الأول: في ذكر القلادة ولمن تكون.
الثاني: في ذكر الموضع الذي وقعت فيه.
الثالث: فيمن أرسله رسول الله ﷺ في طلبها.
الرابع: فيمن وجدها.
الخامس: في الصلاة بغير وضوء.
فاتفقتْ روايةُ عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه المتقدمة في أول الباب في هذه الأمور، وهي:
الأول: أن عِقدًا لعائشةَ انقطعَ.
الثاني: أن الموضعَ الذي وقعتْ فيه هو البيداءُ، وهو اسمٌ لأرضٍ ملساء بين مكة والمدينة، وهي إلى مكة أقرب، تُعَدُّ من الشرف أمام ذي الحليفة (معجم البلدان ١/ ٥٢٣).
الثالث: أن النبيَّ ﷺ قامَ بالتماسه وجماعة معه بغير تعيين لهم.
الرابع: أنهم وجدوا العِقدَ تحتَ البعيرِ لما بعثوه من مكانه الذي باتوا فيه.
الخامس: لم يذكر في روايته أنهم صلَّوا بغيرِ وضوءٍ.
بينما في رواية هشام، قدِ اختَلَفَ عليه أصحابُهُ في ذلك:
فأما القلادة:
فقال عبد الله بن نمير كما عند البخاري (٣٣٦)، وغيره،
وأبو أسامة حماد بن أسامة كما عند البخاري في (٣٧٧٣)، ومسلم (٣٦٧)، وغيرهما.
стр. 13057
وابنُ بِشْرٍ كما عند مسلم في (٣٦٧).
وعليُّ بنُ مُسْهِر، عند جعفر الفريابي في كتاب الطهارة كما في (فتح الباري لابن حجر ١/ ٤٣٢) -ومن طريقه ابن عبد البر في (التمهيد ١٩/ ٢٦٧)، وغيره-.
وحميد بن الأسود، كما عند الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٥٠/ ١٣١).
خمستهم رووه عن هشام بسنده، وفيه: أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت.
وخالفهم: عبدة بن سليمان كما عند البخاري في (٤٥٨٣، ٥٨٨٢)، وغيره، فرواه عن هشام فقال: "هلكتْ قلادةٌ لأسماءَ".
وتابعه سفيان بن عيينة كما عند الحميدي في (مسنده ١٦٥) -ومن طريقه ابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد ١٩/ ٢٦٨) -.
بينما رواه أبو معاوية عن هشام كما عند أبي داود في (سننه ٣١٧) وقَرَنَ معه عبدة -ومن طريقه أبو عوانة في (مستخرجه ٩٣٠)، وابن عبد البر في (التمهيد ١٩/ ٢٦٨)، وغيرهما-، وإسحاق بن راهويه في (مسنده ٥٨٣) -وعنه النسائي في (الصغرى ٣٢٧)، وغيره-، فقالا: "في طلب قلادة أضلتها عائشة"، ولم يذكر لمن هي.
وفي رواية حماد بن سلمة كما عند ابن عبد البر في (التمهيد ١٩/ ٢٦٩) عن هشام بن عروة عن أبيه، أن عائشةَ كانتْ في سفرٍ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وكان في عُنقها قلادة لأسماءَ ابنة أبي بكرٍ، فعَرَّسُوا فانسلتِ القلادةُ من عنقها، فلمَّا ارتحلوا ... الحديث.
وخالفَ الجميعَ معمرٌ فقال: عن هشام بن عروة، عن أبيه، أو غيره قال:
стр. 13058
سَقَطَ عِقدٌ لعائشةَ. أخرجه عبد الرزاق في (المصنف ٨٨٧) -ومن طريقه الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٤٩/ ١٣٠) -.
فأما الموضع الذي وقعتْ فيه: فلم يذكرْ جمهورُ أصحابِهِ الموضعَ الذي سقطتْ فيه، بينما جاء في رواية ابن عيينة عند الحميدي أنها وقعت "ليلة الأبواء".
وفي رواية علي بن مسهر أنها وقعت في مكان يقال له: "الصُّلْصُل".
وفي رواية حماد بن سلمة عند ابن عبد البر قال: "المعرس".
فأما المرسل: فقد جاء في رواية ابن نمير أن النبيَّ أرسلَ رجلًا كما عند البخاري (٣٣٦).
وفي رواية حماد بن سلمة عند ابن عبد البر: "فأرسل رجلين".
وفي رواية أبي أسامة عند البخاري (٣٧٧٣)، ومسلم (٣٦٧) وقَرَنَ معه ابن بشر: "أنه أَرْسَلَ ناسًا من أصحابه في طلبها" وفي رواية عبدة عند البخاري (٤٥٨٣): "بَعَثَ رجالًا في طلبها".
وفي رواية أبي معاوية عند أبي داود، وغيره: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ وَنَاسًا".
وفي رواية علي بن مسهر: "فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَطَلَبُوهَا حَتَّى وَجَدُوهَا".
فأما من وجدها: فالظاهرُ من رواية الإفراد أن الضميرَ في قوله: "فَبَعَثَ رجلًا فوجدها" إما أن يعود إلى الرجل الذي أرسله النبيُّ ﷺ ، أو يعود إلى النبيِّ ﷺ نفسه.
стр. 13059
أما في رواية الجمع أنه أَرْسلَ ناسًا أو رجالًا فوجدوها، أنهم هم الذين وجدوها في الموضع الذي أرسلهم إليه رسول الله ﷺ .
وكذا في رواية التثنية أن الرجلين هما اللذان وجداها.
فأما صلاتهم بغير وضوء: فقد اتَّفقَ جمهورُ الرواةِ عليه بأنهم صلَّوا بغيرِ وُضُوءٍ.
نظرًا لهذا الاختلاف على هشامٍ في ألفاظه، اختلفتْ مداركُ العلماءِ في توجيه الحديث نظرًا لإخراج الشيخين له؛ من مُرَجِّح أو جامع.
فرجَّحَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي روايةَ عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه - على رواية هشامٍ، وتكلَّم في رواية هشام هذه فقال: "بلغني عن يحيى القطان أنه كان ينكرُ أشياءَ حَدَّثَ بها هشامٌ في آخر عمره لما سَاءَ حفظه" (فتح الباري لابن رجب ٢/ ٢٢١).
ونقلَ الخلافَ العراقيُّ في (طرح التثريب)، فحَاولَ التوفيقَ والجمعَ، ومع ذلك مالَ في آخرِ البحثِ إلى أن روايةَ ابنِ القاسمِ عن أبيه أثبتُ وأصحُّ، فقال: "اختلفتْ طرقُ الحديثِ في تعيين المكان الذي ضَاعَ فيه العِقدُ؛ فقالَ مالكٌ ما تقدَّمَ، ورواه هشامُ بنُ عروةَ عن أبيه فاختُلفَ عليه فيه، فأكثرُ الرُّواةِ عنه لم يذكروا المكان، وهو الموجودُ في الكتبِ الخمسةِ المتقدمةِ، ورواه سفيانُ بنُ عيينةَ عنه فقال فيه: ((إنها سقطتْ قلادتُها ليلةَ الأبواءِ)). كذا رواه الحميديُّ في (مسند سفيان)، ورواه عليُّ بنُ مُسْهِرٍ عن هشامٍ فقال: ((وكان هذا المكان يقال له الصلصل) رواه ابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد).
