وعلى كلٍّ فإسنادُ الخطيبِ المتقدمِ ضعيفٌ جدًّا، فيه ثلاثُ عللٍ:
الأولى: ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، "صدوقٌ سيئُ الحفظِ جدًّا" كما في (التقريب ٦٠٨١)، وتقدَّم قولُ النسائيِّ فيه.
وقد خالفه شعبةُ فرواه عن الحكم، وليس فيه ذكر: "الضربتين" كما تقدم.
الثانية: يعقوب بن إبراهيم، وهو أبو يوسف القاضي، صاحب أبي حنيفة، متكلَّمٌ فيه، وهو إلى الضعفِ أقرب.
قال عمرو بن علي الفلَّاس: " صدوقٌ كثير الغلط" (تاريخ بغداد ١٤/ ٢٦٢).
وقال أحمدُ: "أبو يوسف صدوقٌ، ولكن أصحاب أبي حنيفة لا ينبغي أن يُروى عنهم شيء" (العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله ٥٣٣٢).
وقال البخاريُّ: "تركه يحيى وعبد الرحمن ووكيع وغيرهم" (الضعفاء الصغير للبخاري ٤٣٦).
وانظر: (الكامل لابنِ عَدِيٍّ ١٠/ ٤٠٩ - ٤١٣)، و (الضعفاء للعقيلي ٢٠٧٧)، و (تاريخ بغداد ١٤/ ٢٤٥ - ٢٦٣)، و (لسان الميزان ٨٦٢٢).
الثالثة: محمد بن أبي رجاء، وهو البصريُّ، ترجمَ له الخطيبُ في (المتفق والمفترق ١٢٢٢)، ولم يذكرْ فيه جرحًا ولا تعديلًا.
قلنا: وهذه الروايةُ -بذكر الضربتين- منكرةٌ مخالفةٌ للرواياتِ الصحيحةِ عند الشيخين.
стр. 13512
قال الأثرمُ: "قلتُ لأبي عبد الله: التيمم ضربة واحدة؟ فقال: نعم، ضربة للوجه والكفين، ومن قال: (ضربتين)، فإنما هو شيء زاده" كما في (المغني لابن قدامة ١/ ١٧٩).
رِوَايَةُ ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٍ لِلْكَفَّيْنِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ، أَنَّهُ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَمْسَحَ وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ بِالتُّرَابِ، ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةً لِلْكَفَّيْنِ)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دون قوله: ((ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةً لِلْكَفَّيْنِ)) فمنكرٌ، والمعروفُ ضربةٌ واحدةٌ للوجهِ والكَفَّينِ كما في (الصحيحين).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ: ابنُ الملقنِ، وابنُ حَجرٍ.
[التخريج]: [طب (حبير ١/ ٢٦٩) / طس ٧١٢١].
[السند]:
قال الطبرانيُّ: حدثنا محمد بن نوح، ثنا يحيى بن غيلان، نا إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بن ياسر به.
قال الطبرانيُّ: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن أبي عميس عتبة بن عبد الله إلا إبراهيم بن محمد".
стр. 13513
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، آفته إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو"متروك" كما في (التقريب ٢٤١). بل كَذَّبه غيرُ واحدٍ، كما تقدَّم مرارًا.
وبه ضَعَّفه ابنُ الملقنِ في (البدر المنير ٢/ ٦٥٠)، وابنُ حَجرٍ في (التلخيص الحبير ١/ ٢٦٩).
وأصلُ الحديثِ صحيحٌ دون قوله: ((ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةً لِلْكَفَّيْنِ)) فمنكرٌ، والصحيحُ ضربة واحدة للوجه والكفين، كما تقدم في (الصحيحين).
стр. 13514
٣١٠٣ - حَدِيثُ عَائِشَةَ
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ((لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلَى الأَرَضِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ، وَضَرَبَ يَدَهُ الأُخْرَى ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ بِهَا كَفَّيْهِ)).
•وَفِي رِوَايَةٍ ٢: ((كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فوقعَتْ قِلَادَتِي، فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ)).
[الحكم]: منكرٌ، وأنكره: أبو حاتم الرازيُّ، وابنُ عَدِيٍّ.
وأقرَّهما: ابنُ عبدِ الهادِي، وابنُ حَجرٍ. وضَعَّفَهُ: ابنُ حزمٍ، ومغلطاي.
[التخريج]:
[عد (٤/ ١٩٢) (واللفظ له) / علحا ١٠٥ (معلقًا بلفظ الرواية الثانية) / مقط (٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨)].
[السند]:
قال ابنُ عَدِيٍّ: أنا الساجي، ثنا السَّري بن عاصم، ثنا حَرَمي بن عمارة، ثنا الحَرِيش بن الخِرِّيت، ثنا ابن أبي مليكة عن عائشة به.
ورواه الدارقطنيُّ من طريق السري به.
وعلَّقَه ابنُ أبي حاتم فقال: "رواه حرمي بن عمارة، عن الحريش بن الخريت -أخي الزبير بن الخريت- عن ابن أبي مليكة، عن عائشة"، بلفظ الرواية الثانية.
ومداره عند الجميع على الحريش به.
стр. 13515
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه الحَرِيش بن الخِرِّيت؛ وهو ضعيفٌ كما في (التقريب ١١٨٧).
قلنا: وقال البخاري: "فيه نظر" (التاريخ الكبير ٣/ ١١٤)، ولذا ذكر ابنُ عَدِيٍّ هذا الحديث في ترجمته من (الكامل)، وقال: "وللحريش غير هذا الحديث، وأخوه الزبير بن الخريت عزيز الحديث أيضًا، ولا أعرف له كثير حديث فأعتبر حديثه، فأعرف ضعفه من صدقه" (الكامل ٤/ ١٩٢).
وأنكرَ الحديثَ أبو حاتم فيما سأله عنه ابنه فقال: "هذا حديث منكر، والحريش شيخ لا يُحتج بحديثه" (علل ابن أبي حاتم ١٠٥)، وأقرَّه ابنُ عبدِ الهادِي في (تعليقه على العلل صـ ٦٩)، والحافظ في (التلخيص ١/ ٢٦٩).
وضَعَّفَهُ ابنُ حزمٍ في (المحلى ٢/ ١٥٢)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣١٩).
قلنا: وفيه أيضًا السري بن عاصم، قال ابنُ عَدِيٍّ: "يسرق الحديث ... - وذكر له حديثًا عن حرمي- ثم قال: "رواه عن حرمي جماعةٌ من الثقات: القواريري، وأبو قدامة السرخسي، ومحمد بن عبد الرحمن العنبري، وأحمد بن صالح المصري، وسَرَقَهُ منهم السريُّ بنُ عاصمٍ مع جماعة ضعفاء مثله، وللسري غير حديث سرقه عن الثقات وحَدَّثَ به عن مشايخهم" (الكامل ٦/ ٧٢).
ولعلَّ السريَّ سَرَقَ حديثنا هذا من يحيى المقومي ومحمد بن معمر، حيث رويا هذا الحديث عن حرمي بغير هذا المتن كما في الرواية الآتية.
стр. 13516
٣١٠٤ - حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ
◼ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ (١))).
[الحكم]: ضعيفٌ جدًّا، وأنكره النوويُّ. وضَعَّفَهُ: الهيثميُّ، وابنُ حَجرٍ، والعينيُّ، والشوكانيُّ، والمباركفوريُّ.
[التخريج]: [طب (٨/ ٢٤٥/ ٧٩٥٩) (واللفظ له)].
