(الاستذكار ٣/ ١٤٦)، و (التمهيد ١٩/ ٢٧٠).
وقال ابنُ تيميةَ: "وقد اتَّفقَ المسلمون على أنه إذا لم يجدِ الماءَ في السَّفرِ تَيمَّمَ وصلَّى إلى أن يجدَ الماءِ فإذا وجدَ الماءَ فعليه استعماله. وكذلك تيمم الجنبِ، ذهبَ الأئمةُ الأربعةُ وجماهيرُ السَّلفِ والخلفِ إلى أنه يتيممُ إذا عدم الماء في السَّفرِ إلى أن يجدَ الماءَ، فإذا وجده كان عليه استعماله" (مجموع الفتاوى ٢١/ ٣٥٠ - ٣٥١).
[التخريج]:
[خ ٣٤٤ (مطولًا)، ٣٤٨ (واللفظ له) / م (٦٨٢/ ٣١٢) / ن ٣٢٥/ كن ٣٨٠/ حم ١٩٨٩٨/ مي ٧٦١/ خز ١٢١، ٢٨٨، ١٠٤٥، ١٠٥٧/ حب ١٢٩٦، ١٢٩٧/ ...... ].
وسبق تخريجه وتحقيقه برواياته تحت باب "مشروعية التيمم".
هقخ ٨٢٨، ٨٢٩/ هق ١٠٧٩/ هقع (٢/ ٣٨) / هقغ ٢٣٨/ ضيا (١٠/ ٢٧٦/ ٣١٤، ٢١٥)].
[السند]:
أخرجه ابنُ خزيمةَ -وعنه ابنُ الجارودِ- فقال: نا يوسف بن موسى، نا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به مرفوعًا.
ورواه الحاكمُ في (المستدرك) -وعنه البيهقيُّ في (الخلافيات)، و (الصغرى) - من طريق إسحاق بن إبراهيم.
ورواه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات) - من طريق محمد بن عيسى الطباع.
كلاهما (إسحاق، والطباع) عن جرير به.
ومداره عندهم على جرير عن عطاء به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه عطاء بن السائب: "صدوقٌ اختلطَ" (التقريب ٤٥٩٢)، فإنما يُقبلُ من حديثه ما كان قبل اختلاطه، ورواية جرير بن عبد الحميد عنه بعد الاختلاط.
قال أبو طالب: "سألتُ أحمدَ -يعني ابنَ حنبلٍ- عن عطاءِ بنِ السائبِ، قال: مَن سمعَ منه قديمًا كان صحيحًا، ومَن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا: شعبة، وسفيان، وسمع منه حديثًا: جرير، وخالد بن عبد الله، وإسماعيل -يعني ابنَ عليةَ-، وعلي بن عاصم؛ فكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يعرفها".
وقال يحيى بنُ معينٍ: "عطاء بنُ السائب اختلطَ، فمَن سمعَ منه قديمًا فهو
стр. 13306
صحيحٌ، وما سمع منه جرير وذووه ليس من صحيح حديث عطاء".
وقال أبو حاتم: "كان عطاء بن السائب محله الصدق قديمًا، قبل أن يختلطَ، صالح مستقيم، الحديث ثم بأَخرة تغيَّر حفظه، في حديثه تخاليط كثيرة، وقديم السماع من عطاء: سفيان، وشعبة، وحديث البصريين الذين يحدثون عنه تخاليط كثيرة، لأنه قدم عليهم في آخر عمره" (الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٣، ٣٣٤).
قلنا: وقد خُولف جريرٌ، فرواه جماعةٌ عن عطاءٍ عن سعيدٍ عن ابنِ عباسٍ قوله، لم يرفعوه إلى النبيِّ ﷺ ، وهم:
١ - أبو الأحوص كما عند ابن أبي شيبة في (المصنف ١٠٧٦).
٢ - زائدة بن قدامة كما عند الطحاوي في (أحكام القرآن ٧٠).
٣ - شجاع بن الوليد كما عند ابن أبي حاتم في (التفسير ٥٣٦٢)، وابن المنذر في (تفسيره ١٨١٣).
٤ - عمار بن زُرَيق كما عند الأزهري في (الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي صـ ٣٥).
٥ - علي بن عاصم كما عند البيهقيِّ في (السنن الكبير ١٠٨٠).
٦، ٧ - ورقاء وأبو عوانة كما ذكره الدارقطنيُّ في (السنن ١/ ٣٢٧).
٨ - إبراهيم بن طهمان كما ذكره البيهقيُّ في (السنن الكبير ٢/ ١٨٤).
٩ - عاصم الأحول -على اختلافٍ عليه- كما عند الدارقطنيِّ في (السنن ٦٧٩، ٦٨٠).
فرووه -تسعتُهم- عن عطاء بن السائب عن سعيد عن ابنِ عباسٍ قولَهُ،
стр. 13307
ولا شَكَّ أن روايتَهم أرجحُ، فكيف وقد تُوبع عطاءٌ على الوقفِ، كما سيأتي؟ ! وكذا رواه جريرٌ على الصوابِ كما عند الدارقطنيِّ في (السنن ٦٧٨) فقال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا يوسف بن موسى، نا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ... الحديث.
والحسين شيخ الدارقطني هو المحاملي، من الثقات، غير أن ابنَ خزيمةَ والبزارَ قد خالفاه فروياه عن يوسف بن موسى عن جريرٍ به مرفوعًا، كما سبقَ، وكذا تابعهما عباس بن حمدان على الرفع كما عند الضياء في (المختارة ١٠/ ٢٦٧)، وجعفر الشاماتي كما ذكر البيهقيُّ (السنن الكبير ٢/ ١٨٤).
قلنا: وقد رجَّحَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ الوقفَ.
فقال ابنُ خُزيمةَ: "هذا خبرٌ لم يرفعه غير عطاء بن السائب" (الصحيح ١/ ٢٥٥).
وقال البزارُ: "وهذا الحديثُ لا نعلمه يُروى بهذا اللفظِ إلا عن ابن عباس بهذا الإسناد، ولا نعلمُ أسند هذا الحديث رجل ثقة عن عطاء بن السائب غير جرير" (المسند ١١/ ٢٦٨).
وقال ابنُ أبي حاتم: "وسألتُ أبي وأبا زرعة عن حديثٍ رواه علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ (١) في المجدور والمريض إذا خاف على نفسه، تيمم، قال
стр. 13308
أبو زرعة: ورواه جريرٌ أيضًا، فقال: عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس -رفعه- في المجدور. قال: إن هذا خطأ؛ أخطأ فيه علي بن عاصم.
ورواه أبو عوانة، وورقاء، وغيرهما، عن عطاء بن السائب، عن سعيد، عن ابن عباس، موقوفًا، وهو الصحيح" (العلل ١/ ٤٥٩)، وأقرَّهُ ابنُ حَجرٍ في (إتحاف المهرة ٧/ ٧٠).
وصوَّبَ الوقفَ أيضًا: الدارقطنيُّ في (السنن ١/ ٣٢٧)، والبيهقيُّ في (السنن الكبير ٢/ ١٨٤).
وقال ابنُ سيدِ الناسِ: "عطاء بن السائب من المختلطين بأَخَرَةٍ، وجريرٌ عندهم ممن رَوى عنه بعد الاختلاطِ، وغيره من أصحاب عطاء يروونه عن (١) موقوفًا، وهو الصوابُ عند الرَّازيين فيما حكاه عنهما عبد الرحمن بنُ أبي حاتم" (النفح الشذي ٣/ ٧٧).
وقال كمالُ الدينِ الدميريُّ: "إسنادُهُ حسنٌ، لكن الأصح وقفه عليه" (النجم الوهاج في شرح المنهاج ١/ ٤٤٩)، وبنحوه الخطيب الشربيني في (مغني المحتاج ١/ ٩٢).
وقال الصنعانيُّ: "لا يتم رفعه" (سبل السلام ١/ ١٤٥).
وقال الألبانيُّ: "قال ابنُ خزيمةَ: (لم يرفعه غير عطاء بن السائب)، وذكرَ البيهقيُّ أنه رواه عنه جمعٌ موقوفًا. قلتُ: وقال الدارقطنيُّ: (وهو الصوابُ). ولكنَّه في حكمِ المرفوعِ؛ لأنه في التفسير، ولا سيما أنه من ترجمان القرآن ابن عباس ﵄" (صحيح أبي داود ٢/ ١٦٤).
