رواية: "أصوم قضاء":
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَأَنَا صَائِمَةٌ، فَأَتَيتُهُ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ، وَقَالَ: ((اشْرَبِي))، فَقُلتُ: إِنِّي صَائِمَةٌ، فَقَالَ: ((أَصَومُ قَضَاءٍ؟)) قُلتُ: لَا. قَالَ: ((فَاشْرَبِي)) فَشَرِبْتُ.
[الحكم]: ضعيف.
[التخريج]: [طس ١٦١٢ ((واللفظ له))، ٧٦٩١].
[التحقيق]:
رُوِيَ هذا الحديث من عدة طرق عن أم هانئ:
الطريق الأول: مداره على سماك بن حرب، وقد اضطرب في إسناده ومتنه؛
فأما الاضطراب في الإسناد؛ فقد اختلف عليه في تسمية الراوي عن أم هانئ على عدة أوجه:
الوجه الأول: عن سماك، عن ابن أم هانئ، عن أم هانئ به:
أخرجه الترمذي (٧٣٤)، والنسائي في (السنن الكبرى ٣٤٩٠)، من طريق أبي الأحوص.
والنسائي في (السنن الكبرى ٣٤٨٨)، وابن أبي خيثمة في (التاريخ الكبير ٣٣٥٩) وغيرهما، من طريق أبي عوانة.
وابن أبي خيثمة في (التاريخ الكبير ٣٣٥٩)، من طريق قيس بن الربيع.
وغيرهم، عن سماك، به.
стр. 1018
ورواه شعبة، عن سماك قال: أخبرني ابنا أم هانئ - وفي رواية: أحد بني أم هانئ -، عن أم هانئ به، كما أخرجه الطيالسي (١٧٢٣) - ومن طريقه أحمد (٢٦٨٩٣)، والترمذي (٧٣٥)، وغيرهما -، عن شعبة، به.
قال الدارقطني: ((هذا حديث غريب من حديث شعبة، عن سماك بن حرب، عن ابن أم هانئ)) (الأفراد ٣٠).
وقد جاء هذا الراوي المبهم من أبناء أم هانئ مسمّى من طريق آخر عن سماك، كما في:
الوجه الثاني:
أخرجه النسائي في (الكبرى ٣٤٨٩)، والطيالسي (١٧٢١)، والطحاوي في (معاني الآثار ٢/ ١٠٧) وغيرهم من طرق، عن حماد بن سلمة، عن سماك، عن هارون بن أم هانئ، عن أم هانئ، به.
وأخرجه أحمد (٢٦٩١٠)، والدارمي (١٧٦١)، وغيرهما من طرق، عن حماد، عن سماك، عن هارون ابن ابن أم هانئ أو هارون ابن بنت أم هانئ، عن أم هانئ، به. هكذا بالشك.
وأخرجه أحمد (٢٧٣٨٤)، والطحاوي (٢/ ١٠٧) من طرق، عن حماد، عن سماك، عن هارون ابن أم هانئ أو هارون ابن بنت أم هانئ - على الشك أيضًا -، عن أم هانئ، به.
وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٢٤/ ٤٠٧/ ٩٩٠) من طريق حجاج بن المنهال، عن حماد، عن سماك، عن هارون ابن بنت أم هانئ - بدون شك -، عن أم هانئ.
وقد حَمّلَ بعض أهل العلم هذا الشك لحماد بن سلمة، وأنه هو الذي
стр. 1019
تفرَّد بتسمية الرجل من بني أم هانئ، كما أشار إلى ذلك الترمذي (٧٣٦)، وابن أبي خيثمة في (تاريخه ٢/ ٧٧٧، ٧٧٨)، والكلاباذي في (رجال صحيح البخاري ٢/ ٨٥٢).
قلنا: وفي قولهم نظر، لأنَّ سبب هذا الاختلاف في تسمية الرجل وفي نسبته لأم هانئ؛ هو سماك بن حرب، وليس حماد بن سلمة؛ وذلك لأمرين:
الأول: أنَّ سِماكًا قد تغيَّر بأَخَرَةٍ فكان ربما تلقّن كما سيأتي بيان ذلك.
الثاني: أنَّ حمادًا قد توبع على ذلك من طرق أخرى، عن أبي الأحوص وأبي عوانة؛
فأخرجه ابن أبي خيثمة في (تاريخه ٣٣٦٠) عن عاصم بن علي (١).
وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى ٨٤٢٢) من طريق إبراهيم بن الحجاج؛ كلاهما (عاصم وإبراهيم) عن أبي عوانة، عن سماك، عن ابن ابن أم هانئ، عن جدَّتِه.
وذكره الدارقطني في (العلل ٤٠٦٩) عن مسدد، عن أبي الأحوص.
وأخرجه البيهقي في (الكبرى ٨٤٢٢) من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن أبي عوانة.
كلاهما (أبو الأحوص، وأبو عوانة)، عن سماك، عن هارون ابن ابن أم هانئ، عن أم هانئ.
стр. 1020
وهذان الوجهان عن أم هانئ ضعيفان؛ لعلتين:
الأولى: اضطراب سماك في سنده ومتنه، وسيأتي الكلام على هذه العلة بالتفصيل.
الثانية: جهالة ابن أم هانئ والوهم في تسميته ونسبته؛ قال عبد الحق الإشبيلي بعد أن ذكر الحديث من طريق النسائي، عن حماد بن سلمة، عن سماك، عن هارون بن أم هانئ، عن أم هانئ به: ((هذا أحسن أسانيد أم هانئ وإن كان لا يحتجُّ به)) (الأحكام الوسطى ٢/ ٢٣٠).
وقال ابن القطان - معقبًا -: ((وهو كما ذكر، إلَّا أن العلة لم يبينها، وهي الجهل بحال هارون ابن أم هانئ، أو ابن ابنة أم هانئ، فكل ذلك قيل فيه، وهو لا يُعرف أصلًا)) (الوهم والإيهام ٣/ ٤٣٤). ووافقه ابن التركماني في (الجوهر النقي ٤/ ٢٧٩)، وابن الملقن في (البدر المنير ٥/ ٧٣٥ - ٧٣٧)، وابن حجر في (التلخيص الحبير ٢/ ٤٠٢)، والعيني في (عمدة القاري ١١/ ٧٩)، والشوكاني (نيل الأوطار ٤/ ٣٠٥).
وقال الذهبي في ترجمة هارون ابن أم هانئ من ((الميزان)). ((لا يُعرف، ولا هو في ثقات ابن حبان (١). أخرج النسائي لحماد بن سلمة، عن سماك عنه، عن أم هانئ في الصوم ... أوردته لأنَّ ابن القطان ليَّنَ حديثَه به فإنه لا يُعرف)) (ميزان الاعتدال ٤/ ٢٨٨).
وقال ابن حجر: ((هارون من ولد أم هانئ، مجهول)) (التقريب ٧٢٥١)
стр. 1021
وذكر ابن أبي خيثمة في (تاريخه - السفر الثاني ٢/ ٧٧٨): أنَّ أم هانئ لم يكن لها ولد يُسمَّى هارون، ولا لأبنائها، وكذلك لم يكن لها بنت.
