[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، إلا أن محمد بن يوسف الفريابي قد تفرَّدَ به عن الثوري، لم يروه عنه غيره، كما قال الطبرانيُّ والدراقطنيُّ كما سيأتي.
والفريابيُّ وإن كان من أصحاب الثوري المكثرين عنه، غير أنه تُكلِّم في بعض مروياته عن الثوري، فقال أحمد: "ما رأيتُ أكثر خطأ في الثوري من الفريابي" (سؤالات ابن هانئ ٢٣٢٣).
وقال في (سؤالات المروذي ٢٥٣): "ما كنتُ أرى الفريابي على كثرة خطئه، تعلم، إن الأخذ كان عند سفيان شديدًا".
وقال العجليُّ: "قال لي بعضُ البغداديين: أخطأَ محمد بن يوسف في خمسين ومائة حديث من حديث سفيان" (معرفة الثقات وغيرهم ٢/ ٢٥٧).
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "الفريابي له عن الثوري إفرادات" (الكامل ٩/ ٣٠٣).
وقال الحافظُ: "يقالُ: أخطأَ في شيءٍ من حديثِ سفيانَ، وهو مُقدَّمٌ فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق" (التقريب ٦٤١٥).
قلنا: وقد أعلَّه الدارقطنيُّ بالإرسالِ؛ فقال: "تفرَّدَ به: الفريابيُّ، والمحفوظُ أنه مرسلٌ ليس فيه سلمانُ" (تخريج المزكيات صـ ٢٠١)، وأقرَّه ابنُ عساكر في (تاريخ دمشق ٣٢/ ٣٦٢).
وقال ابنُ طاهرٍ المقدسيُّ -في كلامه على أحاديث الشهاب-: "تفرَّدَ به: الفريابيُّ عن الثوريِّ، والفريابيُّ ثقةٌ، والمرسلُ أشبهُ بالصوابِ"، وأقرَّه الزيلعيُّ في (تخريج أحاديث الكشاف ٢/ ٣٥٣).
وَذَكرَ الذهبيُّ -بعد نقل كلام العجلي المتقدم- حديثنا هذا فيما انفرد به الفريابي على الثوري، في (ميزان الاعتدال ٤/ ٧٢).
стр. 13687
قلنا: والروايةُ المرسلةُ أخرجها ابنُ أبي شيبةَ في (المصنَّف ١٧١٩): عن ابنِ عُلَيَّةَ، عن عوفٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال: بلغني أن النبيَّ ﷺ ... فذكره.
وابنُ عُلَيَّةَ إمامٌ بصريٌّ مقدمٌ في حديثِ البصريين على غيره، ولم يكن أحدٌ أثبتُ في الحديثِ منه كما قال عليُّ بنُ المدينيِّ. وعوفُ بنُ أبي جميلةَ الأعرابيُّ بصريٌّ، فلا شَكَّ أن روايةَ ابنِ عُلَيَّةَ مقدَّمةٌ.
كيفَ وقد تُوبع؟ ! فقد رواه القضاعيُّ في (مسند الشهاب ٧٠٥): من طريق سعدان بن نصر، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن عوف ... به.
فلا جرمَ أن رجَّحَ الدارقطنيُّ وغيرُهُ الروايةَ المرسلةَ.
والحديث ذكره الهيثميُّ في (مجمع الزوائد ١٢٩٣٠) فقال: "رواه الطبرانيُّ في (الصغير)، عن شيخِهِ حملة بن محمد ولم أعرفْه، وبقية رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي وهو ثقة".
وأقرَّه المُناويُّ في (فيض القدير (٣/ ٢٦٨)، ولذا قال في (التيسير ١/ ٤٥٦): "في إسناده مجهول، وبقيته ثقات". يعني حملة.
قلنا: حملة بن محمد نُسِبَ في رواية الطبراني بأنه غزي، أي من أهل غزة فلسطين، مترجم في (الأنساب ٤/ ٢٦٤)، و (تكملة الإكمال ٢/ ٢٧٠)، وغيرهما، ولكنه لم ينفردْ به، فقد تابعه غيرُ واحدٍ، كما هو مبينٌ في السندِ؛ فليس هو علةُ الحديثِ.
وفاتَ الشيخ الألبانيّ علة الإرسال، فَصَحَّحَ الحديثَ (الصحيحة ٤/ ٤٠١).
стр. 13688
[تنبيه]:
نقل مغلطاي عن البيهقيِّ أنه قال في (السنن): "هذا حديثٌ غريبُ الإسنادِ والمتنِ" (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٢٤). ولم نقفْ على كلامِ البيهقيِّ هذا في كلِّ طبعات السنن.
стр. 13689
٣١٤٢ - حَدِيثُ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ مُرْسَلًا
◼ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((تَمَسَّحُوا بِهَا فَإِنَّهَا بِكُمْ بَرَّةٌ))، يَعْنِي: الأَرْضَ.
[الحكم]: ضعيفٌ لإرسالِهِ.
[التخريج]: [ش ١٧١٩ (واللفظ له) / شهب ٧٠٥].
[السند]:
قال ابنُ أبي شيبةَ: حدثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن عوفٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، به.
ورواه الشهابُ في (مسنده ٤٠٥) من طريق إسحاق الأزرق عن عوف عن أبي عثمان قال: قال رسول الله ﷺ ... به. ولم يقلْ بلاغًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غير أنه مرسلٌ، فأبو عثمانَ النهديُّ هو عبد الرحمن بن مل، تابعيٌّ مخضرمٌ.
* * *
٣١٤٤ - حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا
◼ عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بِئْرِ جَمَلٍ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى مَسَحَ يَدَهُ بِجِدَارٍ، ثُمَّ رَدَّ ﵇).
[الحكم]: ضعيفٌ لِإِرسالِهِ، وأشارَ الشافعيُّ لذلك.
وقال البيهقيُّ، وأبو السعادات ابنُ الأثير، والرافعيُّ: "مرسلٌ".
[التخريج]:
[أم ١٠٧ (واللفظ له) / شف ٤٠/ حكيم ١٢٥٠/ هقع (١/ ٣٢٩/ ٧٩٦)].
[السند]:
أخرجه الشافعيُّ في (كتابيه) -ومن طريقه: البيهقيُّ في (معرفة السنن) - قال: أخبرنا إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، به.
ورواه الحكيمُ الترمذيُّ في (نوادره) عن سعيد بن يحيى الأموي، عن أبيه، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن يسار، نحوه.
[التحقيق]:
إسنادُ الشافعيِّ فيه إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ أَبي يحيى، شيخِ الشافعيِّ؛ قال الحافظُ: "متروكٌ" (التقريب ٢٤١).
