بَابُ مَا رُوِيَ فِي الْغُسْلِ مِنْ نَتْفِ الْإِبِطِ
حَديثُ ابْنِ عَمْرٍو:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄، قَالَ: ((كُنَّا نَغْتَسِلُ مِنْ خَمْسٍ: مِنَ الْحِجَامَةِ، وَالْحَمَّامِ، وَنَتْفِ الإِبْطِ، وَمِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ)).
قَالَ الْأَعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَا كَانُوا يَرَوْنَ غُسْلًا وَاجِبًا إِلَّا مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِنْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ.
[الحكم]: منكرٌ بهذا اللفظ.
[التخريج]: [هق ١٤٤٥].
سبقَ تخريجُهُ وتحقيقُهُ في باب: ((الغسل من ماء الحمام)).
[تنبيه]:
قال الجويني: ((عَدَّ صاحبُ (التلخيص) الأغسالَ، فبدأَ بما يجبُ منها، وهو الأربعة المذكورة في كتاب الطهارة، وزادَ بعدها الأغسالَ المسنونةَ، فقال: منها غسل الجمعة، وغسل العيدين، والغسل من غسل الميت، والغسل للإحرام، والغسل للوقوف بعرفة، والغسل لمزدلفة، والغسل لدخول مكة، وثلاثة أغسال أيام التشريق، وهذه الأغسال منقولة عن رسول الله ﷺ قولًا وفعلًا ... )) (نهاية المطلب ٢/ ٥٣٠).
قلنا: كذا قال، ولم نقفْ على شيءٍ عنِ النبي ﷺ ، ولا عن أحدٍ منَ الصحابةِ في الغُسْلِ لمزدلفةَ، ولا الغسل أيام التشريق.
وقد قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: ((والاغتسالُ لعرفةَ قد رُوِيَ في حديثٍ عنِ النبيِّ ﷺ ، وَرُوِيَ عنِ ابنِ عمرَ وغيرِهِ، ولم يُنْقَلْ عنِ النبيِّ ﷺ ولا عن أصحابِهِ في الحجِّ إلَّا ثلاثة أغسالٍ: غسل الإحرام، والغسل عند دخول مكة، والغسل يوم عرفة.
وما سوى ذلك كالغسلِ لرمي الجمارِ، وللطوافِ، والمبيتِ بمزدلفةَ؛ فلا أَصلَ له، لَا عنِ النبيِّ ﷺ ، ولا عن أصحابِهِ، ولا اسْتَحَبَّهُ جمهورُ الأئمةِ: لا مالكٌ، ولا أبو حنيفةَ، ولا أحمدُ، وإن كان قد ذكره طائفةٌ من متأخري أصحابه. بل هو بدعةٌ إلا أن يكونَ هناك سببٌ يقتضي الاستحبابَ مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها فيغتسل لإزالتها)) (مجموع الفتاوى ٢٦/ ١٣٢، ١٣٣).
стр. 12882
ديوان السنَّة
موسوعة شاملة لكل ما ورد عن سيد المرسلين من أقوال وأفعال وتقريرات
الطهارة
المجلد الرابع والعشرون
كتاب الغسل والتيمم
إعداد
مجموعة من الباحثين
إشراف
عدنان بن محمد العرعور
стр. 12883
أَبوَابُ الحَمَّامِ
стр. 12884
٤٩٩ - بَابُ مَا وَرَدَ فِي دُخُولِ الحَمَّامِ
٢٩٧٩ - حَدِيثُ أَبِي المَلِيحِ عَنْ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ أَبِي المَلِيحِ الهُذَلِيِّ، أَنَّ نِسَاءً مِنْ أَهْلِ حِمْصَ -أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ- دَخَلْنَ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَنْتُنَّ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ نِسَاؤُكُنَّ الحَمَّامَاتِ؟ [قُلْنَ: نَعَمْ. قَالَتْ: أَمَا إِنِّي] سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَضَعُ (تَخْلَعُ) ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا (بَيْتِهَا) إِلَّا هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا)).
[الحكم]: حسنٌ لغيره، وَحَسَّنَهُ: الترمذيُّ -وتبعه النوويُّ-، والبغويُّ، وجوَّدَ إسنادَهُ: ابنُ مفلحٍ، وصَحَّحَهُ: الحاكمُ، والذهبيُّ، والسيوطيُّ، والمُناويُّ، والألبانيُّ.
[اللغة]:
((الحَمَّام)): "المسْتَحَمُ: الموضعُ الذي يُغْتَسلُ فيه بالحَميمِ وقيل له: حمام لأن الغالب أن يكون الماء فيه حارًّا" (النهاية لابن الأثير ١/ ١٠٥٢).
وهو بيتٌ كبيرٌ جدًّا، فيه ساحةٌ كبيرةٌ لخلعِ الملابسِ وارتداءِ الأُزُرِ التي يُغتسلُ بها، ثم يوجدُ ممرٌ من هذه الساحةِ إلى ساحاتٍ، وحولَ كل ساحةٍ غرفٌ مفتوحةٌ على هذه الساحات، وتحتَ أرضه غرفٌ يُوقدُ فيها نارٌ كبيرةٌ لتدفئةِ الحمامِ وتسخينِ مَائِهِ، وتكون بعض ساحاته وغرفه دافئة، ويكون
стр. 12885
بعضها حارًا، وقد وُضعت أنابيب في الُجدُر تأتي بالماءِ الحارِ والباردِ لكلِّ غرفة وساحة، وقد رُكبت في نهاياتها صنابير، وتحتها أوعية منحوتة منَ الحجرِ يُصب فيها الماء، تَسَع خمسة آصُعٍ تقريبًا يغترف منها الناس، يدخلها الناس للاستحمام والاغتسال والتنظف، وأشهر البلاد بها بلاد الشام، وما تزال حتى يومنا هذا.
[تنبيه]: يطلقُ في بعض البلاد العربية اسم الحمام على المرحاضِ، وهو خطأٌ شائعٌ.
[الفوائد]:
قوله ﷺ : ((تَخْلَعُ ثِيَابَهَا)): كل ثيابها، ((فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا))، وفي رواية: ((فِي غَيْرِ بَيْتِهَا))؛ أي: في بيتٍ غير مأمون فيه أجانب أو ليس فيه محرم لها.
والمقصود: أنه لا يجوز للمرأة أن تخلع ثيابها لتصبح متعرية في غير بيت مأمون، خلافًا لبيت زوجها أو أهلها وما شابه ذلك من بيوت المرأة المأمونة؛ وذلك خشية الفتنة.
ولا يجوزُ لها ذلك إلا حين الاضطرار وحين أمن الفتنة وإلا فلا، وأما نزع بعض ثيابها مما يُكشف فيه بعض عورتها كالشعر والنحر والذِّراع، فإن كان ذلك بين النساء وفي مكان مأمون جاز ذلك بلا خلاف. والله أعلم.
[التخريج]:
[د ٣٩٦٣ (والزيادة والروايتان له) / ت ٣٠٠٧ (واللفظ له) / جه ٣٧٧٦/ حم ٢٥٦٢٧ (مختصرًا)، ٢٥٤٠٧، ٢٥٤٠٨/ مي ٢٦٨١/ ك ٧٩٨٩، ٧٩٩٠/ طي ١٦٢١/ عب ١١٤٢/ هق ١٤٩١٩/ شعب ٧٣٨١
رِوَايَةُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ بَعْلِهَا، فَقَدْ هَتَكَتْ كُلَّ سِتْرٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ)).
