أن تكون قبلها، فلا وجه فيها إلا الترجيح" (معرفة السنن والآثار ٢/ ٢٢).
كما أن حديثَ الزهريَّ هذا أنكره عليه غير واحد، واضطربَ فيه كما سيأتي تحرير ذلك قريبًا.
وكذا حديث سلمة بن كهيل قد اضطرب فيه، والصحيح في حديث ابن أبزى ما رواه الحكم بن عتيبة وعزرة؛ ولذا اقتصر الشيخان على إخراج حديث الحكم.
قال البيهقيُّ: "هذا الاختلافُ في متن حديث ابن أبزى عن عمَّارٍ- إنما وقعَ أكثره من سلمة بن كهيل لشكٍّ وقعَ له، والحَكَمُ بنُ عُتيبةَ فقيهٌ حافظٌ قد رواه عن ذَرِّ بنِ عبدِ اللهِ عن سعيد بن عبد الرحمن، ثم سمعه من سعيد بن عبد الرحمن، فسَاقَ الحديثَ على الإثباتِ من غير شَكٍّ فيه، وحديث قتادة عن عزرة يوافقه" (السنن الكبير ٢/ ١٤٧).
وقال -أيضًا-: "والاعتماد على رواية الحكم بن عتيبة، فهو فقيهٌ حافظٌ، لم يشك في الحديث، وساقه أحسن سياقة كما رواه شقيق بن سلمة، عن أبي موسى، عن عمار" (معرفة السنن والآثار ٢/ ٢١).
ولما سُئِلَ الإمامُ أحمدُ عن كيفية التيمم قال: "ضربةٌ واحدةٌ للوجهِ والكفَّينِ، يبدأُ بوجههِ، ثم يمسحُ كفَّيه إحداهما بالأُخرى. قيلَ لَهُ: صَحَّ حديث عمَّارٍ، عن النبيِّ ﷺ في ذلك؟ قال: نعم، قد صَحَّ" (مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني (الطهارة والصلاة) (صـ ١٨٧). كأنه لم يلتفتْ إلى خلافِ ذلك.
وقال إسحاقُ بنُ راهوية: "الصحيحُ عن النبيِّ ﷺ المعروفُ المشهورُ؛ الذي يرويه الثقةُ عن الثقةِ بالأخبارِ الصحيحةِ- أن النبيَّ ﷺ علَّمَ عمارَ بنَ ياسرٍ التيمم للوجهِ والكفَّينِ" (مسائل حرب الكرماني- كتاب الطهارة ٣١٣).
стр. 13547
وقال ابنُ عبدِ البرِّ -مائلًا لمذهب أحمد-: "وقد رُوي عن الأوزاعيِّ -وهو أشهر عنه- أن التيممَ ضربةُ واحدةٌ، يمسحُ بها وجهه ويديه إلى الكوعين. وهو قول عطاء، والشعبي في رواية.
وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ وإسحاقُ بنُ راهويه، وداودُ بنُ عليٍّ، والطبريُّ.
وهذا أثبتُ ما يُروى في حديثِ عمَّارٍ.
ورواه أبو وائل شقيق بن سلمة، عن أبي موسى، عن عمار، فقال فيه: ضربة واحدة لوجهه وكفَّيه، ولم يختلفْ في حديثِ أبي وائلٍ هذا.
ورواه سفيانُ الثوريُّ، وأبو معاويةَ، وجماعةٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، ولم يختلفوا فيه، وسائر أسانيد حديث عمار مختلفٌ فيها" (الاستذكار ٣/ ١٦٣).
وهذا ترجيح منه لرواية أبي موسى، والراجحُ في حديثِ ابنِ أَبزى خِلافًا لما رواه سلمةُ.
وقال الخطابيُّ: "ذَهَبَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ إلى أن التيممَ ضربةٌ واحدةٌ للوجهِ والكفَّينِ، وهو قولُ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ ومكحولٍ، وبه قال الأوزاعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ، وعامةُ أصحابِ الحديثِ، وذكر أبو داود في هذا الباب حديث ابن أبزى من طريق قتادة وهو أصح الأحاديث وأوضحها" (معالم السنن ١/ ١٠٠).
يقصدُ بذلك حديث قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه به، وهذا منه إشارة لضعف رواية سلمة بن كهيل.
وقال -أيضًا-: "وهذا المذهبُ أصحُّ في الروايةِ" (معالم السنن ١/ ١٠١).
стр. 13548
وقال عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ: "والصحيحُ المشهورُ في صفة التيمم من تعليمِ النبيِّ ﷺ إنما هو للوجهِ والكفَّينِ، وهذه الأحاديثُ التي لا تزيدُ على ما في المشهورِ، ذكرها أبو داود، والنسائي، وغيرهما" (الأحكام الوسطى ١/ ٢٢١).
يقصدُ بذلك رواية سلمة بن كهيل عند أبي داود، والنسائي.
قال ابنُ القطانِ موضحا مراده: "ففيه القضاء لأحاديث الوجه والكفين بالصحة والشهرة -وصَدَقَ- ولأحاديث نصف الساعد أو المرفقين بنقيض ذلك ... " (بيان الوهم ٢/ ٤٣٠).
وقال ابنُ قدامةَ في (المغني ١/ ٣٢٣): "قلنا: أما حديثه إلى المرفقين، فلا يعول عليه، إنما رواه سلمة وشك فيه، فقال له منصور: ما تقول فيه فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك؟ فشك، وقال: لا أدري، أذكر الذراعين أم لا؟ قال ذلك النسائيُّ.
فلا يثبتُ مع الشَّكِّ، وقد أُنكرَ عليه، وخالفَ به سائر الرواة الثقات، فكيف يَلتفت إلى مثل هذا؟ وهو لوِ انفردَ لم يُعَوَّل عليه، ولم يحتج به؟ ! ".
وقال ابنُ حَجرٍ: "الأحاديثُ الواردةُ في صفةِ التيممِ لم يصحَّ منها سوى حديث أبي جُهَيْم وعمار، وما عداهما فضعيفٌ أو مختلفٌ في رفعه ووقفه، والراجحُ عدم رفعه، فأما حديثُ أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملًا، وأما حديثُ عمَّارٍ فوردَ بذكرِ الكفَّين في (الصحيحين) وبذكر المرفقين في (السنن)، وفي رواية: إلى نصف الذراع، وفي رواية: إلى الآباط، أما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع ففيهما مقالٌ، وأما روايةُ الآباطِ فقال الشافعيُّ وغيرُهُ: إن كان ذلك وقعَ بأمرِ النبيِّ ﷺ فكلُّ تيممٍ صَحَّ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم
стр. 13549
بعده فهو ناسخٌ له، وإن كان وقعَ بغيرِ أمرهِ فالحجةُ فيما أَمَر به، ومما يُقوي رواية (الصحيحين) في الاقتصار على الوجهِ والكفَّينِ كون عمَّار كان يفتي بعد النبيِّ ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد" (فتح الباري ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥).
قال اللكنويُّ: "إن الاضطرابَ في هذا المقام غير مضر؛ لكون روايات المرفقين والمنكبين مرجوحة ضعيفة بالنسبة إلى غيرها، فسقط الاعتبار بها، وروايات الآباط قصتها مقدمة على قصة روايات الكفين فلا تعارضها، فبقيت روايات الكفين سالمة عن القدح والمعارِضَة. وبالجملة الاضطراب في الرواية كما حُقق في موضعه إنما يضر بالاحتجاج إذا لم يوجد فيه ترجيح، وأما إذا وجد مرجح يرجح البعض، يوخذ به ويهجر ما عداه" (السعاية صـ ٥١٢ ط. لاهور).
стр. 13550
رِوَايَةٌ مُخْتَصَرةٌ إِلَى المِرْفَقَيْنِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِلَى المِرْفَقَيْنِ)).
[الحكم]: منكر بذكر ((المِرْفَقَيْنِ))، والصواب فيه بلفظ: ((الكَفَّيْنِ)) كما في (الصحيحين).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ وضَعَّفَهُ: البيهقيُّ، وابنُ حزمٍ، وابنُ الجوزي، وابنُ القطانِ، والمنذريُّ، وابنُ دقيقِ العيدِ، وابنُ رجبٍ، وابنُ كَثيرٍ، والعينيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[د ٣٢٨/ بز ١٣٩١/ قط (١/ ٣٣٥) / هق ١٠٢٦، ١٠٢٧/ هقع (٢/ ٢١/ ١٥٨٧، ١٥٨٨) / استذ (٣/ ١٦٤ - ١٦٥) / تمهيد (١٩/ ٢٨٦)].
