← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 16

ديوان السنة - قسم الطهارة

عدنان العرعور

Полный текст (14 974 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.

стр. 11446

المسلم، وشَتَّانَ بين المعنيَيْنِ، ولو صحَّ لفظ: ((لَا تَمَسَّ))؛ لكان فصْلَ الخطاب في تحريم مسِّ المصحف إلا على طهارة.

стр. 11447

٢٥٩٠ - حَدِيثُ مُعَاذٍ: ◼ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ مَشَى مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ مِيلٍ يُوصِيهِ، فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ، أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ، وَصِدْقِ الحَدِيثِ ... ))، وَسَاقَ الحَدِيثَ مُطَوَّلًا جِدًّا، وَفِيهِ: (( ... وَعَلَى أَنْ لَا تَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرًا)). [الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا. وضَعَّفَهُ: المُتَّقي الهندي. وحكم عليه ابنُ الجَوْزي بالوضع. [التخريج]: [خط ٤٥٤١/ ضو ١٦٧٩) / كر (١٨/ ١٩٥)]. [التحقيق]: رواه الخطيبُ -ومن طريقه ابنُ الجَوْزي وابنُ عساكرَ- قال: أخبرني أبو نصر أحمد بن محمد بن أحمد بن حَسْنُونَ النَّرْسي، أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد الأَدَمِيُّ القارئ، حدثنا أحمد بن عُبَيد بن ناصح، حدثنا شَبَابَةُ بن سَوَّار الفَزَاري، حدثنا رُكْن بن عبد الله الدِّمَشْقي، عن مَكْحُولٍ الشامي، عن مُعاذ، به. وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه علتان: الأُولى: رُكْنُ بن عبد الله؛ وهَّاهُ ابنُ المبارَك. وقال يحيى: "ليس بشيء"، وقال النَّسائي والدَّارَقُطْني: "متروك" (اللسان ٣١٥٨). وقال البخاري: "منكَر الحديث" (التاريخ الكبير ٣/ ٣٤٣). وقال ابنُ حِبَّانَ: "روَى عن مَكْحولٍ شبيهًا بمائة حديث، ما لكثيرِ شيْءٍ منها أصْلٌ، لا يجوز الاحتجاجُ

стр. 11448

به بحال" (المجروحين ١/ ٣٧٧). الثانية: الانقطاع؛ فمَكْحولٌ لم يدرِك مُعاذًا، انظر: (جامع التحصيل ٧٩٦). وقال ابن الجَوْزي: "هذا حديثٌ موضوعٌ على رسول الله ﷺ ، والمتهَم به رُكْنٌ" (الموضوعات ١٦٧٩). وتعقَّب السُّيوطيُّ ابنَ الجَوْزي، فقال: "له طريقٌ آخَرُ" اهـ. (اللآلئ ٢/ ٣١٤). ونقلَ تعقَّبَه ابنُ عِرَاق، ثم قال عن هذا الطريق الآخَرِ: "قال بعض أشياخي: ((سندُهُ جيِّد، ليس فيه متروك))، وأشار البَيْهَقي إلى طريقٍ آخَرَ أخرجه العَسْكَري في (المواعظ) " اهـ (تنزيه الشريعة ٢/ ٣٤٢). وقال المُتَّقي الهندي: "وفيه رُكْنٌ الشامي، متروك" (كَنز العمال ١٠/ ٥٩٤). قلنا: رُويَ من طرقٍ أخرى كلُّها واهِيةٌ، وليس فيها موضعُ الشاهد هنا، وسيأتي الكلامُ عليها في موضعها من ((الموسوعة)) إن شاء الله.

стр. 11449

٢٥٩١ - حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ مُعَاذٍ: ◼ عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَمَسُّ القُرْآنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى الجَنَابَةِ)). قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؟ قَالَ: ((يَعْنِي: لَا يَمَسُّ ثَوَابَهُ إِلَّا المُؤْمِنُونَ)). قَالَ: قُلْنَا: فَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾؟ قَالَ: ((مَكْنُونٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ)). [الحكم]: باطل موضوع. وجزم بوضْعه: الجُورَقاني، وابنُ الجَوْزي، وأقرَّهما السُّيوطي. وضَعَّفَهُ: الإشبيلي. [التخريج]: [عد (٢/ ١٢٨) واللفظ له/ طيل ٣٥٨/ ضو ٩٣٩]. [السند]: رواه ابن عَدِي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيدَ المَرْوَزي ببُخَارى، حدثنا إسحاق بن أحمد بن خلَف، أخبرنا جدي- يعني: محمدَ بن أبي السَّرِي-، أخبرنا عيسى-يعني: الغُنْجارَ-، عن إسماعيلَ بن أبي زياد، عن ثَوْر بن يزيدَ، عن خالد بن مَعْدانَ، عن معاذ، به. ورواه الجُورَقاني وابنُ الجَوْزي من طريق إبراهيمَ بن محمد الطَّيَّان، حدثنا الحسين بن القاسم بن محمد الأَصْبَهاني، حدثنا إسماعيل بن أبي زياد، به (١).

стр. 11450

[التحقيق]: هذا إسناد تالف؛ فيه علتان: الأولى: إسماعيل بن أبي زياد، هو السَّكُوني؛ وهو: "متروك، كذَّبوه" (التقريب ٤٤٦). الثانية: الانقطاع؛ لأن خالدًا لم يسمع من معاذ، ربما كان بينهما اثنان. (تهذيب التهذيب ٣/ ١١٩). قال الجُورَقاني: "هذا حديثٌ موضوعٌ باطلٌ، لا أصلَ له، لم يَروِه عن ثَوْرٍ غيرُ إسماعيلَ بن أبي زيادٍ وهو متروك الحديث، ولا رواه عنه غيرُ الحسين الزاهد وهو ضعيف الحديث، تفرَّد عنه إبراهيمُ بن محمدٍ الطَّيَّانُ وهو منكَر الحديث مجهولٌ" (الأباطيل/ ح ٣٥٨)، وانظر (اللآلئ ٢/ ٨). وقال ابنُ الجَوْزي: "هذا حديثٌ موضوعٌ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فلا باركَ اللهُ فيمَن وضعه، فما أقبحَ هذا الوضعَ! " (الموضوعات ٩٣٩). والحديثُ ضَعَّفَهُ الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٦). وذكره الذَّهَبي في (الميزان ١/ ٣٨٧)، ونقلَ عن ابنِ حِبَّانَ قولَه: "إسماعيل بن زياد شيخٌ دجَّال، لا يحلُّ ذِكرُه في الكتب إلا على سبيل القدح فيه". وأورده الشَّوْكاني في: (الفوائد المجموعة ص ٩). [تنبيه]: قولُه: ((إِلَّا المُؤْمِنُونَ)): وقع عند ابنِ عَدِي: ((إِلَّا المُؤْمِنِينَ))، وهو خطأٌ، وجاء في بقية المصادر على الصواب.

стр. 11451

٢٥٩٢ - حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ عُمَرَ: ◼ عنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁: ((أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ لَقِيَ عُمَرَ ﵁ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ، فَقَالَ: أَيْنَ تَعْمَدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا. قَالَ: وَكَيْفَ تَأْمَنُ فِي بَنِي هَاشِمٍ -أَوْ: بَنِي زُهْرَةَ- وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا؟ ! قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ صَبَوْتَ وَتَرَكْتَ دِينَكَ الَّذِي هُوَ أَنْتَ عَلَيْهِ. قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى العَجَبِ يَا عُمَرُ؟ ! إِنَّ خَتَنَكَ وَأُخْتَكَ قَدْ صَبَوَا وَتَرَكَا دِينَهُمَا الَّذِي هُمَا عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَشَى إِلَيْهِمَا ذَامِرًا -قَالَ إِسْحَاقُ: يَعْنِي مُتَغَضِّبًا- حَتَّى دَنَا مِنَ البَابِ، وَعِنْدَهُمَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ خَبَّابٌ يُقْرِئُهِمَا سُورَةَ (طه). قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ حِسَّ عُمَرَ دَخَلَ تَحْتَ سَرِيرٍ لَهُمَا. فَقَالَ: مَا هَذِهِ الهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُهَا عِنْدَكُمْ؟ قَالَا: مَا عَدَا حَدِيثًا تَحَدَّثْنَا بَيْنَنَا. فَقَالَ: لَعَلَّكُمَا قَدْ صَبَوْتُمَا وَتَرَكْتُمَا دِينَكُمَا الَّذِي أَنْتُمَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَ خَتَنُهُ: يَا عُمَرُ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ ! قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى خَتَنِهِ فَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا. قَالَ: فَدَفَعَتْهُ أُخْتُهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَ وَجْهَهَا، فَدَمِيَ وَجْهُهَا. فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَرُونِي هَذَا الكِتَابَ الَّذِي كُنْتُم تَقْرَءُونَ. -قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقْرَأُ الكُتُبَ-. قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ: لَا، أَنْتَ رِجْسٌ، [وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ] ١، أَعْطِنَا مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَرُدَّنَّهُ عَلَيْنَا، وَقُمْ فَاغْتَسِلْ وَتَوَضَّأْ. قَالَ: فَفَعَلَ. قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ... ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ ﵁ كَلَامَ

