[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: أبو هشام الرفاعي واسمه محمد بن يزيد، ضعَّفه أبوحاتم والنسائي، وقال البخاري: ((رأيتهم مجمعين على ضعفه))، وقال الحافظ في (التقريب ٦٤٠٢): ((ليس بالقوي)).
وقد توبع أبو هشام بما لا يعتد به، تابعه يحيى بن عبد الحميد الحماني، كما عند الطحاوي.
وهذه متابعة ساقطة؛ إِذْ إِنَّ الحماني متهم بسرقة الحديث كما في (التقريب ٧٥٩١)، ولعله سرقه من أبي هشام، فقد أشار الدارقطني أن أبا هشام تفرد بذكر الحفر في الحديث دون الرواة عن أبي بكر بن عياش؛ فقال - بعد أن ذكر عددًا ممن رواه عن أبي بكر -: ((وقال أبو هشام الرفاعي في لفظه ((فَأَمَرَ بِمَكَانِهِ فَاحْتُفِرَ))، وليست بمحفوظة عن أبي بكر بن عياش؛ وقد رويت هذه الزيادة عن يحيى بن سعيد عن أنس)) (العلل ٢/ ٣١٥).
ورواية الحفر في حديث أنس سبق الكلام عليها أول الباب.
العلة الثانية: سمعان بن مالك وقد اختلف في اسمه على وجوه فقيل: سمعان المالكي، وقيل: المعلى بن سمعان الأسدي، وقيل: المعلى المالكي، قال الدارقطني: ((ويقال: الصواب المعلى بن سمعان)) (العلل ٢/ ٣١٥).
وكيفما كان فهو مجهول كما قال الدارقطني في (السنن عقب الحديث)، - ووافقه الغساني في (تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني ص ٣٩ - ٤٠) -، وكذلك قال ابن خراش كما في (لسان
стр. 1122
الميزان ٤/ ١٩٠)، والبيهقي في (المعرفة ٢/ ٢٥١).
ومع جهالته، فقد وهم على أبي وائل في متن هذا الحديث، فقد رواه البخاري (٦١٦٨، ٦١٦٩)، ومسلم (٢٦٤٠) من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود مرفوعًا في ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)) فقط، وليس فيه قصة بول الأعرابي.
وقد أنكر حديث سمعان هذا جماعة من الأئمة:
فقال أحمد: ((ما أعرف سمعان، وهذا حديث منكر)) (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ١٧٠)، (التلخيص الحبير ١/ ٦٠).
وقال أبو زرعة: ((هو حديث منكر، وسمعان ليس بالقوي)) (١)، (الجرح والتعديل ٤/ ٣١٦).
وقال أبوحاتم (٢): ((لا أصل لهذا الحديث)) (التحقيق في أحاديث الخلاف ١/ ٧٨)، و (البدر المنير ١/ ٥٢٧)، و (التلخيص ١/ ٦٠).
وقال البيهقي - عقب مرسل ابن معقل -: ((وقد رُوِيَ ذلك في حديث ابن مسعود ﵁، وليس بصحيح)) (السنن الكبرى ٥/ ١٢٧).
ونقل الذهبي كلام أبي زرعة السابق وأقرَّه، وزاد عليه: ((وأبو هشام ذو مناكير)) (تنقيح التحقيق ١/ ٢٦).
стр. 1123
أما الهيثمي فاكتفى بقوله: ((رواه أبو يعلى وفيه سمعان بن مالك وهو ضعيف)) (المجمع ١٩٥٩).
وقال في موضع آخر: ((رواه أبو يعلى وفيه سمعان بن مالك، قال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال ابن خراش: مجهول، وبقية رجاله رجال الصحيح، وروى أبو يعلى عقبه - بإسناد رجاله رجال الصحيح - عن أنس عن النبي ﷺ قال: مثله)) (المجمع ١٥٧٩).
وضعَّف ابن حجر إسناده في (الفتح ١/ ٣٢٥).
وقال الصنعاني: ((فيه مقال)) (سبل السلام ١/ ٣٤).
وأشار إلى ضعفه أيضًا جماعة من أهل العلم:
فقال أبو داود في (المراسيل) - عقب مرسل عبد الله بن معقل الآتي -: ((رُوِيَ متصلًا، ولا يصحُّ)) (المراسيل ١١).
وقال ابن تيمية: ((وقد رُوِيَ: أنهم حفروا التراب فألقوه وألقوا مكانه ماء، من وجه مرسل ووجه منكر، ولم يصححوه، ولأن التراب النجس لو كان قد أخرج لم يحتج إلى تطهير الطاهر. وأبو هريرة شهد القصة ولم يذكر ذلك، فإذا ثبت أنهم قد صبوا على المبال الماء، فلولا أنه قد طهره وانفصل طاهرًا لكان ذلك تكثيرًا للنجاسة، ولأن الأرض وما اتصل بها من البناء والأجرنة لو لم تطهر إلَّا بانفصال الماء عنها وتكرار غسلها مع نجاسة المنفصل قبل المرة الآخرة لأفضى ذلك إلى انتشار النجاسة وامتناع إزالتها بالكلية، إذ غالب الأرض لا مصرف عندها، وما عنده مصرف فنادر والنادر ملحق بالغالب، بخلاف ما يمكن نقله وتحويله إلى المصارف)) (عمدة الفقه ١/ ٩٥ - ٩٦).
стр. 1124
وقال المباركفوري: ((الأحاديث المرفوعة المتصلة الصحيحة خالية عن حفر الأرض وأما الأحاديث التي جاء فيها ذكر حفر الأرض، فمنها ما هو موصول فهو ضعيف لا يصلح للاستدلال، ومنها ما هو مرسل فهو أيضًا ضعيف عند من لا يحتج بالمرسل، وأما من يحتج به فعند بعضهم أيضًا ضعيف لا يصلح للاستدلال كالإمام الشافعي، فقول من قال: إنَّ الأرض لا تطهر إلَّا بالحفر، ونقل التراب قول ضعيف إلَّا عند مَن يحتج بالمرسل مطلقًا وعند من يحتج به إذا اعتضد مطلقًا)) (تحفة الأحوذي ١/ ٣٩٣).
وأشار بعضهم إلى عدم الاعتداد برواية الحفر مطلقًا:
فقال ابن خزيمة: ((باب الزجر عن قطع البول على البائل في المسجد قبل الفراغ منه، والدليل على أَنَّ صبَّ دَلوٍ من ماء يطهر الأرض، وإن لم يحفر موضع البول، فينقل ترابه من المسجد على ما زعم بعض العراقيين، إذ الله أنعم على عباده المؤمنين بأن بعث فيهم نبيه ﷺ ميسرًا لا معسرًا)) (صحيح ابن خزيمة ١/ ٢٦٧).
وقال النووي: ((باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها)) (شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٢٣٦)، وانظر: (تحفة الأحوذي ١/ ٣٩٣).