стр. 13309
قلنا: تفسير ابن عباس لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ اجتهادٌ منه في تفسيرِ المرضِ الذي يُباحُ له التيممُ، فلا يستقيمُ أن يكون له حكم الرفع، وقدِ اشترطَ العلماءُ فيما كان فيه تفسير الصحابي له حكم الرفع أن يكون فيه تصريح بسبب النزول.
قال السخاويُّ: "وإنما كان كذلك لأن من التفسير ما ينشأ عن معرفة طرق البلاغة واللغة كتفسير مفرد بمفرد، أو يكون متعلقًا بحكمٍ شرعيٍّ، ونحو ذلك مما للرأي فيه مجال، فلا يُحكم لما يكون من نحو هذا القبيل بالرفع؛ لعدم تحتم إضافته إلى الشارع.
أما اللغة والبلاغة: فلكونهم في الفصاحة والبلاغة بالمحل الرفيع.
وأما الأحكام: فلاحتمال أن يكون مستفادًا من القواعد، بل هو معدود في الموقوفات" (فتح المغيث ١/ ١٥٦ وما بعدها).
وقال ابنُ القصار: "وأما تفسيرُ ابنِ عباسٍ فلا يلزمُ؛ لأنه لم يذكره عن الله تعالى ولا عن رسوله" (عيون الأدلة ٣/ ١١٨٢).
كما أن ابنَ عباسٍ قد خالفه صحابيٌّ آخرُ في المجروحِ، هل يتيمم أو يغسل؟ فذهبَ ابنُ عمرَ إلى أن المجروحَ يمسحُ موضعَ الجرحِ ويغسل الباقي، فقال: ((مَنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ مَعْصُوبٌ فَخَشِيَ عَلَيْهِ العَنَتَ، فَلْيَمْسَحْ مَا حَوْلَهُ وَلا يَغْسِلْهُ)). أخرجه ابنُ أبي شيبةَ في (المصنف ١٤٥٨) قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ.
ورواه ابنُ المنذرِ في (الأوسط ٥٢٢)، والبيهقيُّ في (السنن الكبير ١٠٩٢، ١٠٩٣) من طريق هشام بن الغاز، به. ولفظه عند البيهقيِّ: ((مَنْ كَانَ لَهُ جُرْحٌ
стр. 13310
مَعْصُوبٌ عَلَيْهِ، تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى العِصَابِ وَيَغْسِلُ مَا حَوْلَ العِصَابِ)).
فهذا ابنُ عمرَ يرى أن المجروحَ يمسحُ على موضعِ الجرحِ فقط ثم يغسلُ الباقي، فليس اجتهاد ابن عباس في تفسير الآية بأولى من اجتهاد ابن عمر في المجروح، والله أعلم.
قلنا: ويجابُ بنحوه على مغلطاي حيث قال: ((وفي كتاب الدارقطني: ثنا بدر بن الهيثم، ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا عبدة بن سليمان عن عاصم الأحول عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس قال: رُخِّص للمريضِ التيمم بالصعيد ... إلى أن قال: قوله: رُخِّص -بضم الراء- غالبًا إنما يُعزى لسيدنا محمد ﷺ ، كقوله: (أُمِرَ بلالٌ)؛ لأنه ليس لأحدٍ أن يسن أو يرخص غيره" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧).
فلعلَّ ابنَ عباسٍ أرادَ بالرخصةِ ما جاء في كتاب الله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، كما هو ظاهر، والله أعلم.
قلنا: وقد ضَعَّفَ الحديثَ غيرُ مَن تقدَّم، منهم عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٢٣)، وابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٣/ ١١٨ - ١٢١)، وابنُ التركماني في (الجوهر النقي ١/ ٢٢٤)، وابنُ الملقنِ في (البدر المنير ٢/ ٦٧١ - ٦٧٢).
[تنبيه]:
سقطتْ من (السنن الصغير) للبيهقيِّ طبعة الرشد: صيغةُ التحملِ بين عبد الله بن محمد، وإسحاق بن إبراهيم.
كما تصحَّفتْ -عنده أيضًا- كلمةُ (رفعه) إلى (بعد)، وقد وردتْ على
стр. 13311
الصوابِ في طبعة جامعة الدراسات الإسلامية (١/ ٩٦)، وأيضًا عند الحاكمِ في (المستدرك)، حيث أخرجها البيهقيُّ عنه.
стр. 13312
٣٠٦٥ - حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ موقوفًا
◼ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، قَالَ: ((إِذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القُرُوحُ أَوِ الجُدَرِيُّ، فَيُجْنِبُ فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ (يُؤْذِيهِ أَذًى شَدِيدًا) إِنْ [تُوَضَّأَ أَوِ] اغْتَسَلَ يَتَيَمَّمُ [وَلْيُصَلِّ])).
[الحكم]: صحيحٌ موقوفٌ.
[التخريج]:
[ش ١٠٧٦/ أزهري (صـ ٣٥) (والزيادة الأولى والرواية له) / تمنذ ١٨١٣/ طحق ٧٠/ حا ٥٣٦٢/ قط ٦٧٨ (واللفظ له) / هق ١٠٨٠ (والزيادة الثانية له)].
[السند]:
قال ابنُ أبي شيبةَ في (المصنَّف): حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.
ورواه الطحاويُّ في (أحكام القران) من طريق زائدة بن قدامة،
ورواه ابنُ المنذرِ في (التفسير)، وابنُ أبي حاتمٍ في (التفسير) من طريق شجاع بن الوليد.
ورواه الأزهريُّ في (الزاهر) من طريق عمار بن زريق.
ورواه الدارقطنيُّ في (السنن) من طريق عاصم الأحول.
ورواه البيهقيُّ في (السنن) من طريق علي بن عاصم.
خمستُهم (زائدة، وشجاع، وعمار، وعاصم، وعلي بن عاصم) عن عطاء
стр. 13313
ابن السائب به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات، غير عطاء بن السائب، تقدَّم القولُ فيه، وأنه اختلطَ، وجميع مَن ذُكر ممن حمل عنه بعد اختلاطه، إلا زائدة بن قدامة.
قال الطبرانيُّ: "ثقةٌ اختلطَ في آخرِ عمره، فما رواه عنه المتقدَّمون مثل سفيان وشعبة وزهير وزائدة فهو صحيحٌ" (إكمال تهذيب الكمال ٩/ ٢٤٧)، و (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٠٧).
وقال الحافظُ: "تحصَّلَ لي من مجموعِ كلامِ الأئمةِ أن روايةَ شعبةَ، وسفيانَ الثوريِّ، وزهيرِ بنِ معاويةَ، وزائدةَ، وأيوبَ، وحمادِ بنِ زيدٍ، عنه قبلَ الاختلاطِ، وأن جميعَ مَن رَوى عنه غير هؤلاء فحديثُه ضعيفٌ؛ لأنه بعد اختلاطه، إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم فيه" (هدي الساري صـ ٤٢٥).
قلنا: ولم ينفردْ عطاءٌ به، بل توبع كما سيأتي في الرواياتِ القادمةِ.
стр. 13314
رِوَايَةُ رُخِّصَ
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((رُخِّصَ لِلْمَرِيضِ التَّيَمُّمُ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ مَجْدُورًا كَأَنَّهُ صَمْغَةٌ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟)).
وَفِي رِوَايَةٍ ٢: ((فِي المَجْدُورِ وَأَشْبَاهِهِ إِذَا أَجْنَبَ، قَالَ: يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ)).
[الحكم]: صحيحٌ موقوفٌ.
[التخريج]:
[عب ٨٧٧، ٨٨٢/ صلاة ١٥٨ (واللفظ له) / منذ ٥٢٠/ بز ٥٠٧٦/ معر ٧٢٤/ جعفر ٦٥٧/ قط ٦٧٩، ٦٨٠/ هقخ ٨٣٠ - ٨٣٢/ هق ١٠٨١، ١٠٨٢ (والرواية الثالثة له) / ضيا (١٠/ ٣٣٧/ ٣٦٥)].
