٣١١٦ - حَدِيثُ جَابِرٍ
◼ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((التَّيَمُّمُ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ (لِلذِّرَاعَيْنِ) إِلَى المِرْفَقَيْنِ)).
[الحكم]: معل بالوقف. وأعلَّه بالوقفِ: الدارقطنيُّ وابنُ عبدِ الهادِي، وابنُ حَجرٍ، والمباركفوريُّ. وضَعَّفَهُ: ابنُ الجَوزيِّ، وأقرَّه ابنُ دَقيقِ العيدِ.
[التخريج]:
[ك ٦٥٠ (واللفظ له) / هق ١٠١٤/ قط ٦٩١ (والرواية له) / تحقيق ٢٧٨/ جصاص (١/ ٤١٧)].
[السند]:
قال الحاكم: حدثنا علي بن حمشاذ وأبو بكر بن بَالَوَيْهِ، قالا: ثنا إبراهيم بن إسحاق، ثنا عثمان بن محمد الأنماطي، ثنا حَرَمي بن عمارة، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر به.
ورواه الدارقطنيُّ في (السنن) -ومن طريقه ابنُ الجَوزيِّ- فقال: حدثنا محمد بن مَخْلَد، وإسماعيل بن علي، وعبد الباقي بن قانع، قالوا: نا إبراهيم بن إسحاق الحربي به.
ومداره عندهم على عثمان بن محمد الأنماطي به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غير الأنماطي وحرمي.
فأما الأنماطي: فهو عثمانُ بنُ محمدٍ البصريُّ؛ ذكره ابنُ أبي حاتمٍ في (الجرح والتعديل ٦/ ١٦٦)، ولم يذكرْ فيه جرحًا ولا تعديلًا.
стр. 13617
وقال فيه ابنُ الجَوزيِّ: "قد تُكُلِّم في عثمان بن محمد" (التحقيق ١/ ٢٣٧)، وقال الذهبيُّ: "صويلح، وقد تُكُلِّم فيه" (الميزان ٥٥٥٩)، وقال أيضًا: "فيه لين" (المغني في الضعفاء ٤٠٦٠)، وقال ابنُ حَجرٍ: "ولم أرَ لأحدٍ فيه كلامًا إلا أنَّ ابنَ الجوزي قال في (التحقيق): تُكلم فيه، ولم يذكره مع ذلك في (الضعفاء) " (تهذيب التهذيب ٧/ ١٥٢)، وقال في (التقريب ٤٥١٤): "مقبول".
قلنا: قد وَثَّقَهُ الدارقطنيُّ هنا فقال: "رجاله كلُّهم ثقات" (حاشية السنن كما في ط. الرسالة ١/ ٣٣٥).
وأما حرمي بن عمارة، فصدوقٌ من رجالِ الشيخينِ، تقدَّم قولُ الدارقطنيِّ فيه، ولكن قال الإمامُ أحمدُ: "كانتْ فيه غفلةٌ" كما في (الضعفاء للعقيلي ١/ ٤٩٤).
ثم إن المحفوظ فيه عن عزرةَ الوقف، كذا رواه جماعةٌ عنه، وهم:
١ - وكيع بن الجراح، كما عند ابن أبي شيبة في (المصنف ١٧٠٠) قال: حدثنا وكيع، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر ((أَنَّهُ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِمَا الأَرْضَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ بِهِمَا ذِرَاعَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ)).
٢ - عبد الله بن المبارك، كما عند ابن المنذر في (الأوسط ٥٣٦)، ولكن قال فيه ابنُ المنذرِ: حدَّثونا عن الحسن بن عيسى عن عبد الله بن المبارك به. فأَبْهَمَ شيوخَه الَّذين حدَّثُوه، ولفظه أنه: ((سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَتَمَعَّكَ فِي التُّرَابِ. فَقَالَ: أَحْسَبُكَ تَحَوَّلْتَ حِمَارًا! ! ثُمَّ وَضَعَ جَابِرٌ يَدَيْهِ فِي الأَرْضِ فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ وَضَعَهُمَا فَمَسَحَ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ،
стр. 13618
ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا التَّيَمُّمُ)).
٣ - أبو نعيم الفضل بن دكين، في (الصلاة ١٥٣) بمثل رواية وكيع السابقة.
ورواه في (الصلاة ١٤٥) -ومن طريقه: الحاكمُ في (المستدرك ٦٤٩)، والدارقطنيُّ في (السنن ٦٩٢) -، وغيرهما، قال: حدثنا عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: ((جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَإِنِّي تَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ، فَقَالَ: أَصِرْتَ حِمَارًا، فَضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الأُخْرَى، فَمَسَحَ بِهَا يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، فَقَالَ: هَكَذَا التَّيَمُّمُ)).
وعند الحاكم، والدارقطني زيادة: فقال: ((اضرب)).
وقد وقعَ إشكالٌ عند الحاكمِ، حيث قال (عقب رقم ٦٤٨): "وقد روينا معنى هذا الحديث عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ، بإسنادٍ صحيحٍ".
فأسندَ الحاكمُ -عقبه- طريقَ أبي نعيمٍ هذا، فوقعَ خلطٌ في فهمِ السياقِ هل يرجعُ قوله: ((جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ))، إلى النبيِّ ﷺ أم إلى جابرٍ ﵁؟
وأَوقعَ هذا الفهم محققو طبعة دار الكتب العلمية لـ (مستدرك الحاكم) في الخطأ حيثُ جعلوا النبي ﷺ بين معقوفين، وقالوا: "ما بين المقكوفين أضفناه لاستقامة المعنى" (المستدرك ١/ ٢٨٨ ط. العلمية).
بينما كان في الطبعة الهندية كما هنا، ولكن أشارَ المحققُ في الهامش إلى قوله: "كذا في النسخ، والظاهرُ جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ " (المستدرك ١/ ١٨٠).
وبنحوه قال الشيخ مقبل الوادعي في تحقيقه (المستدرك ١/ ٢٧٥ ط. الحرمين).
