يتقنُ ما سمعَ"، (المؤتلف والمختلف ١/ ١٦٠).
وتبعه الخطيبُ في (التلخيص ١/ ٩٣)، وابنُ ماكولا في (الإكمال ١/ ٢٠٠)، وابنُ ناصرٍ في (التوضيح ١/ ٣٥٠)، وزاد الخطيبُ في شيوخه -وتبعه ابنُ ماكولا-: "عبد الرحمن بن يزيد القاص".
وعبد الله بن بحير هذا، ذكر أبو داود في (السنن) -عقب الحديث رقم (٣٢٠٦) -، والعسكريُّ في (تصحيفات المحدثين ٢/ ٦٨٢)، أنه ابن بحير بن رَيْسان!
وهذا هو الذي اعتمده المزيُّ -وتبعه كثيرٌ ممن جاءَ بعده-، فجَمَع بين أبي وائل القاص، وبين ابن بحير الذي جزمَ بأنه ابن ريسان، فقال: "عبد الله بن بحير بن ريسان المرادي، أبو وائل القاص اليماني الصنعانيُّ، والد يحيى بن عبد الله بن بحير"، ثم نقلَ عن ابنِ مَعِينٍ أنه وَثَّقَهُ، وعن هشام بن يوسف أنه قال فيه: "كان يتقنُ ما سمع"، ثم قال: "وذَكَره ابنُ حِبَّانَ في كتاب (الثقات) " (التهذيب ١٤/ ٣٢٤).
وهذا الكلام فيه خطأ من جانب، ونظر من جانب آخر:
فأما الخطأ: فهو الجمع بين عبد الله بن بحير القاص وبين أبي وائل القاص (١)، كلاهما يماني، وهذا وَقَعَ فيه الدارقطنيُّ والمزيُّ ومَن تبعهما، وقد خالفوا بذلك غير واحد منَ الأئمةِ النقاد! !
فقد سبقَ عن البخاريِّ، ومسلمٍ، وابنِ أبي حاتم، وأبي أحمدَ الحاكمِ ... وغيرهم - أن أبا وائل القاص لا يُعرف اسمه. وهذا يعني أنه ليس هو عبد الله
стр. 10572
ابن بحير القاص.
ولذا فَرَّق البخاريُّ في (التاريخ)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، بين أبي وائل القاص الذي ترجما له في (الكنى) من كتابيهما ولم يُسمِّيَاه، وبين عبد الله بن بحير، فترجمَ له البخاريُّ في الأسماءِ قائلًا: "عبد الله بن بحير اليماني، عن هانئ مولى عثمان، سمع منه هشام بن يوسف" (التاريخ الكبير ٥/ ٤٩)، وترجمَ له ابنُ أبي حاتمٍ في العبادلةِ منَ الأسماءِ، كما في (الجرح والتعديل ٥/ ١٥)، ولم يكنه -لا هو ولا البخاريُّ- بأبي وائل ولا بغيره.
وقد صَرَّحَ ابنُ أبي حاتم بالتفرقةِ بينهما في موضعٍ آخرَ من (الجرح والتعديل ٩/ ١٠٠)، وتبعه الحافظُ عبدُ الغني بنُ سعيدٍ صاحبُ (الكمال)، وقد خالفه المزيُّ في (تهذيب الكمال ٣٠/ ١٤٧/ حاشية ٢)، فتعقبه مغلطايُ في (الإكمال ٤٩٢٤).
وَذَهَبَ ابنُ حِبَّانَ ليفرق بينهما فلم يَسْلَمْ منَ الخلطِ، إذ ترجم في (الثقات ٧/ ٢٢) لـ: "عبد الله بن بحير اليماني، يَروى عن هانئ مولى عثمان، روى عنه هشام بن يوسف"، وترجم في (المجروحين ١/ ٥١٨) لأبي وائل القاص، فسَمَّاه أيضًا: عبد الله بن بحير! ووَقَعَ في الخلطِ بينهما! كما سيأتي بيانُه قريبًا.
ويؤكدُ صحةَ صنيع البخاري -ومَن معه منَ الأئمةِ- عدة أمور:
منها: أن أبا وائل القاص الذي رَوى هذا الحديثَ في الوضوء من الغضب- لم نجدْه قد سُمِّي قط في أي طريق من طرقه أو أي مرجع منَ المراجع التي روته مسندًا على كثرتها!
وقد روى عنه عبدُ الرزاقِ أثرًا آخر، وذكره أيضًا بكنيته فقط، (المصنف
стр. 10573
١٧٠٢٧).
وروى عنه ابنُ المباركِ أثرًا ثالثًا، فقال: "حدَّثني أبو وائل -شيخ من أهل اليمن-، عن هانئ البربري مولى عثمان قال: كنتُ عندَ عثمانَ، وهم يعرضون المصاحف، ... "إلخ، رواه أبو عبيد في (فضائل القرآن ١/ ٢٨٦)، وعنه الطبريُّ في (التفسير ٤/ ٦٠٢).
فلو كان ابنُ المباركِ يُعرفُ له اسمٌ، لما عَرَّفه بقوله: "شيخ من أهل اليمن"، ولعَرَّفه باسمه.
وقد بحثنا عنه كثيرًا، فلم نجدْه قد سُمِّي في روايةٍ مُسْنَدَةٍ قط!
ومنها: أنا تتبعنا عدة أحاديث يرويها عبد الله بن بحير القاص، وهي حديث: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيَقْرَأْ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ))، وحديث: ((القَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ))، وحديث: ((اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ... ))، وحديث: ((لَا تَنسَوُا العَظِيمَتَيْنِ))، وحديث الثلاثة نفر الذين دخلوا في كهف، فوَقَعَ قِطْعَةٌ مِنَ الجبلِ على بابِ الكهفِ ... الحديث بطوله.
الحديث الأول في قراءة سورة التكوير- يرويه عنه إبراهيم بن خالد، وعبد الرزاق، وهشام بن يوسف. والثاني والثالث تفرَّدَ بهما هشام بن يوسف عنه. والرابع يرويه عنه رباح بن زيد. والخامس يرويه عنه محمد بن عبد الرحيم بن شروس.
وكانتِ النتيجةُ أن عبدَ اللهِ بنَ بحيرٍ القاص لم يُكْنَ في هذه الأحاديث بأبي وائل قط! رغم تعدد الرواة عنه وتعدد المراجع التي خَرَّجت الأحاديث!
وقد بحثنا عنه كثيرًا، فلم نجده قد كُني في رواية مسندة قط!
فمَن سمَّى أبا وائل القاص: عبد الله بن بحير، مِن أين أتى بهذه التسمية؟
стр. 10574
وما دليله عليها؟ !
وكذلك مَن كنى عبد الله بن بحير بأبي وائل، مِن أين أتى بهذه التكنية؟ وما دليله عليها؟ !
لا شَكَّ أنه لا دليلَ إلا بعد الخلط بينهما، واعتبارهما رجلًا واحدًا، بحجة أنهما قد رويا عن هانئ مولى عثمان، وأن إبراهيم بن خالد، وعبد الرزاق قد رويا عنهما جميعًا (١).
وهذا غير كافٍ للجمع بينهما؛ ولذا كانت عبارة أبي داود: "أُراه عبد الله بن بحير".
هكذا بلا جزم، بل مع التردد أو الشك.
ومما يُضعف هذا الرأي: أن الراوي الذي يروي عن شيخِهِ مرة باسمه مجردًا ومرة بكنيته مجردًا- لابدَّ وأن يجمعَ بين الاسم والكنية أيضًا ولو مرَّة ما.
وهذا إبراهيم بن خالد ومعه عبد الرزاق- قد روى كل منهما عن أبي وائل بلا تسمية، وعن عبد الله بن بحير بلا تكنية، ولم يجمعا قط بين هذا الاسم وهذه الكنية.
فهذا إنما يدلُّ على التفرقةِ؛ ولذا فَرَّق بينهما من سميناهم منَ الأئمةِ، وجزمَ غيرُ واحدٍ منهم بأن أبا وائل لا يُعرفُ اسمه.
وهذا مما يُتعقب به على ابنِ حِبَّانَ، فإنه سمَّى أبا وائل: عبد الله بن بحير، ولا دليلَ على هذه التسمية إلا بعد الجمع بين الاثنين كما سبقَ، ومن
стр. 10575
المفترض أنه ممن فَرَّق بينهما، إذ ذكر ابن بحير في (الثقات)، وصاحبنا أبا وائل في (المجروحين)!