ورواه حمادُ بنُ سلمةَ عن هشامٍ فقال فيه: فأَرْسَلَ رسولُ اللهِ ﷺ رجلين إلى المُعَرَّسِ يلتمسان القلادة. فأما حديثُ سفيانَ فهو مخالفٌ لحديثِ
стр. 13060
مالكٍ؛ لأن الأبواءَ جبلٌ بين مكةَ والمدينةِ.
وأما روايةُ عليِّ بنِ مُسْهرٍ فيجوزُ أن يكونَ صلصل في جهةِ ذاتِ الجيشِ.
وأما روايةُ حمادِ بنِ سلمةَ فليسَ فيها مخالفةٌ؛ لأنه لم يُرَدْ بالمُعَرَّسِ مكانٌ معروفٌ، وإنما أُريدَ المكان الذي عَرَّسوا فيه، فإنه قال في أول حديثه: (فعرَّسُوا) وكذا في حديث عمار بن ياسر الآتي.
ورواية مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أصح وأثبت، ويشهدُ لها حديثُ عمارِ بنِ ياسرٍ" (طرح التثريب ٢/ ٩٥).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "ليس اختلاف النَّقَلة في العقد والقلادة ولا في الموضع الذي سقط ذلك فيه لعائشة ولا في قول القاسم عن عائشة: (عقدٌ لي) وقول هشام: (إن القلادةَ استعارتها من أسماء عائشة) ما يقدحُ في الحديثِ ولا يُوهِنُ شيئًا منه؛ لأن المعنى المراد من الحديث والمقصود إليه هو نزول آية التيمم، ولم يختلفوا في ذلك" (التمهيد ١٩/ ٢٦٨).
وكذا أشارَ لهذا الخلافِ ابنُ رجبٍ مائلًا لترجيحِ رواية ابن القاسم عن هشامٍ فقال: "قد سبق: أن روايةَ هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ لهذا الحديثِ -تخالفُ روايةَ عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ فإن عبدَ الرحمنِ ذَكَرَ في روايته: أن عقدًا لعائشةَ انقطعَ، وأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أَقَامَ على التماسه، وأنه نَامَ حتَّى أَصْبَحَ على غيرِ مَاءٍ، فنزلتْ آيةُ التيممِ.
وأما عروة فذكر في روايته أن قِلادةً لأسماء استعارتها عائشة فهلكتْ -يعني: أنهم فقدوها-، فأَرْسَلَ رسولُ اللهِ ﷺ في طلبها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا فشكَوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فنزلتْ آيةُ التيممِ.
وفي حديثِ ابنِ القاسمِ، عن أبيه: أنهم بَعَثُوا البعيرَ، فوجدوا العِقدَ
стр. 13061
تحته.
وفي حديثِ ابنِ عروةَ، عن أبيه: أن الذين أرسلهم في طلبها وجدوها.
فَزَعَمَ بعضُ الناسِ أن عائشةَ كان لها عِقدٌ انقطعَ وقلادة فُقدتْ، فَأَرْسَلَ في طلبِ القلادةِ وأقاموا على التماسِ العقدِ، وفي هذا نظر. والله أعلم.
ورجَّحَتْ طائفةٌ روايةَ مالكٍ، عنِ ابنِ القاسمِ، عن أبيه- على روايةِ هشامٍ، عن أبيه. ومنهم: القاضي إسماعيلُ المالكيُّ، وقال: بلغني عن يحيى القطان أنه كان ينكرُ أشياءَ حَدَّثَ بها هشامٌ في آخرِ عمره لما ساءَ حفظه" (فتح الباري ٢/ ٢٢٠).
بينما ذهبَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ وسبقه جماعةٌ، إلى عدمِ المعارضةِ، وأن الجمعَ ممكنٌ، فقال -بعد ذكرِ الخلافِ المتقدمِ، وكلام ابن عبد البر- معقبًا عليه: "كلامه يُشْعِرُ بتعذرِ الجمعِ بين الروايتين، وليس كذلك بل الجمعُ بينهما ممكنٌ بالتعبيرِ عن القِلادةِ بالعِقدِ. وبأن إضافتها لأسماءَ ﵂ إضافة مِلكٍ وإلى عائشةَ إضافة يد. وبأن انسلالها كان بسبب انقطاعها، وبأن الإرسالَ في طلبها كان في ابتداءِ الحالِ، ووجدانها كان في آخره بعد أن بعثوا البعير.
وأما قوله: (إن الذين ذهبوا في طلبها هم الذين وجدوها) فلا بُعْد فيه أيضًا؛ لاحتمال أن يكون وجدانهم إيَّاها بعد رجوعهم.
وإذا تَقَرَّرَ ذلك كانت القضية واحدة وليس فيها مخالفة، إلا أن في رواية عروة زيادة على ما في رواية القاسم من ذكر صلاة المبعوثين في طلبها بغير وضوء، ولا اختلاف ولا تعارض" (النكت على مقدمة ابن الصلاح ٢/ ٨٠٥ - ٨٠٦).
التنبيه الثاني: غَمَزَ ابنُ المنذرِ في زيادة: ((فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ)) فقال: "إن كان
стр. 13062
هذا محفوظًا، قوله: ((صَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ))، قد حفظه عبدة؛ فإني لم أجده من غير حديثه، ففيه كالدليلِ على أنه لا إعادةَ على مَن صلَّى في الوقتِ الذي لا يجد ماءً ولا ترابًا بغير طهارة؛ لأن فرضَ أولئك قبل نزول آية التيمم كان الوضوء بالماء، فإذا كانوا صلَّوا في تلك الحال بغير طهور، ولم يُؤمروا بالإعادة، كان كذلك مَن كان في مثل حالهم، وقد أعوزه ما يتطهر به فصلَّى، فلا إعادةَ عليه. هذا إذا كان الحرف الذي في حديث عبدة محفوظًا" (الأوسط ٢/ ١٦٤ - ١٦٥)
قلنا: قد تقدَّمَ اتِّفاقُ الرّواةِ على هشامٍ في ذكرِ هذه اللفظةِ؛ ولذا تعقبه الحافظُ ابنُ حَجرٍ فقال: "وأغربَ ابنُ المنذرِ فادَّعَى أن عبدةَ تفرَّدَ بهذه الزيادةِ" (فتح الباري ١/ ٤٤١).
والذي يظهرُ لنا أن ابنَ المنذرِ لم يُرِد تفرد عبدة بهذه الزيادة، وإنما أرادَ هشام بن عروة، وذلك لتفرده بها عن أبيه دون عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم. وكذا روى الحديثَ يحيى بنُ عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة، فلم يذكرْها كما عند أحمد (٢٦٣٤١).