[السند]:
رواه أبو داود -ومن طريقه البيهقيُّ-: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبان، قال: سُئِلَ قتادةُ عن التيممِ في السفرِ، فقال: حدَّثني محدثٌ، عن الشعبيِّ، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار به.
ومداره عندهم على موسى بن إسماعيل به.
[التحقيق]:
هذا إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإبهام شيخ قتادة، قال ابنُ رجبٍ: "وقد رُوي عن قتادةَ، قال: حدَّثني محدثٌ عن الشعبيِّ، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار بن ياسر: أن رسول الله ﷺ قال: ((إلى المرفقين))، خَرَّجه أبو داود، وهذا الإسنادُ مجهولٌ لا يَثبتُ، والصحيح: عن قتادة، عن عَزْرة، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمار: ((أن النبيَّ ﷺ أَمَرَهُ بالتيممِ للوجهِ والكفَّينِ))،
стр. 13551
خرَّجه الترمذيُّ، وصَحَّحَهُ" (فتح الباري لابن رجب ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١).
وقال البيهقيُّ: "وأما حديثُ قتادةَ عن محدثٍ عن الشعبيِّ فهو منقطعٌ، لا يُعلمُ مَن الذي حدَّثَه فينظر فيه".
وقال ابنُ حزمٍ: "لم يُسَمِّ قتادةُ مَن حَدَّثه، والأخبارُ الثابتةُ كلُّها عن عمَّارٍ بخلافِ هذا، فسقطَ هذا الخبرُ" (المحلى ٢/ ١٤٩).
وقال ابنُ الجوزي: "إن قيل: فقد روى أبو داود من حديث عمار أنه قال: إلى المرفقين. قلنا: تلك الطريق يقول فيها قتادة: حدثني محدثٌ عن الشعبي عن ابن أبزى عن أبيه عن عمار. ومثل هذا لا يُقَدَّم على روايتنا الصحيحة" (التحقيق ١/ ٢٣٤).
وقال ابنُ القطانِ: "وهذه الروايةُ إنما هي عند أبي داود منقطعةُ الإسنادِ" (بيان الوهم والإيهام ٢/ ٥٤٥).
وقال المنذريُّ: "في إسنادِ هذه الروايةِ رجلٌ مجهولٌ" (مختصر سنن أبي داود ١/ ٢٠٤)
وقال ابنُ دَقيقِ العيدِ: "وهذا كالمنقطعِ لجهالةِ المحدثِ عن الشعبيِّ، وقد تقدَّمَ في الصحيح رواية عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار: "إلى الكفين" (الإمام ٣/ ١٤٢).
وقال ابنُ كَثيرٍ: "فيه رجلٌ مبهمٌ" (إرشاد الفقيه ١/ ٧٢).
وقال بدرُ الدينِ العينيُّ: "وفي هذه الرواية رجلٌ مجهولٌ" (شرح أبي داود للعيني ٢/ ١٣٢).
وقال الألبانيُّ: "وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير
стр. 13552
محدث قتادة؛ فإنه لم يُسَمَّ؛ فهو مجهول. وقد رواه قتادة وغيره بأسانيد صحيحة عن ابن أبزى؛ بلفظ: الكفين" (ضعيف أبي داود ١/ ١٣٥).
وقال أيضًا: "واعلم أنه قد رُوي هذا الحديث عن عمار بلفظ: ((ضَرْبَتَيْنِ)) كما وقع في بعض طرقه: ((إِلَى المِرْفَقَيْنِ))، وكلُّ ذلك معلولٌ لا يصحُّ" (الإرواء ١/ ١٨٥، ١٨٦).
стр. 13553
٣١٠٦ - حَدِيثُ ابنِ أَبْزَى مُرْسَلًا
◼ عَنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَى قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ فِي غَزْوَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، فَاحْتَلَمَ عَمَّارٌ، فَجَعَلَ يَتَمَرَّغُ فِي التُّرَابِ، فَلَمَّا رَجَعَ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لِعَمَّارٍ: ((تَمَرَّغْتَ كَتَمَرُّغِ الحِمَارِ؟ ! إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ -وَأَهْوَى بِيَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ- أنْ تَضَعَهُمَا هَكَذَا -قال سلمةُ-: أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الصَّعِيدَ، ثُمَّ تَمْسَحَ وَجْهَكَ وَذِرَاعَيْكَ، وَتُصِلِّيَ)).
[الحكم]: منكرٌ بهذا اللفظِ.
[التخريج]: [طس ١٥٠٤].
[السند]:
رواه الطبرانيُّ عن أحمد بن محمد بن صدقة، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثني جدي محمد بن سليمان، عن أبيه سليمان بن أبي داود، قال: حدثني الحكم بن عتيبة، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى به.
قال الطبرانيُّ: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن الحكم إلا سليمان، تفرَّدَ به: محمد بن سليمان".
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، فيه سليمان بن أبي داود، وهو الحراني؛ ضَعَّفه أبو حاتم، وقال أبو زرعة: "لَيِّن الحديث"، وقال البخاريُّ: "منكر الحديث"،
стр. 13554
وقال أحمد: "ليس بشيء"، وقال ابنُ حِبَّانَ: "لا يحتج به"، وقال أبو أحمد الحاكم: "في حديثه بعض المناكير"، وذكره الساجي في الضعفاء، وقال الأزدي: "منكر الحديث" (لسان الميزان ٣٦٠٨). وقال النسائيُّ: "ليس بثقةٍ ولا مأمونٍ" (تهذيب التهذيب ٩/ ٢٠٠/ ترجمة ابنه محمد).
قلنا: وقد وهم سليمان في موضعين من سنده:
الأول: أنه جعل الحديث من رواية الحكم عن سلمة، والصحيح أن الحكمَ متابِع لسلمة على إسناده، هكذا رواه شعبة عنهما كما عند مسلم (٣٦٨)، والنسائي (الصغرى ٣٢٣)، وغيرهما.
الثاني: أنه أرسل الحديث، فسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى تابعي، فحديثه عن النبي ﷺ مرسل، والحديث في (الصحيحين) وغيرهما من رواية سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى، شهدَ عمرَ وعمارًا ... الحديث، وقد سبقَ مِرارًا، إلا أنْ يكون سقط ذكر أبيه من سنده، كما يميل إليه عمل محقق الأوسط، حيث قال: "رواه أصحاب الكتب الستة عنه عن أبيه، فهل سقط من الأصل أم الرواية مرسلة؟ الله أعلم" (٢/ ١٣٩ حاشية رقم ١).
وأصل القصة صحيح بغير هذا اللفظ كما سبق، ليس فيه ذكر "الذراعين".
٣١٠٨ - حَدِيثُ أَبِي الجُهَيْمِ:
◼ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الجُهَيْمِ بنِ الحَارِثِ بنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الجُهَيْمِ: ((أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلَامَ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، دونَ قولِهِ: ((وَذِرَاعَيْهِ)) فمنكرٌ، والصوابُ: ((وَيَدَيْهِ))، وكذا قال ابنُ قدامةَ.
وضَعَّفَهُ: الخطابيُّ، وابنُ الجوزيِّ، وابنُ دقيقِ العيدِ، وابنُ عبدِ الهادِي، وابنُ رَجبٍ، وابنُ حَجرٍ.
[التخريج]: [قط ٦٧١ (واللفظ له) / هق ١٠٠٦/ هقع (٢/ ٧)].
[السند]:
أخرجه الدارقطنيُّ في (السنن ٦٧١) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبرى)، و (المعرفة) - قال: حدثنا أبو عمر محمد بن يوسف، نا محمد بن إسحاق، نا أبو صالح، حدثني الليث، حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم ... فذكره.
стр. 13557
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، عدا أبا صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث؛ فالجمهورُ على تليينه، انظر (تهذيب الكمال ١٥/ ١٠١ - ١٠٧).
وقال الحافظُ: "صدوقٌ كثيرُ الغلطِ، ثَبْتٌ في كتابه، وكانت فيه غفلة" (التقريب ٣٣٨٨).