ولكن صنيعه في (المجروحين)، يدلُّ على أنه قد وَقَعَ فعلًا في الخلط بين الاثنين، حيث قال عن أبي وائل: "وهذا يَروي عن عروة بن محمد بن عطية، وعبد الرحمن بن يزيد الصنعانيُّ"، ثم ذَكَر له حديث الوضوء من الغضب، والحديث المشار إليه آنفًا في قراءة ﴿إذا الشمس كورت﴾! (المجروحين ١/ ٥١٨ - ٥١٩).
وهذا الحديثُ الثاني إنما هو حديث "عبد الله بن بحير" الذي ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات)! ، رواه عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ الصنعانيِّ عنِ ابنِ عمرَ. وممن رواه عن ابن بحير: هشام بن يوسف كما سبقَ. وهشام قد مَرَّ أنه قال عن شيخه هذا: "كان يتقنُ ما سمع"، فأما أبو وائل القاص الذي جرحه ابنُ حِبَّانَ، فليست له رواية عن ابنِ يزيدَ الصنعانيِّ أصلًا!
كما أن هشامًا ليستْ له رواية عن أبي وائل، وهذا مما يُتعقب به على ابنِ أبي حاتم أيضًا، فإنه ذَكَر هشام بن يوسف ضمن تلاميذ أبي وائل! وتبعه على ذلك غيرُ واحدٍ!
وهشام بن يوسف لم يَرْوِ عن أبي وائل قط، إلا في زعم من خلط بينه وبين ابن بحير.
وابنُ أبي حاتم لم يخلطْ بينهما، بل فَرَّق!
وقد روى هشام عن عبد الله بن بحير القاص عدة أحاديث -كما سبقَ- ولم يكنه فيها بأبي وائل قط، بل لم نجدْ له رواية عن رجلٍ سمَّاه هو: أبا وائل!
стр. 10576
ولذا لم يُذكر "هشام بن يوسف" في تلاميذ أبي وائل القاص عند البخاريِّ، ومسلمٍ، وأبي أحمدَ الحاكمِ، كما سبقَ.
وهذا أحد الفروق بين أبي وائل القاص وبين ابن بحير القاص، فأبو وائل يَروي عن الأمير عروة، ولا يَروي عنه ابن بحير. وابن بحير يَروي عنه هشام، ولا يَروي عن أبي وائل!
وأما الجانب الآخر الذي فيه نظر: فهو الجمع بين أبي وائل القاص -الذي ظنَّه بعضُهم خطأ: عبد الله بن بحير- وبين عبد الله بن بحير بن ريسان.
وهذا الجمع هو مقتضى صنيع أبي داود، وعليه سارَ المزيُّ ومَن تبعه.
وهو يُخَالِفُ ما ذَهَبَ إليه جماعةٌ منَ العلماءِ، حتى من خلط بين أبي وائل وابن بحير:
فقد قال ابنُ حِبَّانَ: "أبو وائل القاص اسمه: عبد الله بن بحير الصنعانيُّ، وليس هو عبد الله بن بحير بن ريسان، ذاك ثقة. وهذا يَروي عن عروة بن محمد بن عطية وعبد الرحمن بن يزيد الصنعانيُّ- العجائب التي كأنها معمولةٌ، لا يجوزُ الاحتجاج به" (المجروحين ١/ ٥١٨).
وتبعه السمعانيُّ في (الأنساب ١٠/ ٣٠٢)، وابنُ الجوزيِّ في (الضعفاء ١٩٨٩)، وابنُ طَاهِرٍ القيسرانيُّ في (التذكرة ١١١٠)، وابنُ ناصرِ الدينِ في (التوضيح ١/ ٣٥٣)، ومغلطايُ في (الإكمال/ ٢٨١٢)، إلا أنه لم يخلط بين أبي وائل وبين ابن بحير كما سبقَ.
وكذلك فَرَّق بينهما الخطيبُ، فترجم لعبد الله بن بحير، أبي وائل الصنعانيُّ القاص- بنحو ما ترجم به الدارقطنيُّ آنفًا، ثم قال: "وعبد الله بن بحير بن ريسان الحميري حَدَّثَ عن محمد بن أبي محمد"، وساق له حديث:
стр. 10577
((حُجُّوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُّوا))، وهو من رواية عبد الرزاق عنه على الراجح كما في (التلخيص ١/ ١٩٣، ١٩٤).
فهذا يعني أن عبد الله بن بحير المترجم له في (التهذيبين) ليس هو ابن ريسان عند ابنِ حِبَّانَ والخطيبِ ومَن تبعهما، خلافًا لما جزمَ به أبو داود، والمزيُّ، وغيرهما، وبهذا تعقب مغلطايُ في (الإكمال/ ٢٨١٢) على المزيِّ، كما تعقب ابن ناصرٍ في (التوضيح ١/ ٣٥٣)، على الذهبيِّ الذي تبع المزي في بعضِ كتبه، وخالفه في بعضِها الآخر! كما سيأتي.
ولكن المتأمل يجدُ أن ابنَ ريسان المذكور في كلام ابنِ حِبَّانَ والخطيبِ ليس هو ابن ريسان المذكور في كلام المزي! ولا نعني بذلك أنه يوجد رجلان يسمى كل منهما "عبد الله بن بحير بن ريسان"! ولكن قد سُمي كل من الرجلين -أو أحدهما- بغير اسمه الحقيقي!
فابنُ حِبَّانَ قد ترجم في (الثقات ٧/ ٢٢) لـ "عبد الله بن بحير اليماني" كما سبقَ، وترجم فيه أيضًا لـ "عبد الله بن (بحير) بن ريسان من أهل اليمن، يَروي عن (ابن) طاوس، روى عنه عبد الرزاق" (الثقات ٨/ ٣٣١).
فأيُّ الرجلين عنَاه ابنُ حِبَّانَ بقوله في المجروحين: "وليس هو عبد الله بن بحير بن ريسان"؟
فأما الأول فلم ينسبه لـ"ريسان" قط، فلا شَكَّ أنه عنى الثاني الذي يَروي عنه عبد الرزاق، لاسيما وقد خلط في (المجروحين) بين الأول وبين أبي وائل كما بَيَّنَّاهُ.
وابن ريسان هذا الذي ترجمَ له ابنُ حِبَّانَ في (الثقات)، والخطيبُ في (التلخيص)، ليس هو عبد الله بن بحير، وإنما هو عبد الله بن عيسى بن
стр. 10578
بحير، وقد ترجمَ له البخاريُّ فقال: "عبد الله بن عيسى بن بحير بن ريسان، سمع ابن طاوس، روى عنه عبد الرزاق"، وبعده بترجمة قال: "عبد الله بن عيسى الجندي عن محمد بن أبي محمد، روى عنه عبد الرزاق، إن لم يكن هو الأول فلا أدري" (التاريخ ٥/ ١٦٣، ١٦٤).
وقد جمع بينهما ابنُ أبي حاتم، فقال: "عبد الله بن عيسى بن بحير بن ريسان الجندي، روى عن [ابن] (١) طاوس ومحمد بن أبى محمد [عن أبيه] عن أبى هريرة، روى عنه عبد الرزاق" (الجرح والتعديل ٥/ ١٢٦).
ولذا عَقَّب ابن ماكولا على ترجمة ابن ريسان التي نقلها عن الخطيب بقوله: "وأنا أحسبه عبد الله بن عيسى بن بحير، نُسب إلى جده" (الإكمال ١/ ٢٠١)، وتبعه ابنُ ناصر الدين الدمشقيُّ في (التوضيح ١/ ٣٥٠).
قلنا: ويؤيده أن حديثَ الحجِّ الذي ساقه الخطيبُ لابنِ ريسان هذا قد رواه الفاكهيُّ في (أخبار مكة ٨٠٩) -ومن طريقه العُقيليُّ في (الضعفاء ٢/ ٣٨٤) - عن سلمة بن شبيب، ورواه الدارقطنيُّ في (السنن ٢٧٩٥) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبرى ٨٧٧٤) -، وأبو نُعيمٍ في (تاريخ أصبهان ٢/ ٣٧) من طريق أحمد بن منصور الرمادي.