[التحقيق]:
له طريقان:
الطريق الأول: رواه عاصم الأحول، واختُلِفَ عليه على ثلاثةِ أوجهٍ:
الأول: عن سفيان الثوري عن عاصم عن قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
رواه عبد الرزاق في (المصنف ٨٧٧) -ومن طريقه: ابنُ المنذرِ في (الأوسط ٥٢٠)، والبيهقيُّ في (الخلافيات ٦٣٢) -، وأبو نُعيمٍ في (الصلاة ١٥٨) -ومن طريقه: البزارُ في (المسند ٥٠٧٦)، والبيهقيُّ في (الخلافيات ٨٣١) -، عن سفيانَ الثوريِّ به.
ورجالُهُ ثقاتٌ، ولكن قتادة دلَّسه فلم يسمعْه من سعيد بن جبير، بينهما عزرة، وهو
стр. 13315
الوجه الثاني: عن شعبة عن عاصم عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
رواه البيهقيُّ في (الكبير ١٠٨١) من طريق يحيى بن أبي بكير قال: سألتُ قتادةَ عن المجدور فقال: سُئِلَ عنها الشعبيُّ فقال: ذَهَبَ فرسانُها. قال: وقال سعيد بن جبير شيئًا فلم يحفظه، قال شعبة: وأخبرني عاصمٌ -يعني الأحولَ- عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال في المجدور: إنه يتيمم.
ثم رواه أيضًا في (الكبير ١٠٨٢) من طريق آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن عاصم الأحول، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في المجدور وأشباهه إذا أجنب، قال: يتيمم بالصعيد.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، عزرة هو ابن عبد الرحمن، ثقة كما تقدَّمَ قريبًا، ولكن خُولِفَ شعبة في إسنادِهِ، خالفه عبدةُ بنُ سليمانَ، وهو
الوجه الثالث:
رواه الدارقطنيُّ في (السنن ٦٧٩) فقال: حدثنا بدر بن الهيثم، نا أبو سعيد الأشج، ثنا عبدة بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((رُخِّصَ لِلْمَرِيضِ التَّيَمُّمُ بِالصَّعِيدِ)).
حدثنا المحاملي، قال: كَتَبَ إلينا أبو سعيدٍ الأشجُّ نحوه.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غير عطاء بن السائب فقد اختلطَ، ورواية عاصم عنه بعد الاختلاط، قال أبو حاتم: "كان عطاء بن السائب محله الصدقُ قديمًا، قبل أن يختلطَ، صالحٌ مستقيمُ الحديثِ، ثم بأَخَرَةٍ تغيَّر حفظه، في حديثِهِ تخاليطُ كثيرةٌ؛ وقديمُ السماعِ من عطاءٍ: سفيان، وشعبة؛ وحديث البصريين
стр. 13316
الذين يحدثون عنه تخاليط كثيرة، لأنه قَدِمَ عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابنُ فُضيلٍ ففيه غلطٌ واضطرابٌ، رَفَعَ أشياءَ كان يرويها عن التابعين، فرفعها إلى الصحابةِ" (الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٤).
وعاصمٌ الأحولُ بصريٌّ، فروايتُه تدخلُ في حديثِ البصريين.
ولكن هذا الوجه عن عطاء تابع عاصمًا عليه جماعة، منهم زائدة وأبو الأحوص وغيرهما كما تقدَّمَ في الروايةِ السابقةِ.
قلنا: والذي يترجَّحُ لنا أن الحديثَ محفوظٌ على الوجهين الأخرين، والله أعلم.
الطريق الثاني:
رواه عبد الرزاق في (المصنف ٨٨٢) عن ابن جريج، قال: أخبرني مَن أُصَدِّقُ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((إِنَّ رُخْصَةً لِلْمَرِيضِ فِي التَّمَسُّحِ بِالتُّرَابِ وَهُوَ يَجِدُ المَاءَ)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإبهام راويه عن سعيدٍ، ولكنه متابعٌ كما سبقَ، وانظر الآتي.
[تنبيه]:
وَقَعَ السندُ عند عبدِ الرزاقِ في (المصنف ٨٧٧) فقال: عن قتادة، عن سعيد بن جبير به. فسَقَطَ منه الثوريُّ عن عاصمٍ الأحولِ عن قتادةَ، وهو على الصواب عند ابن المنذر في (الأوسط ٥٢٠)، والبيهقي في (الخلافيات ٨٣٢) حيث روياه عن الدبري عن عبد الرزاق.
стр. 13317
رِوَايَةٌ
• وَفِي رِوَايَةٍ عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ قَالَ: ((المَرِيضُ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ تَيَمَّمَ)).
[الحكم]: حسنٌ لغيرِهِ.
[التخريج]: [حا (٣/ ٩٦٢/ ٥٣٧١)].
[السند]:
قال ابنُ أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا ابنُ نُمير، عن شَريك، عن السُّدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه شَريكُ بنُ عبدِ اللهِ النَّخَعيُّ، كان في حفظه سوء، قال ابنُ حَجرٍ: "صدوقٌ يُخطئُ كثيرًا، تغيَّر حفظُه منذُ ولي القضاء بالكوفة" (التقريب ٢٧٨٧).
وشيخه السُّدي، هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، "صدوقٌ يهمُ" (التقريب ٤٦٣).
стр. 13318
رِوَايَةُ أَفْتَى مَجْدُورًا بِالتَّيَمُّمِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أَفْتَى مَجْدُورًا بِالتَّيَمُّمِ)).
[الحكم]: حسنٌ لغيرِهِ.
[التخريج]: [مدونة (١/ ١٤٧)].
[السند]:
قال سحنون: قال ابن وهب: قال ابن أبي سلمة: وبلغني أن ابنَ عباسٍ به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ حيث رواه ابنُ أبي سلمةَ -وهو عبد العزيز بن الماجشون- بلاغًا كما هو مبينٌ، ولم يظهرْ لنا مَن بلَّغه ذلك.
والأثرُ جاء من طرقٍ أُخْرَى يُحسَّنُ بها كما تقدَّمَ في الرواياتِ السابقةِ.
[التحقيق]:
هذا الحديثُ له طريقان عن ابنِ عبَّاسٍ:
الطريق الأول: عن عطاء بن أبي رباح عنه، ورُوي عنه من ثلاثةِ أوجهٍ:
أشهرها: يرويه الأوزاعيُّ، واختُلِفَ عليه على خمسةِ أوجهٍ:
الوجه الأول: عن الأوزاعي، قال: ثنا عطاء بن أبي رباح، أنه سمع عبد الله بن عباس به. هكذا بصيغة التحديث بين الأوزاعي وعطاء.
رواه الحاكمُ في (المستدرك ٦٤١) -وعنه البيهقيُّ في (الخلافيات ٨٣٦) - فقال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان التَّنُوخي، ثنا بشر بن بكر، حدثني الأوزاعي به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ؛ ولذا قال الحاكمُ -عقبه-: "بِشرُ بنُ بكرٍ ثقةٌ مأمونٌ، وقد أقامَ إسنادَهُ، وهو صحيحٌ على شرطِ الشيخين ولم يخرجاه".
قال السخاويُّ: "وإقامته له من جهة تصريحه بالتحديث بحيث ثبت اتصاله بلا واسطة" (المقاصد الحسنة صـ ١٨٢).
وقال ابنُ الملقنِ: "فقد علمت رواية الحاكم الأخيرة وأنها جيدة لا مطعن فيها" (البدر المنير ٢/ ٦١٩).
قلنا: بشر بن بكر لم يُخَرِّج له مسلم شيئًا، وإنما انفردَ البخاريُّ بالإخراجِ له، وبشر مع جلالته وكثرة روايته عن الأوزاعي- قد وهم في ذكر التحديث، حيث خالفه جماعة من أصحاب الأوزاعي فرووه بغيرِ سماعٍ، كما سيأتي.
ولذا أشارَ الحاكمُ لضعفِ هذا الوجه بقوله: "وقد رواه الهِقْلُ بنُ زيادٍ وهو من أثبتِ أصحابِ الأوزاعيِّ، ولم يذكرْ سماعَ الأوزاعيِّ من عطاءٍ" (المستدرك
стр. 13321
١/ ٥٥٣).