قلنا:
الإسناد الثاني الذي ذكره أبو يعلى عقب رواية سمعان وأشار إليه الهيثمي هاك بيانه:
رواه أبو يعلى (٣٦٢٧) عن أبي هشام الرفاعي، عن أبي بكر بن عياش، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس مرفوعًا، ولم يذكر متنه، وإنما قال: ((مثله))، أي مثل رواية سمعان.
стр. 1125
وهذا من أبي يعلى إِنْ حملناه على ظاهره وأنه يقصد المثلية في فقرتي الحديث - أعني: قصة بول الأعرابي، و ((المرء مع من أحب)) -؛ فيكون هذا من مناكير أبي هشام الرفاعي بلا شك، وقد علمت حاله، وسبق قول الذهبي: ((أنه ذو مناكير))، والذي يؤكد ذلك هنا أن حديث أنس هذا أخرجه البخاري (٦١٧١) من طريق عمرو بن مُرَّة، وأخرجه مسلم (٢٦٣٩) من طريق منصور؛ كلاهما، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس مرفوعًا: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)) فقط، وليس فيه قصة بول الأعرابي.
وكذا رواه أحمد (١٣١٥٧): عن أسود بن عامر، عن أبي بكر بن عياش، عن منصور، به.
والأسود بن عامر: ((ثقة من رجال الشيخين)) كما في (التقريب ٥٠٣).
وهذا مما يجعلنا - إِنْ أردنا تبرئة أبي هشام منه - نحمل كلام أبي يعلى على أن المثلية المرادة إنما هي في خصوص هذه الفقرة فقط، والله أعلم. وقد سبق حديث أنس في قصة بول الأعرابي وليس لسالم فيه ناقة ولا جمل.
وبعد، فبقي أن نشير إلى أن هذا الحديث هو أحد شواهد ابن حجر في تقوية رواية الأمر بالحفر مكان البول لتطهيره، وقد ظهر لك حاله، ولهذا لم نعتبر به كما تقدمت الإشارة إليه.
стр. 1126
رواية: "وَصَبَّ عَلَى بَوْلِهِ مَاءً":
• وَفِي رِوَايةٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟)) فَقَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَبيرِ صَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: ((فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ))، قَالَ: فَوَثَبَ الشَّيْخُ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، [فَمَرَّ النَّاسُ عَلَيهِ فَأَقَامُوهُ] فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((دَعُوهُ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ))، وَصَبَّ عَلَى بَوْلِهِ مَاءً.
[الحكم]: صحيح المتن مفرقًا، دون قوله: ((دَعُوهُ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ))؛ فهي زيادة منكرة، وإسناده ضعيف، وضعَّفه الهيثمي.
[التخريج]: [بز ١٧٥٣ ((واللفظ له)) / قط ٤٧٨ ((والزيادة له)) / عشرين (صـ ٢٥٤)].
[السند]:
رواه البزار: عن يوسف بن موسى قال: نا أحمد بن يونس قال: نا أبو بكر بن عياش، عن سمعان المالكي، عن أبي وائل، عن عبد الله، به.
ورواه الدارقطني - ومن طريقه أبو سعد القشيري في ((الأربعين)) -: عن الحسين المحاملي، عن يوسف بن موسى، به.
وقال فيه ((المعلى المالكي))، بدل ((سمعان المالكي))، وقد تقدَّم بيان الخلاف في اسمه.
стр. 1127
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ لجهالة سمعان ومخالفته للأعمش كما تقدَّم بيانُه في الرواية السابقة.
وقال الهيثمي: ((رواه البزار، وفيه سمعان المالكي وهو مجهول، وقد ضعَّفه أبوزرعة، وبقية رجاله رجال الصحيح)) (المجمع ١٨٠٢٢).
ولبعص فقرات الحديث شواهد: فالفقرة الأولى في السؤال عن الساعة وقوله ﷺ : ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)) ثابتة في الصحيحين من حديث أنس، ومن حديث ابن مسعود أيضًا دون السؤال عن الساعة.
وقصة بول الأعرابي ثابتة في الصحيحين من حديث أنس أيضًا، دون قوله: ((دَعُوهُ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ)) فهي زيادة منكرة، لتفرد سمعان بن مالك، مخالفًا لرواية الثقات الحفاظ.
стр. 1128
١٩٦ - حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ: ((أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ ... الحَديثَ)).
[الحكم]: صحيح المتن بما سبق، وإسناده مرسل.
[التخريج]: [علقط (٣/ ٤٣٩/ ١٣٦٣)].
[السند]:
قال الدارقطني: حدثنا النيسابوري (وهو أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد الحافظ)، قال: حدثنا محمد بن يحيى (وهو الذهلي)، قال: حدثنا عبد الرزاق حدثنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهري، عن سعيد بن المُسَيِّب، به.
وقال الدارقطني أيضًا: وحدثناه النيسابوري، قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع حدثنا عبد الرزاق حدثنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهري، عن ابن المُسَيّب أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ في المَسْجِدِ .. الحديث.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات إلَّا أنه مرسل، وقد صحَّ موصولًا عن الزُّهري عن ابن المُسَيّب وغيره عن أبي هريرة، كما تقدَّم.
стр. 1129
١٩٧ - حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: قَامَ أَعرَابيٌّ إِلَى زَاويَةٍ مِنْ زَوَايَا المَسْجِدِ، فَاكتَشَفَ، فَبَالَ فِيهَا؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((خُذُوا مَا بَالَ عَلَيهِ مِنَ التُّرَابِ فَأَلقُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً)).
[الحكم]: منكر بهذا السياق؛ لمخالفته ما سبق في الأحاديث الصحيحة من الاكتفاء بصب الماء على مكان البول، ولذا استنكره الإمام أحمد، واستغربه الذهبي.
وأما إسناده فضعيف لإرساله: وبه ضعَّفه أبو داود، وابن قتيبة، والدارقطني، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي، والذهبي.
[التخريج]: [د ٣٨٠/ مد ١١ ((واللفظ له)) / قط ٤٧٩/ هق ٤٢٩٩/ تحقيق ٥٩].
[السند]:
رواه أبو داود في ((السنن)) و ((المراسيل)) - ومن طريقه الباقون -، قال: حدثنا موسى بن إسماعيلَ، ثنا جرير يعني ابن حازم، قال: سمعت عبد الملك - يعني ابن عمير - يحدِّث، عن عبد الله بن معقل بن مقرن، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح، إلَّا أنه مرسل، وفي متنه نكارة؛ لمخالفته ما سبق في الصحيحين عن أنس وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة من الاكتفاء بصب الماء على مكان البول.
стр. 1130
وبهذا أعله جماعة من أهل العلم:
قال الإمام أحمد: ((هذا حديث منكر)) (التحقيق لابن الجوزي ١/ ٧٨)، (البدر المنير ١/ ٥٢٦).
وقال أبو داود السجستاني - عقبه في السنن -: ((هو مرسل؛ ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ )، وقال في المراسيل: ((رُوِيَ متصلًا، ولا يصح)). أي بالأمر بأخذ التراب، وإلا فأصل القصة ثابتة لا مغمز فيها.