قلنا: وقول الحافظُ: "ثَبْتٌ في كتابه" فيه نظر؛ فقد قال ابنُ حِبَّانَ: "سمعتُ ابنَ خُزيمةَ يقول: كان له جار بينه وبينه عداوة، فكان يضعُ الحديثَ على شيخ عبد الله بن صالح، ويكتب في قرطاس بخط يشبه خط عبد الله بن صالح، ويطرح في داره في وسط كتبه، فيجده عبد الله فيحدث به، فيتوهم أنه خطه وسماعه، فمن ناحيته وقع المناكير في أخباره" (المجروحين ١/ ٥٣٤). فهذا يدلُّ على أن كُتُبَهُ -أيضًا- دخلها الخللُ، والله أعلم.
وقد اختلف عليه في لفظه:
فرواه محمد بن إسحاق الصاغاني الحافظ عنه به بلفظ: ((فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ))، كما في هذه الرواية.
ورواه ابنُ الجارودِ في (المنتقى ١٢٨): عن محمد بن يحيى الذهلي. وابنُ أبي عاصمٍ في (الآحاد والمثاني ٢١٧٥): عن محمد بن عوف الطائي. وأبو أحمدَ الحاكمُ في (الأسامي والكنى ٣/ ١٨٦): من طريق الفضل بن محمد (الشعراني).
ثلاثتهم: عن أبي صالح، به بلفظ: ((فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ)). وكذا رواه يحيى بن بكير وشعيب بن الليث عن الليث به. وقد تقدَّمَ تحت باب "التيمم ضربة
стр. 13558
للوجه والكفين".
وأعلَّه ابنُ الجوزي بأبي صالح، فقال: "وقد رُوي -أي: مسح الذراعين- من حديثِ كاتبِ الليثِ، وهو مطعونٌ فيه" (التحقيق ١/ ٢٣٦).
وقال ابنُ دَقيقِ العيدِ: "وقد وردَ في بعضِ روايات حديث أبي الجهيم: ((أنه ﷺ مسح وجهه وذراعيه)) والذي في الصحيح: ((ويديه)) " (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام صـ ٨٠).
وقال ابنُ عبدِ الهادِي: "وحديث أبي جهيم بن الحارث بن الصمة- ذِكرُ الذِّراعينِ فيه غيرُ صحيحٍ، وإنما لفظه الصحيح: ((فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ)). كذلك رواه البخاريُّ في (صحيحه) عن يحيى بن بكير عن الليث، وكذلك رواه مسلمٌ تعليقًا عن الليثِ، وكذلك رواه أبو داود في (سننه) عن عبد الملك بن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده، والنسائيُّ عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، ... وكلهم قالوا: ((فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ))، ولم يذكرْ أحدٌ منهم في رواية ((الذِّرَاعَيْنِ))، وفي ذلك دليلٌ على خطأ أبي صالح كاتب الليث في ذكره الذراعين، مع أن أبا صالح قد روي عنه أنه قال: ((فمسح يديه، ثم رد ﵇)، لم يذكر الوجه ولا الذراعين" (تعليقه على العلل لابن أبي حاتم صـ ١٦٨).
وقال ابنُ قدامةَ: "وأما أحاديثُهم فضعيفةٌ ... ، وحديثُ ابنِ الصِّمَّة صحيحٌ، لكن إنما جاء في المتفق عليه: فمسحَ وجهَهُ ويديه" (المغني ١/ ٣٢٢).
وقال ابنُ رَجبٍ: "ورواه أبو صالح كاتب الليث بن سعد عنه، وقال في حديثه أيضًا: (فمسح بوجهه وذراعيه) وأبو صالح تغيَّرَ بأَخَرَةٍ، وقد اختُلِفَ
стр. 13559
عليه في لفظه، ورواية يحيى بن بُكير أصح. قال الخطابيُّ: حديث أبي الجهيم في مسح الذراعين لا يصح.
يعني: لا يصح رواية من روى فيه مسح الذراعين" (فتح الباري ٢/ ٢٣٣).
وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: "والثابتُ في حديث أبي جهيم أيضًا بلفظ: ((يديه)) لا ((ذراعيه))، فإنها رواية شاذة مع ما في أبي الحويرث وأبي صالح من الضعف" (فتح الباري ١/ ٤٤٢).
قلنا: رواية أبي الحويرث سيأتي تخريجها قريبًا.
стр. 13560
رِوَايَةُ: حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ فَحَتَّهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: ((مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ فَحَتَّهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ)).
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياقِ، وضَعَّفَهُ: الأثرمُ، والبيهقيُّ، والخطابيُّ، وابنُ دَقيقِ العيدِ، وابنُ حَجرٍ، ومحمد أنور شاه الكشميري.
[التخريج]:
[أم ٤٤، ١٠٣، ١٠٦/ شف ٣٨ (واللفظ له)، ٨٨، ٨٩/ خشف ٧٦/ منذ ٥٣٨/ ثعلب ١١٥٢/ هق ١٠٠٧/ هقع ١٥٣٠/ بغ ٣١٠/ بغت (١/ ٤٣٦) / نبغ ٥٠٢/ مغلطاي (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨)].
[السند]:
رواه الشافعيُّ في (الأم ١٠٦)، و (المسند ٣٨)، و (اختلاف الحديث ٧٦) -ومن طريقه الباقون- قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث (عبد الرحمن بن معاوية)، عن الأعرج، عن ابن الصمة، به.
ابن الصمة هو أبو الجُهَيْم بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاري.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ؛ مسلسلٌ بالعللِ:
الأولى: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى شيخ الشافعي، "متروك" كما في (التقريب ٢٤١). وكَذَّبه غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ. انظر (تهذيب التهذيب ١/ ١٥٨ - ١٦١).
стр. 13561
وبه أعلَّه الأثرمُ، فقال: "أما حديثُ أبي جُهيم فإنما هو من حديث إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك" (الإمام لابن دقيق ٣/ ١٥٥).
وقال محمد أنور شاه الكشميري: "وجدتُ فيه راويًا ساقطًا، وهو إبراهيم بن محمد" (فيض الباري ١/ ٥٢٤).
الثانية: أبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث؛ قال عنه الحافظ: "صدوق سيئ الحفظ، رُمي بالإرجاء" (التقريب ٤٠١١).
وبه أعلَّه ابنُ دَقيقٍ في (الإمام ٣/ ١٥٥).
الثالثة: الانقطاع بين الأعرج وابن الصمة؛ فقد تقدم الحديث في (الصحيحين) وغيرهما من طرق عن عبد الرحمن الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس، عن أبي الجهيم، به.
وأعله البيهقيُّ بالعلل الثلاث، فقال: "هذا منقطعٌ؛ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج لم يسمعْه من ابن الصمة، إنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة.
وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية- قد اختلف الحفاظ في عدالتهما" (السنن الكبرى عقب رقم ١٠٠٧).
ثم إن المحفوظَ في متن هذا الحديث -كما تقدم في الصحيحين وغيرهما- أنه سلَّم على النبيِّ بعدما قضى حاجته وأقبل، وليس فيه حت الجدار بالعصا، ولا مسح الذراعين.
فالحديثُ بالسياقِ المذكورِ منكرٌ.
ولذا قال الخطابيُّ: "حديث أبي الجهيم في مسح الذراعين لا يصحُّ" (فتح
стр. 13562
الباري لابن رجب ٢/ ٢٣٣).
وقال الحافظُ: "والثابتُ في حديث أبي جهيم أيضًا بلفظ: ((يديه))، لا ((ذراعيه))؛ فإنها رواية شاذة، مع ما في أبي الحويرث وأبي صالح من الضعف" (الفتح ١/ ٣٥٠).
ومع هذا قال البغويُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ"! ! (شرح السنة ٢/ ١١٥)، وأقرَّه مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨). وهذا تساهلٌ ظاهرٌ.
ولذا قال الكشميريُّ: "أخرجه البغويُّ في قصة أبي الجهيم أنه رَدَّ ﵇ بعدما مسحَ بوجهه وذراعيه، وحَسَّنه، ثم اطلعتُ على إسناده بعد زمان فوجدتُ فيه راويًا ساقطًا، وهو إبراهيم بن محمد" (فيض الباري ١/ ٥٢٤).