стр. 13619
وبِناء عليه قال ابنُ الملقنِ: "وقد رواه إبراهيم بن إسحاق الحربي، عن أبي نعيم (١)، عن (عزرة) كما أسلفنا ذلك عن رواية الحاكم وتصحيحه، فلم ينفرد عثمان به" (البدر المنير ٦/ ٦٤٩).
فجعلها متابعة لرواية عثمان عن حرمي المتقدمة، وقَوَّى بها الحديث، نظرا للخطأ الناتج عن فهم السياق.
وقال الكشميريُّ: "والذي يقعُ في الخاطرِ أَنه مرفوع، ومَن صوَّب وَقْفَه إنَّما حمله على ذلك إرجاعُ الضميرِ إلى جابرٍ ﵁. وعندي مرجعه إلى النبيِّ ﷺ ، وإنما ينقل جابر ﵄ كان جَرَى بين النبيِّ ﷺ وبين هذا الرجل من القصة" (فيض الباري ١/ ٥٢٤).
وقال في (العَرْف الشذي ١/ ١٦٤): "وقال جماعةٌ من المحدثين: إن روايةَ جابرٍ موقوفةٌ، وقالتْ جماعةٌ منهم: إنها مرفوعةٌ، ووقفها الطحاوي، وعندي أنها مرفوعة، واختلطَ على المُوقِفِينَ لفظ ((أَتَاه)) فإنهم زعموا أن مرجعَ الضمير المنصوب هو جابر بن عبد الله، والحال أن المرجع هو النبي ﷺ كما قال الحافظُ العينيُّ".
قلنا: كلامهم هذا مردود لأمرين:
الأول: أن الحديثَ رواه الدارقطنيُّ من نفسِ طريقِ الحاكمِ، فذكر رواية حرمي المرفوعة، ثم قال عقبها: "رجاله كلهم ثقات، والصواب موقوف"، ثم أسند رواية أبي نعيم بمثل رواية الحاكم، فلم يفهم منه الرفع كما فهم من تقدم، وكذا رواه البيهقيُّ عن شيخه الحاكم، فقال عقبه: "كذا قاله،
стр. 13620
وإسناده صحيح إلا أنه لم يُبَيِّن الآمر له بذلك" (السنن الكبير ٢/ ١٣٦) أي أن الحاكم صَحَّحَ إسنادَه ولم يُبينْ هل هو مرفوع أم موقوف.
قلنا: ويرفع هذا الإشكال برد هذه الرواية المشكلة إلى رواية أخرى أكثر منها بيانًا، وقد رواها أبو نعيم نفسُه من كتاب الصلاة، ولفظها: عن أبي الزبير عن جابر قال: ((ضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الأُخْرَى، فَمَسَحَ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا التَّيَمُّمُ)).
أي: وَصَفَ أبو الزبير كيفية تيمم جابر بفعله، وتابعه على هذه الرواية: وكيعٌ في (المصنَّف) لابن أبي شيبة كما سبقَ.
وفي روايةِ ابنِ المباركِ أن: ((رجلًا سأله فقال ... )).
والنبيُّ ﷺ ليس له ذِكرٌ مسبقٌ في هذه الرواية ولا في رواية وكيع ولا أبي نعيم المتقدمتين، حتى نقول: إن الضمير فيها يرجع إلى النبي ﷺ .
ولذا تعقب المباركفوريُّ الكشميريَّ فقال: "قوله: (إن المرجعَ هو النبيُّ ﷺ ، باطلٌ جدًّا فإنه ليس في هذه الروايةِ ذِكرُ النبيِّ ﷺ أصلًا، لا قبلَ الضميرِ ولا بعده؛ ولذلك لم يقلْ به أحدٌ من المحدثين بل أو قفوه وأرجعوا الضمير إلى جابرٍ.
وقوله: (كما قال الحافظُ العينيُّ) ليس بصحيحٍ فإن العينيَّ لم يقلْ به، بل قال في (شرح البخاري) -بعد ذكر حديث جابر المرفوع- ما لفظه: وأخرجه الطحاويُّ وابنُ أبي شيبةَ موقوفًا" (تحفة الأحوذي ١/ ٣٧٨).
الأمر الثاني: أن العلماءَ رجَّحُوا الوقفَ ولم يفهموا منه الرفع، فتقدم قولُ الدارقطنيِّ: "والصواب موقوف"، وبنحوه قال ابنُ عبدِ الهادِي في (تعليقه على العلل لابن أبي حاتم صـ ١٧٨).
стр. 13621
وأقرَّ الحافظُ ابنُ حجرٍ الدارقطنيَّ متعقبًا الحاكمَ تصحيحه فقال: "وقال الدارقطنيُّ في (حاشية السنن): كلُّهم ثقاتٌ، ولكن الصواب موقوف. وفيه تعقب على الحاكم" (لسان الميزان ٥/ ٤٠٧).
وضَعَّفَ الحديثَ غيرُ من تقدَّمَ: ابنُ الجَوزيِّ في (التحقيق ١/ ٢٣٧) فقال: "وأما حديثُ جابرٍ فقد تُكلِّمَ في عثمانَ بنِ محمدٍ". وأقرَّه ابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٣/ ١٥٣).
قلنا: ولكن نَقَل الزيلعيُّ عن ابنِ دَقيقِ العيدِ كلامًا ليس في المطبوع من الإمام فقال: "وتعقبه صاحب التنقيح تابعًا للشيخ، قال الشيخُ تقي الدين في (الإمام) وقال ما معناه: إن هذا الكلام لا يُقبل منه؛ لأنه لم يبينْ مَن تكلم فيه، وقد روى عنه أبو داود وأبو بكر بن أبي عاصم وغيرهما، ذكره ابنُ أبي حاتم في كتابه ولم يذكر فيه جرحًا، والله أعلم" (نصب الراية ١/ ١٥١).