[الحكم]: حسنٌ لغيرِهِ.
[التخريج]: [عل ٤٦٨٠/ مجر (٢/ ٣٣٦)].
[التحقيق]:
يُروى هذا الحديثُ من عِدَّةِ طرقٍ عن عائشةَ، كما هو ظاهرٌ من عرضِ الرواياتِ:
الطريق الأول: عن أبي المليح عن عائشة:
رواه أحمد (٢٥٤٠٧)، وأبو داود (٣٩٦٣): عن ابن المثنى. كلاهما: عن غندر، عن شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي المليح، عن عائشة، به.
وكذا رواه الطيالسيُّ في (مسنده ١٦٢١) -ومن طريقه الترمذيُّ (٣٠٠٧)، والبيهقيُّ في (السنن ١٤٩١٩)، وفي (الآدب ٧٠٧) -: عن شعبةَ به.
وتابع شعبةَ: الثوريُّ، وإسرائيلُ، وورقاءُ:
فأما طريقُ سفيانَ؛ فرواه عبدُ الرزاقِ (١١٤٢) -ومن طريقه أحمدُ (٢٥٤٠٨، ٢٥٦٢٧)، والحاكمُ (٧٩٨٩)، وغيرُهُما-.
стр. 12890
ورواه ابنُ ماجهْ (٣٧٧٦) من طريقِ وكيعٍ. كلاهما: عن سفيانَ الثوريِّ.
وأما طريقُ إسرائيلَ؛ فرواه الدارميُّ (٢٦٩٤): عن عُبيدِ اللهِ، عن إسرائيلَ.
وأما طريقُ ورقاءَ؛ فرواه الخطيبُ في (تاريخ بغداد ٤/ ٩٦): من طريقِ عبدِ الصمدِ بنِ النعمانِ عن ورقاءَ.
كلهم: عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ، عن أبي المليحِ، عن عائشةَ، به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ، إلا أن فيه إشكالين يمنعان من تصحيحه -كما سيأتي-.
وخالفَ الجماعةَ جريرٌ، فرواه عن منصورٍ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ، قال: دَخَلَ نسوةٌ من أهلِ الشامِ على عائشةَ ... فذكره، ولم يذكرْ أبا المليحِ. رواه إسحاقُ بنُ راهويه في (مسنده ١٦٠٥)، وأبو داود (٣٩٦٣): عن محمد بنِ قدامة، كلاهما: عن جريرٍ، به.
ولا ريبَ أن روايةَ الجماعةِ عن منصورٍ أصحُّ، لاسيما وفيهم شعبة وسفيان، وهما مَن هما في الضبطِ والإتقانِ.
ولذا قال الدارقطنيُّ: "وقول شعبة، والثوري، عن منصور، أشبه بالصواب" (العلل ٣٧٤٥).
ولكن رواه كذلك عن سالم بن أبي الجعد جماعة:
فرواه أحمدُ (٢٤١٤٠): عن حفصِ بنِ غياثٍ.
ورواه الخرائطيُّ في (مساوئ الأخلاق ٨٤٥) من طريقِ حِبانَ بنِ عليٍّ العنزيِّ.
стр. 12891
وعلَّقه الدارقطنيُّ في (العلل ٣٧٤٥) عن عيسى بن يونس.
ثلاثتهم: عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عائشة به.
وخالفهما يعلى بن عبيد: فرواه عن الأعمش، عن عمرو بن مُرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عائشة، به. رواه الدارمي (٢٦٩٣) عن يعلى به.
وتابع الأعمش على الوجه الأول:
أبو حمزةَ الثُّمَاليُّ، كما في (مساوئ الأخلاق للخرائطي ٨٤١).
وعبيدةُ بنُ متعبٍ، كما ذكرَ ذلك الدارقطنيُّ في (العلل ٣٧٤٥).
فروياه عن: سالم بن أبي الجعد عن عائشة به، دون ذكر أبي المليح.
ولكن طريق منصور بذكر أبي المليح أشبه بالصواب، كما قال الدارقطنيُّ.
فإن أبا حمزةَ الثماليَّ وعبيدةَ بنَ متعبٍ "ضعيفان"، كما في (التقريب ٨١٨، ٤٤١٦).
وأما الأعمشُ فقد حصل عليه خِلاف، وهو وحده لا يقاوم منصورًا، خاصة وأن سالِمًالم يَلْقَ عائشةَ، كما قال ابنُ المديني، انظر (جامع التحصيل ٢١٨).
فزيادةُ (أبي المليح) زيادةٌ من ثقةٍ حافظٍ يجبُ قَبولها.
* ولكن يبقى الإشكال في طريق أبي المليح عن أبي عائشة؛ وهو أن أبا المليحِ لا يُعرفُ له سماعٌ من عائشةَ، بل لا يُعرفُ له رواية عنها سوى في هذا الحديث، وآخَر أخرجه الطبريُّ في (التفسير ٣/ ٥٥٤).
وقد ذكر ابنُ القطانِ في (أحكام النظر صـ ١٠٠)، وابنُ الملقنِ في (البدر المنير ٩/ ٢٠٤) أن أبا داودَ قال: "هذا يرويه أبو المليح عن عائشة، ولم
стр. 12892
يسمعه منها".
ونقلَ عنه ابنُ الملقنِ في (خلاصة البدر المنير ٢٦٠٩)، أنه قال: "منقطعٌ".
وكلا النصين عن أبي داود لم نجدْهما في النسخ المطبوعة من (السنن).
وقال البزارُ: "أحسبه عن أبي المليح عن مسروقٍ عنها" (أحكام النظر لابن القطان صـ ١٠٠)، و (البدر المنير ٩/ ٢٠٤). ولم نقفْ عليه -كذلك- في الأجزاء المطبوعة من (مسند البزار).
وقال عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ: "وأبو المليح لم يسمعْه من عائشةَ" (الأحكام الكبرى ١/ ٤٠٦).
فهذا الطريقُ معلٌّ بالانقطاعِ.
* وقد رواه أحمدُ (٢٥٤٠٧) قال: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: حدثنا شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي المليح، قال حجاج: عن رجلٍ، قال: دَخَلَ نسوةٌ من أهلِ الشامِ على عائشةَ ... الحديث.
فقد يُفهم منه أن الحجاجَ قال فيه: (عن أبي المليح عن رجلٍ)، كما جزمَ به الحافظُ في (إتحاف المهرة ٢٢٩٩٦). فتكون ثَم واسطة مبهمة بين أبي المليح وعائشة. وهذا يؤكدُ القولَ بالانقطاعِ.
ويحتمل أن يكون المرادُ أن الحجاجَ أبهم أبا المليح، فقال (عن رجل) بدل (عن أبي المليح)، فالله أعلم.
* ومع ما ذكرناه من علةِ الانقطاعِ، فقد ذهبَ بعضُ أهل العلم إلى تحسين الحديث أو تصحيحه.
قال الترمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ". وبمثله قال البغويُّ في (شرح السنة
стр. 12893
١٢/ ١٢٤).
وقال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرطهما" (الترغيب والترهيب ٢٧٣). ولم نقفْ على كلامِ الحاكمِ في نُسخِ (المستدرك) المطبوعةِ.
وقال الذهبيُّ في (التلخيص): "قلتُ: على شرط البخاري ومسلم" (تلخيص المستدرك ٤/ ٢٨٨).
