أو عظم، والنهي عن أن يستنجي الرجل بيمينه، والنهي عن دخول الحمام للرجال إلا بمئزر، والنهي للنساء عن دخوله مطلقًا، وسئل عن نوم الرجل وهو جنب فقال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ».
[التخريج]:
[حكيم (منهيات ص ٢٣ مع ص ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٣، ٣٥، ٣٧، ٤٠، ٤٣، ٤٥، ٤٦، ٤٧، ١٤٨، ١٤٩، ١٥٨، ١٥٩، ١٨٦، ١٩٦)، (ذيل اللآلئ ٩٦٨)].
سبق تخريجه وتحقيقه في (باب النهي عن استقبال القبلة، واستدبارها عند قضاء الحاجة)، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
стр. 14318
٥٩٠ - بَابُ مَا رُوِيَ فِي أَنَّ لَيْسَ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ الحَائِضِ إِلَّا مَا فَوْقَ السُّرَّةِ
٣٣٣٠ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَسْأَلُهُ: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: ((مَا فَوْقَ السُّرَّةِ)).
[الحكم]: منكر، وإسناده غريب.
[التخريج]:
[طس ١٤٢٤ "واللفظ له"، ٩٢٤٣].
[السند]:
رواه الطبراني في (الأوسط ١٤٢٤) عن أحمد بن محمد بن صدقة.
ورواه أيضًا (٩٢٤٣) عن النعمان بن أحمد.
كلاهما: عن مُقَدَّم بن محمد، نا عمي القاسم بن يحيى، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن ابن أبي مُليكة، عن عُبيد بن عُمير، عن عائشة، به.
قال الطبراني: ((لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن خثيم إلا القاسم، تفرد به: مقدم)).
[التحقيق]:
هذا إسناد غريب، ورجاله كلهم ثقات سوى ابن خثيم، فمختلف فيه كما
стр. 14319
في (مقدمة الفتح، ص ٤٥٧).
فقد قال ابن معين - في رواية ابن أبي مريم -: ((ثقة، حجة)) (التهذيب ١٥/ ٢٨١)، وفي (رواية الجنيد ٨٧٧): ((ليس به بأس)). بينما قال في رواية عَبد الله الدورقي: ((أحاديثه ليست بالقوية)) (الكامل ٦/ ٤٤٧).
وكذا اختُلف فيه قول أبي حاتم، فقال فيما نقله عنه ابنه: ((ما به بأس، صالح الحديث)) (الجرح والتعديل ٥/ ١١٢). قال الذهبي: ((وقال مرة: لا يُحتج به)) (١) (الميزان ٢/ ٤٦٠)، و (المغني ٣٢٦٠).
وكذا اختُلفت الرواية عن النسائي: فقال مرة: ((ابن خثيم ليس بالقوي في الحديث ... ويحيى بن سعيد القطان لم يترك حديث ابن خثيم، ولا عبد الرحمن، إلا أن علي بن المديني قال: (ابن خثيم منكر الحديث)، وكأن علي بن المديني خُلِقَ للحديث)) (الصغرى، عقب حديث رقم ٣٠١٦). ولما أخرج النسائي له حديث ((الإثمد))، قال عقبه: ((عبد الله بن عثمان بن خثيم لين الحديث)) (الصغرى، عقب حديث رقم ٥١٥٧).
ومع ذلك قال المزي: ((قال النسائي: ثقة! . وقال في موضع آخر: ليس بالقوي)) (التهذيب ١٥/ ٢٨١).
وذكره العقيلي في (الضعفاء ٨٤٩)، وروى عن الفلاس أنه حَدَّث عبد الرحمن بن مهدي بحديثه في ((الإثمد))، فقال له: ((ليس أنت من هذا الضرب))، فكأنه ينكره، ثم قال الفلاس: ((وكان يُحَدِّث عن الرجل بالحديث والشيء، لا يُحَدِّث بحديثه كله، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن ابن خثيم)).
стр. 14320
قال العقيلي: ((والرواية في هذا المعنى فيها لِين)) (الضعفاء ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨).
كذا رواه العقيلي عن الفلاس، وهو عند ابن عدي في (الكامل ٩٨٣)، وابن أبي حاتم في (الجرح ٥/ ١١٢)، عن الفلاس بلفظ: ((وكان يحيى وعبد الرحمن يحدثان عن ابن خثيم))!
قال مغلطاي: ((وكأنه أشبه؛ لأن الفلاس روى عن عبد الرحمن عنه حديث (الإثمد) فيما ذكر ابن عدي)) (الإكمال ٨/ ٥٨).
قلنا: كلا، فالذي عند ابن عدي عن الفلاس، أنه قال: ((حدثت عبد الرحمن، قلت: حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا ابن خثيم)) به. فلم يروه الفلاس عن عبد الرحمن، وإنما حَدَّثه به.