وقال الدارقطني: ((عبد الله بن معقل تابعي، وهو مرسل)) (السنن ١/ ٢٤٠).
وكذلك قال عبد الحق الإشبيلي في (الأحكام الكبرى ١/ ٣٨٩).
وقال البيهقي: ((وهذا منقطع؛ ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ ) (معرفة السنن ٣/ ٣٩٥).
وقال الذهبي: ((وهذا مرسل غريب يعارضه ما في الصحيحين)) (تنقيح التحقيق ١/ ٢٦).
وقال ابن قتيبة - بعد أن ذكر حديث أبي هريرة في الاكتفاء بسكب الماء على البول وحديث ابن معقل هذا -: ((ونحن نقول: إنَّ الخلاف وقع في هذا من قبل الراوي، وحديث أبي هريرة أصح؛ لأنه حضر الأمر ورآه، وعبد الله بن معقل بن مقرن ليس من الصحابة، ولا ممن أدرك النبي ﷺ ، فلا نجعل قوله مكافئًا لقول من حضر ورأى)) (تأويل مختلف الحديث صـ ٢٢١).
وأشار ابن دقيق العيد إلى نكارة متنه بقوله: ((وأيضًا فلو كان نقل التراب واجبًا في التطهير لاكتفى به؛ فإن الأمر بصب الماء حينئذٍ يكون زيادة تكليف
стр. 1131
وتعب من غير منفعة تعود إلى المقصود وهو تطهير الأرض)) (طرح التثريب ٢/ ١٣٠).
ومع هذا قال مغلطاي: ((إسناده على رسم الشيخين))! ، وذكر كلام أبي داود في كون ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ ، وقال: ((وَأَبَى ذلك عليه الحافظ ابن فتحون (١) فذكر أن له صحبة في كتابه المستدرك على ابن عبد البر)) (شرح ابن ماجه ٢/ ١٧١).
قلنا: والقول بصحبة ابن معقل هذا في غاية البعد، وقد علم ذلك مغلطاي، فقال: ((ولئن سلمنا لأبي داود قوله، وألقينا قول ابن فتحون، فيكون مرسلًا صحيحًا، والمرسل معمول به عندهم، والله أعلم))! (شرح ابن ماجه ٢/ ١٧١).
وسبقه إلى ذلك أبو محمد بن زكريا الأنصاري، فاحتجَّ بهذا المرسل؛ وقال (عقبه): ((فإن قيل: هذا حديث مرسل، لأنَّ عبد الله بن معقل لم يدرك النبي ﷺ . قيل له: المراسيل حجة يجب العمل بها ...... فلم نرَ أحدًا من العلماء روى حديثًا مرسلًا، وذكر أنه لا يؤخذ به؛ لأنه مرسل))! (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب ١/ ٨٠ - ٨٢).
قلنا: هذا الذي قالاه غريب جدًّا، فلا يخفى على أحد أن القول بعدم
стр. 1132
الاحتجاج بالمرسل، هو قول عامة المحدثين، بل وقول جمهور الفقهاء والأصوليين أيضًا، خلافًا للحنفية.
قال الإمام مسلم: ((والمرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة)) (مقدمة صحيحه صـ ٣٠).
وقال الإمام الترمذي: ((والحديث إذا كان مرسلًا، فإنه لا يصحُّ عند أكثر أهل الحديث، قد ضعَّفه غير واحد منهم ... ومن ضعف المرسل؛ فإنه ضعف من قِبَلِ أن هؤلاء الأئمة حَدَّثُوا عن الثقات وغير الثقات فإذا روى أحدُهم حديثًا وأرسلَه لعله أخذه عن غير ثقة)) (العلل الصغير ٥/ ٧٥٣ - ٧٥٥).
وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: ((لا يحتجُّ بالمراسيل ولا تقوم الحجة إلَّا بالأسانيد الصحاح المتصلة)) (المراسيل لابن أبي حاتم ١٥).
ولو سردنا الثابت عن أئمة الحديث في عدم الاحتجاج بالمرسل لطال بنا المقام جدًّا، وراجع إِنْ شئتَ بعض أقوالهم في (المراسيل لابن أبي حاتم ١ - ١٥): ((باب ما ذكر في الأسانيد المرسلة أنها لا تثبت بها الحجة)).
وقال النووي: ((المرسلُ لا يحتجُّ به عندَ جمهور المحدثين وجماعةٍ من الفقهاء وجماهيرِ أصحاب الأصول والنظر)) (المجموع ١/ ٦٠).
قلنا: أما مَن احتجَّ به من أهل العلم؛ فحين يتقوَّى بغيره بالشروط التي ذكرها إمام الفقهاء والمحدثين الإمام الشافعي في (الرسالة ص ٤٦١ - ٤٦٥). وقال بإثرها: ((ومتى ما خالف ما وصفت أضرَّ بحديثه، حتى لا يسع أحدًا منهم قبول مرسله)). بل قال: ((وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها
стр. 1133
بالموتصل)) اهـ.
وقال النووي: ((واحتجَّ بعض أهل العلم بالمرسل إذا اعتضد بغيره كما ذهب إلى ذلك الشافعي)) (مقدمة شرحه على مسلم ١/ ٣٠).
والحاصل: أنه لا يحتجُّ به إلَّا إذا اعتضد بغيره، فكيف إذا كان متنه منكرًا؟ ! ونص أئمة العلل على ذلك؛ لمخالفته للأحاديث الصحيحة، كما هو الحال في مرسل ابن معقل هذا.
فهذا من القسم الذي قال عنه الشافعي إنه لا يسع أحدًا قبوله. والله أعلم.
ومع هذا قوَّاه ابن حجر في (التلخيص ١/ ٥٩) بشواهده، وتبعه الألباني فصحَّحه في (صحيح أبي داود ٢/ ٢٣١)، مستشهدًا له بمرسل طاووس الآتي، وبرواية أنس وحديث ابن مسعود السابقين، وقد سبق أن ذكرنا أن هذه الشواهد لا تصلح للاعتضاد، فأما رواية أنس فمردها إلى مرسل طاووس كما سبق بيانه، وأما حديث ابن مسعود فهو شديد الضعف ومنكر المتن كما بينَّاه قريبًا، وأما مرسل طاووس فسيأتي بيانه.
стр. 1134
١٩٨ - حَدِيثُ طَاوُسٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي المَسْجِدِ فَأَرَادُوا أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((احْفِرُوا مَكَانَهُ، وَاطْرَحُوا عَلَيهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، عَلِّمُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)).
[الحكم]: منكر بذكر الحفر، وإسناده ضعيف لإرساله.
[التخريج]: [عب ١٦٧٢ ((واللفظ له))، ١٦٧٦/ طح (١/ ١٤/ ١٢)].
[السند]:
رواه عبد الرزاق (١٦٧٢): عن ابنِ عُيَينَةَ، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، به.
ورواه الطحاوي: من طريق إبراهيم بن بشار، عن ابنِ عُيَينَةَ، به.
ورواه عبد الرزاق أيضًا (١٦٧٦): عن مَعْمَرٍ، عن ابن طاوس، عن أبيه، به.