[السند]:
قال الطبرانيُّ: حدثنا علان بن عبد الصمد ماغمة، ثنا عمر بن محمد بن الحسن، ثنا أبي، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ آفته جعفر بن الزبير -هو الحنفي-؛ متروكُ
стр. 13517
الحديثِ، كما في (التقريب ٩٣٩)، وكَذَّبه شعبةُ، كما في (تهذيب الكمال ٥/ ٣٤).
قال الهيثميُّ: "رواه الطبرانيُّ في (الكبير)، وفيه: جعفر بن الزبير؛ قال شعبة فيه: وضع أربعمائة حديث" (مجمع الزوائد ١٤١٤)، وبنحوه قال العينيُّ في (عمدة القاري ٤/ ٢٠، نخب الأفكار ٢/ ٤٤٤).
وقال ابنُ حَجرٍ: "إسنادُهُ ضعيفٌ" (التلخيص الحبير ١/ ٢٦٨)، وأقرَّه الشوكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ٣٢٩).
وقال المباركفوريُّ: "حديثٌ ضعيفٌ، لا يصلحُ للاحتجاجِ" (تحفة الأحوذي ١/ ٣٧٨).
[تنبيه]:
ذكر الشيرازيُّ في (المهذب ١/ ٦٦) حديثَ أبي أمامةَ هذا بلفظ: ((التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِليَدَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ)).
فقال النوويُّ ﵀: "حديثُ أبي أمامةَ منكرٌ لا أصلَ له" (المجموع ٢/ ٢١٠).
فتعقبه ابنُ الملقنِ فقال: "قد ذكرته في (تخريجي لأحاديث المهذب) من طريق الطبراني في (أكبر معاجمه) ولم يظفرْ به النوويُّ في (شرحه للمهذب)، وقال: إنه منكرٌ لا أصلَ له، وليس كما قال، فراجع ذلك منه" (البدر المنير ٢/ ٦٤٩).
* * *
رِوَايَةُ مُطَوَّلةٌ، وزَادَ: كَمَا يَتَمَرَّغُ الحِّمَارُ
• وَفِي رِوَايَةٍ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ، قَالَ: إِنِّي أَكُونُ فِي الفَلَاةِ فَتُصِيبُنِي الجَنَابَةُ وَلَيْسَ مَعِي مَاءٌ، أَفَأُصَلِّي؟ قَالَ عُمَرُ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُصَلِّ حَتَّى أُصَيبَ المَاءَ. فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَمَا تَذْكُرُ حِينَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَإِيَّاكَ فِي إِبِلٍ، فَأَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فَتَمَرَّغْتُ كَمَا يَتَمَرَّغُ الحِمَارُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَضَحِكَ حَتَّى بَدَا نَاجِذَهُ (١)، وَقَالَ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا))، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ نَفَخَهُمَا وَمَسَحَهُمَا بِوَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ وَذِرَاعَيْهِ إِلَى نِصْفِهِمَا.
[الحكم]: مضطربٌ.
[التخريج]: [طحق ١١٣].
[التحقيق]:
مداره على سلمة بن كهيل، واضطربَ في سندِهِ، ومتنِهِ، على النحوِ التالي:
أما السندُ: فقدِ اضطربَ فيه على أربعةِ أوجهٍ:
الوجه الأول: عن الأعمش عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن عمَّارٍ، به.
رواه أبو داود في (سننه ٣٢٣) فقال: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا حفص، حدثنا الأعمش به ولفظه: ((يَا عَمَّارُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا))، ثم ضربَ بيديه الأرضَ، ثم ضربَ إحداهما على الأُخرَى، ثم مسحَ وجهَه
стр. 13527
والذِّراعين إلى نصفِ السَّاعدين، ولم يبلغِ المرفقين، ضربة واحدة.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غير أن فيه انقطاعًا بين سلمة بن كهيل وعبد الرحمن بن أبزي، بينهما سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، هكذا رواه الجماعةُ عن الأعمشِ، وهو
الوجه الثاني: عن الأعمش عن سلمة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار.
رواه:
- وكيعٌ كما عند ابن أبي شيبة في (المصنف ١٦٩٠).
- وعبد الله بن نمير كما عند إبراهيم الحربي في (غريب الحديث ٣/ ١٠٦٣)، والشاشي في (مسنده ١٠٢٨، ١٠٣٥). والدارقطني في (سننه ٧٠٠).
- وجرير بن عبد الحميد كما عند البزار في (مسنده ١٣٨٦)، والسراج في (مسنده ٨)، والدارقطني في (السنن ٧٠٠)، وغيرهم.
- ويعلى بن عبيد عند السراج في (مسنده ٩)، والدارقطني في (السنن ٧٠٠)، وغيرهما.
- وابن أبي غنية كما عند السراج في (حديثه ٢٣٨٠)، و (مسنده ١٠).
- وأبو يحيى التيمي كما عند ابن خُزيمةَ في (صحيحه ٢٨٦).
- ومُحاضِر بن مُورِّع كما عند الشاشي في (مسنده ١٠٢٧).
- وعيسى بن يونس كما عند الطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ١١٢).
ثمانيتهم: (وكيع، وابن نمير، ويعلى، وجرير، وابن أبي غنية، والتيمي،
стр. 13528
ومحاضر، وعيسي) رووه عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه عن عمار به، وليس في حديثهم ذكر "الساعدين".
وقد أشارَ أبو داود لعلةِ الانقطاعِ هذه فقال: "ورواه وكيع، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن بن أبزى، ورواه جرير، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى. يعني عن أبيه" (السنن عقب ح رقم ٣٢٣).
وقال ابنُ عساكر: "ورواه حفص بن غياث النخعي، ووكيع بن الجراح الرواسي، عن الأعمش سليمان بن مِهران الكاهلي، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار. إلا أن حفصًا لم يُسَمِّ ابن أبزى وأسقط منه ذرًّا أو ابن عبد الرحمن.
ورواه جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن سلمة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه. وأسقط منه ذرًّا" (الأربعون حديثًا في المساواة صـ ٥١).
وقال ابنُ القطانِ: "فإنها على ما نبين- منقطعةٌ؛ وذلك أن الحديثَ الذي فيه نصف الساعد هو عند أبي داود، من رواية الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن عمار. والانقطاع فيه هو فيما بين سلمة بن كهيل وابن أبزى، فإن سلمة لم يسمعه من عبد الرحمن بن أبزى، إنما سمعه من سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه -في قول جرير- عن الأعمش، ... " (بيان الوهم ٢/ ٤٣١)، وأقرَّه ابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٣/ ١٣٥).
قلنا: وقد تابع الأعمش على إثبات سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى- عمار بن
стр. 13529
زريق، كما عند السراج في (مسنده ١١) فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا يحيى بن آدم، ثنا عمار بن رزيق، ثنا سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: كنت عند عمر بن الخطاب ... الحديث، وفيه: "وبسط عمار كفيه فوضعهما على الأرض ثم نفض إحداهما بالأخرى من التراب، فمسح بهما وجهه وكفيه، وجاز الكفَّين شيء من الذراعين يسير، فقال عمر: اتق الله يا عمار. فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئت لم أتفوه به أبدًا. قال: لا، بل نوليك من ذلك ما توليت.
وهذه متابعةٌ جيدةٌ للأعمشِ على الوجه الثاني، فإن عمارَ بنَ زريق كان من الأكياس الأثبات كما قال الإمامُ أحمدُ (إكمال تهذيب الكمال ٩/ ٣٩٢).