стр. 11452

عُمَرَ ﵁ خَرَجَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا عُمَرُ؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكَ عَشِيَّةَ الخَمِيسِ: ((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الدِّينَ بِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، أَوْ بِعَمْرِو بنِ هِشَامٍ)). فَقَالُوا: هُوَ فِي الدَّارِ الَّتِي فِي أَصْلِ الصَّفَا -يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ يُوحَى إِلَيْهِ. فَانْطَلَقَ عُمَرُ ﵁، وَعَلَى البَابِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى حَمْزَةُ ﵁ وَجَلَ القَوْمِ مِنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: نَعَمْ، هَذَا عُمَرُ، فَإِنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُسْلِمْ وَيَتَّبِعِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ يَكُنْ قَتْلُهُ عَلَيْنَا هَيِّنًا. قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَحَمَائِلِ السَّيْفِ، فَقَالَ: ((مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ يَا عُمَرُ حَتَّى يُنْزِلَ اللهُ تَعَالَى بِكَ مِنَ الخِزْيِّ وَالنَّكَالِ مَا أَنْزَلَ بِالوَلِيدِ بنِ المُغِيرَةِ؟ ! اللَّهُمَّ (هَذَا) (١) عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الدِّينَ بِعُمَرَ)). فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَالَ ﵁: اخْرُجْ يَا رَسولَ اللهِ)). [الحكم]: منكَرُ المتنِ، ضعيفُ الإسنادِ. وأنكره الذَّهَبي جدًّا. وضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْني، والبُوصيري. [التخريج]: [ك ٧٠٩٠ (والزيادة له ولغيره) / عل (مط ٤٢٣٠/ ١ - ٣)، (خيرة ٦٥٨٩) (واللفظ له) / سعد (٣/ ٢٤٨) / شب (٢/ ٦٥٧) / قط ٤٤١ (مختصرًا) / ضيا (٧/ ١٣٩ - ١٤٢/ ٢٥٧٣ - ٢٥٧٥) / هق ٤١٦ (مختصرًا) / هقل (٢/ ٢١٩) / كر (٤٤/ ٣٤) / منتظم (٤/ ١٣٢، ١٣٣)

стр. 11453

/ جوزي (مشكل) (١/ ٢٦١) / جوزى (تبصرة) (ص ٤٢٢) / غخطا (٢/ ٥٧)]. [السند]: قال ابنُ سعد: أخبرنا إسحاقُ بن يوسفَ الأزرقُ، قال: أخبرنا القاسم بن عثمانَ البصري، عن أنس بن مالك، به. ومداره عندهم عن إسحاقَ الأزرقِ، به. [التحقيق]: هذا إسناد ضعيف؛ رجالُه ثقاتٌ، عدا القاسم بن عثمان، سكت عنه البخاري في (التاريخ ٧/ ١٦٥)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٧/ ١١٤)، لكن نقل الذَّهَبي عن البخاري أنه قال فيه: "له أحاديثُ لا يتابَع عليها" (الميزان ٥/ ٤٥٦). وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٥/ ٣٠٧)، وقال: "ربما أخطأ". وذكره العُقَيليُّ في (الضعفاء ١٥٣٨)، وقال: "لا يُتابَع على حديثه، حدَّثَ عنه إسحاقُ الأزرقُ أحاديثَ لا يتابَع منها على شيء" وقال الدَّارَقُطْني -في (السنن) عَقِبَ الحديث-: "القاسم ليس بقوي". قلنا: ولم يذكروا عنه راويًا سوى الأزرقِ، وقد تفرَّد بهذا الحديثِ عن أنسٍ، وأنكره عليه الذَّهَبيُّ، فقال: "حدَّثَ عنه إسحاقُ الأزرقُ بقصة إسلامِ عُمرَ؛ وهي منكَرةٌ جدًّا" (الميزان ٥/ ٤٥٦). وقال البُوصيريُّ: "رواه أبو يَعْلَى بسندٍ ضعيفٍ؛ لضعْف القاسم بن عثمانَ البصري". (الإتحاف ٦٥٨٩).

стр. 11454

وقال صاحب (عون المعبود): "في إسناده مقالٌ" اهـ (١/ ٢٦٤). وخالف في ذلك مُغْلَطايُ فصحَّح سندَه، وعلَّل ذلك بقوله: "لأن ابن عثمانَ وثَّقه أبو حاتم، وباقي مَن فيه لا يُسأَل عنه" (شرحه على ابن ماجه ٢/ ٣٩٨). وهذا الكلام فيه نظرٌ من وجهين: الأول: أن أبا حاتم ابنَ حِبَّانَ لم يوثِّقْه مطلقًا، وإنما ذكره في (الثقات)، وقال: "ربما أخطأ". الثاني: أنه اقتصر على صنيع ابن حِبَّانَ، وأعرضَ عن نصِّ الدَّارَقُطْني عَقِبَ الحديث على أن القاسمَ غيرُ قوي، وهذا تليينٌ منه له، وإعلالٌ للحديث به. هذا، وقد ذكر ابنُ إسحاقَ في (السيرة ٢٢٣) هذه القصة معضلةً بلا سندٍ، وحَكمَ عليها القُشَيْري بالإعضال. ورُوِيَتْ من طريق آخَرَ -ليس فيه موضعُ الشاهد-: أخرجه عبدُ العزيزِ الخِرَقيُّ في (الفوائد) كما في (الإصابة ٧/ ٣١٦) -ومن طريقه ابنُ عساكر- من رواية أم عُمرَ بنتِ حسَّان الثَّقَفية، عن زوجها سعيد بن يحيى بن قَيْس، عن أبيه، عن عُمرَ. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ سعيد بن يحيى وأبوه لم نجدْ لهما ترجمةً، وذكرَ لهما الهَيْثَميُّ حديثًا، وقال: "فيه مَن لم أعرفه" (المجمع ٨٩٢٩). وأمُّ عُمرَ؛ قال عنها ابنُ مَعِين: "ليستْ بشيء"، وأثنَى عليها الإمامُ أحمدُ، وقال: "لا بأس بها ... عجوزُ صدق". (العلل ٥٣٢٤)، و (اللسان ٨٩٩٠). وقد رُوِيتْ هذه القصةُ من طرقٍ أخرى بسياقٍ آخَرَ وألفاظٍ مختلفة، كما في الشاهدين التاليين:

стр. 11455

٢٥٩٣ - حَدِيثُ عُمَرَ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ: ◼ عَنْ أَسْلَمَ القُرَشِيِّ مَوْلَى عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ ﵁: ((أَتُحِبُّونَ أَنْ أُعْلِمَكُمْ بُدُوَّ إِسْلَامِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَيْنَا أَنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ فِي بَعْضِ طُرُقِ مَكَّةَ إِذْ لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا ابنَ الخَطَّابِ؟ قَالَ: قُلْتُ: أُرِيدُ هَذَا [الرَّجُلَ] الَّذِي الَّذِي الَّذِي. قَالَ: عَجَبًا لَكَ! تَزْعُمُ أَنَّكَ هَكَذَا، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ هَذَا الأَمْرُ بَيْتَكَ؟ ! قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أُخْتُكَ قَدْ صَبَتْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ مُغْضَبًا، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ الرَّجُلَ وَالرَّجُلَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا عِنْدَ الرَّجُلِ بِهِ قُوَّةٌ يُصِيبَانِ مِنْ طَعَامِهِ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ ضَمَّ إِلَى زَوْجِ أُخْتِي رَجُلَيْنِ، فَجِئْتُ حَتَّى قَرَعْتُ البَابَ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابنُ الخَطَّابِ. قَالَ: وَكَانُوا يَقْرَءُونَ صَحِيفَةً مَعَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتِي اخْتَفَوْا وَنَسُوا الصَّحِيفَةَ، فَقَامَتِ المَرْأَةُ فَفَتَحَتْ لِي، فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّةَ نَفْسِهَا، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكِ صَبَوْتِ! وَأَرْفَعُ شَيْئًا فِي يَدِي فَأَضْرِبُهَا، فَسَالَ الدَّمُ، فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ بَكَتْ، وَقَالَتْ: يَا ابنَ الخَطَّابِ، مَا كُنْتَ فَاعِلًا فَافْعَلْ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ. قَالَ: فَجَلَسْتُ عَلَى السَّرِيرِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا بِكِتَابٍ فِي نَاحِيَةِ البَيْتِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ أَعْطِينِيهِ. قَالَتْ: لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، إِنَّكَ لَا تَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، وَلَا تَطْهُرُ، وَهَذَا لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ. فَلَمْ أَزَلْ بِهَا حَتَّى أَعْطَتْنِيهِ، فَإِذَا فِيهِ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِـ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ذُعِرْتُ، وَرَمَيْتُ بِالصَّحِيفَةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَإِذَا فِيهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، كُلَّمَا مَرَرْتُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ ذُعِرْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي، حَتَّى بَلَغْتُ:

стр. 11456

﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَخَرَجَ القَوْمُ يَتَنَادَوْنَ بِالتَّكْبِيرِ؛ اسْتِبْشَارًا بِمَا سَمِعُوا مِنِّي، وَحَمِدُوا اللهَ، وَقَالُوا: يَا ابنَ الخَطَّابِ، أَبْشِرْ، فَلَمَّا أَنْ عَرَفُوا مِنِّي الصِّدْقَ قُلْتُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي بِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالُوا: هُوَ فِي بَيْتٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفَا. فَخَرَجْتُ حَتَّى قَرَعْتُ البَابَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابنُ الخَطَّابِ، وَقَدْ عَرَفُوا شِدَّتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا إِسْلَامِي. قَالَ: فَمَا اجْتَرَأَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِفَتْحِ البَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((افْتَحُوا لَهُ، فَإِنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ)). قَالَ: فَفَتَحُوا لِي، وَأَخَذَ رَجُلٌ بِعَضُدِي، حَتَّى دَنَوْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَرْسِلُوهُ))، فَأَرْسَلُونِي، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ بِمَجْمَعِ قَمِيصِي، فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ، وَقَالَ: ((أَسْلِمْ يَا ابنَ الخَطَّابِ، اللَّهُمَّ اهْدِهِ)). قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَكَبَّرَ المُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً سُمِعَتْ بِطُرُقِ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ اسْتَخْفَى، وَكُنْتُ لَا أَشَاءُ أَنْ أَرَى رَجُلًا إِذَا أَسْلَمَ يُضْرَبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: مَا أُحِبُّ إِلَّا أَنْ يُصِيبَنِي مِمَّا يُصِيبُ المُسْلِمِينَ، فَذَهَبْتُ إِلَى خَالِي، وَكَانَ شَرِيفًا فِيهِمْ، فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ البَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابنُ الخَطَّابِ، فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: أَشَعَرْتَ أَنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: لَا تَفْعَلْ، قُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لَا تَفْعَلْ، وَأَجَافَ البَابَ دُونِي، قُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ، فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، فَقَرَعْتُ البَابَ، فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: أَشَعَرْتَ أَنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: لَا تَفْعَلْ، قُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَدَخَلَ فَأَجَافَ البَابَ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ: أَتُحِبُّ أَنْ يُعْلَمَ