كلاهما عن عبد الرزاق عن عبد الله بن عيسى -زاد الرماديُّ: بن بحير-، عن محمد بن أبي محمد، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.
стр. 10579
فبان بذلك أن من جعله عبد الله بن بحير كما في (التاريخ الكبير ١/ ٢٢٦)، و (الضعفاء للعقيلي ٢/ ٣٨٤)، و (التلخيص)، فقد نَسَبَهُ لجده كما قال ابنُ ماكولا، ولعلَّ البخاريَّ كان يشيرُ إلى ذلك بصنيعه في ترجمة "محمد بن أبي محمد" من (التاريخ ١/ ٢٢٥).
إذن، فعبد الله بن بحير بن ريسان الذي ترجمَ له ابنُ حِبَّانَ في (الثقات)، والخطيبُ في (التلخيص) - إنما هو ابنُ عيسى بن بحير بن ريسان! ولكن يبدو أن ابنَ حِبَّانَ والخطيبَ لم يفطنا لذلك، وعليه فلا يصحُّ التعقب على المزيِّ ومَن تَبِعَهُ بصنيع ابنِ حِبَّانَ والخطيبِ إلا من هذه الجهةِ فقط! وإلا فعبد الله بن بحير بن ريسان الذي ترجمَ له المزيُّ، هو رجلٌ آخرُ غير المترجم عندهما، فالمزيُّ إنما يعني به "عبد الله بن بحير القاص" الذي روى عنه هشام بن يوسف وقال فيه: "كان يتقنُ ما سمعَ".
وقد ترجمَ له البخاريُّ، وابنُ أبي حاتم، وابنُ حِبَّانَ، والدارقطنيُّ ... وغيرهم، ولم يذكروا أنه ابن ريسان، ولم ينسبه إليه أحد ممن روى عنه! بل ولم نجدْ مَن صَرَّحَ بأنه ابن ريسان قبل المزيِّ سوى أبي داود والعسكري كما سبقَ، فإن صَحَّ قولهما، وإلا فهو آخر، وهذا الذي نميلُ إليه لأسبابٍ لا حاجةَ لذكرها هنا، وقد ذَكَرَ بعضها صاحب موسوعة (منهج تعيين الرواة)، فإنا وجدناه قد توصل إلى ما توصلنا إليه، غير أنه قد فاته كثير مما سطرناه هنا.
وخلاصةُ ما سبقَ: أن هناك ثلاثة رواة:
أولهم: عبد الله بن عيسى بن بحير بن ريسان (وقد يُنسب إلى جده فيقال: عبد الله بن بحير بن ريسان)، وهذا هو الذي ذكر ابنُ حِبَّانَ أنه ثقة!
стр. 10580
وثانيهم: عبد الله بن بحير الصنعانيُّ القاص (وقد جَزَمَ أبو داود وغيره أن جده: ريسان)، وهذا هو الذي روى عنه هشام بن يوسف، وأثنى عليه، ووصفه بالإتقان.
وثالثهم: أبو وائل الصنعانيُّ المرادي القاص، لا يُعرف اسمه.
وهذا هو صاحب حديثنا في الوضوء من الغضب، وهو آخر غير المذكورين آنفًا، فلا يلحقه ثناء هشام بن يوسف ولا توثيق ابن حِبَّانَ، فما هي حاله إذن؟ !
قد ذَكَر ابنُ أبي حاتم أن ابنَ مَعِينٍ وَثَّقَهُ كما في (الجرح والتعديل ٩/ ٤٥٢).
وذَكَر ابنُ حِبَّانَ في (المجروحين) أنه يَروي العجائب التي كأنها معمولة. وقال: "لا يجوز الاحتجاج به" (المجروحين ١/ ٥١٨).
وَأَقرَّهُ السمعانيُّ في (الأنساب ١٠/ ٣٠٢)، وابنُ الجوزيِّ في (الضعفاء ١٩٨٩)، وابنُ طَاهِرٍ القيسرانيُّ في (التذكرة ١١١٠)، وابنُ ناصر الدين في (التوضيح ١/ ٣٥٣).
بينما اضطربَ فيه الذهبيُّ: فسارَ في (التذهيب ٣٢١٩) و (الكاشف ٢٦٤٠) على درب المزيِّ، غير أنه قال في (الكاشف): "وُثِّقَ، وليس بذاك"! بينما قال في (التذهيب): "وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ وغيرُه" -يَقصد هشامًا، وقد بينا أن توثيقَه ليس لأبي وائل-، ثم نقلَ جرحَ ابن حِبَّانَ له، وتعقبه قائلًا: "لم يفرقْ بينهما أحدٌ قبلَ ابنِ حِبَّانَ، وهما واحد" (١)!
стр. 10581
ونقله عنه ابنُ حَجرٍ في (التهذيب ٥/ ١٥٤)، وأقرَّه!
وفاته أن الذهبيَّ نفسه قال في (تاريخ الإسلام ١٠/ ٢٨٩): "وَهِم مَن قال: هو ابن بحير بن ريسان"! ثم قال: "فيه ضعف"، وقال أيضًا: "وله غرائب". ولما ذَكَر كلام ابنِ حِبَّانَ في (الميزان ٢/ ٣٩٥) و (المغني ٣١١١)، لم يتعقبه، بل مالَ إليه، وختم الترجمة في (المغني) بقوله: "له مناكير"، وترجم له في (ديوان الضعفاء ٢١٢٤، ٥٠٧٣)، وقال فيه: "منكرُ الحديثِ بمرة"، وفي (مختصر المستدرك ١/ ٣٧١) قال فيه: "ابن بحير ليس بالعمدة، ومنهم من يقويه"، ولهذا التناقض انتقده ابنُ الملقنِ في (البدر ٥/ ٣٣٢).
وقال ابنُ حَجرٍ في (التقريب ٣٢٢٢): "وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، واضطربَ فيه كلام ابنِ حِبَّانَ"! ومع ذلك لما ذَكَر أثر أبي وائل -الذي مَرَّ آنفًا عن ابنِ المباركِ- في (المطالب ٣٤٨٣) من رواية عبد الرزاق أيضًا عن أبي وائل، ضَعَّفَهُ فقال: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ"! وليس في سندِهِ مَن يُعَل به سوى أبي وائل!
وقد اضطررنا لذكر كلام الذهبيِّ وابنِ حَجرٍ رغم أنهما قد خلطا بين أبي وائل وبين ابن بحير؛ لأن لأبي وائل من كلامهما نصيبًا. وعلى كُلٍّ، فهما متأثران بترجمة المزيِّ، ولا يلحق أبا وائل مما ذكروه سوى توثيق ابنِ مَعِينٍ مقابل جرح ابنِ حِبَّانَ.
وحتى توثيق ابنِ مَعِينٍ الذي ذكره ابنُ أبي حاتم وتبعه عليه المزيُّ وغيره- عليه عدة ملاحظات:
أولًا: أنه في ترجمة عبد الله بن بحير القاص قد نقلَ ابنُ أبي حاتم عن أبيه عن إسحاق بن منصور عن يحيى بنِ مَعِينٍ أنه قال: "عبد الله بن بحير ثقة" (الجرح والتعديل ٥/ ١٥).
стр. 10582
وفي ترجمة أبي وائل نقلَ عن أبيه عن إسحاق بن منصور عن يحيى بنِ مَعِينٍ أنه قال: "أبو وائل المراديُّ الصنعانيُّ ثقة"! (الجرح والتعديل ٩/ ٤٥٢).
فهاتان العبارتان: "عبد الله بن بحير ثقة"، و"أبو وائل المراديُّ الصنعانيُّ ثقة"، من المفترض أنهما لرجلين مختلفين على الأقل عند ابنِ أبي حاتم كما بَيَّنَّاهُ، ولكن المزي -وهو ناقل عن ابن أبي حاتم- قد جمع بين هذين الرجلين في ترجمة واحدة، ولم يذكر تحتها من عبارتي ابنِ مَعِينٍ سوى كلمة "ثقة"! ، فلماذا خالف صنيع ابن أبي حاتم دون أن يبين حجته؟ ! فلا هو نَقَل العبارتين مدللًا على أنهما لرجل واحد، ولا هو تعرَّضَ لصنيع ابن أبي حاتم أصلًا! فلماذا يا ترى؟ ! مع أن الحاجةَ ماسةٌ إلى ذلك!