نعم، يؤيد ما عند ابن عدي وابن أبي حاتم ما قاله النسائي آنفًا، إلا أننا لم نجد رواية لأحدهما عن ابن خثيم، وهو يصدق ما ذكره العقيلي، وهو الذي اعتمده ابن رجب، حيث قال عن حديثه في الجهر بالبسملة: ((قد تفرد بهذا الحديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، وليس بالقوي؛ تَرَك حديثه يحيى القطان وابن مهدي)) (الفتح ٦/ ٤٠٢). وضَعَّفه الدَّارَقُطْنِيّ في (الإلزامات، ص ٣٥٢). وقال الطحاوي: "وهو رجل مطعون في روايته منسوب إلى سوء الحفظ، وإلى قلة الضبط ورداءة الأخذ" (شرح مشكل الآثار (٧/ ٣٧٠)، وقال ابن الجوزي: ((لا يُحتج به)) (التحقيق ٢/ ٢٥٨)، وقال الزيلعي: "وإن كان من رجال مسلم لكنه متكلم فيه ... وبالجملة فهو مختلف فيه، فلا يُقبل ما تفرد به" (نصب الراية ١/ ٣٥٣).
بينما قال أحمد بن حنبل- فيما حكاه عنه الفسوي-: ((يُحتمل)) (المعرفة والتاريخ ٢/ ١٧٤)، وقال البزار: ((رجل من أهل مكة مشهور حسن
стр. 14321
الحديث، لا نعلم أحدا ترك حديثه)) (المسند ١١/ ٢٩٤)، وقال ابن سعد: ((ثقة، وله أحاديث حسنة)) (الطبقات ٨/ ٤٩)، ووثقه العجلي في (معرفة الثقات وغيرهم ٩٣١)، وقال ابن عدي: ((أحاديثه أحاديث حسان، مما يجب أن تُكتب عنه)) (الكامل ٦/ ٤٥٠)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٥/ ٣٤)، وقال: ((كان يخطئ))، وقال في (مشاهير علماء الأمصار ٦٣٨): "وكان من أهل الفضل والنسك والفقه والحفظ".
وأما ابن حجر، فقال: ((صدوق)) (التقريب ٣٤٦٦)، وقال في (نتائج الأفكار ٤/ ٢٣٥): "صدوق في حفظه شيء".
قلنا: والأقرب أنه يُعْرَف من حديثه ويُنْكَر، فيُعْرَف إذا توبع أو كان له شاهد؛ ولذا استشهد به البخاري في موضع واحد، وخَرَّج له مسلم حديثًا واحدًا (٢٢٩٤) في الشواهد خلافًا لما في (التهذيب).
فأما إذا تفرد كما هنا، فهذا موضع النكارة الذي عناه ابن المديني، فأين أيوب وابن جريج والليث ونافع الجمحي -وغيرهم من أصحاب ابن أبي مليكة- عن هذا الحديث؟ !
ومع ذلك حاول ابن دقيق العيد تقويته، فقال: ((أحمد بن محمد بن صدقة أحد حفاظ بغداد، ومقدّم روى عنه البزار فوثقه، وعمه أخرج له البخاري، وعبد الله بن عثمان بن خثيم القاري -بالتشديد- قال يحيى بن معين: ثقة حجة. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة. وأخرج له مسلم، وباقي الإسناد لا يُسأل عنه)) (الإمام ٣/ ٢٤٦).
وفي كلامه نظر لا يَخفى، حيث ذَكرَ المُوِّثقين لابن خثيم، ولم يذكر المُضَعِّفين!
стр. 14322
٥٩١ - بَابُ مَا رُوِي فِي اعْتِزَالِ فِرَاشِ الحَائِضِ
٣٣٣١ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: ((كُنْتُ إِذَا حِضْتُ نَزَلْتُ عَنِ الْمِثَالِ عَلَى الْحَصِيرِ، فَلَمْ نَقْرُبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ولم نَدْنُ مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ، بلفظ: ((كُنْتُ إَذَا حِضْتُ لَمْ أَدْنُ مِنْ فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى أَطْهُرَ)).
[الحكم]: منكر. وإسناده ضعيف جدًّا. وضَعَّفه واستنكره: ابن قتيبة وعبد الحق الإشبيلي وابن رجب والألباني.
[اللغة]:
قال ابن منظور: "والمِثالُ: الفِراش، وَجَمْعُهُ مُثُل" (لسان العرب ١١/ ٦١٥).
[التخريج]:
[د ٢٧١ "والسياق الأول له" / بقي (رجب ٢/ ٣٧) "والسياق الثاني له"].
[السند]:
قال أبو داود: حدثنا سعيد بن عبد الجبار، ثنا عبد العزيز - يعني: ابن
стр. 14323
محمد - عن أبي اليمان، عن أم ذَرَّةَ، عن عائشة، به.
وخَرَّجه بقي بن مَخْلَد في (مسنده) عن يحيى الحِمَّاني، عن عبد العزيز، به.