стр. 11457

بِإِسْلَامِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الحِجْرِ فَائْتِ فُلَانًا -رَجُلًا لَمْ يَكُنْ يَكْتُمُ السِّرَّ- فَأَصْغِ إِلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ: إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ، فَإِنَّهُ سَوْفَ يَظْهَرُ عَلَيْكَ وَيَصِيحُ وَيُعْلِنُهُ. قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الحِجْرِ جِئْتُ إِلَى الرَّجُلِ، فَدَنَوْتُ، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ: إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ. فَقَالَ: قَدْ صَبَوْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَرَفَعَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَقَالَ: أَلَا إِنَّ ابنَ الخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ، فَثَابَ إِلَيَّ النَّاسُ، فَضَرَبُونِي وَضَرَبْتُهُمْ، قَالَ: فَقَالَ خَالِي: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ابنُ الخَطَّابِ، فَقَامَ عَلَى الحِجْرِ، فَأَشَارَ بِكُمِّهِ: أَلَا إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابنَ أُخْتِي، فَانْكَشَفَ النَّاسُ عَنِّي. وَكُنْتُ لَا أَشَاءُ أَنْ أَرَى أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يُضْرَبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَأَنَا لَا أُضْرَبُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا يُصِيبُ المُسْلِمِينَ، وَأَمْهَلْتُ حَتَّى إِذَا جَلَسَ فِي الحِجْرِ، دَخَلْتُ إِلَى خَالِي، قُلْتُ: اسْمَعْ. قَالَ: مَا أَسْمَعُ؟ قُلْتُ: جِوَارُكَ عَلَيْكَ رَدٌّ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا ابنَ أُخْتِي. قُلْتُ: بَلَى، هُوَ ذَاكَ. قَالَ: مَا شِئْتَ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَضْرِبُ وَأُضْرَبُ حَتَّى أَعَزَّ اللهُ الإِسْلَامَ)). [الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا. وضَعَّفَهُ: البَزَّارُ، والذهبي، والهَيْثَميُّ، وابنُ حَجَر، والألبانيُّ. [اللغة]: قولُه: ((فَجَبَذَنِي))؛ جَبَذَ جَبذًا لغةٌ في جَذَب، وفي الحديث: ((فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي))، وظنَّه أبو عُبَيد مقلوبًا عنه. قال ابنُ سِيدَه: ((وليس ذلك بشيء)). وقال: ((قال ابنُ جِنِّي: ليس أحدُهما مقلوبًا عن صاحبه، وذلك أنهما جميعًا يتصرفان تصرُّفًا واحدًا؛ تقول: جَذَبَ يَجذِبُ جذبًا، فهو

стр. 11458

جاذب، وجَبَذَ يَجبِذُ جبذًا، فهو جابذ)) (اللسان ٣/ ٤٧٨). [التخريج]: [ك ٧٠٩١ (مختصرًا جدًّا) / بز ٢٧٩/ فحم ٣٧٦ (واللفظ له)، ٣٧٧ (والزيادة له ولغيره) / حل (١/ ٤١) / صحا ٧٧٩٠/ جر ١٣٤٧/ هقل (٢/ ٢١٦) / كر (٤٤/ ٣١) / أسد (٤/ ١٥٨) / قوام (ص ٩٤) / أثر (١/ ١٤٢ - ١٤٥)]. [السند]: رواه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في (فضائل الصحابة)، عن محمد بن عَوْف بن سُفيانَ الطائي، عن إسحاقَ بن إبراهيمَ الحُنَيْني، عن أُسامة بن زيد بن أسلَمَ، عن أبيه، عن جده، به. ومداره عندهم عن إسحاقَ الحُنَيْني، به (١). [التحقيق]: هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ علل: الأولى: إسحاقُ الحُنَيْني؛ ضعَّفوه، وضَعَّفَهُ الحافظ في (التقريب ٣٣٧). الثانية: أسامة بن زيد بن أسلَمَ؛ قال الحافظ: "ضعيف مِن قِبَل حفْظِه" (التقريب ٣١٥). الثالثة: أنه اختُلِف في سنده: فرواه الحاكمُ من طريق محمد بن أحمدَ بن بُرْدٍ الأَنْطَاكيِّ، ثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ الحُنَيْني، ثنا أسامة بن زيد بن أسلَمَ، عن أبيه، عن عُمرَ، به مختصرًا.

стр. 11459

فلم يذكر فيه (عن جده)، فإن لم يكن ذلك سقطًا من النُّسَّاخ؛ فهو اضطرابٌ من الحُنَيْني أو أسامةَ، والوجه الذي ذكره الحاكم منقطعٌ؛ لأن زيدَ بنَ أسلَمَ لم يدرِك عُمرَ ﵁. انظر: (جامع التحصيل ٢١١). قال البَزَّار: "وهذا الحديثُ لا نعلمُ رواه عن أسامةَ بنِ زيدٍ عن أبيه عن جده عن عُمرَ إلا إسحاقُ بن إبراهيمَ الحُنَيْني، ولا نعلم يُروَى في قصة إسلامِ عُمرَ إسنادٌ أحسنُ من هذا الإسناد، على أن الحُنَيْني قد ذكرْنا أنه خرج عن المدينة، فكُفَّ، واضطرب حديثُه" اهـ. وقال الذهبي: "قد سقط منه، وهو واه منقطع" (التلخيص/ مع المستدرك ٤/ ٦٠)، وأقره ابن الملقن في (مختصر تلخيص الذهبي ٥/ ٢٤٣٢). وقال الهَيْثَميُّ: "رواه البَزَّارُ، وفيه أسامة بن زيد بن أسلمَ؛ وهو ضعيفٌ" (المجمع ١٤٤١٣). وتعقَّبه ابنُ حَجَر، فقال -كما في (حاشيته على مجمع الزوائد) -: "وفيه مَن هو أضعفُ من أسامةَ -وهو: إسحاق بن إبراهيمَ الحُنَيْنيُّ-، وقد ذكر البَزَّارُ أنه تفرَّد به" (الضعيفة ١٤/ ٧٦). قال الألبانيُّ: "فمن الغرائب أن الحافظَ سكتَ عن إسنادِهِ في كتابه (مختصر زوائد مسند البَزَّار ٢/ ٢٩٢) كما سكتَ عنه في (الفتح)! ! ". وقد ضعَّف الألبانيُّ الحديثَ في (الضعيفة ٦٥٣١).

стр. 11460

٢٥٩٤ - حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ: ◼ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ ﵁ عَنْ إِسْلَامِهِ، قَالَ: ((خَرَجْتُ بَعْدَ إِسْلَامِ حَمْزَةَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِذَا فُلَانُ ابنُ فُلَانٍ المَخْزُومِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: أَرَغِبْتَ عَنْ دِينِ آبَائِكَ وَاتَّبَعْتَ دِينَ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ فَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ عَلَيْكَ حَقًّا مِنِّي. قَالَ: قُلْتُ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أُخْتُكَ وَخَتَنُكَ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَوَجَدْتُ البَابَ مُغْلَقًا، وَسَمِعْتُ هَمْهَمَةً. قَالَ: فَفُتِحَ لِيَ البَابُ فَدَخَلْتُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَسْمَعُهُ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا. فَمَا زَالَ الكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، حَتَّى أَخَذْتُ بِرَأْسِ خَتَنِي فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً فَأَدْمَيْتُهُ، فَقَامَتْ إِلَيَّ أُخْتِي فَأَخَذَتْ بِرَأْسِي، فَقَالَتْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ. قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ حِينَ رَأَيْتُ الدِّمَاءَ، فَجَلَسْتُ، وَقُلْتُ: أَرُونِي هَذَا الكِتَابَ. فَقَالَتْ أُخْتِي: إِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونِ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقُمْ فَاغْتَسِلْ. قَالَ: فَقُمْتُ فَاغْتَسَلْتُ، وَجِئْتُ فَجَلَسْتُ، فَأَخْرَجُوا إِلَيَّ صَحِيفَةً فِيهَا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قُلْتُ: أَسْمَاءٌ طَاهِرَةٌ طَيِّبَةٌ: ﴿طَهَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، فَتَعَظَّمَتْ فِي صَدْرِي، وَقُلْتُ: مِنْ هَذَا فَرَّتْ قُرَيْشٌ؟ ثُمَّ شُرِحَ صَدْرِي لِلْإِسْلَامٍ، فَقُلْتُ: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. قَالَ: فَمَا فِي الأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قُلْتُ: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَتْ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لَا تَهْجُهْ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَإِنَّهُ فِي دَارِ أَرْقَمَ بنِ أَبِي الأَرْقَمِ فِي دَارٍ عِنْدَ الصَّفَا، فَأَتَيْتُ الدَّارَ فَأَسْلَمْتُ)) الحَدِيثَ بِطُولِهِ.