[التحقيق]:
هذان سندان رجالهما ثقات رجال الصحيح، لكنه مرسل؛ طاوس تابعي من الثالثة.
ومتنه منكر؛ لمخالفته للأحاديث الصحيحة التي فيها الاكتفاء بصبِّ الماء على البول، ولم يأتِ الأمر بالحفر موصولًا من طريق يصحُّ، كما تقدَّم.
ولا يصلح هذا المرسل لأَنْ يتقوَّى بمرسل ابنِ مقرِّن السابق لفقد كل منهما الشروط التي ذكرها الشافعي لتقوية المرسل بمثله كما نصَّ عليه
стр. 1135
الحافظ في الفتح، وقد تقدَّم كلامه تحت رواية أنس أول الباب، ولا يتقوَّى كل منهما أيضًا بما جاء موصولًا عن ابن مسعود، وذلك لشدة الضعف في إسناده، وتحقق الخطأ فيه، على ما حققناه قريبًا.
стр. 1136
١٩٩ - حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ مُرْسَلًا:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّه قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ المَسْجِدَ فَكَشَفَ عَنْ فَرْجِهِ لِيَبُولَ، فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ حَتَّى عَلا الصَّوْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((اترُكُوهُ))، فَتَرَكُوهُ، فَبَالَ ثُمَّ أَمَرَ رسُولُ اللهِ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَى ذلكَ المكانِ.
[الحكم]: صحيح المتن بما سبق من شواهد، وإسناده مرسل.
[التخريج]: [طا ١٦٦ ((واللفظ له)) / عد (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤)].
[السند]:
رواه مالك في ((الموطأ)) - ومن طريقه ابن عدي -: عن يحيى بن سعيد به مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات إلَّا أنه مرسل؛ فيحيى بن سعيد تابعي من الخامسة. وقد صحَّ موصولًا من طرقٍ عن يحيى، عن أنس بن مالك، كما تقدَّم في الصحيحين، وغيرِهما.
стр. 1137
٢٠٠ - حَدِيثُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ القَوْمُ فَانْتَهَرُوهُ وَأَغْلَظُوا لَهُ، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِه سَجْلًا مِنْ مَاءٍ - أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ - فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَالأَعْرَابِيُّ خَلْفَه، فَبَيْنَا هُمْ يُصَلُّونَ؛ إِذْ قَالَ الأَعْرَابِيُّ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلا تَرْحَم مَعَنا أَحْدًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قالَ لَه: ((لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا)).
[الحكم]: ضعيف بهذا السياق لإرساله، والمحفوظ كما سبق في السنن وغيرها أن قصة الدعاء قبل قصة البول.
[التخريج]: [عب ١٦٧١].
[السند]:
رواه عبد الرزاق: عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، به مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات إلَّا أنه مرسل؛ لأنَّ عبيد الله تابعي لم يدرك النبي ﷺ .
وأيضًا في متنه مخالفة؛ فالمحفوظ في قصة الأعرابي أن الدعاء كان قبل قصة البول؛ كما رُوِيَ موصولًا من طريق مَعْمَرٍ، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، والزبيدي، والنعمان بن راشد، جميعهم عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة به، كما تقدَّم في الصحيحين وغيرهما.
стр. 1138
٢٠١ - حَدِيثُ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، وَمُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحْمَنِ بنِ ثَوْبَانَ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، وَمُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ ثَوْبَانَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ في المَسْجِدِ؛ فَقَامَ إلَيهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فَقَالَ: ((لَا تُعَجِّلُوهُ))، فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَجْلٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِهِ.
[الحكم]: صحيح المتن بما سبق من شواهد، وهذا مرسل إسناده ضعيف جدًّا.
[التخريج]: [عب ١٦٧٤].
[السند]:
رواه عبد الرزاق: عن إبراهيم بن محمد، عن شَريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، به مرسلًا.
ثم قال عبد الرزاق: قال إبراهيم: وأخبرني كثير بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، مثله.
[التحقيق]:
هذان إسنادان ضعيفان جدًّا؛ ففيهما - بالإضافة إلى علة الإرسال -: إبراهيم بن محمد، وهو ابن أبي يحيى الأسلمي، وهو ((متروك متهم)) كما تقدَّم مرارًا.
стр. 1139
٢٠٢ - حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: ((بَالَ أَعْرَابِيٌّ في المَسْجِدِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ مَاءٌ)).
[الحكم]: صحيح المتن بما سبق من شواهد، وإسناده مرسل.
[التخريج]: [ش ٢٠٤٣].
[السند]:
قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، إلَّا أنه مرسل؛ لأنَّ قيس بن أبي حازم تابعي لم يدرك النبي ﷺ .
стр. 1140
٢٠٣ - حَدِيثُ أَبِي البَخْتَرِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيٌّ فَبَالَ فِي المَسجِدِ، فَأَخَذُوهُ فَسَبُّوهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَصُبَّ عَلَى مَكَانِ البَولِ المَاءُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّكُمْ بُعِثْتُمْ هُدَاةً وَلَمْ تُبْعَثُوا مُضِلِّينَ، كُونُوا مُعَلِّمِينَ وَلَا تَكُونُوا مُعَانِدِينَ، أَرْشِدُوا الرَّجُلَ)) قَالَ: ثُمَّ جَاءَ مِنَ الغَدِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلمُحَمَّدٍ وَلَا تَغْفِرْ لأَحَدٍ غَيرِنَا، قَالَ: فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّكُمْ بُعِثْتُمْ هُدَاةً وَلَمْ تُبْعَثُوا مُضِلِّينَ، كُونُوا مُعَلِّمِينَ وَلَا تَكُونُوا مُعَانِدِينَ، أَرْشِدُوا الرَّجُلَ)).
[الحكم]: منكر بهذا السياق.
[التخريج]: [حل (١٠/ ٣٩٥)].
[السند]:
رواه أبو نعيم: عن أبيه، ثنا محمد بن يحيى بن منده، ثنا أحمد بن معاوية، ثنا حسين بن حفص، ثنا إبراهيم - يعني ابن طهمان -، عن ابن سعيد - وهو عمر بن سعيد -، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة الحمصي، عن أبي البختري، به.
قال أبو نعيم - عقبه -: ((عمر (١) بن سعيد هو أخو سفيان بن سعيد لا أعلم رواه عن الأعمش، بهذا اللفظ غيره)).
стр. 1141
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه أكثر من علة:
الأولى: الإرسال؛ فأبو البختري وهو سعيد بن فيروز الطائي، تابعي من الثالثة، وكان كثير الإرسال. (التقريب ٢٣٨٠).