قلنا: ولكن خالفهما شعبةُ بنُ الحجاجِ، فأدخلَ بين سلمة وسعيد بن عبد الرحمن: ذَرَّ بنَ عبدِ اللهِ الهمدانيَّ، وهو
الوجه الثالث: عن شعبة عن سلمة عن ذَرٍّ عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار به.
ولكن اختلف أصحاب شعبة -عنه- في متنه.
فرواه يحيى بنُ سعيد القطانُ، عن شعبةَ عن سلمةَ به، كما عند مسلم (٣٦٨/ ١١٢)، وابنِ الجارودِ في (منتقاه ١٢٥)، وقَرَنَا روايتَه بروايةِ الحكمِ بنِ عُتيبةَ، فقال شعبة: "حدَّثني الحكمُ، عن ذَرٍّ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزَى، عن أبيه، أن رجلًا أَتَى عمرَ فقال: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً؟ فَقَالَ: لا تُصَلِّ. فقال عمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ
стр. 13530
وَصَلَّيْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ، وَكَفَّيْكَ))، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ. قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ.
قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، مثل حديث ذَرٍّ، قال: وحدَّثني سلمة، عن ذَرٍّ، في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم، فقال عمر: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ.
فلم يَسُقْ مسلم -وكذا ابن الجارود- لفظُ سلمةَ عن ذَرٍّ، ولعلَّه للاختلافِ الشديدِ من سلمةَ في لفظهِ، وكذا الاختلاف في سنده.
قال ابنُ رجبٍ: "وقد كان عند شعبة لهذا الحديث إسناد آخر، رواه عن سلمة بن كهيل، عن ذَرٍّ. كما خرَّجه مسلم من رواية القطان، عن شعبة، ولكن البخاري لم يخرجه عن شعبة من هذا الوجه لأمرين:
أحدهما: أن سفيانَ الثوريَّ والأعمشَ روياه عن سلمة بن كهيل؛ فخالفا شعبةَ في إسنادِهِ، على اختلافٍ عليهما فيه.
والثاني: أن سلمة شَكَّ: هل ذكر في الحديث مسح الكفَّين، أو الذِّراعين؟ وكان -أحيانًا- يحدث سلمة به، ويقول: ((إلى المرفقين))، فأنكر ذلك عليه منصور بن المعتمر، فقال سلمة: لا أدري، أذكر الذِّراعين، أم لا؟
خَرَّج ذلك أبو داود، والنسائي، وغيرهما.
ولهذا المعنى أشارَ مسلمٌ إلى اتِّحادِ الإسنادِ من رواية الحكم وسلمة، وسَكَتَ عن اللفظِ؛ فإنه مختلف" (فتح الباري ٢/ ٢٤٣).
قلنا: ففي رواية يحيى القطان هذه خلو من الزيادة على الكفَّين، ولكن رواه عن شعبةَ غير يحيى، فزادوا فيه أشياء.
стр. 13531
فرواه حجاجُ بنُ محمدٍ الأعورُ عن شعبةَ عن سلمةَ عن ذَرٍّ بسنده، وقال فيه: ((ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا، وَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ)) -أَوِ الذِّرَاعَيْنِ- قال شعبةُ: كان سلمةُ يقولُ: الكَفَّيْنِ وَالوَجْهَ وَالذِّرَاعَيْنِ، فَقَالَ لَهُ مَنْصُورٌ ذَاتَ يَوْمٍ: انْظُرْ مَا تَقُولَ! فَإِنَّهُ لا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ غَيْرُكَ.
أخرجه أبو داود في (السنن ٣٢٥) -ومن طريقه البيهقيُّ في (السنن الكبير ١٠٢٣) - عن علي بن سهل.
ورواه النسائيُّ في (الصغرى ٣٢٣)، و (الكبرى ٣٧٥) عن عبد الله بن محمد بن تميم.
كلاهما (علي، وابن تميم) عن حجاج عن شعبة به.
وقد أبانت هذه الرواية أن سلمةَ كان يزيدُ فيه المِرْفَقَيْنِ، وأحيانًا يقول الذِّرَاعَيْنِ، فأنكر عليه منصور ذلك، فشَكَّ سلمةُ بعدُ في ذكر المِرْفَقَيْنِ أَوِ الذِّرَاعَيْنِ، فكان إذا حدَّثَ شعبةُ بهذا الحديث، قال: شَكَّ سلمةُ.
كما رواه محمد بن جعفر غندر -عنه- عن سلمة، عن ذَرٍّ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بهذه القصة، فقال: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ))، وضَرَبَ النبيُّ ﷺ بيده إلى الأرضِ، ثم نَفَخَ فيها، ومَسَحَ بها وجهه وكفَّيه -شَكَّ سلمةُ وقال: لا أدري فيه إلى المِرْفَقَيْنِ، يعني أوِ إلى الكَفَّيْنِ-.
أخرجه أبو داود في (السنن ٣٢٤)، والنسائيُّ في (الصغرى ٣١٧)، و (الكبرى ٣٧٢)، وأحمدُ في (مسنده ١٨٣٣٣)، وغيرهما.
وكذا -رواه أبو داود الطيالسيُّ-، كما في (مسنده ٦٧٤)، ومن طريقه الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ١١٢)، والبيهقيُّ في (الكبير ١٠٢٢) -، فكان يقول فيه: ((ثُمَّ شَكَّ سَلَمَةُ فَلَمْ يَدْرِ إِلَى الكُوعَيْنِ أَوْ إِلَى المِرْفَقَيْنِ))، وعند
стр. 13532
الطحاوي زاد: ((قَالَ سَلَمَةُ: لَا أَدْرِي، بَلَغَ الذِّرَاعَيْنِ أَمْ لَا)).
والزيادةُ المذكورةُ عند الطحاويِّ ذكرها عمرو بن مرزوق عن شعبة بسنده، قال: ((قَالَ سَلَمَةُ: لَا أَدْرِي، بَلَغَ الذِّرَاعَيْنِ أَمْ لَا)).
أخرجه البيهقيُّ في (السنن الكبير ١٠٢١) من طريق عمرو بن مرزوق به.
قلنا: ومدارُ هذه الرواياتِ على شعبةَ، فأَدَخَلَ بين سلمة وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ذرًّا، مخالفًا رواية الأعمش وابن رزيق المتقدمة.
قال ابنُ خُزيمةَ -بعد ذكر طريق الأعمش بالسند المتقدم-: "أَدَخَلَ شعبة بين سلمة بن كهيل، وبين سعيد بن عبد الرحمن في هذا الخبر- ذَرًّا" (الصحيح ١/ ٢٥٢).
وقال ابنُ القطانِ -بعد ذكر الوجه الأول عن الأعمش-: "وهذه الروايةُ هكذا قيل: إنها منقطعةٌ فيما بين سلمة بن كهيل وابن أبزى، فإن سلمةَ لم يسمعْه من عبد الرحمن بن أبزى، إنما سمعه من سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه -في قول الثوري، عن سلمة-، أو: عن ذَرٍّ عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، في قول شعبة، عن سلمة" (بيان الوهم ٣/ ١٣٥).
قلنا: وخالفَ الجميعَ، سفيانُ الثوريُّ، فرواه عن سلمة عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار به، وهو
الوجه الرابع: عن سفيان عن سلمة عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار.
واختلف فيه -أيضًا- أصحاب سفيان في متنه.