* * *
стр. 13063
رِوَايَةُ بعث أسيد
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ وَنَاسًا [مَعَهُ] يَطْلُبُونَ قِلَادَةً كَانَتْ لِعَائِشَةَ نَسِيَتْهَا (أَضَلَّتْهَا) فِي مَنْزِلٍ نَزَلَتْهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ، (وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) قَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، دون "تعيين المُرْسَل" فَشَاذٌّ.
[التخريج]:
[د ٣١٧ (والزيادة والرواية له) / ن ٣٢٧ (واللفظ له) / كن ٣٨٢/ حق ٥٨٣/ سراج ٥/ مشكل ٢٤٥٨/ عه ٩٣٠/ تمهيد (١٩/ ٢٦٨) / غو (١/ ٣٦٥) / محلى (٢/ ١٤١) / ثعلب ١١٤١/ نبلا (١١/ ٤٦٨)].
[السند]:
أخرجه أبو داود في (سننه) -ومن طريقه أبو عَوانة قي (مستخرجه)، وابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد)، وابنُ بشكوال في (غوامض الأسماء)، وغيرهم- قال: حدثنا عبد الله بن محمد النُّفَيْلي، أخبرنا أبو معاوية، ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا عبدة -المعنى واحد-، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به.
ورواه إسحاقُ في (مسنده) -وعنه النسائي في (سننه)، وغيره- قال: أخبرنا أبو معاوية به.
ورواه السراجُ في (مسنده) قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وهنَّاد بن
стр. 13064
السَّري عن أبي معاوية به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير، متكلَّمٌ في روايته عن غير الأعمش، وخاصة في هشام بن عروة، قال أبو داود: "قلتُ لأحمدَ: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفعُ منها أحاديث إلى النبي ﷺ " (مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود صـ ٣٠١).
وقال الأثرمُ: "قلتُ لأبي عبد الله: أبو معاوية، صحيح الحديث عن هشام؟ قال: لا، ما هو بصحيح الحديث عنه" (شرح علل الترمذي ٢/ ٦٨٠).
قال أبو داود: "أبو معاوية إذا جازَ حديث الأعمش كثر خطؤه يخطئ على هشام بن عروة، وعلى إسماعيل، وعلى عبيد الله بن عمر" (سؤالات الآجري ٤٦٦).
وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ: "ثقةٌ، أحفظُ الناسِ لحديثِ الأعمشِ، وقد يَهِمُ في حديثِ غيرِهِ" (التقريب ٥٨٤١).
وقد ذَكَرَ له أبو داود متابعًا، حيثُ قَرَنَ معه رواية عثمان بن أبي شيبة عن عبدة عن هشام بن عروة، ولكنه قال: "المعنى واحد"، فإما أن يريدَ أبو داود ﵀ اتِّفَاقه معه في أصلِ الحديثِ دون ذِكر أُسيدٍ في المتنِ، أو يريد الاتفاق في المتن كله. فإن كان الثاني فرواية عثمان هذه تكون شاذة؛ وذلك لمخالفة الجماعة له على عبدة، حيث لم يذكروا فيمن أرسله النبيُّ ﷺ إلا إبهامًا، وهؤلاء الجماعة هم:
стр. 13065
محمد بن سلام البيكندي كما عند البخاري (٤٥٨٣).
إسحاق بن راهويه كما عند البخاري (٥٨٨٢)، وغيره.
أبو سعيد الأشج كما عند ابن أبي حاتم في (التفسير ٥٣٧٠).
هارون بن إسحاق كما عند الجورقاني في (الأباطيل ٣٦٥).
فرواه أربعتهم عن عبدة بن سليمان، لم يعيينوا فيه مَن أرسله النبيُّ ﷺ لالتماسِ العقدِ في المنزلِ.
وقد تابع عبدة على هذا الوجه جماعة، وهم:
أبو أسامة -وكان من أعلم الناس بحديث هشام بن عروة-، أخرجَ روايتَه البخاريُّ (٣٧٧٣)، ومسلمٌ (٣٦٧)، وغيرهما.
عبد الله بن نمير كما عند البخاري (٣٣٦)، وغيره.
ابن بِشْرٍ كما عند مسلم (٣٦٧).
حميد بن الأسود كما عند الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٤٩/ ١٣٠).
علي بن مسهر كما عند جعفر الفريابي في الطهارة كما في (فتح الباري ١/ ٤٣٢) -ومن طريقه ابن عبد البر في (التمهيد ١٩/ ٢٦٧)، وغيره-.
حماد بن سلمة كما عند ابن عبد البر في (التمهيد ١٩/ ٢٦٩).
سفيان بن عيينة كما عند الحميدي في (مسنده ١٦٥) -ومن طريقه ابن عبد البر في (التمهيد ١٩/ ٢٦٨) -.
فرووه -سبعتُهُم- عن هشام بن عروة بسنده، لم يعينْ أحدٌ منهم المرْسَلَ، مع اختلافهم على هشامٍ في عددهم كما سبقَ وبَيَّنا.
стр. 13066
ومع ذلك فقد حاولَ الحافظُ توجيه هذه الرواية فقال: "وطريقُ الجمعِ بين هذه الروايات أن أُسيدًا كان رأس مَنْ بُعِثَ لذلك فلذلك سُمِّيَ في بعض الروايات دون غيره. وكذا أُسْنِدَ الفعل إلى واحدٍ مبهم وهو المراد به، وكأنهم لم يجدوا العقد أولًا، فلما رجعوا ونزلتْ آيةُ التيممِ وأرادوا الرحيلَ وأثاروا البعير؛ وجده أسيد بن حضير. فعلى هذا فقوله في رواية عروة الآتية: (فوجدها) أي: بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره" (فتح الباري ١/ ٤٣٥).
رِوَايَةُ وَكَانَ ذَلِكَ المَكَانُ يُقَالَ لَهُ الصُّلْصُلُ
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً لَهَا وَهِيَ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَانْسَلَّتْ مِنْهَا، وَكَانَ ذَلِكَ المَكَانُ يُقَالَ لَهُ الصُّلْصُلُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَطَلَبُوهَا حَتَّى وَجَدُوهَا وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ لَهَا أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ فِيهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ خَيْرًا)).
[الحكم]: إسنادُهُا صحيحٌ.
[الفوائد]:
قال الحافظُ: "الصُّلْصُل، بمهملتين مضمومتين ولامين الأولى ساكنة بين الصادين، قال البكري: هو جَبَلٌ عند ذي الحليفة. كذا ذكره في حرف الصاد المهملة، ووهم مغلطاي في فهم كلامه فزعم أنه ضبطه بالضاد المعجمة
стр. 13067
وقلَّده في ذلك بعض الشراح وتصرف فيه فزاده وهمًا على وهم" (فتح الباري ١/ ٤٣٢).