وهذا يفيدُ أن هذا حكم خاص للذهبي؛ ولهذا ذكر كلامه ابن الملقن في (مختصره ٩٨٤). ثم إن الشيخين لم يخرجا لأبي المليح عن عائشة شيئًا، ولم يخرجا لسالم عن أبي المليح شيئًا.
وذكره النوويُّ في فصل الصحيح من (خلاصة الأحكام ١/ ٢١٠)، ونقل تحسين الترمذي وأقرَّه.
وقال ابنُ مفلحٍ: "إسنادُهُ جيدٌ" (الآداب الشرعية ٣/ ٣٢٥).
ورمزَ السيوطيُّ له بالصحةِ في (الجامع الصغير ٢٩٤٠).
وصَحَّحَ إسنادَهُ المُناويُّ في (التيسير ١/ ٤٠٨).
وقال الشوكانيُّ: "وهو من حديثِ شعبةَ عن منصورٍ عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ عن أبي المليحِ عنها، وكلهم رجال الصحيح، ورُوي عن جريرٍ عن سالمٍ عنها، وكان سالمٌ يدلسُ ويرسلُ" (نيل الأوطار ١/ ٣١٨).
وصَحَّحَهُ الألبانيُّ في (صحيح الترغيب ١٧٠)، وقال في (تمام المنة صـ ١٣١): "إسنادُهُ صحيحٌ على شرطِ الشيخين"، وفيه نظرٌ، كما تقدَّم بيانُهُ.
وأخرجه الحسينيُّ في (آداب دخول الحمام ٦): من طريق سالم بن أبي الجعد عن عائشة، ثم قال: "وهذا إسنادٌ صحيحٌ"، وقد تقدَّم أن سالِمًا
стр. 12894
لم يَلْقَ عائشةَ، كما قال ابنُ المديني.
قلنا: لكن للحديثِ طرقٌ أُخرى كثيرة عن عائشة، وهي وإن كانت لا تخلو من مقال، لكن بمجموعها يرتقي الحديث إلى درجة الحسن لغيرِهِ، والله أعلم.
وإليك بيان هذه الطرق:
الطريق الثاني: عن عطاء عن عائشة:
رواه أحمدُ (٢٦٣٠٤): عن عبيدة بن حميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عطاء، عن عائشة، بنحوه.
ورواه الطبرانيُّ في (الأوسط ٤٧٤٣)، وأبو نعيمٍ في (الحلية ٣/ ٣٢٥)، وفي (تسمية الرواة عن الفضل بن دكين ٢٢)، وابنُ الجوزي في (العلل ٥٦١): من طريقِ يزيدَ، به.
وقال الطبرانيُّ -عقبه-: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن عطاء إلا يزيد".
وقال أبو نعيم: "هذا حديثٌ غريبٌ من حديثِ عطاءٍ عن عائشةَ، لا أعلمُ عنه راويًا غير يزيد بن أبي زياد".
قلنا: ويزيد بن أبي زياد: "ضعيف"، كما في (التقريب ٧٧١٧
وبه ضَعَّفَ الإسنادَ ابنُ الجوزي في (العلل المتناهية ٥٦١).
قلنا: ولكنه صالحٌ للاعتبارِ به في المتابعاتِ والشواهِدِ، كما هاهنا.
الطريق الثالث: عن مجاهدٍ عن عائشةَ:
رواه أبو عليٍّ الرَّفاءُ في (جزء له ١٠٧) عن إبراهيم بن إسحاق الحربي، عن عبد الله بن عمر (الجعفي)، عن عمران بن عيينة، عن حصين (بن
стр. 12895
عبد الرحمن السُّلَمي)، عن مجاهد، عن عائشة، به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، عدا عمران بن عيينة، فمختلفٌ فيه،
قال أبو زرعة: "ضعيفُ الحديثِ" (سؤالات البرذعي لأبي زرعة ٣٠٣)، وقال أبو حاتم: "لا يُحتجُّ بحديثه، فإنه يأتي بالمناكير" (الجرح والتعديل ٦/ ٣٠٢)، وقال أحمدُ: "رأيتُ عمران بن عيينة ولم أَكتبْ عنه شيئًا" (العلل رواية عبد الله ٤٥٦١).
وذكره العقيليُّ في (الضعفاء ١٣١٣) وقال: "في حديثه وَهْمٌ وخطأ".
واختَلَفَ قول ابن معين فيه؛ فقال (رواية الدوري ٢١٩١): "صالح الحديث"، وتبعه ابنُ شاهين فذكره في (الثقات ١١١٣). ولكن ضَعَّفه في (رواية ابن محرز ١٨٥)، بل قال في موضع آخر: "ليس بشيء، ضعيف" (رواية ابن محرز ١٤٨).
وقال أبو داود: "صالح"، وقال البزارُ: "ليس به بأس"، انظر: (تهذيب التهذيب ٨/ ١٣٦). وقال العجليُّ: "صدوق" (معرفة الثقات وغيرهم ١٤٢٨)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٧/ ٢٤٠). وقال الذهبيُّ: "صالحُ الحديثِ" (ميزان الاعتدال ٣٣٠١)، وقال في (الكاشف ٤٢٧٢): "ضَعَّفه أبو زرعة ومشَّاه غيرُ واحدٍ". بينما ذكره في (ديوان الضعفاء ٣١٤٧)، و (المغني ٤٦١٠) ولم يزدْ على قولِ أبي حاتم، وقال ابنُ حجرٍ: "صدوقٌ له أوهامٌ" (التقريب ٥١٦٤).
قلنا: الذي يبدو لنا أنه إلى الضعفِ أقرب، ولكن مثله لا بأس به في المتابعاتِ والشواهدِ، كما ها هنا.
стр. 12896
الطريق الرابع: عن أُمِّ عبدِ الملكِ بنِ راشدٍ عن عائشةَ:
رواه أبو طاهر المخلص في (المخلصيات ١٦٩٦) قال: حدثنا ابنُ مَنيعٍ، قال: حدثنا داود، قال: حدثنا محمد بن حرب، عن عبد الملك بن راشد التَّغْلِبِيِّ، عن أُمِّه، أنَّها دخلتْ على عائشةَ في نسوةٍ من أهلِ حمصٍ فقالتْ: ... الحديث.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقات عدا ابن رَاشدٍ وأُمّه، فأما ابنُ راشدٍ فقال عنه أبو حاتم: "ما بحديثه بأس" (الجرح والتعديل ٥/ ٣٤٩)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٧/ ١٠٢).
وأما أُمُّه، فلم نجدْ مَن ترجمَ لها.
وفي هذه الطريقِ زيادةٌ سيأتي الكلامُ عليه قريبًا.
الطريق الخامس: عن عروةَ عن عائشةَ:
رواه أبو يعلى في (مسنده ٤٦٧٩)، وابنُ حِبَّانَ في (المجروحين ٢/ ٣٣٦): من طريقِ إسحاقَ بنِ سليمانَ الرازيِّ، حدثنا معاويةُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ به، مقتصرًا على المرفوع.
وهذا سندٌ ضعيفٌ أيضًا؛ معاوية هو ابن يحيى الصدفي: "ضعيف"، كما في (التقريب).
وبه ضَعَّفه ابنُ حِبَّانَ في (المجروحين)، وتبعه ابنُ القيسراني فِي (معرفة التذكرة ٥٤)، و (تذكرة الحفاظ ٥٦).
وله طرقٌ أُخرى عن عروةَ، وكذا عن عائشة، انظرها في الروايات الآتية.
