والظاهرُ أنه اعتمد في نسبة ذلك إلى ابنِ مَعِينٍ على ما رواه من طريق محمد بن زكريا المقدسي، عن مُضَر بن محمد، أنه قال لابنِ مَعِينٍ بشأن أحاديث مَسِّ الذَّكَرِ: ((إن أبا عبد الله، أحمد بن حنبل يقول: أصح حديث فيه حديث الهيثم بن حميد عن العلاء عن مكحول عن عنبسة عن أم حبيبة ... )) (التمهيد ١٧/ ١٩٣).
ولكن ابن زكريا المقدسي هذا لم نجدْ لَهُ ترجمةً.
وقد رُويت عن مُضَر من وجهٍ آخرَ، فيه مخالفة لسياقة المقدسي هذا، وسيأتي التنبيه عليها قريبًا.
- أبو زرعة الرازيُّ؛ فقد نَقَل الترمذيُّ عنه أنه قال: ((حديثُ أمِّ حبيبةَ في هذا البابِ صحيح، وهو حديث العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة)) (جامع الترمذي ١/ ٣٢٨).
وقال الترمذيُّ أيضًا: ((سألتُ أبا زرعة عن حديث أم حبيبة فاستحسنه، ورأيته كأنه يَعُده محفوظًا)) (العلل الكبير، صـ ٤٩).
ولذا قال ابنُ حَجرٍ: ((وأما حديث أم حبيبة فصَحَّحَهُ أبو زرعة)) (التلخيص ١/ ٢١٧).
ورَوَى ابنُ أبي حَاتمٍ عن أبي زرعةَ خلافَ ذلك كما سيأتي.
- الحاكم؛ حيثُ قال: ((هذا حديثٌ حَدَّثَ به أحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهويه، ويحيى بنُ مَعِينٍ، وأئمةُ الحديثِ، عن أبي مسهر. وكان يحيى بنُ مَعِينٍ يُثبتُ سماعَ مكحولٍ من عنبسةَ، فإذا ثَبَتَ سماعه منه فهو أصحُّ حديثٍ في الباب)) (الخلافيات ٢/ ٢٧٥/ ٥٥٣).
ولذا قال ابنُ حَجرٍ: ((صَحَّحَهُ الحاكمُ)) (التلخيص ١/ ٢١٧ بتصرف).
стр. 10187
* ومع هذا، فقد أُعِلَّ إسنادُ هذا الحديثِ بالانقطاعِ:
فقال ابنُ مَعِينٍ: ((قال أبو مسهر: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، ولا أدري أدركه أم لا)) (تاريخ ابن مَعِينٍ، رواية الدوري ٥١٨٦)، ورواه الطحاويُّ عن أبي مسهر واعتمده (شرح معاني الآثار ١/ ٧٥).
وقال هشامُ بنُ عمارٍ: ((لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان)) (المراسيل ٧٩٠).
وقال البخاريُّ: ((مكحول لم يسمع من عنبسة)) (علل الترمذي، صـ ٤٩).
وقال النسائيُّ: ((مكحول لم يسمع من عنبسة شيئًا)) (السنن الصغرى ٣/ ٥٢٢).
وكذا قال أبو حَاتمٍ وأبو زرعةَ وغيرُهُما، وأعلوا الحديث بالانقطاع، وهاك أقوال من أعلَّوه بذلك:
- الإمامُ ابنُ مَعِينٍ -وفي ثبوته عنه نظر-، رواه علي بن عبد الله بن الفضل البغدادي، ثنا إبراهيم بن محمد بن خالد الحربي، ثنا مُضَر بن محمد قال: ((سألتُ يحيى بنَ مَعِينٍ عن مَسِّ الذَّكَرِ، أيُّ شيءٍ أصح فيه من الحديث؟ )) وفيه: ((قلتُ: فإن الإمامَ أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ يقول: ((أصح حديث فيه حديث العلاء، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة))؟ قال: هذا أضعفها. قلت: وكيف؟ ! قال: مكحول لم يسمع من عنبسة شيئًا)). قال ابنُ دَقيقٍ: ((نقلته من الجزء الثاني من منتقى أبي الحسن الدارقطني على ابن الفضل، وعليه سماع إبراهيم بن سعيد الحبال الحافظ)) (الإمام ٢/ ٣٠٣).
قلنا: وإبراهيم بن محمد الحربي هذا لم نجدْ لَهُ ترجمةً. وقد سَبَقَتْ هذه
стр. 10188
الحكاية عن مضر من وجهٍ آخرَ بخلاف هذا، وراويها أيضًا لم نجدْ مَن ترجمه!
وقد ذَكَر ابنُ عبدِ الهادِي نحو هذه القصة من وجهٍ آخرَ، ثم قال: ((وقد رُوِي نحو هذا عن يحيى من وجهٍ آخرَ، وفي صحته نظر)) (التنقيح ١/ ٢٧١).
فالظاهرُ أنه يشيرُ إلى هذا الوجهِ، فأما الوجهُ الذي ذكره هو فسيأتي عن ابنِ الجوزيِّ أنه نفى ثبوته، وأن ابنَ حَجرٍ أقرَّهُ عليه.
- الإمامُ البخاريُّ، نَقَل عنه الترمذيُّ أنه قال: ((لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، وروى مكحول عن رجل عن عنبسة غير هذا الحديث)).
قال الترمذيُّ: ((وكأنه لم يَرَ هذا الحديثَ صحيحًا)) (جامع الترمذي ١/ ١٣٠).
وقال أيضًا: ((وسألتُ محمدًا عن هذا الحديثِ فقال: مكحول لم يسمع من عنبسة، روى عن رجل، عن عنبسة، عن أم حبيبة: ((مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً)) (علل الترمذي ١/ ٤٩).
وأقرَّهُ ابنُ الجوزيِّ في (التحقيق ١/ ١٨١)، وابنُ عبدِ الهادِي في (تنقيح التحقيق ١/ ٢٦٥)، وابنُ العربي في (العارضة ١/ ١١٧) وابنُ التركماني في (الجوهر النقي ١/ ١٢٩).
- أبو حَاتمٍ الرازيُّ، قال: ((روى ابن لهيعة في هذا الحديثِ مما يوهن الحديث، أي: تدل روايته أن مكحولًا قد أدخل بينه وبين عنبسة رجلًا)) (العلل لابن أبي حَاتمٍ ١/ ٥٢١ - ٥٢٢).
وأقرَّهُ ابنُ عبدِ الهادِي في (تنقيح التحقيق ١/ ٢٧٠).
стр. 10189
وحديثُ ابنِ لهيعةَ المذكور في كلامه هو نفس الحديث الذي استَدل به البخاريُّ على قوله آنفًا.
فقد قال ابنُ أبي حَاتمٍ: ((وسألتُ أبي عن حديث رواه النعمان بن المنذر، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبيِّ ﷺ قال: ((مَنْ حَافَظَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ))؟ فقال أبي: لهذا الحديثِ علةٌ؛ رواه ابنُ لهيعة، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن مولى لعنبسة بن أبي سفيان، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبيِّ ﷺ . قال أبي: هذا دليلٌ أن مكحولًا لم يَلْقَ عنبسةَ، وقد أفسده روايةُ ابن لهيعة). قلتُ لأبي: لِمَ حكمتَ برواية ابن لهيعة، وقد عَرَفتَ ابنَ لهيعة وكثرةَ أوهامِه؟ ! قال أبي: في رواية ابن لهيعة زيادةُ رجل، ولو كان نقصان رجل، كان أسهل على ابن لهيعة حفظه)) (العلل ٢/ ٤٢٥/ س ٤٨٨).
- أبو زرعة الرازيُّ، فقد قال ابنُ أبي حَاتمٍ: ((سُئِلَ أبو زرعة عن حديث أم حبيبة في مَسِّ الفَرْجِ، فقال: مكحول لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان شيئًا)) (المراسيل ١/ ٢١٢).
وهذا خلاف ما نقله عنه الترمذي آنفًا! !
قال مغلطاي: ((وأما قول أبي زرعة إن حُمِل على التناقض، فيكون ظهر له أحد القولين بعد الآخر. وإن حُمِل على أنه عنده صحيح محفوظ مع انقطاعه، فقد يتأتى ذلك في كلامهم لكن بضميمة أخرى مشعرة بالمقصود. وكذا ما حُكي عن ابنِ مَعِينٍ)) (شرح ابن ماجه ١/ ٥٥٠).
- الطحاويُّ؛ حيث قال -عقبه-: ((حديثٌ منقطعٌ؛ لأن مكحولًا لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان شيئًا)) (شرح معاني الآثار ١/ ٧٥).