стр. 11461

وَفِيهِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي (الحِلْيَةِ)، وَابنِ عَسَاكِرَ: قِصَّةُ خُرُوجِ المُسْلِمِينَ فِي صَفَّيْنِ، عَلَى أَحَدِهِمَا حَمْزَةُ، وَعَلَى الآخَرِ عُمَرُ ﵄، فَلَمَّا رَأَتْهُمْ قُرَيْشٌ أَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ لَمْ يُصِبْهُمْ مِثْلُهَا. [الحكم]: منكَر، وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ الذَّهَبيُّ. [التخريج]: [صحا ٧٧٨٩ (واللفظ له) / حل (١/ ٤٠) / نبص ١٩٢/ كر (٤٤/ ٢٩) / جوزي (مشكل ١/ ١٠٧)]. [السند]: رواه أبو نُعَيم في (معرفة الصحابة، والحِلْية، والدلائل) -ومن طريقه ابنُ الجَوْزي-، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا محمد بن عثمانَ بن أبي شَيْبة، ثنا عبد الحُمَيد بن صالح، ثنا محمد بن أَبانَ، عن إسحاقَ بن عبد الله، عن أَبانَ بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس، به. ورواه ابنُ عساكرَ من طريق محمد بن عثمانَ، به. [التحقيق]: هذا إسنادٌ ساقطٌ، ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان: العلةُ الأُولى: إسحاق بن عبد الله، هو ابنُ أبي فَرْوَةَ؛ تركه الأئمةُ، وكذَّبه ابنُ مَعِين في رواية. وقال الحافظ: "متروك" (التقريب ٣٦٨). العلةُ الثانيةُ: محمد بنُ أَبانَ، وهو الجُعْفيُّ؛ ضَعَّفَهُ: أحمدُ، وابنُ مَعِين، والبخاريُّ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وغيرُهم. انظر: (لسان الميزان ٦٣٥٤). ولذا قال الذَّهَبيُّ: "ويُروَى عن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ ... "، فذكره،

стр. 11462

انظر (السِّيَر ١/ ١٧٩). وأصحُّ ما وردَ في إسلام عُمرَ ﵁ ما رواه البخاريُّ في (صحيحه) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄، قال: ((لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ ﵁ اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ دَارِهِ، وَقَالُوا: صَبَا عُمَرُ، وَأَنَا غُلَامٌ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِي، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ، فَقَالَ: قَدْ صَبَا عُمَرُ، فَمَا ذَاكَ؟ فَأَنَا لَهُ جَارٌ. قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّاسَ تَصَدَّعُوا عَنْهُ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: العَاصِ بنُ وَائِلٍ)). ولا يُستبعَد أن يكون لقصة عُمرَ ﵁ مع أخته أصلًا، ولكن حديث البخاري المذكور يدلُّ على نكارةِ ووَهَاءِ الرواياتِ السابقة بتلك التفصيلات، والله أعلم. * * *

стр. 11463

٤٢٥ - بَابٌ: مُكْثُ الجُنُبِ فِي المَسْجِدِ ٢٥٩٥ - حَدِيثُ عَائِشَةَ: ◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((وَجِّهُوا هَذِهِ البُيُوتَ عَنِ المَسْجِدِ)). ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَمْ يَصْنَعِ القَوْمُ شَيْئًا؛ رَجَاءَ أَنْ تَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدُ فَقَالَ: ((وَجِّهُوا هَذِهِ البُيُوتَ عَنِ المَسْجِدِ؛ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ)). [الحكم]: مُختلَفٌ فيه، والراجحُ أنه ضعيفٌ جدًّا. وضَعَّفَهُ: أحمدُ، والبخاري، وابنُ المُنْذِرِ، والخَطَّابيُّ، وابنُ حَزْمٍ، والبَيْهَقيُّ، وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ، وابنُ رُشْدٍ، والنَّوَويُّ، والذَّهَبيُّ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ رجبٍ، والألبانيُّ. وصَحَّحَهُ: ابنُ خُزَيمةَ، والشَّوْكانيُّ. وحَسَّنَهُ: ابنُ القَطَّانِ، والزَّيْلَعيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ سيِّدِ النَّاسِ. [الفوائد]: اختلف أهل العلم في دخول الجنب والحائض المسجد. فمنعه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. بينما ذهب أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وأهل الظاهر، إلى جوازِ ذلك،

стр. 11464

عملًا بالبراءَةِ الأصليةِ؛ وأما هذا الحديثُ فضعيفٌ جدًّا لا يحتجُّ به. قال ابنُ المنذرِ: "اختلفَ أهل العلم في دخول الجنب المسجد؛ فكرهتْ طائفةٌ ذلك ورَخَّصَ بعضُهم أن يمرَّ في المسجد، فممن رَخَّصَ للجنب أن يَمرَّ فيه: ابن عباس، وابن مسعود، وابن المسيب، والحسن، وابن جبير، وقال جابر: ((كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي المَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ)). ورخَّصتْ طائفةٌ للجنبِ في دخولِ المسجدِ، وذهبتْ إلى أن تأويلَ قوله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾، مسافرين لا يجدون ماءً فيتيمَّموا، رُوي هذا القول عن علي، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، والحسن بن مسلم بن يناق، وقتادة" (الأوسط ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠). وقال في موضع آخر: "وكان أحمد بن حنبل يقول: (يجلس الجنب في المسجد، ويمر فيه إذا توضأ). وكذلك قال إسحاق. واحتجَّ بعضُ المرخِّصين للجنب في دخول المسجد والمقام فيه بحديث حذيفة، أن النبي ﷺ لقيه فأهوى إليه، فقال: إني جنب، فقال: ((إِنَّ المُسْلِمَ لَيْسَ بِنَجَسٍ)) (١). وإذا كان المسلم ليس بنجس فهو طاهر كحالته قبل أن يجنب، غير أنه مأمور بالاغتسال عبادة تعبد الله بها عباده، وكما أَمَرَ مَن خرج مِن دُبره ريحٌ أن يغسل أعضاء الوضوء، وهو قبل أن يغسل أعضاء الوضوء طاهر الأعضاء، غير أنه متعبد بالطهارة كما تعبد الجنب بالاغتسال، وإذا قال من خالف هذا

стр. 11465

القول: إن المشرك يدخل المساجد غير المسجد الحرام استدلالا بأن وفد ثقيف لما قدموا المدينة وهم مشركون نزلوا المسجد، ودخل أبو سفيان مسجد المدينة وهو إذ ذاك على دين قومه قبل أن يسلم، فالمسلم الجنب الذي ثبتت له الطهارة بخبر رسول الله ﷺ أولى بالإباحة. وقد قال بعضُ أهلِ العلمِ ليس في قول الله جل ذكره: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ دليلٌ على أن الجنب لا يجلس في المسجد؛ لأن المسجد ليس بمذكور في أول الآية، فيكون آخر الآية عائدًا عليه، وإنما ذكرت الصلاة، فالصلاة لا يجوز للجنب أن يقربها إلا أن يكون عابر سبيل مسافرًا لا يجد ماء، فيتيمم صعيدًا طيبًا. وقد روينا عن علي، وابن عباس، وغير واحد من التابعين أنهم رأوا أن تأويل قوله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾ مسافرين لا يجدون ماء". ثم قال: "ولعلَّ مِن حُجة مَن كَرِهَ دخول الجنب المسجد حديثًا حدثناه ... " فذكر هذا الحديث، ثم قال: "أفلت عندهم مجهول، ويبطل إذا كان كذلك أن يقوم بهذا الحديث حجة" (الأوسط ٥/ ١٢٣ - ١٢٦). قال الخطابيُّ: "وفي الحديث بيان أن الجنب لا يدخل المسجد، وظاهر قوله ﷺ : ((فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ)) يأتي على مقامه في المسجد ومروره فيه. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك؛ فقال أصحابُ الرأي: لا يدخل الجنب المسجد إلاّ بأحد الطهرين، وهو قول سفيان الثوري. فإن كان مسافرًا ومرَّ على مسجدٍ فيه عين ماء تيمَّم بالصعيد ثم دخل المسجد واستقى. وقال مالك والشافعي: ليس له أن يقعد في المسجد، وله أن يمر فيه عابر سبيل ... ،

стр. 11466

وكان أحمد بن حنبل، وجماعة من أهل الظاهر يجيزون للجنب دخول المسجد إلا أن أحمد كان يستحب له أن يتوضأ" (معالم السنن ١/ ٧٧). وقال الصَّنْعانيُّ: "والحديثُ دليلٌ على أنه لا يجوزُ للحائضِ والجُنُبِ دخولُ المسجدِ، وهو قولُ الجمهورِ. وقال داودُ وغيرُهُ: يجوزُ؛ وكأنَّه بنَى على البَراءةِ الأصليةِ، وأن هذا الحديثَ لا يرفعُها" (سبل السلام ١/ ١٣٥)، وانظر (نيل الأوطار ١/ ٢٨٨). ومع ما تقدم نقله من خلافٍ في المسألة نقل ابن بطال الاتفاق على المنع، فقال: "وأقوى ما يستدلُّ به على طهارة الحائض مباشرته ﷺ لأزواجه وهنَّ حيَّضٌ فيما فوق المئزر، إلا أنها -وإن كانتْ طاهرًا- فإنه لا يجوزُ لها دخول المسجد بإجماعٍ، لأمره فى العيدين باعتزال الحُيض المصَلَّى" (شرح صحيح البخاري ١/ ٤٦٣). قلنا: وكلامه فيه نظر من وجهين: الأول: نقله للإجماع، وقد تقدَّم نقلُ الخلافِ فيه عن جماعة من الأئمة. الثاني: استدلاله بحديث اعتزال الحُيض لمُصلى العيد فيه نظر؛ فإن المراد به اعتزال الصلاة نفسها، كما وَرَدَ في رواية مسلم لنفس الحديث (١)، وإلا فالحُيَّضُ يشهدنَ العيد في مصلاه. وقد قال ابنُ بطال نفسُه: "ليس فى منع الحائض من دخول المسجد خبرٌ يثبتُ" (شرح صحيح البخارى ٨/ ٢٤١).