стр. 12897
[تنبيه]:
قال الألبانيُّ: "أورد الرافعيُّ الحديثَ في (شرح الوجيز) (كتاب الجزية) بلفظ: ((فَهِيَ مَلْعُونَةٌ)). فقال الحافظُ في تخريجه في (التلخيص): (الدارمي وأبو داود ... من حديث عائشة)، وهذا وَهْمٌ عجيبٌ من الحافظِ الكبيرِ؛ فإن اللفظَ المذكورَ ليس له أصل عند المذكورين، ولا عند غيرهم منَ المحدثين ... لا من حديثِ عائشةَ، ولا من حديثِ غيرها -فيما علمتُ- فاقتضى التنبيه! " (الضعيفة ١٣/ ٤٧١).
* * *
رِوَايَةُ خِمَارِهَا:
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ خِمَارَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا، فَقَدْ هَتَكَتْ سِتْرَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ ).
[الحكم]: منكرٌ بلفظِ: (خِمَارِهَا).
[التخريج]: [مسخ ٨٤١، ٨٤٥].
[السند]:
قال الخرائطيُّ في (مساوئ الأخلاق ٨٤١): حدثنا نصر بن داود، ثنا أبو نعيم، ثنا أبو حمزة الثُّمَالِيُّ، ثنا سالم بن أبي الجعد، عن عائشة به.
وقال في (٨٤٥): حدثنا القُلُوسي، ثنا بكر بن يحيى بن زَبَّان، ثنا حِبَّانُ، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، قال: دخل نسوة من أهل حمص
стр. 12898
على عائشة، ... فذكر الحديث.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ، فسالم بنُ أبي الجعد لم يَلْقَ عائشةَ، كما سبقَ ذكره.
والطريق الأول فيه أبو حمزة الثمالي، وهو "ضعيفٌ رافضيٌّ"، كما في (التقريب ٨١٨).
والطريق الثاني فيه حِبَّانُ وهو ابنُ عليٍّ العَنَزِيُّ، وهو "ضعيفٌ" كما في (التقريب ١٠٧٦).
وفيه أيضًا بكر بن يحيى بن زبّان، قال عنه أبو حاتم: "شيخٌ" (الجرح والتعديل ٢/ ٣٩٤)، وذكره ابنُ حِبَّانَ فى (الثقات) كما في (تهذيب التهذيب ١/ ٤٨٨)، وقال ابنُ حَجَرٍ: "مقبول" (التقريب ٧٥٣).
والثابتُ في الحديثِ عن سالمٍ، بلفظ: ((ثِيَابَهَا))، كما سبقَ.
وقد وردتْ لفظة: (الخمار) من طرقٍ أُخرَى عن عائشةَ، ولكنها منكرةٌ أيضًا، كما ستراه في الرواياتِ التاليةِ.
* * *
стр. 12899
رِوَايَةُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ عَنْ عَائِشَةَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: [أَدِّبُوا الخَيْلَ، وَانْتَضِلُوا وَانْتَعِلُوا، وَتَسَوَّكُوا، وَإِيَّايَ وَأَخْلَاقَ الأَعَاجِمِ، وَأَنْ تَجْلِسُوا عَلَى مَائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْهَا الخَمْرُ، وَ] ١ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَدْخُلَ الحَمَّامَ إِلَّا بِمِئْزَرٍ (بِمِنْدِيلٍ) ١، وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ (لِمُؤْمِنَةٍ) ٢ أَنْ تَدْخُلَ الحَمَّامَ إِلَّا مِنْ سَقَمٍ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْنِي عَلَى مَفْرَشِهَا، قَالَتْ: حَدَّثَنِي خَلِيلِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَفْرَشِي هَذَا قَالَ: ((إِنَّ المَرْأَةَ إِذَا (أَيُّمَا مُؤْمِنَةٍ) ٣ وَضَعَتْ خِمَارَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا (بَيْتِهَا) ٤، هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ [مِنْ سِتْرٍ] ٢ فَلَمْ يَتَنَاهَا (يَثْنَاهَا) ٥ دُونَ العَرْشِ)).
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياقِ، وضَعَّفَهُ: ابنُ عَدِيٍّ، والبيهقيُّ، وابنُ الجوزي، والذهبيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[عيال ٤١٠ (واللفظ له) / مسخ ٨٤٢ (والزيادة الثانية له)، ٨٤٤ (والرواية الثانية والثالثة والرابعة له) / عد (١٠/ ٧٥) (والرواية الخامسة له) / صحا ٧٣٨٦ (والزيادة الأولى له) / صمند (صـ ٩٤٥) / شعب ٧٣٨٦ (والرواية الأولى له)].
[التحقيق]:
رُوي هذا الخبر عن عمرَ من وجهين:
الوجه الأول:
أخرجه ابنُ أبي الدنيا في (النفقة على العيال ٤١٠) قال: حدثنا محمد بن حسان السَّمْتي، حدثنا الفُضَيلُ بنُ عياضٍ، عن مُطَّرِح بنِ يزيد، عن عبيد الله
стр. 12900
ابنِ زحر، عن علي بنِ يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال عمرُ بنُ الخطابِ ... فذكره.
ورواه الخرائطيُّ في (مساوئ الأخلاق ٨٤٢)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ١٠/ ٧٥): من طريق محمد بن حسان السمتي، به.
ورواه الخرائطيُّ في (مساوئ الأخلاق ٨٤٤)، وأبو نعيمٍ في (الصحابة ٧٣٨٦): من طريق يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، به.
وهذا إسنادٌ وَاهٍ؛ فيه علتان:
الأولى: علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيفٌ كما في (التقريب ٤٨١٧). لا سيما روايته عن القاسم؛ قال يحيى بن معين: "علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة هي ضعاف كلها" (تهذيب الكمال ٢١/ ١٧٩).
الثانية: عُبيد اللَّه بن زَحْر؛ قال عنه الحافظ: "صدوق يخطئ" (التقريب ٤٢٩٠)، لا سيما روايته عن علي بنُ يزيد؛ قال ابنُ حِبَّانَ: "منكرُ الحديثِ جدًّا، يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات" (المجروحين ٢/ ٢٩).
وأعلَّه ابنُ عَدِيٍّ بمطرح، فذكره في ترجمته، ثم قال: "ومطرح له غير ما ذكرت، وعامة رواياته عن عُبيد الله بن زَحر، والضعفُ على حديثه بَيِّن".
وكذا أعلَّه به الذهبيُّ في (تلخيص العلل صـ ١١٧) فقال: "فيه مطرح بن يزيد متروك".
قلنا: ولكنه مُتابع من محمد بن حسان السمتي، وهو "صدوقٌ لينُ الحديثِ"، كما في (التقريب).
стр. 12901
وأما ابنُ الجوزيِّ فأعلَّه بمطرح وعلي والقاسم؛ فقال: "هذا حديثٌ لا يصحُّ ومطرح وعلي والقاسم ليس بشيء" (العلل المتناهية ١/ ٣٤٤).
وتعقبه الألبانيُّ فقال: "كذا قال، والقاسم وهو أبو عبد الرحمن صاحب أبي أمامة، والمتقرر فيه أنه وسط حسن الحديث، فلو أنه ذكر مكانه عبيد الله بن زحر لأصاب" (الضعيفة ١٣/ ٤٧٠). وهو كما قال.