стр. 10190
- ابنُ السَّكَنِ، ولكنه مَرَّضه، فقال: ((لا أعلمُ في حديث أم حبيبة علة، إلا أنه قيل: إن مكحولًا لم يسمعه من عنبسة)) (التمهيد ١٧/ ١٩٣)، و (شرح ابن ماجه ١/ ٢٤٠)، و (التلخيص ١/ ٢١٧).
- الخليليُّ، لكنه مَرَّضه أيضًا، فقال: ((يقال: إن عنبسة لم يسمعه من أم حبيبة)) (الإرشاد ٢/ ٤٦٦).
- الذهبيُّ؛ حيثُ قال -عقبه-: ((الهيثمُ حافظٌ له مناكير، ومكحول عن عنبسة منقطع)) (التنقيح ١/ ٦١).
- البوصيريُّ؛ حيث قال: ((هذا إسنادٌ فيه مقال؛ مكحول الدمشقي مدلسٌ، وقد رواه بالعنعنة، فوجبَ ترك حديثه، لا سيما وقد قال البخاريُّ، وأبو زرعةَ، وهشامُ بنُ عمارٍ، وأبو مسهرٍ، وغيرُهُم: إنه لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان. فالإسنادُ منقطعٌ)) (مصباح الزجاجة ١/ ٦٩).
وأقرَّهُ السنديُّ في (الحاشية ١/ ١٧٧).
وخالف في ذلك أئمة آخرون، فأثبتوا سماع مكحول من عنبسة، ومنهم:
* الحافظ دُحَيْم، وهو أعرف الناس بحديث الشاميين كما في (التلخيص ١/ ١٢٤).
* وأقرَّ سماعه منه مَرْوان بن محمد الطاطَري؛ قال محمد بن زرعة الرُّعَيْني: ((سألتُ مروانَ بنَ محمدٍ عن مكحولٍ، سمع من عنبسة بن أبي سفيان؟ فلم ينكر ذلك)) (تاريخ أبي زرعة ١/ ٢٣٨)، و (المحدث الفاصل ١/ ٤٤٤).
* وأثبته أيضًا ابنُ مَعِينٍ فيما نقله عنه الحاكمُ كما سَبَقَ. وانظر (البدر المنير ٢/ ٤٦٤).
стр. 10191
* وتصحيح أحمد لحديثه هذا يقتضي أنه سمع منه.
ولذا قال الخَلَّالُ: ((ولو لم يكن عند أبي عبد الله أن مكحولًا سمع من عنبسة، لم تتواتر عنه الرواية بتصحيح حديث أم حبيبة)) (شرح ابن ماجه ١/ ٥٤٩).
* وصَحَّحَ ابنُ عبدِ البرِّ ثبوتَ السماعِ، فقال: ((قد صَحَّ عند أهل العلم سماع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، ذَكَر ذلك دُحَيْم وغيرُهُ)) (التمهيد ١٧/ ١٩٤).
وتقدَّمَ نقله تصحيح أحمد وابن مَعِينٍ للحديث، وإقراره لهما.
*وقال النوويُّ في ترجمته: ((سمع جماعات من التابعين ... )) وذَكَر منهم عنبسة بن أبي سفيان (تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١١٣).
وقد ذكره النوويُّ في قسم الصحيح من أحاديث الباب (خلاصة الأحكام ٢٦٨).
*ورجَّحَ صحته مغلطاي فقال: ((والذي يترجَّحُ من هذه الأقوال قول أحمد ومَن تابعه؛ وذلك أن المُضَعَّف إنما ضَعَّفُوهُ بسبب الانقطاع، وقد بينا قول من أثبت سماع مكحول من عنبسة، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النافي" (شرح ابن ماجه ١/ ٥٥٠).
* والظاهر من كلام الحافظ ميله إلى القول بالتصحيح؛ حيث قال: ((أما حديث أم حبيبة فصَحَّحَهُ أبو زرعةَ والحاكمُ، وأعلَّهُ البخاريُّ بأن مكحولًا لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان. وكذا قال يحيى بنُ مَعِينٍ، وأبو زرعة، وأبو حَاتمٍ، والنسائيُّ: إنه لم يسمعْ منه. وخالفهم دحيمٌ وهو أعرف بحديث الشاميين، فأَثْبَتَ سماعَ مكحول من عنبسةَ. وقال الخَلَّالُ في (العلل): صَحَّحَ أحمدُ
стр. 10192
حديثَ أم حبيبة)) (التلخيص ١/ ٢١٧).
وظاهر كلامه في (الدراية ١/ ٣٨) على العكس من ذلك!!
* وقال الألبانيُّ: ((الحديثُ صحيحٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنه إن لم يصح بهذا السند فهو شاهد جيد لما ورد في الباب من الأحاديث)) (إرواء الغليل ١/ ١٥١).
وكذا صَحَّحَهُ أحمد شاكر في تعليقه على (جامع الترمذي ١/ ١٣٠/ الحاشية ٤).
وانظر في الكلام على هذا الحديثِ رسالة (الحديث الحسن) للدكتور خالد الدريس (١/ ١٨٢)، فله عليه كلام بديع ممتع.
هذا، وقد ذَكَر البخاريُّ لهذا الحديثِ علةً أُخرَى، فقال: ((وروى الهيثم بن حميد، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبيِّ ﷺ في مَسِّ الذَّكَرِ، ويرونه وهمًا؛ لأن النعمان بن المنذر قال: عن مكحول أن ابن عمر -مرسل- كان يتوضَّأ منه)) (التاريخ الكبير ٧/ ٣٦ - ٣٨).
[تنبيهات]:
الأول: أخطأَ الزيلعيُّ على الترمذيِّ، فزعمَ أنه قال: ((قال محمد: أصحُّ شيءٍ سمعتُ في هذا البابِ حديث العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة)) (نصب الراية ١/ ٥٧).
وكذا نقله العينيُّ في (شرح أبي داود ١/ ٤٢٠)، والظاهرُ أنه أخذه عن الزيلعيِّ.
стр. 10193
والصواب أن الترمذي نقل عن البخاري تضعيفه كما تقدم، وليس العكس.
الثاني: ورد عن ابنِ مَعِينٍ تضعيف حديث مَسِّ الذَّكَرِ مطلقًا. فقال ابنُ عبدِ الهادِي: ((وروى أبو بكر الرازيُّ، عن أبي الحسن الكَرْخي، عن أبي عون الفرائضي قال: سمعتُ عباسًا الدوريَّ قال: سمعتُ يحيى بنَ مَعِينٍ يقول: ثلاثة أحاديث لا تصح عن النبيِّ ﷺ ... ((وَمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)))) (التنقيح ١/ ٢٧٠).
قلنا: ذَكَره ابنُ الجوزيِّ مختصرًا، ثم قال: ((إن هذا لا يَثبتُ عن ابنِ مَعِينٍ، وقد كان من مذهبه انتقاض الوضوء بمسه)) (التحقيق ١/ ١٨٢). وأقرَّهُ ابنُ حَجرٍ في (التلخيص ١/ ٢١٥).
وقال ابنُ عبدِ الهادِي: ((وقد رُوِي نحو هذا عن يحيى من وجهٍ آخرَ، وفي صحته نظر)) (التنقيح ١/ ٢٧١).
وقد تقدم بيان هذا في حديث بسرة.
الثالث: قال أبو زيد الدبوسي في كتاب (الأسرار): ((كان أحمد يقول بصحة هذا الحديث، ثم وجده مرسلًا؛ لأن مكحولًا لم يَلْقَ عنبسة))، نَقَله مغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ٥٥٠)، ثم ردَّهُ بأن قال: ((ذلك قولٌ شَاذٌّ، لم يروه أحدٌ من أصحابه عنه فيما رأينا))، وأيضًا ((فليس فيه تصريح برجوعه عن قوله)) (شرح ابن ماجه ١/ ٥٥٠).
الرابع: من المعلوم أن مكحولًا كان كثير الإرسال، يَروي عن جماعة من الصحابة وغيرهم ولم يَلْقَهم، ولا يُعْرَف مكحول بتدليس إلا ما ذكره ابن حِبَّانَ في (الثقات) بقوله: ((ربما دلَّسَ)).
стр. 10194
وذكره العلائيُّ في (فصل المدلسين)، فقال: ((مكحول الدمشقي ذكره الحافظ الذهبيُّ بالتدليس، وهو مشهور بالإرسال عن جماعة لم يلقهم)) (جامع التحصيل صـ ١١٠ - رقم ٥٣).
قلنا: وهذا لا يوجد في كلام أحد من النقاد المتقدمين فلعلَّ ابنَ حِبَّانَ عَنى به إرساله عمن لم يلقه، كما هو معروف في اصطلاحاته.
وقال ابنُ حَجرٍ: ((أطلق الذهبيُّ أنه كان يدلس، ولم أره للمتقدمين إلا في قول ابنِ حِبَّانَ! ! )) (طبقات المدلسين ١٠٨).