[التخريج]:
[الطهارة لجعفر الفريابي (فتح ١/ ٤٣٢) / تمهيد (١٩/ ٢٦٧) (واللفظ له) / حداد ٢٧٣٣].
[السند]:
رواه جعفر الفريابي كما في (الفتح لابن حجر) -ومن طريقه ابن عبد البر في (التمهيد)، وأبو نعيم الحداد في (الجامع) - قال: قال: حدثنا منجاب (١) بن الحارث عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله ثقات، منجابٌ هو ابنُ الحارثِ، ثقةٌ من رجالِ مسلمٍ (التقريب ٦٨٨٢).
ولا معارضة بين هذه الرواية حيثُ ذكرَ فيه موضع قطع القلادة وذلك في الصلصل، ولا بين ما ذُكر في كونها وقعت في البيداء أو ذات الجيش،
قال العراقيُّ -بعد ذِكر الخلاف-: " وأما رواية علي بن مسهر فيجوزُ أن يكون صلصل في جهة ذات الجيش" (طرح التثريب ٢/ ٩٥).
وقال ابنُ حجرٍ: "وفي رواية علي بن مسهر في هذا الحديث عن هشام
стр. 13068
قال: وكان ذلك المكان يقال له الصلصل. رواه جعفر الفريابي في كتاب الطهارة له وابنُ عبد البرِّ من طريقه" (فتح الباري ١/ ٤٣٣).
رِوَايَةُ لَيْلَةَ الأَبْوَاءِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّهَا سَقَطَتْ قِلَادَتُهَا لَيْلَةَ الأَبْوَاءِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي طَلَبِهَا، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَصْنَعَانِ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ تَكْرَهِينَه إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مَخْرَجًا، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا)).
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ.
[الفوائد]:
قال الحافظُ: "الأَبْواءُ -بفتح الهمزة وسكون الموحدة- قريةٌ من الفرعِ من عمل المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا قيل: سميت بذلك للوباء الذي بها، ولا يصحُّ ذلك إلا على القلب" (فتح الباري ١/ ٧٤).
[التخريج]: [حمد ١٦٥ (واللفظ له) / تمهيد (١٩/ ٢٦٨) / غو (١/ ٢٦٤)].
[السند]:
رواه الحميديُّ -ومن طريقه ابن عبد البر، وابن بشكوال-، قال: حدثنا
стр. 13069
سفيان (وهو ابن عيينة) قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ رجاله ثقات رجال الشيخين.
وقد تقدَّمَ الجمعُ بين هذه الرواية وما قبلها قريبًا.
[تنبيه]:
عزا القرطبيُّ الحديثَ للترمذيِّ فقال: "أخرجه الترمذيُّ، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة ... "؛ فذكرَ الحديثَ. (تفسير القرطبي ٥/ ٢١٥).
وكذا عزاه للترمذي مغلطاي (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٢٤)، وغيره.
قلنا: لم نقفْ عليه في شيءٍ من مصنفات أبي عيسى الترمذي، ولعلَّهم أرادوا محمد بن إسماعيل بن يوسف السلمي الترمذي، فإنه صاحب تصانيف كما في (تاريخ الإسلام ٦/ ٦٠٣).
وقد أخرجه ابنُ عبدِ البرِّ من طريقه عن الحميديِّ به، كما تقدَّم.
стр. 13070
رِوَايَةُ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِتُرْبَانَ
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَتْ: ((أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِتُرْبَانَ -بَلَدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَدِينَةِ بَرِيدٌ وَأَمْيَالٌ- وَهُوَ بَلَدٌ لَا مَاءَ بِهِ، وَذَلِكَ مِنَ السَّحَرِ، انْسَلَّتْ قِلَادَةٌ لِي مِنْ عُنُقِي فَوَقَعَتْ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِالْتِمَاسِهَا حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، وَلَيْسَ مَعَ القَوْمِ مَاءٌ.
قَالَتْ: فَلَقِيتُ مِنْ أَبِي مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ مِنْ التَّعْنِيفِ وَالتَّأْفِيفِ، وَقَالَ: فِي كُلِّ سَفَرٍ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْكِ عَنَاءٌ وَبَلَاءٌ!!
قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ بِالتَّيَمُّمِ. قَالَتْ: فَتَيَمَّمَ القَوْمُ، وَصَلَّوْا. قَالَتْ: يَقُولُ أَبِي حِينَ جَاءَ مِنَ اللَّهِ مَا جَاءَ مِنْ الرُّخْصَةِ لِلْمُسْلِمِينَ: وَاللَّهِ -مَا عَلِمْتُ يَا بُنَيَّةُ- إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ، مَاذَا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي حَبْسِكِ إِيَّاهُمْ مِنَ البَرَكَةِ وَاليُسْرِ.
[الحكم]: إسنادُهُ حسنٌ.
[التخريج]: [حم ٢٦٣٤١].
[السند]:
رواه أحمد: عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ حسنٌ؛ رجاله ثقات، رجال الصحيح، عدا يحيى بن عباد وابن إسحاق.
стр. 13071
فأما يحيى فهو ثقة، روى له أصحاب السنن كما في (التقريب ٧٥٧٥).
وأما ابنُ إسحاقَ فاستشهدَ به البخاريُّ، وروى له مسلمٌ في المتابعاتِ كما في (تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٢٩)، وهو صدوقٌ يدلسُ كما في (التقريب ٥٧٢٥)، وقد صرَّحَ بالتحديثِ، فانتفتْ شبهةُ تدليسه، والحديثُ صحيحٌ بما سبقَ.
رِوَايَةُ: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((قَالَتْ: لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ عِقْدِي مَا كَانَ، وَقَالَ أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى، فَسَقَطَ أَيْضًا عِقْدِي، حَتَّى حَبَسَ التِمَاسُهُ النَّاسَ، وَطَلَعَ الفَجْرُ، فَلَقِيتُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَا شَاءَ اللهُ، وَقَالِ لِي: يَا بُنَيَّةُ، فِي [كُلِّ] سَفَرٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وبلاءً، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ!! فَأَنْزَلَ اللهُ الرُّخْصَةَ بِالتَّيَمُّمِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَا وَاللهِ يَا بُنَيَةُ إِنَّكِ لَمَا عَلِمْتُ مُبَارَكَةٌ)).
[الحكم]: ضعيفٌ جدًّا بهذا اللفظِ، وضَعَّفَ إسنادَهُ الحافظُ ابنُ حَجرٍ، وأصلُ القصةِ صحيحٌ بغيرِ هذا السياقِ كما سبقَ.
[التخريج]: [طب (٢٣/ ١٢١/ ١٥٩) (واللفظ له) / شب (١/ ٣٤٨) (والزيادة له)].
[السند]:
قال الطبرانيُّ: حدثنا القاسم بن عباد الخطابي، ثنا محمد بن حميد
стр. 13072
الرازي، ثنا سلمة بن الفضل، وإبراهيم بن المختار، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، به.