الوجه الثاني:
أخرجه البيهقيُّ في (الشعب ٧٣٨٦) قال: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، نا أبو العباس الأصم، نا بحر بن نصر، نا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن عمر بن الخطاب، قال: ... فذكره.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: الانقطاع، فعبيدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ لم يدركْ عمرَ.
ولذا قال البيهقيُّ: "منقطعٌ".
وعَلَّقَ الألبانيُّ على قولِ البيهقيِّ قائلًا: "يعني: بين عمر وعبيد الله بن أبي جعفر؛ فإن هذا وُلد بعد وفاة عمر بسنين -مات عمر سنة (٢٣)، ومات عبيد الله سنة (١٣٢) وقيل بعد ذلك" (الضعيفة ١٣/ ٤٦٩).
الثانية: ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ، كم قرَّرناه في غير ما موضعٍ.
وقدِ اضطربَ فيه؛ فرواه هنا: عن عبيد الله بن أبي جعفر عن عمر عن عائشة.
ورواه مرة عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة.
ومرة: عن أبي الأسود، عن عروة، مرسلًا.
стр. 12902
ورواه أيضًا: عن دَرَّاج عن السائب عن أم سلمة. كما سيأتي قريبًا.
وقد تقدَّم الحديثُ من طرقٍ عن عائشةَ يُقَوِّي بعضها بعضًا، بلفظ: (ثِيَابَهَا) بدل: (خِمَارَهَا)، وأما لفظ: (الخِمار) فلم يأتِ إلا من طرقٍ واهيةٍ كما تَرَى.
ولأجل ذلك ذكره الألبانيُّ في (الضعيفة) وقال: "منكرٌ"، ثم قال: "وقد صَحَّ الحديث من طريق أبي المليح عن عائشة ﵂ مرفوعًا نحوه بلفظ: (ثيابها) مكان: (خمارها) " (الضعيفة ٦٢١٦).
* * *
стр. 12903
رِوَايَةُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ رَاشِدٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ رَاشِدٍ التَّغْلِبِيِّ، عَنْ أُمِّهِ، أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتُنَّ؟ فَقُلْنَ: مِنْ أَهْلِ حِمْصَ. قَالَتْ: فَلَعَلَّكُنَّ مِنَ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ الحَمَّامَ؟ قُلْنَ: نَعَمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ المَرْأَةَ إِذَا خَلَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ مِنْ سِتْرٍ حَتَّى تَلْبَسَ ثِيَابَهَا)). فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِهَا سَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا جَارِيَةُ، انْضَحِي آثَارَهُنَّ بِالمَاءِ.
[الحكم]: حسنٌ لغيرِهِ كما تقدَّم، لكن دون قوله: (حَتَّى تَلْبَسَ ثِيَابَهَا)، فمنكرةٌ، وكذا الفقرة الأخيرة.
[التخريج]: [مخلص ١٦٩٥].
[السند]:
قال أبو طاهر المخلص: حدثنا ابنُ مَنيعٍ قال: حدثنا داودُ قال: حدثنا محمدُ بنُ حربٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ راشدٍ التغلبيِّ، عن أُمِّهِ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لجهالةِ أُمِّ عبدِ الملكِ بنِ راشدٍ التغلبيِّ، كما تقدَّم بيانُه.
وقد تفردتْ بزيادتين منكرتين في هذا الحديث؛ الأولى: قولها في المرفوع: ((حَتَّى تَلْبَسَ ثِيَابَهَا))، وقولها في آخر القصة: ((فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِهَا سَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ: يَا جَارِيَةُ، انْضَحِي آثَارَهُنَّ بِالمَاءِ)).
* * *
ورواه أبو يعلى عن هارون بن معروف. ورواه الحاكمُ من طريقِ بحرِ بنِ نصرٍ. والبيهقيُّ في (السنن ١٧٤٥٨): من طريقِ محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الحكمِ.
ثلاثتهم: عن ابنِ وهبٍ، به.
وعزاه ابنُ الملقنِ في (التوضيح ٢٧/ ١٢٩) لابنِ وهبٍ في (مسنده) عن عمرو بن الحارث -وحده- به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، وفي رواية بحرِ بنِ نصرٍ: (محمد بن عبد الله بن مسلم)، في تعيينه وجهان:
الأول: أنه ابنُ أخي الزهري، ولكن لا يُعرف لسعيد بن أبي هلال رواية عنه وهو أكبر منه، كما لا يُعرفُ له رواية عن أبي مسلمٍ، بل ولم يدركْه؛ فإن أبا مسلم الخولاني من كبار التابعين، تُوفي زمن يزيد بن معاوية، وابن أخي الزهري من السابعة (توفي سنة ١٥٢)، وقيل بعدها.
فإن كان هو فالسندُ منقطعٌ.
الثاني: أنه رجلٌ آخرُ مجهولٌ لا يُعرفُ، فالسندُ ضعيفٌ لجهالتِهِ.
ومع هذا قال الحاكمُ: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ ولم يخرجاه".
فتعقبه الذهبيُّ فقال: "محمدٌ هذا مجهولٌ، وإن كان ابن أخي الزهري فالسندُ منقطعٌ" (تلخيص المستدرك ٤/ ١٤٧).
ومَالَ الحافظُ إلى أنه المجهولُ، فاستدركه في (اللسان) فقال: "محمد بن
стр. 12906
عبد الله بن مسلم عن أبي مسلم الخولاني وعنه سعيد بن أبي هلال. قال الذهبيُّ في (تلخيص المستدرك): مجهول" (لسان الميزان ٦٩٧٠).
* * *
رِوَايَةُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ نِسْوَةً جِئْنَ عَائِشَةَ زَمَنَ الحَجَّاجِ، مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ العِرَاقِ، فَأَذِنَتْ لِلْعِرَاقِيَّاتِ قَبْلَ الشَّامِيَّاتِ، وَقَالَتْ لِلشَّامِيَّاتِ: أَلَسْتُنَّ تَدْخُلُنَّ الحَمَّامَ؟ قُلْنَ: بَلَى، أَرْضُنَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ. فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَعَرَّتْ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا، هَتَكَ اللَّهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مِنْ سِتْرٍ)).
[الحكم]: إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، والمرفوعُ حسنٌ لغيرِهِ، كما تقدَّم.
[التخريج]: [مسخ ٨٤٦].
[السند]:
قال الخرائطيُّ: حدثنا أبو جعفر محمد بن عبيد الله بن المنادي، ثنا يونس بن محمد المؤدب، ثنا الحكم بن الصلت، حدثني يزيد، عن أبي هدبة الفارسي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه أبو هدبة الفارسيُّ، وهو كذَّابٌ، انظر: (لسان الميزان ٣٣٨).
стр. 12907
رِوَايَةُ أُخْرَى عَنْ عُرْوَةَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحَمَّامِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي حَمَّامَاتٌ، وَلَا خَيْرَ فِي الحَمَّامَاتِ لِلنِّسَاءِ)). فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهَا تَدْخُلُهُ بِإِزَارٍ؟ فَقَالَ: ((لَا، وَإِنْ دَخَلَتْهُ بِإِزَارٍ وَدِرْعٍ وَخِمَارٍ، وَمَا مِنِ امْرَأَةٍ تَنْزِعُ خِمَارَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا (بَيْتِهَا أَوْ بَيْتِ أَحَدِ أُمَّهَاتِهَا) إِلَّا كَشَفَتِ السِّتْرَ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا)).