وقال سبط ابنُ العجمي: ((مكحول الدمشقي ذكره ابنُ حِبَّانَ في ثقاته، ولفظه: ((ربما دَلَّسَ))، وهو مشهورٌ بالإرسالِ عن جماعةٍ لم يلقهم)) (التبيين ١/ ٥٦).
فكأنَّ هولاء الأعلام لم يُقِروا القول بتدليسه، ولعلَّه لذلك لم يصفه الحافظ بالتدليس في (التقريب ٦٨٧٥).
وموقف الأئمة من هذا الحديثِ يدل على ذلك، فإن محط الخلاف بينهم هو: هل ثبت سماع مكحول من عنبسة أم لا؟
فمَن قال به صحح الحديث رغم كونه بالعنعنة!
ومَن قال بعدم السماع أعلَّ الحديثَ به، ولم يعتل واحد منهم بتدليس أو عنعنة، فتنبه.
فالذي نراه -والعلم عند الله- أن مكحولًا لا يصحُّ وصفه بالتدليس الذي مقتضاه البحث عن ذكر السماع في كلِّ خَبرٍ يرويه، بل إذا ثبت سماعه من شيخه بنصِّ إمامٍ أو بتصريحٍ صَحَّ عنه في أية حديث أو خبر؛ قُبلتْ روايته عنه ولو بالعنعنة، ولا يُتوقف إلا فيما ثبت فيه عدم لقائه لهذا الشيخ أو عدم
стр. 10195
سماعه منه.
وبهذا يُعْلَم الجواب عن إشارةِ البوصيريِّ إلى تدليسه كسبب يُعَلُّ به هذا الحديثُ. والله الموفق.
стр. 10196
٢٣١٦ - حَدِيثُ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ:
◼ عَنْ قَيْسِ بنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ (فَرْجَهُ) فَلْيَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: ضعيفٌ منكرٌ من هذا الوجهِ.
[التخريج]:
[طب (٨/ ٤٠١ - ٤٠٢/ ٨٢٥٢) / صحا ٣٩٧٠/ عتب (صـ ٤٦ - والرواية له)].
[السند]:
أخرجه الطبرانيُّ في (الكبير) -ومن طريقه أبو نعيم في (المعرفة)، والحازميُّ في (الناسخ والمنسوخ) - قال: حدثنا الحسن بن علي الفسوي، حدثنا حماد بن محمد، حدثنا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طَلْق، عن أبيه، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيف؛ فيه ثلاثُ عِللٍ:
العلةُ الأُولى: ضَعْفُ أيوب بن عتبة؛ قال ابنُ حَجرٍ: ((ضعيف)) (التقريب ٦١٩).
لاسيما حديثه في العراق، حيث لم تكن معه كتبه، فكان يُحَدِّثُ من حفظه على التوهم فيغلط، كما قال أبو حَاتمٍ، وأبو زرعةَ، وغيرُهُما منَ الأَئمةِ. انظر (تهذيب التهذيب ١/ ٤٠٨ - ٤٠٩).
قلنا: والراوي عنه حماد بن محمد الفَزَاري: كوفي سكن بغداد، كما في
стр. 10197
(تاريخ بغداد ٩/ ١٦).
العلةُ الثانيةُ: ضَعْفُ حماد بن محمد الفزاري؛ قال صالح بن محمد الأسدي: ((ضعيف)) (تاريخ بغداد ٩/ ١٧)، وذَكَره العُقيليُّ في (الضعفاء ١/ ٥٥٠) فقال: ((حماد بن محمد الفزاري عن أيوب بن عتبة، ولم يصح حديثه، ولا يُعْرَف إلا به))، ثم أسند له حديثًا بنفس الإسناد عن طلق: ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ ... )) ثم قال: ((ليس له أصل من حديث قيس بن طلق، ولا جاء به إلا هذا الشيخ))، وقال ابنُ عبدِ الهادِي: ((وهو حديثٌ غريبٌ، وفي إسنادِهِ حماد بن محمد الحنفي وأيوب بن عتبة، وهما ضعيفان" (التنقيح ١/ ٢٧٤).
العلةُ الثالثةُ: المخالفة؛ فقد خالفَ حمادَ بن محمد جماعةٌ كبيرة في متنه، وهم:
١) حماد بن خالد، عند أحمد (١٦٢٨٦).
٢) أبو النضر هاشم بن القاسم، عند أحمد (٣٩/ ٤٦٠/ الجزء المستدرك).
٣) أبو داود الطيالسي في (مسنده ١١٩٢).
٤) علي بن الجعد، عند البغوي في (الجعديات ٣٢٩٩)، وعنه ابن عدي في (الكامل ٢/ ٢٠٤)، وابن شاهين في (الناسخ ١٠٢).
٥) محمد بن الحسن في (الموطأ ١٣).
٦، ٧، ٨، ٩) الأسود بن عامر، وخلف بن الوليد، وأحمد بن يونس، وسعيد بن سليمان، عند الطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ٧٦/ ٤٦٠).
١٠) أسد بن موسى، عند الطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ٧٥/ ٤٥٧).
стр. 10198
١١) حَجاج بن محمد الأعور، عند الطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ٧٥/ ٤٥٨)، وتمام في (الفوائد ١٤٩٣).
١٢) عاصم بن علي، عند ابن عدي في (الكامل ٢/ ٢٠٤).
١٣) آدم بن أبي إياس، عند تمام -أيضًا- في (الفوائد ١٤٩٤).
جَمِيعُهُمْ: عن أيوبَ بنِ عُتْبَةَ، عن قيسِ بنِ طَلْقٍ، عن أبيه، بلفظِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيَتَوَضَّأُ أَحَدُنَا إِذَا مَسَّ ذَكَرَهُ؟ قَالَ: ((إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ)).
ولذا قال ابنُ عبدِ الهادِي: ((والمشهورُ عن أيوبَ بنِ عتبةَ خلاف ما رواه عنه حماد)) (تعليقة على علل ابن أبي حات، صـ ٨٨).
قلنا: وبهذا اللفظِ رواه جماعةٌ عن قيس بن طلق، كما سيأتي في (باب ترك الوضوء من مس الذَّكَرِ).
وحاول الطبرانيُّ الجمعَ بين الحديثين، فقال -عقب هذا الحديثِ-: ((لم يَرْوِ هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد، وقد روى الحديث الآخر حماد بن محمد، وهما عندي صحيحان، ويشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي ﷺ قبل هذا، ثم سمع هذا بعد، فوافق حديث بُسْرةَ، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، ... وغيرهم، ممن روى عن النبيِّ ﷺ الأمرَ بالوضوءِ من مَسِّ الذَّكَرِ، فسَمِع المنسوخ والناسخ)) (المعجم الكبير ٨/ ٤٠٢).
وذَكَر هذا الكلامَ مختصرًا أبو نُعيمٍ والحازميُّ.
قلنا: ضَعْفُ الإسنادِ يغنينا عن ذلك التكلف.
٦٧٠) / قط ٥٣٢ (والزيادة له) / سكن (إتحاف ١٤/ ٣٥٨) / ناسخ ١١٢، ١١٣/ أصبهان (٢/ ٧٢) / هق ٦٤٨ (مختصرًا) / هقع ١٠١٤، ١٠١٦/ هقخ ٥٢١ - ٥٢٦/ هقش (١/ ٣١٢) / بغ ١٦٦/ عتب (صـ ٤١) / معقر ١٢٦١/ الخلال (مغلطاي ١/ ٥٥٩) / ضح (٢/ ١٢) / متفق ٣٦٨/ جيه ٤١/ شيو ٢٠٨/ منده (أمالي ١٣٦) / تمهيد (١٧/ ١٩٥، ١٩٦) / عتبي (١/ ٧٧) / ضحة (طهارة ق ١١/ أ) / تحقيق ١٧٨/ ضياء (مرو ق ١٤٢/ أ) / تنقيح (١/ ٢٧٢) / مغلطاي (١/ ٥٦٠) / نفح (٢/ ٢٧٦)].
تخريج السياقة الثانية: [ك ٤٨٥ (واللفظ له) / عد (٤/ ١٣٠) / هق ٦٣٣ (والرواية له ولغيره) / هقخ ٥١٩، ٥٢٠/ فق (٢/ ٨٩)].
[التحقيق]:
مدار هذا الحديث على سعيد بن أبي سعيد المقبري، وُروي عنه من طريقين:
الطريق الأول:
رواه الشافعيُّ في (مسنده ٥٨)، و (الأم ٥١) -ومن طريقه ابن المنذر في (الأوسط ١٠٣)، والبغويُّ في (شرح السنة ١٦٦)، والبيهقيُّ في (معرفة السنن ١٠١٤) -، قال: أخبرنا سليمان بن عمرو ومحمد بن عبد الله، عن يزيد بن عبد الملك الهاشمي، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به.
