والذي لا اختلافَ فيه عندنا أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ، وعبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، وعمَّارَ بنَ ياسرٍ، وحذيفةَ بنَ اليمانِ، وعمرانَ بنَ حُصينٍ ﵃ لم يَرَوا في مَسِّ الذَّكَرِ وُضُوءًا. فأين هؤلاء من بُسْرةَ بنة صفوان؟ ! وهل ذكرتموه عن أحد غيرها ... فكيف نترك حديث هؤلاء كلهم واجتماعهم على هذا على حديث بُسْرةَ بنة صفوان، امرأة ليس معها رجل، والنساء إلى الضعف ما هن في الرواية.
وقد أخبرتْ فاطمةُ بنتُ قيسٍ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ أن زوجها طلقها ثلاثًا، فلم يجعلْ لها رسول الله ﷺ سُكنى ولا نفقة. فأبى عمرُ ﵁ أن يقبلَ قولها، وقال: مَا كُنَّا لنجيز في دِيننا قول امْرَأةٍ، لا نَدْرِي أَحفظتْ أو نَسِيتْ!
فكذلك بُسْرةَ بنة صفوان، لا نُجَوِّز قولها مع مَن خالفها من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ) (الحجة على أهل المدينة ١/ ٦٠، ٦٤ - ٦٥).
وقال ابنُ قتيبةَ الدِّينَوَريُّ: ((وبُسْرةَ أَوْلى بأن يُضَعَّف الحديث بها؛ لأنها امرأة، وقد جعلَ اللهُ شهادة امرأتين شهادة رجل ... )) إلى أن قال: ((وحديث
стр. 10007
بُسْرةَ ليس عليه إلا ابن عباس وعدد يسير)) (المسائل والأجوبة، صـ ٩٠).
وقال أيضًا: ((لأنا لا نجدُ في وُضُوءِ الصلاةِ من مَسِّ الذَّكرِ حجة من كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا نظرٍ، فنحنُ على الأصلِ، ومعنا جُلة المهاجرين والأنصار والتابعين، وأكثر فقهاء المسلمين المتقدمين.
ولستُ مُستغنيًا بمذهبك إن بَطَل حديث بُسْرةَ عن حديث تشده به أصح منه، ولستَ تجده على ما ذكره إسحاق إلا أوهى وأضعف)) (المسائل والأجوبة (المسائل والأجوبة، صـ ٩٦).
وقال إبراهيمُ الحربيُّ -في كتاب العلل-: ((حديث بُسْرةَ يرويه شرطي (١) عن شرطيٍّ عن امرأةٍ)) (التحقيق لابنِ الجوزيِّ ١/ ١٨١)، و (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٥٣٥).
وقال الطحاويُّ: ((وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا وضوءَ فيه. واحتجوا في ذلك على أهل المقالة الأُولى، فقالوا: في حديثكم هذا أن عروةَ لم يَرفع بحديثِ بُسْرةَ رَأْسًا. فإن كان ذلك لأنها عنده في حالِ مَن لا يؤخذ ذلك عنها، ففي تضعيف مَن هو أقل من عروة بُسْرةَ ما يَسقط به حديثها، وقد تابعه على ذلك غيره)) (شرح معاني الآثار ١/ ٧١).
وأسندَ الطحاويُّ عن عباسِ بنِ عبدِ العظيمِ العنبريِّ يقول: سمعتُ عليَّ بنَ المدينيِّ يقول: ((حديثُ ملازمٍ هذا أحسن من حديث بُسْرةَ)).
فإن كان هذا الباب يؤخذُ من طريقِ الإسنادِ واستقامته، فحديثُ ملازم هذا، أحسن إسنادًا)) (شرح معاني الآثار ١/ ٧٦).
стр. 10008
وذَكَر ابنُ منده في كتابه أن عمرو بن علي الفلاس قال: ((حديثُ قيسٍ أثبتُ من حديثِ بُسْرةَ)) (الإمام لابن دقيق العيد ٢/ ٢٦٧).
وقال أبو بكرٍ الجصاصُ: ((قد بينا أن شرطنا في قَبول الأخبار من طريق الآحاد- أن لا يكون بالناس إليه حاجة عامة، وأن ما عمَّت البلوى به لا يَكِل النبيُّ ﷺ علمه إلى الخاصةِ وإلى الأخبارِ الشاذةِ.