стр. 11467

ولكنه علَّل الاتفاقَ بشيءٍ آخرَ؛ فقال: "وقد اتفقنا على منع الجنب والحائض من دخول المسجد؛ لمنعهما من القراءة" (شرح صحيح البخاري ٢/ ١١٧). قلنا: وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأنه لم يثبتْ نصٌّ في منع الحائض ولا الجنب من قراءة القرآن، حتى يقاس عليه! ، والخلاف في القراءة أشهر. والخلاصة: أن المسألة خلافية، والخلاف فيها سائغ. والله أعلم. [التخريج]: [د ٢٣١ (واللفظ له) / خز ١٤٠٥/ حق ١٧٨٣/ تخ (٢/ ٦٧) (مختصرًا) / لا ٨٤٣/ منذ ٢٥١٩/ جصاص (٣/ ١٦٨) / هق ٤٣٧٩/ بغت (١/ ٢٥٨) / الإيضاح لعبد الغني بن سعيد (اللآلئ ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤)]. [السند]: رواه أبو داود -ومن طريقه الجَصَّاصُ والبَيْهَقيُّ والبَغَويُّ- قال: حدثنا مُسَدَّد، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا أَفْلَتُ بنُ خَليفةَ، قال: حدثتني جَسْرَةُ بنتُ دَجَاجةَ، قالت: سمِعتُ عائشةَ، به. قال أبو داود: "هو فُلَيْتٌ العامري"؛ يعني: أَفْلَتَ. ورواه ابنُ المُنْذِر عن يحيى بن محمد، قال: ثنا مُسَدَّد، به. ورواه الباقون من طرقٍ، عن عبد الواحد، به. [التحقيق]: هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح، عدا أَفْلَتَ بن خليفةَ وجَسْرةَ؛ فمختلَفٌ فيهما، وإليك البيانَ: أولًا: أَفْلَتُ بنُ خليفةَ العامري، ويقال له: "فُلَيتٌ"؛ قال أبو حاتم:

стр. 11468

"شيخ" (الجرح والتعديل ٢/ ٣٤٦). وهذه الكلمةُ عند أبي حاتم تعني: أنه لا يُحتجُّ به، انظر (الجرح والتعديل ٢/ ٣٧). ونقلَ الخَطَّابيُّ عن أحمدَ وجماعةٍ من أهلِ الظاهرِ أنهم ضعَّفوا الحديثَ، قال: "وقالوا: أَفلَتُ راوِيه مجهولٌ، لا يصحُّ الاحتجاجُ بحديثه" (المعالم ١/ ٧٨). قال المُنْذِريُّ: "وفيما حكاه الخَطَّابيُّ ﵁ أنه مجهولٌ نظرٌ" (مختصر سنن أبي داود ١/ ١٥٧). وكذلك نقلَ البَغَويُّ عن أحمدَ أنه ضعَّفَ الحديثَ، وعلَّل البَغَويُّ ذلك بقوله: "لأن راويَه أَفلَتَ بن خليفةَ؛ مجهول" (شرح السنة ٢/ ٤٦) و (التفسير ١/ ٢٢٠). وقال ابنُ المُنْذِرِ: "أَفْلَتُ مجهولٌ، لا يجوزُ الاحتجاجُ بحديثه" (الأوسط ٢/ ٢٣٢). وقال في موضعٍ آخَرَ: "أَفْلَتُ عندَهم مجهولٌ" (الأوسط ٥/ ١٢٥). وقال ابنُ حَزْم: "أمَّا أَفْلَتُ فغيرُ مشهورٍ ولا معروف بالثقة" (المحلَّى ٢/ ١٨٦). وقال البَيْهَقيُّ: "فيه نظرٌ" (السنن الكبرى ١٢/ ٤٩/ عقب حديث ١١٦٣٣). وقال الحافظُ: "وأمَّا قولُ ابنِ الرِّفْعة في أواخر شروط الصلاة من (المَطْلَب) بأنه متروكٌ فمردودٌ؛ لأنه لم يقلْه أحدٌ من أئمةِ الحديثِ" (التلخيص الحبير ١/ ٣٧٦)، وانظر (البدر المنير ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠).

стр. 11469

قلنا: أَفْلَتُ روَى عنه جماعةٌ منَ الثقاتِ، وقال عنه أحمدُ: "ما أرى به بأسًا" (العلل ومعرفة الرجال ٤٥٩٢)، وقال الدَّارَقُطْني: "صالح" (سؤالات البَرْقاني ٣٩)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٦/ ٨٨)، ولذا قال الحافظُ: "صدوقٌ" (التقريب ٥٤٦). وبهذا ردَّ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ وابنُ المُلَقِّنِ وغيرُهُما القولَ بجهالتِهِ. ثانيًا: جَسْرة بنت دَجاجةَ؛ قال البخاريُّ: "عند جَسْرةَ عجائبُ" (التاريخ الكبير ٢/ ٦٧)، وكذا قال ابنُ حِبَّانَ فيما نقله عنه الذَّهَبيُّ في (الميزان ١/ ٣٩٩)، وقد ترجمَ لها في (الثقات ٤/ ١٢١)، وليس فيه هذا القولُ. وقال العِجْليُّ: "تابعيةٌ ثقةٌ"! (الثقات ٢٣٢٦). وقال الدَّارَقُطْنيُّ: "يُعتبَرُ بحديثها، إلا أن يُحدِّثَ عنها مَن يُترَك" (سؤالات البَرْقاني ٦٩). وقال البَزَّارُ: "لا نعلمُ حدَّثَ عنها غيرُ قُدَامةَ" (المسند ٤٠٦٢). قال ابنُ دقيقٍ -متعقِّبًا البَزَّارَ-: "وقد تبيَّنَ أن أَفْلَتَ حدَّثَ عنها" (الإمام ٣/ ٩٥). قلنا: الصواب أن (قُدَامة) هو نفْسُه (أَفْلَت)، كما سيأتي بيانُه. وصَحَّحَ لها الحاكمُ في (المستدرك ٧٩٩)! . وقال البَيْهَقيُّ: "فيها نظرٌ" (السنن الكبرى ١٢/ ٤٩/ عقب حديث ١١٦٣٣). وقال عبدُ الحقِّ: "ليستْ بمشهورةٍ" (الأحكام الوسطى ٢/ ٦٢). ولخَّص حالَها الحافظُ، فقال: "مقبولة" (التقريب ٨٥٥١). وهذه الكلمةُ عند الحافظِ تعني: أن حديثَها يُقبَلُ إذا تُوبِعتْ، وإلا فلا،

стр. 11470

وهذا هو معنى قول الدَّارَقُطْني: "يُعتبَر بحديثها"، ومع ذلك حسَّنَ لها الحافظُ في (الفتح ٥/ ١٢٥)! ومِن قبله العِراقيُّ في (أماليه ١/ ١٢٥). وتمسَّكَ ابنُ القَطَّانِ في (الوهم والإيهام ٥/ ٣٣١) -وتبِعه ابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ٥٦١) -، وابنُ التُّرْكُماني في (الجوهر ٦/ ٩٦)، بتوثيقِ العِجْليِّ لها، وردَّا قولَ البخاريِّ، فقال الأول: "وقول البخاري: إن عندها عجائبَ- لا يَكفي لمَن يُسقِط ما رَوتْ" اهـ. قال الحافظُ: "كأنه يُعَرِّض بابنِ حَزْمٍ؛ لأنه زعمَ أن حديثَها باطلٌ" (تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٠٦). وتعقَّبَ ابنُ التُّرْكُماني البَيْهَقيَّ في اعتماده على كلمةِ البخاريِّ، بأن الذَّهَبيَّ قال: "قوله: عندها عجائبُ، ليس بصريحٍ في الجَرحِ" (الميزان ١/ ٣٩٩). قلنا: ولكن الذَّهَبيَّ -نفسَه- ذكرها في (المغني في الضعفاء ١١٢٧) بِناءً على كلمة البخاري! الترجيح: لا شكَّ عند التأمُّلِ أن الراجحَ في حالِ جَسْرةَ هو الضعفُ، وبيان ذلك من ثلاثة وجوه: الأول: أن البخاريَّ والدَّارَقُطْنيَّ أَقعَدُ في هذا البابِ وأعلمُ به من ابنِ حِبَّانَ والعِجْليِّ؛ فلا يُقدَّمُ قولُهما على قولِ البخاريِّ والدَّارَقُطْنيِّ. الثاني: أن جَسْرةَ بنتَ دَجاجةَ قليلةُ الروايةِ جدًّا، وغالب أحاديثِها مخالفاتٌ ومناكيرُ، وإليك البيانَ: ١ - حديثها عن أبي ذَرٍّ في قيامِ النبيِّ ﷺ ليلًا. رواه أحمدُ وغيرُه، وفيه مناكيرُ وأعاجيبُ كما بيَّنه الألبانيُّ في (الضعيفة