وقال البيهقيُّ: "كذا قال بشر بن بكر، وهذا غلطٌ، إنما رواه الأوزاعيُّ عن عطاءٍ بلاغًا من غيرِ سماعٍ له من عطاءٍ".
وقال الذهبيُّ: "وعلته: أن الوليد بن مزيد قال: سمعتُ الأوزاعيَّ يقول: بلغني عن عطاءٍ أنه سمع ابن عباس إلى قوله شفاء العي السؤال" (تلخيص المستدرك ١/ ١٧٨).
وهذا الوجه عن الأوزاعي عن عطاءٍ بلاغًا سيأتي تخريجه قريبًا.
وحكم الألبانيُّ عن روايةِ بِشرٍ هذه بالشذوذِ كما في (صحيح أبي داود ٢/ ١٦٢).
قلنا: وقد جاءتْ متابعةٌ لبشرٍ على التحديثِ، ولكنها متابعةٌ لا تصحُّ، أخرجها ابنُ عبدِ البرِّ في (جامع بيان العلم ٥٢٦) فقال: قرأتُ على أبي عبد الله محمد بن عبد الله، أن محمد بن معاوية القرشيَّ أخبرهم، نا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي، نا هشام بن عمار، نا عبد الحميد، نا الأوزاعي، به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غير عبد الحميد بن أبي العشرين كاتب الأوزاعي، مختلفٌ فيه، ولخَّصَ حالَهُ الحافظُ فقال: "صدوقٌ ربما أخطأ. قال أبو حاتم: كان كاتب ديوان ولم يكن صاحب حديث" (التقريب ٣٧٥٧).
قلنا: فالظاهرُ أن الإخبارَ هذا وهم من عبد الحميد، وقد اضطربَ فيه، كما سيأتي.
ولذا قال ابنُ عبدِ البرِّ -عقبه-: "هكذا رواه عبد الحميد بن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق، عن الأوزاعي، عن رجلٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثله سواء، وعبدُ الرزاقِ أثبتُ من
стр. 13322
عبدِ الحميدِ" (جامع بيان العلم ٥٢٦).
وهذا الوجهُ عن عبدِ الرزاقِ سيأتي تخريجُه قريبًا.
الوجه الثاني: عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ به، لم يذكرِ الأزاعي سماعًا له من عطاءٍ.
أخرجه ابنُ ماجهْ في (السنن ٥٦٦) فقال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، حدثنا الأوزاعي به.
وقال الأوزاعيُّ -عقبه-: "قال عطاءٌ: بلغني أن النبيَّ ﷺ قال: ((لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ ... )) " هكذا مرسلًا.
وهذا هو أحدُ أوجهِ الاختلافِ على عبد الحميد بن أبي العشرين، وثَمَّ خلافٌ ثالثٌ عنه، سيأتي تخريجُه قريبًا.
قال المنذريُّ: "في طريقِ ابنِ ماجهْ: عبدُ الحميدِ بنُ حبيبِ بنِ أبي العشرينَ، كاتبُ الأوزاعيِّ، استشهدَ به البخاريُّ، وتكلَّم فيه غيرُ واحدٍ، وقال ابنُ عَدِيٍّ: يغربُ عن الأوزاعيِّ بغيرِ حديثٍ، لا يرويه غيره، وهو ممن يُكتبُ حديثُه" (مختصر سنن أبي داود ١/ ٢٠٩).
قلنا: لم يتفردْ عبدُ الحميدِ، فقد تابعه على هذا الوجه جماعةٌ، وهم:
١ - الوليد بن مسلم كما عند الرَّامُهْرُمزي في (المحدث الفاصل ٢٩٧)، وذكره ابنُ أبي حاتم في (العلل ١/ ٥١٢)، وأبو نعيم في (الحلية ٣/ ٣١٧).
٢ - أيوب بن سويد كما عند الدراقطني في (السنن ٧٣٢)، والخطيب في (الفقيه والمتفقه ٢/ ١٣٣).
٣ - محمد بن كثير المِصيصي عند أبي نعيم في (الحلية ٣/ ٣١٧).
стр. 13323
٤ - رَوَّاد بن الجَرَّاح كما عند الرامهرمزي في (المحدث الفاصل ٢٩٨).
فرواه أربعتُهم عن الأوزاعي عن عطاء به. فلم يذكروا سماعًا.
وكذا تابعهم الهقل بن زياد، فرواه عن الأوزاعي فقال: قال عطاء: عن ابن عباس به.
أخرجه أبو يعلى في (المسند ٢٤٢٠)، والحاكم في (المستدرك ٦٤٣)، والدارقطني في (السنن ٧٣٠، ٧٣١)، وغيرهم.
وفي رواية أيوب والهقل "رواية عطاء المرسلة" عقب الحديث.
قلنا: وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غير أن الأوزاعيَّ لم يسمعْه من عطاءٍ، إنما رواه عن عطاءٍ بلاغًا، وهو
الوجه الثالث: عن الأوزاعي، أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح، أنه سمع عبد الله بن عباس به.
أخرجه أبو داود في (السنن ٣٣٧) فقال: حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني الأوزاعي أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح به.
ورواه أحمد (٣٠٥٦)، والدارمي (٧٧٠)، والدارقطني في (السنن ٧٣٥) من طريق أبي المغيرة.
ورواه البخاري في (التاريخ الكبير ٣٠٢٧) فقال: قال يحيى بن عبد الله- وهو البابلتي.
ورواه الدارقطني في (السنن ٧٣٦) من طريق يحيى بن عبد الله.
ورواه الحاكم في (المستدرك ٦٤٢)، والدارقطني في (السنن ٧٣٣) من
стр. 13324
طريق الوليد بن مزيد.
ثلاثتهم (أبو المغيرة، والوليد، ويحيى) رووه عن الأوزاعي قال: بلغني عن عطاء به.
وذكر لهم الدارقطني متابعًا فقال: "وتابعهما إسماعيل بن يزيد بن سماعة، ومحمد بن شعيب".
وروايتُهم جميعًا اتَّفَقتْ على الفقرة المرسلة عقب الحديث.
قلنا: فأثبت هذا الوجه انقطاعًا بين الأوزاعي وعطاء، إذ رواه عنه الأوزاعي بلاغًا، وقد جاءتْ روايتان تبينان هذه الواسطة بينهما: إحدهما مبهمة، والأُخرى مُصَرِّحة.
أما المبهمة فهي الوجه الرابع: عن الأوزاعي، عن رجلٍ، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس به.
فأثبتْ عبدُ الرزاقِ واسطةً بين الأوزاعي وعطاء ولكنه أبهمها.
أخرجه عبد الرزاق في (المصنف ٨٧٥) -ومن طريقه الدارقطنيُّ في (السنن ٧٣٤)، والبيهقيُّ في (الخلافيات ٨٣٧) - فقال: عن الأوزاعي، عن رجلٍ، عن عطاء بن أبي رباح به. وذكر عبد الرزاق قول عطاء مرسلًا عقبه.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ لإبهامِ راويه عن عطاء، وهذا الرجلُ المبهمُ سمَّاه ابنُ أبي العشرين كاتبُ الأوزاعيِّ، وهو
الوجه الخامس: عن الأوزاعي عن إِسماعيل بن مسلم عن عطاء، عن ابن عباس به.
وهذا الوجه لم نقفْ عليه مسندًا، وإنما ذكره ابنُ أبي حاتم في (العلل
стр. 13325
٧٧) فقال: "وسألتُ أبي وأبا زرعة عن حديث رواه هقل، والوليد بن مسلم، وغيرهما، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رجلًا أصابته جراحة، فأجنب، فأُمر بالاغتسال، فاغتسلَ، فكز، فماتَ ... وذكرتُ لهما الحديثَ، فقالا: روى هذا الحديثَ ابنُ أبي العشرين، عن الأوزاعيِّ، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، وأفسدَ الحديثَ".
قلنا: فبيَّنَ عبدُ الحميدِ الواسطةَ بين الأوزاعي وعطاء، فإذا هو إسماعيل بن مسلم المكي، وهو "ضعيف الحديث" (التقريب ٤٨٤).