ورواه عمر بن شبة في (تاريخ المدينة): حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل، وعلي بن مجاهد، وإبراهيم بن المختار، عن محمد بن إسحاق، به.
[التحقيق]:
هذا سندٌ ضعيفٌ جدًّا مسلسلٌ بالضعفاءِ؛ فمحمدُ بنُ حمُيدٍ هو الرازيُّ؛ كَذَّبه أبو زرعةَ وغيرُهُ، ووَثَّقَهُ آخرون. وقال الذهبيُّ: "وثَّقَهُ جماعةٌ، والأَوْلَى تركه"، وضَعَّفَهُ الحافظُ في (التقريب ٥٨٣٤)، وأَعلَّ به هذه الرواية في (الفتح ١/ ٤٣٥).
وأما شيوخ ابن حميد:
فعلي بن مجاهد الكندي الرازي الكابلي، وهو "متروك" كما في (التقريب ٤٧٩٠).
وإبراهيم بن المختار، وهو "ضعيفُ الحفظِ" كما في (التقريب ٢٤٥).
وسلمة بن الفضل "صدوقٌ كثيرُ الخطأ"، كما في (التقريب ٢٥٠٥).
ورغم ذلك حَسَّنَ إسنادَهُ مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٢٤).
وقد خالفهم إبراهيم بن سعد الزهري -وهو ثقةٌ حجةٌ من رجالِ الشيخين كما في (التقريب ١٧٧) -؛ فرواه عنِ ابنِ إسحاقَ، قال: حدثني يحيى بن عباد به، بغيرِ هذا اللفظِ كما في الرواية السابقة.
وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا حَيْثُمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ)).
فَقَالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: وَكَانَ أُسَيْدٌ رَجُلًا صَالِحًا فِي بَيْتٍ مِنَ الأَوْسِ عَظِيمٍ.
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياقِ، وإسنادُهُ تالفٌ، وقصةُ ضياعِ العِقْدِ ونُزُولِ آيةِ التَّيَمُّمِ صحيحٌ كما تقدَّمَ.
[التخريج]: [واقدي (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧)].
[السند]:
قال الواقديُّ: حدثني يعقوب بن يحيى بن عباد، عن عيسى بن معمر، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ؛ فيه ثلاثُ عِللٍ:
الأولى: الواقديُّ محمد بن عمر بن واقد، وهو متروكٌ متهمٌ بالكذبِ ووضعِ الحديثِ.
الثانية: شيخه؛ يعقوب بن يحيى بن عباد بن الزبير، قال فيه الحافظ: "مجهولُ الحالِ" (التقريب ٧٨٣٦).
الثالثة: شيخه؛ عيسى بن معمر الحجازي، قال فيه الحافظ: "لَيِّن الحديث" (التقريب ٥٣٢٧).
وقد خُولِفَ ممن هو أوثق منه، وهو يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير؛ فرواه عن أبيه بغير هذا السياق كما تقدَّمَ.
стр. 13075
رِوَايَةُ بالمُعَّرس
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَتْ: ((أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةٍ لَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالمُعَرَّسِ قريبًا مِنَ المَدِينَةِ نَعِسْتُ مِنَ اللَّيْلِ، وَكَانَتْ عَلَيَّ قِلَادَةٌ تُدْعَى السِّمْطَ تَبْلُغُ السُّرَّةَ، فَجَعَلْتُ أَنْعَسُ، فَخَرَجَتْ مِنْ عُنُقِي، فَلَمَّا نَزَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَرَّتْ قِلَادَتِي مِنْ عُنُقِي. فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أُمَّكُمْ قَدْ ضَلَّتْ قِلَادَتَهَا، فَابْتَغُوهَا))، فَابْتَغَاهَا النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَاشْتَغَلُوا بِابْتِغَائِهَا إِلَى أَنْ حَضَرَتْهُمُ الصَّلَاةُ، وَوَجَدُوا القِلَادَةَ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَاءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَيَمَّمَ إِلَى الكَفِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَيَمَّمَ إِلَى المَنْكِبِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى جَسَدِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ)).
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياقِ، وضَعَّفَهُ بدرُ الدينِ العينيُّ.
[التخريج]: [طح (١/ ١١١)].
[السند]:
أخرجه الطحاويُّ قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود حدَّثَه أنه سمع عروة يخبره عن عائشة به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه عبد الله بن لهيعة، والعمل على تضعيف حديثه كما تقدَّمَ مِرارًا.
وبه أعلَّه العينيُّ في (نخب الأفكار ٢/ ٤٠٥).
стр. 13076
وفيه -أيضًا- أحمد بن عبد الرحمن، هو ابنُ أخي ابن وهب، روى له مسلمٌ، ووثَّقَهُ جماعةٌ، وخلط بأخرة في أحاديث لكنه رَجَعَ عنها، وقد تكلَّمَ فيه أهلُ بلدِهِ لأجلِ تفرده عن عمِّه بأحاديثَ. انظر ترجمته من (تهذيب التهذيب ١/ ٤٨).
قال ابنُ عَدِيٍّ: ((ومَنْ ضَعَّفَهُ أنكر عليه أحاديث وكثرة روايته عن عمِّه، وحرملة أكثر رواية عن عمِّه منه، وكل ما أَنْكَرُوه عليه فمحتملٌ وإن لم يروه عن عمِّه غيره، ولعلَّه خَصَّه به)) اهـ. (التهذيب ١/ ٤٨).
وقال الحافظُ: "صدوقٌ، تغيَّر بأَخَرَةٍ" (التقريب ٦٧).
قلنا: وسياقُ هذا الحديثِ منكرٌ يُخَالفُ روايات الثقات الذين رووا قصة عائشة ﵂، فالثابتُ من روايةِ الثقاتِ أن الصحابةَ الذين ذهبوا يتفقدون العِقْدَ صلَّوا بلا وُضُوءٍ ولا تَيَمُّمٍ -لأنه لم يكن قد شُرع بعد- حتى نزلت الآيةُ بمشروعيةِ التَّيَمُّمِ، فكيفَ عرفَ الصحابةُ التَّيَمُّمَ قبلَ أن يُشْرَعَ لهم؟ ! !
وذَهَبَ الطحاويُّ إلى أن آيةَ التَّيَمُّمِ لم تَنْزِلْ كاملةً، بل نَزَلَ الأمرُ بالتَّيَمُّمِ، فَتَيَمَّمُوا هذا التَّيَمُّمَ المختلف فيه، ثم نَزَلَ بعد ذلك صفة التَّيَمُّمِ، وهذا يرده ما في الصحيحِ أن آيةَ التَّيَمُّمِ نزلتْ كاملةً.