стр. 11471

٦٠٣٧)، وصدقَ البخاريُّ ﵀. ٢ - حديثها عن عائشةَ في عذابِ القبرِ، وفيه قصةُ اليهوديةِ. قد خالفتْ في بعضِ متْنِه كما بيَّنه الألبانيُّ في (الإرواء ١/ ٣١٢). ٣ - حديثها عن عائشةَ أيضًا في قصةِ الطعامِ والإناءِ. في متنه مخالفةٌ أيضًا، انظر (الإرواء ٥/ ٣٦٠). ٤ - حديثها هذا؛ فقد خولِفتْ فيه أيضًا كما سيأتي. هذه هي أشهرُ أحاديثِها وأكثرُها، وكلُّها مخالفاتٌ ومناكيرُ؛ فهذا يدلُّ دلالة واضحةً على نَكارةِ حديثِها وعدمِ قَبولِه منها إلا إذا تُوبِعتْ، كما هو مقتضى كلامِ الدَّارَقُطْنيِّ، وصنيعِ الحافظِ في (التقريب). الثالث: ذكرَ المِزِّيُّ في الرواة عن جَسرةَ أربعةَ رواةٍ، وهم: "أَفْلَت بن خليفةَ العامري، وعُمر بن عُمَير بن مَحْدُوج، وقُدَامة بن عبد الله العامري، ومَحْدوج الذُّهْلي". هكذا ذكرهم المِزِّي في ترجمة جَسرةَ: * فأمَّا الأولُ، وهو أَفْلَت بن خليفةَ العامرى؛ فقد سبقَ بيانُ حاله. * وأما مَحْدُوج الذُّهْلي؛ فمجهولٌ، وسيأتي. * وأما عُمر بن عُمَير؛ فمجهولٌ أيضًا، ومع جهالته فهو لا يَروي عن جَسْرةَ في الحقيقة، كما أن مَحْدُوجًا ليس بجده، وإنما هو شيخُه، فعُمَر هذا هو أبو الخطاب الهَجَريُّ المذكورُ في حديث أم سلَمةَ الآتي، وهو يَروي عن مَحْدُوج عن جَسْرةَ كما ذكره المِزِّي نفْسُه في (التهذيب ٧٣٤٥)، فعَدُّه من الرواةِ عن جَسْرةَ وهَمٌ من المِزِّي ﵀، تبِع فيه ابنَ أبي حاتم حيث قال:

стр. 11472

"عُمر بن عُمَير بن مَحْدُوج روَى عن جَسْرةَ عن أم سلَمةَ، روَى عنه منصورُ بن أبي الأَسْود، سمِعتُ أبي يقول ذلك، ويقول: "هو مجهولٌ" (الجرح والتعديل ٦/ ١٢٧). هكذا جاءتْ العبارةُ في كتابه، وتبِعه المِزِّيُّ، وهو مَحْضُ وهَمٍ، والصواب: "عُمر بن عُمَير، عن مَحْدُوج، عن جَسْرة"، هكذا ذكره البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٦/ ١٨٣)، وكذلك رواه منصور كما سيأتي ذِكرُه في حديث أم سلَمةَ. * وأما قُدَامة بن عبد الله العامري؛ فالصواب -والله أعلم- أنه هو فُلَيْتٌ العامري، كما نصَّ عليه الدَّارَقُطْني في (المؤتلف والمختلف ٤/ ١٨٥٧)، ونقله الطَّبَريُّ عن أبي هشام الرِّفاعي. (مُوضِح أوهام الجمع ١/ ٤٨٨)، وانظر: (الضعيفة ١٣/ ٨١). وخلاصة هذا الوجه: أن جَسْرةَ لم يَروِ عنها سوى اثنين (أَفْلَت، ومَحْدُوج)؛ أحدهما: مختلَفٌ فيه، والثاني: مجهول؛ فثبَتَ بذلك قولُ عبدِ الحقِّ أنها ليستْ بمشهورة. ولذا قال الألبانيُّ: ((كلُّ مَن روَى عن جَسْرةَ غيرُ معروفٍ بالعدالةِ، حاشا (أَفْلَت)، فيكف تُجعل روايتُه عنها توثيقًا لها؟ ! نعم، قد صرَّح بتوثيقها العِجْليُّ وابنُ حِبَّانَ؛ حيث ذكرها في (الثقات)، وتساهلُه في التوثيقِ وكذا العِجْليُّ معروفٌ لدى مَن يتتبَّع كلامَهما في الرواةِ المختلَفِ فيهم، ولذلك ترى الحافظَ لم يعتمِد على توثيقهما، بالرغم من نقله ذلك عنهما في (التهذيب)؛ فقال في (التقريب): مقبولة)) (الثمر المستطاب ٢/ ٧٤٩). قلنا: ولو حمَلْنا قولَ البَزَّارِ: "لا نَعلمُ حدَّثَ عنها غيرُ قُدَامةَ" على أنه أرادَ مَن حدَّثَ عنها من المعروفين، وأن (أَفْلَت) عنده هو قُدَامةُ كما قال

стр. 11473

الدَّارَقُطْني وغيرُه؛ لاستقام كلامُ البَزَّارِ وسَلِمَ مِن تعقُّب ابن دقيق العيد وغيرِه عليه، والله أعلم. وعليه؛ فإسنادُ هذا الحديثِ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه أربعُ عللٍ: العلةُ الأُولى: ضعْفُ جَسْرةَ، وقد سبقَ بيانُه. العلةُ الثانيةُ: التفرُّد؛ فقد تفرَّدتْ جَسْرةُ بهذا الحديثِ عن عائشةَ، وهي ممن لا يُحتمَل تفرُّدُها مع اعتبار الخلاف، فكيف والراجحُ مِن أمْرِها الضعْفُ؟ أمَّا ما ذكره بعضُ المصحِّحين من شواهدَ، فهي شواهدُ واهيةٌ، لا تصلُحُ للاعتبار، كما سيأتي بيانُه. العلةُ الثالثةُ: المخالفةُ؛ فقد خولِفتْ جَسْرةُ في متنِ حديثِ عائشةَ، حيثُ ذَكرَتْ في بعض رواياته أن النبيَّ ﷺ قال: ((سُدُّوا هَذِهِ الأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ)) (التاريخ الكبير ١/ ٤٠٨). وخالفها في ذلك عُروةُ بنُ الزُّبَير، وعَبَّادُ بنُ عبد الله، فرَوَياه عن عائشةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ ، بلفظ: ((سُدُّوا هَذِهِ الأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ))، ذكره البخاريُّ، وقال: "وهذا أصحُّ" (التاريخ الكبير ٢/ ٦٧، ٦٨)، وانظر: (التاريخ الكبير ١/ ٤٠٨). فهذا منَ البخاريِّ ﵀ إعلالٌ واضحٌ لحديثِ جَسْرةَ هذا؛ ولذا قال البَيْهَقيُّ عن حديثِها هذا: "ليس بالقوي؛ قال البخاريُّ: (عند جَسْرةَ عجائبُ)، وقد خالفها غيرُها عن عائشةَ في سدِّ الأبواب" (المعرفة ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥). وجاء في (الصحيحين) من حديثِ أبي سعيدٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: ((لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ))، وهذا هو المحفوظ.

стр. 11474

وقد رُويَتْ أحاديثُ أخرى -لا تخلو من مقال- في سدِّ الأبواب دون باب عليٍّ ﵁، فمِن العلماء مَن ردَّها؛ لضعْفِها ومخالفتِها لما ثبَت في (الصحيح)، كابنِ كَثير في (التفسير ١/ ٥٠٢)، وغيرِه، بل حَكَمَ عليها شيخُ الإسلامِ بالوضعِ والبطلانِ، فقال -ضِمْنَ كلامِه عن حديثِ ابنِ عباسٍ عند أحمدَ-: "قولُه: ((وسدَّ الأبوابَ كلَّها إلا بابَ عليٍّ))، فإن هذا مما وضعَتْه الشيعةُ على طريقِ المقابلةِ؛ فإن الذي في (الصحيح) عن أبي سعيد عن النبيِّ ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: ((إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ. لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا سُدَّتْ، إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ)) " (منهاج السنة النبوية ٥/ ٣٥). وكذلك حَكَمَ عليها ابنُ الجَوْزي وغيرُه بالوضعِ كما سيأتي. ولكن ذهبَ ابنُ حَجَرٍ إلى تقويةِ هذه الأحاديث، وجمَع بينها وبين حديث أبي بكر بنوع من التكلُّف. (الفتح ٧/ ١٥). ولم يُصِبِ الحافظُ في ذلك، والله أعلم. وعلى أيةِ حالٍ؛ فالمخالفةُ من جَسْرةَ قائمةٌ؛ فليس في واحد من هذه الأحاديث المشارِ إليها تعليلُ الأمر بسد الأبواب بقوله ﷺ : ((فَإِنِّي لَا أُحِلُّ ... )) إلخ. قال الألبانيُّ: "فهذا مما يُوهِن مِن شأن هذا الحديثِ عندي، وإن كنتُ لم أجدْ مَن صرَّح بذلك قبلي" (ضعيف سنن أبي داود ١/ ٨٨). العلةُ الرابعةُ: اضطرابها في المتنِ والسندِ؛ فمرةً ذكرتْ أن النبيَّ ﷺ قال: ((وَجِّهُوا هَذِهِ البُيُوتَ عَنِ المَسْجِدِ))، ولم تَستثنِ أحدًا، وفي رواية استثنَتِ

стр. 11475

النبيَّ ﷺ وآلَه ﷺ ، وفي حديثِ أمِّ سلَمةَ الآتي استثنتْ عليًّا وفاطمةَ ﵄، وفي رواية استثنَتْ عليًّا ﵁. هذا عن اضطرابها في المتن. أما عن السند؛ فقد اختُلِف على جَسْرةَ في سندِ هذا الحديث: فقيل: عنها عن عائشة -كما سبق-. وقيل: عنها عن أم سلَمةَ -كما سيأتي-، ورجَّح أبو زُرْعةَ الرازيُّ قولَ مَن قال: عن عائشةَ. انظر: (علل ابن أبي حاتم ٢٦٩). والغريبُ أن ابنَ القَطَّان ومَن تبِعَه ممن حسَّن -أو صحَّح- حديثَ عائشةَ ﵂ استشهَد له بحديثِ أمِّ سلَمةَ ﵂ الآتي، مع أنه هو نفْسُه حديثُ جَسْرةَ، إما أنها اضطربَتْ فيه، وإما أن بعض الرواة أخطأ عليها، فكيف يُجعَل هذا شاهدًا لذاك؟ ! ! وقد ضعَّف هذا الحديثَ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ، منهم: ١ - البخاريُّ؛ قال: "لا يصحُّ هذا عن النبيِّ ﷺ " (التاريخ الكبير ٦/ ١٨٤). ٢ - الإمامُ أحمدُ؛ نقله عنه الخَطَّابيُّ والبَغَويُّ، كما سبقَ. ٣ - ابنُ المُنْذِرِ؛ حيثُ قال: "أَفْلَتُ عندهم مجهولٌ، ويَبْطُل إذا كان كذلك أن يقُوم بهذا الحديث حُجَّةٌ" (الأوسط ٥/ ١٢٥)، وانظر الكلامَ عن أَفْلتَ. ٤ - الخَطَّابيُّ؛ ونقله عن أحمدَ وجماعةٍ من أهلِ الظاهرِ، وقد سبقَ كلامُه. ٥ - ابنُ حَزْمٍ. انظر: (المحلَّى ٢/ ١٨٦). ٦ - البَيْهَقيُّ؛ قال: "ليس بالقويِّ" (المعرفة ٣/ ٤٠٤). ٧ - عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ؛ قال: "لا يثبُتُ مِن قِبَل إسنادِه" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٠٧).