ولذا قال الرازيان: "أفسدَ الحديثَ" (العلل ٧٧)، وأقرَّهما الدارقطني في (السنن ١/ ٣٥٠).
قال ابنُ دقيقِ العيدِ: "يريدُ أنه أدخلَ إسماعيلَ بنَ مسلمٍ بين الأوزاعي وعطاء، فبَيَّن أن الأوزاعيَّ أخذَ الحديثَ عن إسماعيل بن مسلم" (الإمام ٣/ ١١٨).
قلنا: وهذا الوجهُ هو أحدُ أوجه الخلاف على عبد الحميد بن أبي العشرين، قال ابنُ حَجرٍ -معقبًا على كلام أبي زرعة وأبي حاتم-: "قد رواه هشام بن عمار، عن ابن أبي العشرين، فلم يذكر فيه إسماعيل" (إتحاف المهرة ٧/ ٤٠٧).
وعبد الحميد تقدَّم القول فيه، ونزيد عليه فنقول: قال ابنُ عَدِيٍّ: "قال البخاري: (شامي ربما يخالف في حديثه) ثم عقب ابن عَدِيٍّ قائلًا: "وعبد الحميد كما ذكره البخاريُّ تفرَّد عن الأوزاعيِّ بغيرِ حديثٍ لا يرويه غيره" (الكامل ٨/ ٤١٢).
وقال السنديُّ: "وعبدُ الحميدِ كثيرًا ما ينفردُ بأحاديثَ لا يُتابَعُ عليها غيره"
стр. 13326
(حاشيته على سنن ابن ماجه ١/ ٢٠٢).
فيبعدُ جدًّا أن يحفظَ عبدُ الحميدِ المتكلَّمُ فيه ما لم يحفظه هقْل والوليدُ وغيرُهما من أصحابِ الأوزاعيِّ، كما سبقَ، مع اضطرابه في سندِهِ؛ ولذا قال الألبانيُّ: "حديثُ ابنِ أبي العشرين عند ابن ماجه كما سبقَ، وليس فيه: عن إسماعيل بن مسلم! فلعلَّه اختلف فيه على ابن أبي العشرين، وهو متكلَّمٌ فيه من قِبل حفظه، فيبعدُ أن يحفطَ ما لم يحفظْه الثقاتُ من أصحابِ الأوزاعيِّ؛ ولذلك قالا: إنه أفسدَ الحديثَ" (صحيح أبي داود ٢/ ١٦٣).
قلنا: وعلى كلٍّ فالحديثُ منقطعٌ بين الأوزاعيِّ وعطاءٍ، وقد أخذه عن رجلٍ عنه كما قال عبدُ الرزاقِ، وأحيانًا كان يرويه بلاغًا كما في روايةِ الجماعةِ، وما وقعَ من تصريحٍ بالسماعِ فهو وهمٌ وقعَ فيه بشرُ بنُ بكرٍ كما قال البيهقيُّ وغيرُهُ، وكذا أخطأَ فيه عبدُ الحميدِ كما أشارَ ابنُ عبدِ البرِّ وغيرِهِ.
ولذا ذهبَ جماعةٌ إلى إعلالِهِ كما تقدَّمَ عن أبي حاتم، وأبي زرعة -ووافقهما الدارقطنيُّ في (السنن ١/ ٣٥٠) -، وكذا ابنُ عبدِ البرِّ في (جامع بيان العلم ٥٢٦).
وقال الدارقطنيُّ: "اختُلِفَ على الأوزاعيِّ: فقيلَ عنه عن عطاءٍ، وقيلَ عنه بلغني عن عطاءٍ، وأرسلَ الأوزاعيُّ آخرَهُ عن عطاءٍ، عن النبيِّ ﷺ ، وهو الصوابُ" (السنن ١/ ٣٥٠).
وأقرَّهم البيهقيُّ في (الخلافيات ٢/ ٤٩٣)، وابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٣/ ١١٧ - ١١٨)، وابنُ عبدِ الهادِي في (تنقيح التحقيق ١/ ٣٨٦).
وقال ابنُ المنذرِ: "في إسنادِهِ مقالٌ؛ لأن عبد الرزاق أدخلَ بين الأوزاعي
стр. 13327
وبين عطاء رجلًا وقال بشر بن بكر: ثنا الأوزاعي قال: بلغني أن عطاء قال إنه سمع ابن عباس" (الأوسط ٢/ ١٤١).
واستغربه أبو نعيم، فقال: "هذا حديثٌ غريبٌ، لا تُحفظُ هذه اللفظةُ من أحدٍ منَ الصحابةِ إلا من حديث ابن عباس، ولا عنه إلا من رواية عطاء، حَدَّثَ به الوليد بن مسلم والأعلام عن الأوزاعي" (حلية الأولياء ٣/ ٣١٨).
وقال المنذريُّ عن طريق أبي داود: "أخرجه منقطعًا، وفي طريقِ ابنِ ماجهُ: عبدُ الحميدِ بنُ حبيبِ بنِ أبي العشرين، ... إلى آخر كلامه المذكور قريبًا" (مختصر سنن أبي داود ١/ ٢٠٩).
وقال عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ: "واختُلِفَ عن الأوزاعيِّ: فقيل عنه عن عطاءٍ، وقيلِ عنه: بلغني عن عطاء، ولا يُروى الحديثُ من وجهٍ قويٍّ" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣).
وقال الضياءُ المقدسيُّ: "رواه الإمامُ أحمدُ، إلا أنه منقطعٌ لم يسمعْه الأوزاعيُّ" (السنن والأحكام ١/ ٢٠٢).
وقال ابنُ كَثيرٍ: "في سندِهِ انقطاعٌ" (إرشاد الفقيه ١/ ٧٥).
وقال البوصيريُّ: "هذا إسنادٌ منقطعٌ، قال الدارقطنيُّ: الأوزاعيُّ عن عطاءٍ مرسل" (مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ١/ ٨١).
وذكر كلامَه السنديُّ وزاد: "وفي مسند أبي داود تنبيه على ذلك، فالأوزاعي أنه بلغه عن عطاء، وعبد الحميد كثيرًا ما ينفرد بأحاديث لا يتابِع عليها غيره" (حاشية السندي على ابن ماجه ١/ ٢٠٢).
ولكن حاول تقويته بطريق الوليد بن عبيد الله عن عطاء، وسيأتي تخريجه قريبًا.
стр. 13328
وضَعَّفَ الحديثَ الحافظُ في (التلخيص ١/ ٢٦٠ - ٢٦١) ونقلَ كلامَه الشوكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ٣٢١) ولم يعقبْ عليه كالمقرِّ له، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود ٢/ ١٦١ - ١٦٣) ولكن قوَّاه بمتابعةِ الوليدِ بنِ عبيدِ اللهِ للأوزاعيِّ.
قلنا: وهذه المتابعةُ هي الوجهُ الثاني عن عطاءٍ:
فروى ابنُ خُزيمةَ في (صحيحة ٢٩٠) -وعنه ابنُ حِبَّانَ في (صحيحه ١٣٠٩)، ومن طريقه: البيهقيُّ في (الخلافيات ٨٢٧) -، وابنُ الجارود في (المنتقى ١٢٩) -ومن طريقه: ابنُ بشران في (أماليه ١٣٣٣) -، والحاكمُ في (المستدرك ٥٩٥)، -وعنه البيهقيُّ في (الكبير ١٠٨٧) -، وغيرهم مِنْ طَرِيقِ عمر بن حفص بن غياث عن أبيه حفص بن غياث، أخبرني الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، أن عطاءً حدَّثَهُ عن ابنِ عباسٍ به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه الوليدُ بنُ عُبيدِ اللهِ ابنِ أخي عطاءٍ، ضَعَّفه الدارقطنيُّ (السنن ٤/ ٤٢)، والبيهقيُّ (السنن الكبير ١١/ ٣٣٧)، وابنُ الجوزي في (الضعفاء والمتروكين ٣٦٥٥)، وقال السخاويُّ: "الوليدُ ضَعَّفه الدارقطنيُّ، ولم يخرج له في الكتب الستة" (المقاصد الحسنة صـ ١٨٢). وقال الحاكمُ: "قليلُ الحديثِ جدًّا" ومع ذلك صَحَّحَ حديثَهُ هذا فقال: "هذا حديثٌ صحيحٌ" (المستدرك ١/ ٥٢٨).
وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٧/ ٥٤٩)، وصَحَّحَ حديثَه هذا موافقًا لشيخِهِ ابنِ خُزيمةَ، وكذا انتقاه له ابنُ الجارود؛ ولذا قال الحافظُ: "وقوَّاه من صَحَّحَ حديثَه هذا" (التلخيص ١/ ٢٦١).
قلنا: وقد حاولَ بعضُهم تقويةَ الوليدِ بما ذكر في (الجرح والتعديل
стр. 13329
لابن أبي حاتم ٩/ ٩) قال: "الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح ابن أخي عطاء بن أبي رباح - روى عن زياد النميري، روى عنه: معقل بن عبيد الله، أخبرنا يعقوب، حدثنا عثمان: سألت يحيى بن معين عن الوليد بن عبيد الله، فقال: ثقة".
وذكره متعقبًا به البيهقيَّ على تضعيفه للوليد، ابنُ التركماني في (الجوهر النقي ٦/ ٦) فقال: " ضَعَّفه الدارقطني، وكأن البيهقيَّ تبعه، ولم يضَعفه المتقدمون فيما علمتُ، بل حكى ابنُ أبي حاتم عن ابنِ مَعينٍ أنه ثقة، وأخرجَ له ابنُ حِبَّانَ في (صحيحه) والحاكم في (مستدركه).
قلنا: هذا النقلُ عن يحيى بن معين لا يصحُّ؛ لأمور:
الأول: أنا رجعنا إلى سؤالات عثمان بن سعيد الدارمي، فإذا فيها: "وسألتُه عن الوليد بن عبد الله فقال: ثقة" (السؤالات ٤٦٨)، والوليد هذا بَيَّنه الدوري فقال: "سمعتُ ابنَ مَعينٍ يقول: " الوليد بن عبد الله هو ابنُ أبي مغيث" (سؤالات الدوري ٥٨٢).
ولذا اعتمدَ ابنُ أبي حاتم توثيقَ ابنِ معين لابنِ أبي مغيثٍ في ترجمته من (الجرح والتعديل)، وهي قبل ترجمة ابن أبي رباح مباشرة، مما يوهم أن التوثيقَ في ابنِ أبي مُغيثٍ وليس ابن أبي رباح،
يؤكد على ذلك الأمر الثاني: وهو أن المحقق وضع توثيقَ ابنِ مَعينٍ بين معقوفين هكذا: [أنا يعقوب بن إسحاق فيما كتبَ إليَّ، قال: نا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: سألتُ يحيى بن معين عن الوليد بن عبيد الله، فقال: ثقة]، وفي ترجمة الوليد قبلها قال: "نا عبد الرحمن، أنا يعقوب بن إسحاق فيما كتبَ إليَّ، قال: نا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: سألتُ يحيى بن
стр. 13330
معين عن الوليد بن عبد الله، فقال: "ثقة" فلم يضعها بين معقوفين، مما يبين اختلاف النُّسخ بين إثباتها وحذفها، كما أن الجملتين تتفقان على نفس الصيغة باختلاف عبيد الله من عبد الله، والتصحيف فيهما وارد.
ثالثًا: أن ابنَ أبي حاتمٍ ذَكرَ معقل بن عبيد الله فيمن روى عن ابن أخي عطاء، بينما ذَكرَ المزيُّ في (تهذيب الكمال ٣١/ ٣٨) مَعْقِلًا هذا فيمن روى عن ابن أبي مغيث.
رابعًا: أن الحافظَين الذهبيّ وابن حجر مع سَعة اطلاعهما على أقوالِ الأئمةِ وتمحيصها، لم يذكرا توثيقَ ابنِ معينٍ لابنِ أخي عطاءٍ (١)، وقد ذكرا توثيقَ ابنِ حِبَّانَ، ومعلوم الفرق بين التوثيقين، مع ذكرهما لتضعيف الدارقطني، فقال الذهبيُّ في (الميزان ٥/ ٨٩ ط. الرسالة): "عن عمِّه عطاء بن أبي رباح. ضَعَّفه الدارقطنيُّ" وبنحوه قال في (ديوان الضعفاء ٤٥٥٣)، وأقرَّه الحافظُ في (اللسان ٨/ ٣٨٥) وزاد: "وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات)، وأخرجَ له ابنُ خزيمة في (صحيحه).
خامسًا: أن الحافظَ ابنَ كثيرٍ قد عمل تذييلًا على التهذيب، وأضاف إليه شيئًا من (الميزان) وكتب الجرح والتعديل سمَّاه: (التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل) ذكر ترجمة الوليد هذا فقال: "عن عمِّه عطاء، وعن زياد النميري. وعنه معقل بن عبيد الله وغيره. ضَعَّفَهُ الدارقطنيُّ" (التكميل ١٠٢٧)، وهذه الترجمةُ هي هي ترجمة الوليد من كتاب (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم، باستثناء تضعيف الدارقطني،
стр. 13331
ومع ذلك ما ذكر توثيق ابن معين له.
قلنا: فكلُّ هذه قرائنُ تَحُولُ دونَ قبول توثيق ابن معين للوليد هذا؛ ولذا قال الألبانيُّ: "وذَكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات)، وأخرجَ له ابنُ خُزيمةَ في (صحيحه) ". قلت: أورده في طبقة (أتباع التابعين) (٧/ ٥٤٩)، بروايةِ حفصِ بنِ غياثٍ عنه، وقد روى عنه معقل بن عبيد الله أيضًا كما في (الجرح والتعديل ٤/ ٢/ ٩)، وروى توثيقه عنِ ابنِ مَعينٍ، وقد وقعَتْ هذه الروايةُ نفسها في الترجمةِ التي قبلها (الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث مولى بني عبد الدار)، وكذلك هي في (تاريخ الدارمي صـ ١٤٠) عن ابنِ مَعينٍ، لكنه لم يقل: (ابن أبي مغيث .. )، فالظاهرُ أنها مقحمةٌ في ترجمة (الوليد بن عبيد الله) في طبقة "الجرح والتعديل"، وروى عنه أيضًا (نافع بن عمر) كما تقدَّم في حديث الترجمة، فهؤلاء ثلاثة من الثقات رووا عنه، فهو صدوقٌ لولا أن الدارقطنيَّ ضَعَّفه، وأقرَّه الذهبيُّ كما تقدَّم" (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٦/ ١٢٤٢).
ومع ذلك قَوَّى الألبانيُّ حديثه هذا فقال: "الوليدُ هذا ضَعَّفَهُ الدارقطنيُّ، ولكنه قد توبع عليه، فقد أخرجه أبو داود (١/ ٥٦)، وابن ماجه (٢٠٢)، والدارمي (١٩٢)، والحاكم أيضًا (١/ ١٧٨)، من طريق الأوزاعي أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح به نحوه، وفي آخره: ((أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالَ (١)؟ )) وفي روايةٍ للحاكم عن بشر بن بكر: ثني الأوزاعي: ثنا عطاءٌ به. وهذا لو ثبتَ لكان صحيحًا، ولكن علته أن الأوزاعيَّ لم يسمعْه من عطاءٍ، إنما سمعه من إسماعيل بن مسلم عن عطاءٍ، قلتُ: وإسماعيلُ هذا ضعيفٌ ولكن يقويه
стр. 13332
متابعة الوليد له كما سبقَ" (الثمر المستطاب ١/ ٣٣).
قلنا: قد خالفتْ روايةُ الوليدِ روايةَ الأوزاعيِّ المتقدمة في المتن، وذلك أن الأوزاعيَّ ذكرَ عن عطاءٍ بلاغًا أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ بعد ذلك، فقال: ((لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ، وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ أَصَابَهُ الْجِرَاحُ))، أخرجه ابنُ ماجه (٥٦٦/ واللفظ له)، والدارميُّ في (السنن ٧٧٠)، وعبد الرزاق في (المصنف ٨٧٥)، وغيرهم.