الثانية: جهالة حال أحمد بن معاوية وهو ابن الهذيل، ترجم له أبو الشيخ في (طبقات المحدثين ٢٥٧)، وأبو نعيم في (تاريخ أصبهان ١/ ١١٦/ ٣٤)، والذهبي في (تاريخ الإسلام ٦/ ٢٨٠). ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكر الذهبي في (السير ٤/ ٣١) حديثًا من طريقه، وقال: ((منكر جدًّا، وإسناده مظلم، وأحمد بن معاوية تالف)). كذا قال، ولم يذكره في الميزان، ولا ذكره أحد فيما وقفنا في الضعفاء، والحديث الذي ذكره الذهبي سنده مظلم كما نصَّ هو على ذلك، ثم إنه مرسل، فلما يتحمله أحمد بن معاوية؟ !
وأما متن الحديث فمنكر؛ لمخالفته للأحاديث الصحيحة؛ فالمحفوظ أن قصة البول كانت قبل الدعاء، وفي يوم واحد، وأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمْ: ((فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)).
стр. 1142
٢٠٤ - حَدِيثُ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ:
◼ عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: اطَّلَعَ ذُو الخُوَيْصِرَة اليَمَانِيُّ - وَكَانَ رَجُلًا [أَعْرَابِيًّا] جَافِيًا - عَلَى رسُولِ اللهِ ﷺ في الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا قَالَ: ((هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَالَ فِي المَسْجِدِ)). فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَدْخَلَنِي اللهُ تعالى وَإِيَّاكَ الجَنَّةَ وَلَا أَدْخَلَهَا غَيْرَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (([سُبْحَانَ اللهِ] وَيْلَكَ (وَيْحَكَ)، احْتَظَرْتَ وَاسِعًا! ))، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ، فَأَكْشَفَ الرَّجُلُ فَبَالَ في المَسْجِدِ، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ وعَجِبُوا لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ بَالَ في المَسْجِدِ. فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ كَلَامَ النَّاسِ؛ خَرَجَ، فَقَالَ: ((مَهْ؟ )) فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، بَالَ فِي المَسْجِدِ. قَالَ: ((يَسِّرُوا)). - يَقُولُ: عَلِّمُوهُ - فَأَمَرَ رَجُلًا لِيَأْتِي بِسَجْلٍ مِنْ مَاءٍ - يَعْنِي دَلْوًا - فَصَبَّهُ عَلَى مَبَالِهِ.
[الحكم]: مرسل ضعيف بهذا السياق، وضعَّفه ابن حجر.
[التخريج]:
[مديني (صحابة - أسد ٢/ ٢١٥) ((واللفظ له))، (إصا ٣/ ٤٢١) ((والرواية والزيادتان له)) / جمع مسند ابن إسحاق لأبي زرعة الدمشقي (الفتح ١/ ٣٢٣)].
[السند]:
أخرجه أبو موسى المديني في ((الصحابة))، كما في (الفتح): من طريق الأصم، عن أبي زرعة الدمشقي، عن أحمد بن خالد الوهبي (١)، عن محمد
стр. 1143
بن إسحاق، عن رجل، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، به.
ورواه أبو زرعة الدمشقي في ((جمع مسند ابن إسحاق)) كما في (الفتح): من طريق الشاميين، عن محمد بن إسحاق، بهذا السند.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: الإرسال؛ سليمان بن يسار تابعي من الثالثة.
الثانية: إبهام شيخ ابن إسحاق.
وبهاتين العلتين ضعَّفه ابن حجر فقال: ((هو مرسل وفي إسناده أيضًا مبهم)) (فتح الباري ١/ ٣٢٣).
وقال في (الإصابة ٣/ ٤٢١): ((هذا مرسل وفي إسناده انقطاع أيضًا، وقصة الرجل الذي بال في المسجد مخرَّجة في الصحيح من حديث أبي هريرة ومن حديث أنس بغير هذا السياق ولم يُسمّ الرجل)).
стр. 1144
٢٠٥ - حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ وَاجِمًا، فَقَالَتْ مَيمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّا اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ اليَوْمَ؟ فَقَالَ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ وَعَدَنِي أَنْ يَأْتيَنِي، وَوَاللهِ مَا أَخْلَفَنِي))، قَالَتْ: فَوَقَعَ في نَفْسِهِ جَرْوُ كَلْبٍ لَهُم تَحْتَ نَضَدٍ لَهُم، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ وَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَأْتِيَني؟ )) فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ جَرْوَ كَلْبٍ كَانَ فِي الْبَيْتِ، وَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فيهِ كَلْبٌ - قَالَ مَعْمَرٌ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: - ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الكِلَابِ.
[الحكم]: صحيح المتن، وإسناده مرسل.
[التخريج]: [عب ٢٠٥٢٢/ عتب (ص ٢٣٤) / علقط (٩/ ٢٦٢/ ٤٠١٢) معلقًا].
[السند]:
رواه عبد الرزاق - ومن طريقه الحازمي في ((الاعتبار)) -: عن معمر، عن الزُّهري، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات إلَّا أنه مرسل، وقد خالف فيه معمر أصحاب الزُّهري؛ حيث رووه عنه موصولًا، عن ابن السباق، عن ابن عباس، عن ميمونة، كما تقدَّم.
стр. 1145
ولذا قال الحازمي عقبه: ((كذا روى مَعْمَرٌ هذا الحديث مرسلًا ولم يضبط إسناده عن الزُّهري)).
قلنا: وذكر الدارقطني في ((العلل)) أن الأوزاعي رواه عن يونس عن الزُّهري به مرسلًا.
وهذا أيضًا خلاف المحفوظ عن يونس؛ فقد رواه ابن وهب - كما عند مسلم وغيره -، وأبو صفوان الأموي - كما عند ابن حبان -، والليث بن سعد - كما عند الطبراني -، ثلاثتهم، عن يونس، عن الزُّهري به موصولًا.
стр. 1146
٢٠٦ - حَدِيثُ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ وَسُئِلَ: عَنِ الحِيطَانِ تُلْقَى فِيهَا العَذِرَاتُ؟ فَقَالَ: ((إِذَا سُقِيَتْ مِرَارًا فَصَلُّوا فِيهَا)) يرفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
[الحكم]: ضعيف جدًّا، وضعَّفه البوصيري والألباني.
[التخريج]: [جه ٧٠٩ ((واللفظ له)) / أصبهان (٢/ ٦٢ - ٦٣)].
[السند]:
رواه ابن ماجه: عن محمد بن يحيى حدثنا عمرو بن عثمان، ثنا موسى بن أعين، ثنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، به.
ورواه أبو نعيم من طريق عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، عن عمرو بن عثمان، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: عمرو بن عثمان الرقي؛ تركه النسائي وغيره، وضعَّفه الحافظ في (التقريب ٥٠٧٤).
الثانية: عنعنة محمد بن إسحاق، وهو مدلس مشهور.
واقتصر البوصيري على هذه العلة؛ فقال: ((هذا إسناد ضعيف لتدليس ابن إسحاق)) (الزوائد ١/ ٩٤).
قلنا: وقد ذكر الدارقطني في ((العلل)) ما يدل على أن ابن إسحاق دلَّسه عن أبان بن
стр. 1147
أبي عياش؛ فقد سئل عنه فقال: يرويه ابن إسحاق، عن أبان بن أبي عياش، عن نافع، عن ابن عمر، واختلف عنه؛ فقيل: عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر. وقيل: عن ابن إسحاق، عن أبان، عن نافع.