وإنما نقبلُ روايات الآحاد في الشيءِ الخاصِّ الذي يُبتلى به خواصٌّ منَ الناسِ، فيجيبُ النبيُّ ﷺ فيه على حَسَب ورود الحادثة ... ولم يَثبتْ عن أحدٍ من علماءِ السلفِ، وعلية الصدر الأول- إيجاب الوضوء من مَسِّ الذَّكرِ.
فإن قيل: قد كان ابنُ عمرَ ﵁ يرى ذلك.
قيل له: قد كان ابنُ عمرَ مُصَعِّبًا على نفسِهِ في أمرِ الطهارةِ، وكان يَتَوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ ومما غَيَّرتِ النارُ، ويُدْخِلُ الماءَ في عينيه في الوضوءِ. فجائزٌ أن يكونَ فَعَلَ ذلك على عادتِهِ المعروفة في التشديد في أمر الطهارة، وعلى جهة الاحتياط.
وابنُ عمرَ ﵁ إنما أَخَذَ ذلك عن بُسْرةَ ﵂.
وقد عَلِمَ ابنُ عباسٍ برواية بُسْرةَ، فلم يلتفتْ إليها. وكذلك عامة مَن حكى عنه من الصحابة نفي الوضوء من مَسِّ الذَّكرِ، قد سمعوا حديث بُسْرةَ فلم يلتفتوا إليه، ولم يعملوا به غير ابن عمر ﵁) (شرح مختصر الطحاوي ١/ ٤٠١).
وقال القدوري: ((وعن سعيد بن منصور قال: حديث بُسْرةَ لا يساوي بعرة. فهذا طَعُن الأئمة عليه. وخبر الواحد لو سَلِم من الطعن لم يُقبل عندنا فيما
стр. 10009
تعمُّ به البلوى، فمع الطعن أَوْلى)) (التجريد ١/ ١٨٧).
وقال البزدويُّ: ((صارَ المتواترُ يوجبُ علم اليقين. والمشهور عِلْم طُمأنينة. وخبر الواحد علم غالب الرأي. والمستنكر منه يفيد الظن، وإن الظن لا يُغني من الحَقِّ شيئًا. والمستتر منه في حيز الجواز للعمل به دون الوجوب. والله أعلم.
ومثال المستنكر: مثل حديث فاطمة بنت قيس، أن النبيَّ ﵇ لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، فقد ردَّه عمرُ ﵁ فقال: لا نَدَعُ كتاب ربنا ولا سُنة نبينا ﷺ بقول امراة، لا ندري أصدقت أم كذبت، أحفظت أم نسيت! !
قال عيسى بن أبان: فيه أنه أرادَ بالكتابِ والسنةِ: القياس. وقد ردَّه غيره من الصحابة أيضًا.
وكذلك حديث بُسْرةَ بنت صفوان في مَسِّ الذَّكَر)) (أصول البزدوي، صـ ١٦٣)، وانظر (كشف الأسرار، لعلاء الدين البخاري ٢/ ٣٩١).
وقال السرخسيُّ: ((وأما القسم الثالث -وهو الغريبُ فيما يعم به البلوى، ويَحتاج الخاص والعام إلى معرفته للعمل به- فإنه زيف؛ لأن صاحب الشرع كان مأمورًا بأن يبين للناس ما يحتاجون إليه، وقد أَمَرهم بأن ينقلوا عنه ما يَحتاج إليه مَن بعدهم.
فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى، فالظاهر أن صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمهم، وأنهم لم يتركوا نقله على وجه الاستفاضة. فحين لم يشتهر النقل عنهم عَرَفنا أنه سهو أو منسوخ. ألا ترى أن المتأخرين لما نقلوه اشتهر فيهم؟ ! فلو كان ثابتًا في المتقدمين لاشتهر أيضًا وما تفرَّدَ الواحدُ بنقله مع حاجة العامة إلى معرفته ... وعلى هذا الأصل لم نعمل
стр. 10010
بحديث الوضوء من مَسِّ الذكر؛ لأن بُسْرةَ تفرَّدتْ بروايتِهِ مع عموم الحاجة لهم إلى معرفته.
فالقول بأن النبيَّ ﵇ خصَّها بتعليم هذا الحكم، مع أنها لا تحتاج إليه، ولم يَعلم سائر الصحابة مع شدة حاجتهم إليه- شبه المحال)) (أصول السرخسي ١/ ٣٦٨).