فرواه محمد بنُ كَثيرٍ العبدي عن سفيان عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك،
стр. 13533
عن عبد الرحمن بن أبزى به، وفيه: ((وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ)).
أخرجه أبو داود في (السنن ٣٢٢)، -ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد-، والبيهقيُّ في (الكبير ١٠٢٤)، وغيرهما.
بينما رواه عبد الرزاق في (المصنف ٩٢٤)، عن سفيان بسنده، وقال فيه: ((ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا عَلَى وَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ، إِلَى قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ الذَّرِاعِ)).
وقال مؤمل بن إسماعيل في روايته عن سفيان: ((وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ نَفَخَهُمَا وَمَسَحَهُمَا بِوَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ وَذِرَاعَيْهِ إِلَى نِصْفِهِمَا)).
أخرجه الطحاويُّ في (أحكام القرآن ١١٣)، و (شرح معاني الآثار ١/ ١١٢ ولم يسق متنه).
ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك، وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن عبد الرحمن بن أبزى به وقال في متنه: ((ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَبَعْضَ ذِرَاعَيْهِ)).
أخرجه النسائيُّ في (الصغرى ٣٢١)، و (الكبرى ٣٧١)، وأحمد في (المسند ١٨٨٨٢)، وغيرهما من طرق عن عبد الرحمن به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غير عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: "حسن الحديث" (سؤالات الأثرم ١٤).
وذكره البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٥/ ١٣٢)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٥/ ٩٤)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٧/ ٩)، وابنُ خلفون في كتاب (الثقات)،
стр. 13534
وقال: "ليس به بأس" كما في (إكمال تهذيب الكمال ٨/ ٣٠).
ومع ذلك قال ابنُ حَجرٍ في (التقريب ٣٤٢٣): "مقبول"، وذكر له حديثًا في (النتائج ٢/ ٤٠١) فقال: "هذا حديثٌ حسنٌ".
وعلى كلٍّ فقد توبع عبد الله من أبي مالك، ولكن اختلف في تعيينة:
فذكر البيهقيُّ أنه حبيب بن صهبان الكاهلي، في (السنن الكبير ٢/ ١٤٥).
وقال العينيُّ: "وأبو مالك اسمه: حبيب بن صهبان، روى عن عمار بن ياسر. روى عنه: حصين، والأعمش، وغيرهما. وهو المراد هاهنا لأن ثمةَ أبا مالك آخر اسمه غزوان الغِفَاري الكوفي. روى عن: عمار بن ياسر، وابن عباس، والبراء بن عازب، وعبد الرحمن بن أبزى. روى عنه: السُّدي، وسلمة بن كهيل، وحصن بن عبد الرحمن. قال ابن معين: كوفي ثقة. روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي" (شرح أبي داود للعيني ٢/ ١٢٧).
ولكن خالفهما أبو زرعة؛ فقد قال ابنُ أبي حاتم: قلتُ لأبي زرعة: ما اسم أبي مالك؟ قال: "لا يسمَّى، وهو الغِفَاري" (العلل ١/ ٣٩٤).
وقال عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ: "أبو مالك اسمه غزوان، وهو كوفي ثقة. قاله يحيى بن معين، ذكره عنه ابن أبي حاتم" (الأحكام الكبرى ١/ ٥٤٢).
ولذا تعقب البيهقيَّ، ابنُ رجبٍ فقال: "وفيما قاله نظر؛ فإن حبيبَ بنَ صهبانَ هو: أبو مالك الكاهلي الأسدي، وأما الغفاري فاسمه غزوان، قاله ابن معين. وقد فرَّق بينهما ابنُ أبي حاتم، ووقع في بعض نسخ البخاري، غير أن البخاريَّ متوقف غير جازم لأن حبيبَ بنَ صهبانَ يكنى أبا حاتم، ولأن أبا مالك الغفاري اسمه غزوان" (فتح الباري ٢/ ٢٤٩).
وقال الألبانيُّ: "كذا قال البيهقيُّ: (أبي مالك حبيب بن صهبان)! وهو من
стр. 13535
طبقة أبي مالك غزوان الغفاري، كلاهما من التابعين، وهما -وإن كانا اشتركا في الرواية عن عمار بن ياسر- فإني أرى أن الراوي لهذا الحديث إنما هو غزوان الغفاري كما ذكرت آنفًا؛ وذلك لأمور:
أولًا: أنهم ذكروا في ترجمته في الرواة عنه: سلمة بن كهيل وحصين بن عبد الرحمن، وهما من رواة هذا الحديث عنه؛ بخلاف حبيب بن صهبان، فلم يذكروا ذلك في ترجمته.
ثانيًا: أنهم ذكروا أنه من رجال (السنن الثلاثة). وأما حبيب فمن رجال البخاري في (الأدب المفرد) وحده" (صحيح أبي داود ٢/ ١٣٤ - ١٣٥).
قلنا: كلا الراويين قد وُثق في (التقريب).
ولذا صَحَّحَ ابنُ القطانِ روايةَ الثوريِّ هذه فقال: "ذكره أبو داود وهو صحيحٌ متصلٌ" (بيان الوهم ٢/ ٤٣١).
أما الاضطرابُ في المتنِ: فقد تقدَّم في عرضِ الأسانيدِ الاختلافُ في ذلك.
قلنا: وهذه الأوجه الأربعة كما تقدم متساوية في القوة، فإن الأعمشَ وشعبةَ، والثوريَّ، وعمَّارَ بنَ زريق- جميعهم ثقات أثبات متفق على جلالتهم، فلا مسوغ لتقديم رواية أحدهم على الآخر؛ ولذا قال البيهقيُّ: "ورواه سلمة بن كهيل، عن ذَرٍّ بن عبد الله المرهبي، إلا أنه شك في متنه واضطرب فيه".
وقال ابنُ التركماني: "اضطرب إسناده" (الجوهر النقي ١/ ٢١٣).
وقال ابنُ رجبٍ: "وقد رواه عن سلمة بن كهيل: شعبة، وسفيان، والأعمش، واختُلف عنهم في إسناده" (فتح الباري ٢/ ٢٥٠).
стр. 13536
وقد حاولَ بعض أهل العلم الترجيح بين ما تقدم:
فذهبَ أبو زرعة الرازيُّ إلى تقديم رواية شعبة، قال ابنُ أبي حاتم: "سألتُ أبا زرعة عن حديث رواه شعبة والأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن ذَرٍّ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: أن رجلًا أَتَى عمر فقال: إني أجنبت ولم أجد الماء؟ ... فذكر عمار عن النبي ﷺ في التيمم.
ورواه الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: كنت عند عمر؛ إذ جاءه رجل ... قال أبو زرعة: حديث شعبة أشبه" (العلل لابن أبي حاتم ٢).
قلنا: روايةُ الأعمشِ المذكورة تخالف رواية شعبة في سندها ومتنها كما تقدَّم، فليس رواية أحدهما بأولى أن تُقَدَّم على الأخرى.
ولذا خالف أبو حاتم أبا زرعة في الترجيح، فقَدَّم رواية الثوري على شعبة، قال ابنُ أبي حاتم: "وسألتُ أبي عن اختلاف حديث عمار بن ياسر في التيمم وما الصحيح منها، فقال: رواه الثوري، عن سلمة، عن أبي مالك الغِفَاري، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار، عن النبي ﷺ ؛ في التيمم.
ورواه شعبة، عن الحكم، عن ذَرٍّ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، عن النبي ﷺ .