стр. 11476

٨ - ابنُ رُشْدٍ؛ قال: "وهو حديثٌ غيرُ ثابتٍ عند أهلِ الحديثِ" (بداية المجتهد ١/ ٥٥). ٩ - النَّوَويُّ؛ فقد ذكرَ تضعيفَ الأئمة له، ثم قال: "إنْ صحَّ حُمِل على المُكْثِ؛ جمعًا بين الأدلة" (المجموع ٢/ ١٦٢)، فهذا إشعار منه بضعْفِه عنده، وقد نَصَّ على ضعفه في (الخلاصة ٥٣٩)، وذكر في (المجموع ٢/ ١٦٠) مذهبَ القائلين بجواز مُكْثِ الجُنُب في المسجد، ثم وجَّهَه بقوله: "الأصلُ عدمُ التحريم، وليس لمن حرَّم دليلٌ صحيحٌ صريح". ١٠ - الذَّهَبيُّ. انظر: (المهذب في اختصار السنن الكبير ٣٧٣٤). ١١ - ابنُ كَثيرٍ؛ حيثُ نقلَ في (التفسير ٢/ ٣١٢) كلامَ الخَطَّابيِّ وأقرَّه، وانظر: (إرشاد الفقيه ١/ ٦٣، ٦٤). ١٢ - ابنُ رجبٍ؛ قال: "في إسنادِهِ ضعْفٌ". (الفتح لابن رجب ١/ ٣٢١ - ٣٢٢). وقال أيضًا: "وفي إسنادِهِ مقالٌ" (الفتح ٣/ ٢٥٥). ١٣ - الألبانيُّ؛ ضَعَّفَهُ في غيرِ ما موضع. انظر: (الثمر المستطاب ٢/ ٧٤٥ - ٧٥٠)، و (ضعيف أبي داود ١/ ٨٦ - ٩١)، و (الإرواء ١/ ١٦٢). وفي مقابل هؤلاء: صحَّحه ابنُ خُزَيمةَ؛ حيثُ أخرجه في (صحيحه). وحَسَّنَهُ: ابنُ القَطَّان، في (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٣٣٢)، والزَّيْلَعيُّ، كما في (نصب الراية ١/ ١٩٤)، وابنُ المُلَقِّنِ، كما في (البدر المنير ٢/ ٥٦١). وقال ابنُ سيِّدِ الناسِ: "ولعمري إن التحسين لأقل مرابته؛ لثقة رواته ووجود

стр. 11477

الشواهد له من خارج" (النفح الشذي ٣/ ٢٠١). وقال الشَّوْكاني: "حديث صحيح ... ورُويَ هذا الحديثُ من طرق، وله شواهدُ؛ فالحُجَّةُ قائمة بذلك"!! (السيل الجرار ١/ ٦٩). قلنا: الراجحُ ضعْفُه، فأمَّا الحديثُ فقد بيَّنَّا ما فيه، وأما الشواهدُ فهي واهيةٌ كما ستراه قريبًا بإذن الله. رِوَايَة: ((إِلَّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَآلِ مُحَمَّدٍ)) • وَفِي رِوَايَةٍ: زَادَ فِي آخِرِهِ: ((إِلَّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ). [الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا كما سبقَ، وهذه الزيادةُ منكَرةٌ جدًّا، استنكرها الذَّهَبيُّ، والألبانيُّ. [التخريج]: [حق ١٧٨٣ (واللفظ له) / تخ (٢/ ٦٧) / لا ٨٤٣/ هق ٤٣٨٠/ ٤٣٨٠ الإيضاح لعبد الغني بن سعيد (اللآلئ ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤) دون لفظ: (وَآلِ مُحَمَّدٍ)]. [السند]: رواه ابن راهُويَه، عن أبي هشام المَخْزُومي. ورواه البخاريُّ -ومن طريقه البَيْهَقيُّ- عن موسى بن إسماعيلَ. كلاهما -أبو هشام، وموسى- قالا: حدثنا عبد الواحد [بن زياد]، نا أَفْلَتُ بن خَليفةَ أبو حسَّان [الذُّهْلي]، قال: حدثتني جَسْرةُ بنتُ دَجاجةَ،

стр. 11478

قالت: سمِعتُ أمَّ المؤمنين ﵂ ... وذكر الحديث. والسياقُ والزياداتُ لأبي هشامٍ، وقال موسى في روايته: "سمِعتُ عائشةَ ﵂ ... " به. ورواه الدُّولابيُّ عن محمد بن إسماعيلَ الصائِغِ، قال: حدثنا موسى بن إسماعيلَ، به. ورواه عبد الغني بن سعيد في (إيضاح الإشكال)، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ يعقوبَ الجِرَاب، حدثنا زياد بن الخليل أبو سهْل البَزَّارُ، حدثنا كثير بن يحيى أبو مالك، حدثنا عبد الواحد بن زياد، به. فمداره عندهم على عبد الواحد بن زياد، به. [التحقيق]: هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه أربعُ عِللٍ سبقَ بيانُها، وأضف إليها نكارةَ هذه الزيادة. قال البَيْهَقي: "زادَ فيه موسى بنُ إسماعيلَ عن عبدِ الواحدِ: ((إِلَّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ) ". قلنا: موسى بنُ إسماعيلَ المِنْقَريُّ هو: أبو سَلَمة التَّبُوذَكي؛ من رجال الشيخين، "ثقة ثبْتٌ" كما في (التقريب ٦٩٤٣). وقد تابعه: المُغِيرةُ بن سلَمةَ القرشيُّ أبو هشام المَخْزُوميُّ شيخُ ابنِ راهُويَه، وهو "ثقة ثبْتٌ" كما في (التقريب ٦٨٣٨). من رجال مسلم. فهذه الزيادةُ محفوظةٌ عن جَسْرةَ، والحَمْل فيها عليها، وقد سبقَ بيانُ حالِها وما في حديثها من المخالفاتِ والمناكيرِ، وقد استنكرَ الذَّهَبيُّ هذه

стр. 11479

الزيادةَ، فقال: "وقولُه: ((إِلَّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ) منكَرٌ منَ القولِ، وما علِمتُ أحدًا ذهب إليه" (اختصار السنن ٣٧٣٤). وقال الألبانيُّ: "وهي -أي: الزيادة- مما تَزيدُ الحديثَ وَهْنًا على وَهْن" (ضعيف أبي داود ١/ ٨٩). قلنا: وهذه الزيادةُ من الطريقِ نفْسِه الذي صَحَّحَهُ ابنُ خُزَيمةَ، وحَسَّنَهُ ابنُ القَطَّانِ وغيرُهُ. فهل يصحِّحون هذه الزيادةَ أيضًا، ويقولون بها؟ ! وقد ذكرَ الذَّهَبيُّ أن أحدًا لم يقُل بها! ! بل ذكرَ ابنُ القيِّمِ في (حاشيته على السنن) -كما سيأتي- حديثَ أمِّ سلَمةَ الآتي، وفيه هذه الزيادةُ وغيرُها، وحَكَمَ على هذه الزياداتِ جميعِها بالوضعِ والبطلانِ، وهي حَرِيةٌ بذلك، والله أعلم.

стр. 11480

٢٥٩٦ - حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ: ◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى صَرْحَةِ هَذَا المَسْجِدِ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: ((أَلَا إِنَّ هَذَا المَسْجِدَ لَا يَحِلُّ لِجُنُبٍ وَلَا حَائِضٍ (وَلَا لِعُرْيَانٍ)، إِلَّا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَزْوَاجِهِ، وَعَلِيٍّ، وَفَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا، [وَالحَسَنِ، وَالحُسَيْنِ]. أَلَا هَلْ بَيَّنْتُ لَكُمُ الأَسْمَاءَ أَنْ تَضِلُّوا؟ )). • وَفِي رِوَايَةٍ ٢: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، حُرِّمَ هَذَا المَسْجِدُ عَلَى كُلِّ جُنُبٍ مِنَ الرِّجَالِ، أَوْ حَائِضٍ مِنَ النِّسَاءِ، إِلَّا النَّبِيَّ، وَأَزْوَاجَهُ، وَعَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، [وَالحَسَنَ، وَالحُسَيْنَ]. أَلَا بَيَّنْتُ الأَسْمَاءَ أَنْ تَضِلُّوا)). • وَفِي رِوَايَة ٣: ((خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِصَحْنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ -أَوْ قَالَ: بِصَرْحَةِ المَسْجِدِ-، ... الحديثَ. [الحكم]: باطلٌ بهذا التمام؛ قال ابنُ القيِّمِ: "هذا الاستثناءُ باطلٌ موضوع". وقال الألبانيُّ: "موضوعٌ بهذا التمامِ". [اللغة]: قولها: ((صَرْحَةُ المَسْجِدِ)): أي ساحتُه؛ قال ابنُ دريد: "صرحةُ الدَّار يُرِيدُونَ ساحتها. والتنزيل يدلُّ على أَن الصرحَ الساحة؛ لقَوْله جلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿صرح ممرد من قَوَارِير﴾ " (جمهرة اللغة ١/ ٥١٤). وقال الأزهري: "وَقَالَ الفرّاء: (الصَّحْنُ والصَّرْحَةُ): ساحة الدَّار وأَوْسَعُها" (تهذيب اللغة ٤/ ١٤٥).