وفي المتنِ نكارةٌ أُخرى، وذلك في قولها: ((فَلَمَّا نَزَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ خَرَّتْ قِلَادَتِي مِنْ عُنُقِي))؛ فالثابتُ في (الصحيح) أَنَّها أَخْبَرتِ النبيَّ ﷺ بذلك قبل صلاة الصبح بكثير، وفي روايةِ ابنِ إسحاقَ أنَّ ذلك كان في السَّحرِ.
وكذلك قولها: ((وكَانَتْ عَلَيَّ قِلَادَةٌ تُدْعَى السِّمْطَ، تَبْلُغُ السُّرَّةَ))، فهذا مما تفرَّدَ به ابنُ لهيعةَ، ولم يذكره في الحديثِ أحدٌ غيره.
стр. 13077
والحملُ في هذا الحديثِ على ابنِ لهيعةَ وإن كان من روايةِ أحدِ العبادلةِ عنه؛ فإن مخالفةَ الراوي لمن هو أوثق وأحفظ، أو لمن هم أكثر عددًا دليل على خطأ روايته، وإن كان ثقة، فكيف بمن تُكلم فيه؟!!
رِوَايَةُ وَالمَاءُ بَعِيدٌ
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَتْ: ((بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ إِذْ سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي، فَأَقَمْتُ فِي طَلَبِهَا فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا حَبَسَكِ؟! قُلْتُ: سَقَطَتْ قِلَادَتِي، فَأَقَمْتُ فِي طَلَبِهَا فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا! فَقَالَ: قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ قِلَادَةٍ، حَبَسَتِ النَّاسَ، وَالمَاءُ بَعِيدٌ!! فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ مَا يَقُولُ، فَقَالَ: ((مَا هَذَا؟)) فَقُلْتُ: سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي. قَالَتْ: فَأُنِيخَ بَعِيرِي وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فَصَلَّيْنَا الصُّبْحَ وَبُعِثَ بَعِيرِي. فَإِذَا أَنَا بِالقِلَادَةِ)).
[الحكم]: ضعيفٌ.
[التخريج]: [حق ١٢٦٥/ سراج ٣/ طبر (٧/ ٧٩) (١) / ثعلب ١١٤٣].
[السند]:
رواه إسحاقُ بنُ راهويه -ومن طريقه السراج-، قال: أخبرنا النضر، نا صالح بن رستم، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به.
стр. 13078
ورواه الطبريُّ من طريقِ ابنِ أبي عَدِي.
والثعلبيُّ من طريقِ روحِ بنِ عُبادة.
كلاهما عن أبي عامر صالح بن رستم، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: صالح بن رستم المزني أبو عامر الخزاز، مختلفٌ فيه، ولخَّص حالَهُ الحافظُ فقال: "صدوقٌ كثيرُ الخطأ" (التقريب ٢٨٦١).
وقد أخطأَ في سندِهِ ومَتْنِهِ، وهي العلةُ الثانيةُ:
أما السندُ: فقد خالفه من هو أوثق منه، وهو أيوب السختياني -ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، (التقريب ٦٠٥) -؛ فرواه عنِ ابنِ أبي مليكةَ مرسلًا، كما سيأتي.
وأما المتنُ: فالمحفوظُ فيه ما في الصحيح أنهم صلَّوا الصبح بغيرِ وُضُوءٍ ولا تَيَمُّمٍ، حتَّى نَزَلتْ آيةُ التيممِ وليس العكس، كما سبقَ، وكذا ليس فيه: ((قَبَّحَهَا اللَّهُ مِنْ قِلَادَةٍ)).
стр. 13079
٣٠٢٦ - حَدِيثُ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ مرسلًا
◼ عَنِ ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَفَقَدَتْ عَائِشَةُ قِلَادَةً لَهَا، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالنُّزُولِ، فَنَزَلُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: شَقَقْتِ عَلَى النَّاسِ -وَقَالَ أَيُّوبُ بِيَدِهِ، يَصِفُ أَنَّهُ قَرَصَهَا-، قَالَ: وَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، وَوُجِدَتِ القِلَادَةُ فِي مُنَاخِ البَعِيرِ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا رَأَيْنَا قطُّ امْرَأَةً أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهَا)).
[الحكم]: ضعيفٌ لإرسالِهِ.
[التخريج]: [طبر (٧/ ٧٦)].
[السند]:
قال الطبريُّ: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوب، عنِ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ به، مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ إلا أنه مرسلٌ؛ فابنُ أبي مليكةَ من الوسطى من التابعين، فلم يشهدْ هذه القصةَ.
التَّيَمُّمِ كثيرةُ الاضطرابِ، وإن كان رواتُها ثقات، وقال ابنُ العربي: "لا يصحُّ"، وقال ابنُ حَجرٍ: "ذَكَر أبو داود عِلَّتَهُ والاختلافَ فيه" وقال المباركفوريُّ: "لا يصلحُ للاحتجاجِ".
[اللغة]:
((عَرَّسَ)): نَزَلَ ليلًا ليستريح (النهاية ٣/ ٤٣٦).
و((الجَزْع)) -بفتح الجيم وسكون الزاي-: خرز يمني (النهاية ١/ ٧٤٤).
و((ظفار)) -بكسر الظاء أو فتحها-: وهي اسم مدينة لحمير باليمن (النهاية ٣/ ٣٥٢).
[الفوائد]:
قال الخطابيُّ ﵀: "لم يختلفْ أحدٌ من أهلِ العلمِ أنه لا يلزمُ المُتَيَمِّمُ أن يمسحَ بالتُّرَابِ ما وراء المرفقين" (معالم السنن ١/ ٩٩).
وقال ابنُ بطالٍ: "وأما التيمم إلى المناكب، فالأمة فى جميع الأمصار على خلافه" (شرح صحيح البخارى ١/ ٤٨٠).
[التخريج]:
[د ٣٢٠ (واللفظ له) / ن ٣١٩ (والرواية الثانية له والثالثة له ولغيرِهِ والزيادة الأولى له ولغيرِهِ) / كن ٣٦٩ (والزيادة الثانية له) / جه ٥٦٣ (والزيادة الرابعة له ولغيرِهِ) / حم ١٨٣٢٢ (والرواية الثالثة له ولغيرِهِ) / مش ٤٤٩ (والزيادة الثالثة له ولغيرِهِ) / عل ١٦٢٩ (والرواية الأولى له ولغيرِهِ)، ١٦٣٣/ جا ١٢١/ طح (١/ ١١٠ - ١١١) / طحق ١٠٦ .... ].
стр. 13082
سيأتي تخريج الحديث وتحقيقه بمروياته تحت: (باب التيمم إلى المناكب والآباط).
رِوَايَةُ عبد الرحمن بن أبي بكر
• وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: ((جَاءَ عَائِشَةَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا. قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: ... )).
[الحكم]: ضعيفٌ بهذا التمامِ، وأصله في صحيح البخاري بغيرِ هذا السياقِ.