ورواه شعبة، عن سلمة، عن ذَرٍّ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، عن النبي ﷺ . قال أبي: الثوري أحفظ من شعبة" (العلل ٣٤).
قلنا: الذي يترجح لدينا هو ما ذهب إليه البيهقيُّ وابن التركماني؛ من
стр. 13537
اضطراب سلمة فيه، يُرجح ذلك مخالفة الحكم بن عتيبة وعَزْرة بن عبد الرحمن له في متنه، فروياه عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه به، واقتصرا فيه على الوجهِ والكفَّين؛ مما يرجح كون سلمة لم يُتقنْ لفظه؛ ولذا أَنْكره عليه منصورٌ، كما تقدَّم.
وقال البيهقيُّ: "هذا الاختلاف في متن حديث ابن أبزى عن عمار- إنما وقع أكثره من سلمة بن كهيل؛ لشك وقع له، والحكم بن عتيبة فقيهٌ حافظٌ قد رواه عن ذَرٍّ بن عبد الله، عن سعيد بن عبد الرحمن، ثم سمعه من سعيد بن عبد الرحمن، فسَاقَ الحديثَ على الإثبات من غير شَكٍّ، فيه وحديث قتادة عن عزرةَ يوافقه" (السنن الكبير ٢/ ١٤٧).
وقال في (معرفة السنن ٢/ ٢١): "والاعتماد على رواية الحكم بن عتيبة؛ فهو فقيهٌ حافظٌ، لم يشك في الحديث، وساقه أحسن سياقه، كما رواه شقيق بن سلمة، عن أبي موسى، عن عمار".
قلنا: ورواية شقيق عن أبي موسى عن عمار تقدَّمتْ، وقد أخرجها الشيخان.
ولم يخرجِ الشيخان البخاري ومسلم في (صحيحيهما) شيئًا من هذا الاختلاف، وإنما اعتمدا على رواية شقيق المتقدمة ورواية الحكم بن عتيبة، ولعلَّه لِمَ تقدَّم في رواية سلمة بن كهيل، وعدم إخراجهما له دليلٌ على عدم حجيتها عندهما.
قال ابنُ رجبٍ: "وقد كان عند شعبة لهذا الحديث إسناد آخر، رواه عن سلمة بن كهيل، عن ذَرٍّ. كما خرَّجه مسلم من رواية القطان، عن شعبة، ولكن البخاري لم يخرجه عن شعبة من هذا الوجه لأمرين:
стр. 13538
أحدهما: أن سفيانَ الثوريَّ والأعمشَ روياه عن سلمة بن كهيل؛ فخالفا شعبةَ في إسنادِهِ، على اختلافٍ عليهما فيه.
والثاني: أن سلمةَ شَكَّ: هل ذكر في الحديث مسح الكفَّين أو الذِّراعينِ؟ وكان -أحيانًا- يُحَدِّثُ سلمة به، ويقول: ((إلى المرفقين))، فأنكر ذلك عليه منصور بن المعتمر، فقال سلمة: لا أدري، أذكر الذِّراعين، أم لا؟
خَرَّج ذلك أبو داود، والنسائيُّ، وغيرُهما" (فتح الباري ٢/ ٢٤٣).
وقال -أيضًا-: "وقد رواه عن سلمة بن كهيل: شعبة، وسفيان، والأعمش، واختُلف عنهم في إسناده" (فتح الباري ٢/ ٢٥٠).
وقال الألبانيُّ: "واضطرب فيه سلمة بن كهيل. فكان تارة يقول: ويديه إلى نصفِ الذِّراع. وتارة يزيد: ولم يبلغِ المرفقين. وتارة: الكفَّين والذِّراعين، وأخرى لا يذكر إلا الكفَّين، وهو الصواب" (ضعيف أبي داود ١/ ١٣٥).
وقال-أيضًا-: "فشَك سلمة فقال: لا أدري؛ ذكر الذِّراعين أم لا! قلتُ: وهذا هو السببُ في اضطرابِ سلمةَ في هذه الزيادةِ؛ حيثُ كان مرة يثبتها، ومرة ينفيها، كما سبقَ بيانُه (رقم ٣٤٥)، وتارة يشك، كما في هذه الرواية وغيرها" (صحيح أبي داود ٢/ ١٣٩)
وفي موضعٍ آخرَ قال: "قوله في الحديث: إلى نصفِ الذِّراع ... شاذ؛ تفرَّد به: سلمة بن كهيل، وكان يَشُكُّ في هذه الزيادةِ، فمرة يثبتها كما في هذه الرواية والرواية الآتية، ومرة يَشُكُّ فيها كما في الرواية الآتية (رقم ٣٤٧) من طريقٍ أُخرى، وبإسنادٍ آخرَ له عن عبد الرحمن بن أبزى، ومرة ينفيها فلا يذكرها، كما سنذكره (رقم ٣٤٨).
وقد تابعه على ذلك: الحكم بن عتيبة وغيره، كما يأتي، فانظر (رقم
стр. 13539
٣٥١).
فهذا هو الصحيحُ في هذا الحديثِ: الاقتصارُ على ذِكر الكفَّين فقط، وهو الذي ثبتَ من طريق شقيق المتقدمة (رقم ٣٤٤)، وهو الذي رجَّحَه البيهقيُّ (صحيح أبي داود ٢/ ١٣٤).
قلنا: وممن تكلَّم فيما زاد على الوجهِ والكفَّين منَ الكيفيةِ غير مَن تقدَّم:
الإمامُ أحمدُ، فقال ابنُ القيم: "كان ﷺ يَتَيَمَّمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ، ولم يصحَّ عنه أنه تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ ولا إِلَى المِرْفَقَيْنِ، قَالَ الإمامُ أحمدُ: مَن قَالَ: (إِنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى المِرْفَقَيْنِ) فإنما هو شيءٌ زاده مَن عندِهِ" (إغاثة اللهفان ١/ ١٩٣).
وقال حربٌ الكرمانيُّ: "سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول -في التيمم-: ((ضربة واحدة للوجه والكفين، يبدأ بوجهه، ثم يمسح كفيه إحداهما بالأخرى)). قيل له: صَحَّ حديث عمار، عن النبيِّ ﷺ في ذلك؟ قال: نعم، قد صَحَّ" (مسائل حرب كتاب الطهارة والصلاة صـ ١٨٧).
وقال ابنُ حزم -بعد ذكر الأحاديث الواردة في المرفقين وغيرها-: "أما الأخبارُ فكلُّها ساقطةٌ، لا يجوزُ الاحتجاجُ بشيءٍ منها ... ، والأخبارُ الثابتةُ كلُّها عن عمَّارٍ بخلافِ هذا" (٢/ ١٤٨).
وقال عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ: "والصحيحُ المشهورُ في صفة التيمم من تعليمِ النبيِّ ﷺ إنما هو للوجهِ والكفَّينِ، وهذه الأحاديثُ التي لا تزيدُ على ما في المشهورِ ذَكَرَها أبو داود، والنسائيُّ، وغيرهما" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٢١).
يقصدُ بذلك رواية سلمة بن كهيل عند أبي داود والنسائي.
стр. 13540
قال ابنُ القطانِ موضحًا مراده: " ففيه القضاء لأحاديثِ الوجهِ والكفَّينِ بالصحةِ والشهرةِ -وصَدَقَ- ولأحاديث نصف الساعد أو المرفقين بنقيض ذلك ... " (بيان الوهم ٢/ ٤٣٠).