وقال الكلاباذي: ((لا نعلم لأم هانئ ابن بنت ولا ابن ابن يقال له هارون، وقد قال حماد بن سلمة من حديث أن النبي ﷺ استسقى أم هانئ فشرب ... الحديث، عن سماك بن حرب، عن هارون ابن (ابن) (١) أم هانئ - أو ابن ابنة أم هانئ -، عن أم هانئ؛ فكأنه وهم فيه)) (رجال صحيح البخاري ٢/ ٨٥٢).
وقال المزي: هارون ابن ابن أم هانئ، وقيل: ابن أم هانئ، واسم ابنها جعدة بن هبيرة، وقيل: ابن بنت أم هانئ وهو وهم فإنه لا يُعرف لها بنت)) (تهذيب الكمال ٣٠/ ١٢٤)
وقال ابن حجر: هارون ابن ابن أم هانئ، ويقال: ابن أم هانئ، ويقال: ابن بنت أم هانئ، والثالث وهم، ... ولأم هانئ ابن يقال له جعدة بن هبيرة، قلت: فيحتمل أن يكون هارون هذا ولد جعدة بن هبيرة، وأما أبو الحسن بن القطان فقال: لا يُعرف)) (تهذيب التهذيب ١١/ ١٦). وبنحوه العيني في (مغاني الأخيار ٣/ ١٧١).
الوجه الثالث: عن سماك، عن أبي صالح، عن أم هانئ:
أخرجه أحمد (٢٧٣٨٥)، والنسائي في (الكبرى ٣٤٩٢)، وغيرهما من طرق، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك، عن أبي صالح، عن أم هانئ، به.
стр. 1022
وأخرجه ابن راهويه في (مسنده ٢١٣٣)، والنسائي في (الكبرى ٣٤٩٣) من طرق عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك، عن أبي صالح؛ مرسلًا.
قال الدارقطني: ((اختلف عن سماك فيه؛ وإنما سمعه سماك من ابن أم هانئ، عن أبي صالح، عن أم هانئ، والله أعلم)) (السنن ٣/ ١٣٥).
وهذا إسناد ضعيف لعلتين:
الأولى: اضطراب سماك فيه، وسيأتي بيان ذلك.
الثانية: أبو صالح باذام، ويقال باذان، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، قال فيه الحافظ: ((ضعيف يرسل)) (التقريب ٦٢٤). وبه أعلَّه النسائي (عقب ٣٤٩٣) فقال: (([هو ضعيف الحديث] (١) وهو مولى أم هانئ، وهو الذي يروي عنه الكلبي، وقال ابن عُيَينَة: عن محمد بن قيس، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كنا نُسمِّي أبا صالح: دروزن، وهو بالفارسية كذاب، إلَّا أن يحيى بن سعيد لم يتركه، وقد حدَّث عن إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقد رُوِيَ أنه قال في مرضه: كل شيء حدثتكم به، فهو كذب)).
وبه ضعَّفه أيضًا الغساني في (تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني صـ ٢٣٨).
والعيني في (عمدة القاري ١١/ ٧٩).
الوجه الرابع: عن سماك، عن يحيى بن جعدة، عن جدَّتِه أم هانئ:
أخرجه الدارقطني في (السنن ٢٢٢٦) من طريق الوليد بن أبي ثور، عن
стр. 1023
سماك، به.
قال الدارقطني: ((يحيى بن جعدة وهم من الوليد وهو ضعيف))، وقد رُوِيَ من وجه آخر عن سماك؛ بإدخال واسطة بينه وبين يحيى بن جعدة؛ كما في:
الوجه الخامس: عن سماك، عن رجل، عن يحيى بن جعدة، عن أم هانئ:
أخرجه النسائي في (الكبرى ٣٤٩١) من طريق أسباط بن نصر، عن سماك، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: اضطراب سماك فيه، وسيأتي بيان ذلك.
الثانية: إبهام الراوي عن يحيى بن جعدة.
الثالثة: أسباط بن نصر، وهو ((صدوق كثير الخطأ يغرب))، كما في (التقريب ٣٢١).
الوجه السادس: عن سماك، عن رجل، عن أم هانئ:
أخرجه أحمد (٢٦٨٩٧) من طريق إسرائيل.
والطحاوي (معاني الآثار ٣٤٧٨) من طريق قيس بن الربيع.
والدارقطني في (العلل ٤٠٦٩) عن أبي حمزة السكري، عن شيخ له.
ثلاثتهم، عن سماك، عن رجل - وفي رواية الطحاوي والدارقطني: عن رجل من آل جعدة (١) بن هبيرة -، عن أم هانئ، به.
стр. 1024
وهذا الإسناد ضعيف لاضطراب سماك، وإبهام الرجل.
الوجه السابع: عن سماك، عن جعدة بن هبيرة، عن جدَّته أم هانئ:
أخرجه الطبراني في (الأوسط ١٦١٢، ٧٦٩١) من طريق عبد الملك بن عبد ربه، عن ابن سماك بن حرب، عن أبيه، عن جعدة بن هبيرة، عن جدَّته أم هانئ، به.
قال الطبراني: ((لم يروِ هذه الأحاديث عن ابن سماك واسمه: سعيد، إلَّا عبد الملك)).
وهذا إسناد ضعيف جدًّا، وفيه أكثر من علة:
الأولى: اضطراب سماك كما تقدَّم، وسيأتي بيان ذلك.
الثانية: سعيد بن سماك بن حرب، قال فيه أبو حاتم الرازي: ((متروك الحديث)) (الجرح والتعديل ٤/ ٣٢)، وانظر: (لسان الميزان ٤/ ٥٨).
الثالثة: عبد الملك بن عبد ربه الطائي؛ قال الذهبي: ((منكر الحديث)) (ميزان الاعتدال ٢/ ٦٥٨)، واتهمه ابن عبد البر بالوضع. انظر: (لسان الميزان ٤٩١٣).
[تنبيه]:
قال الهيثمي: ((رواه الطبراني في الأوسط، وفيه رجل لم يسم)) (مجمع الزوائد ٥٢٢٩).
قلنا: كذا قال، ولا يوجد في سند الطبراني في الأوسط رجل مبهم.
أما اضطراب متنه: فقد تقدَّم الحديث بسياقاته المختلفة الدالة على اضطرابه.
стр. 1025
خلاصة ما سبق:
أن سماك بن حرب اضطرب في سنده ومتنه على أوجه كثيرة؛ وقد قال فيه أحمد: ((مضطرب الحديث))، وقال النسائي: ((كان ربما لُقِّن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن))، وقال أيضًا: ((ليس به بأس، وفي حديثه شيء)) وانظر: (تهذيب التهذيب ٤/ ٢٣٤)، و (تقريبه ٢٦٢٤).
ومما يؤكد وهمه فيه أنه ذكر فيه أنه كان يوم الفتح، وكان الفتح في رمضان، فكيف يتصور أن تكون صائمة قضاء أو تطوعًا في رمضان؟ !
لذلك حكم كثير من أهل العلم على حديثه هذا بالاضطراب؛
قال النسائي: ((هذا الحديث مضطرب ... فقد اختلف على سماك بن حرب فيه؛ فسماك بن حرب ليس ممن يعتمد عليه إذا انفرد بالحديث؛ لأنه كان يقبل التلقين)) (الكبرى عقب حديث ٣٤٩٣).