[الحكم]: منكرٌ، عدا قوله: ((وَمَا مِنَ امْرَأَةٍ تَنْزِعُ ... )) فحسنٌ لغيرِهِ، كما تقدَّم، ولكن بلفظ: (ثِيَابَهَا)، أما لفظة (خِمَارَهَا): فمنكرةٌ أيضًا، كما قال الألبانيُّ، وضَعَّفه الهيثميُّ.
[التخريج]: [طس ٣٢٨٦ (واللفظ له)].
[السند]:
أخرجه الطبرانيُّ في (الأوسط) قال: حدثنا بكر بن سهل، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة به.
وقال: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن عروة إلا أبو الأسود، تفرَّد به ابنُ لهيعةَ".
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ من أجلِ ابنِ لهيعةَ، فهو ضعيفٌ، وقدِ اضطربَ فيه، كما تقدَّمَ بيانُهُ قريبًا، وهذا أحدُ أوجهِ اضطرابه.
وبهذا ضعَّف الحديثَ الهيثميُّ في (مجمع الزوائد ١٥٢٢)، والألبانيُّ في (الضعيفة ٦٢١٦)، وحَكَمَ على الحديثِ بالنكارةِ.
стр. 12908
رِوَايَةُ رَجُلٍ مِنْ كِنْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، قَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ كِنْدَةَ. فَقَالَتْ: مِنْ أَيِّ الأَجْنَادِ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ حِمْصَ قَالَتْ: مِنْ أَهْلِ حِمْصَ الَّذِينَ يُدْخِلُونَ نِسَاءَهُمُ الحَمَّامَاتِ؟ فَقُلْتُ: إِي وَاللَّهِ، إِنَّهُنَّ لَيَفْعَلْنَ ذَلِكَ. فَقَالَتْ: ((إِنَّ المَرْأَةَ المُسْلِمَةَ إِذَا وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا فَقَدْ هَتَكَتْ سِتْرًا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا، فَإِنْ كُنَّ قَدِ اجْتَرَيْنَ عَلَى ذَلِكَ، فَلْتَعْمِدْ إِحْدَاهُنَّ إِلَى ثَوْبٍ عَرِيضٍ وَاسِعٍ يُوَارِي جَسَدَهَا كُلَّهُ؛ لَا تَنْطَلِقُ أُخْرَى فَتَصِفَهَا لِحَبِيبٍ أَوْ بَغِيضٍ))، ... وذكر الحديث مطولًا في الشفاعة.
[الحكم]: ضعيفٌ بهذا السياقِ.
[التخريج]: [عب ١١٤١ (واللفظ له) / معر ١٤٥١].
[السند]:
قال عبدُ الرزاقِ -ومن طريقه ابنُ الأعرابي-: عن معمرٍ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن رجلٍ من كِنْدةَ قال: دخلتُ على عائشةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإبهامِ الرجلِ الكنديِّ.
* * *
стр. 12909
رِوَايَةُ أُمِّ السَّائِبِ عَنْ عَائِشَةَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ أمِّ السَّائِبِ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنِينَ وَمَعَهَا عُودٌ تَتْبَعُ الوَزَغَ فَتَقْتُلُهُ، فَقَالَتْ: يَا أمَّ المُؤْمِنِينَ، مَا شَأْنُ هَذَا الوَزَغِ؟ فَقَالَتْ: لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَرُدُّ غَيْرَ هَذَا، فَأُمِرْنَا بِقَتْلِهِ. قُلْتُ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، المَرْأَةُ تَدْخُلُ الحَمَّامَ؟ فَقَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا؛ فَقَدْ هَتَكَتْ سِتْرَهَا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ، وقوله ﷺ : ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ... )). إلخ. حسنٌ لغيرِهِ، كما سبقَ، أما قولها: ((أُمِرْنَا بِقَتْلِ الوَزَغِ)) فمنكرٌ من حديثِهِا؛ لأنه ثَبَتَ عنها في (الصحيحين) أنها لم تسمعِ النبيَّ ﷺ يأمرُ بقتله (١)،
والأمرُ بقتله ثابتٌ من حديثِ غيرِها، كما في (الصحيح) من حديثِ أُمِّ شريك، وسعد بن
стр. 12910
أبي وقاص.
[التخريج]: [طس ٦٩٧٣].
[السند]:
قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، ثنا مُطَهِّر بن الحَكَم المروزي، ثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، حدثني مطر الوراق، عن أم السائب، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: أم السائب، ولم نعرفْها.
ومطر الوراق: "صدوق، كثير الخطأ" كما في (التقريب ٣٣٨).
وأما مطهر فهو: أبو عبد الله مطهر بن الحكم البيع الأَنْقُلْقَانِيُّ، كان من أهل القرآن والعلم راويًا لتفسير مقاتل ولكتب علي بن الحسين بن واقد، روى عنه جماعة من الثقات، منهم أبو داود وابنه، وكَتَبَ عنه مسلم بن الحجاج وغيره (الأنساب ١/ ٢٢٢)، (الإكمال ٧/ ٢٦٢).
أما قوله ﷺ : ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ... )). إلخ، فحسنٌ لغيرِهِ، كما تقدَّم.
стр. 12911
٢٩٨٠ - حَدِيثُ سُبَيْعَةَ عَنْ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ نِسْوَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مِمَّنْ أَنْتُنَّ؟ فَقُلْنَ: مِنْ أَهْلِ حِمْصَ. فَقَالَتْ: صَوَاحِبُ الحَمَّامَاتِ؟ فَقُلْنَ: نَعَمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((الحَمَّامُ حَرَامٌ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي)). فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: فَلِي بَنَاتٌ أُمَشِّطُهُنَّ بِهَذَا الشَّرَابِ. قَالَتْ: بِأَيِّ الشَّرَابِ؟ فَقَالَتِ: الخَمْرِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَفَكُنْتِ طَيِّبَةَ النَّفْسِ أَنْ تَمْتَشِطِي بِدَمِ خِنْزِيرٍ؟ ! قَالَتْ: لَا، قَالَتْ: فَإِنَّهُ مِثْلُهُ.
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياقِ.
[التخريج]:
[ك ٧٩٩٤ (واللفظ له) / الكنى للنسائي (إكمال تهذيب الكمال ٩/ ٩٢) (مقتصِرًا على المرفوع)].
[السند]:
قال الحاكمُ: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، ثنا جدي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا نافع بن يزيد، حدثني يحيى بن أبي أُسَيْد، عن عبيد بن أبي سَوِيَّة أنه سمع سُبيعةَ الأسلميةَ تقول: ... فذكره.
ورواه النسائيُّ في (الكنى): عن يحيى بن أيوب، عن ابن أبي مريم، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: يحيى بن أبي أسيد، روى عنه جماعةٌ، وترجمَ له
стр. 12912
البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٨/ ٢٦١)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٩/ ١٢٩)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٩/ ٢٥١)، على عادته.
فهو مجهولُ الحالِ.
ثم إن المتنَ منكرٌ؛ لمخالفته رواية الجماعة عن عائشة، كما تقدَّم.
ومع ذلك قال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ ولم يخرجاه"!
وتبعه السيوطيُّ فرَمزَ لصحته في (الجامع الصغير ٣٨٥٠)!
وقال الألبانيُّ: "هذا إسنادٌ جيدٌ متصلٌ إن شاء الله تعالى"! (الصحيحة ٧/ ١٢٩٣)، وحسَّنه في (الصحيحة ٣٤٣٩)، وفي (صحيح الجامع ٣١٩٢).