وقال الخطابيُّ: "ذَكَر أبو داود في هذا الباب حديث ابن أبزى من طريق قتادة، وهو أصح الأحاديث وأوضحها" (معالم السنن ١/ ١٠٠).
يقصدُ بذلك حديثَ قتادةَ عن عَزْرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه به، وهذا منه إشارة لضعف رواية سلمة بن كهيل.
وقال ابنُ دَقيقِ العيدِ: "وهذه الروايةُ ذكر فيها الشك من سلمة، وقد تقدَّمت من غير شَكٍّ من جهة الحكم عن ذَرٍّ أنه "الكفَّينِ" (الإمام ٣/ ١٤٣).
وقال ابنُ قدامةَ: " أما حديثُه إلى المرفقينِ، فلا يعول عليه، إنما رواه سلمة، وشَكَّ فيه، فقال له منصورٌ: ما تقولُ فيه، فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك؟ فشَكَّ، وقال: لا أدري، أذكر الذِّراعين، أم لا؟ قال ذلك النسائي.
فلا يثبتُ مع الشَّكِّ، وقد أنكر عليه، وخالف به سائر الرواة الثقات، فكيف يلتفت إلى مثل هذا، وهو لو انفردَ لم يعول عليه، ولم يحتج به؟ ! " (المغني ١/ ٣٢٣).
وقال القرافيُّ: "وروايةُ المرفقين منكرةٌ عند أهل الحديث" (الذخيرة ١/ ٣٥٤).
وقال ابنُ حَجرٍ: "الأحاديثُ الواردةُ في صفةِ التيممِ لم يصحَّ منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيفٌ أو مختلفٌ في رفعه ووقفه، والراجحُ عدم رفعه.
فأما حديث أبي جُهَيْم فورد بذكر اليدين مجملًا. وأما حديث عمار فورد
стр. 13541
بذكر الكفَّين في (الصحيحين) وبذكر المرفقين في (السنن)، وفي روايةٍ: إلى نصفِ الذِّراعِ، وفي روايةٍ: إلى الآباطِ. فأما روايةُ المرفقينِ وكذا نصف الذِّراعِ ففيهما مقالٌ، وأما روايةُ الآباطِ فقال الشافعيُّ وغيره: إن كان ذلك وقعَ بأمرِ النبيِّ ﷺ فكلُّ تيممٍ صَحَّ للنبيِّ ﷺ بعده فهو ناسخٌ له، وإن كان وقعَ بغيرِ أمره فالحجةُ فيما أمر به، ومما يقوي رواية (الصحيحين) في الاقتصارِ على الوجهِ والكفَّينِ كون عمار كان يُفْتي -بعدَ النبيِّ ﷺ بذلكَ، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد" (فتح الباري ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥).
وأقرَّه القسطلانيُّ في (إرشاد الساري ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣)، والزرقانيُّ في (شرح موطأ مالك ١/ ١٢٢)، والصنعانيُّ في (التنوير شرح الجامع الصغير ٥/ ١٣١)، و (سبل السلام ١/ ١٤٢)، والشوكانيُّ في (نيل الأوطار/ ١/ ٣٣٠)، والعظيم آبادي في (عون المعبود ١/ ٥٢٠)، والمباركفوريُّ في (تحفة الأحوذي ١/ ٣٧٥).
[تنبيه]:
حديثُ عمَّارٍ في التيممِ رواه عنه جماعةٌ:
الأول: أبو موسى الأشعري في قصة احتجاجه على ابن مسعود في تيمم الجنب إذا لم يجد الماء، وقد تقدَّمتْ هذه الرواية.
وقد رواه عن أبي موسى شقيق بن سلمة، ورواه عن شقيقٍ الأعمشُ وانفردَ به، ثم رواه عنه جماعةٌ، ولم يختلفوا فيما بينهم في أصلِ التيممِ، وانما اختلفوا في الكيفية هل هي ثابتةٌ في حديث شقيق أم لا؟ وقد تقدَّم بيانُ ذلك، وبينا اتفاق رواية أبي معاوية وعبد الواحد ويعلى بن عبيد، والوليد بن
стр. 13542
القاسم- على ذِكْرها. بينما رواه شعبةُ، وحفصُ بنُ غِياثٍ، وعيسى بن يونس عن الأعمش فلم يذكروا الكيفية؛ ولذا أنكر يحيى القطان ذكر الكيفية من حديث الأعمش عن أبي وائل، فقال حفص بن غياث: " كان الأعمشُ يحدثناه عن سلمة بن كهيل وذكر أبا وائل"، وقد فصَّلنا القولَ في ذلك.
الثاني: ناجية العَنَزي: رواه عنه أبو إسحاق السَّبيعيُّ، وتابعه ابنه يونس، ولم يذكر ناجية فيه شيئًا من الكيفية، وإنما اقتصر على أصل التيمم إلا في رواية منكرة، وحديث ناجية عن عمار منقطع كما قدمنا.
الثالث: عبد الرحمن بن أبزى، ورواه عنه ثلاثة:
الأول: سعيد ابنه، وقد اختلف عليه في متنه، فرواه الحكم بن عتيبة عن ذَرٍّ عنه ثم سمعه الحكم منه مباشرة عن أبيه، واقتصر فيه على ذكر الوجه والكفَّين، لم يزد على ذلك.
وكذا رواه عَزْرة بن عبد الرحمن عن سعيد بنحو رواية ذر والحَكَم المتقدمة، ليس فيه سوى الوجه والكفَّين، وكذا الضربة الواحدة.
بينما خالفهم سلمة بن كهيل، وزاد فيه "المرفقين أو الذراعين"، وأحيانًا كان يشك فيه فيقول: "لا أدري ذكر الذراعين أم لا"، وقد تقدم.
الثاني: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، رواه عنه سلمة بن كهيل، وزاد فيه: "وبعض الذراعين"
الثالث: أبو مالك الغِفَاري، رواه عنه سلمة بن كهيل بنحو رواية عبد الله بن عبد الرحمن المتقدمة، وكان أحيانًا يقول: "إلى نصف الذراع".
ولكن خالف سلمة حصين بن عبد الرحمن فرواه عن أبي مالك سمع عمارًا به موقوفًا، مقتصرًا على الوجه والكفين.
стр. 13543
وقد تكلَّم الدارقطنيُّ في ذِكرِ سماعِ أبي مالك من عمار، وأشار إلى ذلك أبو حاتم، وفَصَّلنا ذلك قريبًا.
وقد تقدَّمتْ هذه الروايات جميعها.
قلنا: ولعمارٍ حديثٌ آخرُ في التيممِ، وزاد في الصفة: "المناكب والآباط".
رواه الزهريُّ، واضطربَ فيه:
فمرة قال: "عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمار".
ومرة قال: "عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عمار".
ومرة قال: "عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن عمار".
فاضطربَ فيه الزهريُّ، وأنكره عليه جماعةٌ، وسيأتي بيانُ ذلك قريبًا.
قلنا: فنظرًا لهذا الاختلاف في كيفية الصفة من حديثِ عمَّارٍ، تكلَّم بعضُ أهلِ العلمِ فيه لذلك.
قال الترمذيُّ: "وقد رُوِيَ عن عمَّارٍ أنه قال: تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى المَنَاكِبِ وَالآبَاطِ". فضَعَّفَ بعضُ أهلِ العلمِ حديثَ عمارٍ عن النبيِّ ﷺ في التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ لما روى عنه حديث المناكب والآباط" (الجامع ١/ ٢٦٨).