وبنحو كلامه قال الحافظُ في (التلخيص)، ونصُّه: "ضَعَّفَ ابنُ الجَوزيِّ هذا الحديثَ بعثمانَ بنِ محمدٍ، وقال: إنه متكلَّمٌ فيه. وأخطأَ في ذلك. قال ابنُ دَقيقِ العيدِ: لم يتكلمْ فيه أحدٌ، نعم، روايتُه شاذَّةٌ؛ لأن أبا نعيم رواه عن عزرةَ موقوفًا، ... قلت: وقال الدارقطنيُّ في (حاشية السنن) -عقب حديث عثمان بن محمد-: كلُّهم ثقاتٌ" (التلخيص الحبير ١/ ٢٦٨).
وضَعَّفَ الحديثَ المباركفوريُّ -أيضًا- فقال: "فظهرَ أن روايةَ محمدِ بنِ عثمانَ المرفوعة شاذَّةٌ" (تحفة الأحوذي ١/ ٣٧٨).
قلنا: وثَمَّ علةٌ أُخرى أشارَ إليها الحافظُ في (الدراية ١/ ٦٨) فقال: "وهو من رواية عثمان بن محمد الأنماطي عن حرمي بن عمارة عن عزرة بن ثابت عن أبي الزبير عن جابر، وخالفه يحيى بن حكيم ومحمد بن معمر فقالا:
стр. 13622
عن حرمي بن عمارة عن الحَرِيش بن الخِرِّيت عن ابن أبي مليكة عن عائشة، أخرجه البزار".
ويحيى بن حكيم هو المقومي، ثقةٌ حافظٌ، وتابعه محمد بن معمر البحراني، صدوقٌ، وروايتهما أخرجها البزار (١٨/ ٢٤٠).
وسَرَقَه السَّريُّ بنُ عاصمٍ منهما، فرواه عن حرميٍّ -أيضًا- كما عند ابنِ عَدِيٍّ في (الكامل ٦/ ٧٢).
فرووه عن حرمي عن الحريش عن ابن أبي مليكة عن عائشة بنحوه.
ولا ريبَ أن روايتَهم ترجح على رواية عثمان الأنماطي كما أشارَ ابنُ حَجرٍ في كلامه آنفًا.
[تنبيهان]:
١ - سَقَطَ عزرةُ من (التحقيق لابنِ الجَوزيِّ) فحَدَثَ تداخلٌ في السندِ، فوقعَ فيه السندُ هكذا: "حدثنا حرمي بن عمارة بن ثابت عن أبي الزبير"، والصواب حرمي بن عمارة عن عزرة بن ثابت عن أبي الزبير" كما في (سنن الدارقطني)، حيثُ رواه ابنُ الجَوزيِّ من طريقه، وانظر (التنقيح لابنِ عبدِ الهادِي ٣٤٨، وللذهبي صـ ١/ ٨٠).
٢ - وقع تصحيفان من (شرح مختصر الطحاوي للجصاص) حيث وقع فيه: "عمر بن محمد الأنماطي قال: حدثنا جرير عن عزرة عن أبي الزبير"، والصواب: عثمان بن محمد الأنماطي عن حرمي عن عزرة" كما في بقية المصادر.
стр. 13623
٣١١٧ - حَدِيثُ جَابِرٍ المَوْقُوفُ:
◼ عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَنَّهُ [أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَإِنِّي تَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ. فَقَالَ: أَصِرْتَ حِمَارًا! ، وَ] ١ ضَرَبَ [جَابِرٌ] ٢ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِمَا الأَرْضَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ بِهِمَا ذِرَاعَيْهِ إلَى المِرْفَقَيْنِ، [ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا التَّيَمُّمُ] ٣.
[الحكم]: صحيح موقوفًا. وصَحَّحَ إسنادَهُ: الحاكمُ، والبيهقيُّ، وابنُ الملقنِ، والعينيُّ. وجَوَّدَهُ ابنُ كَثيرٍ.
[التخريج]: [صلاة ١٤٥، ١٥٣ "والزيادة الثالثة له" / ش ١٧٠٠ "واللفظ له" / منذ ٥٣٦ "والزيادة الثانية له" / طح (١/ ١١٤) "والزيادة الأولى له" / طحق ١١٧ / جصاص (١/ ٤١٧) / قط ٦٩٢ / ك ٦٤٩ / هق ١٠١٣].
[السند]:
أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في (الصلاة)، ومن طريقه الطحاوي، والدارقطنيُّ والحاكمُ -وعنه البيهقيُّ-، .
وأخرجه ابنُ أبي شيبةَ: عن وكيع.
وأخرجه ابنُ المنذرِ: من طريق ابن المبارك.
ثلاثتهم: عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجالُهُ ثقاتٌ.
ولذا صَحَّحَ إسنادَهُ الحاكمُ فقال: "وقد روينا معنى هذا الحديث عن جابر
стр. 13624
ابن عبد الله، عن النبي ﷺ ، بإسنادٍ صحيحٍ" (المستدرك ١/ ٥٥٦)، ثم أسنده عن جابر قال: ((جاء رجل فقال: أصابتني جنابة ... )) الأثر.
قلنا: وليس فيه ما يدل على الرفع، كما ذكر، بل الصواب أنه موقوف كما هو ظاهر في المصادر الأخرى، ولذا جزم الحافظ في (التلخيص الحبير ١/ ٢٦٨) بأن رواية الحاكم والدارقطني موقوفة.
وقد قال البيهقيُّ: "إسناده صحيح، إلا أنه لم يبين الآمر له بذلك" (السنن الكبير ٢/ ١٣٦).
وجوَّده ابنُ كَثيرٍ في (إرشاد الفقيه ١/ ٧٣).
وقال العينيُّ: "إسنادُهُ صحيحٌ" (نخب الأفكار ٢/ ٤٤١).
стр. 13625
٣١١٨ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((فِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَتَينِ (١): ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ)).
[الحكم]: منكرٌ كسابقه.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، وضَعَّفَهُ: الزيلعيُّ، والهيثميُّ، وابنُ حَجرٍ، والعينيُّ، والشوكانيُّ، والمباركفوريُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]: [بز (١٨/ رقم ٢٤٠)].
[السند]:
قال البزار: حدثنا يحيى بن حكيم ومحمد بن معمر، قالا: ثنا حرمي بن عمارة، قال: نا الحريش بن الخريت، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به.