ورواه أحمدُ (٨٤٠٤)، والبزارُ (٨٥٥٢)، والدارقطنيُّ في (السنن ٥٣٢)، والطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٧٤)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ١٠/ ٦٧٠)، وغيرُهُم، من طرقٍ عن يزيد بن عبد الملك الهاشمي النوفلي، عن المقبري، عن أبي هريرة، به.
стр. 10201
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: يزيد بن عبد الملك النوفلي الهاشمي، وهو ضعيف واهٍ شبه متروك؛ فضَعَّفَهُ أحمدُ بنُ حنبلٍ، وابنُ مَعِينٍ -في أكثر الروايات عنه-، وأبو زرعةَ، والدارقطنيُّ، ... وغيرُهُم. وقال البخاريُّ: ((لَيَّنه يحيى))، وقال أحمدُ أيضًا: ((عنده مناكير))، وقال البخاريُّ: ((أحاديثُه شبهَ لا شيء))، وضَعَّفَهُ جدًّا.
وقال أبو زرعةَ -في موضعٍ آخر-: ((واهي الحديث)) وغَلَّظ فيه القول جدًّا، وقال أبو حَاتمٍ: ((ضعيفُ الحديثِ، منكرُ الحديثِ جدًّا))، وقال النسائيُّ: ((متروكُ الحديثِ))، وقال مرة: ((ليس بثقة))، وقال أحمدُ بنُ صالحٍ المصريُّ: ((ليس حديثه بشيءٍ))، وقال ابنُ عَدِيٍّ: ((عامة ما يرويه غير محفوظ)).
وشَذَّ ابنُ سعدٍ فوَثَّقَهُ. وقال ابنُ مَعِينٍ -في روايةِ الدارميِّ-: ((ما كان به بأس))، ونحوه قال أحمد في رواية الفضل بن زياد، عند يعقوب الفسوي في (المعرفة والتاريخ ١/ ٤٢٧).
ومع هذا قال ابنُ عبدِ البرِّ: ((أجمع على تضعيفه))! ، وتبعه عبد الحق فقال: ((لا أعلم أحدًا وَثَّقَهُ))! وتعقبهما الحافظُ فقال: ((ليس ذاك بجيد)) (تهذيب التهذيب ١١/ ٣٤٧ - ٣٤٨).
وبه أعلَّهُ بعضُ العلماءِ.
قال البزارُ -عقبه-: ((وهذا الحديثُ لا نعلمُه يُروى عن أبي هريرة بهذا اللفظِ إلا من هذا الوجهِ. ويزيد بن عبد الملك لَيِّن الحديث)) (المسند ١٥/ ١٨٠).
وقال الطحاويُّ: ((قيل لهم: يزيد هذا عندكم منكرُ الحديثِ، لا يسوي حديثه شيئًا فكيف تحتجون به؟ ! )) (شرح معاني الآثار ١/ ٧٤)، وتبعه العينيُّ
стр. 10202
في (نخب الأفكار ٢/ ١٠٣).
وقال ابنُ عَدِيٍّ: ((وهذا الحديثُ يُعْرَف بيزيد بن عبد الملك، عن سعيد المقبري)) (الكامل ١٠/ ٦٧٠).
وقال البيهقيُّ: ((وهكذا رواه معن بن عيسى وجماعة من الثقات، عن يزيد بن عبد الملك، إلا أن يزيد تكلموا فيه)) (السنن الكبرى ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤).
وبه ضَعَّفَ الحديثَ: ابنُ الجوزيِّ في (التحقيق ١/ ١٨١) -وتبعه الذهبيُّ في (تنقيح التحقيق ١/ ٦٠) -، والهيثميُّ في (المجمع ١٢٦٥)، وابنُ حَجرٍ في (الدراية ١/ ٣٩).
وقال ابنُ وضاح: ((هذا حديثٌ لا يصحُّ)) (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٥٥٨ - ٥٦٠).
وأُعِلَّ هذا الطريق بعلةٍ أخرى، وهي الانقطاع بين يزيد بن عبد الملك وسعيد المقبرى، وأن الواسطة بينهما رجل متروك.
فقد رواه الشافعيُّ في (سنن حرملة) كما في (المعرفة ١٠١٥) -ومن طريقه البيهقيُّ في (المعرفة ١٠١٦)، و (الخلافيات ٥٢٤) -، قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن أبي موسى الحناط (١)، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة به.
ورواه الخطيبُ في (الفقيه والمتفقه) من طريق يعقوب بن حميد، عن ابن نافع، به.
стр. 10203
ورواه الطبرانيُّ في (الأوسط ٨٨٣٤) من طريق خالد بن نِزَار، عن يزيد، به.
قال الطبرانيُّ: ((لم يُدخِلْ أحدٌ ممن روى هذا الحديث في إسنادِهِ بين يزيد بن عبد الملك وسعيد المقبري- أبا موسى الحناط، وهو عيسى بن أبي عيسى، إلا خالد بن نزار)).
قلنا: بل تابعه عبد الله بن نافع كما رواه الشافعيُّ وغيرُهُ.
والحناط هذا متروك كما في (التقريب)، وذَكَر ابنُ مَعِينٍ أنه مجهول، ففي (سؤالات مضر بن محمد)، قال: ((سألتُ يحيى بنَ مَعِينٍ عن مَسِّ الذَّكَرِ، أيّ شيء أصح فيه من الحديث؟ قال يحيى بنُ مَعِينٍ: لولا حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر ... لقلتُ: لا يصحُّ فيه شيء. فقلتُ له: وحديث أبي هريرة؟ قال: رواية يزيد بن عبد الملك، عن سعيد المقبري، وقد أدخلوا بينهما رجلًا مجهولًا. (الإمام لابن دقيق ٢/ ٣٠٣)، و (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٥٥٩ - ٦٠٠).
وقال ابنُ دقيق: ((وأبو موسى الحناط -بالحاء المهملة والنون- هو الذي أشار يحيى بنُ مَعِينٍ في حكاية مضر عنه، حيثُ قال: وقد أدخلوا بينهما رجلًا مجهولًا. ثم قال: فإذا جرينا على الطريقة المشهورة عادت هذه الزيادة بالنقص؛ لأنها تدلُّ على الانقطاع فيما بين يزيد بن عبد الملك وسعيد، والداخل بينهما مجهول، وهذا الحكم مشروط بثبوت الزيادة)) (الإمام ٢/ ٣٠٨).
ثم أَخَذ يبين ثقة ابن نافع الذي زاد هذا المتروك في الإسناد، وكأنه يميلُ إلى ثبوتِ الزيادةِ، ولكنه أتبع ذلك بنقل عن أحمد يشكك في ثبوت هذه
стр. 10204
الزيادة، فقال: ((وقال الأثرمُ: قلتُ لأبي عبد الله: حديث (أبي هريرة في مَسِّ الذَّكَرِ) (١) قد أدخلوا بين يزيد بن عبد الملك وبين المقبري رجلًا. قال: مَن؟ قلت: أبو موسى الحناط. قال: مَن [قال] (٢) هذا؟ قلت: عبد الله بن نافع. قال: الصائغ؟ قلت: نعم. قال: ذلك لم يكن يَحفظ الحديث، كان الغالب عليه الرأي. وأما أبو سعيد مولى بني هاشم فقال: عن يزيد بن عبد الملك، قال: سمعت سعيد المقبري، وقال: لا أبعد أن يكون هذا من هذا الشيخ، يزيد بن عبد الملك؛ فإنه يروي أحاديث مناكير)) (الإمام ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، و (شرح ابن ماجه ١/ ٥٥٩).
وقد أجاب الشافعي أيضًا عن هذه العلة؛ فقال -في رواية حرملة-: ((رَوَى حديث يزيد بن عبد الملك عدد، منهم: سليمان بن عمرو، ومحمد بن عبد الله بن دينار، عن يزيد بن عبد الملك، لا يذكرون فيه أبا موسى الخياط. وقد سمع يزيد بن عبد الملك من سعيد المقبري)) (معرفة السنن والآثار ١٠١٧).
وقال ابنُ سَيدِ النَّاسِ -بعد ذكر أقوال العلماء في تضعيف يزيد النوفلي-: ((فالحديثُ مضعفٌ بالنوفلي إذًا، وقد أُعِل أيضًا بالانقطاع بين النوفلي وسعيد المقبري؛ فإنه ذُكِر عن يحيى بنِ مَعِينٍ أنه قال: سقطَ بينهما رجلٌ)) (النفح الشذي ٢/ ٢٧٥).
ثم ذَكَر كلام الشافعي وأحمد السابقين، وقال: ((فإذا جمعت إلى كلام الشافعي هذا شهرة الحديث من طريق النوفلي عن سعيد بغير واسطة، وقول
стр. 10205
أحمد في ابن نافع مثبت الواسطة، كان الغالب عليه الرأي، ولم يكن الحديث من شأنه؛ حصل من مجموع ذلك تقوية قول من قال بصحته)) (النفح الشذي ٢/ ٢٧٨).