وقال الدارقطني - بعد ذكر أوجه الاختلاف على سماك فيه -: ((والاضطراب فيه من سماك بن حرب)) (العلل ٤٠٦٩).
وقال في (السنن): ((اختلف عن سماك فيه، وإنما سمعه سماك من ابن أم هانئ، عن أبي صالح، عن أم هانئ، والله أعلم)) (السنن ٣/ ١٣٥).
قلنا: وابن أم هانئ مجهول، وأبو صالح ضعيف كما تقدم.
وقال الطحاوي: ((قد اضطرب حديث سماك هذا)) (معاني الآثار ٢/ ١٠٨).
وقال الجصاص: ((وهذا حديث مضطرب السند والمتن جميعًا ... وهذا الاختلاف في متنه يدل على أنه غير مضبوط)) (أحكام القرآن ١/ ٢٩٦).
стр. 1026
وقال المنذري: ((في إسناده مقال ولا يثبت، وفي إسناده اختلاف كثير أشار إليه النسائي)) (مختصر سنن أبي داود ٤/ ٣٣٤).
وقال ابن الملقن معقبًا على قول المنذري: ((وحاصل الاختلاف فيه أنه اختلف على سماك؛ فتارة رواه عن أبي صالح باذان؛ وهو ضعيف ... وتارة عن جعدة؛ وهو مجهول، وتارة عن هارون؛ وهو مجهول الحال كما قاله ابن القطان)) (البدر المنير ٥/ ٧٣٥ - ٧٣٦).
وقال ابن عبد الهادي: ((هذا الحديث في إسناده اختلاف)) (تنقيح التحقيق ٣/ ٣١٨).
وقال ابن التركماني: ((هذا الحديث اضطرب متنًا وسندًا أما اضطراب متنه فظاهر وقد ذكر فيه أنه كان يوم الفتح وهي أسلمت عام الفتح، وكان الفتح في رمضان فكيف يلزمها قضاؤه)) (الجوهر النقي ٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩)
وقال الزيلعي: ((وفي سنده اختلاف، وفي لفظه اختلاف، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ورواه البيهقي، وتكلَّم عليه)) (نصب الراية ٢/ ٤٦٩)
وقال ابن حجر: ((ومما يدل على غلط سماك فيه أنه قال في بعض الروايات عنه: إنَّ ذلك كان يوم الفتح وهي عند النسائي والطبراني، ويوم الفتح كان في رمضان، فكيف يتصور قضاء رمضان في رمضان)) (التلخيص الحبير ٢/ ٤٠٢).
وقال العيني: ((هذا الحديث فيه اضطراب متنًا وسندًا ... )) (عمدة القاري ١١/ ٧٩ - ٨٠).
وقال ابن الهمام: ((وفي كل من سنده ومتنه اختلاف)) (فتح القدير ٢/ ٣٦١).
стр. 1027
وقال الشوكاني: ((في إسناده سماك وقد اختلف عليه فيه ... وقد غلط سماك في هذا الحديث فقال في بعض الروايات: إنَّ ذلك كان يوم الفتح وهي عند النسائي والطبراني، ويوم الفتح كان في رمضان فكيف يتصور أن تكون صائمة قضاءً أو تطوعًا)) (نيل الأوطار ٤/ ٣٠٥).
وقال أيضًا: ((وفي إسناده سماك بن حرب، وفيه مقال)) (السيل الجرار صـ ٣٠٠).
وقال الألباني: ((ذِكْرُ ((الفتح)) فيه منكر؛ لأنَّ الفتح كان في رمضان، فكيف يتصور قضاء رمضان في رمضان؟ ! قاله ابن التركماني والعسقلاني)) (صحيح أبي داود ٧/ ٢١٥).
وقال أيضًا: ((وزيادة ((يوم الفتح)) لم يتفق الرواة عن سماك عليها؛ وإنما ذكرها إسرائيل وأبو عوانة عنه، ولم يذكرها شعبة وغيره عنه، ولا هي في رواية شعبة عن جعدة؛ فهي زيادة منكرة، والله أعلم)) (صحيح أبي داود ٧/ ٢١٩).
* وأما ابن عبد البر فمال إلى الترجيح، فذكر الحديث من طريق حماد، عن سماك، عن هارون بن أم هانئ عنها، ثم قال: ((اختلف في هذا الحديث على سماك وغيره وهذا الإسناد أصح إسناد لهذا الحديث، وما خالفه فلا يعرج عليه ورواه شعبة كذلك عن سماك؛ قال شعبة: وكان سماك يقول: حدثني ابنا أم هانئ، فرويته عن أفضلهما)) (التمهيد ١٢/ ٧٤)، وانظر: (الاستذكار ١٠/ ٢٠٥).
قلنا: وهذا الإسناد على فرض أنه أصح أسانيد هذا الحديث، ضعيف - كما تقدم -؛ لجهالة هارون.
стр. 1028
الطريق الثاني:
أخرجه أبو داود (٢٤٤٤)، والدارمي (١٧٦١)، وغيرهما: عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن أم هانئ، به.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين عدا يزيد بن أبي زياد، قال فيه الحافظ: ((ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن)) (التقريب ٧٧١٧).
ومع ضعفه واختلاطه فقد وصفه الدارقطني والحاكم وغيرهما بالتدليس، وجعله الحافظ في الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين؛ وهم الذين أكثروا من التدليس ولم يحتج الأئمة بحديثهم إلَّا بما صرَّحوا فيه بالسماع، وذلك إذا كان الراوي ثقة؛ فكيف إذا كان ضعيفًا ومختلطًا؟ ! انظر: (طبقات المدلسين لابن حجر ١١٢).
وبه ضعَّف الشوكاني هذا الطريق في (نيل الأوطار ٤/ ٣٠٥).
وأيضًا قد اضطرب فيه؛ فقد أخرجه إسحاق بن راهويه في (مسنده ٢١٣٢، ٢١٣٤) عن جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث مرسلًا.
الطريق الثالث:
أخرجه الترمذي (٧٣٥)، وأحمد (٢٦٨٩٣، ٢٦٩٠٩)، والنسائي في (الكبرى ٣٤٨٦، ٣٤٨٧)، وغيرهم من طرق عن شعبة، عن جعدة المخزومي، عن أم هانئ، به.
стр. 1029
وهذا إسناد ضعيف فيه أكثر من علة:
الأولى: جعدة المخزومي، قال البخاري: ((جعدة، من ولد أم هانئ، عن أبي صالح، عن أم هانئ، روى عنه شعبة، لا يُعرف إلَّا بحديث فيه نظر)) (التاريخ الكبير ٢/ ٢٣٩) - وأقرَّه العقيلي في (الضعفاء ١/ ٤٠٧)، وابن عدي في (الكامل ٣/ ١٧٥) -، وكذا قال الساجي، وذكره جماعة في الضعفاء. انظر: (إكمال تهذيب الكمال ٣/ ٢٠٠).
وقال أبو حاتم: ((شيخ)) (الجرح والتعديل ٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧).
وقال الذهبي: ((لينه البخاري)) (الكاشف ٧٨٠).