وانظر (كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري ٣/ ١٨)، حيثُ قالَ: (( ... ومثل حديث مَسِّ الذَّكرِ الذي روته بُسْرةَ؛ فإنه شاذٌّ لانفرادها بروايتِهِ مع عموم الحاجة إلى معرفته؛ فدلَّ ذلك على زيافته؛ إذ القول بأن النبيَّ ﵇ خصَّها بتعليم هذا الحكم، مع أنها لا تحتاج إليه، ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة الحاجة إليه- شبه المحال، كذا ذكر شمس الأئمة ﵀).
وقال السرخسي أيضًا: ((وما بال رسول الله ﷺ لم يقلْ هذا بين يدي كبارِ الصحابةِ حتَّى لم ينقلْه أحدٌ منهم، وإنما قاله بين يدي بُسْرةَ، وقد كان رسول الله ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا؟ ! )) (المبسوط ١/ ٦٦).
وقال المازَري -في عرض الآراء حول خبر الواحد إذا خالف ما تعم به البلوى-: ((فإذا تحققتَ أن من الأقسامِ ما يُقطع بكذبه إذا جاءَ آحادًا، وأردتَ أمثلة لهذا مما يقع الإشكال فيه، هل يلحق بهذه النقل عن الرسول ﷺ حكم من الأحكام، تعم البلوى به، وتمس الناس حاجة إلى العلم بحكمه، ويتكرر عليهم ما يقتضي السؤال عن حكمه كمس الذكر، فإنه مما يتكرر ويكثر في جملة الناس.
فإذا رَوَى واحدٌ أن النبيَّ ﷺ أَمَرَ بالوضوءِ من مَسِّه، ولم يُسمعْ ذلك إلَّا من هذا الواحد؛ لم يُعمل به لكون انفراده بهذا ريبة لعموم حاجة الناس
стр. 10011
كلهم إلى معرفة حكم هذا، وكثرة نزوله بهم. فمن حَقِّه أن يعلمه جميعهم أو أكثرهم، وينقلون ما سمعوا به. فإذا لم ينقلوا أو نقله واحد لا أكثر دونهم، استريب خبره ولم يصح العمل به، لا سيما إذا كان الراوي لنا امرأة بخبر مَسِّ الذَّكرِ، فإن الناقلَ عن النبيِّ ﷺ بالوضوءِ منه بُسْرةَ، وهي امرأةٌ لا حاجةَ لها في معرفة ذلك، ولا يصحُّ أن يخصَّ المرأة بذكرِ أحكام ذكور الرجال دون أن يعلم بذلك الرجال)) (إيضاح المحصول من برهان الأصول، صـ ٥٢٣).
وقال ابنُ العربي: ((قال أصحابُ أبي حنيفةَ: لا يُقبل خبر بُسْرةَ ونظرائها في هذا الباب لوجهين:
أحدهما: أن هذا حديث يُروى عن امرأةٍ، والحكمُ معلَّق بالرجالِ، فكيفَ يختص برواية النساء؟ ! وهذه تهمةٌ توجب التوقف وريبة ربما أثرت في التحصيل.
وثانيهما: أن هذه مسألة يعم بها البلوى، وما تعم به البلوى فيه دليلٌ على ضَعْفِهِ)) (عارضة الأحوذي ١/ ١١٧).
وقال أبو العباسِ الدَّاني: ((وقد طعنَ فيه قومٌ من ثلاثةِ أوجهٍ ... والثالث: انفراد بُسْرةَ به من بين سائرِ الصحابةِ على كثرتهم؛ إذ لم يأتِ عن غيرِها من وجهٍ لا مطعنَ فيه، وهو مما تعم به البلوى. قالوا: وما كان كذلك لم تنفردْ به امرأةٌ لا سيما وهو من أحكامِ الرجالِ)) (الإيماء ٤/ ٢٦٢ - ٢٦٥).
وقال الحازميُّ: ((وقال بعضُ من ذهبَ إلى الرخصة ... قال: وأما بُسْرةُ فغيرُ مشهورةٍ، واختلافُ الرُّواةِ في نسبها يدلُّ على جهالتها؛ لأن بعضَهم يقول: هي كِنانية. وبعضُهم يقول: أسدية. ثم لو قَدَّرنا انتفاء الجهالة عنها ما كانت
стр. 10012
أيضًا توازي طَلْقًا في كثرةِ روايته؛ إذ قلة روايتها تدلُّ على قلةِ صحبتها. ثم اختلاف الرواة في حديثها يدلُّ على ضَعْفِ حديثها، ثم حديثُ النساءِ إلى الضعفِ ما هو!