ولكنه متابَعٌ من يحيى بن سعيد الأموي كما عند الحكيم الترمذي في (نوادره ٥/ ٣٧٠).
وسليمان بن يسار تابعيٌّ من الطبقة الوسطى، فحديثُه مرسلٌ.
стр. 13692
وبهذه العلة أشارَ الشافعيُّ، حيثُ أسندَ حديثَ أبي الجهيم بنِ الصمة، وعبد الله بن عمر ثم هذا المرسل، وقال عقبه: "والحديثان الأولان ثابتان" (الأم ٢/ ١٠٩).
وقال البيهقيُّ في (معرفة السنن ١/ ٣٢٩)، وأبو السعاداتِ ابنُ الأثيرِ في (الشافي شرح مسند الشافعي ١/ ١٨٢)، والرافعيُّ في (شرح مسند الشافعي ٤/ ١٩٠): "مرسلٌ".
٣١٤٦ - حَدِيثُ يَعْقُوبَ بنِ عُتْبَةَ مُرْسَلًا
◼ عَنْ يَعْقُوبَ بنِ عُتْبَةَ: أَنَّ ابنَ حُمَاطَةَ (ابنَ أَبِي حَمَامَةَ) السُّلَمِيَّ، كَانَ شَاعِرًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدِ امْتَدَحْتُ رَبِّي وَإِيَّاكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((رُوَيْدَكَ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ مَجْلِسِي))، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ، فَخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ، وَاتَّكَأَ عَلَى الجِدَارِ، فَقَالَ: ((هَاتِ مَا امْتَدَحْتَ بِهِ رَبَّكَ، وَدَعْ مَا مَدَحْتَنِي بِهِ))، قَالَ: فَجَعَلَ يُنْشِدُهُ، فَلَمَّا فَرَغَ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلَى الجِدَارِ، فَتَيَمَّمَ، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ.
[الحكم]: ضعيفٌ جدًّا؛ لإعضالِهِ، وأعلَّه ابنُ أبي خيثمةَ.
[التخريج]:
[صحا ٧٠٧٥ (واللفظ له) / نعيم (شعراء ٤٤) / تخث (السفر الثاني ٢٥٣٧) (والرواية له)].
[السند]:
رواه أبو نعيم في (معرفة الصحابة)، و (المنتخب من كتاب الشعراء) قال: حدثنا مَخْلَد بن جعفر، قال: ثنا محمد بن يحيى المروزي، ثنا عبيد الله العيشي، أخبرنا حماد، ثنا محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، أن ابن حماطة (١) السلمي ... فذكره.
стр. 13695
ورواه ابنُ أبي خيثمةَ في (تاريخه - السفر الثاني) عن موسى بن إسماعيل عن حمَّادٍ به.
[التحقيق]:
هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا، فيه ثلاثُ عِللٍ:
الأولى: الإعضال: فيعقوب بن عتبة ثقةٌ معدودٌ فيمن عاصر صغار التابعين، وهم الذين لم يثبتْ لهم سماعُ أحدٍ منَ الصحابةِ كما نصَّ الحافظُ في (مقدمة التقريب).
وقد أبانتْ رواية جرير بن عبد الحميد، كما عند البغوي في (معرفة الصحابة ٢٦٤٦)، -وعنه ابنُ قانعٍ في (معجمه ٢/ ١٦٦)، وغيره- أن بين يعقوب بن عتبة وابن حماطة اثنين، وهما الحارث بن أبي بكر وأبوه.
وتابع جريرًا عليه موسى بن محمد الأنصاري، فرواه بإثباتهما، بينما خالفهما حماد بن سلمة، فأعضله، وأسقط منه الحارث وأباه أبا بكر.
العلة الثانية: خطأُ حمادٍ في سنده ومتنه:
أما السندُ فأسقطَ منه اثنين كما تقدَّمَ، قال ابنُ أبي خيثمةَ: "نَقَصَ حمادٌ منَ الإسنادِ رجلين".
وأما المتنُ: فوهمه في ذكرِ الشاعرِ حيث قال: (ابن حماطة)، وعند ابن أبي خيثمة في رواية أخرى قال: (ابن أبي حمامة)، وكلاهما وهم، والصحيح قول جرير ومن تابعه: ابن الحمامة السلمي، كما تقدم في باب "التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين إلى المرفقين".
العلة الثالثة: محمد بن إسحاق، صدوقٌ يدلسُ، وقد عنعن.
стр. 13696
٥٣٥ - بَابُ التَّيَمُّمِ بِالتُّرَابِ ذِي الغُبَارِ
٣١٤٧ - حَدِيثُ حُذَيْفَةَ
◼ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلَائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ))، وذَكرَ خَصْلَةً أُخْرَى.
[الحكم]: صحيح (م).
[الفوائد]:
قال ابنُ عبدِ البرِّ: "وقال رسول الله ﷺ : ((جُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسْجِدًا وتُرْبَتُهَا طَهُورًا)) وهو يقضي على قوله: ((مَسْجِدًا وَطَهُورًا)) ويفسره، والله أعلم" (التمهيد ١٩/ ٢٩٠).
قال ابنُ رجبٍ: "وقد ظَنَّ بعضُهم أن هذا من باب المطلق والمقيد، وهو غلطٌ، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، خِلافًا لما حُكي عن أبي ثَورٍ، إلا أن يكون له مفهوم فيُبنى على تخصيص العموم بالمفهوم، والترابُ والتربةُ لقبٌ مختلفٌ في ثبوتِ المفهومِ له، والأكثرون يأبون ذلك.
لكن أقوى ما استُدلَّ به حديث حذيفة الذي خرَّجه مسلمٌ، فإنه جعل الأرض كلها مسجدًا وخصَّ الطهورية بالتربة، وأخرجَ ذلك في مقام الامتنان
стр. 13697
وبيان الاختصاص، فلولا أن الطهوريةَ لا تعمُّ جميعَ أجزاءِ الأرضِ لكان ذِكر التربة لا معنى له، بل كان زيادة في اللفظ ونقصًا في المعنى، وهذا لا يليق بمن أُوتي جوامع الكلم" (فتح الباري ٢/ ٢١٠ - ٢١١).
[التخريج]:
[م (٥٢٢/ ٤) (واللفظ له) / ش ١٦٧٤، ٧٨٣١ (مقتصرًا على الشاهد) / منذ ٧٥٠/ بز ٢٨٣٦/ ... ].
[التحقيق]:
سبق تخريجه وتحقيقه برواياته تحت باب "التيمم فضل لأمة محمد ﷺ خاصة".