وقال ابن التركماني في (الجوهر النقي ٤/ ٢٧٨): ((مجهول))، وكذا قال ابن الملقن في (البدر المنير ٥/ ٧٣٦)، والعيني في (عمدة القاري ١١/ ٧٩).
وقال ابن حجر في (التقريب ٩٢٩): ((مقبول))، يعني: إذا توبع وإلا فلين.
الثانية: الانقطاع بينه وبين أم هانئ:
فقد روى الطيالسي (عقب حديث ١٧٢٣) - وعنه أحمد في (العلل ٥١٠٧) - قال: قال شعبة: فقلت لجعدة: أسمعته أنت من أم هانئ؟ قال: أخبرني أهلُنا وأبو صالح مولى أم هانئ، عن أم هانئ، به.
وقال النسائي: ((وأما حديث جعدة فإنه لم يسمعه من أم هانئ، ذكره عن أبي صالح، عن أم هانئ، وأبو صالح هذا اسمه باذان وقيل باذام، وهو ضعيف الحديث ... )) (السنن الكبرى ٥/ ٤٤١).
стр. 1030
الثالثة: اضطراب جعدة فيه؛ فقد رواه تارة أخرى مرسلًا كما ذكره الدارقطني في (العلل ٤٠٦٩).
الطريق الرابع:
أخرجه الطبراني في (الكبير ٢٤/ ٤١٠/ ٩٩٦) قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب، عن يحيى بن جعدة، عن أم هانئ، به.
هذا إسناد رجاله ثقات، عدا هلال بن خباب العبدي، وهو مختلف فيه؛ فقد وثقه أحمد، وابن معين، وعفان بن مسلم، والفسوي، وأبوحاتم، وابن شاهين، وابن عمار الموصلي، والمفضل بن غسان الغلابي، وقال ابن عدي: ((أرجو أنه لا بأس به)).
وضعَّفه الساجي والعقيلي فقالا: ((فى حديثه وهم، وتغيَّر بأَخَرَةٍ))، وقال ابن حبان في (الثقات): ((يخطئ ويخالف))، وقال في (المجروحين): ((كان ممن اختلط في آخر عمره فكان يحدِّث بالشيء على التوهم لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد))، وذكره ابن الجارود وابن الجوزي في (الضعفاء).
وقال البخاري: عن يحيى بن سعيد، قال: ((أتيت هلالًا، وكان قد تغيَّر قبل موته، فحدَّث عن يحيى بن جعدة، وعكرمة)).
وقد سُئل ابن معين: عن تغيره واختلاطه؟ فقال: ((ما اختلط ولا تغير))، وقوله مدفوع بتنصيص كثير من الأئمة على تغيره واختلاطه؛ كيحيى بن سعيد القطان، وأبي حاتم الرازي، وابن حبان، والساجي، والعقيلي، وأبي أحمد الحاكم، ويعقوب الفسوي، وغيرهم، وقد لخص الحافظ فيه القول؛ فقال: ((صدوق تغير بأَخَرَةٍ)). وانظر ترجمته في (التاريخ الكبير ٨/
стр. 1031
٢١٠)، و (الجرح والتعديل ٩/ ٧٥)، و (الثقات لابن حبان ٧/ ٥٧٤)، و (المجروحين ٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، و (الثقات لابن شاهين صـ ٣٢٣)، و (الضعفاء والمتروكون ٣/ ١٧٦)، و (إكمال تهذيب الكمال ١٢/ ١٧٤)، (وتهذيب التهذيب ١١/ ٧٧ - ٧٨)، و (تقريبه ٧٣٣٤).
قلنا: ولعل من تكلم فيه بسبب تغيره واختلاطه، ولم يذكر أحد ممن ترجم له من روى عنه قبل وبعد اختلاطه، وقد تفرَّد بذكر يحيى بن جعدة؛ فقد روى الحديث شعبة وسماك بن حرب - مع اضطرابه فيه -، فلم يذكر واحد منهما في إسناده يحيى بن جعدة، إلَّا فيما رواه الوليد بن أبي ثور عند الدارقطنى، عن سماك، عن يحيى بن جعدة، عن أم هانئ. لذا قال الدارقطني بإثره: ((قوله: يحيى بن جعدة، وهم من الوليد، وهو ضعيف)).
ورواه أيضًا أسباط بن نصر - كما عند النسائي في الكبرى -، عن سماك، عن رجل، عن يحيى بن جعدة به، وأسباط ضعيف كما تقدَّم.
فمما تقدَّم يتبين أنَّ كل طرق الحديث ضعيفة معلة؛ لذلك ضعَّفه جماعة من أهل العلم.
قال البخاري في ترجمة جعدة: ((لا يُعرف إلَّا بحديث فيه نظر)) (التاريخ الكبير ٢/ ٢٣٩).
وكذا قال الساجي، كما في (إكمال تهذيب الكمال ٣/ ٢٠٠).
وقال الترمذي: ((وحديث أم هانئ في إسناده مقال)).
وقال العقيلي: ((سمعت البخاري، قال: جعدة من ولد أم هانئ، عن أبي صالح، عن أم هانئ، روى عنه شعبة، لا يُعرف إلَّا بحديث فيه نظر وهذا الحديث حدثنا به ... فذكر الحديث)) (الضعفاء ١/ ٤٠٧). وكذلك
стр. 1032
قال ابن عدي في (الكامل ٣/ ١٧٥).
وقال البيهقي: ((في إسناده مقال)) (التلخيص الحبير ٢/ ٤٠٢)، و (نيل الأوطار ٤/ ٣٠٥).
وقال المنذري: ((في إسناده مقال ولا يثبت)) (مختصر سنن أبي داود ٤/ ٣٣٤).
وقال الذهبي في (مختصر سنن البيهقي): ((ولا أراه يصح، فإن يوم الفتح كان صومها فرضًا؛ لأنه رمضان)) (المهذب ٤/ ١٦٥٤)، وأقرَّه العيني في (عمدة القاري ١١/ ٧٩ - ٨٠).
وضعَّفه كذلك علي القاري في (مرقاة المفاتيح ٤/ ١٤٣٣).
ومع ذلك فقد ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح هذا الحديث؛
فحكي ذلك عن الإمام أحمد؛ قال ابن مفلح في (المبدع في شرح المقنع ٣/ ٥٥): ((رواه أحمد، وصحَّحه من حديث أم هانئ)) (١)، وتبعه البهوتي في (كشاف القناع ٢/ ٣٤٣).
وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وتلك الأخبار المعارضة لهذا لم يصح منها شيء)) (المستدرك ٢/ ٤٨٢).
وتعقبه الألباني فقال: ((كلا؛ فإن أبا صالح - واسمه: باذام - ضعَّفه
стр. 1033
الجمهور، وأورده الذهبي نفسه في (المغني)، وقال: ((ضعَّفه البخاري، وقال يحيى القطان: لم أرَ أحدًا من أصحابنا تركه))، وقال الحافظ: ((ضعيف مدلس))، وسماك بن حرب - وإِن كان من رجال مسلم -؛ فقد تكلَّموا فيه، وفي (التقريب): ((صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغيَّر بأخرة؛ فكان ربما يلقن))؛ فهذا كله يمنع تصحيح هذا الإسناد لذاته)) (صحيح أبي داود ٧/ ٢١٧). ومع هذا ذهب الشيخ إلى تصحيحه في (صحيح أبي داود ٧/ ٢١٥)، و (السلسلة الصحيحة ٦/ ٧١٧) بمجموع طرقه، وفيه نظر، لما سبق من أنَّ جل هذه الطرق هي أوجه اضطراب سماك فيه، ومردها إلى أبي صالح وهو ضعيف واهٍ.