ثانيًا: قد ذكرنا أن ابنَ أبي حاتم ذكر "هشام بن يوسف" ضمنَ تلاميذ أبي وائل. وإنما هو من تلاميذ ابن بحير القاص كما بَيَّنَّاهُ، فقد خلط بين الرجلين في هذه الجزئية! -حتى إن محقق الكتاب ظَنَّ أن كلتا الترجمتين لرجلٍ واحدٍ! -.
فهل يحتمل أن الخلطَ قد تعدى ذلك إلى التوثيقِ؟ ! وأن إحدى العبارتين قد ذُكرتْ بالمعنى؟ ! وأن هذا هو ما اعتقده المزيُّ؟ وغابَ عنه تبويب ابن أبي حاتم؛ لبُعْد الشُّقة بينه وبين الترجمة الثانية؛ ولذا لم يتعرضْ لقضية التفرقة أصلًا! أم أنه ليس لابنِ مَعِينٍ من هاتين العبارتين سوى كلمة "ثقة" التي نقلها المزي، وما سواها فلمن دونه؟ !
ثالثًا: وبِناء على ما سبق، فإن الذي وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ إنما هو الذي قال فيه هشام بن يوسف: "كان يتقنُ ما سمعَ"، هكذا جَمَعَ بينهما ابنُ أبي حاتم نفسُه، وذَكَرهما المزيُّ تحت ترجمة واحدة جَمَع فيها بين الرجلين، وقد بينا
стр. 10583
أن صاحبَ كلمة هشام إنما هو عبد الله بن بحير القاص، فهو إذن صاحب توثيق ابنِ مَعِينٍ، وهو غير أبي وائل صاحبنا كما بَيَّنَّاهُ.
رابعًا: قولُ ابنِ مَعِينٍ: "عبد الله بن بحير ثقة"، وقوله: "أبو وائل المراديُّ الصنعانيُّ ثقة"، كلاهما من رواية تلميذه إسحاق بن منصور الكوسج، وسؤالاته من التراث المفقود، ولم نجدْ أيًّا من هاتين الروايتين عند غيرِهِ من تلاميذِ ابنِ مَعِينٍ رغم كثرتهم! بل لم نجدْهما حتى عن الكوسجِ نفسِه في شيءٍ من كتب الجرح والتعديل المسندة سوى عند ابنِ أبي حاتم!
حتى إن الدارقطنيَّ، والخطيبَ -وهو ممن يعتني بنقل أقوالِ ابنِ مَعِينٍ- لما ترجما لابنِ بحير، وقد خلطاه بأبي وائل؛ لم يذكرا فيه سوى قول هشام بن يوسف: "كان يتقن ما سمع"، وتوثيق ابن مَعِينٍ أحرى بالذكر، فلماذا لم يذكراه؟ !
فهل من المحتمل أن أصلَ ما رُوي عن الكوسجِ هو ما رواه الدُّوريُّ في (التاريخ/ ٣٦٩٠) قال: "سمعتُ يحيى يقول: عبد الله بن بحير، أو: بجير -شَكَّ أبو الفضل- يَروي عنه أبو داود الطيالسيُّ، وهو ثقة"؟
وأبو الفضل هو الدُّوريُّ نفسُه، وقد رواه ابنُ شاهينَ في (تاريخ أسماء الثقات ٦٣٧) بالشك أيضًا، فقال: "عبد الله بن بُجَير- أو: بَحير- يَروي عنه أبو داود، ثقة، قاله يحيى". والذي يَروي عنه أبو داود الطيالسيُّ هو عبد الله بن بُجَير -بالجيم-، أبو حُمْران البصري، فهو غير صاحبنا.
ولكن إذا كانتِ الروايةُ بالشك بين "بُجَير" وبين "بَحير" حتى عند الدوريِّ نفسِه، فماذا لو وصلت لغيره بلفظ "بَحير" فقط، دون ذكر رواية الطيالسيِّ؟ !
لا شَكَّ أن أمرًا من الأمور المذكورة ليس كافيًا وحده للتشكيك فيما نقله
стр. 10584
ابن أبي حاتم، بل قد يَرى ذلك البعض شططًا في التفكير.
ولكن اجتماع هذه الأمور كلها، مع معارضة ابن حِبَّانَ لهذا التوثيقِ، مع الاختلاف الكبير في هذا الراوي حتى وصفه بعضُهم -كما في (الإكمال لمغلطاي/ ٢٠٦) بالاضطراب- كل ذلك يجعل الناقد لا يطمئنُ إلى هذا التوثيقِ، بل ولا يعتمدُ على مثل هذا الراوي. والله أعلم.
٢ - عروة بن محمد بن عطية السعدي، من رجال أبي داود، وَلَّاه عمر بن عبد العزيز على اليمن (الطبقات الكبرى ٧/ ٣٣٥)، وكان من صالح عمال عمر (تاريخ دمشق ٤٠/ ٢٩١)، وذَكَره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٧/ ٢٨٧)، وقال: "يُخْطِئُ، وكان من خيارِ الناسِ"، وقال الذهبيُّ: "كان ذا زهد وصلاح" (تاريخ الإسلام ٧/ ١٧٠)، وقد روى عنه جماعةٌ منَ الثقاتِ.
ومع ذلك قال ابنُ حَجرٍ: "مقبول"! (التقريب ٤٥٦٧).
بل قال الألبانيُّ: "عروة بن محمد وأبوه، هما عندي مجهولا الحال، ولم يوَثِّقْهُمَا غيرُ ابنِ حِبَّانَ على قاعدته! ".
ثم قال: "وأما عروة، فقد روى عنه جماعةٌ، لكنه لم يوَثِّقْهُ غيرُ ابنِ حِبَّانَ كما ذكرنا، فبقي على الجهالة"، ولذا ذَكَر حديثنا هذا في (الضعيفة ٢/ ٥١)، وقال: "فيه مجهولان"، يعني: عروة وأباه، وقد رَجَعَ عن تجهيله لعروة في موضعٍ آخرَ من (الضعيفة ٦٤٥١)، كما اعتد بأبيه في موضعٍ آخرَ من (الصحيحة ٢٧٢٨)! .
٣ - محمد بن عطية السعدي، قيل: إن له صحبة. وهو خطأ، والصحيح أن الصحبةَ لأبيه كما قال ابنُ عساكر في (تاريخ دمشق ٥٤/ ٢٢٠)، والمزيُّ في (التهذيب ٢٦/ ١١٨)، وذَكَره أبو الحسنِ ابنُ سُمَيْع في الطبقة الثالثة منَ
стр. 10585
التابعينَ، وهو ما يقتضيه صنيع أبي حاتم في (المراسيل ٦٦٢)، ولذا قال ابنُ حَجرٍ: "وَهِم مَن زعم أن له صحبة" (التقريب ٦١٤٠).
وقد ترجم له البخاريُّ في (التاريخ الكبير ١/ ١٩٧) وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٨/ ٤٨)، وابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٥/ ٣٥٩)، وفي (المشاهير، صـ ٢٠٠) وقال في الأخير: "ربما خالف على قلة روايته"، ولم يذكروا في الرواة عنه سوى ولده عروة؛ ولذا ذكره الذهبيُّ في (المغني في الضعفاء ٥٨٢٣)، وفي (ذيل ديوان الضعفاء ٤٦٣) وقال: "تابعيٌّ، لم يَرْوِ عنه إلا ابنه عروة أمير اليمن"، وكذا قال في (الميزان ٣/ ٦٤٨): "تَفَرَّدَ بالروايةِ عنه ولدُهُ الأميرُ عروةُ"، وقال في (الكاشف ٥٠٥٠): "وُثِّق". وكأنه لم يَعتدَّ بصنيع ابنِ حِبَّانَ.
فأما ابنُ حَجرٍ، فقال: "صدوقٌ"! (التقريب ٦١٤٠).
وتَعَّقبه الألبانيُّ بما ذكره الذهبيُّ من أن ولدَهُ قد تفرَّدَ بالروايةِ عنه، ثم قال: "فكيف يكون صدوقًا سيما ولم يوَثِّقْهُ مَن يُعتبر توثيقه؟ ! " (الضعيفة ٢/ ٥١)، وانظر (الضعيفة ٦٤٥١).