٣١٥٤ - حَدِيثُ أَنَسٍ
◼ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أُعْطِيتُ أَرْبَعًا لَمْ يُعْطَهَا مَنْ قَبْلِي: أُرْسِلْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ شَهْرٍ، وَأُطْعِمَتْ (أُعْطِيَتْ) أُمَّتِي الغَنَائِمَ، وَلَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ كُلُّ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ مَسْجِدًا وَطَهُورًا)).
[الحكم]: صحيحٌ، وصَحَّحَهُ: ابنُ المنذرِ، والجورقانيُّ، والضياءُ، وابنُ تيميةَ، وابنُ حَجرٍ، والسيوطيُّ، والمُناويُّ، والزرقانيُّ، والألبانيُّ.
[الفوائد]:
قال ابنُ المنذرِ: "في هذا الحديثِ دليلٌ علي أن الذي يجوزُ أن يُتيممَ به منَ الأرضِ الطَّيبُ، دون ما هو منها نَجِسٌ" (الأوسط ٢/ ١٢).
[التخريج]:
[جا ١٢٤ (مقتصرًا على فقرة الأرض) / سرج ٣١٢، ٣١٣ (واللفظ له) / سراج ٥١٣ (والرواية له) / منذ ٥٠٤، ٧٥١/ ...... ].
[التحقيق]:
سبق تخريجه وتحقيقه تحت باب (التَّيَمُّم فَضْلٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً)، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
* * *
стр. 13706
أبوابُ مُبطلاتِ التَّيممِ وما يتعلقُ بِهِ
قال ابنُ حزمٍ: "وكُلُّ حَدثٍ ينقضُ الوضوءَ فإنه يَنْقضُ التيممَ، هذا ما لا خلافَ فيه من أحدٍ من أهلِ الإسلامِ" (المحلى ٢/ ١٢٢).
قال ابنُ عبدِ البرِّ: "وأجمعَ العلماءُ على أن الطهارةَ بالتيممِ لا ترفعُ الجنابةَ ولا الحدثَ إذا وجد الماء" (الاستذكار ٣/ ١٦٧).
وقال أيضًا: "وأجمعَ العلماءُ أن مَن تيممَ بعدَ أن طلبَ الماءَ فلم يجدْهُ، ثم وجدَ الماءَ قبلَ دُخوله في الصلاةِ- أن تيممه باطلٌ، لا يجزيه أن يصلي به، وأنه قد عَادَ بحاله قبلَ التيممِ" (الاستذكار ٣/ ١٦٨).
وقال ابنُ رجبٍ: "تكلَّم فيه بعضُهم". وقال ابنُ العربي: "مختلفٌ فيه".
[التخريج]:
[ت ١٢٥ (والرواية له) / ن ٣٢٦/ كن ٣٨١/ حم ٢١٣٧١، ٢١٥٦٨/ عب ٩٢٢ (واللفظ له) / منذ ١٧٤/ طوسي ١٠٤، ١٠٥/ طحق ١٢٢/ معر ٧٢٩/ حب ١٣٠٨/ لي (رواية ابن يحيى البيع ٨١، ٨٢) مختصرًا/ طش ٢٧١٣/ قط ٧٢١، ٧٢٣، ٧٢٤، ٧٢٦/ ثعلب ١١٦٢/ هق ١٥، ٢٢، ٨٦٣، ٨٨٦، ١٠٣٤، ١٠٣٥/ هقخ ٧٨٢، ٨٤٩/ هقغ ٢٥١/ خطل (٢/ ٩٣٢، ٩٣٣، ٩٣٦، ٩٤٠، ٩٤٤ - ٩٤٦، ٩٤٩، ٩٥٠ - ٩٥١) / تحقيق ٢٩].
[التحقيق]:
انظره عقب الرواية الآتية.
стр. 13709
رِوَايَةُ زَادَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ
• وَفِي رِوَايَةٍ: اجْتَمَعَتْ غُنَيْمَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، ابْدُ فِيهَا)). فَبَدَوْتُ إِلَى الرَّبَذَةِ، فَكَانَتْ تُصِيبُنِي الجَنَابَةُ، فَأَمْكُثُ الخَمْسَ وَالسِّتَّ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَبُو ذَرٍّ؟!)) فَسَكَتُّ، فَقَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَبَا ذَرٍّ، لأُمِّكَ الوَيْلُ!))، فَدَعَا لِي بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ، فَجَاءَتْ بِعُسٍّ فِيهِ مَاءٌ، فَسَتَرَتْنِي بِثَوْبٍ، وَاسْتَتَرْتُ بِالرَّاحِلَةِ، وَاغْتَسَلْتُ، فَكَأَنِّي القَيْتُ عَنِّي جَبَلًا، فَقَالَ: ((الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ، وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ المَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ)).
[الحكم]: حسنٌ لغيرِهِ.
[اللغة]:
قوله: ((ابْدُ فِيهَا)) أي: اخرجْ بها إلى الباديةِ، تقول: بَدا الرجلُ يبدو بَدْوًا فهو بادٍ، إذا خرج إلى الباديةِ، وهي: البريةُ التي لا عَمَارَ فيها؛ والأمر منه "ابدُ" بحذف الواو للجزم" (الشافي شرح مسند الشافعي ١/ ٣٠١).
قال ابنُ الأثيرِ: " (الرَّبَذَةُ) بالتحريكِ: قريةٌ معروفةٌ قُرب المدينة، بها قبرُ أبي ذَرٍّ الغِفاريِّ" (النهاية ٢/ ١٨٣).
وقال أيضًا: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ))، ((لأُمِّكَ الوَيْلُ)): أي: فَقَدَتْكَ. والثُّكْلُ: فَقْدُ الوَلَدِ ... كأنه دَعَا عليه بالموتِ لسوءِ فِعْله أو قوله. والموتُ يَعمُّ كلَّ أحدٍ، فإذن الدعاء عليه كَلَا دُعاء. أو أراد إذا كنتَ هكذا فالموتُ خيرٌ لك لئلا تَزْدَادَ سُوءًا. ويجوز أن يكون منَ الألفاظِ التي تَجرْي على ألسنةِ العربِ ولا يُرادُ بها الدُّعاء؛ كقولهم: ((تربت يداك))، و ((قاتلك الله)). (النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٢١٧).
стр. 13710
قلنا: الصوابُ أن هذا مما اعتاد عليه العربُ عند المعاتبة للمحبوبِ أن يقولوا مثل هذه الأدعية في قولٍ قاله أو فعلٍ فعله ما كان له أن يفعله، فيعاتب بهذه الأدعية تعجبًا من القول أو الفعل، ولا يراد بها حقيقة الدعاء، وقد قال رسول الله ﷺ لمعاذ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ))، وقال لأُمِّ سلمة: ((تَرِبَتْ يَدَاكِ))، ولا يرادُ بذلك الدُّعاءُ المحضُ. ومثل ذلك قوله ﷺ لأبي ذَرٍّ: ((لأُمِّكَ الوَيلُ)).