قلنا: ولعلَّ البغويَّ اعتمدَ على كلام الشافعيِّ في (اختلاف الحديث صـ ٧٤) حيثُ قالَ: "وابن الصمة وبنو الصمة معروفون، بدريون وأُحُديون، وأهل غناء في الإسلام ومكان منه، والأعرج وأبو الحويرث ثقة، ولو كان حديث ابن الصمة مخالفًا حديث عمار بن ياسر غير بين أنه نسخه، كان حديث ابن الصمة أولاهما أن يؤخذ به".
ولذا حاولَ بعضُ العلماءِ أن يجمعَ بين روايةِ أبي الحويرثِ هذه والرواياتِ المتقدمةِ على الاتصالِ، بتعدد الأحوال:
فقال الرافعيُّ: "في إسنادِ الشافعيِّ اختصارٌ فإن الأعرجَ لم يسمعْه من ابن الصمة؛ إنما سمعه من عُميرٍ عنه، لكن يحتمل أن يكون سمعه من عمير ومن ابن الصمة، فروى تارة عن هذا وتارة عن هذا، ويؤيده أن موسى بن عقبة رواه عن الأعرج عن أبي جهيم، من غير توسيط عمير كما هو في رواية
стр. 13563
الشافعي، وبتقدير أن يكون مرسلًا فإذا صحَّ الحديثُ موصولًا صَحَّ الاحتجاجُ به" (شرح مسند الشافعي ١/ ١٢٥)، وأقرَّه السيوطيُّ (الشافي العي على مسند الشافعي صـ ٩٣)
قلنا: هذا الكلامُ يصحُّ إذا صَحَّ السندُ إلى أبي الحويرث، وقد تقدم ما فيه، فكيف وأبو الحويرث نفسه مطعون فيه؟ !
стр. 13564
٣١٠٩ - حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ
◼ عَنْ أَبي ذَرٍّ قَالَ: ((وَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ)).
[الحكم]: منكرٌ بذكرِ المرفقينِ، وضَعَّفَهُ: ابنُ حزم، وأقرَّه مغلطاي.
[التخريج]: [محلى (٢/ ١٤٨، ١٥٠) معلقًا].
[السند]:
قال ابنُ حزمٍ: رويناه من طريق ابن جريج عن عطاءٍ، حدَّثنى رجلٌ أن أبا ذَرٍّ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لجهالة راويه عن أبي ذَرٍّ، كما سبقَ في الروايةِ السابقةِ.
ولذا قال ابنُ حزمٍ: "وهذا كما تَرَى، لا نَدْرِي مَن ذلك الرجل، فسقطَ هذا الخبر أيضًا"، وأقرَّه مغلطاي (شرح ابن ماجه ٢/ ٣١٩).
قلنا: وقوله إلى: "المرفقين" يخالفه المحفوظ من حديث عمار بالاقتصار على الكفَّين، كما سبق في (الصحيحين).
стр. 13565
٣١١٠ - حَدِيثُ أَبِي بَكْرِ بنِ الحَارِثِ
◼ عَنِ الحَارِثِ بنِ أَبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى ابنُ الحَمَامَةِ السُّلَمِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَثْنَيْتُ عَلَى رَبِّي، وَمَدَحْتُكَ. فَقَالَ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ))، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ بِهِ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَال: ((أَمَّا مَا أَثْنَيْتَهُ عَلَى رَبِّكَ فَهَاتِهِ، وَأَمَا مَا مَدَحْتَنِي بِهِ، فَدَعْهُ عَنْكَ))، فَأَنْشَدَهُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، دَعَا بِلَالًا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى حَائِطِ المَسْجِدِ، فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ.
[الحكم]: مرسلٌ ضعيفُ الإسنادِ، وأعلَّه بالإرسالِ ابنُ رَجبٍ، وابنُ حَجرٍ.
[الفوائد]:
قال ابنُ رَجبٍ: "وفيه جوازُ التَّيممِ بترابِ جدارِ المسجدِ، وهو رَدٌّ على مَن كرهه من متأخري الفقهاء، وهو منَ التنطع والتعمق" (فتح الباري ٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
[التخريج]:
[صبغ ١٨٩٥/ حكيم ١٢٥٢ (واللفظ له) / تخث (الثاني/ ٢٥٣٦) / صمند (أسد ٦/ ٣٣١) / صحا ٧٠٧٦/ قا ٦٤٣/ هق ١٠٨٣ م].
[السند]:
رواه الحكيمُ الترمذيُّ في (نوادر الأصول) فقال: حدثنا الجارود بن معاذ حدثنا جرير عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الحارث بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه به.
стр. 13566
ورواه أبو القاسم البغوي -وعنه ابن قانع (١) ومن طريقه البيهقيُّ في (السنن الكبير) - قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، به.
ورواه ابنُ أبي خيثمةَ -ومن طريقه أبو نُعيمٍ في (معرفة الصحابة) - عن أبي غسان مالك بن إسماعيل عن موسى بن محمد الأنصاري عن ابن إسحاق به.
ومداره عند الجميع على محمد بن إسحاق به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه ثلاثُ عِللٍ:
العلة الأولى: الإرسالُ؛ فأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام معدود من التابعين، وهو أحدُ الفقهاءِ السبعة. انظر: (تذكرة الحفاظ ٥٣)، و (التقريب ٧٩٧٦).
وقد أعلَّه بذلك: ابنُ رَجبٍ في (فتح الباري ٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وابنُ حَجرٍ في (الإصابة ٨/ ٣٦٤).
العلة الثانية: الحارث بن أبي بكر؛ ترجمَ له البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٢/ ٢٦٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٧٢٠٩).
العلة الثالثة: محمد بن إسحاق؛ "صدوقٌ يدلسُ" (التقريب ٥٧٢٥)، وقد عنعنه.
стр. 13567
[تنبيه]:
وَهِم البغويُّ، وتبعه ابنُ قانعٍ فذكرَ الحديثَ تحت ترجمة "عبد الرحمن بن هشام"، وقال: "أحسبه من أهل المدينة"، ثم أسند طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير بسنده، وفيه: عن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام عن أبيه.
ثم قال البغويُّ -عقبه-: "ولا أدري عبد الرحمن بن هشام صاحب الحديث سمع من النبي ﷺ أم لا".
فتعقبهما الحافظُ فقال: "أظنُّه انقلبَ وأنه من رواية عبد الرحمن بن هشام، عن أبيه.
وقد روى الطبرانيُّ بهذه الترجمة حديثًا غير هذا، ثم وجدتُه عند ابن منده من طريق موسى بن محمد، عَن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن الحارث بن أبي بكر، عن أبيه، عن ابن حمامة قال ... فذكره.
قلت: وعلى هذا فالحديثُ مرسلٌ، وَنَسَب الحارث في رواية جرير إلى جَدِّه عبد الرحمن إلى جده الحارث فهو الحارث بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (الإصابة ٨/ ٣٦٤).
قلنا: قد جاء نَسَبُهُ على الصوابِ من رواية الجارودِ عن جريرٍ كما عند الحكيمِ الترمذيِّ في (نوادره).
* * *
وابنُ الجوزي، والنوويُّ، وابنُ قدامةَ، وابنُ التركماني، وابنُ كَثيرٍ، والذهبيُّ، وابنُ حَجرٍ، والعينيُّ، والسيوطيُّ، وصدرُ الدينِ المُناويُّ، والشوكانيُّ، والعظيم آبادي، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[د ٣٣٠/ طي ١٩٦٢ (والرواية له) / بز ٦٠٨٩ (ولم يسق متنه) / طس ٧٧٨٤/ قط ٦٧٦/ هقغ ٢٣٠ (والرواية الثانية له ولغيرِهِ) / هق ١٠٠٨، ١٠٤٦/ هقع (٢/ ٨/ ١٥٣٧، ١٥٣٨) / عد (٦/ ١٣٤ - ١٣٥) / مجر (٢/ ٢٦٠) / عق (٤/ ٣٩) / منذ ٥٣٧/ حكيم ١٢٤٨/ طح (١/ ٨٥) / طحق ١١٥/ خط (١٥/ ١٧٢) / كر (٥٨/ ٤٦٦) / بغ ٣١١/ تحقيق ٢٧٦/ جصاص (٣/ ٣٣١) / مصفار (الإمام ٣/ ١٤٤) (والرواية الثالثة له)].
[السند]:
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي أبو علي، أخبرنا محمد بن ثابت العبدي، أخبرنا نافع قال: انطلقتُ مع ابنِ عمرَ ... فذكره به.