وخالفه قيس بن الربيع، رواه عن أبان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر. وقيل: عن أبي حفص الأبار، عن أبان، عن مجاهد، عن ابن عمر، كلها مسندة)) (العلل ١٢/ ٣٦٨).
فحاصل ما ذكره الدارقطني، أن الحديث مداره على أبان بن أبي عياش، وقد اضطرب فيه على وجوه عدة، وأبان: ((متروك)) كما في (التقريب ١٤٢). وستأتي رواية أبان عقب الرواية التالية.
والحديث ضعَّفه الألباني في (ضعيف سنن ابن ماجه ١٤٤).
رِوَاية (إِذَا سَالَتْ عَلَيْهِ الْأَمْطَارُ):
• وَفِي رِوَايةٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: عَنِ الْحِيطَانِ، يَكُونُ فِيهَا الْعَذِرَةُ، وَأَبْوَالُ النَّاسِ، وَرَوَثُ الدَّوَابِّ؟ قَالَ: ((إِذَا سَالَتْ عَلَيْهِ الْأَمْطَارُ، وَجَفَّفَتْهُ الرِّيَاحُ؛ فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِيهِ)) يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحكم]: ضعيف جدًّا، وضعَّفه الألباني.
[التخريج]: [طس ١١٨١].
[السند]:
قال الطبراني: حدثنا أحمد (وهو ابن إسحاق الخشاب) قال: حدثنا
стр. 1148
عمرو بن عثمان الكلابي، قال: حدثنا موسى بن أعين، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، به.
وقال الطبراني (عقبه): ((لم يروِ هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلَّا موسى، تفرَّد به عمرو)).
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ لضعف عمرو بن عثمان كما سبق، ومع ضعْفِه فقد اضطرب فيه:
ففي رواية ابن ماجه السابقة قال فيه: عن موسى، عن ابن إسحاق، عن نافع، به.
وهنا قال: عن موسى، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، به.
وقال الهيثمي بعد أن ذكر الكلام على عمرو بن عثمان: ((وبقية رجاله رجال الصحيح؛ خلا شيخ الطبراني)) (المجمع ١٥٨١).
وتعقبه الألباني فقال: ((كذا سكت عنه، وكأنه لم يعرفه، وهو أحمد بن عبد الرحمن بن عقال الحراني، ساق له الطبراني في (أوسطه) عشرات الأحاديث من رواية الكلابي هذا وغيره ... وقد أورده الذهبي في (الميزان)، وفي (الضعفاء)، وقال: قال أبوعروبة: ليس بمؤتمن على دينه)) (الضعيفة ١٢/ ١٧٢).
قلنا: كذا قال إن شيخ الطبراني في هذا الحديث هو (أحمد بن عبد الرحمن بن عقال) وهذا غير صواب، بل هو أحمد بن إسحاق الخشاب الرقي، قارن الحديث رقم (١١٧٦) من الأوسط، بالحديث رقم (١٤٩٥) من المعجم الكبير.
стр. 1149
أما ابن عقال هذا فلا يُعرف بالرواية إلَّا عن أبي جعفر النفيلي كما في كتب التراجم، وكذا روى له الطبراني عن النفيلي عشرات الأحاديث، ولكن عذر الشيخ الألباني أنه حدث سقط في نسخة الطبراني، وفيه انتقلت الترجمة من ابن عقال إلى أحمد بن إسحاق، وقد نبَّه على ذلك محققه (٢/ ٢٧/ حاشية ١). والله أعلم.
رِوَاية (إِذَا سُقِيَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ):
• وِفِي رِوَايةٍ: عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَائِطِ يُلْقَى فِيهِ العَذِرَةُ وَالنَّتَنُ (وَهَذَا الزَّبَلُ) [أَيُصَلَّى فِيهَا؟]، قَالَ: ((إِذَا سُقِيَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَصَلِّ فِيهِ)).
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا، وضعَّفه ابن عدي، وابن طاهر المقدسي، وابن الجوزي.
[التخريج]:
[قط ٨٨٠ ((واللفظ له))، ٨٨١ ((والرواية والزيادة له)) / عد (٢/ ٢٨٠) / علج ٩٩٣].
[السند]:
رواه الدارقطني (٨٨٠) عن أبي شيبة عبد العزيز بن جعفر الخوارزمي، ثنا الحسن بن عرفة، نا أبو حفص الأبار، عن أبان بن أبي عياش، عن مجاهد، عن ابن عمر، به.
стр. 1150
ورواه ابن عدي - ومن طريقه ابن الجوزي -: من طريق الحسن بن عرفة، به.
ورواه الدارقطني (٨٨١): من طريق ابن فضيل، عن أبان، عن نافع، عن ابن عمر، به.
[التحقيق]:
مدار هذين الطريقين على أبان بن أبي عياش، وهو ((متروك))، كما تقدم.
ومع هذا؛ فقد اضطرب في إسناده؛ فمرة يقول: عن مجاهد عن ابن عمر.
ومرة يقول: عن نافع عن ابن عمر.
ومرة أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، كما في (علل الدارقطني ٣/ ٣٦٩).
وذكره ابن عدي في مناكيره، ثم قال: "وأبان بن أبي عياش له روايات غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه لا يُتَابَعُ عَليه، وهو بَيِّن الأمر في الضعف" (الكامل ٢/ ٢٨١).
وتبعه ابن طاهر المقدسي في (ذخيرة الحفاظ ٣/ ١٤٣٩)، وابن الجوزي في (العلل المتناهية ٢/ ٦٠٣)
стр. 1151
٢٠٧ - حَدِيثُ: ((زَكَاةُ الأَرْضِ يُبْسُهَا)):
◼ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: ((زَكَاةُ الأَرْضِ يُبْسُهَا)).
[الحكم]: لا أصل له، قاله ابن عبد الهادي، والزركشي، وابن حجر، والسيوطي، وابن الديبع، والفتني، والعامري، والشوكاني، والمباركفوري. وقال البيهقي وابن تيمية: ((كَذِبٌ)).
[اللغة]:
قال ابن الأثير: ((وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (١): «ذَكَاةُ الأرضِ يُبْسُها» يُريدُ طهارَتَها مِنَ النَّجَاسَةِ، جَعَلَ يُبْسها مِنَ النَّجَاسَةِ الرَّطْبة فِي التَّطهير بِمَنْزِلَةِ تذْكِية الشاةِ فِي الإحلالِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ يُطَهِّرها ويُحِلّ أكلَها)) (النهاية ٢/ ١٦٤).
وقال في موضع آخر: ((يُريد طَهارتَها مِنَ النَّجاسة كالبَول وأشْباهِه بِأَنْ يجفَّ وَيَذْهَبَ أثرُه)) (النهاية ٢/ ٣٠٨).
[التحقيق]:
لم نقف عليه مسندًا إلى النبي ﷺ ، وقد ذكره بعض أهل العلم مرفوعًا إلى النبي ﷺ خطأ.