[التخريج]: [حب ٧١٥٠ (واللفظ له) / حل (٢/ ٤٥) / علو ٨٠].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ مدارُهُ على عبد الله بن عثمان بن خُثَيْمٍ، وقد اختُلفَ عليه في إسناده، وخولف في متنه:
فأما الاختلاف عليه في الإسناد؛ فقد رُوي عنه على وجهين:
الوجه الأول: عن ابنِ خُثَيْمٍ عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ، قال: جاء ابنُ عباسٍ يستأذنُ على عائشةَ ... فذكرَ الحديثَ بلفظِ الروايةِ الثانيةِ.
أخرجه أحمدُ في (المسند ١٩٠٥)، واللالكائي في (أصول الاعتقاد ٢٧٥٤) من طريقِ سفيانَ بنِ عيينةَ عن معمرٍ.
وأخرجه الطبريُّ في (التفسير) عن الحسنِ بنِ شبيبٍ.
وأخرجه الحاكمُ في (المستدرك ٦٨٩٥) من طريقِ الحميديِّ.
وأخرجه أبو نعيمٍ في (الحلية ٢/ ٤٥) -معلقًا- عن الحسينِ بنِ عليٍّ (وهو الجُعْفي).
-ثلاثتهم- عن سفيانَ بنِ عيينةَ.
стр. 13087
وأخرجه ابنُ حِبَّانَ (٧١٥٠)، وأبو نعيمٍ في (الحلية ٢/ ٤٥) -ومن طريقه ابنُ قدامةَ في (صفة العلو ٦٥) - من طريقِ يحيى بنِ سُليمٍ الطائفيِّ.
ثلاثتهم (معمر، وسفيان، ويحيى) عن عبد الله (١) بن عثمان بن خُثَيْمٍ عنِ ابنِ أبي مليكةَ، به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الصحيحِ، عدا ابن خُثَيْمٍ، وهو مختلفٌ فيه، كما سيأتي.
وقد وقعَ وهم في رواية يحيى بنِ سُليمٍ، وذلك في ذكرِ مَن شفع لعائشةَ لدخولِ ابنِ عباسٍ حيثُ قال ابنُ أبي مليكةَ: " ... قال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ ... " كما في الروايةِ الثالثةِ.
وهذا بلا شَكٍّ وهم فاحش؛ وذلك أن عبد الرحمن بن أبي بكر أخا عائشة قد مات قبلها، فكيف له أن يحضر وفاتها؟ ! وهذا من أوهام يحيى بن سليم أو من شيخه ابن خُثَيْمٍ، كما سيأتي.
الوجه الثاني: قد رُوي عنه تارة أخرى بزيادة راوٍ في إسنادِهِ:
فرواه ابنُ خُثَيْمٍ عنِ ابنِ أبي مليكةَ عن ذكوانَ مولى عائشةَ، أنه استأذن لابنِ عباسٍ ... فذكره بلفظ الروايةِ الأُولى.
أخرجه أحمدُ في (المسند ٣٢٦٢)، وفي (فضائل الصحابة ١٦٣٩) -ومن طريقه الواحديُّ في (أسباب النزول ١/ ٣٢٣)، وابنُ حجرٍ في (نتائج
стр. 13088
الأفكار ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥) - عن عبد الرزاق عن معمر (١).
وأخرجه أحمدُ في (المسند ٢٤٩٦) -ومن طريقه ابنُ الجوزي في (التبصرة ١/ ٤٧٣) - والطبرانيُّ في (المعجم الكبير ١٠٧٨٣)، وابنُ بشران في (أماليه ٥)، من طريق زائدة بن قدامة.
وأخرجه ابنُ سعدٍ في (الطبقات ١٠/ ٧٤) (٢)، والدارميُّ في (الرد على الجهمية ٨٤)، والطبري في (التفسير ٧/ ٧٧) من طرق عن زهير بن معاوية.
وأخرجه أبو يعلى (٣) في (مسنده ٢٦٤٨)، وابن أبي الدنيا في (المحتضرين ٢١٧) من طريق بشر بن المفضل الرقاشي.
جميعهم (معمر، وزائدة، وزهير، وبشر) عن ابن خثيم عن ابن أبي مليكة عن ذكوان، به.
وهذا إسنادٌ رجاله ثقات رجال الشيخين، عدا عبد الله بن عثمان بن خُثَيْمٍ، وهو مختلفٌ فيه كما قال الحافظُ في (مقدمة الفتح صـ ٤٥٧).
قلنا: وَثَّقَهُ ابنُ معينٍ، والنسائيُّ، وابنُ سعدٍ، والعجليُّ، وقال البزارُ: "رجلٌ من أهلِ مكةَ مشهورٌ حسنُ الحديثِ لا نعلمُ أحدًا ترك حديثه"، وفي رواية أُخرَى عنِ ابنِ مَعينٍ قال: "أحاديثُه ليستْ بالقويةِ"، وقال النسائيُّ -
стр. 13089
أيضًا في رواية أخرى-: "ليس بالقويِّ" وقال أيضًا: "لينُ الحديثِ"، وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ -فيما حكاه عنه الفسويُّ-: "يحتمل"، وقال أبو حاتم: "ما به بأس، صالح الحديث"، وقال مرة أخرى -فيما حكاه عنه الذهبيُّ-: "لا يُحتجُّ به"، وقال عليُّ بنُ المدينيِّ: "منكرُ الحديثِ"، وضَعَّفَهُ الدارقطنيُّ، وقال ابنُ البرقي: "ليس بالقويِّ"، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات) وقال: "يُخطئُ"، وقال الطحاويُّ: "وهو رجلٌ مطعونٌ في روايته، منسوبٌ إلى سوءِ الحفظِ، وإلى قلةِ الضبطِ ورداءة الأخذ"، ولخَّصَ حالَهُ الحافظُ في (التقريب ٣٤٦٦) فقال: "صدوقٌ"، وفي (نتائج الأفكار ٤/ ٢٣٥) قال: "صدوقٌ، في حفظه شيء".
وانظر، (السنن الصغرى للنسائي ٥/ ٢٦٢، ٨/ ٧١)، و (مسند البزار ١١/ ٢٩٤)، و (شرح مشكل الآثار (٧/ ٣٧٠)، و (المعرفة والتاريخ ٢/ ١٧٤)، (الإلزامات والتتبع صـ ٣٥٢)، (تهذيب التهذيب ٥/ ٣١٥)، (ميزان الاعتدال ٢/ ٤٥٩)، (المغني في الضعفاء ١/ ٣٤٦).
فالراجح فيه: أنه صدوقٌ في حفظه شيء كما قال الحافظ؛ ولذا لا يُقبلُ ما ينفردُ به كما قال الزيلعيُّ (نصب الراية ١/ ٣٥٣).