ففي رواية عطاء المرسلة هذه أن النبيَّ ﷺ أَمَرَ مَن أصابه جرحٌ أن يَغْسِلَ جَسَدَهُ وما حول الجُرْحِ ويترك موضعَ الجُرْحِ، ولم يأمره بالتيممِ وهذا بخلافِ روايةِ الوليدِ حيثُ أمره بالتيممِ؛ ولذا قال البيهقيُّ -عقب رواية الوليد هذه-: "هذا حديثٌ موصولٌ، وتمامُ هذه القصةِ في الحديثِ الذي أرسلَه الأوزاعيُّ، عن عطاءٍ، ... ثم أسندَ روايةَ عطاءٍ المرسلة، ثم قال: "فهذا المرسلُ يقتضي غسل الصحيح منه، والأول يقتضي التيمم، فمن أوجب الجمع بينهما يقول: لا تنافي بين الروايتين إلا أن إحداهما مرسلة" (السنن الكبير ٢/ ١٩٠ - ١٩١)، وفي هذا إشارةٌ منه إلى ضعفِ روايةِ الوليدِ.
وهذه الروايةُ المرسلةُ عن عطاءٍ توافقُ ما كان يفتي به عطاءٌ مِن قولِهِ.
أخرجَ عبدُ الرزاقِ في (المصنف ٨٧٢) عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: شَأْنُ المَجْدُورِ، هَلْ لَهُ رُخْصَةٌ فِي أَنْ لا يَتَوَضَّأَ؟ وَتَلَوْتُ عليه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى، أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وهو سَاكِتٌ كذلك حتى جِئْتُ، ﴿فلم تَجِدُوا مَاءً﴾، قال: ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَإِنْ وَجَدُوا مَاءً فَلْيَتَطَهَّرُوا، قَالَ: وَإِنِ احْتَلَمَ المَجْدُورُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَاللهِ لَقَدِ احْتَلَمْتُ مَرَّةً -عَطَاءٌ الْقَائِلُ- وَأَنَا مَجْدُورٌ، فَاغْتَسَلْتُ، هِيَ لَهُمْ كُلُّهُمْ إِذَا لَمْ يَجِدُوا المَاءَ، يَعْنِي الآيَةَ.
стр. 13333
وابنُ جُريجٍ من أثبتِ الناسِ في عطاءٍ، فلو كان عند عطاءٍ ما ذكره ابنُ أخيه عنه في التيممِ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، ما كان يعدلُ عنه إلى رأيه، مما يوهن رواية الوليد هذه.
ويجدرُ التنبيه إلى ما رواه الطبرانيُّ في (المعجم الكبير ١١٤٧٢) فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن الأوزاعيِّ، سمعتُه منه أو أُخْبِرتُهُ، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، أن رجلًا أصابه جدري فأجنبَ فغسلَ فكز فماتَ، فأُخْبِرَ النبيُّ ﷺ فقال: ((قَتَلُوهُ قَتَلَهُمِ اللهُ! ! أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالَ؟ ! أَلَا يَمَّمُوهُ؟ ! )).
ففي هذه الرواية متابعة لرواية الوليد في ذكر التيمم، ولكن في هذه الرواية إشكال، وذلك أن عبدَ الرزاقِ قد روى هذا الحديثَ في (المصنف ٨٧٥) عن الأوزاعيِّ، عن رجلٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن رجلًا كان به جِراحٌ فأصابتْهُ جَنَابةٌ فأمروه فاغتسلَ فماتَ، فبلغَ ذلك النبي ﷺ ، فقال: ((قَتَلْتُمُوهُ قَتَلَكُمُ اللهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالَ؟ ! )).
قال عطاءٌ: فبلغني أن النبيَّ ﷺ قال: ((اغْتَسِلْ، وَاتْرُكْ مَوْضِعَ الجِرَاحِ)) (١).
فبين الروايتين تعارض في السند والمتن، فإما أن عبدَ الرزاقِ قد أعاده في
стр. 13334
موضعٍ آخرَ من (المصنَّف)، ويكون فيما فُقد منه، أو يكون خطأ من الطبرانيِّ، وهذا الذي نميلُ إليه، وذلك أن متنَ عبدِ الرزاقِ محفوظٌ عن عطاءٍ من غير طريق عبد الرزاق كما تقدَّمَ، وكذا خالفَ الطبرانيُّ الإمامَ الثقةَ محمدَ بنَ إسماعيلَ الفارسيَّ كما عند الدارقطني في (السنن ٧٣٤) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٨٣٨) - فرواه عن الدبري بإسناد المصنف، أما إذا كان عبد الرزاق حفظه على هذا الوجه، فهو ضعيفٌ للانقطاعِ بين الأوزاعي وعطاء، وذلك أنه قال: سمعتُه منه أو أُخْبِرْتُهُ، على الشَّك، وقد رواه على الصواب في (المصنَّف) فقال: (عن رجلٍ) بين الأوزاعي وعطاء، وهو الموافق لرواية أبي المغيرة والبلتي، ومحمد بن شعيب، والوليد بن مزيد، وغيرهم ممن أثبتوا انقطاعًا بينهم، كما سبقَ، فيكون ذِكرُ التيممِ شاذٌّ.
قلنا: وجملةُ القولِ أن ذِكرَ التيممِ لا يصحُّ مرفوعًا؛ لضعفِ الوليدِ وتفرده بذكره، ومخالفة الأوزاعي في متنه، وما ثبت عن عطاء من قوله يخالفه، والله أعلم.
الوجه الثالث عن عطاء ذَكَرَه مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٣٤) فقال: ورواه أيضًا -أي الحاكم- في (تاريخ نيسابور) بإسنادٍ ضعيفٍ عن أبي الفضل المسلمي، ثنا محمد بن حاتم بن يونس، ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن الأشعث، ثنا بشر بن يحيى من ثقات أصحاب عبد الله، ثنا أبو عصمة عن إبراهيم الصائغ عن عطاء عن ابن عباس به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، وليس كما قال مغلطاي، فيه: أبو عصمة نوح بن أبي مريم "كَذَّبوه في الحديثِ، وقال ابنُ المبارك: كان يضعُ" (التقريب ٧٢١٠).
стр. 13335
والراوي عنه بشر بن يحيى، ضَعَّفه الدارقطني في (السنن ٣/ ٤٣٧) فذكر حديثًا من روايته عن أبي عصمة، فقال: "أبو عصمة وبشر ضعيفان".
الطريق الثاني عن ابن عباس:
رواه عبد الرزاق في (المصنف ٨٧٤)، فقال: عن ابن سمعان، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ رَجُلاً أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَبِهِ جِرَاحٌ، فَاحْتَلَمَ فَاسْتَفْتَى، فَأَمَرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: ((مَا لَكُمْ قَتَلْتُمُوهُ قَتَلَكُمُ اللهُ)).
وسندُهُ ساقطٌ؛ لجهالةِ راويه عنِ ابنِ عباسٍ. وابن سمعان، "متروكٌ، اتَّهمه بالكذبِ أبو داود وغيره" (التقريب ٣٣٢٦).
[تنبيهان]:
الأول: لم يقع في رواية عطاء هذه عن ابن عباس شاهد الباب، ألا وهو التيمم.
الثاني: وقع تصحيفٌ في مطبوع كتاب (الخلافيات) ط. دار الصميعي، فقال: "الوليد بن يزيد" بدلًا من " الوليد بن مزيد".
стр. 13336
رِوَايَةُ: جَعَلَ اللهُ الصَّعِيدَ طَهُورًا
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فِي شِتَاءٍ فَسَأَلَ فَأُمِرَ بِالغُسْلِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ((مَا لَهُمْ؟ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ -ثَلَاثًا- قَدْ جَعَلَ اللَّهُ الصَّعِيدَ أَوِ التَّيَمُّمَ طَهُورًا)).
[الحكم]: ضعيفٌ، قال عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ: "لا يُروى من وجهٍ قويٍّ".
[التخريج]:
[خز ٢٩٠ (واللفظ له) / جا ١٢٨/ حب ١٣٠٩/ ك ٥٩٥/ بشن ١٣٣٣/ هق ١٠٨٧/ هقخ ٨٤٧/ ضيا (١١/ ٢١٣، ٢١٤/ ٢٠٥)].