((العُسُّ)): "القدحُ الضخمُ العظيمُ. جمعه: عِساس" (الفائق ١/ ٤٢٥).
[التخريج]:
[د ٣٣٢ (واللفظ له) / طحق ١٢٠ (لم يقل: ثكلتك أمك) / حب ١٣٠٦/ ك ٦٣٨/ هقخ ٨٠٣/ هق ١٠٦٣/ خطل (٢/ ٩٣٥، ٩٤٨)].
[التحقيق]:
انظره عقب الرواية الآتية.
стр. 13711
رِوَايَةُ زَادَ: مِنَ الصَّدَقَةِ
• وَفِي رِوَايَةٍ زاد: ((اجْتَمَعَتْ غُنَيْمَةٌ مِنْ [غَنَمِ] الصَّدَقَةِ ... )).
[الحكم]: حسنٌ لغيرِهِ دون قوله: ((مِنْ غَنَمِ الصَّدَقَةِ)).
[التخريج]:
[د ٣٣٢ (واللفظ له) / طحق ١٢١/ خز ٢٣٥٥/ حب ١٣٠٧ (والزيادة له) / هق ١٠٦٤/ خطل (٢/ ٩٤٨)].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ مداره على أبي قِلَابةَ، واختُلِفَ عليه في سَنَدِهِ:
فرواه عنه خالدٌ الحذَّاءُ، وأيوبُ السختيانيُّ، وقتادةُ.
فأما روايةُ خالدٍ الحذَّاءِ، فرواها عن أبي قلابةَ، عن عمرِو بنِ بُجدانَ، عن أبي ذَرٍّ، ولم يختلفْ أصحابُ خالدٍ عنه، -إلا رواية ضعيفة كما سيأتي- كما قال الدارقطنيُّ في (العلل ٣/ ١٨١).
رواه عبد الرزاق في (المصنف ٩٢٢) -ومن طريقه الطوسيُّ في (المستخرج ١٠٥)، وابنُ المنذرِ في (الأوسط ١٧٤)، والخطيبُ في (الفصل للوصل المدرج في النقل ٢/ ٩٤٥) -: عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر به.
ورواه أحمد (٢١٥٦٨) قال: ثنا أبو أحمد ثنا سفيان عن خالد الحذاء به.
وأبو أحمدَ هو الزبيريُّ، وسفيانُ هو الثوريُّ.
ورواه الترمذيُّ في (جامعه ١٢٥)، والطوسيُّ في (مستخرجه ١٠٤)، والمحامليُّ في (أماليه رواية ابن يحيى البيع ٨١)، وغيرهم- من طريق
стр. 13712
أبي أحمد الزبيري حدثنا سفيان به.
قلنا: وقد توبع الثوري:
فرواه أبو داود في (السنن ٣٣٢)، وابنُ حِبَّانَ في (الصحيح ١٣١١)، والحاكمُ في (المستدرك ٦٣٨) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي عن خالد الحذاء به.
قال أبو داود -عقبه-: "وقال مسدد: غُنَيْمَةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ".
ورواه البزارُ (٣٩٧٣)، وابنُ خُزيمةَ (٢٣٥٥)، وابنُ حِبَّانَ (١٣١٢) والدارقطنيُّ وغيرهم: من طريق يزيد بن زريع عن خالد الحذاء بنحوه.
وفي رواية ابنِ خُزيمةَ، وابنِ حِبَّانَ زاد فيه يزيد بن زريع قوله: "من غنم الصدقة".
وهذا الحديثُ من طريقِ خالدٍ الحذاءِ رجاله ثقات رجال الصحيح، عدا ابن بُجدانَ؛ ترجمَ له البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٦/ ٣١٧)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٦/ ٢٢٢)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وقال عبد الله بن أحمد: "قلتُ لأَبي: عمرُو بنُ بُجدانَ معروفٌ؟ قال: لا".
وقال علي بن المديني: "لم يَرْوِ عنه غير أبي قلابة" كما في (تهذيب الكمال ٢١/ ٥٤٩).
وقال ابنُ القطانِ: "لا يُعرف له حالٌ" (بيان الوهم ٣/ ٣٢٧).
بينما ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٥/ ١٧١)، ووَثَّقَهُ العجليُّ في (معرفة الثقات وغيرهم ١٣٦٧)، وذكره ابنُ خُلْفون في (كتاب الثقات) كما في (إكمال تهذيب الكمال ١٠/ ١٣٥).
стр. 13713
وقال البيهقيُّ: "عمرو بن بجدان ليس له راوٍ غير أبي قلابة، وهو مقبولٌ عند أكثرهم؛ لأن أبا قلابةَ ثقةٌ وإن كان بخلافِ شرطِ الشيخين في خروجه عن حَدِّ الجهالة بأن يَروي عنه اثنان" (الخلافيات ٢/ ٤٥٧).
وقال ابنُ كَثيرٍ: "وعمرُو بنُ بُجْدان هذا ثقةٌ، لم يجرحه أحدٌ، ولم يَرْو عنه سوى أبي قلابة" (إرشاد الفقيه ١/ ٧٤).
وقال الذهبيُّ: "وُثِّقَ" (الكاشف ٤١٢٩)، وقال في (الميزان ٦٣٣٢): "وقد وُثِّقَ عمرو مع جهالته".
ونقل عنه ابنُ حَجرٍ أنه قال في (الميزان): "مجهولُ الحالِ". وانظر (تهذيب التهذيب ٨/ ٧)، و (إكمال تهذيب الكمال ١٠/ ١٣٣ - ١٣٥).
وقال الحافظُ: "تفرَّد عنه أبو قلابة من الثانية، لا يُعرفُ حاله" (التقريب ٤٩٩٢).
وقد صَحَّحَ حديثَه هذا غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ:
فقال الترمذيُّ: "حسنٌ صحيحٌ" -ووافقه عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٢٠) مقتصرًا على قوله: وقال: "حديثٌ حسنٌ"، وذلك نظرًا لاختلافِ نسخِ الجامعِ، والمنذريُّ في (مختصر سنن أبي داود ١/ ٢٠٦)، والذهبيُّ في (المهذب ١/ ١٨٣) -.