стр. 11481

[التخريج]: تخريج السياق الأول: [جه ٦٢١/ طب (٢٣/ ٣٧٣/ ٨٨٣) / مش (خيرة ١٠٢٦) (واللفظ له)، (مط ١٨٢) / فز ١٢٩ (والرواية له) / علحا ٢٦٩/ أصبهان (١/ ٣٤٤) (والزيادة له ولغيره) / بشن ١٣٩٠/ هق ١٣٥٣١/ كر (١٤/ ١٦٦)، (٤٢/ ١٤٠، ١٤١) / كما (٢٧/ ٢٧١ - ٢٧٢)]. تخريج السياق الثاني: [شب (١/ ٣٨) (واللفظ له) / هق ١٣٥٣٢ (والزيادة له)]. تخريج السياق الثالث: [حقف ٧٨]. [التحقيق]: هذا الحديث مداره على جَسْرةَ أيضًا، ورُويَ عنها من ثلاثة طرقٍ كلُّها ساقطة، وإليك البيان: الطريق الأول: رواه ابنُ ماجَهْ: عن أبي بكر بن أبي شَيْبة ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا أبو نُعَيم، قال: حدثنا ابنُ أبي غَنِيَّةَ، عن أبي الخَطَّاب الهَجَري، عن مَحْدُوج الذُّهْلي، عن جَسْرةَ، قالت: أخبرتني أمُّ سلَمةَ، به". وأخرجه ابنُ أبي شَيْبةَ في (مسنده)، وأبو زُرْعةَ، والطَّبَرانيُّ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ عساكر (١٤/ ١٦٦)، والمِزِّيُّ، عن أبي نُعَيمٍ الفَضْلِ بنِ دُكَيْنٍ، به. وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه سِتُّ علل، سبقَ بيانُ ثلاثٍ منها عند الكلامِ على حديثِ عائشةَ، وهي: الأُولى: ضعْفُ جَسْرةَ.

стр. 11482

الثانيةُ: مخالفتُها للمحفوظِ عن عائشةَ وغيرِها في سدِّ الأبواب. الثالثةُ: اضطرابُها فيه، فمرةً عن عائشةَ، وأخرى عن أمِّ سلَمةَ. الرابعةُ: جهالةُ مَحْدُوج الذُّهْلي؛ قال الحافظ: "مجهولٌ، أخطأَ مَن زعم أن له صحبةً" (التقريب ٦٤٩٨). الخامسةُ: جهالة أبي الخَطَّاب الهَجَري، واسمه: عُمَر -وقيل: عَمرو- بن عُمَير؛ قال الحافظ: "مجهولٌ" (التقريب ٨٠٨١). وبهاتين العلتين أعلَّه ابنُ حَزْم في (المحلَّى ٢/ ١٨٦) -وأقرَّه ابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ٥٦١ - ٥٦٢) - والبُوصيريُّ في (الزوائد ٢٤٢). السادسةُ: اضطرابُ الهَجَريِّ في سندِهِ؛ فقد رواه عنه ابنُ أبي غَنِيَّةَ كما سبقَ عن مَحْدُوج، عن جَسْرةَ، به، كما سبق. وخالفه منصور بن أبي الأَسْود في (سنده) كما ستراه في: الطريق الثاني عن جَسْرَة: رواه الحَرْبيُّ -ومن طريقه ابنُ عساكرَ-، قال: ثنا جعفر، ثنا أحمد بن عَبْدةَ، ثنا الحسن بن صالح بن أبي الأَسْود، عن عمِّه منصور بن أبي الأَسْود، عن عَمرو بن عُمَير الهَجَري، عن عُروةَ بن فَيْرُوزَ، عن جَسْرةَ، عن أم سلَمةَ، به. وهذا إسنادٌ مظلمٌ كسابقه، فيه من العلل ما ذكرناه في الأول. وقد جعله منصورُ بنُ أبي الأَسْود من رواية الهَجَري عن عُروةَ بن فَيْرُوزَ بدلًا من مَحْدُوج. وعُروة هذا لم نجدْ له ترجمةً، ولم يَعْرِفه الهَيْثَميُّ (مجمع الزوائد ١٥٠٢٩)،

стр. 11483

وقال الألبانيُّ: "لم أجدْ أحدًا ذكره! " (الضعيفة ١٠/ ٧٢٢)، فلا تختلِفُ حالُه كثيرًا عن حال مَحْدُوج. وأما منصور فـ"صدوقٌ، رُمِيَ بالتشيُّع" (التقريب ٦٨٩٦). والحسن بن صالح ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٨/ ١٦٩). واعتبرَ الألبانيُّ هذا الاختلافَ على الهَجَري اضطرابًا منه، فقال: "ولعلَّ روايةَ الهَجَري عنه -أي: عن ابنِ فَيْرُوزَ- مما يدلُّ على عدم ضبطه واضطرابِه في إسناده -أي: الهَجَري-: فتارةً يَرويه عن مَحْدُوج، وتارةً عن ابن فَيْرُوزَ، والله أعلم" اهـ. (الضعيفة ١٠/ ٧٢٢). قلنا: ولكن يحتمل أن يكون هذا الاختلافُ مِن قِبَل الحسن بن صالح؛ فقد ذكر البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٦/ ١٨٣) أن يونسَ بنَ أَرْقمَ رواه عن منصور بن أبي الأَسْود، عن عُمرَ بن عُمَير، عن مَحْدُوج، عن جَسْرةَ، به. ويونسُ هذا قال عنه البخاريُّ: "وكان يتشيَّعُ، معروفُ الحديثِ" (التاريخ الكبير ٨/ ٤١٠)، وذكره ابنُ أبي حاتمٍ في (الجرح والتعديل ٩/ ٢٣٦)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٩/ ٢٨٧). وليَّنه ابنُ خِرَاش. انظر: (التعجيل ١٢١١). * وأما زيادة "وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ" في الروايةِ الأُولى، فرواها أبو نُعَيم -ومن طريقه ابنُ عساكرَ- من طريق محمد بن يونس، ثنا عبد الله بن داود، ثنا الفَضْل بن دُكَيْن، نا ابن أبي غَنِيَّةَ، عن أبي الخَطَّاب الهَجَري، عن مَحْدُوج الذُّهْلي، عن جَسْرةَ، به. ورواه البَيْهَقيُّ من طريق محمد بن يونسَ، ثنا الفَضْل بن دُكَيْن، به، بإسقاط "عبد الله بن داود".

стр. 11484

ومحمد بن يونسَ هو الكُدَيْمي؛ اتَّهمه غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ بالوضعِ، وكذَّبه أبو داود. انظر (تهذيب التهذيب ٩/ ٥٣٩ - ٥٤٤). وقد رواه ابنُ أبي شَيْبةَ وغيرُهُ عن الفَضْلِ بنِ دُكَيْنٍ دون هذه الزيادةِ كما سبقَ؛ فالظاهرُ أنها من وضعِ الكُدَيْميِّ هذا، انظر: (الضعيفة ٦٢٨٥). ولكن وردتْ هذه الزيادةُ من روايةِ غيرِه، كما ستراه في: الطريق الثالث عن جسرة: رواه ابنُ شَبَّةَ، قال: حدثنا موسى بن مَرْوان، قال: حدثنا عطاء بن مسلم، عن (ابن أبي غَنِيَّة) (١)، عن إسماعيلَ، عن جَسْرةَ -وكانت من خِيار (النساء) (٢) -، قالت: كُنْتُ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، فَقَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِي حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ... )) الحديثَ. ورواه ابنُ حَزْمٍ -معلَّقًا- من طريق عبد الوهاب، (عن) (٣) عَطاءٍ

стр. 11485

الخَفَّاف، عن ابنِ أبي غَنِيَّةَ، عن إسماعيلَ، به. ورواه الثَّعْلَبيُّ في (التفسير ١١٢٩) من طريق يحيى بن حمزةَ، قال: سمِعتُ عطاء بن أبي مسلم، يذكر عن إسماعيلَ، عن جَسْرةَ، به. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان: العلةُ الأُولى: عطاء بن مسلم الخَفَّاف؛ قال عنه أحمد: "مضطرِبُ الحديثِ". وقال ابنُ مَعِين: "ليس به بأسٌ، وأحاديثُه منكَرات" (تهذيب التهذيب ٧/ ٢١١). وقال الحافظُ: "صدوقٌ، يُخطئُ كثيرًا" (التقريب ٤٥٩٩). قلنا: وقد أخطأَ عطاءٌ في سندِ هذا الحديثِ، وبيانِ ذلك في: العلة الثانية: وهي المخالفة؛ فقد خولِف عطاءٌ في روايته عن ابنِ أبي غَنِيَّة: فرواه الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ، عن ابنِ أبي غَنِيَّة، عن أبي الخَطَّابِ الهَجَري، عن مَحْدُوج، عن جَسْرةَ، به كما سبق. والفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ ثقة ثبْتٌ، وقد جعله من روايةِ ابنِ أبي غَنِيَّة، عن أبي الخَطَّابِ، عن مَحْدُوج، وهما مجهولان كما سبق. فأخطأَ عطاءٌ في قوله: "عنِ ابنِ أبي غَنِيَّةَ، عن إسماعيلَ". ووقع هنا وهَمٌ لابنِ القيِّمِ وابنِ المُلَقِّنِ؛ حيثُ نقلا عنِ ابنِ حَزْمٍ أنه رواه من طريق عبد الوهاب بن عطاءٍ الخَفَّاف، عن ابنِ أبي (غَنِيَّة) (١)، عن إسماعيلَ، عن جَسْرةَ، به.
следующие страницы →