وممن صحَّحه أيضًا السيوطي في (الجامع الصغير ٥١٢٢)، والعجلوني في (كشف الخفاء ١٥٨٧).
وقال النووي: ((وإسنادها جيد ولم يضعفه أبو داود)) (المجموع ٦/ ٣٩٥).
وقال العراقي: ((ولأبي داود من حديث أم هانئ: فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فتناوله فشرب منه، وإسناده حسن)) (تخريج الإحياء ص: ٨٥٨).
وقال المناوي: ((إسناده جيد)) (التيسير بشرح الجامع الصغير ٢/ ١٠٢).
وقال ابن حجر الهيتمي: ((ومرَّ أنه حديث صحيح، وأنه ردٌّ على من حرَّم الخروج عن النفل)). فتعقبه علي القاري فقال: ((وهو غير صحيح، بل ولا حسن، وقد مرَّ أنه ضعيف لا يثبت)) (مرقاة المفاتيح ٤/ ١٤٣٣).
стр. 1034
١٧٤ - حديث عَبدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ الفَتْحِ، جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأُمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَتِ الوَليدَةُ بِإنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَفَضَلَ فَضْلَةٌ، فَنَاوَلَ أُمَّ هَانِئٍ فَشَرِبَتْ، وَهِيَ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً فَأَفْطَرتُ، فَقَالَ لَهَا: ((هَلْ كُنْتُ تَقْضِينَ رَمَضَانَ؟ )) فَقَالَتْ: لَا، إِنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ، قَالَ: ((فَلَا يَضُرُّكِ)).
[الحكم]: ضعيف.
[التخريج]: [حق ٢١٣٢ ((واللفظ له))، ٢١٣٤ مختصرًا].
[السند]:
قال (إسحاق) في الموضعين: أخبرنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، به مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه يزيد بن أبي زياد، وهو: ((ضعيف))، وقد اضطرب فيه؛ فرواه هنا مرسلًا، ورواه تارة أخرى موصولًا وقد تقدَّم بيان ذلك.
стр. 1035
١٧٥ - حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ بَاذَامَ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، كَانَ أَوَّلَ بَيْتٍ دَخَلَهُ بَيْتُ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، فَدَعَا بِشَرَابٍ (بِمَاءٍ) فَشَرِبَ، وَفَضَلَ فَضْلَةٌ، وَأُمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ، [فَدَفَعَ فَضْلَهُ إِلَى أُمِّ هَانِئٍ] فَشَرِبَتْ ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ فَعَلتُ فَعْلَةً، [وَاللهِ] لَا أَدْرِي أَتُوَافقُكَ (أَصَبْتُ) أَمْ لَا، إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً وَكَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ فَضْلَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((يَا أُمَّ هَانِئٍ، أَفَكَانَ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ أَمْ تَطَوُّعٌ؟ ))، فَقَالَت: لَا، بَل مِنْ تَطَوّعٍ، فَقَالَ: ((الصَّائِمُ المُتَطَوِّعُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ)).
[الحكم]: ضعيف.
[التخريج]:
[كن ٣٤٩٣ ((والرواية الثانية والزيادات له)) / حق ٢١٣٣ ((واللفظ له)) / مكة ٢١٠٥ ((والرواية الأولى له))].
[السند]:
قال (إسحاق): أخبرنا روح بن عبادة، نا حاتم بن أبي صغيرة، نا سماك بن حرب، عن أبي صالح، به مرسلًا.
ورواه الفاكهي في (أخبار مكة) عن محمد بن إسماعيل، عن روح بن عبادة، به.
ورواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد قال: حدثنا حاتم، به.
стр. 1036
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه أبو صالح مولى أم هانئ، وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه؛ فرواه تارة أخرى موصولًا، عن أم هانئ كما تقدَّم.
стр. 1037
١٧٦ - حَدِيثُ جَعْدَةَ الْمَخْزُومِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ جَعْدَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، بنحوه.
[الحكم]: ضعيف.
[التخريج]: [علقط (٩/ ٣٦٥/ ٤٠٦٩) معلقًا].
[السند]:
علَّقه الدارقطني في العلل: عن معاذ بن معاذ، عن شعبة، عن جعدة، مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف مع إرساله، فيه جعدة المخزومي، وهو ضعيف، وقد رواه موصولًا، عن أبي صالح، عن أم هانئ، وقد تقدَّم بيان ذلك.
стр. 1038
١٧٧ - حَدِيثُ أَبي نَوْفَلِ بْنِ أَبي عَقْرَبٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ أَبي نَوْفَلِ بْنِ أَبي عَقْرَبٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أُمِّ هَانئٍ فَخَطَبَهَا إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَتْ: كَيفَ بهَذَا ضَجِيعًا وَهَذَا رَضِيعًا؟ لوَلَدَينِ بَيْنَ يَدَيهَا فَاسْتَسْقَى فَأُتيَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ سُؤْرَهُ فَقَالَتْ: لَقَدْ شَرِبْتُ وَأَنَا صَائِمَةٌ، قَالَ: ((فَمَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ )) قَالَتْ: مِنْ أَجْلِ سُؤْرِكَ لَم أَكُنْ لأَدَعُهُ لشَيْءٍ لَم أَكُنْ أَقْدِرُ عَلَيهِ فَلَمَّا قَدَرْتُ عَلَيْهِ شَرِبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ في صِغَرِهِ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ، وَلَو أَنَّ مَريَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ رَكِبَتِ الإِبِلَ مَا فَضَّلتُ عَلَيهَا أَحَدًا)).
[الحكم]: ضعيف، دون قوله: ((نسَاءُ قُرَيش .. ذَات يَده)) فمتفق عليه من حديث عن أبي هريرة.
[التخريج]: [سعد (١٠/ ١٤٧)].
[السند]:
قال (ابن سعد): أخبرنا حجاج بن نصير، حدثنا الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: الإرسال؛ فأبو نوفل بن أبي عقرب، تابعي من الثالثة كما في (التقريب ٨٤٢١).
стр. 1039
الثانية: حجاج بن نصير: ((ضعيف كان يقبل التلقين)) (التقريب ١١٣٩).
وأما قوله: ((نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ في صِغَرِهِ وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ))؛ فمتفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٥٠٨٢)، ومسلم (٢٥٢٩).
стр. 1040
١٧٨ - حَدِيثُ نَضْلَةَ بْنِ عَمْرٍو:
◼ عَنْ نَضْلَةَ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ أَنَّهُ لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَرَّيَيْنَ، فَهَجَمَ عَلَيهِ شَوَائِلُ لَهُ، [فَحَلَبَ لرَسُولِ اللهِ ﷺ إِنَاءً] فَسَقَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ شَرِبَ فَضْلَةَ إِنَاءٍ، فَامتَلَأَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَشرَبُ السَّبْعَةَ (فَأُكثرُ) فَمَا أَمتَلئُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ المُؤْمِنَ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَإِنَّ الكَافِرَ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)).