وقال الحاكمُ: "هذا حديثٌ صحيحٌ، ولم يخرجاه إذ لم نجدْ لعمرِو بنِ بجدانَ راويًا غير أبي قِلابةَ الجرميِّ، وهذا مما شرطت فيه، وثبت أنهما قد خَرَّجا مثل هذا في مواضع من الكتابين" (المستدرك ١/ ٥٥٠).
وصَحَّحَهُ أيضًا: ابنُ خُزيمةَ، وابنُ حِبَّانَ، وابنُ السَّكنِ في (السنن الصحاح) -كما في (البدر المنير (٢/ ٦٥٧)، و (تحفة الحتاج ١/ ٢٠٨) -،
стр. 13714
والجورقانيُّ في (الأباطيل ١/ ٥٠٨)، والنوويُّ في (المجموع ١/ ٩٤)، وابنُ الأثيرِ في (شرح مسند الشافعي ١/ ٢٩٩)، وابنُ دَقيقِ العيدِ في (الإمام ٣/ ١٦٦)، والعينيُّ في (عمدة القاري ٢/ ٢٤٥)، وأحمد شاكر في (تحقيق جامع الترمذي ١/ ٢١٣ حاشية رقم ٢)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود ٢/ ١٤٩).
وقال ابنُ الملقنِ: "وهو حديثٌ جيدٌ" (البدر المنير ٢/ ٦٥٠)، ثم صرَّحَ بعد ذلك بأنه "صحيح" (البدر المنير ٢/ ٦٥٦).
وقوَّاه البيهقيُّ في (الخلافيات ٢/ ٤٥٧)، وابنُ حَجرٍ في (الفتح ١/ ٢٣٥).
ورمز لحسنه السيوطيُّ في (الجامع الصغير ٢٠٥٢).
قلنا: ولكن تكلم فيه غيرُ واحدٍ.
فقال بكر بن محمد، عن أبيه: "إن أبا عبد الله -يعني: أحمدَ بنَ حَنبلٍ- قال في حديث خالد، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر مرفوعًا: ((الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ هو طَهور))، الحديثُ، قلتُ: عمرُو بنُ بجدانَ معروفٌ؟ قال: لا"، نقله ابنُ عبدِ الهادِي في (حاشيته على الإلمام ١/ ٦٤)، وابنُ مُفْلحٍ في (المبدع في شرح المقنع ١/ ١٧٨ - ١٧٩) وأقرَّاه.
وذكر أبو بكرٍ الخلالُ في التيممِ من (جامعه) في حديث عمرو بن بجدان عن أبي ذَرٍّ مرفوعًا: ((الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ)). أن أحمدَ لم يَمِلْ إليه. قال: لأنه لم يَعْرفْ عمرو بن بجدان، وحديث عمرو بن بجدان هو حديثٌ تفرَّدَ به أهلُ البصرةِ ولو كان عند أبي عبد الله صحيحًا لقالَ به، ولكنه كان مذهبه إذا ضَعَّفَ إسنادَ الحديثِ عن رسول الله ﷺ مالَ إلى قولِ أصحابِهِ وإذا ضَعف إسناد الحديث عن رسول الله ﷺ ولم يكن له معارضٌ قال به،
стр. 13715
فهذا كان مذهبه" (الآداب الشرعية ٢/ ٢٩٠).
وذكره أبو داود في (التفرد) فقال: "الذي تفرَّد به من هذا الحديث: "أنه رخَّصَ له أن يصيب أهله" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ٣٣٧).
وقال البزارُ: "وهذا الكلامُ لا نعلمه يُروى عن أبي ذَرٍّ، إلا بهذا الإسناد" (المسند ٩/ ٣٨٩).
وقال ابنُ القطانِ -متعقبًا عبدَ الحَقِّ-: "فهو عنده غير صحيح، ولم يبينْ لم لا يصح؟ وذلك لأنه لا يعرف لعمرو بن بجدان هذا حال، وإنما روى عنه أبو قلابة، واختُلف عنه: فيقول خالد الحذاء: عنه: عن عمرو بن بجدان، ولا يختلف في ذلك على خالد.
وأما أيوب فإنه رواه عن أبي قلابة، فاختُلف عليه ... فذكر وجوهَ الاختلافِ على أيوبَ ثم قال: "وهو حديثٌ ضعيفٌ لا شَكَّ فيه" (بيان الوهم ٣/ ٣٢٨).
وقال ابنُ العربي: "وحديثُ عمرِو بنِ بُجدانَ هذا عن أبي ذَرٍّ مختلفٌ فيه، يرويه أبو قلابة عن عمرو بن بجدان وتارة عن رجلٍ من بني عامر" (عارضة الأحوذي ١/ ١٩٣).
وقال الحافظُ ابنُ رجبٍ: "وتكلَّم فيه بعضُهم لاختلافٍ وقع في تسميةِ شيخِ أبي قلابةَ، ولأن عمرَو بنَ بجدانَ غيرُ معروفٍ. قاله الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ" (الفتح له ٣/ ٢٩).
وقال ابنُ مُفلحٍ -بعد تصحيح الترمذي-: "لكنه من رواية عمرو بن بجدان ولم يروِ عنه غير أبي قِلابةَ. وقد قيلَ لأحمدَ: معروفٌ؟ قال: لا" (المبدع في شرح المقنع ١/ ١٧٨).
стр. 13716
فتلخص من كلامهم إعلال الحديث بعلتين:
العلة الأولى: أن حال عمرو بن بجدان لا يعرف، مع تفرده به.
العلة الثانية: أنه قد اختُلِفَ على أبي قلابة في ذكره ابن بجدان وإبهامه وإسقاطه (الوهم والإيهام ٣/ ٣٢٧).
وأجابَ بعضُ أهلِ العلمِ عن هاتين العلتين:
فأما الجوابُ عن العلةِ الأُولى؛ فذلك من وجوهٍ:
الوجه الأول: أن ابنَ بُجدانَ روى عنه أبو قلابة وهو ثقةٌ، ووَثَّقَهُ العجليُّ، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات) كما بَيَّنَّا ذلك آنفًا، ومثل هذا كافٍ في رفعِ الجهالةِ عند بعضِ العلماءِ.
وبنحوه أجابَ الحاكمُ عن إعراضِ البخاريِّ عنه فقال: "هذا حديثٌ صحيحٌ ولم يخرجاه؛ إذ لم نجدْ لعمرِو بنِ بُجدانَ راويًا غير أبي قلابة الجرمي، وهذا مما شرطت فيه وبيَّنتُ أنهما قد أخرجا مثل هذا في مواضع من الكتابين" (المستدرك ١/ ٥٥٠).