قلنا: وقد توبع يزيد بن عبد الملك، ولكنها متابعة شاذة لا تصح:
فأخرجه ابنُ حِبَّانَ في (صحيحه ١١١٣)، وكذا في كتاب (الصلاة) -كما في (البدر المنير ٢/ ٤٧٢) -، والطبرانيُّ في (الأوسط ١٨٥٠)، و (الصغير ١١٠)، والبيهقيُّ في (الخلافيات ٥٢٣)، وابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد ١٧/ ١٩٥)، وغيرُهُم، من طرقٍ عن أحمد بن سعيد الهَمْداني، قال: حدثنا أصبغ بن الفرج، قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن يزيد بن عبد الملك، ونافع بن أبي نُعيم القاري، عن المقبري، عن أبي هريرة، به.
وأسقط بعضهم منه يزيد، فصار عن نافع وحده!
فرواه البيهقيُّ في (الخلافيات ٥٢١) عن أبي حازم الحافظ، ثنا أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الجرجاني، ثنا عمران بن موسى بن فَضَالة الموصلي، ثنا أحمد بن سعيد الهمذاني، ثنا أصبغ بن الفرج، ثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نُعيم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به.
وهذا معلولٌ بروايةِ البيهقيِّ له في (الخلافيات ٥٢٣) عن القاضي أبي عمر محمد بن الحسين، ثنا أبو إسماعيل خلف بن أحمد بن العباس، ثنا عمران بن موسى بن فَضَالة الموصلي، ثنا أحمد بن سعيد -يعني الفِهْري- ثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن يزيد بن عبد الملك النوفلي ونافع بن أبي نعيم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به.
فهذه الرواية عن عمران بالجمع بين يزيد ونافع هي الصواب، إلا أنه
стр. 10206
سقط منها ((أصبغ))، والمحفوظ ذِكره، وقد رواه جماعة عن أحمد بن سعيد عن أصبغ به بالجمع بينهما كما سَبَقَ.
وهذا إسنادٌ ظاهره الحُسْن؛ ولذا صَحَّحَهُ جمعٌ منَ العلماءِ:
قال ابنُ حِبَّانَ -عقبه-: ((احتجاجنا في هذا الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد بن عبد الملك النوفلي؛ لأن يزيد بن عبد الملك تبرأنا من عهدته في كتاب الضعفاء)) (الصحيح ٢/ ٢٨٩).
وقال أيضًا -في كتابه ((وصف الصلاة بالسنة)) بعد أن أخرجه-: ((هذا حديثٌ صحيحٌ سندُهُ، عدولٌ نَقَلَتُه" (البدر المنير ٢/ ٤٧٢).
وقال ابنُ السكن: ((هذا الحديثُ من أجودِ ما رُوِي في هذا البابِ لرواية ابن القاسم له عن نافع (بن) (١) أبي نعيم. وأما يزيد فضعيف)) (التمهيد ١٧/ ١٩٥).
ولذا قال ابنُ العربي: ((صَحَّحَ ابنُ السكنِ حديثَ أبي هريرة)) (عارضة الأحوذي ١/ ١١٨).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: ((كأن هذا الحديثَ لا يُعْرَف إلا ليزيد بن عبد الملك النوفلي هذا، وهو مُجتمَعٌ على ضَعْفِهِ، حتى رواه عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك، عن نافع بن أبي نعيم القاري. وهو إسناد صالح إن شاء الله، وقد أثنى ابنُ مَعِينٍ على عبد الرحمن بن القاسم في حديثه ووَثَّقَهُ. وكأن النسائيَّ يثني عليه أيضًا في نقله عن مالك لحديثه. ولا أعلمهم يختلفون في ثقته، ولم يَرْوِ هذا الحديث عنه عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك
стр. 10207
إلا أصبغ بن الفرج)) (التمهيد ١٧/ ١٩٥).
كذا قال هنا، مع أنه قال -قبل ذلك بأسطر-: ((وأما الذين رووا عن النبيِّ ﷺ منَ الصحابة في مَسِّ الذَّكَرِ؛ مثل رواية بُسْرةَ وأم حبيبة: فأبو هريرة، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، ولكن الأسانيد عنهم معلولةٌ)) (التمهيد ١٧/ ١٩٤).
وقال الحازميُّ: ((وإذا اجتمعتْ هذه الطرق دلتنا على أن هذا الحديثَ له أصلٌ من رواية أبي هريرة)) (الاعتبار ١/ ٢٢٤).
ونَقَل النوويُّ عن الحافظِ عبدِ الحَقِّ أنه قال: ((هو صحيح)) (خلاصة الأحكام ١/ ١٣٤).
وقال ابنُ الصلاح: ((هذا الحديثُ رواه الشافعيُّ عن جماعةٍ، في إسنادِهِ بعض الشيء، لكن ذكر البيهقيُّ له طرقًا، فالتحق بمجموع ذلك بنوع الحسن الذي يُحتجُّ به)) (البدر المنير ٢/ ٤٧١).
وقال النوويُّ: ((وفي إسنادِهِ ضَعْفٌ، لكنه يُقَوَّى بكثرة طرقه)) (المجموع ٢/ ٣٥).
ومال إلى تصحيحه: ابنُ دقيق العيد في (الإمام ٢/ ٣٠٥ - ٣١١)، وابنُ المُلقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ٤٦٩ - ٤٧٢)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ٥٥٨ - ٥٦٠).
وقال الشيخُ الألبانيُّ: ((وإسنادُ ابنِ حِبَّانَ جيدٌ)) (السلسلة الصحيحة ٣/ ٢٣٨).
وأما الحافظ ابنُ حَجرٍ فقال: "يزيدُ ضعيفٌ، ونافعٌ فيه لِينٌ" (الدراية ١/ ٣٩).
стр. 10208
قلنا: ولكن في تصحيح هذا الطريق نظر كبير؛ فقد رواه عبد الرحمن بن القاسم واختُلف عليه:
فرواه البيهقيُّ في (الكبرى ٦٤٨)، و (الخلافيات ٥٢٢)، والضياءُ في (المنتقى من مسموعات مرو- ق ١٤٣٤ أ) من طريق عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا يحيى بن بُكير، ثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، به.
فلم يذكر فيه نافع بن أبي نعيم.
ويحيى بن عبد الله بن بكير مختلفٌ فيه؛ فقد تَكلَّمَ فيه ابنُ مَعِينٍ، وأبو حَاتمٍ، والنسائيُّ. وتَكلَّم بعضُهم في سماعه من مالك خاصة. وفي المقابل: احتجَّ به الشيخان في صحيحيهما. وأثنى ابنُ مَعِينٍ وابنُ عَدِيٍّ ... وغيرُهُما على روايته عن الليثِ. ووَثَّقَهُ ابنُ حِبَّانَ، وابنُ قانعٍ، والخليليُّ. وقال الساجيُّ: ((صدوق))، وقال الدارقطنيُّ: ((عندي ما به بأس)). انظر (تهذيب التهذيب ١١/ ٢٣٦ - ٢٣٧).
ولما تَكلَّم فيه النسائيُّ، قال الذهبيُّ -معقبًا عليه-: ((هذا جَرْحٌ مردودٌ، فقد احتجَّ به الشيخان، وما علمتُ له حديثًا منكرًا حتى أورده)).
وقال أيضًا: ((كان غزيرَ العلمِ، عارفًا بالحديثِ وأيام الناس، بصيرًا بالفتوى، صادقًا، دَيِّنًا، وما أدري ما لاح للنسائي منه حتى ضَعَّفَهُ)) (سير أعلام النبلاء ١٠/ ٦١٤).
وقال أيضًا: ((ولم يَقبل الناس من النسائيِّ إطلاق هذه العبارة في هذا، ولا الذي قبله، كما لم يقبلوا منه ذلك في أحمد بن صالح المصري)) (تاريخ الإسلام ٥/ ٩٦٤).
стр. 10209
وقال في (ديوان الضعفاء ٤٦٥٥): ((ثقة، قال النسائيُّ: ضعيف. وقال الدارقطنيُّ: ما عندي به بأس)).
وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: ((ثقة في الليث، وتكلَّموا في سماعه من مالك)) (التقريب ٧٥٨٠).
وقال العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني: ((ويحيى بن بُكير من الثقات، وفي يحيى كلام يسير لا يضره، وهو من رجال (الصحيحين))) (التنكيل ٢/ ٧٣٦).
وعلى كلٍّ فقد توبع يحيى بن بُكير:
فقد رواه سحنون عن ابن القاسم، عن يزيد -وحده-، عن المقبري، به.