وهذا كله تساهلٌ ظاهرٌ.
* * *
стр. 12913
٢٩٨١ - حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ:
◼ عَنِ السَّائِبِ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ نِسْوَةً دَخَلْنَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ فَسَأَلَتْهُنَّ مِمَّنْ أَنْتُنَّ؟ فَقُلْنَ: مِنْ أَهْلِ حِمْصَ. [قَالَتْ: مِنْ أَصْحَابِ الحَمَّامَاتِ؟ قُلْنَ: وَبِهَا بَأْسٌ؟ ] فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَزَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا خَرَقَ (نَزَعَ) ١ اللهُ عَنْهَا سِتْرًا (سِتْرَهُ) ٢ (سِتْرَهَا) ٣)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ، والمرفوعُ منه حسنٌ لغيرِهِ، كما تقدَّمَ من حديثِ عائشةَ.
[التخريج]:
[حم ٢٦٥٦٩ (واللفظ له) / ك ٧٩٩١ (والزيادة والرواية الثانية له) / عل ٧٠٣١ (والرواية الأُولى له) / طب (٢٣/ ٤٠٢/ ٩٦٢)، (٢٣/ ٣١٤/ ٧١٠) (والرواية الثالثة له) / شعب ٧٣٨٤].
[السند]:
رواه أحمدُ: عن الحسن بن موسى الأشيب، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا درَّاج عن السائب مولى أم سلمة به.
ورواه أبو يعلى والطبرانيُّ (٩٦٢): من طريق ابن لهيعة به.
وتوبع عليه ابن لهيعة؛ فرواه الطبرانيُّ (٧١٠)، والحاكمُ، والبيهقيُّ: من طريق عمرو بن الحارث عن درَّاج به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لجهالة السائب مولى أم سلمة، ترجَمَ له البخاريُّ في
стр. 12914
(التاريخ الكبير ٤/ ١٥٣)، وابنُ أبي حاتمٍ في (الجرح ٤/ ٢٤٣)، وسكتا عنه، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٤/ ٣٢٦)، ولم يذكروا له راويًا غير درَّاج، ولا يُعرفُ إلا بروايته عنه فهو مجهولُ العينِ؛ ولذا قال ابنُ خُزيمةَ: "لا أعرفُ السائبَ مولى أم سلمة بعدالة ولا جرح" (صحيح ابن خزيمة ٢/ ٣٧٣).
ودراج -هو ابنُ سمعان- مختلفٌ فيه، فوَثَّقَهُ ابنُ مَعين، وضَعَّفه غيرُهُ، وفي (التقريب ١٨٢٤): "صدوقٌ، في حديثه عن أبي الهيثم ضَعْفٌ".
قال الهيثميُّ: "فيه ابنُ لهيعةَ وهو ضعيفٌ" (المجمع ١٥١٨).
وقال البوصيريُّ: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ، لضعفِ عبدِ اللَّهِ بنِ لهيعةَ" (إتحاف الخيرة ٥١٦).
قلنا: قد تُوبع عليه ابن لهيعة كما سبقَ، فتبقى العلة هي جهالة السائب.
وللمرفوع من الحديث شواهد سبقتْ يصحُّ بها؛ ولذا قال الألبانيُّ: "صحيحٌ لغيرِهِ" (صحيح الترغيب ١٧١).
* * *
стр. 12915
٢٩٨٢ - حَدِيثُ عُرْوَةَ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الحَمَّامِ، فَقَالَ: ((سَتَكُونُ حَمَّامَاتٌ، فَلَا خَيْرَ فِيهَا لِلنِّسَاءِ)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا تَدْخُلُ بِإِزَارٍ؟ قَالَ: ((وَإِنْ دَخَلَتْ بِإِزَارٍ وَدِرْعٍ وَخِمَارٍ، مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَضَعُ خِمَارَهَا فِي غَيْرِ بِيْتِهَا أَوْ بَيْتِ أَحَدِ أُمَّهَاتِهَا، إِلَّا هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا ).
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياقِ.
[التخريج]: [رفا ١٠٤].
[السند]:
رواه أبو علي الرفاء في (فوائد ١٠٤) قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حدثنا محمد بن أبي الخصيب الأنطاكي، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه -مع إرساله-: ابنُ لهيعةَ، وهو ضعيفٌ.
وقد تقدَّم الحديثُ قريبًا من طريقه عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة، من مسندها.
وهنا رواه مرسلًا، ولم يسندْهُ عن عائشةَ، وهذا دليلٌ على قلةِ ضبطه.
* * *
стр. 12916
٢٩٨٣ - حَدِيثُ أُمِّ الدَّرْدَاءِ:
◼ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْتُ مِنَ الحَمَّامِ فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((مِنْ أَيْنَ [جَئْتِ] ١ (أَقْبَلْتِ) ١ يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ؟ )). قَالَتْ: مِنَ الحَمَّامِ [يَا رَسُولَ اللهِ] ٢. فَقَالَ [لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ] ٣: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَضَعُ (تَنْزِعُ) ٢ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ أَحَدٍ مِنْ أُمَّهَاتِهَا (فِي غَيْرِ بَيْتِهَا) ٣ (غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا) ٤ إِلَّا وَهِيَ هَاتِكَةٌ كُلَّ سِتْرٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّحْمَنِ)).
[الحكم]: منكرٌ إلا الفقرة الأخيرة فتحسن لشواهدِها.
[التخريج]:
[حم ٢٧٠٣٨ (واللفظ له)، ٢٧٠٣٩، ٢٧٠٤١ (والزيادة الأولى والرواية الثانية له) / عل (خيرة ٥١١/ ٣) / طب (٢٤/ ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٥/ ٦٤٥، ٦٤٦، ٦٥٢) (والزيادة الثانية والثالثة والرواية الأولى والثالثة له)، (٢٥/ ٧٣/ ١٧٩) (مختصرًا، والرواية الرابعة له) / علج ٥٥٧ - ٥٥٩/ كر (٣٧/ ٣١٣) / ضح (١/ ٣٥٩ - ٣٦٢) / صحا ٧٦٢٣، ٧٩٢٣/ لا ١٨٩١/ أسد (٧/ ١٠٠) / مع (خيرة ٥١١/ ١) / طبري (مذيل صـ ١١٥، ١١٦) / حيويه (صـ ٥٥) / حسيني (حمام ٢)].
[التحقيق]: لهذا الحديث ثلاثة طرق:
الطريق الأول:
رواه أحمدُ (٢٧٠٤١): عن هارون -هو ابنُ معروفٍ- قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: وقال حيوة: أخبرني أبو صخر، أن يُحَنَّس أبا موسى حدثه
стр. 12917
أن أم الدرداء حدثته، ... به.
ورواه الطبرانيُّ وغيره من طريق ابن وهب به.
وهذا سندٌ رجالُهُ ثقاتٌ، رجال مسلم، إلا أن أبا صخر وهو حميد بن زياد مختلفٌ فيه؛ قال أحمد: "ليس به بأس" (العلل ومعرفة الرجال ٤١٢٦)، وقال مرة: "ضعيف" (الضعفاء للعقيلي ١/ ٢٧٠)، إلا أن الذهبيَّ قال: "وأظنُّ أن حميدَ بنَ صخرٍ المدنيَّ آخرُ، روى عن سعيد بن أبي سعيد المقبري. وهو الذي قال فيه أحمد بن حنبل: ضعيف" (تاريخ الإسلام ٣/ ٨٥٢).