ورواه أبو داود الطيالسيُّ -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبير) - عن محمدِ بنِ ثابتٍ به.
ومداره -عند الجميع- على محمد بن ثابت العبدي قال: حدثنا نافعٌ ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه محمدُ بنُ ثابتٍ العبديُّ؛ وهو مختلفٌ فيه:
فوثَّقَهُ لُوَيْن كما في (الكامل في ضعفاء الرجال ٩/ ٩٣)، وقال مسلم بن
стр. 13570
إبراهيم: "صدوق" كما في (السنن الكبير للبيهقي ٢/ ١٣٢)، وكذا وثَّقَهُ العجليُّ في (معرفة الثقات ١٥٧٨).
وقال أحمدُ: "ليس به بأس" (سؤالات أبي داود ٥٠٤)، وقال -في رواية مهنا-: "يخطئُ في حديثِهِ" (بحر الدم ٨٧٩).
وقال عليُّ بنُ المدينيِّ: "صالحٌ، ليس بالقويِّ" (سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني ٣٥).
وقال النسائيُّ: "ليس به بأس" كما في (تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٥٧).
وفي موضعٍ آخرَ قال: "ليس بالقوي" (الضعفاء والمتروكين ٥١٩).
وقال ابنُ مَعينٍ -في رواية الدارمي، ومعاوية بن صالح-: "ليس به بأس" (تاريخه، رواية الدارمي ٨٠٩)، و (الضعفاء للعقيلي ٣/ ٤٣٨).
وضَعَّفَهُ في رواية الدوريِّ (رقم ٤٥٣٧)، وابنِ طهمانَ (رقم ٢٩٤)، وقال -أيضًا-: "ليس بشيء" كما في (رواية الدوري ٣٤٢٢، ٣٩٧٦، و (الضعفاء للعقيلي ٣/ ٤٣٨).
وقال أبو حاتم: "ليس هو بالمتينِ، يُكتبُ حديثُه وهو أحب إليَّ من أبي أمية بن يعلى وصالح المري، روى حديثًا منكرًا" (الجرح والتعديل ٧/ ٢١٦).
وقال البخاريُّ: "يخالف في حديثه" (التاريخ الأوسط ١٠٥٧)، و (التاريخ الكبير ١/ ٥٠)، وذكره في (الضعفاء ٣٢٧)، وزاد: "في حديثه شيء".
وقال أبو داود السجستاني: "ليس بشيء" كما في (الضعفاء الكبير للعقيلي ٣/ ٤٣٩).
стр. 13571
وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان يرفعُ المراسيلَ ويسندُ الموقوفات توهمًا مِن سوءِ حفظِهِ، فلمَّا فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به" (المجروحين ٢/ ٢٦٠).
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "عامةُ أحاديثِهِ، لا يتابَعُ عليه" (الكامل ٩/ ٣٤٠).
وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالمتين عندهم" (تهذيب التهذيب ٩/ ٨٥).
وقال الدارقطنيُّ: "ضعيفُ الحديثِ" (تعليقات الدارقطني على المجروحين صـ ٢٣٥).
وقال أبو الوليد الباجي: "متروك" (الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي ٢٩٠٦)، و (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٣١٤).
ولخَّص حالَهُ ابنُ حَجرٍ فقال: "صدوقٌ، لَيِّنُ الحديثِ" (التقريب ٥٧٧١).
قلنا: فمَن هذا حاله لا يصلحُ أن يكون حجة في الحديث، فكيف وقد تفرَّد بذكر: "الضربتين"، و"المسح إلى المرفقين"؟ !
قال أبو داود في (كتاب التفرد): "لم يتابِعْ أحدٌ محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبيِّ ﷺ " كما في (تحفة الأشراف للمزي ٦/ ٢٢٦).
وقال الطبرانيُّ: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر التيمم إلا نافع" (الأوسط ٨/ ٦).
وهذه العبارةُ -من (المعجم الأوسط) - الظاهرُ أن بها سقطًا، فقد قال مغلطاي: "وقال الطبرانيُّ في (الأوسط): لم يروه بهذا التمام عن نافعٍ إلا العبدي" (شرح ابن ماجه ٢/ ٣١٢).
стр. 13572
وقال الدارقطنيُّ: "وتفرَّد به: محمد بن ثابت العبدي عن نافعٍ بهذه الألفاظ" (أطراف الغرائب والأفراد ١/ ٥٦٨).
وقال البيهقيُّ: "إنما ينفردُ محمد بن ثابت في هذا الحديث بذكر الذِّراعين فيه دون غيره" (معرفة السنن والآثار ١٥٤٧).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "وهذا لم يروه عن نافعٍ أحدٌ غير محمد بن ثابت هذا به يُعرف ومن أجله يُضَعَّف" (التمهيد ١٩/ ٢٨٧).
وقال ابنُ رَجبٍ: "وتفرَّدَ برفعه: محمد بن ثابت العبدي عن نافع. والعبديُّ ضعيفٌ" (فتح الباري ٢/ ٢٣٥).
وقال العظيم آبادي: "فمحمد بن ثابت مع كونه ضعيفًا تفرَّد بذكر الضربتين" (عون المعبود ١/ ٥٢٣).
قلنا: ومع تفرده، فقد خالفه جماعة من أصحاب نافع، فجعلوا "ذكر الضربتين، والمرفقين" من فعل عبد الله بن عمر ﵄، مقصورًا عليه، وهم:
١ - مالكٌ، في (الموطأ ١٤٠، ١٤١)، وعنه الشافعيُّ في (الأم ٣٨٩٨)، والفضل بن دُكَيْن في (الصلاة ١٥٠)، ومن طريقه الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ١١٤)، والبيهقيُّ في (الكبير ١٠١٠)، وغيرهم.
٢ - أيوبُ، كما عند عبد الرزاق في (المصنف ٨٢٦)، وابن أبي شيبة في (المصنف ١٦٨٥)، وابن المنذر في (الأوسط ٥٢٨)، وغيرهم.
٣ - عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، كما عند ابن المنذر في (الأوسط ٥٣٥)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ١١٤)، والدراقطني في (السنن ٦٨٦)، والبيهقي في (الكبير ١٠١٢)، وغيرهم.
стр. 13573
٤ - يونسُ الأيليُّ، كما عند الدارقطني في (السنن ٦٨٦) - ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبير ١٠١٢) -.
٥ - عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، كما عند عبد الرزاق في (المصنف ٨٢٧)، والفضل بن دكين في (الصلاة ١٥١).
٦ - عبدُ العزيزِ بنُ أبي رواد، كما عند الطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ١١٤).
٧ - عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ الأسلميُّ، كما عند الفضل بن دكين في (الصلاة ١٥٦).
٨ - محمدُ بنُ إسحاقَ، كما عند ابن رجب في (فتح الباري ٢/ ٢٩٤).
٩، ١٠ - هشام بن عروة، وعبد الكريم الجزري كما عند الطحاويِّ في (شرح معاني الآثار ١/ ١١٤).
فرواه عشرتهم (مالك، وأيوب، وعبيد الله، ويونس، والعمري، وابن إسحاق، وابن أبي رواد، وابن عامر، وهشام، وعبد الكريم)، عن نافع عن ابن عمر قوله. فذكروا "المرفقين"، وبعضُهم يذكر "ضربتين".
وزاد عليهم أبو داود في كتاب التفرد له آخر، وهو: "قيس بن سعد" (تحفة الأشراف ٦/ ٢٢٦).
وزاد عليهم العقيلي اثنين فقال: "ورواه عبد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، وابن عجلان، عن نافع، كذا موقوفًا وهذا الصواب" (الضعفاء ٤/ ٣٨).
قلنا: والذي وقفنا عليه من رواية يحيى بن سعيد- ما أخرجه عبد الرزاق
стр. 13574
في (المصنف ٨٩٢)، وغيره، عن الثوري، عن محمد، ويحيى بن سعيد، عن نافع، أن ابن عمر تَيَمَّمَ وَصَلَّى العَصْرَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ المَدِينَةِ مِيلٌ، أَوْ مِيلَانِ، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، فَلَمْ يُعِدْ. فَذَكر مطلق التيمم، ولم يذكر فيه الكيفية.
وكذا رواية ابن عجلان، وقفنا عليها في (الأم للشافعي ١٠٢)، وغيره، بنحو رواية الأنصاري.