قال البيهقيُّ: "عمرو بن بجدان ليس له راوٍ غير أبي قلابة، وهو مقبولٌ عند أكثرهم؛ لأن أبا قلابة ثقةٌ وإن كان بخلاف شرط الشيخين في خروجه عن حَدِّ الجهالة بأن يروي عنه اثنان" (الخلافيات ٢/ ٤٥٧).
وتعقب ابنُ الملقنِ البيهقيَّ في كونه بخلافِ شرطِ الشيخين فقال: "في اشتراط ذلك في الخروج عنهما نظر، وهو منقوض بمواضع في (صحيحيهما) أخرجا أحاديث عن رواة ليس لهم رواية غير واحد" (البدر المنير ٢/ ٦٥٤).
وقال ابنُ كَثيرٍ: "وعمرُو بنُ بُجدانَ هذا ثقةٌ لم يجرحْه أحدٌ، ولم يرو عنه
стр. 13717
سوى أبي قلابة" (إرشاد الفقيه ١/ ٧٤).
وقد تعقب الحافظُ على ابنِ القطانِ في توثيقِ العجليِّ فقال: "ومدارُ طريقِ خالدٍ على عمرِو بنِ بُجْدانَ، وقد وَثَّقَهُ العجليُّ، وغَفَلَ ابنُ القطانِ فقال: إنه مجهولٌ" (التلخيص ١/ ١٥٤).
قلنا: لم يغفلِ ابنُ القطانِ، وإلا فقد قال الحافظُ نفسُه: "لا يُعرفُ حالُهُ" (التقريب ٤٩٩٢). ونَقَلَ عن الذهبيِّ أنه قال: "مجهولُ الحالِ"، فنحن لا نخالف ابن القطانِ في القول بأن ابنَ بجدان غير معروف، وقد سبقه إلى ذلك الإمامُ أحمدُ كما ذكرناه، ولكن نخالفه في رَدِّ حديثه لمجرد عدم المعرفة بحاله؛ لأن حكمَ المجهولِ ليس سواء في كلِّ حالةٍ، فالمجهولُ الذي يَروي عن الصحابةِ، وروى عنه ثقةٌ أو أكثر ولم يأتِ بحديثٍ مُنْكرٍ يخالفُ الأُصولَ، فهذا حديثُه حسنٌ مقبولٌ عند كثيرٍ من أهلِ العلمِ؛ كابنِ المدينيِّ وغيرِهِ، وهذا ما قرَّره الذهبيُّ نفسُه في قوله: "وأما المجهولون منَ الرُّواةِ؛ فإن كان الرجلُ من كبارِ التابعين أو أوساطهم، احتُمِل حديثُه وتُلُقِّي بحُسنِ الظَّن، إذا سَلِمَ من مخالفةِ الأُصولِ وركاكةِ الألفاظِ" (ديوان الضعفاء صـ ٤٧٨). وانظر (رسالة الحديث الحسن لخالد الدريس ١/ ١٢٧، وما بعدها).
ولذا قال مغلطاي في تعقبه على ابنِ القطانِ: "وأما قولُ الإمامِ أحمدَ فيه وسأله عنه ابنُه عبد الله: عمرو معروف؟ قال: لا، فليس تضعيفًا له" (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٣٩).
وتطبيقًا لهذه القاعدة قد صَحَّحَ هذا الحديثَ جماعةٌ من أئمةِ هذا الشأنِ، وهذا هو
الوجه الثاني: أن جمعًا منَ الأئمةِ قد صَحَّحَ له هذا الحديثَ كما سبقَ.
стр. 13718
ولذا تعقب ابنُ دَقيقِ العيدِ بهذا على ابنِ القطانِ فقال: "فمن العجب كونه لم يكتفِ بتصحيحِ الترمذيِّ في معرفة حال عمرو بن بجدان مع تفرده بالحديثِ! فأيُّ فَرْقٍ بين أن يقول: هو ثقةٌ، أو يصحح حديثًا انفردَ به؟ وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يَرْوِ عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راوٍ واحد عنه بعد وجود ما يقتضى تعديله -وهو تصحيح الترمذي ﵀" (الإمام ٣/ ١٦٦).
ووافقه الشيخُ أحمد شاكر في تحقيقه لـ (سنن الترمذي ١/ ٢١٦)، ووَصَفَ تعقبه بأنه "تحقيق بديع ممتع"، ثم قال: "وهو الصوابُ المطابقُ لأصولِ هذا الفَنِّ".
وبنحوِ كلام ابن دقيق، قال ابنُ سيدِ النَّاسِ في (النفح الشذي ٣/ ٦٩).
الوجه الثالث: أن أبا داود روى الحديث في (سننه) وسَكَتَ عنه، وذلك يعني أن الحديثَ عنده صالحٌ للاعتبارِ، كما هو معلومٌ من منهجه، وعليه فهو يتقوَّى عنده بشاهدِ أبي هريرةَ الآتي، وقد صَحَّحَ ابنُ القطانِ نفسُه حديثَ أبي هريرة فقال: "ولهذا المعنى إسنادٌ صحيحٌ سنذكره إن شاء الله في باب الأحاديث التي لم يصححها، ولها أسانيد صحاح" (بيان الوهم ٣/ ٣٢٨).
أما الجوابُ عن العلةِ الثانيةِ؛ وهي: الاختلافُ في تسميةِ ابنِ بُجدانَ وإبهامه وإسقاطه- فهي علةٌ غيرُ قادحةٍ بالمرةِ؛ لأن خَالدًا الحذاءَ ثقةٌ، وقد رَوى الحديثَ عن أبي قلابة وحفظ اسم شيخه فيه وهو ابنُ بُجدانَ، وقد رجَّحَ الدارقطنيُّ قوله في (العلل ٣/ ١٨١ - ١٨٣)، إضافة إلى أن الرجلَ الذي من بني عامر هو عمرو بن بجدان، وقد صرَّحَ بذلك غيرُ واحدٍ من أهلِ
стр. 13719
العلمِ.
فذكرَ البخاريُّ هذا الحديثَ عن رجلٍ من بني عامر في ترجمة عمرو بن بجدان (التاريخ الكبير ٦/ ٣١٧).
وقال البيهقيُّ: "وقال: حماد بن سلمة وحماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجلٍ من بني عامر وهو عمرو بن بجدان" (الخلافيات ٢/ ٤٥٧).
وقال المنذريُّ: "هذا الرجلُ من بني عامر هو عمرو بن بجدان، سمَّاه خالد الحذاء عن أبي قلابة، وسمَّاه الثوري عن أيوب" (مختصر سنن أبي داود ١/ ٢٠٧)
وأقرَّه ابنُ دَقيقِ العيدِ فقال: "قال شيخُنَا: هذا الرجلُ من بني عامر هو عمرو بن بجدان المتقدم في الحديث قبله، سمَّاه خالد الحذاء عن أبي قلابة، وسمَّاه سفيان عن أيوب ﵁". ثم قال: "لا تعارض بين قولنا (عن رجل)، وبين قولنا: (عن رجل من بني عامر)، وبين قولنا: (عن عمرو بن بجدان) " (الإمام ٣/ ١٦٥، ١٦٦).