قالوا: وقد روينا عن عليِّ بنِ المدينيِّ، ومحله من هذا الشأن ما قد عُرِف- أنه قال ليحيى بنِ مَعِينٍ: كيف تتقلدُ إسناد بُسْرةَ، ومروان أرسلَ شرطيًّا حتى ردَّ جوابها إليه؟ !
وروينا عن أبي حفص الفلَّاسِ أنه قال: حديثُ قيسِ بنِ طَلْقٍ عندنا أثبتُ من حديثِ بُسْرةَ)) (الاعتبار، صـ ٤٢ - ٤٣).
وقال القرافيُّ: ((وأورد الحنفيةُ على حديثِ بُسْرةَ عَشَرة أسئلة ...
وثالثها: أن ربيعةَ شيخ مالك ﵀ قال: لو شَهِدَتْ بُسْرةَ في بَقْلة ما قَبِلْتُها.
وسادسها: أن الرجلَ أَوْلى بنقله من بُسْرةَ.
وسابعها: أنه مما تعم به البلوى، فينبغي أن يُنقل مستفيضًا، ولما لم يكن كذلك دَلَّ على ضَعْفِهِ.
وثامنها: إنكار أكابر الصحابة ﵃ لحكمه؛ كعليٍّ وابنِ مسعودٍ، فيقولُ عليٌّ: ما أبالي مسستُه أو مسستُ طرف أنفي. ويقولُ ابنُ مسعودٍ: إن كان شيءٌ منك نجسًا فاقطعه.
وعاشرها: أنه مُعارَضٌ بحديثِ طَلْقٍ، والقياسُ على سائرِ الأعضاءِ)) (الذخيرة ١/ ٢٢٢).
وقال بدرُ الدينِ العينيُّ: ((وقد يقال: إن بُسْرةَ غيرُ مشهورةٍ لاختلافِ الرُّواةِ في نسبها؛ لأن بعضَهم يقولُ: هي كنانية. وبعضُهم يقول: هي أسدية. ولو
стр. 10013
سَلِم عدم جهالتها فليستْ تُوازي طَلْقًا في شهرته وكثرة روايته وطول صحبته. وبالجملة فحديثُ النساءِ إلى الضعفِ لا يُوازي حديث الرجال)) (شرح سنن أبي داود ١/ ٤٢٨).
وقال أيضًا: ((وأيضًا: إن عروةَ لم يرفعْ بحديث بُسْرةَ رأسًا. يعني لم يعتبره ولم يلتفتْ إليه؛ وذلك إما لكون بُسْرةَ عنده ممن لا يوجد مثل ذلك الحكم عنها، وذلك لكونها انفردتْ بهذه الرواية مع عموم الحاجة إلى معرفته، وما بال رسول الله ﷺ لم يقلْ هذا بين يدي كبار الصحابة، ولم ينقله أحدٌ منهم؟ ! إنما قاله بين يدي بُسْرةَ، وقد كَانَ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا ... )) (البناية شرح الهداية ١/ ٢٩٩)، وانظر (نخب الأفكار ٢/ ٨١).
وقال -في (نخب الأفكار ٢/ ٨٢) -: ((ومع هذا كله يخالف حديثُ بُسْرةَ ما رُوي عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعمرانَ بنِ حُصينٍ، وحذيفةَ بنِ اليمانِ، وأبي الدرداءِ، وعمارِ بنِ ياسرٍ، وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، وأبي أمامةَ، وسعيدِ بنِ المُسيَّبِ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ، وربيعةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وسفيانَ الثوريِّ، وجماعةٍ أخرى.
فهل يَسَع للمُنْصِفِ في دينه أن يتركَ قولَ هؤلاءِ الأعلامِ منَ الصحابةِ الأجلاء ومِنَ التابعين العظماء، ويعمل بحديثِ بُسْرةَ الذي لما جرى أمره في زمن مروان بن الحكم، وشاورَ مَن بقي من الصحابة في زمانه، قالوا: لا نَدَعُ كتاب ربنا ولا سُنة نبيه بقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت؟ ولهذا قال ربيعة: والله لو شَهِدَتْ بُسْرةَ على هذا النعل لما أجزتُ شهادتها)).
قلنا: هذه أهم الطعون التي طُعِن بها على بُسْرةَ، ويجابُ عن هذه الطعون بما يلي:
стр. 10014
أما الأمر الأول: فالقولُ بأنها امرأة لا يضرُّ إذ ثبتتْ صحبتها، وهذه لا يختلف أهل العلم فيها، ولم يُنْكِر أحدٌ فيما وقفنا عليه ذلك، ونَقْلُ النساءِ والرجال سُنة رسول الله ﷺ واحد، وإلا رددنا سننًا كثيرة انفردَ بها أزواجُ رسولِ اللهِ ﷺ .