قال البيهقي: ((وسمعت واحدًا من أصحابه - يعني: أبا حنيفة - سئل عن هذه المسألة - يعني: نجاسة الأرض من البول - فروى عن النبي ﷺ أنه قال: ((زَكَاةُ الأَرْضِ يُبْسُهَا)). (مختصر الخلافيات ٢/ ٢٤٩).
стр. 1152
وكذا ذكره السرخسي في (المبسوط ١/ ٢٠٥) من قول النبي ﷺ .
وذكره أيضًا بدر الدين المرغيناني في كتابه (الهداية شرح بداية المبتدي) كما في (العناية شرح الهداية للبابرتي ١/ ١٩٩)، و (البناية شرح الهداية للعيني ١/ ٧٢٠)، و (فتح القدير لابن الهمام ١/ ١٩٩).
وكذا ذكره مرفوعًا فخر الدين الزيلعي في (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: ٥/ ٢٨٦).
قلنا: وهذا الخبر ليس له أصل عن النبي ﷺ ، وإنما يُروَى من قول محمد ابن الحنفية، وأبي قلابة، وأبي جعفر الباقر. انظر: (مصنف عبد الرزاق ٥١٩٩)، و (مصنف ابن أبي شيبة ٦٢٩، ٦٣٠، ٦٣١).
ولذا قال البيهقي في (الخلافيات) بعد أن ذكر قول من نسب هذا القول إلى النبي ﷺ : ((وكذب والله، ما قال هذا رسول الله ﷺ ، وإنما يروى عن أبي قلابة، وهو من التابعين)).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((قد يروج على أهل التفسير، والفقه، والزهد، والنظر أحاديث كثيرة: إما يصدقون بها، وإما يجوزون بصدقها، وتكون معلومة الكذب عند علماء الحديث.
وقد يصدق بعض هؤلاء بما يكون كذبا عند أهل المعرفة، مثل ما يروي طائفة من الفقهاء: ، وحديث: ((زَكَاةُ الأَرْضِ يُبْسُهَا (١)) .... )). وذكر جملة من الأحاديث ثم قال: ((إلى أمثال ذلك من الأحاديث التي يصدق بعضها طائفة من الفقهاء، ويبنون عليها الحلال والحرام، وأهل العلم بالحديث متفقون
стр. 1153
على أنها كذب على رسول الله ﷺ موضوعة عليه، وكذلك أهل العلم من الفقهاء يعلمون ذلك)) (منهاج السنة ٧/ ٤٢٩ - ٢٣٠).
وقال ابن عبد الهادي: ((لا يُعرف له إسناد، ولا أصل)) (رسالة لطيفة في أحاديث متفرقة ضعيفة صـ ٢٠).
وقال الزيلعي: ((غريب)) (نصب الراية: ١/ ٢١١).
وقال الزركشي: ((لا أصل له وإنما هو من كلام محمد ابن الحنفية)) (التذكرة في الأحاديث المشتهرة: صـ ٥٧).
وقال ابن حجر: ((حديث: ((زَكَاةُ الأَرْضِ يُبْسُهَا)) احتجَّ به الحنفية، ولا أصل له في المرفوع)). (التلخيص الحبير ١/ ٥٩).
وقال في (الدراية ١/ ٩٢): ((لم أره مرفوعًا، وإنما هو عند ابن أبي شيبة من قول أبي جعفر محمد بن علي وعن محمد بن الحنفية وأبي قلابة قالا: إِذَا جَفَّتِ الأَرْضُ فَقَدْ زَكَتْ)).
وقال بدر الدين العيني: ((هذا لم يرفعه أحد إلى النبي ﷺ ، وإنما هو مروي عن أبي جعفر محمد بن علي، أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) عنه، قال: ((زَكَاةُ الأَرْضِ يُبْسُهَا))، وأخرج عن ابن الحنفية وأبي قلابة، قال: ((إِذَا جَفَّتِ الأَرْضُ فَقَدْ زَكَتْ)). وروى عبد الرزاق في (مصنفه) أخبرنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة، قال: ((جُفُوفُ الْأَرْضِ طَهُورُهَا))، في (الأسرار): الحديث المذكور موقوف على عائشة ﵂. وقال صاحب (الدراية): هذا الحديث لم يوجد في كتب الحديث، وهذا لا أصل له؛ لأنه لم يثبت بنقل العدل أو يكون ذلك النقل بالمعنى عند من جوَّزه)) (البناية شرح الهداية ١/ ٧٢٠).
وقال السخاوي: ((احتجَّ به الحنفية ولا أصل له في المرفوع، نعم ذكره
стр. 1154
ابن أبي شيبة موقوفًا عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر وعن ابن الحنفية وأبي قلابة)) (المقاصد الحسنة: ٥٠٤).
وقال السيوطي: ((لا أصل له، إنما هو قول محمد ابن الحنفية)) (الدرر المنتثرة ٢٣٣)
قال الفتني: ((احتجَّ به الحنفية ولا أصل له في المرفوع بل هو موقوف على محمد بن علي الباقر وعن ابن الحنفية وأبي قلابة بلفظ جفوف)) (تذكرة الموضوعات: ص ٣٣). وانظر (الأسرار المرفوعة لعلي القاري ٢٠٨).
وقال العامري: ((لا أصل له في المرفوع بل أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار عن أبي حنيفة (١))) (الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث ١٧٥).
وقال محمد الأمير المالكي: ((لا أصل له، بل هو قول محمد ابن الحنيفة)) (النخبة البهية في الأحاديث المكذوبة على خير البرية ١٢٨).
وقال الشوكاني: ((لا أصل له في المرفوع)) (نيل الأوطار ١/ ٦١). وذكره في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ١٨)، وذكر فيه قول الفتني المتقدم.
وقال المباركفوري: ((هذا الحديث لم يثبت عن النبي ﷺ ) (تحفة الأحوذي ١/ ٣٩٢).
مَشهُورَاتٌ وَهُوَ الصغيرُ من أَولَاد الكَلب وَسَائر السبَاع)) (شرح النووي ١٤/ ٨٢ - ٨٣).
[التخريج]:
[م ٢١٠٥ ((واللفظ له)) / د ٤١٠٩ ((والرواية، والزيادة الأولى والثالثة له ولغيره)) / ن ٤٣٢١ ((والزيادة الثانية له ولغيره)) / كن ٤٩٨٧/ خز ٣٢١/ حب ٥٦٨٥، ٥٨٩٢/ طب (٢٣/ ٤٣١/ ١٠٤٨) (٢٤/ ١٧/ ٣١، ٣٢) / طس ٩١٧١/ مث ٣١٠٢/ هق ١١٦٥ - ١١٦٧، ٤٣٠٢/ تمهيد (١٤/ ٢٢١)].
[السند]:
قال مسلم: حدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن السباق، أن عبد الله بن عباس، قال: أخبرتني ميمونة، به.
تحقيق الزيادات والروايات:
أما الرواية والزيادة الأولى والثالثة: فأخرجها أبو داود (٤١٠٩)، قال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن السباق، عن ابن عباس، قال: حدثتني ميمونة، به.