فهؤلاء ثلاثة عشر راويًا رووه عن نافعٍ فأوقفوه، كما تقدَّم.
ولذا استنكرَ الحفَّاظُ على محمد بن ثابت هذا الحديث:
فقال الإمامُ أحمدُ بن حنبل: "روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيمم" (سنن أبي داود ١/ ٩٠)، وأقرَّه الذهبيُّ في (المهذب ١/ ٢٢٥).
وقال ابنُ هانئ: "عرضتُ على أبي عبد الله من حديث لوين محمد بن سليمان، عن محمد بن ثابت ... فقال: قال لي أبو عبد الله: هذا حديثٌ منكرٌ، ليس هو مرفوعًا" (مسائل أحمد رواية ابن هانئ ١١٠).
وقال مهنا: "سألتُ أحمدَ عن هذا الحديث، فقال: ليس بصحيحٍ، إنما هو عن ابنِ عمرَ" (تعليقه على العلل صـ ١٧١).
وقال ابنُ مَعينٍ: "يُنْكَرُ عليه حديث ابن عمر في التيمم؛ لا غير" (الضعفاء ٣/ ٤٣٩).
وقال -أيضًا-: "أنكروا على محمد بن ثابت العبدي -وليس بالبصري- حديث نافع عن ابن عمر عن النبيِّ ﷺ : ((مَرَّ به رجلٌ فسَلَّم فتيمَّم ثم رَدَّ عليه)) (تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين لابن شاهين ٥٧٢).
стр. 13575
وقال البخاريُّ: "وروى محمد عن نافع عن ابن عمر مرفوع في التيمم، وخالفه أيوب وعبيد الله والناس فقالوا عن ابن عمر فعله" (التاريخ الكبير ١/ ٥٠)، وأقرَّه ابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٣/ ١٤٦)، والسيوطيُّ في (نواهد الأبكار ٣/ ١٥٩).
وقال أبو زرعة -وسُئِلَ عن رواية محمد بن ثابت المرفوعة-: "هذا خطأٌ؛ إنما هو موقوفٌ" (العلل لابن أبي حاتم ١٣٦).
وقال في موضع آخر: "هذا حديثٌ باطلٌ" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٣١٤).
وقال أبو حاتم -في ترجمة ابن ثابت-: "روى حديثًا منكرًا" (الجرح والتعديل ٧/ ٢١٦)، قال ابنُ عبدِ الهادِي: "يحتملُ أن يكون مراد أبي حاتم بالحديث المنكر هذا الحديث" (تعليقه على العلل صـ ١٧٣).
قلنا: بل جزمَ بذلك ابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٣/ ١٤٧)، وابنُ رَجبٍ في (فتح الباري ٢/ ٢٣٥).
وقال أبو داود: "لم يتابعْ أحدٌ محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبيِّ ﷺ ، ورووه فعلَ ابن عمر. قال: وروى أيوبُ، ومالكٌ، وعبيدُ اللهِ، وقيسُ بنُ سعدٍ، ويونسُ الأيليُّ، وابنُ أبي رواد، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: أنه تيمم ضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين. قال أبو داود: جعلوه فعل ابن عمر" (تحفة الأشراف ٦/ ٢٢٦).
وقال -أيضًا-: "محمد بن ثابت العبدي ليس بشيء، هو الذي يحدث حديث نافع، عن ابن عمر في التيمم" (الضعفاء الكبير للعقيلي ٣/ ٤٣٩).
وقال الساجيُّ: "وروى عن نافعٍ حديثَ التيممِ وخالفه: أيوبُ، وعبيدُ اللهِ،
стр. 13576
قالوا مِن فعلِ ابن عمر" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٣١٤).
وأنكرَ رفْعَه النسائيُّ في كتاب (الكنى)، كما في (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٣١٤).
وقال ابنُ المنذرِ: "فأمَّا الأخبارُ الثلاثةُ التي احتجَّ بها مَن رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضربتين (١) ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، فمعلولةٌ كلُّها لا يجوزُ أن يُحتجَّ بشيءٍ منها.
فمنها حديث محمد بن ثابت ولم يرفعه غيره، وقد دفعَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ حديثَهُ ... فسقطَ أن يكون هذا الحديثُ حجةً؛ لضعفِ محمدٍ في نَفْسِهِ، ومخالفة الثقات له حيث جعلوه من فِعْلِ ابنِ عمرَ" (الأوسط ٢/ ١٧٢).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "حديثٌ منكرٌ لا يعرفه أصحابُ نافعٍ" (التمهيد ١٩/ ٢٨٧).
وذكره العقيليُّ في ترجمة محمد بن ثابت، بعد ذكره كلام ابن معين وأبي داود السابقين، ثم قال: "ورواه عبد الله بن عمرو، ويحيى بن سعيد، وابن عجلان، عن نافعٍ، كذا موقوفًا، وهذا الصواب" (الضعفاء ٤/ ٣٨).
وكذا ابنُ حِبَّانَ في ترجمته، وقال: "وإنما هو موقوفٌ على ابنِ عمرَ" (المجروحين ٢/ ٢٦٠).
وقال ابنُ عبدِ الهادِي: "أمَّا حديث محمد بن ثابت العبدي: فالصوابُ أنه
стр. 13577
موقوفٌ ورَفْعُهُ منكرٌ" (تعليقه على العلل صـ ١٦٩).
وقال ابنُ رَجبٍ: "ورَفْعُهُ منكرٌ عند أئمةِ الحفاظِ، إنما هو موقوفٌ عندهم ... ، وتفرَّد برفعه: محمد بن ثابت العبدي عن نافع. والعبديُّ ضعيفٌ" (فتح الباري ٢/ ٤١).
وضَعَّف الحديثَ غيرُ مَن تقدَّم:
فقال الخلَّالُ: "الأحاديثُ في ذلك ضعيفةٌ جدًّا، ولم يرو منها أصحاب السنن إلا حديث ابن عمر " (المغني ١/ ٣٢٢).
وقال الخطابيُّ: "وحديثُ ابنِ عمرَ لا يصحُّ؛ لأن محمدَ بنَ ثابتٍ العبديَّ ضعيفٌ جدًّا لا يُحتجُّ بحديثه" (معالم السنن ١/ ١٠١).
وابنُ حزمٍ في (المحلى ٢/ ١٤٩).
وابنُ الجوزيِّ في (التحقيق ١/ ٢٣٧).
والنوويُّ في (الخلاصة ٥٥٩)، و (المجموع ٢/ ٢١٢)، وقال: "محمد بن ثابت العبدي، ليس هو بالقوي عند أكثر المحدثين"، وأقرَّه الزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٥).
وابنُ قُدامةَ في (المغني ١/ ٣٢٢)، وابنُ التركماني في (الجوهر النقي ١/ ٢٠٥)، وابنُ كَثيرٍ في (إرشاد الفقيه ١/ ٧٢)، والذهبيُّ في (التنقيح ١/ ٨٠).
وابنُ حَجرٍ في (التلخيص ١/ ٢٦٦)، وقال في (الفتح ١/ ٤٤٤): "الأحاديثُ الواردةُ في صفةِ التيممِ لم يصحَّ منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيفٌ أو مختلفٌ في رفعه ووقفه، والراجحُ عدم رفعه".
стр. 13578
والعينيُّ في (البناية شرح الهداية ١/ ١٩٦)، وصدرُ الدينِ المُناويُّ في (كشف المناهج والتناقيح ١/ ٢٣٢)، والشوكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ٣٢٩)، والعظيم آبادي في (عون المعبود ١/ ٥٢٣).
وضَعَّفه الألبانيُّ، فقال: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ، رجالُهُ ثقاتٌ؛ غير محمد بن ثابت العبدي، وهو ضعيفٌ عندَ الجمهورِ، وحديثُه هذا منكرٌ؛ لأنه قد خالفَ الثقات الذين رووه عن نافعٍ، فبعضُهم روى هذه القصةَ عنه، فلم يذكر فيها (الضربتين) ولا (مسح الذراعين).
وكذلك جاءتْ من حديث أبي الجهيم؛ فانظر الكتاب الآخر (رقم ٣٥٥).
وبعضهم الآخر روى عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ ... موقوفًا عليه: الضربتين، مع
مسح الذراعين" (ضعيف أبي داود - الأم ١/ ١٣٦).