قال ابنُ عبدِ البرِّ: ((ولم يَرْوِ هذا الحديث عنه عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك إلا أصبغ بن الفرج. وأما سحنون فإنما رواه عن ابن القاسم عن يزيد وحده)) (التمهيد ١٧/ ١٩٥).
وقال أيضًا: ((ورَوى سحنون هذا الحديث عن ابن القاسم، فلم يَذكر فيه نافع بن أبي نعيم)) (التمهيد ١٧/ ١٩٦).
وقد رواه عن سحنون كذلك: محمد بن أحمد العُتبي في (المستخرجة) -المعروفة بـ (العُتبية) -، كما في (البيان والتحصيل لابن رشد ١/ ٧٧) (١).
стр. 10210
وسحنون هو أبو سعيد عبد السلام بن حبيب التنوخي، صاحب المدونة المشهورة التي جمع فيها مسائل عبد الرحمن بن القاسم عن مالك. وقد لازم عبد الرحمن بن القاسم طويلًا، وأَخَذ عنه الرواية وفقه الإمام مالك. (سير أعلام النبلاء ١٢/ ٦٣).
ورواه ابنُ شَاهينَ في (ناسخ الحديث ١١٣) قال: حدثنا علي بن محمد العسكري، قال: حدثنا مِقدام بن داود، قال: حدثنا عمي سعيد بن عيسى بن تَلِيد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: حدثنا يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، به.
ومقدام بن داود الرُّعَيْني تكلموا فيه، غير أن روايته هنا عن عمه مما تُحتمل، والراوي عنه لم نعرفه (١).
стр. 10211
فهكذا رواه الجماعة (ابن بُكير، وسحنون، وابن تليد) عن ابن القاسم، عن يزيد وحده، ولم يذكروا فيه نافعًا، والحديث معروف بيزيد كما سيأتي.
وخالفهم أصبغ وحده، فزاد فيه نافعًا، وفي ثبوت ذلك عنه نظر أيضًا:
فقد رواه أحمدُ بن سعيد الهمداني، عن أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم، مقرونًا بيزيد بن عبد الملك، عن سعيد، به.
قال الطبرانيُّ في (الصغير): ((لم يَرْوِه عن نافع إلا عبد الرحمن بن القاسم الفقيه المصري، ولا عن عبد الرحمن إلا أصبغ، تفرَّدَ به أحمد بن سعيد)).
قلنا: وأحمد بن سعيد هذا وإن قال فيه الساجيُّ: ((ثبتٌ))، وقال العِجْليُّ: ((ثقة))، وقال أحمد بن صالح: ((ما زلتُ أعرفه بالخير مذ عرفته))، وذَكَره ابنُ حِبَّانَ في ((الثقات)) - فقد قال فيه النسائيُّ: ((ليس بالقويِّ))، وذَكَر عبد الغني بن سعيد الحافظ، عن حمزة بن محمد الكِنَاني الحافظ، أن أحمد بن محمد بن الحَجاج بن رِشدين هو أَدْخَل على أحمد بن سعيد الهمداني حديث بُكير بن الأشج، عن نافع، عن ابن عمر حديث الغار. وقال أبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد: سمعت أبا عبد الرحمن النَّسَوي يقول: لو رجع أحمد بن سعيد الهمداني عن حديث بُكير بن الأشج فى الغار، لحدثتُ عنه)) (تهذيب التهذيب ١/ ٣١).
فمثله لا يُحتمل تفرده بمثل هذا.
وقد تَعَقَّب ابنُ حَجرٍ الطبرانيَّ في جزمه بتفرد أحمد بهذا عن أصبغ، فقال:
стр. 10212
((بل تابع أحمد بن سعيد عليه: محمد بن أصبغ، عن أبيه)) (الإتحاف ١٤/ ٦٥٧).
قلنا: وهذه المتابعة فيها نظر أيضًا؛ فقد رواه الحاكمُ في (المستدرك ٤٨٥) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٥١٩) - قال: [حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا علي بن أحمد بن سليمان عَلَّان، عن محمد بن أصبغ بن الفرج] (١)، حدثني أبي، [عن عبد الرحمن بن القاسم] (٢)،
حدثنا نافع بن أبي نُعيم، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَليَتَوَضَّأْ)).
وقال الحاكمُ: ((هذا حديثٌ صحيحٌ، وشاهده الحديث المشهور عن يزيد
стр. 10213
ابن عبد الملك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة)).
قلنا: بل الحديثُ معلولٌ، وهذا الطريق وهم فيه الحاكم أو شيخه، فقد رواه ثقتان عن علي بن أحمد بن سليمان -المعروف بعلان- بخلاف ما رواه الحاكمُ عن شيخِهِ:
فرواه ابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد ١٧/ ١٩٥) عن خَلَف بن القاسم، حدثنا سعيد بن السكن ومحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن مِهْران السَّرَّاج قالا: حدثنا علي بن أحمد بن سليمان البزار، حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدثنا أصبغ بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، حدثنا نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك بن المغيرة، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، بلفظ السياقة الأولى.
وعلي بن أحمد بن سليمان البزار هو المعروف بعلان، وهو نفسه المذكور في إسناد الحاكم كما ذكره ابن دقيق في (الإمام ٥/ ٣١١)، وكأنه يشير إلى الاختلاف الواقع عليه في سنده.
فهذا الحافظُ ابنُ السكنِ، ومُتابِعه السراج (وهو صدوق)، يرويانه عن علان عن أحمد بن سعيد الهمداني عن أصبغ. فعادَ الحديثُ إلى أحمدَ! وتبين أن متابعة ابن أصبغ له معلولة.
وأوهم ابنُ حَجرٍ في (الإتحاف ١٤/ ٦٥٨) أن رواية ابن السكن كرواية الحاكم! وهو ناقل له من كتاب ابنِ عبدِ البرِّ، بدليل خلطه بين كلام ابن السكن وكلام ابنِ عبدِ البرِّ المذكورَين آنفًا.
وعلى فرض ثبوت هذه المتابعة، فينحصر الخلاف على ابن القاسم بين (أصبغ) من جهة، وبين (ابن بُكير، وسحنون، وابن تليد) من جهة أخرى.
стр. 10214
ورواية الجماعة هي الصواب لأنهم جَمْع، كما أن فيهم مَن لازم عبد الرحمن بن القاسم وصحبه ونَقَل أقواله؛ كسحنون وابن بكير.
وتوبع عبد الرحمن بن القاسم في روايته عن يزيد- مِن جَمْع معظمهم ثقات، لم يَذكر أحد في روايتهم ((نافعًا))، وهم:
١، ٢) محمد بن عبد الله بن دينار وسليمان بن عمرو، عند الشافعي، وغيره.
٣) يحيى بن بن يزيد بن عبد الملك (ابنه)، عند أحمد، وغيره.
٤) معن بن عيسى القزاز، عند البزار، وغيره.
٥) عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عند الدارقطنيِّ، وغيره.
٦) محمد بن الحسن الشيباني، عند عبد الملك بن حبيب في (الواضحة).
٧) وإسحاق بن محمد الفَرْوي، عند البيهقي، وغيره.
رووه جميعًا عن يزيد بن عبد الملك -منفردًا- عن المقبري. ولم يروه أحدٌ منهم ولا غيرهم عن نافع المقرئ، إلا ما رواه أصبغ عن ابن القاسم.
فلما رواه عبد الرحمن بن القاسم موافقًا لرواية الجماعة عن يزيد بن عبد الملك، لم يذكروا فيه نافع بن أبي نعيم؛ عَلِمنا أن ذِكر نافع فيه وهم.
لذلك قال البزارُ: ((وهذا الحديثُ لا نعلمُه يُروى عن أبي هريرة بهذا اللفظِ إلا من هذا الوجهِ. ويزيد بن عبد الملك لَيِّن الحديث)).
وقال ابنُ عَدِيٍّ: ((وهذا الحديثُ يُعْرَفُ بيزيد بن عبد الملك عن سعيد المقبري)).
فلم يَلتفتا إلى رواية نافع لكونها لا تُعْرَف، وأن المحفوظَ فيها ذِكر يزيد
стр. 10215
منفردًا.
قلنا: وثَم علةٌ أخرى يُعَلُّ بها حديث أصبغ بن الفرج، وهي كونه رواه بالجمع بين نافع ويزيد. والعلماء يُعِلون الأحاديث بهذه الطريقة لكون الراوي إذا جمع الشيوخ وَهِمَ، دون ما إذا أفردهم.
والوهم فيه أنه إذا كان أحد الرواة ثقة والآخر ضعيفًا كما في حديثنا هذا وكان الحديث مشهورًا بالضعيف، فإن الراوي يهم فيه فيَحمل حديثَ هذا على هذا.