قال البزارُ: "وهذا الحديثُ لا نعلمه يروى عن عائشة ﵂ إلا من هذا الوجه، والحريش رجلٌ من أهل البصرة أخو الزبير بن الخريت".
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ عِلَّتُه الحريش، وتقدَّم الكلامُ عليه تحت باب "التيمم ضربتان للوجه والكفين.
قال الهيثميُّ "رواه البزارُ، وفيه الحريش بن الخريت؛ ضَعَّفَه أبو حاتم، وأبو زرعة، والبخاري". (مجمع الزوائد ١٤١٨).
стр. 13626
قال ابنُ حَجرٍ: "تفرَّدَ به: الحريش بن الخريت، عن ابن أبي مليكة عنها، قال أبو حاتم: حديث منكر، والحريش شيخ لا يُحتجُّ بحديثه" (التلخيص الحبير ١/ ٢٦٩)، وانظر (مختصر مسند البزار ١/ ١٧٧).
وضَعَّفَ الحديثَ: الزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ١٥١)، والعينيُّ في (البناية شرح الهداية ١/ ٥٢٤)، و (عمدة القاري ٤/ ٢٠)، و (نخب الأفكار ٢/ ٤٤٤)، والشوكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ٣٢٩)، والألبانيُّ في (الضعيفة ٧/ ٤٣٥).
وقال المباركفوريُّ: "ضعيفٌ لا يصلحُ للاحتجاجِ" (تحفة الأحوذي ١/ ٣٧٨).
وانظر ما سبق.
стр. 13627
٣١١٩ - حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ
◼ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فِي التَّيَمُّمِ: ((ضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ وَأُخْرَى لِلذِّرَاعَيْنِ)).
[الحكم]: ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ: ابنُ حزمٍ، وأقرَّه مغلطاي.
[التخريج]: [موهب (مغلطاي ٢/ ٣١٩) / مدونة (١/ ١٤٥) / محلى (٢/ ١٤٨)].
[السند]:
رواه ابنُ وهبٍ -وعنه سحنون، ومن طريقه ابن حزم في (المحلى) - عن محمد بن عمرو اليافعي عن رجلٍ حدَّثه عن جعفر بن بن الزبير عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه جعفر بن الزبير، متروكٌ كما سبقَ مِرارًا.
وفيه -أيضًا- جهالةُ شيخِ اليافعيِّ.
قال ابنُ حزمٍ: "فيه علتان: إحداهما: القاسم، وهو ضعيف. والثانية: أن محمد بن عمرو لم يُسَمِّ مَن أخبره به عن جعفر بن الزبير، وقد دلَّسه بعضُ الناسِ فقال: عن محمد بن عمرو عن جعفر، ومحمدٌ لم يدركْ جعفر بن الزبير، فسقطَ هذا الخبرُ" (المحلى ٢/ ١٤٨).
وأقرَّه مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣١٩).
قلنا: تضعيفه بجعفر بن الزبير أَوْلى؛ فإن القاسم صاحب أبي أمامة لا ينزل حديثه عن مرتبة الاحتجاج، كما قرَّرنا ذلك تحت باب "إعفاء اللحية".
стр. 13628
ولذا علَّق الشيخُ أحمد شاكر في حاشية المحلى قائلًا: "بل ضَعْفُ الحديثِ إنما جاء من جعفر بن الزبير الدمشقي هذا، قال ابنُ حِبَّانَ: (يَروي عن القاسم وغيره أشياء موضوعة، وروى عن القاسم عن أبي أمامة نسخة موضوعة)، وقال شعبة: (وضع على رسول الله ﷺ أربعمائة حديث كذب) ".
стр. 13629
٣١٢٠ - حَدِيثُ الوَاقِدِيِّ
◼ عَنِ الوَاقِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِليَدَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ)).
[الحكم]: ساقطٌ، وضَعَّفَهُ ابنُ حزمٍ.
[التخريج]: [محلى (٢/ ١٤٨) معلقًا].
[السند]:
قال ابنُ حزمٍ: واحتجوا بحديثٍ عن الواقديِّ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: ... فذكره.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ، فمع تعليقه فيه الواقدي، متهمٌ، وقد تقدَّم مِرارًا.
قال ابنُ حزم: "وأما حديثُ الواقديِّ فأسقطُ مِن أن يُشتغل به؛ لأنه عن الواقدي، وهو مذكورٌ بالكذب، ثم مرسلٌ من عنده" (المحلى ٢/ ١٥٠).
стр. 13630
٣١٢١ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁: أَنَّا نَاسًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا نَكُونُ بِالرِّمَالِ الأَشْهُرَ الثَّلَاثَةَ والأَرْبَعَةَ، وَيَكُونُ فِينَا الجُنُبُ وَالنُّفَسَاءُ وَالحَائِضُ، وَلَسْنَا نَجِدُ المَاءَ. فَقَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالأَرْضِ))؛ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الأَرْضِ لِوَجْهِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَمَسَحَ بِهَا عَلَى يَدَيْهِ إِلى المِرْفَقَيْنِ (١).
[الحكم]: منكرٌ، وإسنادُهُ ضعيفٌ، وضَعَّفَهُ ابنُ الجَوزيِّ وغيرُهُ.
[التخريج]: [ص (إمام ٣/ ١٢٦) / تحقيق ٢٦٩].
[السند]:
رواه سعيد بن منصور -ومن طريقه ابنُ الجَوزيِّ-، قال: نا عيسى بن يونس، ثنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه المثنى بن الصباح، وقد تقدَّم الكلامُ عليه تحت باب "مشروعية التيمم".
стр. 13631
وأما متنه؛ فمعارَضٌ بما رواه البخاري (٣٤٣)، ومسلم (٣٦٨) من حديث عمار بن ياسر، وفيه أن التيمم بضربة واحدة للوجه والكفين.
وأشار لاضطرابه: أحمد، وأبو داود، والبزار، وابن عبد البر، وابن رجب، ابنُ حَجرٍ.
وكان الزهري يقول: "لا يَعتبر بهذا الناس"، وقال ابن عيينة: "لا يؤخذُ بهذا "، وقال أحمد: "ما أرى العمل عليه".