وذكر ابنُ الملقنِ كلامَ ابنِ دَقيقِ العيدِ وأقرَّه أيضًا، في (البدر المنير ٢/ ٦٥٥).
وذَهَبَ إلى ذلك -أيضًا- ابنُ كَثيرٍ في (جامع المسانيد ٩/ ٥٠٣)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٣٩)، وابنُ حَجرٍ في (التلخيص ١/ ٢٧٠).
وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: "واختُلِفَ فيه على أبي قلابة: فقيل: هكذا -يعني من رواية خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرِو بنِ بُجدانَ، عن أبي ذَرٍّ-،
стр. 13720
وقيل: عنه عن رجلٍ من بني عامر، وهذه رواية أيوب عنه، وليس فيها مخالفة لرواية خالد" (التلخيص ١/ ٢٧٠).
وقال الألبانيُّ: "عن رجل من بني عامر هو عمرو بن بجدان" (صحيح أبي داود ٢/ ١٥١).
قلنا: أما الاختلافُ الواقعُ فيه، فأكثره في رواية أيوب، وقتادة، فأما أيوبُ فاختُلِفَ عنه على عدةِ أوجهٍ:
الأول: عن أيوبَ عن أبي قِلابةَ عن ابنِ بُجْدانَ كما في روايةِ خالدٍ.
رواه النسائيُّ في (الصغرى ٣٢٦)، وفي (الكبرى ٣٨١)، وغيرهم من طريق مخلد بن يزيد عن سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، به.
وعن هذا الوجه قال الجورقانيُّ: "هذا حديثٌ صحيحٌ"، وقال ابنُ حَجرٍ -في سند النسائي-: "إسنادٌ قويٌّ" (فتح الباري ١/ ٢٣٥).
قلنا: لكنه معلولٌ؛ فإن مخلدًا وإن كان صدوقًا إلا أنه له أوهام، وهذا من أوهامه فإنه كان عنده حديث أيوب وحديث الحذاء معًا، فحمل الأول على الثاني.
فقد أخرجه ابنُ حِبَّانَ في (الصحيح ١٣١٣) والدارقطنيُّ في (السنن ٧٢١) والبيهقيُّ في (السنن الكبير ١٠٣٥)، والخطيبُ في (الفصل للوصل المدرج ٢/ ٩٣٢) من طرقٍ عن مخلد بن يزيد عن سفيان الثوري عن أيوب السختياني وخالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر به.
فحَمَل حديث أيوب على حديث خالد الحذاء، وبهذا أشار إلى علته الدارقطنيُّ فقال: "وأحسبه حَمَل حديث أيوب على حديث خالد؛ لأن أيوبَ
стр. 13721
يرويه عن أبي قلابة عن رجلٍ لم يسمه، عن أبي ذر".
"ورواه عبد الرزاق، عن الثوري عنهما -يعني عن أيوب وخالد الحذاء-، فضبطه، وبيَّنَ قولَ كل واحد منهما من صاحبه، وأَتَى بالصوابِ" (العلل ٣/ ١٨١).
وقال البيهقيُّ: "تفرَّدَ به: مخلدٌ هكذا وغيره برواية عن الثوري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن رجلٍ، عن أبي ذَرٍّ، وعن خالدٍ، عن أبي قِلابةَ، عن عمرِو بنِ بجدانَ، عن أبي ذَرٍّ كما رواه سائرُ الناسِ" (السنن الكبير ٢/ ١٥٣).
وبنحو هذا قال الخطيبُ في (الفصل ٢/ ٩٣٣): "كذا روى هذا الحديث مخلد بن يزيد الحراني عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني وخالد الحذاء، وساقه سياقة واحدة.
وأيوب إنما كان يرويه عن أبي قلابة عن رجلٍ غير مُسمى عن أبي ذر، وأما خالد الحذاء فكان يرويه عن أبي قلابة، ويُسمِّي الرجل وهو عمرو بن بجدان، فحُملت رواية أيوب على رواية خالد في حديث مخلد بن يزيد هذا"
ثم قال: "ورواه عبد الرزاق بن همام من حديث أحمد بن حنبل عنه، وإبراهيم بن خالد المؤذن، كلاهما عن سفيان الثوري، عن أيوب وخالد جميعًا عن أبي قلابة، وبَيَّنَا الخلافَ فيه، وفَصَلا قولَ أيوبَ من قولِ خالدٍ".
قلنا: ورواية عبد الرزاق، بالتفرقة بين رواية الحذاء وأيوب:
رواها أحمدُ في (المسند ١٢٣٧١) عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن أيوب السختياني، وخالد الحذاء، عن أبي قلابة، كلاهما ذكره: خالد،
стр. 13722
عن عمرو بن بجدان، وأيوب، عن رجلٍ، عن أبي ذَرٍّ به.
وكذلك رواه ابنُ الأعرابي في (معجمه ٧٢٩) من طريق محمد بن شرحبيل بن جُعْشُم عن الثوري به.
وتابعهما إبراهيم بن خالد المؤذن كما في (الفصل للخطيب ٢/ ٩٥٠).
وروايةُ أيوبَ هذه عن أبي قلابة عن رجلٍ عن أبي ذَرٍّ هي الوجه الثاني عن أيوب.
ورواه عن سفيانَ غيرُ مَن تقدَّمَ على هذا الوجه: الحسين بن حفص، والفريابي، والقاسم الجرمي، وأبو داود الحفري، جميعهم عند الخطيب في (الفصل ٢/ ٩٣٥ - ٩٣٦).
وتابع سفيانَ، جريرُ بنُ حازمٍ كما عند الخطيب في (الفصل ٢/ ٩٤٠)، ووقعَ في روايته، عن أبي قلابة: عن رجلٍ حدَّثه عن أبي ذَرٍّ ـ وأخبرني غيرُ واحدٍ عن أبي ذَرٍّ ـ.
الوجه الثالث: عن أيوب عن أبي قلابة عن رجلٍ مِن بني عَامرٍ عن أبي ذَرٍّ، وفيه قصة.
رواه أحمدُ في (المسند ٢١٣٠٤) -ومن طريقه الخطيبُ في (الفصل ٢/ ٩٤٠ - ٩٤١)، وابنُ الجَوزيِّ في (التحقيق ٢٦٣)، وابنُ أبي شيبةَ في (المصنف ١٦٧٣)، وغيرهم عن إسماعيل بن علية.