[السند]:
قال ابنُ خزيمةَ في (صحيحه) -وعنه ابنُ حِبَّانَ في (صحيحه) -، وابنُ الجارودِ في (المنتقى) عن محمد بن يحيى، نا عمر بن حفص بن غياث، نا أبي، أخبرني إيَّاه الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، أن عطاءً حدَّثه، عن ابن عباس ... به، وفيه: شَكَّ فِي ابنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ أَثْبَتَهُ بَعْدُ.
ورواه الحاكمُ في (المستدرك ٥٩٥)، -وعنه البيهقيُّ في (الكبير ١٠٨٧) - من طريقِ السَّريِّ بن خزيمة عن عمر بن حفص به.
ومداره عند الجميع على عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح ... به.
[التحقيق]:
هذا حديثٌ ضعيفٌ، فيه "الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح" وقد ضَعَّفَهُ الدارقطنيُّ والبيهقيُّ، كما سبقَ، انظر الروايةَ السابقةَ.
стр. 13337
ومع ضَعْفِهِ، فقد تفرَّدَ بذكرِ التيممِ فيه، وخالفه الأوزاعي في متنه، فروى عن عطاء قال: وبلغني أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ بعد ذلك، فقال: ((لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ، وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ أَصَابَهُ الجُرْحُ، أَجْزَأَهُ)) كما تقدَّم.
فليس في رواية الأوزاعي ذكر التيمم، ورواية الأوزاعي هذه توافق ما كان يُفْتِي به عطاء، قال عبد الرزاق في (المصنف ٨٧٢) عن ابن جريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: شأن المجدورِ، هل له رُخْصة في أن لا يَتَوَضَّأ؟ وتَلَوتُ عليه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى، أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وهو ساكتٌ كذلك حتى جِئْتُ: ﴿فلم تَجِدُوا مَاءً﴾، قال: ذلك إذا لم يجدُوا ماءً، فإن وجدُوا ماءً فليتطهروا. قال: وإن احْتَلَمَ المجدورُ وَجَبَ عليه الغُسْلُ، والله لقد احتلمتُ مرةً -عطاء القائل- وأنا مجدورٌ فاغْتَسَلْتُ، هي لهم كلهم إذا لم يجدُوا الماءَ، -يعني الآية-.
وابنُ جُريجٍ من أثبتِ الناسِ في عطاءٍ، فلو كان عند عطاءٍ ما ذكره ابن أخيه عنه في التيممِ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، ما كان يَعْدِلُ عنه إلى رأيه، مما يوهن رواية الوليد هذه.
وضَعَّفَ الحديثَ جملةً عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ فقال: "ولا يُروى الحديث من وجهٍ قويٍّ" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٢٣).
انظر تفصيل ذلك في الروايةِ السابقةِ.
قلنا: ومع ذلك فقد قَوَّى حديثَ الوليد هذا ابنُ خزيمة وابنُ حِبَّانَ -ووافقهما الضياءُ في (المختارة ١١/ ٢١٦) - وابنُ الجارودِ حيثُ أوردوه في كتبهم.
وقال الحاكمُ -عقبه-: "هذا حديثٌ صحيحٌ؛ فإن الوليد بن عبيد الله هذا
стр. 13338
ابن أخي عطاء بن أبي رباح، وهو قليلُ الحديثِ جدًّا، وقد رواه الأوزاعيُّ، عن عطاءٍ، وهو مخرج بعد هذا، وله شاهد آخر عن ابن عباس" انتهى.
وقال ابنُ الملقنِ -متعقبًا عبدَ الحقِّ-: "قوله: (إنه) لا يروى الحديث من وجهٍ قويٍّ، فقد علمتَ روايةَ الحاكمِ الأخيرة وأنها جيدةٌ لا مطعنَ فيها، ويقربُ منها روايته الأخرى قبلها، وقد صَحَّحَها معه ابنُ خزيمة وابنُ حِبَّانَ" (البدر المنير ٢/ ٦١٩).
وقال الحافظُ: "والوليدُ ضَعَّفَه الدارقطنيُّ وقوَّاه مَن صَحَّحَ حديثَه هذا" (التلخيص ١/ ٢٦١).
وكذا قوَّاه الألبانيُّ لغيرِهِ، انظر (الثمر المستطاب ١/ ٣٣)، و (صحيح أبي داود الأم ٢/ ١٦١ - ١٦٤، وتمام المنة صـ ١٣١).
[تنبيه]:
تعقب ابنُ القطان أبا محمد عبدَ الحقِّ الإشبيليَّ في كتابه (الوهم والإيهام) بما معناه أن التيممَ لم يرد من حديث ابن عباس، فقال: "فإنه ساقَ الحديثَ المذكور في التيممِ، ثُمَّ أخذَ يقولُ: إن الأوزاعيَّ رواه عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ.
فهذا لا يُفْهِم إلا أن التيممَ في حقِّ المريضِ من رواية ابن عباس أيضًا، كما هو من رواية جابر، وذلك باطلٌ.
وإنما اعتراه هذا من كتاب الدارقطني الذي نقله منه، فإنه أجمل القول كما ذكر، ثم فسَّره بإيراد الأحاديث، فتخلص، فكتب أبو محمد الإجمال ولم يكتب التفسير، فوقع في الخطأ.
وحديث ابن عباس لا ذكر فيه للتيمم، وإنما نصُّه: عن عطاء ... إلى أن
стр. 13339
قال: "وما في شيء منها إلا هذا الذي ذكرناه، لم يقع فيها للتيمم ذكر، وإنما اشتغل بالقصة لا بقطعة التيمم، ولا يُعرف ذكر التيمم فيها إلا من رواية الزبير بنِ خُرَيْق، عن عطاء، عن جابر" (بيان الوهم ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
فتعقبه مغلطاي قائلًا: "وفيه نظر؛ من حيث زعمه أن حديثَ ابنِ عباسٍ لا ذِكرَ فيه للتيمم؛ لما أسلفناه قبل من كتابِ ابنِ حِبَّانَ وابنِ خُزيمةَ ... " (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٣٦).
وقال ابنُ الملقنِ: "وهو عجيبٌ منه مع جلالته؛ فذِكرُ التيممِ فيه ثابتٌ من حديثِ ابنِ عباسٍ كما سَلَفَ عن (صحيح ابن خزيمة، وابن حِبَّانَ)، و (مستدرك الحاكم) وسبب إنكاره ذلك اقتصاره على (سنن الدارقطني) الذي نَقَلَ عبدُ الحقِّ عنه، ولو فَتَّشَ حقَّ التفتيشِ لوجده في هذه المؤلفات (الجليلة) " (البدر المنير ٢/ ٢٦٠).
стр. 13340
رِوَايَةٌ بزيادةِ: أَلَا يَمَّمُوهُ.
• وَفِي رِوَايَةٍ زَادَ فِي آخِرِهِ: (( ... أَلَا يَمَّمُوهُ)).
[الحكم]: شاذٌّ بذكرِ التَّيَمُّمِ.
[التخريج]: [طب (١١/ ١٩٤/ ١١٤٧٢)].
[السند]:
قال الطبرانيُّ: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن الأوزاعي، سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَوْ أُخْبِرْتُهُ، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ... به.
[التحقيق]:
هذا حديثٌ ضعيفٌ، فيه انقطاعٌ بين الأوزاعيِّ وعطاءٍ كما تقدَّمَ في أولِ الرواياتِ، وقد شَذَّ الطبرانيُّ بذكرِ التيممِ، حيث خالفه محمد بن إسماعيل الفارسي، وكان ثقةً ثبتًا فاضلًا كما في ترجمته من (تاريخ بغداد ٢/ ٣٨٢)، فرواه عن الدبري إسحاق بن إبراهيم، نا عبد الرزاق، نا الأوزاعي، عن رجلٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ نحوه. أخرجه الدارقطنيُّ في (السنن ٧٣٤) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات ٨٣٨) -.
فأَحالَ على الروايةِ المتقدمةِ ومتنها: أن رجلًا أصابه جُرْحٌ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ثم أصابه احتلامٌ، فأُمِرَ بالاغتسالِ فاغْتَسَلَ فكز فماتَ، فبلغَ ذلك النبي ﷺ ، فقال: ((قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءَ العِيِّ السُّؤَالُ؟!)). قال عطاءٌ: فبلغنا أن رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن ذلك فقال: ((لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ أَصَابَهُ الجَرْحُ)).