[اللغة]:
((عَرَّسَ)): "نزل ليلًا ليستريح" (النهاية ٣/ ٤٣٦).
و((الجَزع)) -بفتح الجيم وسكون الزاي-: "خرز يمني" (النهاية ١/ ٧٤٤)
و((ظفار)) - بكسر الظاء أو فتحها-: "وهي اسم مدينة لحمير باليمن" (النهاية ٣/ ٣٥٢).
[الفوائد]:
قال الخطابيُّ ﵀: "لم يختلفْ أحدٌ من أهل العلم أنه لا يلزم المتيمم أن يمسح بالتراب ما وراء المرفقين ... " (معالم السنن ١/ ٩٩).
وقال ابنُ بطَّالٍ: "وأما التيمم إلى المناكب، فالأمةُ في جميع الأمصار على خلافه" (شرح صحيح البخارى ١/ ٤٨٠).
[التخريج]:
[د ٣٢٠ (واللفظ له) / ن ٣١٩ (والرواية الثانية له، والزيادة الأولى له ولغيرِهِ) / كن ٣٦٩ (والزيادة الثانية له) / جه (دار إحياء الكتب العربية ٥٦٥) (١) / حم ١٨٣٢٢ (والزيادة الرابعة له ولغيرِهِ) / مش ٤٤٩
стр. 13636
(والزيادة الثالثة له ولغيرِهِ) / عل ١٦٢٩ (والرواية الأولى له ولغيرِهِ)، ١٦٣٣/ جا ١٢١/ طح (١/ ١١٠ - ١١١) / طحق ١٠٦/ ثعلب ١١٥٠، ١١٥١/ هق ١٠١٨/ هقع (٢/ ١٦ - ١٧/ ١٥٧١) / شب (١/ ٣٤٨) (ليس فيه صفة التيمم) / عتب (صـ ٥٨ - ٥٩) / تمهيد (١٩/ ٢٦٩ - ٢٧٠، ٢٨٤) / تحقيق ٢٧٣/ شا ١٠٢٤، ١٠٤٠، ١٠٤١/ مع (مط ٤٠٩٧)، (خيرة ٧١٩) (مقتصرًا على الزيادة الأخيرة) / حد (صـ ١٥٥) / غحر (٣/ ١٠٧٩، ١١٢٨) (مقتصرًا على أوله)].
[التحقيق]:
انظره عقب الرواية الآتية.
رِوَايَةُ لَمْ تُذْكر فيها المَنَاكِب وَالآبَاط
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (( ... فَأَمَرَ المُسْلِمِينَ، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ التُّرَابَ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شيئًا، فَمَسَحُوا بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى، فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ [إِلَى مَا فَوْقَ المِرْفَقَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرِ المَنَاكِبَ وَالآبَاطَ].
[الحكم]: منكرٌ.
[التخريج]: [د ٣١٩ (والزيادة له) / جه ٥٦٥ (واللفظ له)].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ أُعِلَّ بعلتين:
العلة الأول: الاضطرابُ، فمدارُ الحديثِ على الزهريِّ، وقد اختُلِفَ عليه في سنده ومتنه اختلافًا شديدًا، أما السندُ فعلى ثلاثةِ وجوهٍ:
الوجه الأول: عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن عمارٍ به.
أخرجه أبو داود في (سننه ٣٢٠)، والنسائي في (الصغرى ٣٢٠)، و (الكبرى ٣٦٩)، وأحمد في (المسند ١٨٣٢٢)، وغيرهم- من طرقٍ عن يعقوب بن إبراهيم،
ورواه الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ١١٠) من طريق عبد العزيز الأويسي،
كلاهما (يعقوب، والأويسي) رواه عن إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن
стр. 13645
عبيد الله عن ابن عباس عن عمار به، وذكر فيه التيمم إلى المناكب والآباط، ولم يقل فيه: "ضربتين".
وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، رجالُهُ كلُّهم ثقات.
ولذا قال الحازميُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ" (الاعتبار ٥٠).
وقال العراقيُّ: "رواه أبو داود والنسائيُّ بإسنادٍ جيدٍ" (طرح التثريب ٢/ ٩٥)، وكذا قال القسطلانيُّ في (إرشاد الساري ١/ ٣٦٦).
وقال العينيُّ: "سندٌ صحيحٌ متصلٌ" (عمدة القاري ٤/ ١٨).
وقال الألبانيُّ: "إسنادُهُ صحيحٌ على شرطِ الشيخيِن" (صحيح أبي داود - الأم ٢/ ١٢٨).
قلنا: وهو كما قالوا، لولا الاختلاف على الزهري كما سيأتي، وقد توبع صالح، فتابعه عبد الرحمن بن إسحاق كما عند أبي يعلى في (مسنده ١٦٠٩، ١٦٥٢). غير أن سندَهُ ضعيفٌ جدًّا، فيه يوسف بن خالد السمتي، تركوه، وكَذَّبه ابن معين (التقريب ٧٨٦٢).
وتابعهما معمر بن راشد من وجهٍ ضعيفٍ جدًّا، رواه الواقديُّ في (مغازيه ٢/ ٤٣٥)، وزاد فيه زيادات، والواقديُّ متروكٌ فلا يُعتبر بمتابعته، وقد خالفه عبد الرزاق فرواه عن معمر على وجهٍ آخرَ كما سيأتي.
وكذا تابعهم محمد بن إسحاق في سندِهِ، ولكن خالفهم في متنه.
أخرجه أبو يعلى في (مسنده ١٦٣٠)، والبزارُ في (مسنده ١٣٨٣، ١٣٨٤)، والطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ١١٠) من طرقٍ عن ابن إسحاق عن الزهري بسنده، ولكن جعل فيه: "التيمم ضربتين".
стр. 13646
الوجه الثاني: عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار.
وقد رواه عن الزهري أربعة:
الأول: مالك بن أنس: أخرجه النسائي في (الصغرى ٣١٢٠)، و (الكبرى ٣٧٠)، وابنُ حِبَّانَ في (صحيحه ١٣٠٥)، وغيرهم- من طرقٍ عن عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية بن أسماء.