ورواه أبو داود في (السنن ٣٣٣) -ومن طريقه الخطيبُ في (الفصل ٢/ ٩٣٨)، وغيرُهُ-، والبيهقيُّ في (السنن الكبير ١٠٥٥)، وغيرهم من طريق حماد بن سلمة.
ورواه إسماعيلُ القاضي في (حديث أيوب) من طريق حماد بن زيد.
стр. 13723
ورواه الطيالسيُّ في (مسنده ٤٨٦) -ومن طريقه البيهقيُّ في (السنن الكبير ٨٦٢) -، وغيره من طريق الحمادين.
ورواه الخطيبُ في (الفصل ٢/ ٩٤٢) من طريق عبد الوهاب الثقفي.
أربعتُهم (ابن علية، والحمادان، والثقفي) رووه عن أيوبَ عن أبي قِلابةَ عن رجلٍ من بني عامرٍ قال: كنتُ كافرًا، فهداني الله للإسلامِ، وكنتُ أعزبُ عن الماءِ ومعي أهلي، فتُصِيبُني الجنابةُ، فوقعَ ذلك في نَفْسِي ... إلى آخره.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ غير الرجل المبهم من بني عامر، وقد تقدَّمَ أنه عمرُو بنُ بُجدانَ فيما سبقَ.
قلنا: ولكن وَقَعَ في روايةِ الحمَّادين زيادة، سيأتي التنبيهُ عليها في تحقيقٍ مستقلٍ.
الوجه الرابع: عن أيوب عن أبي قلابة عن رجلٍ من قشير عن أبي ذر بنحو رواية ابن علية المتقدمة عند أحمد.
أخرجه أحمدُ في (المسند ٢١٣٠٥)، وعبدُ الرزاقِ في (المصنف ٩٢١)، والخطيبُ في (الفصل ٢/ ٩٤٢)، من طرقٍ عن شعبةَ، ومعمرٍ، وابنِ أبي عروبةَ عن أيوبَ به.
ورجالُهُ ثقاتٌ غيرُ الرجلِ المبهم من بني قشير، ولعلَّه ابن بجدان المتقدم.
قال الشيخُ أحمد شاكر: "وهذا الرجل -يعني الرجل من بني قشير- هو الأول نفسه -يعني الرجلَ مِن بني عَامرٍ-؛ لأن بني قشير من بني عامر كما في (الاشتقاق لابن دريد صـ ١٨١)؛ وهو عمرو بن بجدان نفسه" (حاشية سنن الترمذي ١/ ٢١٥)، وذكرَ الألبانيُّ عنه هذا وأقرَّه في (صحيح أبي داود
стр. 13724
٢/ ١٥١). والله أعلم.
الوجه الخامس: عن أيوب عن أبي قلابة، عن أبي المهلب عمه، عن أبي ذَرٍّ به.
رواه الدارقطنيُّ في (السنن ٧٢٣) -ومن طريقه الخطيبُ في (الفصل ٢/ ٩٤٤) من طريق خلف بن موسى العمي عن أبيه عن أيوب به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه موسى بنُ خلف العميُّ، قال الحافظُ: "صدوقٌ له أوهامٌ" (التقريب)، وابنُه خلف، ، قال فيه الحافظ: "صدوقٌ يُخطئُ" (التقريب).
قلنا: وقد انفردَ بذكر "أبي المهلب عم أبي قلابة" في هذا الإسنادِ، والمحفوظُ "عن أيوب عن أبي قلابة عن رجلٍ من بني عامر" كما في رواية الحمَّادين وابنِ عليةَ، أو رجل من بني قشير كما في رواية شعبة ومعمر.
الوجه السادس: عن أيوبَ عن أبي قِلابةَ عن أبي ذَرٍّ بغيرِ واسطةٍ.
رواه الخطيبُ في (الفصل ٢/ ٩٤٤ - ٩٤٥) من طريق سفيان بن عيينة، ومن طريق أبي أحمد الزبيري عن الثوري.
كلاهما (ابن عيينة، والثوري) عن أيوب به.
فهذه أوجه الخلاف على أيوب.
أما رواية قتادة، فقد اختُلف عليه كذلك:
فرواه بقية عن سعيد بن بشير عن قتادة، واختُلف عليه:
فرواه الدارقطنيُّ في (السنن ٧٢٦)، -ومن طريقه الخطيب في (الفصل ٢/ ٩٥٠ - ٩٥١) - من طريق محمد بن عمرو بن حنان الحمصي، ثنا بقية، نا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن رجاء بن عامر، أنه سمعَ
стр. 13725
أبا ذَرٍّ به مختصرًا.
قال الدارقطنيُّ عقبه: "كذا قال رجاءُ بنُ عامرٍ، والصوابُ: (رجل من بني عامر) كما قال ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ" (السنن ١/ ٣٤٧) -ووافقه ابنُ الملقنِ في (البدر المنير ٢/ ٦٥٣) -، وقال في (العلل ٣/ ١٨١): "ورواه سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي قلابة، فقال: عن رجاء بن عامر، عن أبي ذَرٍّ، وإنما أرادَ أن يقولَ: عن رجلٍ مِن بني عَامرٍ".
وقال الخطيبُ: "نرى أن قوله: (رجاء بن عامر) تصحيف، وصوابه عن رجل من بني عامر، على ما تقدَّمتْ به رواية الحمادين وابن علية عن أيوب، ورواية قبيصة عن الثوري، عن أيوب، عن أبي قلابة، والتصحيف عندنا من سعيد بن بشير أو ممن دونه" (الفصل للوصل المدرج في النقل ٢/ ٩٥١).
قلنا: وقد رواه على الصوابِ كما عند الطبرانيِّ في (مسند الشاميين ٢٧١٣) قال: حدثنا موسى بن عيسى بن المنذر، ثنا أبي، ثنا بقية بن الوليد، حدثني سعيد بن بشير، عن قتادة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر، به.
ورواه بقيةُ على وجهٍ ثالثٍ، كما عند الطبرانيِّ في (مسند الشاميين ٢٧٤٣) فقال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عِرْق، ثنا محمد بن مصفى، ثنا بقية، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن غانم، أنه سمع أبا ذَرٍّ، به.
والأوجهُ الثلاثةُ يرويها سعيد بن بشيرًا ولا نراها إلا وهمًا من سعيد بن بشير، فقد كان ضعيفًا (التقريب ٢٢٧٦).
قلنا: ورُوي عن وجهٍ آخرَ على قتادةَ، ذكره الدارقطنيُّ في (العلل ٣/ ١٨٢)