والمشارُ إليه في كلام الترمذي ممن ضَعَّفَ الحديثَ هو الإمامُ الشافعيُّ ﵀، وكلامه، كما نقله عنه البيهقيُّ، فقال: "وروى الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، عن الشافعي- حديث ابن عمر في التيمم: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، ثم قال: قال أبو عبد الله -يعني الشافعيَّ-: وبهذا رأيتُ أصحابنا يأخذون، وقد رُوي فيه شيءٌ، عن النبيِّ ﷺ ، ولو
стр. 13544
أعلمه ثابتًا لم أَعْدُهُ ولم أشك فيه، وقد قال عمَّار: تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى المَنَاكِبِ. ورُوي عنه عن النبيِّ ﷺ ، الوجه والكفَّين، وكأنَّ قولَهُ: (تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى المَنَاكِبِ) لم يكن عن أمرِ النبيِّ ﷺ ، فإن ثبتَ عن عمَّارٍ عن النبيِّ ﷺ الوجهَ والكفَّانِ، ولم يثبتْ عن النبيِّ ﷺ إلى المرفقين، فما ثبتَ عن النبيِّ ﷺ أَوْلَى وبهذا كان يفتي سعيد بن سالم، فكأنه في القديم شَكَّ في ثبوت الحديثين لما ذكرنا في كلِّ واحدٍ منهما، ومَسْح الوجه والكفَّين في حديثِ عمارٍ ثابتٌ، وهو أثبتُ من حديثِ مسحِ الذِّراعينِ، إلا أن حديثَ مسحِ الذِّراعينِ -أيضًا- جيدٌ بالشواهدِ التي ذَكرنَاها، وهو في قصةٍ أُخرى، فإن كان حديثُ عمارٍ في ابتداءِ التيممِ حيث نزلتِ الآيةُ ورجعوا إلى النبي ﷺ فأخبرهم أنه يجزيهم من التيمم أقل مما فعلوا، فحديثُ مسحِ الذِّراعينِ بعده فهو أولى بأن يُتبع، وهو أشبه بالكتاب والقياس، وهو فعلُ ابنِ عمرَ صحيحٌ عنه، وقد رُوي عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ مسحُ الوجهِ والكفَّينِ، ورُوي عن عليٍّ بخلافه" (السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٤٨)، وانظر (اختلاف الحديث للشافعي صـ ٧٥)، و (السنن الصغير للبيهقي ١/ ٣١٨).
وقال الطحاويُّ -بعد ذكر اختلاف حديث عمار-: " فقدِ اضطربَ علينا حديثُ عمَّارٍ هذا" (شرح معاني الآثار ١/ ١١٣).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "وكلُّ ما يُروى في هذا الباب عن عمَّارٍ فمضطربٌ مختَلفٌ فيه" (التمهيد ١٩/ ٢٨٧).
وقال في (الاستذكار ٣/ ١٦٥): "أحاديثُ عمَّارٍ في التيممِ كثيرةُ الاضطرابِ، وإن كان رواتها ثقات".
وقال ابنُ العربي: "إسنادُهُ من العجبِ في العلم، والغريب في الحديث
стр. 13545
اتفاق أئمة الصحيح على حديث عمار مع ما فيه من الاضطراب والاختلاف والزيادة والنقصان" (عارضة الأحوذي ١/ ٢٣٩).
وقال الكاسانيُّ: "وأما حديثُ عمَّارٍ ففيه تعارض؛ لأنه رُوي في روايةٍ أُخرَى أن النبيَّ ﷺ قال: ((يَكْفِيكَ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِليَدَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ))، والمتعارض لا يصلح حجة" (بدائع الصنائع ١/ ٤٦).
وقال بدرُ الدينِ العينيُّ: "قال الطحاويُّ وغيرُهُ. إن حديثَ عمَّارٍ لا يصلحُ حجة في كون التيمم إلى الكفَّينِ أو الكوعين أو المرفقين أو المنكبين أو الإبطين، كما ذهبتْ إلى كلِّ واحدٍ طائفةٌ من أهلِ العلمِ؛ وذلك لاضطرابه كما قد رأيتَ؛ فلذلك قال الترمذيُّ: وقد ضَعَّفَ بعضُ أهلِ العلمِ حديثَ عمَّارٍ في التيممِ للوجهِ والكفَّينِ لما رُوِي عنه حديثُ المناكبِ والآباطِ" (عمدة القاري ٤/ ٢٣).
وقال القسطلانيُّ: "إن حديثَ عمَّارٍ هذا لا يصلحُ الاحتجاجُ به لاضطرابه حيثُ روى "والكفَّين"، وفي رواية أخرى "والكوعين"، وفي أخرى لأبي داود "ويديه إلى نصفِ الذِّراعِ"، وفي أخرى له "والذِّراعين إلى نصفِ الساعدِ ولم يبلغِ المرفقين"، وفي أخرى له "إلى المرفقين"، وفي أُخْرَى له أيضًا والنسائيّ "وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط" (شرح صحيح البخاري ١/ ٣٧٢)، وأقرَّه الفتني في (مجمع بحار الأنوار ٤/ ٥٧٤).
قلنا: يجاب عما تقدَّم بأن حديثَ الزهريِّ -في ذكر المناكبِ والآباطِ- ليس هو حديث الوجه والكفَّين، وإنما هما قصتان متغايرتان، قال البيهقيُّ: "إلا أن سياقَ روايتي حديث عمار يدل على قصتين، ويحتمل أن تكون القصة الأخيرة بعد قصة السلام في حديث ابن الصِّمة وابن عمر، ويحتمل
стр. 13546
أن تكون قبلها، فلا وجه فيها إلا الترجيح" (معرفة السنن والآثار ٢/ ٢٢).
كما أن حديثَ الزهريَّ هذا أنكره عليه غير واحد، واضطربَ فيه كما سيأتي تحرير ذلك قريبًا.
وكذا حديث سلمة بن كهيل قد اضطرب فيه، والصحيح في حديث ابن أبزى ما رواه الحكم بن عتيبة وعزرة؛ ولذا اقتصر الشيخان على إخراج حديث الحكم.
قال البيهقيُّ: "هذا الاختلافُ في متن حديث ابن أبزى عن عمَّارٍ- إنما وقعَ أكثره من سلمة بن كهيل لشكٍّ وقعَ له، والحَكَمُ بنُ عُتيبةَ فقيهٌ حافظٌ قد رواه عن ذَرِّ بنِ عبدِ اللهِ عن سعيد بن عبد الرحمن، ثم سمعه من سعيد بن عبد الرحمن، فسَاقَ الحديثَ على الإثباتِ من غير شَكٍّ فيه، وحديث قتادة عن عزرة يوافقه" (السنن الكبير ٢/ ١٤٧).
وقال -أيضًا-: "والاعتماد على رواية الحكم بن عتيبة، فهو فقيهٌ حافظٌ، لم يشك في الحديث، وساقه أحسن سياقة كما رواه شقيق بن سلمة، عن أبي موسى، عن عمار" (معرفة السنن والآثار ٢/ ٢١).
ولما سُئِلَ الإمامُ أحمدُ عن كيفية التيمم قال: "ضربةٌ واحدةٌ للوجهِ والكفَّينِ، يبدأُ بوجههِ، ثم يمسحُ كفَّيه إحداهما بالأُخرى. قيلَ لَهُ: صَحَّ حديث عمَّارٍ، عن النبيِّ ﷺ في ذلك؟ قال: نعم، قد صَحَّ" (مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني (الطهارة والصلاة) (صـ ١٨٧). كأنه لم يلتفتْ إلى خلافِ ذلك.