ورواه الطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ١١٠) من طريق سعيد بن داود.
كلاهما (جويرية، سعيد) روياه عن مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار به مرفوعًا، ولفظه: ((تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتُّرَابِ، فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إِلَى المَنَاكِبِ)).
وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ.
وقال العينيُّ: "سندُهُ صحيحٌ" (عمدة القاري ٤/ ١٨).
وقال الألبانيُّ: "هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ" (صحيح أبي داود - الأم ٢/ ١٢٧).
الثاني: سفيان ابن عيينة: واختُلِفَ عليه، على وجُوهٍ:
منها ما رواه:
ابنُ ماجهْ في (سننه ٥٦٦ دار إحياء الكتب العربية) عن محمد بن أبي عمر العدني.
والطحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ١١١) من طريق إبراهيم بن بشار.
والفسويُّ في (المعرفة والتاريخ ٢/ ٧٢٩) عن الحميدي قال: عن بعض
стр. 13647
أصحابنا.
فرواه ثلاثتُهم: عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري به.
وخالفهم:
الحميديُّ كما في (مسنده ١٤٣) -ومن طريقه الفسويُّ في (المعرفة ٢/ ٧٢٩)، وغيره-.
والشافعيُّ كما في (مسنده ٨٦، واختلاف الحديث ٧٤) -ومن طريقه الحازمي في (الاعتبار صـ ٥٨)، وغيره-.
ومحمد بن أبي عمر العدني -من وجهٍ آخرَ-، وأبو بكر بن خلاد كما عند ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٢٧٨).
ومحمد بن عمرو الباهلي عند البزار في (مسنده ١٤٠٣).
والزبير بن أبي بكر كما عند الطوسي في (مستخرجه ١٢٩).
ستتهم (الحميدي، والشافعي، والعدني، وابن خلاد، والباهلي، والزبير) عن سفيان عن الزهري به، لم يذكروا فيه عمرو بن دينار.
وهذا الوجهُ أرجحُ؛ ومما يؤكد ذلك، قول الحميدي عقبه: "ثم سمعتُ -بعد ذلك- بعضَ أصحابنا يقولُ: إنه دخل على سفيانَ في شفاعةٍ فسأله عن حديثِ التيممِ فحدَّثه به عن عمرو. فقلتُ للذي حدَّثني: ما أراه ذهب إلا إلى مسِّ الإبطِ، وأخبرتُه بعضَ هذه القصةِ أو بنحوٍ منها، ثم لم يزلْ في نفسي حتى سألتُ سفيانَ عنه فقال: هو عن الزهري، ليس عن عمرو، ولكن الذي حدثنا عمرو حديث الإبط. وأخبرته عن الرجل الذي حكى عنه، فقال سفيان: إما لم يحفظْ عليَّ وإما أن أكونَ أنا وهمتُ" (المعرفة
стр. 13648
والتاريخ ٢/ ٧٢٩).
وقال الدارقطنيُّ: "تفرَّد به: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عنه" (أطراف الغرائب والأفراد ٤٢٢٨).
وحاولَ البيهقيُّ التوفيقَ بين هاتين الروايتين فقال: "هذا حديثٌ قد رواه ابنُ عيينةَ، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، ثم سمعه من الزهري فرواه عنه" (معرفة السنن والآثار ٢/ ١٥).
ومنها:
ما رواه علي بن المديني عن سفيان فقال: "قلتُ لسفيانَ: عن أبيه، عن عمار. قال: أشك في: أبيه. قال علي: كان إذا قال: (حدثنا) لم يجعل عن أبيه" (معرفة السنن والآثار ٢/ ١٥).
وثَم وجوهٌ أُخرُ عن سفيانَ، ولم نقفْ عليها، ولكن ذكرها أبو داود في (سننه) فقال: "وشَكَّ فيه ابنُ عيينةَ؛ قال مرة: عن عبيد الله، عن أبيه، أو عن عبيد الله، عن ابن عباس، ومرة قال: عن أبيه، ومرة قال: عن ابن عباس. اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه من الزهري" (السنن ١/ ٨٧)، وانظر (معرفة السنن للبيهقي ٢/ ١٥ - ١٦).
الثالث: أبو أويس كما عند أبي يعلى في (مسنده ١٦٣١).
وإسنادُهُ ضعيفٌ، أبو أويس هو عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني، متكلَّمٌ فيه، انظر (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٨٠)، وقال الدارقطنيُّ فيما سأله البرقانيُّ قال: "قلت: كيف حديثه عن الزهري؟ قال: في بعضها شيء" (سؤالات البرقاني ٥٧٠).
الرابع: معمر بن راشد، رواه الشافعيُّ في (مسنده ٨٧، واختلاف الحديث
стр. 13649
٧٥) -ومن طريقه البيهقيُّ في (معرفة السنن ٢/ ١٦) - قال: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار بن ياسر به.
وهذا الطريقُ مخالفٌ، فقد رواه عبد الرزاق، وهو أوثقُ مَن رَوى عن معمرٍ كما في الوجهِ الثالثِ.
وهذا الوجهُ وإن كان مخالفًا للوجه الأول في شيخ عبيد الله بن عتبة، غير أن الإمامَ النسائيَّ ﵀ قال: "كلاهما محفوظ" (السنن الكبرى ٢/ ٢٥٥).
بينما ذَهَبَ الإمامان الرازيان أبو زرعة وأبو حاتم إلى ترجيح طريق مالك ومَن تابعه.
فقال ابن أبي حاتم: "وسألتُ أبي وأبا زرعة عن حديث رواه صالح بن كيسان وعبد الرحمن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار، عن النبي ﷺ ؛ في التيممِ؛ فقالا: هذا خطأ؛ رواه مالك وابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار، وهو الصحيح، وهما أحفظ" (علل الحديث ٦١).
قلنا: وقد يُعَلُّ هذا الوجه بتفرد عبد الله بن عتبة راويه عن عمار، فلا يُعْلمُ له حديثٌ غير هذا عن عمار ولا سماعًا؛ ولذا قال البزار ﵀: "ولا نعلمُ روى عبد الله بن عتبة عن عمار إلا هذا الحديث" (المسند ٤/ ٢٣٩).