[الحكم]: ضعيف إلَّا المرفوع منه، فله شاهد في الصحيح.
[اللغة]:
قوله: ((بمَريين)) هُوَ تَثنيَةُ مَري، بوزن صَبي، وَيُروَى ((مَريتَين)) تثنيةُ مَرية. والمَري والمَريةُ: الناقَةُ الغَزيرَةُ الدر، مِنَ المَري، وَهُوَ الحَلبُ. (النهاية ٤/ ٣٢٣).
شوائل: جمع شائلة، وهي الناقة التي شال لبنها أي ارتفع. (النهاية ٢/ ٥١٠).
وقال ابن بطال: ((قال أبو عبيد عن الأصمعي: إذا أتى على الناقة من يوم حملها سبعة أشهر جف لبنها، فهي حينئذ شائل، وجمعها: شوائل)) (شرح صحيح البخارى ٦/ ١٨٥).
[التخريج]:
[حم ١٨٩٦٢ ((واللفظ له)) / عه ٨٨٨٤ ((مقتصرًا على المرفوع)) / بز (كشف ٢٩٠٥) مختصرًا/ عل ١٥٨٥/ طب (مجمع ٨٢٥٤) / قا (٣/ ١٥٧ - ١٥٨) / تخ (٨/ ١١٨ - ١١٩) / مث ٩٩٩/ غخطا (١/ ٦٤٤) /
стр. 1041
هقل (٦/ ١١٦) ((والزيادة والرواية له)) / صحا ٦٤٢٣، ٦٤٢٤/ أسد (٥/ ٣٠٦) / كر (٥٦/ ١٨ - ١٩) / غو (١/ ٢٣١) / أزدي (مبهم ٥٢)].
[التحقيق]: انظر الكلام عليه فيما يأتي.
رِوَايةٌ: "فَحَلَبْتُ فِيْهَا فَشَرِبْتُهَا":
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ لِقَاحٍ لِي حَتَّى لَقِيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بمران (١)، فَأَسْلَمْتُ ثُمَّ أَخَذْتُ [عُلْبَةً] فَحَلَبْتُ فِيْهَا فَشَرِبْتُهَا فَقَلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كُنْتُ لأَشْرَبُهَا مِرَارًا مَا أَمْتَلِيُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ المُؤْمِنَ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَإِنَّ الكَافِرَ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)).
[الحكم]: ضعيف إلَّا المرفوع منه، فله شاهد في الصحيح.
[التخريج]:
[كر (٥٦/ ١٩) ((واللفظ له)) / كجي (الفتح ٩/ ٥٣٨) ((والزيادة له)) / دلائل (الفتح ٩/ ٥٣٨) / صبغ (الفتح ٩/ ٥٣٨)].
[التحقيق]:
مداره عند الجميع على محمد بن معن بن محمد بن معن بن نضلة بن عمرو الغفاري، واختلف عليه في إسناده على عدة أوجه:
стр. 1042
الوجه الأول:
أخرجه أحمد في (المسند)، والبخاري في (التاريخ الكبير)، وأبو يعلى في (المسند ١٥٨٥) - ومن طريقهما ابن عساكر في (التاريخ) -.
ثلاثتهم: (أحمد، والبخاري، وأبو يعلى) عن علي بن المديني.
وأخرجه أبو عوانة في (المستخرج)، وأبو نعيم في (معرفة الصحابة) كلاهما من طريق إبراهيم بن المنذر.
وأخرجه عبد الغني بن سعيد في (المبهمات) - ومن طريقه ابن بشكوال في (الغوامض) - من طريق محمد بن إسحاق البلخي.
وأخرجه البيهقي في (الدلائل) من طريق حامد بن يحيى البلخي.
جميعهم (ابن المديني، وابن المنذر، ومحمد بن إسحاق، وحامد بن يحيى) عن محمد بن معن بن محمد بن معن بن نضلة بن عمرو الغفاري، قال: حدثني جدي محمد بن معن، عن أبيه معن بن نضلة، عن نضلة بن عمرو الغفاري، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: محمد بن معن بن نضلة، ترجم له البخاري في (التاريخ الكبير ١/ ٢٢٩)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٨/ ٩٩) برواية ابن ابنه محمد بن معن عنه، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو في عداد المجاهيل، وقد ذكره ابن حبان في (الثقات ١٠٦٦١) على قاعدته في توثيق المجاهيل.
الثانية: أبوه معن بن نضلة، وهو مجهول أيضًا؛ فقد ترجم له البخاري في
стр. 1043
(التاريخ الكبير ٧/ ٣٩٠)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٨/ ٢٧٦) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات ٥٥٦٢، ١١١١٣) على قاعدته.
إذن فلا يصحُّ ما قاله العراقي في (طرح التثريب ٦/ ٢٠)، والهيثمي في (المجمع ٨٢٥٤) بأن رجال إسناده ثقات.
الوجه الثاني: بإسقاط معن بن نضلة:
أخرجه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني) عن يعقوب بن حميد.
وأخرجه ابن قانع في (معجم الصحابة ٣/ ١٥٧) من طريق أبي يعلى محمد بن الصلت.
وأخرجه البيهقي في (الدلائل) من طريق محمد بن إسحاق البلخي.
ثلاثتهم (يعقوب، وأبو يعلى، وابن إسحاق البلخي) عن محمد بن معن بن محمد بن معن بن نضلة بن عمرو، عن جدِّه محمد بن معن، عن جدِّه، نضلة بن عمرو، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: محمد بن معن بن نضلة، وهو مجهول كما تقدَّم.
والثانية: الكلام في حفظ الرواة عن محمد بن معن بن محمد بن معن، وهم:
يعقوب بن حميد بن كاسب، فقد ضعَّفه غير واحد، كما في (ميزان الاعتدال ٤/ ٤٥٠).
وستأتي ترجمته مفصلة.
стр. 1044
وأبو يعلى محمد بن الصلت؛ قال فيه الحافظ: ((صدوق يهم)) (التقريب ٥٩٧١).
ومحمد بن إسحاق البلخي، متهم بالكذب؛ قال ابن عدي: ((لا أرى حديثه يشبه حديث أهل الصدق))، وقال صالح جزرة: ((كذَّاب))، وقال الخطيب: ((لم يكن يُوثَقُ به))، وقال أحمد بن سيار: ((ذكره قتيبة بن سعيد بأسوأ الذكر))، وقال صالح بن محمد: ((كان يضع للكلام إسنادًا، وكان كذَّابًا يروي أحاديث من ذات نفسه مناكير)). انظر: (لسان الميزان ٦/ ٥٤٧). فتكون رواية الجماعة في الوجه الأول (بإثبات معن بن نضلة) أقوى من رواية هؤلاء عن محمد بن معن، لذلك قال ابن قانع عقب الحديث: ((ولم يضبط إسناده)) (معجم الصحابة ٣/ ١٥٨).
ويحتمل أيضًا أنَّ محمد بن معن بن نضلة سمعه تارة من أبيه معن، وتارة أخرى من جدِّه؛ فقد روى عنهما جميعًا كما قال ابن عساكر في ترجمته في (تاريخ دمشق ٥٦/ ١٧).