هذا مع أن الألبانيَّ قد تعقب الذهبيَّ في مسألةِ التفردِ هذه، فذَكَر في (الصحيحة ٢٧٢٨) حديثًا من رواية فياض بن غَزْوان، عن محمد بن عطية، عن أنس، وقال: "وهذا إسناد جيد"، ثم ترجم لمحمد على أنه صاحبنا السعدي، وذَكَر قولَ الذهبيِّ فيه: "تَفَرَّدَ بالرواية عنه ولده الأمير عروة"، ثم تعقبه قائلًا: "ويَرُده هذا الحديث؛ فإنه من رواية فياض عنه كما ترى".
ومع ذلك ضَعَّفَ حديثنا هذا في (الضعيفة ٢/ ٥١)، وأعلَّهُ بجهالة عروة وأبيه، وقد رَجَع عن تجهيله لعروة في (الضعيفة ٦٤٥١) كما سبقَ، وعلى
стр. 10586
هذا فيلزمه تحسينه! والذي نراه أنه ممن لا يُحتج بهم، وليس هناك ما يقطع بأن شيخ فياض بن غزوان هو صاحبنا السعدي، فمن المحتمل أنه غيره. والله أعلم.
والحديث قد ضَعَّفَهُ ابنُ حِبَّانَ كما سبقَ، وتبعه ابنُ طَاهِرٍ القيسرانيُّ في (التذكرة ١١١٠)، وَضَعَّفَهُ النوويُّ في (الخلاصة ١/ ١٢٢)، والألبانيُّ في (الضعيفة ٥٨٢)، والحوينيُّ في (تنبيه الهاجد ١/ ٤٥١).
بينما سكتَ عليه أبو داود في (السنن)، والمنذرِيُّ في (الترغيب ٣/ ٣٠٤)، والعراقيُّ في (المغني، صـ ١٠٦٣، ١٠٧٠)، وابنُ حَجرٍ في (الفتح ١٠/ ٤٦٧)، ورَمَز السيوطيُّ لحسنه في (الجامع الصغير ٢٠٨٠).
وذَكَر المناويُّ في (الفيض ٢/ ٣٧٧) سكوتَ أبي داود والمنذرِيِّ، ولم يعلق، بينما قال في (التيسير ١/ ٢٩٧): "وسكتَ عليه أبو داود، فهو صالح"!
وكم من حديثٍ ضعيفٍ سكتَ عليه أبو داود! وانظر (النكت الوفية ١/ ٢٥٧، ٢٥٨).
والحديثُ له شاهدٌ لا يُعتدُّ به من حديث معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا بلفظ: ((الغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ مِنَ النَّارِ، وَالمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْتَسِلْ))، وسندُهُ واهٍ جدًّا، انظره في باب (الاغتسال من الغضب)، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
وقوله: ((الغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ))، له شاهدٌ من حديث زيد بن أسلم مرسلًا، رواه ابنُ وهب في (الجامع ٤٧٤)، وعبدُ الرزاقِ في (جامع معمر ٢٠٢٨٨)، والبيهقيُّ في (الشعب ٧٩٣٩)، وقال: "هذا منقطعٌ"، يعني: مرسلًا.
стр. 10587
ولمعناه شاهد من حديث سليمان بن صُرَد عند البخاريِّ (٣٢٨٢)، ومسلمٍ (٢٦١٠) قَالَ: ((كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ، فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا، ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَو قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ)) ... )) الحديث.
وقوله: ((وَالشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنَ النَّارِ))، يشهدُ له صريحُ القرآنِ.
أما الأمر بالوضوء من الغضب، فلم نجدْ له شاهدا!
[تنبيه]:
روى ابنُ عساكر في (التاريخ ٤٠/ ٢٩٠) في ترجمة عروة بن محمد بن عطية -ونقله عنه المزيُّ في (التهذيب ٢٠/ ٣٤) - عن علي بن المديني أنه قال: "وعطية هو الذي روى عن النبي ﷺ : ((إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ)).
فالمرادُ -والله أعلم- أن عطيةَ هو صاحب هذا الحديث، بغضِّ النظرِ عن ثبوته من عدمه.
стр. 10588
٤٠٤ - بَابُ مَا رُوِيَ فِي إِعَادَةِ وُضُوءِ مَنْ فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ
٢٤٠٥ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ، فَلْيُعِدْ وُضُوءَهُ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وَضَعَّفَهُ: ابنُ دَقيقٍ. وأشارَ الذهبيُّ إلى نكارته، وصَرَّحَ بذلك الزبيديُّ، فقال: "منكرٌ جدًّا". وظاهر صنيع السيوطي أنه موضوع، وَأَقرَّهُ ابنُ عراق والفتني والشوكانيُّ.
[التخريج]:
[الترهيب لأبي الشيخ (إمام ٢/ ٣٣٧)، (مغلطاي ٢/ ٢٨) (واللفظُ لَهُ) / فر (ذيل اللآلئ ١٨٢) / مديني (مغيث ١/ ٥)].
[السند]:
رواه أبو الشيخِ الأصبهانيُّ في (الترهيب) -كما في (الإمام لابن دقيق ٢/ ٣٣٧)، و (شرح ابن ماجه لمغلطاي) -: عن محمد بن سعيد الشافعي، عن محمد بن عامر، عن سعد بن عبد الحميد بن جعفر، حدثنا عثمان بن مطر، عن أبي عبيدة، عن علي بن زيد، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، به.
ورواه الديلميُّ في (مسنده) -كما في (ذيل اللآلئ ١٨٢) -، وأبو موسى
стр. 10589
المدينيُّ في (المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث ١/ ٥)، كلاهما: من طريق محمد بن غالب التمتام، عن سعد بن عبد الحميد بن جعفر، به.
فمداره عندهم على سعد بن عبد الحميد، به.
وأبو عبيدة هو عبد الوارث بن سعيد. وعلي بن زيد هو ابن جُدْعان.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
العلةُ الأُولى: عثمان بن مطر الشيباني، قال البخاريُّ وغيرُهُ: ((منكرُ الحديثِ))، وقال أبو حاتم: ((ضعيفُ الحديثِ، منكرُ الحديثِ، أشبه حديثه بحديث يوسف بن عطية))، وقال ابنُ حِبَّانَ: ((يَروي الموضوعات عن الأثبات))، وقال ابنُ عَدِيٍّ: ((متروكُ الحديثِ، وأحاديثُه عن ثابتٍ خاصة مناكير، والضعْف على حديثِهِ بَيِّن)) (تهذيب التهذيب ٧/ ١٥٥).
وذَكَر الذهبيُّ هذا الحديث في (الميزان ٣/ ٥٤) ضمن مناكير عثمان.
العلةُ الثانيةُ: علي بن زيد بن جُدْعان، ضعيف كما في (التقريب ٤٧٣٤).
وبهاتين العلتين أعلَّهُ ابنُ دَقيقٍ في (الإمام ٢/ ٣٣٧).
وبالعلةِ الأُولى فقط أعلَّهُ السيوطيُّ، وأشارَ إلى أنه موضوعٌ، فذكره في (الزيادات على الموضوعات ١٨٢)، ثم أتبعه بقوله: "قال ابنُ حِبَّانَ: كان عثمان بن مطر ممن يَروي الموضوعات عن الأثبات".
وتبعه ابنُ عراق في (تنزيه الشريعة ١/ ٢٧٤)، والفتني في (تذكرة الموضوعات، صـ ٨٤)، والشوكانيُّ في (الفوائد ٥٨/ صـ ٣١٧).
وضَعَّفَ سندَهُ الزبيديُّ، ثم قال: "بل منكرٌ جدًّا" (إتحاف السادة ١/ ٢٥٧).
* * *
стр. 10590
ديوان السنَّة
موسوعة شاملة لكل ما ورد عن سيد المرسلين من أقوال وأفعال وتقريرات
الطهارة
المجلد العشرون
كتاب الوضوء
إعداد
مجموعة من الباحثين
إشراف
عدنان بن محمد العرعور
стр. 10591
تابع كتاب الوضوء
أَبْوَابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّينِ وَالجَورَبَيْنِ وَغَيْرِهِمَا
تحقيق الزيادات:
أما الزيادةُ الأُولى ((تَوضَّأَ مِنْ مَطْهَرَةِ المَسْجِدِ)):
رواها الحميديُّ وغيرُهُ: عن سفيانَ بنِ عيينةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ النخعيِّ، عن هَمَّامِ بنِ الحارثِ ... به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ.