وقال أيضًا: "وهذا إسنادٌ حسنٌ في الشواهد إلا أن فيه جملةً مستنكرةً أُنكرتْ عليه في مسح الذِّراعين في التيممِ" (الصحيحة ٨٣٤).
قلنا: ومع ذلك حاول البيهقيّ تقويته فقال: "وقد أَنْكر بعضُ الحُفَّاظِ رفعَ هذا الحديثِ على محمد بن ثابت العبديِّ، فقد رواه جماعةٌ عن نافعٍ من فعلِ ابنِ عمرَ، والذي رواه غيرُهُ عن نافعٍ مِن فعلِ ابنِ عمرَ إنما هو التيمم فقط، فأما هذه القصة فهي عن النبي ﷺ مشهورة برواية أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة وغيره، وثابتٌ عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رجلًا مرَّ ورسُولُ اللهِ ﷺ يبولُ فسلَّمَ عليه. فلم يردَّ عليه. إلا أنه قصر بروايته، ورواية يزيد بن الهاد، عن نافعٍ أتم من ذلك.
فهذه الروايةُ شاهدةٌ لرواية محمد بن ثابت العبدي، إلا أنه حَفِظَ فيها
стр. 13579
الذِّراعين ولم يُثبتْها غيرُهُ كما ساقَ هو وابنُ الهادِ الحديثَ بذكرِ تيممه، ثم ردّه جواب السَّلامِ وإن كان الضحاك بن عثمان قصر به، وفِعْل ابن عمر التيمم على الوجه والذراعين إلى المرفقين شاهد لصحة رواية محمد بن ثابت غير منافٍ لها". ثم نقل عن الدارمي قال: سألت يحيى بن معين، قلت: محمد بن ثابت العبدي؟ قال: "ليس به بأس". ثم قال: "وهو في هذا الحديث غير مستحق للنكير بالدلائل التي ذكرتُها، وقد رواه جماعةٌ من الأئمةِ عن محمد بن ثابت؛ مثل يحيى بن يحيى، ومعلى بن منصور، وسعيد بن منصور، وغيرهم، وأثنى عليه مسلم بن إبراهيم ورواه عنه، وهو عن ابنِ عمرَ مشهور" (السنن الكبير ٢/ ١٣٢ - ١٣٣).
وقال في (معرفة السنن): "ورَفْعُه غيرُ منكرٍ؛ فقد روى الضحاكُ بنُ عثمانَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ- قِصَّةَ السَّلامِ مرفوعة، إلا أنه قصَّر بها فلم يذكرِ التيممَ، ورواه يزيدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أسامةَ بنِ الهادِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، فذكرَ قصةَ السَّلامِ، وذكرَ قصةَ التيممِ، إلا أنه قال: ثم مَسَحَ وجهَهُ ويديه، كما رواه يحيى بنُ بُكيرٍ، عن الليثِ في حديثِ ابنِ الصمة.
وإنما ينفردُ محمد بن ثابت في هذا الحديث بذكر الذِّراعين فيه دون غيره.
وتيمم عبد الله بن عمر على الوجه والذِّراعين وفتْوَاه بذلك تؤكدُ روايةَ محمد بن ثابت، وتشهدُ له بالصحةِ.
فقد صَارَ بهذه الشواهدِ معلومًا أنه روى قصة السلام والتيمم عن النبيِّ ﷺ ، وهو لا يخالفُ النبيَّ ﷺ فيما يروي عنه، فتيممه على الوجه والذِّراعين إلى المرفقين يدلُّ على أنه حفظه منَ النبيِّ ﷺ ، وأن محمدَ بنَ ثابتٍ حفظه من نافع".
стр. 13580
قلنا: وفيما ذكره نظر من وجوهٍ:
الأول: استشهاده بحديث ابن الصمة في إثبات قصة التيمم- يصحُّ إذا كان ذكر المرفقين فيه صحيحًا، ولكن قد تقدم نكارته، وأن المحفوظ فيه: "مسح وجهه ويديه" هكذا رواه البخاري (٣٣٧)، وعلَّقه مسلم (٣٦٩).
قال ابنُ دقيقِ العيدِ: "إذا كان المشهورُ أصل القصة من رواية أبي الجهيم وليس فيها ذكر المرفقين، فليس ينفع ذلك في تقوية رواية محمد بن ثابت، بل قد عدَّه خصومه سببًا للتضعيف، وأن الذي في الصحيح في قصة أبي جهيم: "ويديه"، وليس فيه: "وذراعيه" (الإمام ٣/ ١٤٨).
وقال ابنُ عبدِ الهادِي: "حديثُ أبي جهيم بن الحارث بن الصمة ذكر الذراعين فيه غير صحيح، وإنما لفظه الصحيح: (فمسح بوجهه ويديه) " (تعليقه على العلل صـ ١٦٨).
وقال ابنُ التركماني: "هذا لا ينفعه كون أصل القصة مشهور، بل قد عدَّه خصومه سبببًا للتضعيف فإن الذي في الصحيح في قصة أبي الجهيم "ويديه"، وليس فيه: "وذراعيه" (الجوهر النقي ١/ ٢٠٥).
الثاني: قوله: "وثابت عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رجلًا مَرَّ ورسولُ اللهِ ﷺ يبولُ فسَلَّمَ عليه فلم يرد عليه، إلا أنه قصر بروايته".
وقد أجاب عن ذلك ابنُ دَقيقِ العيدِ فقال: "الضحاك بن عثمان لم يذكر القصة بتمامها، وإنما يثبت بها تقوية لرواية محمد بن ثابت إذا كان المنكر أصل رواية نافع عن ابن عمر ﵄ للقصة في الجملة. فقد يقالُ حينئذٍ: إن رواية الضحاك -وإن قصرت- فهي تدلُّ على أن القصةَ في الجملةِ صحيحةٌ من رواية ابن عمر، فأما إذا كان المنكر على محمد بن ثابت رفع المسح
стр. 13581
إلى المرفقين لم تُفِد رواية الضحاك تقوية لذلك" (الإمام ٣/ ١٤٨)، وانظر (الجوهر النقي ١/ ٢٠٦).
قلنا: وروايةُ الضحاكِ، المذكروة أخرجها مسلم في (صحيحه ٣٧٠/ ١١٥) بسنده إلى الضحاك عن نافع، عن ابن عمر: ((أن رجلًا مَرَّ ورسولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فسَلَّم، فلم يردَّ عليه)). فليس فيها ذكر للتيممِ من الأصلِ.
الثالث: قوله: "ورواية يزيد بن الهاد عن نافعٍ أتم من ذلك. فهذه الروايةُ شاهدةٌ لرواية محمد بن ثابت العبدي، إلا أنه حفظ فيها الذِّراعين ولم يثبتْها غيرُهُ كما سَاقَ هو وابنُ الهادِ الحديث بذكر تيممه، ثم رده جواب السلام وإن كان الضحاك بن عثمان قصر به".
قال ابنُ دَقيقِ العيدِ: "إنما تكون رواية ابن الهاد شاهدة لرواية محمد بن ثابت إذا كان المنكر أصل الرواية عن ابن عمر، وإن كان المنكر ذكر الذراعين مرفوعًا، فلا شهادة لرواية ابن الهاد ولا لرواية الضحاك بن عثمان. وقوله: "إلا أنه حفظ فيها الذراعين"، هو الذي خالفه فيه غيره - والله أعلم -، ورأى أنه لم يحفظ محمد بن ثابت؛ لأن غيره لم يذكر الذراعين مرفوعًا، ولو قال: "إلا أنه ذكر الذراعين" لكان أسلم وأقرب إلى الخلاص، فإن هذه الصيغة- أعني قوله: "إلا أنه حفظ" -وما في معنى ذلك- يُذكر كثيرًا عند تصحيح ما رواه الراوي إذا خولف" (الإمام ٣/ ١٤٩).
وقال ابنُ التركماني: "إنما تشهدُ روايتُه لروايةِ محمدِ بنِ ثابتٍ إذا أنكر أصل الرواية عن ابن عمر، وأما إذا أنكر رفع الذِّارعين فلا شهادة لرواية ابن الهاد ولا لرواية الضحاك" (الجوهر النقي ١/ ٢٠٦).