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح.
وكذا أخرجه ابن حبان (٥٦٤٩) من طريق أبي صفوان الأموي عبد الله بن سعيد بن عبد الملك. والطبراني في (المعجم الكبير ٢٣/ ٤٣١/ ١٠٤٧) من طريق الليث بن سعد. كلاهما: عن يونس بن يزيد، عن الزُّهري، به، بالرواية والزيادتان أيضًا.
стр. 1157
وأبو صفوان والليث ثقتان من رجال الشيخين، وانظر: (التقريب ٣٣٥٧، ٥٦٨٤).
وأما الزيادة الثانية؛ فأخرجها النسائي (٤٣٢١)، قال: أخبرنا محمد بن خالد بن خلي، قال: حدثنا بشر بن شعيب، عن أبيه، عن الزُّهري قال: أخبرني ابن السباق، عن ابن عباس، به.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح، عدا محمد بن خالد بن خلي، وهو صدوق كما في (التقريب ٥٨٤٤).
وقد توبع على هذه الزيادة متابعة ناقصة من الليث بن سعد، وأبي صفوان الأموي، وقد تقدمت روايتهما.
رِوَايَةُ: ((وَلَا الثَّانِيَةَ، وَلَا الثَّالِثَةَ)):
• وَفِي رِوَايةٍ: (( ... فَلَمْ يَأْتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَا الثَّانِيَةَ، وَلَا الثَّالِثَةَ، ... )).
[الحكم]: ضعيف بهذا اللفظ، والمحفوظ أن جبريل لقيه ﷺ في الليلة الثانية.
[التخريج]: [حم ٢٦٨٠٠].
[السند]:
قال أحمد: حدثنا روح، حدثنا محمد بن أبي حفصة، قال: حدثنا الزُّهري، عن عبيد بن السباق، عن عبد الله بن عباس، عن ميمونة، به.
стр. 1158
[التحقيق]:
هذا إسناد لين؛ محمد بن أبي حفصة، فيه لين لا سيّما في الزُّهري، وقال الحافظ: ((صدوق يخطئ)) (التقريب ٥٨٢٦)، وانظر: (تهذيب التهذيب ٩/ ١٢٣).
وقد خولف في متنه؛ فالمحفوظ من رواية الثقات عن الزُّهري به: أن جبريل لقيه ﷺ في الليلة الثانية؛ كما تقدَّم عند مسلم وغيره، ولفظه: ((فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ [رَسُولُ اللهِ ﷺ ]: ((قَدْ كُنْتَ وَعَدتَنِي أَنْ تَلقَانِي البَارِحَةَ)))).
رِوَايَةُ غَسْلِ المَكَانِ:
• وَفِي رِوَايةٍ: (( ... فَنَظَرُوا فَإِذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ نَضَدٍ لَهُم، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بذَلكَ الجَرْو فَأُخْرِجَ، وَأَمَرَ بذَلِكَ المَكَانِ فَغُسِلَ بِالْمَاءِ ... )).
[الحكم]: ضعيف بلفظ الغسل، والمحفوظ بلفظ: النضح.
[التخريج]:
[عل ٧٠٩٣/ طب (٢٣/ ٤٣٠/ ١٠٤٦) ((واللفظ له)) / طس ٣٤٨٧ ((والزيادة له)) / طص ٣٩٤].
[السند]:
أخرجه الطبراني في معاجمه الثلاثة، قال: حدثنا الحسين بن عبد الله الخرقي، ثنا محمد بن مرداس الأنصاري، ثنا محمد بن مروان العقيلي، ثنا
стр. 1159
عمارة بن أبي حفصة، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة بنت الحارث، به.
وقال الطبراني: ((لم يروه عن عمارة بن أبي حفصة إلَّا محمد بن مروان)) (الأوسط). وبنحوه في (الصغير) وزاد: ((ولا رواه عن الزُّهري عن عبيد الله إلَّا عمارة)).
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات، عدا محمد بن مروان وابن مرداس والحسين بن عبد الله؛
فأما محمد بن مروان العقيلي؛ فمختلف فيه؛ قال أحمد: ((ليس به بأس))، وقال في موضع آخر: ((حدَّث بأحاديث وأنا شاهد فلم أكتبها وكتبها أصحابنا، وكان يروي عن عمارة بن أبي حفصة تركته على عمدٍ ولم أكتب عنه شيئًا، كأنَّه ضعَّفه)) (العلل - رواية عبد الله ٣٩٢٧، ٤٥٦٣)، وقال ابن معين: ((ليس به بأس)) (ضعفاء العقيلي ٣/ ٥٤٩)، وقال في موضع آخر: ((صالح))، وقال أبو زرعة: ((ليس عندي بذلك)) (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٨/ ٨٥ - ٨٦)، وقال أبو داود: ((صدوق))، وقال في موضع آخر: ((ثقة)) (تهذيب التهذيب: ٩/ ٤٣٥)، وقال الحافظ: ((صدوق له أوهام)) (التقريب ٦٢٨٢).
وأما محمد بن مرداس الأنصاري؛ فذكره ابن حبان في (الثقات ٩/ ١٠٧)، وقال: ((مستقيم الحديث)). وهو المعتمد.
أما قول أبي حاتم عنه أنه: ((مجهول)) (الجرح والتعديل ٨/ ٩٧)، (العلل ٢٦١٨)، وقول الحافظ في (التقريب ٦٢٧٨): ((مقبول)). فغير مقبول، فقد
стр. 1160
روى عنه جماعة من الأئمة: منهم البخاري - خارج الصحيح -، والبزار، وابن أبي عاصم، والروياني، وعبدان الأهوازي، وغيرهم كثير. فهذا وحده كافٍ في رفع الجهالة عنه، فكيف إذا انضم إلى ذلك قول ابن حبان فيه: ((مستقيم الحديث))، الدال على سبره لمروياته، وهذا من توثيق ابن حبان المقبول الذي لا مغمز فيه، كما يقول العلامة المعلمي اليماني (١).
ولذا تعقب الذهبي في (الميزان ٤/ ٣٢) أبا حاتم في قوله عنه أنه: (مجهول)، فقال: ((كذا قال أبو حاتم! ، وهذا الرجل بصري شهير. روى أيضًا عن جارية بن هرم، وغندر، وبشر بن مفضل، وعدة. وعنه البخاري خارج الصحيح، والبزار، وعبدان، ومحمد بن هارون الرويانى، وعمر البجيرى، وذكره ابن حبان في (الثقات) فأصاب)).
وقال الحافظ في (تهذيبه ٩/ ٤٣٤): ((ذكر صاحب الميزان أنه روى عن خارجة بن مصعب خبرًا باطلًا، وعندى أن الآفة فيه من شيخه)).
قلنا: وهو كما قال الحافظ، فخارجة هذا متروك، وكذَّبه ابن معين. انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب ٣/ ٧٨).
وأما الحسين بن عبد الله الخرقي؛ فقال ابن أبي يعلى: ((صَحِبَ جماعةً