وأما الزيادةُ الثانيةُ ((وَمَا يَمْنَعُنِي)):
فرواها الترمذيُّ وابنُ ماجهْ وغيرُهُما: من طريقِ وكيعٍ، عنِ الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن همامِ بنِ الحارثِ ... به.
وأما الزيادةُ الثالثةُ ((وقد بُلْتَ)):
فأخرجها أحمدُ (١٩١٦٨)، قال: حدثنا أبو معاويةَ، حدثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن همامٍ قال: ((بَالَ جَرِيرٌ ... )) فذكره.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ.
عن بكيرِ بنِ عَامرٍ، عن أبي زرعةَ بنِ عمرِو بنِ جريرٍ: أن جريرًا ... فذكره.
ورواه ابنُ الجارودِ في (المنتقى ٨٢) قال: حدثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا بُكيرٌ -يعني: ابنَ عامرٍ البجليَّ-، عن أبي زرعةَ ... به.
ورواه الطحاويُّ، والحاكمُ، وابنُ خزيمةَ، والطبرانيُّ في (الكبير ٢٤٠١)، والبيهقيُّ في (الكبرى ١٢٨٩)، وابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد) جميعُهُم من طرقٍ عن بُكيرِ بنِ عامرٍ، عن أبي زرعةَ ... به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعفِ بُكيرِ بنِ عامرٍ، كما في (التقريب ٧٥٩).
وبه أَعلَّ هذا الطريقَ الذهبيُّ في (المهذب في اختصار السنن ١/ ٢٧٠).
أما الحاكمُ فصَحَّحَهُ قائلًا: ((هذا حديثٌ صحيحٌ ولم يخرجاه بهذا اللفظِ ... ، وبُكيرُ بنُ عامرٍ البجليُّ، كوفيٌّ ثقةٌ عزيزُ الحديثِ، يُجْمَعُ حديثُهُ في ثقاتِ الكوفيِّينَ))، (المستدرك ١/ ١٦٩).
وهذا مِنْ تساهلِ الحاكمِ، فبكيرُ بنُ عامرٍ أكثرُ أهلِ العلمِ على تضعيفِ حديثِهِ. انظر (تهذيب التهذيب ١/ ٤٩١).
الطريقُ الثاني:
رواه الترمذيُّ (٩٥) قال: حدثنا قتيبةُ، قال: حدثنا خالدُ بنُ زيادٍ الترمذيُّ، عن مقاتلِ بنِ حيانَ، عن شهرِ بنِ حَوشبٍ، عن جريرٍ ... به.
ورواه البيهقيُّ، وأبو نُعَيمٍ، والمزيُّ، وغيرُهُم من طرقٍ عن مقاتلِ بنِ حيانَ، عن شهرِ بنِ حَوشبٍ، عن جريرٍ ... به.
وشهرٌ مختلفٌ فيه، وهو إلى الضعفِ أقربُ.
стр. 10597
والحديثُ حسَّنَهُ الألبانيُّ بمجموعِ الطريقينِ في (صحيح أبي داود ١٤٣).
الطريقُ الثالثُ:
رواه الطبرانيُّ في (الكبير ٢٤٦٠) قال: حدثنا محمدُ بنُ عليٍّ المروزيُّ، ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ قُهْزَاذَ، ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي رِزْمَةَ، عن إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن جريرٍ ... به.
وأخرجه البغويُّ في (معجم الصحابة) من طريقِ عبدِ العزيزِ ... به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ غير إسماعيلَ فضعيفٌ كما في (التقريب ٤١٧).
الطريقُ الرابعُ: رواه الطبرانيُّ في (الكبير ٢٥٠٧) قال: حدثنا عمرُو بنُ أبي الطاهرِ بنِ السَّرْحِ المصريُّ، ثنا أبو صَالحٍ الحرانيُّ، ثنا ابنُ لهيعةَ، عن سعيدِ بنِ محمدٍ الأنصاريِّ، عن عيسى بنِ جاريةَ الأنصاريِّ، عن جَريرٍ البجليِّ ... به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: عيسى بنُ جاريةَ الأنصاريُّ "فيه لين" كما في (التقريب ٥٢٨٨).
وفيه: عبدُ اللهِ بنُ لهيعةَ، وهو ضعيفٌ، كما تقدَّمَ مِرارًا.
وله طرقٌ أُخْرَى لا تَخْلو من مَقالٍ، إلَّا أنَّ الحديثَ يُحَسَّنُ بمجموعِ هذه الطُرُقِ، ومنها الرواية الآتية:
стр. 10598
روايةُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يمسحُ بَعْدَ مَا أَسْلَمْتُ:
• وفي رِوَايةٍ: عنْ جريرٍ ﵁، قالَ: ((أَنَا أَسْلَمْتُ (قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَا أُنْزِلَتِ المَائِدَةُ، وَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ [يَتَوضَّأُ وَ] يَمْسَحُ [على الخُفَّينِ] بَعْدَ مَا أَسْلَمْتُ)).
[الحكم]: حسنٌ بمجموعِ طُرُقِهِ كما سبقَ، وصحَّحَهُ الصنعانيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[حم ١٩٢٢١ ((واللفظ له)) / ش ١٨٦٩ ((والرواية له ولغيره)) / طب (٢/ ٣٥٦/ ٢٥٠٣)، (٢/ ٣٥٩/ ٢٥١٢) ((والزيادة الثانية له ولغيره)) / طس ٤٣٨، ٤٠٤٢/ طش ٢٠١٤/ عف (٢/ ٧٦) ((والزيادة الأولى له)) / قط ٧٤٤/ حنف (نعيم صـ ١٦٨ - ١٦٩)].
[التحقيق]:
رُويَ من عدةِ طُرُقٍ:
الطريقُ الأولُ:
أخرجه أحمدُ -ومن طريقِهِ الطبرانيُّ في (الكبير ٢٥٠٣) - قال: حدثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، حدثنا زيادُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُلَاثَةَ، عن عبدِ الكريمِ بنِ مالكٍ الجزريِّ، عن مجاهدٍ، عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ البجليِّ ... به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، إلَّا أنَّهُم لم يذكروا لمجاهدٍ سماعًا ولا روايةً عن جريرٍ، ولا نَدرِي أَسِمعَ منه أم لَا؟!
ولِذَا قالَ ابنُ كَثيرٍ: ((هو إسنادٌ جيدٌ، اللَّهم إلَّا أن يكونَ منقطعًا بَيْنَ مجاهدٍ وبَينِهِ)) (البداية والنهاية ٧/ ٣٢٩).
стр. 10599
ومع ذلك صَحَّحَ إسنادَ هذه الروايةِ الألبانيُّ في (إرواء الغليل ١/ ١٣٧).
الطريقُ الثاني:
أخرجه ابنُ أبي شيبةَ -ومن طريقه الطبرانيُّ في (مسند الشاميين) -، قال: حدثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن معاويةَ بنِ صَالحٍ، قال: حدثنا ضَمْرَةُ بنُ حَبِيبٍ، عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ ... به.
ورواه الدارقطنيُّ، والطبرانيُّ في (الكبير ٢٥١٢) من طُرُقٍ عن زيدٍ ... به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ غير زيد فوَثَّقَهُ جماعةٌ، غير أنه يُخْطِئُ في حديثِ الثوريِّ كما في (التقريب ٢١٢٤)، ولكنْ هذا الإسنادُ منقطعٌ؛ ضَمْرَةُ يَبْعُدُ لُقِيُّهُ وسماعُهُ من جريرٍ، فقد ماتَ ضمرةُ (سنة ١٣٠ هـ) ـ فَبَيْنَ وفاتِهِ ووفاةِ جريرٍ ثمانونَ عامًا.
الطريقُ الثالثُ:
أخرجه الطبرانيُّ في (الأوسط ٤٣٨) من طريقِ إسماعيلَ بنِ عَيَّاشٍ، عن حميدِ بنِ مالكٍ اللخميِّ، عن إبراهيمَ بنِ جريرٍ، عن أبيهِ ... به.