انظر أمثلة على ذلك في (شرح علل الترمذي لابن رجب ٢/ ٦٧٢) تحت باب (ذِكر مَن ضُعِّف حديثه إذا جَمَع الشيوخ، دون ما إذا أفردهم)).
الطريق الثاني:
رواه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٤/ ١٣٠) قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الغَزِّي، حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو الغَزِّي (ح) وحدثنا ابن صاعد، حدثنا أحمد بن الفضل بن عبيد الله من كتابه، وكان ثقة، قالا: حدثنا حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، حدثنا شِبْل بن عَبَّاد، عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنَ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضأْ)).
ورواه الطبرانيُّ في (الأوسط ٦٦٦٨) من طريق محمد بن خلف العسقلاني، عن حبيب كاتب مالك، به.
ورواه في (الأوسط ٨٩٠٩) -ومن طريقه ابن مردويه في (انتقائه على الطبراني ٤١) - قال: حدثنا مِقدام، ثنا حبيب، كاتب مالك، نا شبل بن عَبَّاد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به. فأسقط منه أبا سعيد المقبري.
وهذا الإسنادُ واهٍ جدًّا؛ فيه حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، متروكٌ كذابٌ.
стр. 10216
قال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: ((متروكٌ، كذَّبه أبو داود وجماعة)) (التقريب ١٠٨٧).
قال ابنُ عَدِيٍّ: ((وهذه الأحاديثُ التي ذكرتُها عن حبيب عن شبل عن مشايخ شبل- كلها موضوعة على شبل)) (الكامل ٤/ ١٣١).
وثَم طريق آخر عن أبي هريرة:
ذكره الدارقطنيُّ في (العلل ٤/ ١٠٣) فقال: ((ورواه أبو سعيد مولى بني هاشم بإسناد آخر، عن عمر بن وهب (١)، عن جميل، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ).
قلنا: هذا الطريقُ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عِللٍ:
العلةُ الأُولى: المخالفة؛ فقد رواه البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٢/ ٢١٦) معلقًا، عن عبد الصمد بن عبد الوارث. ووصله من طريقه: البيهقيُّ في (الكبرى ٦٤٩) فقال: أخبرنا محمد بن إبراهيم الفارسي، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، حدثنا أبو أحمد ابن فارس، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ، حدثني ابن يحيى، حدثنا عبد الصمد، سمع عمر بن أبي وهب، سمع جميل بن بَشِير، عن أبي هريرة: ((مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ)).
قال البيهقيُّ: ((هكذا موقوفٌ. وقيل: عن جميل، عن أبي وهب، عن أبي هريرة)).
قلنا: وهذه هي
العلةُ الثانيةُ: أن جميلًا لم يسمعه من أبي هريرة؛ بينهما (أبو وهب الخزاعي).
стр. 10217
كذا رواه مسدد في (مسنده) كما في (إتحاف الخِيَرة ٥٩٧/ ١) -وعنه البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٢/ ٢١٦)، وابن المنذر في (الأوسط ٨٧) عن يحيى بن محمد عنه- قال: حدثنا أمية بن خالد، حدثنا عمر بن أبي وهب الخزاعي، عن جميل، عن أبي وهب، عن أبي هريرة، قال: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَمَنْ مَسَّ فَوْقَ الثَّوْبِ فَلَا يَتَوَضَّأْ)).
ورواه أبو نعيم في (الحلية ٩/ ٤٤)، والبيهقيُّ في (الكبرى ٦٥٠)، و (الخلافيات ٥٥٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن عمر بن أبي وهب، عن جميل العِجْلي، عن أبي وهب الخزاعي، به.
وأبو وهب الخزاعي هذا لم نعرفه.
العلةُ الثالثةُ: جميل بن بشير -وورد في بعض الطرق: العجلي (١) -، ترجم له البخاريُّ في (التاريخ) باسم (جميل بن بشير)، ولم يَزد على ذكر الخلاف عليه في سند هذا الأثر. وذَكَره ابن حِبَّانَ في (الثقات ٤/ ١٠٨) على عادته في توثيق المجاهيل. بينما قال أبو حَاتمٍ: ((مجهول)) (الجرح والتعديل ٢/ ٥١٩). وهو الصواب.
ومع كلِّ هذه العلل، قال الغُمَاري في (تخريج أحاديث البداية ١/ ٣٦٦): ((وهذا طريق ثالث يُقَوِّي صحة الحديث عن أبي هريرة، وإن كان موقوفًا عليه)).
قلنا: بل هذا لو صَحَّ، لكان مرجحًا لإعلال الحديث، وأن مَن رفعه قد
стр. 10218
وهم فيه.
[تنبيه]:
جاء في مطبوع (الخلافيات للبيهقي ٢/ ٢٤٨) أنه قال: ((رواه يحيى بن يزيد، عن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل، عن أبيه، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ... )).
فظاهر هذا أن الحديثَ له طريقٌ آخرُ عن المغيرة بن نوفل، عن سعيد المقبري.
وهذا ليس بصحيح، فقد تصحفت كلمة (بن) إلى (عن) بين يحيى بن يزيد وعبد الملك، فصواب الكلام: ((رواه يحيى بن يزيد بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل، عن أبيه، عن سعيد ... )).
فقد رواه الإمامُ أحمدُ في (مسنده ٨٤٠٤) عن يحيى بن يزيد، عن أبيه، عن المقبري.
وكذا رواه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في (زوائده على المسند ٨٤٠٥) عن الهيثم بن خارجة، عن يحيى بن يزيد.
ومما يؤكدُ ما ذكرنا: أن المغيرة بن نوفل معدودٌ في الصحابةِ؛ لكونِهِ وُلِدَ على عهد النبي ﷺ ، فكيف يَروي هو عن المقبري؟ !
стр. 10219
٢٣١٨ - حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ:
◼ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ (ذَكَرَهُ)، فَلْيَتَوَضَّأْ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ ٢: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((يُتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)) وَرُبَّمَا قَالَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ. وضَعَّفَهُ: البيهقيُّ، وابنُ الجوزيِّ، والذهبيُّ، والزيلعيُّ، والبوصيريُّ، وابنُ حَجرٍ، والعينيُّ.
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [جه ٤٨٥ (واللفظ له) / طب (٤/ ١٤٠/ ٣٩٢٨) (والرواية له ولغيره) / شا ١١٥٦/ هقخ ٥٤٥/ تحقيق ١٨٢/ بحير (ق ١٢/أ)].
تخريج السياق الثاني: [ناسخ ١١٤].
[السند]:
قال ابنُ ماجه: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن أبي فروة، عنِ الزهريِّ، عن عبد الله بن عبدٍ القاري، عن أبي أيوب ... به.
ومدار الإسناد عند الجميع على إسحاق بن أبي فروة، عنِ الزهريِّ ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو:
стр. 10220
((متروك)) كما في (التقريب ٣٦٨).
ولذا قال البيهقيُّ: ((وهذا غير محفوظ بهذا الإسنادِ)) (الخلافيات ٥٤٥).
وأعلَّهُ بإسحاق بن أبي فروة: الذهبيُّ في (تنقيح التحقيق ١/ ٦١)، والزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٥٧)، والبوصيريُّ في (مصباح الزجاجة ١/ ٦٩)، وابنُ حَجرٍ في (الدراية ١/ ٣٩)، والعينيُّ في (شرح سنن أبي داود ١/ ٤٢٠).
وأما ابنُ الجوزيِّ فظنَّه إسحاق الفروي، فقال: ((فيه الفَرْوي، قال النسائيُّ: ليس بثقة)) (التحقيق ١/ ١٨١).
وتعقبه الزيلعيُّ فقال: ((وهو حديثٌ ضعيفٌ؛ فإن إسحاقَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ أبي فروةَ متروكٌ باتِّفاقهم، وقد اتَّهمه بعضُهم، وليس هو بإسحاق بن محمد الفَرْوي الذي في حديثه ابن عمر الآتي، ذاك ثقة، وظنهما ابنُ الجوزيِّ واحدًا، فضَعَّفَهُما)) (نصب الراية ١/ ٥٧).
قلنا: وقول الزيلعيِّ أن الفرويَّ ثقة، فيه نظر؛ فقد ضَعَّفَهُ جمهورُ النقادِ، وهو الراجحُ، وقد تقدمتْ ترجمته بالتفصيل في ((كتاب السواك))، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
стр. 10221
رِوَايَةٌ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ :
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [ضحة (طهارة ق ١١/ أ)].