وقال إسحاقُ بنُ راهوية: "الصحيحُ عن النبيِّ ﷺ المعروفُ المشهورُ؛ الذي يرويه الثقةُ عن الثقةِ بالأخبارِ الصحيحةِ- أن النبيَّ ﷺ علَّمَ عمارَ بنَ ياسرٍ التيمم للوجهِ والكفَّينِ" (مسائل حرب الكرماني- كتاب الطهارة ٣١٣).
стр. 13547
وقال ابنُ عبدِ البرِّ -مائلًا لمذهب أحمد-: "وقد رُوي عن الأوزاعيِّ -وهو أشهر عنه- أن التيممَ ضربةُ واحدةٌ، يمسحُ بها وجهه ويديه إلى الكوعين. وهو قول عطاء، والشعبي في رواية.
وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ وإسحاقُ بنُ راهويه، وداودُ بنُ عليٍّ، والطبريُّ.
وهذا أثبتُ ما يُروى في حديثِ عمَّارٍ.
ورواه أبو وائل شقيق بن سلمة، عن أبي موسى، عن عمار، فقال فيه: ضربة واحدة لوجهه وكفَّيه، ولم يختلفْ في حديثِ أبي وائلٍ هذا.
ورواه سفيانُ الثوريُّ، وأبو معاويةَ، وجماعةٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، ولم يختلفوا فيه، وسائر أسانيد حديث عمار مختلفٌ فيها" (الاستذكار ٣/ ١٦٣).
وهذا ترجيح منه لرواية أبي موسى، والراجحُ في حديثِ ابنِ أَبزى خِلافًا لما رواه سلمةُ.
وقال الخطابيُّ: "ذَهَبَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ إلى أن التيممَ ضربةٌ واحدةٌ للوجهِ والكفَّينِ، وهو قولُ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ ومكحولٍ، وبه قال الأوزاعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ، وعامةُ أصحابِ الحديثِ، وذكر أبو داود في هذا الباب حديث ابن أبزى من طريق قتادة وهو أصح الأحاديث وأوضحها" (معالم السنن ١/ ١٠٠).
يقصدُ بذلك حديث قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه به، وهذا منه إشارة لضعف رواية سلمة بن كهيل.
وقال -أيضًا-: "وهذا المذهبُ أصحُّ في الروايةِ" (معالم السنن ١/ ١٠١).
стр. 13548
وقال عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ: "والصحيحُ المشهورُ في صفة التيمم من تعليمِ النبيِّ ﷺ إنما هو للوجهِ والكفَّينِ، وهذه الأحاديثُ التي لا تزيدُ على ما في المشهورِ، ذكرها أبو داود، والنسائي، وغيرهما" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٢١).
يقصدُ بذلك رواية سلمة بن كهيل عند أبي داود، والنسائي.
قال ابنُ القطانِ موضحا مراده: "ففيه القضاء لأحاديث الوجه والكفين بالصحة والشهرة -وصَدَقَ- ولأحاديث نصف الساعد أو المرفقين بنقيض ذلك ... " (بيان الوهم ٢/ ٤٣٠).
وقال ابنُ قدامةَ في (المغني ١/ ٣٢٣): "قلنا: أما حديثه إلى المرفقين، فلا يعول عليه، إنما رواه سلمة وشك فيه، فقال له منصور: ما تقول فيه فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك؟ فشك، وقال: لا أدري، أذكر الذراعين أم لا؟ قال ذلك النسائيُّ.
فلا يثبتُ مع الشَّكِّ، وقد أُنكرَ عليه، وخالفَ به سائر الرواة الثقات، فكيف يَلتفت إلى مثل هذا؟ وهو لوِ انفردَ لم يُعَوَّل عليه، ولم يحتج به؟ ! ".
وقال ابنُ حَجرٍ: "الأحاديثُ الواردةُ في صفةِ التيممِ لم يصحَّ منها سوى حديث أبي جُهَيْم وعمار، وما عداهما فضعيفٌ أو مختلفٌ في رفعه ووقفه، والراجحُ عدم رفعه، فأما حديثُ أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملًا، وأما حديثُ عمَّارٍ فوردَ بذكرِ الكفَّين في (الصحيحين) وبذكر المرفقين في (السنن)، وفي رواية: إلى نصف الذراع، وفي رواية: إلى الآباط، أما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع ففيهما مقالٌ، وأما روايةُ الآباطِ فقال الشافعيُّ وغيرُهُ: إن كان ذلك وقعَ بأمرِ النبيِّ ﷺ فكلُّ تيممٍ صَحَّ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم
стр. 13549
بعده فهو ناسخٌ له، وإن كان وقعَ بغيرِ أمرهِ فالحجةُ فيما أَمَر به، ومما يُقوي رواية (الصحيحين) في الاقتصار على الوجهِ والكفَّينِ كون عمَّار كان يفتي بعد النبيِّ ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد" (فتح الباري ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥).
قال اللكنويُّ: "إن الاضطرابَ في هذا المقام غير مضر؛ لكون روايات المرفقين والمنكبين مرجوحة ضعيفة بالنسبة إلى غيرها، فسقط الاعتبار بها، وروايات الآباط قصتها مقدمة على قصة روايات الكفين فلا تعارضها، فبقيت روايات الكفين سالمة عن القدح والمعارِضَة. وبالجملة الاضطراب في الرواية كما حُقق في موضعه إنما يضر بالاحتجاج إذا لم يوجد فيه ترجيح، وأما إذا وجد مرجح يرجح البعض، يوخذ به ويهجر ما عداه" (السعاية صـ ٥١٢ ط. لاهور).
стр. 13550
رِوَايَةٌ مُخْتَصَرةٌ إِلَى المِرْفَقَيْنِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِلَى المِرْفَقَيْنِ)).
[الحكم]: منكر بذكر ((المِرْفَقَيْنِ))، والصواب فيه بلفظ: ((الكَفَّيْنِ)) كما في (الصحيحين).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ وضَعَّفَهُ: البيهقيُّ، وابنُ حزمٍ، وابنُ الجوزي، وابنُ القطانِ، والمنذريُّ، وابنُ دقيقِ العيدِ، وابنُ رجبٍ، وابنُ كَثيرٍ، والعينيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[د ٣٢٨/ بز ١٣٩١/ قط (١/ ٣٣٥) / هق ١٠٢٦، ١٠٢٧/ هقع (٢/ ٢١/ ١٥٨٧، ١٥٨٨) / استذ (٣/ ١٦٤ - ١٦٥) / تمهيد (١٩/ ٢٨٦)].
[السند]:
رواه أبو داود -ومن طريقه البيهقيُّ-: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبان، قال: سُئِلَ قتادةُ عن التيممِ في السفرِ، فقال: حدَّثني محدثٌ، عن الشعبيِّ، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار به.
ومداره عندهم على موسى بن إسماعيل به.
[التحقيق]:
هذا إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإبهام شيخ قتادة، قال ابنُ رجبٍ: "وقد رُوي عن قتادةَ، قال: حدَّثني محدثٌ عن الشعبيِّ، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار بن ياسر: أن رسول الله ﷺ قال: ((إلى المرفقين))، خَرَّجه أبو داود، وهذا الإسنادُ مجهولٌ لا يَثبتُ، والصحيح: عن قتادة، عن عَزْرة، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمار: ((أن النبيَّ ﷺ أَمَرَهُ بالتيممِ للوجهِ والكفَّينِ))،