الوجه الثالث: عن الزهري، عن عبيد الله، عن عمار به، لم يذكر بين عبيد الله وعمار أحدًا.
رواه يونس بن يزيد، والليث بن سعد، ومعمر، وابن أبي ذئب، وغيرهم.
فأما رواية يونس، فرواها أحمدُ في (مسنده ١٨٨٩٣)، وابنُ شبَّة النميريُّ
стр. 13650
في (تاريخ المدينة)، والرويانيُّ في (مسنده) وغيرهما، عن عثمان بن عمر، (عن) (١) يونس عن الزهري بسنده، وذكر فيه ضربتين والمسح إلى المناكب.
ورواه ابنُ وهبٍ عن يونسَ، واختَلف عليه الرواةُ في ذِكرِ المناكبِ والآباطِ:
فرواه أحمد بن صالح عنه عن الزهري بنحو رواية عثمان بن عمر، رواه أبو داود في (سننه ٣١٨).
وخالفه عبد الملك بن شعيب، وسليمان بن داود الفهري، وأحمد بن عمرو بن السرح، فرووه عن ابن وهب عن يونس عن الزهري به، فذكروا ضربتين، ولم يذكروا المناكب والآباط، وقال شعيب: إلى المرفقين.
أخرجَ روايتَهم أبو داود في (سننه ٣١٩)، وابن ماجه في (سننه ٥٧١ دار إحياء الكتب العربية) (٢).
وأما روايةُ الليثِ، فأخرجها ابنُ ماجهْ في (سننه ٥٦٥ دار إحياء الكتب العربية) (٣)، وحربٌ الكرمانيُّ في (مسائله- كتاب الطهارة ٣٢٢)، وغيرهما، من طرقٍ عن الليثِ عن الزهريِّ به مختصرًا في المسح على المناكب، ولم يذكرْ عدد الضربات.
стр. 13651
وأما روايةُ معمرٍ، فرواها عبد الرزاق في (مصنفه ٨٣٥) -وعنه أحمدُ في (المسند ١٨٨٩١)، ومن طريقه ابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد ١٩/ ٢٨٥) -: عن معمر بنحو رواية يونس الأولى فذكر التيمم ضربيتين، ولكن شَكَّ في الإبطين أو المناكب.
وأما رواية ابنُ أبي ذِئبٍ، فاتفقَ أصحابُه عليه في السند، واختلفُوا عليه في متنه،
فرواه يزيد بن هارون عنه عن الزهري وذكر بنحو رواية يونس الأولى وجعله ضربة واحدة.
أخرجه ابنُ أبي شيبةَ في (المسند ٤٤٩)، وأبو يعلي في (مسنده ١٦٣٣)، وغيرهما من طرقٍ عن يزيدَ به.
ورواه أحمدُ في (المسند ١٨٨٨٨) عن حجَّاجٍ.
والطبريُّ في (تفسيره ٧/ ٩٠) من طريق صيفي بن ربعي.
ورواه مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٠٥) من طريق عبد الصمد بن النعمان.
ثلاثتهم رووه عن ابن أبي ذئب وقالوا فيه: التيمم ضربتان.
وتابعهم أبو داود الطيالسي في (مسنده ٦٧٢) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبير ١٠١٦) -، ولكن زاد فيه: "ثم يصلون".
وذكرَ البيهقيُّ متابعةً للأربعة المذكورين عن الزهري فقال: "وكذلك رواه معمر بن راشد، ويونس بن يزيد الأيلي، والليث بن سعد، وابن أخي الزهري، وجعفر بن بُرْقان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
стр. 13652
عن عمار، وحفظ فيه معمر ويونس ضربتين كما حفظهما ابن أبي ذئب" (السنن الكبير ٢/ ١٣٨).
وذكر لهم ابنُ أبي حاتم متابعةً سابعةً فقال: "قد رواه يونس، وعقيل، وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار، عن النبي ﷺ ، وهم أصحاب الكتب!
فهؤلاء السبعة (يونس، ومعمر، والليث، وابن أبي ذئب، وعقيل، وابن أخي الزهري، وابن برقان) رووه عن الزهري عن عبيد الله عن عمار به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غير أنه منقطعٌ؛ فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدركْ عمارًا، قاله المزيُّ في (تحفة الأشراف ٧/ ٤٨١).
ولذا أعلَّه بالانقطاعِ: المنذريُّ في (مختصر سنن أبي داود ١/ ٢٠٠) - وأقرَّه ابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٣/ ١٤٠)، والزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ١٥٥)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود ٢/ ١٢٦) -، وابنُ عبدِ الهادِي في (تنقيح التحقيق ١/ ٣٧٢)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٠٤)، وابنُ رجبٍ في (فتح الباري له ٢/ ٢٥٢)، وابنُ حَجرٍ في (العجاب في بيان الأسباب ٢/ ٨٧٩)، وبدرُ الدينِ العينيُّ في (شرح أبي داود ٢/ ١١٩).
قلنا: وهم جماعةٌ، وروايتُهم أَوْلى بالترجيحِ على مَن سبقَ، ومع ذلك رجَّحَ أبو حاتم وأبو زرعة روايةَ مالكٍ ومَن معه وقالا: "وهما أحفظ"، فأجابهما ابنُ أبي حاتم قائلًا: "قد رواه يونس، وعقيل، وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار، عن النبي ﷺ ، وهم أصحاب الكتاب))، فقالا: "مالكٌ صاحبُ كتابٍ وصاحبُ حفظٍ" (علل ابن أبي حاتم
стр. 13653
٦١).
قلنا: ومَن سماهم ابنُ أبي حاتم ومعهم الليث ومعمر- هؤلاء ثقات أثبات حفَّاظ، فليس من المعقول اجتماع هؤلاء على الخطأ، وقد قال النسائيُّ -في (الكبرى)، بعد أن ذكر رواية صالح ورواية مالك-: ((وكلاهما محفوظٌ))؛ وذلك لأن صالحًا ثقةٌ ثبتٌ، وقد تُوبع عليه، فعلى هذا رواية يونس ومَن معه أَوْلى بأن تكون محفوظة؛ إذ هم أكثر عددًا وأتقنُ تثبُّتًا وحفظًا.