قال الطبرانيُّ: ((لم يروِ هذا الحديث عن حميدِ بنِ مالكٍ إلَّا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ منقطعٌ؛ إبراهيمُ بنُ جريرٍ لم يسمعْ من أبيهِ، كما قَالَ ابنُ حَجَرٍ في (التقريب ١٥٨)،
وحميدٌ، ضَعَّفَهُ يحيى، وأبو زرعةَ، وغيرُهُما. (لسان الميزان ٢٨١٣)،
وإسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، مُخَلِّطٌ في غيرِ أهلِ بلدِهِ وهذا منه.
стр. 10600
الطريقُ الرابعُ:
رواه العقيليُّ قال: حدثنا جَدِّي ﵀ قال: حدثنا عارمٌ قال: حدثنا زيادُ بنُ الربيعِ اليَحْمَدِيُّ قال: حدثنا هارونُ بنُ سَوادَةَ، عن بعضِ أصحابِهِ أن جريرًا ... فذكره.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأُولى: هارونُ بنُ سَوادَة، لم يروِ عنه غير زيادٍ وضَعَّفَهُ الأزديُّ (الميزان ٩١٦٣).
الثانية: جهالةُ الراوي عن جريرٍ.
وقال العقيليُّ بعدَ ذِكْرِهِ لهذَا الحديثِ: ((وهذا يُروى عن جريرٍ بإسنادٍ أَجْوَدَ من هذا)) (الضعفاء ٢/ ٦٦) (١).
ولكنِ الحديثُ حسنٌ بمجموعِ هذه الطُرُقِ والتي سبقَ ذِكْرُهَا، وصحَّحَهُ الصنعانيُّ في (سبل السلام ١/ ٨٢)، وصحَّحَ إسنادَهُ الألبانيُّ كما سبقَ.
стр. 10601
روايةُ فَضَحِكَ بَعْضُهُمْ:
• وفي رِوَايةٍ: عَنْ هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ، أَنَّ جَرِيرَ بنَ عَبْدِ اللهِ قَضَى حَاجَةً مِنْ غَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَضَحِكَ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ لَهُ جَرِيرٌ: ((إِنْ تَعْجَبْ، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ)).
[الحكم]: إسنادُهُ حسنٌ.
[التخريج]: [مشكل ٢٤٩٣].
[السند]:
قال الطحاويُّ: حدثنا يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدثنا حجاجُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا أبو شهابٍ، عنِ الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن هَمَّامِ بنِ الحارثِ ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ حسنٌ، وقد رواه شعبةُ، وأبو معاويةَ، وابنُ عيينةَ وغيرُهُما، عنِ الأعمشِ بهذا الإسنادِ ليسَ فيه ذِكرُ الضَّحِكِ، كما في (صحيح البخاري ٣٨٧)، و (صحيح مسلم ٢٧٢)، وقد سبقَ تخريجُهُ.
стр. 10602
روايةُ مَا يُضْحِكُكُمْ؟:
• وفي رِوَايةٍ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ، قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّينِ، فَضَحِكُوا، فَقَالَ: ((مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَكَانَ إِسْلَامِي بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ))، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الحَدِيثُ لِأَنَّهُ كَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ.
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [عق (٢/ ٨٦)].
[السند]:
قال العقيليُّ: حدثنا صَالحُ بنُ شُعَيبٍ، قال: حدثنا جميلُ بنُ الحسنِ، قال: حدثنا أبو همامٍ محمدُ بنُ الزِّبْرِقَانِ، قال: حدثنا هدبةُ بنُ المنهالِ، عن سليمانَ الأَعمشِ، عن إبراهيمَ ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: جميلُ بنُ الحسنِ، وهو ساقطٌ، مُتَّهَمٌ بالفسقِ والكذبِ، ونقلَ مغلطاي في (إكمال تهذيب الكمال ٣/ ٢٣٩) أن في (التاريخ الأوسط) للبخاريِّ: "حديثُه ليس بشيءٍ" (١)، وسألَ البَرْذَعِيُّ أبا زرعةَ الرازيَّ عنه فقال: "قد كنتُ كتبتُ عنه، وسألتُ عنه نصرَ بنَ عليٍّ الجهضميَّ؟ فقال:
стр. 10603
"اتقِ اللهَ، ذاكَ زَفَّان، يجتمعُ بالليلِ مع هؤلاءِ المغبرين، يُزَفِّن ويرقصُ معهم"، قال أبو زُرْعَةَ: "فَضَرَبْتُ على ما كتبتُ عنه" (سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي ٤٩٣)، وقال ابنُ أبي حَاتمٍ: "أدركْنَاهُ ولم نكتبْ عنه" (الجرح والتعديل ٢/ ٥٢٠)، وقال عبدانُ الأهوازيُّ الحافظُ: "كان كذَّابًا فاسقًا فاجرًا"، وقال: "سمعتُ ابنَ معاذٍ يحكي عن آخرَ، عنِ امرأةٍ زعمتْ أن جَميلًا تعرَّضَ لها وراودها، فقالتْ له: اتقِ اللهَ. فقال: إنه ليأتي علينا الساعة يحلُّ لنا فيها كلُّ شيءٍ، أو كما قال"، قال عبدانُ: "وكان عندنا بالأَهْوازِ ثلاثينَ سنة لم نَكتُبْ عنه" (الكامل لابن عدي ٣/ ١٥٨).
وشَذَّ ابنُ حِبانَ فَذَكَرَهُ في (الثقات ٨/ ١٦٤)، وقال: "يُغْرِبُ".
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "وجميلُ بنُ الحسنِ لم أسمعْ أحدًا يَتَكَلَّمُ فيه غير عبدان، وهو كثيرُ الروايةِ، وعنده كتبَ سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، وعنده عن أبي همامٍ الأهوازيِّ غرائب، وعن غيرِهِما، ولا أعلمُ له حديثًا مُنْكَرًا، وأرجو أنه لا بأسَ به. إلَّا عبدان؛ نَسَبَهُ إلى الفسقِ، وأما في بابِ الروايةِ فإنه صالحٌ" (الكامل لابن عدي ٣/ ١٥٨).
قلنا: وكلامه فيه نظر؛ من وجهين:
الأول: أن عبدانَ لم ينفردْ بالكلامِ فيه، فقد تكلَّمَ فيه أيضًا: البخاريُّ، ونصرُ بنُ عليٍّ الجهضميُّ، وتبعه أبو زرعةَ الرازيُّ، وابنُ أبي حَاتمٍ.
الثاني: هبْ أن عبدانَ تَفَرَّدَ بذلكَ، وهو إمامٌ حافظٌ، فَنَسَبَ الراويَّ إلى الفسقِ، فكيف يكونُ فاسقًا في نفسِهِ، صالحًا في روايتِهِ؟ ! كما يظهرُ من كلامِ ابنِ عَدِيٍّ، وعدالةُ الراوي شرطٌ من شروطِ قبولِ حديثِهِ.
وتبعَ ابنَ عديٍّ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ، فقال: ((صدوقٌ يُخطئُ، أفرطَ فيه
стр. 10604
عبدانُ" (التقريب ٩٧٠).
ولا ندرِي من أينَ أَتَي بوصفِ الصدقِ له، ولم يوَثِّقْهُ معتبرٌ؟، في مقابلِ جرحٍ مُفَسَّرٍ من أئمةٍ أثباتٍ، فيجبُ قبولُهُ.
ولهذا اعتمدَ الذهبيُّ قولَ عبدانَ، فذكره في (ديوان الضعفاء ٧٨٢) فقال: "جميلُ بنُ الحسنِ الأَهْوَازيُّ: قال عبدانُ: فاسقٌ كذَّابٌ". وكذا فعلَ في (الكاشف ٨١٢) وزادَ كلامَ ابنِ أبي حاتمٍ.
الثانيةُ: هدبةُ بنُ المنهالِ، لم يوَثِّقْهُ معتبرٌ، وإنما ذكره ابنُ حِبانَ في (الثقات ٧/ ٥٨٨)، وترجمَ له ابنُ أبي حاتمٍ في (الجرح والتعديل ٩/ ١١٤) ولم يذكرْ فيه جرحًا ولا تعديلًا.
* * *
رِوَايةُ بَالَ قَائِمًا:
• وفي رِوَايةٍ: عَنْ هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ: ((أَنَّ جَرِيرًا، بَالَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّينِ، وَصَلَّى، فَسَالتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دونَ زيادةِ: ((قَائِمًا)) فشَاذَّةٌ.