قلنا: وقد خُولِفَ ابنُ خُثَيْمٍ من عمرَ بنِ سعيدِ بنِ أبي حسينٍ -وهو ثقةٌ من رجالِ الشيخينِ كما في (التقريب ٤٩٠٥) -؛ فرواه عنِ ابنِ أبي مليكةَ، قال: ((استأذنَ ابنُ عباسٍ -قبل موتها- على عائشةَ وهي مغلوبةٌ، قالتْ: أَخْشَى أن يُثْنِي عليَّ! فقيل: ابنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ومن وجوهِ المسلمين. قالت: ائْذَنُوا لَهُ. فقال: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ إِنِ اتَّقَيْتُ! ! قال: ((فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ)). وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ خِلافَهُ، فَقَالَتْ: دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ
стр. 13090
فَأَثْنَى عَلَيَّ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نسْيًا مَنْسِيًّا)).
أخرجه البخاريُّ (٤٧٥٣)، وأحمدُ في (فضائل الصحابة ١٦٤٤)، وابنُ الحدادِ في (جامع الصحيحين ٣٢١٦) من طرقٍ عن يحيى بنِ سعيدٍ القطانِ.
وأخرجه ابنُ سعدٍ في (الطبقات) كما في (نتائج الأفكار ٤/ ٢٣٤) عن أبي أحمدَ الزبيريِّ.
كلاهما -القطان والزبيري- عن عمرَ بنِ سعيدٍ به.
ففي روايةِ ابنِ خُثَيمٍ المتقدمة أن عائشةَ قالتْ لابنِ عباسٍ: لوددتُ أني كنتُ نسيًا مَنسيًّا! ! بخلافِ رواية عمر بن سعيد هذه، فإنها قالتها عقب انصراف ابن عباس.
وهذا يدلُّ على وَهْم ابنِ خُثَيمٍ، كما أنه زاد في إسنادِهِ ذكوان،
وأيضًا زاد في متنه أشياء، منها سقوط القلادة ليلة الأبواء، وأشياء غيرها.
وبذلك أشارَ ابنُ حجرٍ إلى إعلال روايته؛ فقال: "ورواه عبد الله بن عثمان بن خثيم -بمعجمة مثلثة مصغر- عنِ ابنِ أبي مليكةَ، فزادَ في السندِ رجلًا وفي المتنِ أشياء ... وابنُ خُثيَمٍ صدوقٌ، في حفظه شيء، وعمر بن سعيد أثبتُ منه" (نتائج الأفكار ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
[تنبيه]:
قال أبو نعيمٍ -عقب رواية عبد الله بن عثمان بن خثيم-: "ورواه يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، عن عمرَ بنِ سعيدٍ، عن ابنِ أبي مليكةَ، قال: استأذنَ ابنُ عباسٍ ... فذكر مثله" (الحلية ٢/ ٤٥).
стр. 13091
قلنا: هذا صنيعٌ غيرُ جيدٍ من أبي نعيمٍ لجعله رواية عمر بن سعيد بن أبي حسين -التي أخرجها البخاري كما تقدم- مثل رواية ابن خثيم؛ فبين اللفظين زيادات وفروق كما بينا سابقًا.
стр. 13092
٣٠٢٩ - حَدِيثُ أبي سلمة مرسلًا:
◼ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ -مُرْسَلًا-: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَضَلَّتْ قِلادَةً لَهَا فِي مَسِيرِهَا، وَنَزَلَتْ وَنَزَلُوا يَتْبَعُونَهَا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَهْلِي))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَهْلَكَ. فَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا فَنَعَسَ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَضْرِبُهَا وَيَقُولُ بِكِ وَبِكِ حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ! ! قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَالمَوْتُ لِي مِمَّا يَقُولُ أَبِي وَالمَوْتُ لِي أَنْ أَبْعَثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ! ! فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَقَالَ: أَصَلَّيْتُمْ؟ قُلْتُ: لَا. فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَاسْتَبَانَ القِلادَةَ هُنَاكَ، وَأُنْزِلَتِ التَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهَا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ فِي سَبَبِهَا.
[الحكم]: ضعيفٌ بهذا السياقِ، وأصلُ القصةِ ثابتٌ كما تقدَّمَ.
[التخريج]: [تد (٣/ ٣٥٩)].
[السند]:
رواه الرافعيُّ في (أخبار قزوين) -معلقًا- عن علي بن الحسين بن علي الرفائي، عن محمد بن نصر بن أحمد بن مُكْرَم المُعَدَّل، عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا هارون بن عبد الله، ثنا عبد الصمد -يعني ابنَ عبدِ الوارثِ- ثنا حرب -يعني ابنَ شدادٍ- ثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة أن عائشة ... به.
[التحقيق]:
هذا الإسنادُ -فيما أُبرزَ منه- رجاله ثقات، غير علي بن الحسين بن علي
стр. 13093
الرفائي القصبري؛ فلم نقفْ على مَن ترجمَ له إلا الرافعي، وقد أثنى عليه فقال: "فاضلٌ مكثرٌ منَ الحديثِ وغيره، وارتحل إلى بغدادَ ومصرَ".
قلنا: ولكنه ضعيفٌ لإرساله؛ أبو سلمة هو ابنُ عبد الرحمن، تابعيٌّ لم يدركِ النبيَّ ﷺ .
стр. 13094
٣٠٣٠ - حَدِيثُ عروة أو غيره مرسلًا:
◼ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: ((سَقَطَ عِقْدٌ لِعَائِشَةَ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعْشَرًا يَبْتَغُونَهُ، فَأَدْرَكَهُمُ الصُّبْحُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ طُهُورٍ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ)).
قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، قَالَ: مَرَّ أَبُو بَكْرٍ بِعَائِشَةَ فَقَالَ: ((حَبَسْتِ النَّاسَ وَعَنَّيْتِيهُمْ)). قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَهُ أَيُّوبُ أيضًا، قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ التَّيَمُّمُ سُرَّ بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: ((مَا عَلِمْتُكِ لَمُبَارَكَةٌ، مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ﵎ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا)).
[الحكم]: متنُه صحيحٌ يشهدُ له ما سبقَ، وإسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [عب ٨٨٧ (واللفظ له) / طب (٢٣/ ٤٩/ ١٣٠)].
[السند]:
رواه عبد الرزاق -ومن طريقه الطبراني-، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه أو غيره، به.
وروى معمرٌ بعضَه عن أيوبَ السختيانيِّ- مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: الإرسالُ؛ فعروةُ بنُ الزبيرِ وأيوبُ تابعيان لم يدركا النبي ﷺ .
стр. 13095
الثانية: روايةُ معمرٍ عن هشامِ بنِ عروةَ وأيوبَ متكلَّمٌ فيها؛ قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: "ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابتٍ، والأعمشِ، وهشامِ بنِ عروةَ، شيئًا. وكذا فيما حَدَّثَ به بالبصرةِ" (التقريب ٦٨٠٩).
فلعلَّه من أجلِ ذلك شَكَّ في روايته عن هشام: "عن أبيه، أو غيره".
بل خُولِفَ منَ الجماعةِ -حماد بن أسامة، وعبدة بن سليمان، وابن نمير، ومحمد بن بشر، وغيرهم- فرووه عن هشامٍ عن أبيه عن عائشةَ، كما تقدَّمَ.