[السند]:
قال عبد الملك بن حبيب في (الواضحة - الوضوء): وحدَّثني ابنُ مَسْلَمة، عن الليثِ، عنِ الزهريِّ، عن خالدِ بنِ مَعْدانَ الجُهَني، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ واهٍ؛ ابن مسلمة هو عبد الملك بن مسلمة أبو مَرْوان المصري، قال عنه أبو حَاتمٍ: ((كتبتُ عنه، وهو مضطربُ الحديثِ، ليس بقويٍّ، حدَّثني بحديثٍ في الكرم، عن النبيِّ ﷺ عن جبرئيل ﵇ بحديثٍ موضوعٍ))، وقال أبو زرعةَ: ((ليس بالقويِّ، هو منكرُ الحديثِ، هو مصريٌّ)) (الجرح والتعديل ٥/ ٣٧١). وقال ابنُ حِبَّانَ: ((يَروي عن أهل المدينة المناكير الكثيرة التي لا خفاء بها على مَن عُنِي بعلم السنن)) (المجروحين ٢/ ١١٦). وقال ابنُ يونس: ((منكرُ الحديثِ)) (ميزان الاعتدال ٥٢٥١)، و (لسان الميزان ٤٩٢٨).
* * *
стр. 10222
٢٣١٩ - حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ (ذَكَرَهُ) فَلْيَتَوَضَّأْ [وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ])).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ معلولٌ. وأعلَّهُ: ابنُ مَعِينٍ، والبزارُ، والعُقيليُّ، وابنُ عَدِيٍّ، والدارقطنيُّ، والبيهقيُّ، وابنُ عبدِ البرِّ، والخليليُّ، وابنُ الجوزيِّ، وابنُ دَقيقِ العيدِ، والهيثميُّ، والبوصيريُّ، وابنُ حَجرٍ.
[التخريج]:
[بز ٥٩٦٢، ٦٠٢٤ (واللفظ له) / قديم (هقع ١٠٣٥)، (هقخ ٢/ ٢٥٤) / طب (١٢/ ٢٨١/ ١٣١١٨) (والرواية له ولغيره) / طح (١/ ٧٤) / قط ٥٣١ (والزيادة له) / ناسخ ١٠٦، ١٠٧/ عد (٥/ ٣٦٥)، (٦/ ٤٠٠)، (٨/ ١٧٦) / عق (٢/ ١٦٥) / هقع ١٠٣٤/ هقخ ٥٢٨، ٥٣١ - ٥٣٤ / طيو ٦١٧/ شخل (٢/ ٤٨٥) / كر (٥/ ٤٤) / تحقيق ١٧٧/ بحير (ق ٤٤/ أ) / ابن الجارود (زجاجة ١/ ٨٣ (١)) / ك (تاريخ - مغلطاي ١/ ٤٣٢)].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ رُوي عن ابن عمر من عدة طرق:
الطريق الأول: العلاء بن سليمان، عنِ الزهريِّ، عن سالم، عن أبيه:
أخرجه البزارُ (٦٠٢٤) قال: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا العلاء بن سليمان الرَّقي، عنِ الزهريِّ، عن سالم،
стр. 10223
عن أبيه، به.
وأخرجه الطبرانيُّ في (الكبير ١٣١١٨)، والطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٧٤)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٦/ ٤٠٠)، وابنُ شَاهينَ في (ناسخ الحديث والمنسوخ ١٠٧)، والبيهقيُّ في (الخلافيات ٥٣٣)، والسِّلفي في (الطيوريات ٦١٧).
كلهم من طرقٍ، عن العلاء بن سليمان الرقي، عنِ الزهريِّ، عن سالم، عن أبيه، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: العلاء بن سليمان.
قال العُقيليُّ: ((لا يُتابَعُ على حديثه)) (الضعفاء ٣/ ٢٢٧).
وقال أبو علي القشيري: ((حَدَّثَ عنِ الزهريِّ في مَسِّ الذَّكَرِ حديثًا منكرًا)) (تاريخ الرقة ١/ ٩٤).
وقال ابنُ عَدِيٍّ: ((منكرُ الحديثِ ويأتي بمتون وأسانيد لا يتابعه عليها أحد)) (الكامل ٨/ ١٧٧).
وذَكَره ابنُ الجوزيِّ في (الضعفاء والمتروكين ٢٣٤٣) وقال: ((قال الأزديُّ ساقطٌ، لا تحلُّ الرواية عنه)).
وبه ضَعَّفَهُ البيهقيُّ حيث قال -عقبه-: ((وهذا أيضًا ضعيف، والحَمْل فيه على العلاء بن سليمان الرقي كما أظنُّ)). وأقرَّهُ ابنُ دقيق العيد في (الإمام ٢/ ٣١٩).
وبه ضَعَّفَهُ: الزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٥٩)، والهيثميُّ في (المجمع
стр. 10224
١٢٦٨)، وابنُ حَجرٍ في (الدراية ١/ ٤١).
قلنا: قد وقفنا للعلاء على متابعة؛ فقد أخرجه البيهقيُّ في (الخلافيات ٥٣٤) قال: أخبرنا أبو عبد الله، أنبأ أبو جعفر محمد، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا أبي، ثنا ابن لهيعة، عن عقيل، عنِ ابنِ شِهابٍ، أخبره عن سالم، عن أبيه، به.
وهذه متابعةٌ واهيةٌ من أجلِ ابنِ لهيعةَ، فالعملُ على تضعيفِ حديثِهِ كما تقدَّمَ مرارًا.
وبه ضَعَّفَهُ البيهقيُّ أيضًا حيث قال -عقبه-: ((وابنُ لهيعةَ لا يُحتجُّ به)).
قلنا: وابنُ لهيعةَ كان يتلقنُ، ولعلَّ هذا مما تلقنه، ولا أصل له عن عقيل عنِ الزهريِّ، فقد نصَّ غَيرُ واحدٍ من الحفاظِ على أن هذا الحديثَ لم يرفعه سوى العلاء.
قال البزارُ -عقبه-: ((وهذا الحديثُ إنما يُروى عن ابن عمر موقوفًا، وأسنده العلاء وحده)) (المسند عقب ٦٠٢٤).
وقال ابنُ عَدِيٍّ: ((وهذا لا يرويه عنِ الزهريِّ غير العلاء بهذا الإسنادِ)) (الكامل ٨/ ١٧٦).
وقال أبو طَاهرٍ السلفيُّ: ((تفرَّدَ به العلاء عنِ الزهريِّ)) (الطيوريات ٦١٧).
العلةُ الثانيةُ: الإعلال بالوقفِ؛ فقد رواه مالك في (الموطأ ١٠٤) عنِ ابنِ شِهابٍ، عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ، أَنَّهُ قَالَ: ((رَأَيْتُ أَبِي عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، أَمَا يَجْزِيكَ الغُسْلُ مِنَ الوُضُوءِ؟ ! قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أَحْيَانًا أَمَسُّ ذَكَرِي فَأَتَوَضَّأُ)).
стр. 10225
ورواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ (٤٢١): عن معمرٍ، عنِ الزهريِّ، عن سالِمٍ: ((أَنَّ ابنَ عُمَرَ صَلَّى بِهِمُ العَصْرَ، ثُمَّ سَارَ أَمْيَالًا. قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: سِتَّةً. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ. قَالَ: فقُلْتُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ كُنْتَ صَلَّيْتَ؟ ! قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ قَدْ مَسَسْتُ ذَكَرِي فَصَلَّيْتُ وَلَمْ أَتَوَضَّأْ؛ فَلِذَلِكَ أَعَدْتُ)). وكذا رواه غَيرُ واحدٍ عنِ الزهريِّ نحوه.
ولذا قال ابنُ مَعِينٍ -لما سُئِلَ عن حديثِ ابنِ عمرَ في مَسِّ الذَّكَرِ-: ((الصحيح منه غير مرفوع)) (الإمام لابن دقيق ٢/ ٣٠٣).
وقال البزارُ -عقبه-: ((وهذا الحديثُ إنما يُروى عن ابنِ عمر موقوفًا)). وقد تقدَّمَ قريبًا.
وقال الدارقطنيُّ: ((ورَفْعه وهم. والصحيح ما رواه مالك بن أنس، وابن عيينة، وأبو المليح الرقي، ومعمر، عنِ الزهريِّ، عن سالم، عن أبيه، من قوله)) (العلل ٦/ ٢٨٨).
الطريق الثاني: عن عبد الواحد بن قيس، عن ابن عمر:
أخرجه الشافعي في (القديم) -كما في (المعرفة للبيهقي ١٠٣٥)، و (الخلافيات ٢/ ٢٥٤) - قال: أخبرنا مسلِمُ بنُ خالِدٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن عبدِ الواحدِ بنِ قيسٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ)).
ومسلم بن خالد الزنجي متكلم فيه، ولكن قد توبع:
فقد أخرجه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٥/ ٣٦٥) -ومن طريقه البيهقيُّ في (المعرفة ١٠٣٤)، و (الخلافيات ٥٣١) - قال: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا عبد الرحمن بن سَلَّام، ثنا سُليم بن مسلم، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن عبد الواحد