وقد احتجَّ الشافعيُّ على من يقول: (حديث امرأة) بقوله: ((فقلتُ: تَرُدُّ حديث بُسْرةَ بنت صفوان مُهاجِرة معروفة بالفضل- بأن تقول: (حديث امرأة) وتحتجُّ بحديثِ امرأة ليست عندك منها معروفة أكثر من أن زوجها روى عنها؟ ! )) (الأم ٤/ ٧٤).
قال المازريُّ: ((واعتلالهم بأن بُسْرةَ امرأةٌ لا يَحْسُنُ خصوصها بذكرِ هذا دون الرجال- جوابه أنه من الممكنِ أن يكونَ المخاطبُ رجالًا سمعتِ الخطابَ لهم، ثم افترقوا واندرسوا قبل النقل واختُرِموا دونه، أو لهم عذرٌ مما تقدمتِ الإشارةُ إليه)) (إيضاح المحصول من برهان الأصول، صـ ٥٢٥ - ٥٢٦).
وقال ابنُ العربيِّ: ((إن هذا الحكمَ متعلقٌ بالرجالِ فلا يُقبلُ فيه النساء.
فنقول: فإن كان حكم يُقبل فيه النساء كان مختصًّا بهن أو عامًّا، قال الله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾. ...... وقد قبلت الصحابة حديث عائشة في التقاء الختانين، ونُسِخ به ((المَاءُ مِنَ المَاءِ)) وهو حديث امرأة. وهذا أعظم فإنه نُسِخ بحكم مستقر. وحديث مس الذكر لم يَنسخ شيئًا ... )) (عارضة الأحوذي ١/ ١١٧).
وقال -في (القبس شرح موطأ مالك بن أنس، صـ ١٦٥) -: ((وأعجبُ من هذا ما حَكَاهُ الدارقطنيُّ أيضًا عن أحمدَ بنِ حَنبلٍ ويحيى بنِ مَعِينٍ، أنه
стр. 10015
ليس في مَسِّ الذَّكرِ حديثٌ صحيحٌ! ! مع أنهم يتلون حديث مالك، ﵁، عن بُسْرةَ! إلا إن مالوا إلى طريق المعنى وقالوا بقول أبي حنيفة، بأن قولَ بُسْرةَ -وهي امرأةٌ- في مثل هذه النازلة التي تتعلق بالرجال ولا يرويها أحد سواها- بعيدٌ.
وهذا قولٌ ضعيفٌ؛ لأن الله تعالى لم يُرِد أن يُجري السُّنةَ مُجرى القرآن حتى يتولى حفظها كما تولى حفظه. وإنما أرادَ تعالى أن يكون القرآنُ محفوظًا نصًّا معلومًا قطعًا. وأن تكون السنةُ يلتقطها الرواة التقاطًا، ويؤخذ من كلِّ أحد ما سَمِع منه، حتى من النساء والرجال؛ ولذلك قال تعالى. ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ الآية، فما اجتمع من السُّنة اجتمع، وما خفي منها في وقتٍ سيظهر في وقتٍ آخر. بل كان كثير من الصحابة يقبضون أنفسهم عن ذكرها.
فلا تستبعدوا -بَصَّركم اللهُ تعالى- والحالة هذه أن تَضبطَ امرأةٌ ما يفوتُ رجلًا، وأن يَذكر امرؤ ما نَسِي آخر))، وانظر (المسالك ٢/ ١٧٩ - ١٨٠)، و (أحكام القرآن ٣/ ٥٧٢ - ٥٧٣).
وقال أبو العباسِ الدَّاني عن قول ربيعة: ((ذكره الطحاويُّ في معاني الآثار، وفيه غلوٌ)) (الإيماء ٤/ ٢٦٦).
وقال أيضًا: ((والجواب عن هذا أن يقالَ: إن الصحابةَ كلهم ذَكَرهم وأُنثاهم محمولون على العدالة والصدق؛ لاختيار الله تعالى إياهم، وثناءه عليهم ... إلى أن قال: فما نقله واحدٌ منهم عنه ﷺ وجبَ قَبوله. وعلى هذا جمهورُ السلفِ إلا مَن شَذَّ)) (الإيماء ٤/ ٢٦٧ - ٢٧٠).
وقال ابنُ الجوزيِّ: ((وما حكوه عن الحربيِّ فبعيدٌ؛ لأن قولَه: (عن امرأة)