وهذا المسلكُ -وهو أن جميعَ الوجوهِ محفوظةٌ عن الزهريِّ- أصحُّ وأولى مما قاله أبو زرعة وأبو حاتم؛ حتى لا نُوهِّم الثقاتَ الحفَّاظَ بلا دليلٍ، والله أعلى وأعلم.
وعلى هذا فيكون الاضطراب فيه من الزهري.
قلنا: أما الاضطرابُ في المتنِ، فقد تقدَّم اختلافُ أصحابِ الزهريِّ في ذكرِ عددِ الضرباتِ في التيممِ، وكذا في ذكر المناكب من عدمها، والله أعلم.
قلنا: نظرًا لهذا الاختلافِ الشديدِ على الزهريِّ في السند والمتن- قد أعلَّه جماعةٌ بذلك.
فقال الإمامُ أحمدُ: "ليس بشيء"، وقال: "اختلفوا في إسنادِهِ" كما في (فتح الباري ٢/ ٢٥٢ لابن رجب).
وأشارَ لذلك أبو داود في (سننه ١/ ٨٦ - ٨٧)، والبزارُ في (مسنده ٤/ ٢٢١).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "أحاديثُ عمارٍ في التيممِ كثيرةُ الاضطرابِ، وإن كان رواتُها ثقاتٌ" (الاستذكار ٣/ ١٦٥).
стр. 13654
وقال ابنُ رجبٍ: "قد اختُلِفَ في إسنادِهِ على الزهريِّ" (فتح الباري ٢/ ٢٥١).
وقال ابنُ حَجرٍ: "وذكر أبو داود عِلَّته والاختلافَ فيه" (الدراية ١/ ٦٨).
العلة الثانية: المخالفة، وهذه المخالفةُ في حديثِ عمارٍ تثبتُ من وجهين:
الوجه الأول: في سبب الحديث، وذلك لما في (الصحيحين) من حديث عائشة ﵂ لما انقطع عِقدها بذات الجيش، فقام المسلمون بالتماسه حتى فقدوا الماء فنزلتْ أيةُ التيمم، وصاحبة القصة هي عائشة ﵂، وقد روتْها كما في (الصحيحين)، وليس في حديثها ما في حديث عمار هذا من أمر التيمم، فلو كان عندها لنُقل، وقد رواه عنها عروةُ والقاسمُ وغيرُهُما، ولا مطعنَ في روايتِهِم، فكيف ينقل عمارٌ أمرًا عامًّا وتجهله عائشة، وليس ذلك أمرًا خاصًّا بالرجالِ حتى تجهله، بل أمرٌ يَعُمُّ المسلمينَ جميعًا ومنهم عائشة، إلا أن يكون عندها ثم نُسِخَ كما سيأتي عن الشافعيِّ في توجيه هذا الحديث، ولا دليلَ على ذلك.
قال المنذريُّ: "وقد أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، والنسائيُّ، حديثَ عائشةَ في انقطاعِ العِقدِ، وليس فيه كيفية التيمم" (مختصر سنن أبي داود ١/ ٢٠٢).
الوجه الثاني من المخالفة: أن حديثَ عمَّارٍ ﵁ في (الصحيحين) وغيرهما، لم يذكر فيه: "ضربتين"، ولا التيمم إلى المناكب.
انظر في ذلك (صحيح البخاري ٣٣٩، ٣٤٧) و (صحيح مسلم ٣٦٨)، وسبق تخريجه وتحقيقه بتوسع تحت باب جامع في صفة التيمم.
والمسلمون جميعًا منذ وفاة النبي ﷺ إلى يومنا هذا على ذلك.
стр. 13655
قال الخطابيُّ: "لم يختلفْ أحدٌ من أهل العلم أنه لا يلزمُ المتيمم أن يمسحَ بالترابِ ما وراء المرفقين" (معالم السنن ١/ ٩٩).
وقال ابنُ بطَّالٍ: "وأما التيمم إلى المناكب، فالأمةُ في جميعِ الأمصارِ على خلافِهِ" (شرح صحيح البخارى ١/ ٤٨٠).
ولذا قال ابنُ عبدِ البرِّ: "أكثرُ الآثارِ المرفوعة عن عمَّارٍ في هذا الحديث إنما فيها ضربةٌ واحدةٌ للوجهِ واليدينِ، وكلُّ ما يُروى في هذا البابِ عن عمَّارٍ فمضطربٌ مختلفٌ فيه" (التمهيد ١٩/ ٢٨٧).
بل كان عمار بعد وفاة النبي ﷺ يفتي بما رواه في الاقتصار على الوجه والكفَّين.
قال ابنُ حَجرٍ ﵀: "ومما يقوِّي رواية (الصحيحين) في الاقتصارِ على الوجهِ والكفَّينِ كون عمار كان يُفْتي بعد النبيِّ ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرفُ بالمرادِ به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد" (فتح الباري ١/ ٤٤٥).
قلنا: ولهذا استنكرَ هذا الحديثَ جماعةٌ من أهل العلم على الزهريِّ، بل الزهريُّ نفسُه كان ينكرُ عملَ الناسِ به، فكان يقول: "لا يعتبر الناس بهذا. أو: لا يغتر الناسُ بهذا" (سنن أبي داود ١/ ٨٧)، و (مسند أحمد ٣٠/ ٢٦٠).
وكان سفيانُ بنُ عيينةَ يقول: "لا يؤخذُ بهذا" (المستخرج للطوسي ١/ ٣٨٥).
وقال الحميديُّ: "سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القطانَ يسألُ سفيانَ -يعني ابنَ عُيينةَ- عن هذا الحديث: تيممنا مع رسول الله ﷺ إلى المناكب؟ فقال سفيانُ: حضرتُ إسماعيل بنَ أمية أَتَى الزهريَّ، فقال: يا أبا بكر، إن الناسَ