وقال الشيخُ الألبانيُّ: "ولا يخفى ما في هذا الكلام من الضعف؛ فإنه
стр. 13582
يجعل الرواية الصحيحة المجردة مما تفرَّدَ به: محمد بن ثابت شاهدًا لحديثه، ثم يقول: "إلا أنه حفظ فيها للذراعين ولم يثبتها غيره! " فكيف يجوزُ أن يقالَ في حقِّ زيادة في قصةٍ -تفرَّدَ بها ضعيفٌ مثل ابن ثابت-: إنه حفظها؟ ! مع مخالفته لابن الهاد والضحاك بن عثمان، وهما ثقتان أحفظُ منه بدرجاتٍ! وهل هذا إلا من أمثلة الحديث المنكر؟ ! " (ضعيف أبي داود -الأم ١/ ١٣٧ - ١٣٨).
قلنا: فكلامُ البيهقيِّ إنما يقالُ إن كان محمد بن ثابت ثقةً حافظًا، فكيف وقد ضَعَّفَهُ جمهورُ العلماءِ كما تقدَّمَ، بل جعلوا هذا الحديث دليلًا على سوءِ حفظه، فهذا ابنُ حِبَّانَ يقول عنه: "إنه كان يرفع المراسيل ويسند الموقوفات توهمًا من سوء حفظه" انتهى، ولذلك أَنْكرَ عليه الحفاظُ رَفْعَهُ لما رأوا مَن خَالفه أوثق منه في نافعٍ كمالكٍ وعُبيدِ اللهِ وغيرِهم.
الرابع: استدلاله برواية الدارمي قال: "سألتُ يحيى بن معين، قلت: محمد بن ثابت العبدي؟ قال: ليس به بأس".
يجاب عنه برواية الجماعة عن ابن معين تضعيفه، بل قد أنكرَ ابنُ مَعينٍ قولَه هذا، فقال عباس الدوريُّ: "سمعتُ يحيى يقول: محمد بن ثابت الذي يحدِّثُ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ في التيممِ بصري وهو ضعيف. قلتُ ليحيى: أليس قلت مرة: ليس به بأس؟ ! قال: ما قلتُ هذا قط" (تاريخ ابن معين رواية الدوري ٤٥٣٧).
ففي هذه الروايةِ إنكار من ابن معين توثيق ابن ثابت، فكان الأَوْلى للبيهقيِّ أن ينقلَ قولَه هذا؛ إذ فيه زيادة عن التضعيف إنكار للرواية المستدل لها، أو الأخذ بكل الروايات وليس برواية واحدة، كما أن ابنَ مَعينٍ لو انفردَ بالتوثيقِ وخالفَهُ الجمهورُ فالأَوْلى الأخذُ بقولِ الجمهورِ.
стр. 13583
الخامس: قوله في (السنن): "وهو عن ابن عمر مشهورٌ" وفي (المعرفة) قال: "وتيمم عبد الله بن عمر على الوجه والذِّراعين، وفَتْوَاه بذلك تؤكدُ رواية محمد بن ثابت، وتشهدُ له بالصحةِ.
فقد صَارَ بهذه الشواهد معلومًا أنه رَوى قصةَ السَّلامِ والتيممِ عن النبيِّ ﷺ ، وهو لا يخالفُ النبيَّ ﷺ فيما يروي عنه، فتيممه على الوجهِ والذِّراعين إلى المرفقين يدلُّ على أنه حفظه منَ النبيِّ ﷺ ، وأن محمدَ بنَ ثابتٍ حفظه من نافعٍ".
قلنا: هذا من أعجب ما استدل به البيهقيُّ، إذا جعل الرواية المعلل بها شاهدًا للمعلولة.
قال ابنُ دَقيقِ العيدِ: وقوله: "وهو عن ابن عمر مشهورٌ" قد يوهم من لم يفهمِ الصناعةَ أن الحديثَ على ما رواه محمد بن ثابت، عن نافع، عن ابن عمر مشهورٌ مرفوعًا، وليس المشهور إلا روايته عن ابن عمر من فعله، فليُعلم ذلك".
وقال: "وأما إنه شاهد بصحة رواية محمد بن ثابت، ففيه نظر؛ لأنه لم يوافق محمد بن ثابت في رفع الذراعين إلى النبي ﷺ . بل هذا هو العلة التي عَلَّل بها مَن عَلَّل رواية محمد بن ثابت، وهي الوقف على فعل ابن عمر، فكيف يكون المقتضي للتعليل مقتضيًا للتصحيح؟ ! " (الإمام لابن دقيق العيد ٣/ ١٥٠)، وانظر (الجوهر النقي ١/ ٢٠٧).
قلنا: هذا حاصلُ ما استدلَّ به البيهقيُّ لتقوية رواية محمد بن ثابت هذه، وقد تبيَّنَ ما في كلامه من ضَعْفٍ، وقد ذكر لتقويته شواهد أشد ضعفًا سيأتي تخريجها وتحقيقها قريبًا.
стр. 13584
٣١١٢ - حَدِيثُ أَبِي جُهَيْم
◼ عَنْ أَبِي جُهَيْمٍ، قَالَ: ((أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بِئْرِ جَمَلٍ؛ إِمَّا مِنْ غَائِطٍ وَإِمَّا مِنْ بَوْلٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَضَرَبَ الحَائِطَ بِيَدِهِ ضَرْبَةً فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى فَمَسَحَ بِهَا ذِرَاعَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ)).
[الحكم]: منكرٌ جدًّا بهذا السياقِ.
وضَعَّفَهُ: الخطابيُّ، وابنُ الجوزيِّ، وابنُ عبدِ الهادِي، والذهبيُّ، وابنُ الملقنِ، والزيلعيُّ، وابنُ حَجرٍ.
والصحيحُ ما سبقَ في (الصحيحين): أنه مسحَ مرَّةً واحدةً على الوجهِ واليدينِ.
[التخريج]: [قط ٦٧٤ (واللفظ له)، ٦٧٥/ تحقيق ٢٧٤، ٢٧٥].
[السند]:
أخرجه الدارقطنيُّ في (السنن ٦٧٤، ٦٧٥) -ومن طريقه ابن الجوزي في (التحقيق) - قال: حدثنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن إبراهيم المروزي، حدثنا محمد بن خلف بن عبد العزيز بن عثمان بن جَبَلة، حدثنا أبو حاتم أحمد بن حمدويه بن جميل بن مِهران المروزي، حدثنا أبو معاذ، حدثنا أبو عصمة، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جُهَيْم، به.
وقال أبو معاذ: وحدثني خارجة، عن عبد الله بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم، عن النبي ﷺ مثله.
стр. 13585
[التحقيق]:
هذان سندان واهيان:
أما الأول: ففيه أبو عصمة وهو نوح بن أبي مريم؛ كذَّابٌ وضَّاعٌ، قال الحافظُ: "كَذَّبوه في الحديث، وقال ابنُ المباركِ: كان يضعُ" (التقريب ٧٢١٠).
وبه أعلَّه الزيلعيُّ فقال: "وأبو عصمة إن كان هو نوح بن أبي مريم، فهو متروك" (نصب الراية ١/ ١٥٤).
وأما الثاني: ففيه خارجة بن مصعب؛ قال ابنُ حَجرٍ: "متروكٌ، وكان يدلسُ عن الكذَّابين، ويقال: إن ابنَ مَعينٍ كَذَّبه" (التقريب ١٦١٢).
وبهما أعلَّه ابنُ الجوزي فقال: "أما حديث أبي جهيم فإن أبا عصمة وخارجة متكلَّم فيهما" (التحقيق ١/ ٢٣٦).
وتبعه الذهبيُّ فقال: "أبو عصمة متروكٌ، ورواه خارجة -وهو واه- عن عبد الله بن عطاء، عن موسى" (تنقيح التحقيق ١/ ٨٠).
ثم إن في السند انقطاعًا بين الأعرج وابن الصمة؛ فقد تقدَّم الحديثُ في (الصحيحين) وغيرهما من طرقٍ عن عبد الرحمن الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس، عن أبي الجهيم، به.
ولذا قال ابنُ عبدِ الهادِي: "أبو عصمة في حديث أبي جهيم هو نوح بن أبي مريم، وهو متروك. وخارجة هو ابن مصعب، وقد ضعَّفوه، وقال محمد بن سعد: تركوه. والأعرج لم يسمع الحديث من أبي جهيم، بل بينهم عمير مولى ابن عباس، كما تقدم" (تنقيح التحقيق ١/ ٣٧٦).
وقال ابنُ الملقنِ: "وأبو عصمة السالف هو نوح بن أبي مريم، ضعيفٌ