الوجه الثالث: رُوِيَ عن معن بن نضلة، مرسلًا:
أخرجه أبو يعلى في (المسند ١٥٨٤)، وفي (المعجم)، وفي (المفاريد) - ومن طريقه ابن عساكر - وابن قانع في (معجم الصحابة ٣/ ١٥٨)، وأبو نعيم في (تاريخ أصبهان)، وابن بشكوال في (الغوامض) من طرق عن أبي موسى إسحاق بن موسى الخطمي، عن محمد بن معن، حدثني جدي محمد بن معن، عن أبيه معن بن نضلة: أن نضلة لقي رسول الله ﷺ ... الحديث.
стр. 1045
فمداره على إسحاق بن موسى الخطمي؛ وهو وإنْ كان ثقة إلَّا أنه خالف رواية الجماعة كما تقدَّم.
ولأجل هذه الرواية؛ عدَّ بعضُ العلماء معن بن نضلة في الصحابة، كالبغوي كما في (الإصابة ١١/ ٧٠)، والحسيني في (الإكمال ٨٧٢)، وأشار إلى ذلك ابن حجر فترجم له في القسم الأول من حرف الميم من (الإصابة) وذكر له هذه الرواية، وهي معلولة كما تقدَّم.
لذلك لما ترجم البخاري لمعن في (التاريخ)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)؛ قالوا: روى عن أبيه، ولم يذكروا أنَّ له صحبة كما ذكروا لأبيه نضلة، وأيضًا ذكره ابن حبان في التابعين كما قال الحافظ في (الإصابة ١٠/ ٢٩١).
وقال الهيثمي: ((رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني ... وأما أبو يعلى فإنه قال: عن معن بن نضلة: أن نضلة لقي رسول الله ﷺ فإن كان معن صحابيًّا وإلا فهو مرسل عنده)) (المجمع ٨٢٥٤).
الوجه الرابع:
أخرجه البزار، وابن عساكر في (التاريخ) من طريق يعقوب بن محمد الزُّهري، عن محمد بن معن، حدثني أبي (معن بن محمد بن معن)، عن جدِّي (معن بن نضلة)، عن نضلة بن عمرو الغفاري، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علل:
الأولى: جهالة معن بن نضلة، كما تقدَّم.
والثانية: معن بن محمد بن معن بن نضلة، ترجم له البخاري في (التاريخ الكبير ٧/ ٣٩٠)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٨/ ٢٧٧) برواية
стр. 1046
جماعة عنه، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات ١١١١٢) على قاعدته؛ لا جرم قال فيه ابن القطان: ((لا تُعرف حاله)) (الوهم والإيهام ٣/ ٥٨٥)، وقال الحافظ: ((مقبول)) (التقريب ٦٨٢٢).
قلنا: وذِكْرُ أبي محمدٍ معن بن محمد في إسناده وهم كما قال ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٥٦/ ١٩)، ولعل سبب هذا الوهم هو يعقوب بن محمد الزُّهري، وهو العلة:
الثالثة: ضعف يعقوب بن محمد الزُّهري، قال فيه الحافظ: ((صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء)) (التقريب ٧٨٣٤).
وقد اضطرب يعقوب فيه؛ فرواه تارة أخرى عن محمد بن معن، عن أبيه، عن جدِّه نضلة بن عمرو، به. بإسقاط جدِّه معن بن نضلة. أخرجه أبو نعيم في (الصحابة ٦٤٢٣).
ورواه تارة عن محمد بن معن قال: سمعت جدي (معن بن نضلة) قال: حدثني: أبي نضلة بن عمرو. بإسقاط أبيه معن بن محمد. أخرجه ابن عساكر في (تاريخه).
وبذلك يكون الحديث ضعيفًا، إلَّا أنَّ المرفوع من الحديث له شاهد، في (صحيح مسلم ٢٠٦٣/ ١٨٦) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)).
وهو في الصحيحين من حديث ابن عمر وأبي هريرة بلفظ: ((إِنَّ المُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ ... ))، وسيأتي تخريجها مفصلة في (كتاب الأطعمة والأشربة) إن شاء الله.
стр. 1047
[تنبيهات]:
ذكر ابن عساكر عن أبي القاسم البغوي، قال: ((ولا أعلم لنضلة بن عمرو غير هذا)).
فتعقبه ابن عساكر فقال: ((وقد وقع إليَّ لنضلة حديث غير هذا))؛ ثم أخرج بإسناده عن نضلة بن عمرو الغفاري أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقال: ((مَا اسْمُكَ))، قال: مُهَانٌ، قال: ((أَنْتَ مُكْرَمٌ)).
وأن النبي ﷺ صلى على البراء بن معرور بعدما قدم المدينة؛ فقال: ((اللهُمَّ صَلِّ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ وَلَا تَحْجُبْهُ عَنْكَ يَوْمَ القِيَامَةِ)) (تاريخ دمشق ٥٦/ ١٩).
стр. 1048
١٧٩ - حديث معن بن نضلة مرسلًا:
◼ وعَن مَعَن بن نَضلَةَ: أَنَّ نَضلَةَ لَقيَ رَسُولَ الله ﷺ بمُرينَ (بمرس)، وَمَعَهُ شَوَائلُ (شُوَيهَاتٌ) لَهُ، فَحَلَبَ لرَسُول الله ﷺ في إِنَاءٍ، فَشَرِبَ رَسُولُ الله ﷺ . ثُمَّ شَرِبَ من إِنَاءٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لَأَشرَبُ سَبعَةً، فَمَا أَشْبَعُ، وَمَا أَمتَلئُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ المُؤْمِنَ يَشْرَبُ (يَأْكُلُ) فِي مِعًى (معَاءٍ) وَاحِدٍ، وَإِنَّ الكَافِرَ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)).
[الحكم]: مرسل ضعيف إِلَّا المرفوع منه فله شاهد في الصحيح.
[اللغة]:
قوله: ((بمرس))، مَرَسٌ: بالتحريك، والسين مهملة: موضع بالمدينة. (معجم البلدان للحموي ٥/ ١٠٦).
قوله: ((شُوَيهَات)) جمع شُوَيهة، وهي تصغير شَاة وشَاهَةٌ، وهي الغنم. وانظر: (النهاية ٢/ ٥٢١ - ٥٢٢)، و (مختار الصحاح ص: ١٧١).
[التخريج]:
[عل ١٥٨٤ ((واللفظ له)) / معل ٢٥٩/ مفا ٩٦/ قا (٣/ ١٥٨) ((والرواية الثالثة والرابعة له)) / أصبهان (١/ ١٤٨) ((والرواية الأولى والثانية له)) / كر (٥٦/ ١٧ - ١٨) / غو (١/ ٢٣٠ - ٢٣١) / صبغ (إصا ١١/ ٦٩ - ٧٠) / دلائل (إصا ١١/ ٦٩ - ٧٠)].
[السند]:
قال أبو يعلى: حدثنا أبو موسى إسحاق بن موسى الأنصاري، حدثنا محمد بن معن، حدثني جدي محمد بن معن، عن أبيه معن بن نضلة، به.
стр. 1049
ومداره عندهم على إسحاق بن موسى، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف من أجل محمد بن معن بن نضلة؛ فهو مجهول، وكذا أبوه معن بن نضلة، وقد تقدَّم الخلاف في صحبته والراجح أنه تابعي؛ فتكون روايته هذه مرسلة.