وقال ابنُ معينٍ: " ثقةٌ، ليس به بأس"، وقال مرة: "ضعيف" (الجرح والتعديل ٣/ ٢٢٢).
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "له أحاديث صالحة"، ثم قال: "وهو عندِي صالحُ الحديثِ، وإِنما أنكرتُ عليه هذين الحديثين: المُؤْمِنُ مَأْلَفٌ، وفي القدرية، اللذين ذكرتهما، وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيمًا" (الكامل ٣/ ٣٨٩).
وقال البغويُّ: "صالحُ الحديثِ" (تهذيب التهذيب ٣/ ٤٢).
وقال الدارقطنيُّ: "ثقة" (سؤالات البرقاني ٩٣)، وقال أيضًا: "غيره أثبت منه" (التتبع صـ ٢٠٢)، وقال العجليُّ: "ثقة" (الثقات ٣٦٢)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٦/ ١٨٨).
وقال النسائيُّ: "ضعيفٌ" (تهذيب الكمال ٧/ ٣٦٨).
وقال ابنُ شاهين: "ضعيف" (تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين ١٣٤).
стр. 12918
قال المنذريُّ: "رواه أحمدُ والطبرانيُّ في (الكبير) بأسانيدَ رجالها رجال الصحيح" (الترغيب والترهيب ٢٧٤).
وبنحوه قال الهيثميُّ في (مجمع الزوائد ١٥١٧).
وقال الألبانيُّ: "أخرجه أحمدُ والدولابيُّ بإسنادين عنها أحدهما صحيح" (آداب الزفاف ط. المكتب الإسلامي صـ ٦٨).
وقال أيضًا: "وهذا إسنادٌ جيدٌ، رجاله ثقات، رجال مسلم، وفي بعضِهم كلامٌ لا يضرُّ. ورَدَّ على ابنِ الجوزيِّ تضعيفه للحديث به بأنه تعنتٌ ظاهر منه" (الصحيحة ٧/ ١٣٠٨).
قلنا: الذي يظهرُ لنا من حالِ أبي صخرٍ حميدِ بنِ زيادٍ أنه لا يتحملُ التفرُّدَ بمثلِ هذا الحديث، وفيه نكارةٌ ظاهرةٌ؛ حيثُ إنه لم يكن في المدينة على عهد النبي ﷺ حَمَّام، كما قال الخطيبُ وابنُ الجوزي وغيرُ واحدٍ، كما سيأتي.
الطريق الثاني:
رواه أحمدُ (٢٧٠٣٨): عن الحسن الأشيب، قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا زبَّان عن سهل عن أبيه أنه سمع أُمَّ الدرداء تقول: ... فذكره.
وهذا سندٌ ضعيفٌ؛ فيه أربعُ عللٍ:
العلة الأولى: سهل، وهو ابنُ معاذٍ، قال فيه الحافظ: "لا بأس به إلا في رواية زبَّان عنه" (التقريب ٢٦٦٧).
العلة الثانية: زبَّان، وهو ابنُ فائدٍ المصريُّ، ضعيفُ الحديثِ مع صلاحه وعبادته، كما في (التقريب ١٩٨٥).
стр. 12919
وبهاتين العلتين ضَعَّفَ الحديثَ الحسينيُّ فقال: "في سندِهِ ابنُ لهيعةَ وهو ضعيفٌ، وابنُ فائدٍ هالكٌ" (الإلمام بآداب دخول الحمام صـ ٣٤).
العلة الثالثة: ضَعْفُ ابن لهيعة، وقدِ اضطربَ فيه كعادتِهِ، وهذه هي:
العلة الرابعة: فقد رواه الطبرانيُّ في (المعجم الكبير ٢٤/ ٢٥٢/ ٦٤٥): عن حَبوش بن رزق الله المصري، ثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، ثنا ابنُ لهيعةَ، ثنا زبَّان بنُ فائدٍ، عن أبي مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أم الدرداء، به.
فأسقطَ منه والد سهل، وزاد فيه أبا مرحوم، وأبو مرحوم هذا ضَعَّفه ابنُ معينٍ وغيرُه، ومشَّاه النسائيُّ، وقال الذهبيُّ: "فيه لين" (الكاشف ٣٣٥٩)، أما الحافظ فقال: "صدوق" (التقريب ٤٠٥٩).
وقد ضَعَّف هذا الإسنادَ جدًّا ابنُ حجرٍ في (الإصابة ١/ ٢٦٤).
وقد تُوبع عليه ابن لهيعة:
فرواه أحمدُ (٢٧٠٣٩)، وغيرُهُ، من طريقِ رشدين بن سعد عن زبَّان عن سهلٍ عن أبيه به.
ورشدين ضعيفٌ أيضًا، كما في (التقريب ١٩٤٢).
وقد توبع عليه زبَّان بن فائدٍ أيضًا:
فرواه الخطيبُ، وابنُ الأثيرِ: من طريقِ محمدِ بنِ حِمْيرٍ عن أسامةَ بنِ سهلٍ عن سهلٍ عن أبيه به.
ولكنْ أسامةُ هذا مجهولٌ، كما قال الخطيبُ البغداديُّ.
هذا عن إسنادِ الحديثِ، وأما عن المتنِ؛ فقد أعلَّه الخطيبُ بقوله: "مع أنَّ
стр. 12920
الحديثَ تبعدُ صحته؛ لأن المدينةَ لم يكن بها حمَّامٌ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، والحمَّاماتُ إنما كانت في ذلك الوقت ببلاد الشام وبلاد فارس" (موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٣٦٠).
واحتجَّ على ذلك بحديث: ((سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الأَعَاجِمِ ... ))، وهو ضعيفٌ كما سيأتي.
وقال ابنُ الجوزيِّ: "وهذا الحديثُ باطلٌ، لم يكن عندهم حمَّام في زمنِ رسولِ اللهِ ﷺ " (العلل).
وتعقبه الحافظُ ابنُ حجرٍ فقال: "وحكمه عليه بالبطلان بما نقله من نفي دخول الحمَّامِ في زمانهم -لا يقتضي بطلان الحديث، فقد تكون أطلقت لفظ الحمَّام على مطلق ما يقع الاستحمام فيه، لا على أنه الحمَّام المعروف الآن، وقد وَرَدَ ذِكرُ الحمَّامِ في عدةِ أحاديث غير هذه، وفي الجملةِ فلا ينقضي تعجبي من كونه يَحكمُ عليه بأنه باطلٌ ولا يورده في (الموضوعات) مع أنه أورد في (الموضوعات) أشياء أقوى من هذا، والله المستعان" (القول المسدد صـ ٤٣).
قلنا: تَعَقُّب ابن حجر فيه تكلُّف ظاهر، والحقُّ مع الخطيبِ وابنِ الجوزيِّ.
قال الحسينيُّ عن الحمَّاماتِ: "وأما العربُ فلم تكنْ تُعرفُ في بلادِهم إلا بعد وفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ زمن الصحابة. ورُوي أن بعضَهم دَخَلَهُ، وجاءَ أنَّ النبيَّ ﷺ رَأَى أُمَّ الدرداءِ فقال: ((مِنْ أَيْنَ يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتْ: مِنَ الحَمَّامِ ... )) الحديث، وهو ضعيفٌ" (كتاب الإلمام بآداب دخول الحمام صـ ٣٢).
وقال القبيباتي: "ومقتضى الحديث المذكور أنه كان في زمنه عليه الصلاة