[التخريج]: [حم ١٩٢٣٧].
سبقَ تخريجُ هذه الرواية وتحقيقُهَا في "باب البول قائمًا"، حديث رقم (؟؟؟؟؟).
* * *
стр. 10605
رِوَايةُ إِبْرَاهِيمَ بنِ جَرِيرِ، عنْ أبيهِ:
• وفي رِوايةٍ: عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرِ أنه قال: سَالنَاهُ -يعني: أَبَاهُ- عَنِ المَسْحِ عَلَى الخُفَّينِ، فَقَامَ فَهَرَقَ المَاءَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا صَلاةَ العَصْرِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَمْسَحُ بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ؟! قَالَ: هَلْ كَانَ إِسْلَامِي إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ؟! ((وَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ)).
[الحكم]: مرفوعُهُ حسنٌ بما سبقَ، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ ابنُ عَدِيٍّ.
[التخريج]: [عد (٣/ ٤١٣)].
[السند]:
قال ابنُ عَدِيٍّ: ثنا أبو عَرُوبةَ الحرانيُّ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ الضَّحاكِ، ثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، ثنا حميدُ بنُ مالكٍ، حدثني إبراهيمُ بنُ جريرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبيهِ ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ وَاهٍ؛ مسلسلٌ بالعللِ، فعبدُ الوهابِ "متروكٌ، كذَّبَهُ أبو حاتمٍ" كما في (التقريب ٤٢٥٧)، وباقي السند تقدَّمَ الكلامُ عليه في الروايةِ السابقةِ.
والحديثُ أعلَّهُ ابنُ عَدِيٍّ بحميدِ بنِ مالكٍ فقال: "وأحاديثُهُ مقدارُ ما يرويه منكر" (الكامل ٢/ ٢٧٩).
стр. 10606
روايةُ قيسٍ، عنْ جريرٍ:
• وفي رِوَايةٍ: عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ جَرِيرًا عَنِ المَسْحِ على الخُفَّينِ فقالَ: ((كُنَّا نَمْسَحُ على عَهْدِ رسول اللَّهِ ﷺ )، قُلْنَا: أَقَبْلَ نُزُولِ المَائِدَةِ أو بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ؟ قالَ: ((إنَّمَا أَسْلَمْتُ بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، والحديثُ صحيحٌ بما سبقَ.
[التخريج]: [طب (٢/ ٣٠٨/ ٢٢٨٢)].
[السند]:
قال الطبرانيُّ: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وعبدانُ بنُ أحمدَ، وزكريا بنُ يحيى السَّاجيُّ، قالوا: ثنا الحسنُ بنُ قزعةَ، ثنا بهلولُ بنُ عبيدٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قَيسٍ ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ وَاهٍ؛ فيه: بهلولُ بنُ عُبيدٍ الكنديُّ؛ قال عنه أبو حَاتمٍ: "ضعيفُ الحديثِ، ذاهبٌ".
وقال أبو زرعةَ: "ليسَ بشيءٍ"، وقال محمودُ بنُ غَيلانَ: "أَسْقَطَهُ أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، وأبو خيثمةَ"، وقالَ ابنُ يُونسَ: "منكرُ الحديثِ"، وقال ابنُ حِبانَ: "يَسرقُ الحديثَ"، وقال الحاكمُ: "رَوى أحاديثَ موضوعةً"، وقال أبو سعيدٍ البقالُ: "روى موضوعاتٍ". انظر (لسان الميزان ١٦٣٧).
стр. 10607
روايةٌ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ المَخْرَجَ:
• وفي رِوَايةٍ: عنْ جريرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ المَخْرَجَ فِي خُفَّيْهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَتَوَضَّأُ، وَيَمْسَحُ عَلَيْهِمَا)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [حم ١٩٢٢٣/ مديني (لطائف ٧٣٦)].
[السند]:
أخرجه أحمدُ -ومن طريقِهِ أبو موسى المدينيُّ- قال: ثنا أسودُ بنُ عامرٍ، ثنا شَريكٌ، عن إبراهيمَ بنِ جريرٍ، عن قَيسِ بنِ أبي حَازمٍ، عن جَريرٍ ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لسُوءِ حفظِ شَريكٍ وهو ابنُ عبدِ اللهِ النخعيُّ، قال فيه ابنُ حَجَرٍ: "صدوقٌ يُخطئُ كثيرًا" (التقريب ٢٧٨٧).
والحديثُ صحيحٌ، وقد سبقَ في (الصحيحينِ) بنحوه. وانظر: (علل ابن أبي حاتم ١٥٦)، و (علل الدارقطني ٣٣٢٨).
стр. 10608
روايةُ وَضَّأْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ :
• وفي رِوَايةٍ: عن جَريرٍ ﵁، قَالَ: ((وَضَّأْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ بَعْدَ مَا أُنْزِلَتِ المَائِدَةُ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ: العقيليُّ، وابنُ عَدِيٍّ، وابنُ القيسرانيِّ، وابنُ دَقِيقِ العِيدِ.
[التخريج]:
[عب ٧٦٧ ((واللفظ له)) / طب (٢/ ٣٥٤/ ٢٤٩٠) / طس ٣٠٠٤/ عق (٤/ ٣١٩) / عد (١٠/ ٤٩٧) / صمد ٦٧].
[السند]:
أخرجه عبدُ الرزاقِ -ومن طريقِهِ العقيليُّ، والطبرانيُّ-: عن ياسين الزياتِ، عن حمادِ بنِ أبي سليمانَ، عن ربعيِّ بنِ حِرَاشٍ، عن جَريرٍ ... به.
وقد تُوبعَ عبدُ الرزاقِ (١):
فرواه إبراهيمُ بنُ عبدِ الصمدِ في (أماليه ٦٧)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل): من طريقِ خَلَّادِ بنِ أَسْلَمَ (٢)، عن عليِّ بنِ غُرَابٍ، عن ياسين الزياتِ، ... به.
стр. 10609
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: ياسينُ بنُ معاذٍ الزياتُ، قال البخاريُّ: "منكرُ الحديثِ"، وقال النسائيُّ وغيرُهُ: "متروكٌ"، وانظر (لسان الميزان ٨٤٠٥).
وذكره في (مناكيره) العقيليُّ، وقال عقبه: "وهذا يُروى عن جَريرٍ من طُرُقٍ صِحَاحٍ، من غيرِ هذا الوجهِ" (الضعفاء ٤/ ٣١٩).
وكذا ذكره في (مناكيره) ابنُ عَدِيٍّ، وخَتَمَ ترجَمتَهُ بقولِهِ: "ولياسين الزياتِ غيرُ ما ذكرتُ، عنِ الزُّهْرِيِّ، وعن غيرِهِ، وكلُّ رواياتِهِ أو عامَّتُهَا غيرُ محفوظةٍ" (الكامل ١٠/ ٤٩٧).
وتبعه ابنُ القيسرانيِّ في (ذخيرة الحفاظ ٥٩٣٢).
وبه أيضًا: ضَعَّفَه ابنُ دَقِيقِ العِيدِ في (الإمام ٢/ ١٠٣).
стр. 10610
روايةُ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، لَا يَنْزِعُهُمَا:
• وفي روايةٍ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، لَا يَنْزِعُهُمَا، وَيُصَلِّي فِيهِمَا)) قِيلَ لَهُ: بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، لكنِ الحديثُ حسنٌ بما سبقَ.
[التخريج]: [طب (٢/ ٣٣٤/ ٢٣٩٤) / طس ٣٦١٧ ((واللفظ له))].
[السند]:
أخرجه الطبرانيُّ قال: حدثنا سعيدُ بنُ سيارٍ الواسطيُّ، قال: نا عمرُو بنُ عونٍ، قال: نا حفصُ بنُ سليمانَ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن إبراهيمَ بنِ جريرٍ، عن أبيهِ ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: حفصُ بنُ سُليمانَ، وهو القارئُ صاحبُ عَاصمٍ، قال الحافظُ: "متروكُ الحديثِ مع إمامتِهِ في القراءةِ" (التقريب ١٤٠٥).
الثانية: إبراهيمُ بنُ جَريرٍ لم يسمعْ من أبيهِ، فهو منقطعٌ كما سبقَ بيانُهُ.