[التحقيق]:
رُوِيَ هذا الحديث بهذا السياق من طريقين عن ابن عباس:
الطريق الأول:
مداره على علي بن زيد - كما قال الحافظ ابن حجر كما في (الفتوحات الربانية ٥/ ٢٣٨) -، وقد اختلف عليه على وجهين:
الوجه الأول:
رواه أبو داود، والترمذي وغيرهما من طرق عن علي بن زيد، عن عمر بن أبي حرملة، عن ابن عباس، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: علي بن زيد بن جدعان، ضعيف كما قال أحمد، وابن معين، والنسائى.
وقال سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد: ((حدثنا علي بن زيد، وكان يقلب الأحاديث)) (تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٤٠). وقال الحافظ: ((ضعيف)) (التقريب ٤٧٣٤).
والثانية: عمر بن أبي حرملة، وقد اختلفوا في اسمه على وجوه؛ فقيل: ((عمرو بن حرملة)) ولا يصحُّ كما قال الترمذي في (السنن)، وقيل: ((عمر بن أبي حرملة)) وهو ما رجَّحه الترمذي في (الشمائل)، وقيل: ((عمر بن حرملة)) وهو ما رجَّحه البخاري، وابن حبان، وابن عبد البر، وانظر: (التاريخ الكبير ٦/ ١٤٩)، و (الثقات ٤٣١٠)، و (الاستذكار ٢٦/ ٢٨٧).
وأيّا ما كان فهو مجهول، كما في (التقريب ٤٨٧٥)، وسُئل أبو زُرْعَةَ عنه فقال: ((بصري لا أعرفه إِلَّا في هذا الحديث)) (الجرح والتعديل ٦/ ١٠٢).
стр. 1053
وبهاتين العلتين ضعَّف الشوكاني الحديثَ في (نيل الأوطار ٨/ ١٩١)، وكذا العظيم آبادي في (عون المعبود ١٠/ ١٤١).
ولعل الاختلاف في اسم عمر بن حرملة من علي بن زيد، فإنه كان يقلب الحديث كما سبق في ترجمته بل قال حماد بن زيد في رواية أخرى: ((كان علي بن زيد يحدثنا اليوم بالحديث ثم يحدثنا غدًا، فكأنه ليس ذاك)) (مقدمة الجرح والتعديل ١/ ١٨٠).
الوجه الثاني:
رواه ابن عبد البر في (التمهيد ٢١/ ١٢٢ - ١٢٣) من طريق إسماعيل بن زكريا الخلقاني، عن سفيان، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: ((أُتِي النَّبِيُّ ﷺ بِقَعْبٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: ((يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ الشَّرْبَةَ لَكَ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤْثِرَ بِهَا خَالِدًا))، فَقَالَ: مَا أَنَا بِمُؤْثِرٍ بِسُؤْرِكَ عَلَيَّ أَحَدًا)).
فذكر في الإسناد يوسف بن مهران بدلًا من عمر بن حرملة، وهذا خطأ من إسماعيل بن زكريا - الراوي عن سفيان بنِ عُيَينَة - فإنه ((صدوق يخطئ قليلًا)) كما في (التقريب ٤٤٥)، وقد خالفه الثقات الحفاظ من أصحاب ابنِ عُيَينَة، على رأسهم الحميدي كما في (مسنده ٤٨٨)، وأحمد في (المسند ١٩٠٤)، وعبد الرزاق في (المصنف ٨٨٤٣)، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي كما عند ابن السني في (اليوم والليلة ٤٧٥) جميعهم عن سفيان بن عُيَينَة، عن علي بن زيد، عن عمر بن حرملة، به.
وقد أشار لهذه العلة ابن عبد البر، فقال: ((وقد روى الحميدي هذا الحديث عن سفيان فخالف في إسناده الخلقاني؛ والحميدي أثبت منه)).
стр. 1054
وللحديث علة أخرى وهي مخالفة عمر بن حرملة لأصحاب ابن عباس في سياق الحديث؛ فقد رواه سعيد بن جبير، ويزيد الأصم، وأبو أمامة بن سهل - ثلاثتهم - عن ابن عباس، كما أخرجه البخاري (٢٥٧٥، ٥٣٩١)، ومسلم (١٩٤٨، ١٩٤٥)، وليس فيه تفل أو تبزق النبي ﷺ على الضب المشوي الذي قدم له، وليس فيه أيضًا قصة شرب اللبن ولا الدعاء.
الطريق الثاني:
رواه ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا ابنُ جُرَيجٍ، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس به مختصرًا.
وهذا إسناد ضعيف أيضًا؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: إسماعيل بن عياش؛ وهو صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم كما في (التقريب ٤٧٣)، وهذه ليست منها، فإن ابنَ جُرَيجٍ مكي.
الثانية: عنعنة ابن جُرَيجٍ؛ فإنه كان مدلسًا، وكما قال الدارقطني: ((تجنب تدليس ابن جُرَيجٍ فإنه قبيح التدليس لا يُدلس إلَّا فيما سمعه من مجروح)) (تهذيب التهذيب ٦/ ٤٠٥).
الثالثة: اختلاط هشام بن عمار؛ قال الحافظ في (التقريب ٧٣٠٣): ((صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح)).
وقد ذكر ابن أبي حاتم أنه حدَّث بهذا الحديث بأَخَرَةٍ - أي: بعدما اختلط - وانظر: (العلل ١٤٨٢).
وقد بيَّن أبو حاتم أنَّ هذا الإسناد فيه خطأ فقال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي
стр. 1055
عن حديث رواه هشام بن عمار بأخرة، عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جُرَيجٍ، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ (في الضَّبِّ)، وقصة خالد بن الوليد؟
قال أبي: هذا خطأ إنما هو الزُّهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن ابن عباس، عن خالد بن الوليد، عن النبي ﷺ ).
قلنا وقد توبع أبو أمامة بن سهل من سعيد بن جبير ويزيد الأصم، جميعهم، عن ابن عباس، كما في الصحيحين.
وأما قصة ((السؤر)). فبيَّن أبو حاتم أن الصواب فيها: هو حديث الزُّهري، عن أنس - المذكور في أول الباب، وهو أيضًا في الصحيحين - وليس: الزُّهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس.
قلنا: وقصة ((الشرب)) لها شواهد أخرى من حديث سهل بن سعد في الصحيحين، وحديث عبد الله بن بسر عند مسلم.
وأما قصة ((الدعاء بعد الطعام)) فقال: ((ليس هذا من حديث الزُّهري، إنما هو من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن عمر بن حرملة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ).
فأصبح طريق هشام بن عمار لا يصلح متابعًا للطريق الأول حتى يتقوَّى به - كما ذهب الألباني في (الصحيحة ٥/ ٤١١ - ٤١٣) - بل رجع إلى نفس الطريق الأول، وإنما الوهم من هشام بن عمار؛ فقد قال أبو حاتم: ((وأخاف أن يكون قد أدخل على هشام بن عمار؛ لأنه لما كبر تغيّر)) (العلل ٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩).
وقد رواه هشام تارة أخرى، عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جُرَيجٍ