فمداره على عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي، عن أبي اليمان وهو كثير الرحال، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه ثلاث علل:
الأول: أبو اليمان كثير الرحال، روى عنه اثنان فقط. وترجم له البخاري في (التاريخ الكبير ٧/ ٢١٢)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٧/ ١٥٨)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وذكره ابن حبان في (الثقات ٧/ ٣٥١) على عادته، وقال ابن القطان: ((غير معروف الحال)) (بيان الوهم ٣/ ٥٩٣)، وقال الحافظ: ((مستور)) (التقريب ٨٤٥٦).
وأبعد الذهبي فقال: ((ثقة))! (الكاشف ٦٩٠٦).
الثانية: أم ذَرَّةَ المدنية مولاة عائشة، وثقها العجلي (٢٣٦١)، وذكرها ابن حبان في (الثقات)، كما في (تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٦٧) وقال الحافظ: ((مقبولة)) (التقريب ٨٧٢٩). يعني: عند المتابعة، ولم تتابع على حديثها هذا، وفي الصحيحين خلافه كما سيأتي.
وبها أعله عبد الحق الإشبيلي فقال: ((أم ذرة مجهولة)) (الأحكام الوسطى ١/ ٢١٠).
стр. 14324
الثالثة: عبد العزيز الدراوردي، فإنه متكلم في حفظه، رماه أبو زرعة بسوء الحفظ.
وبالعلة الأولى والثانية أعله غير واحد من العلماء:
فقال ابن حزم: ((فأما هذا الخبر، فإنه من طريق أبي اليمان كثير بن اليمان الرحال، وليس بالمشهور، عن أم ذرة وهي مجهولة؛ فسقط)) (المحلى ٢/ ١٧٧).
وأقره مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٦٤) و (٣/ ١٥٧).
وقال الحافظ ابن رجب: ((أبو اليمان وأم ذَرَّةَ ليسا بمشهورين، فلا يُقبل تفردهما بما يخالف رواية الثقات الحُفاظ الأثبات)) (فتح الباري ٢/ ٣٧). وأعله أيضًا بيحيى الحِمَّاني، فقال: ((الحِمَّاني متكلم فيه)).
قلنا: لكن الحِمَّاني متابع من سعيد الكرابيسي وهو صدوق. فتنحصر العلة فيما تقدم.
وقال الألباني: ((والحديث منكر؛ لأنه خلاف ما صح عن عائشة قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ إِحْدَانَا- إِذَا كَانَتْ حَائِضًا- أَنْ تَتَّزِرَ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا زَوْجُهَا). أخرجه الشيخان في (صحيحيهما))) (ضعيف أبي داود ١/ ١١٦).
وبهذا الحديث الصحيح حكم ابن قتيبة على حديث أبي اليمان بأنه كذب، فذكر قول أهل الكلام: ((حديثان في الحيض متناقضان))، وذكر حديث عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا فِي فَوْحِ حَيْضِنَا، أَنْ نَأْتَزِرَ، ثُمَّ يُبَاشِرُنَا)). ثم ذكر حديث أبي اليمان، وأتبعه بقول أهل الكلام: ((وهذا خلاف الأول)).
فأجابهم ابن قتيبة قائلًا: ((ونحن نقول: إن الحديث الأول هو الصحيح.
стр. 14325
وقد رواه شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ ... ، وهذه الطريقة خلاف أبي اليمان، عن أم ذَرَّةَ عن عائشة ﵂).
يعني أن إسناد منصور لا يقارن بإسناد أبي اليمان.
ثم قال: ((ولا يجوز على عائشة ﵂ أن تقول: ((كنت أباشره في الحيض)) مرة، ثم تقول مرة أخرى: ((كنت لا أباشره في الحيض، وأنزل عن الفراش إلى الحصير، فلا أقربه حتى أطهر))؛ لأن أحد الخبرين يكون كذبًا، والكاذب لا يُكذِّب نفسه. فكيف يظن ذلك بالصادق الطيب الطاهر؟ !
وليس في مباشرة الحائض إذا ائتزرت وَكَفٌ (١) ولا نقص، ولا مخالفة لسنة ولا كتاب)) (تأويل مختلف الحديث، ص ٤٨١، ٤٨٢).
ومع ذلك حاول ابن القيم تقوية حديث أبي اليمان، فذكر كلام ابن حزم ثم تعقبه قائلًا: ((وما ذكره ضعيف؛ فإن أبا اليمان هذا ذكره البخاري في تاريخه، فقال: (سمع أم ذرة، روى عنه أبو هاشم عمار بن هاشم وعبد العزيز الدراوردي)، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يَروي عن أم ذَرَّةَ وعن شداد بن أبي عمرو. وكذا أم ذَرَّةَ، فهي مدنية، روت عن مولاتها عائشة وعن أم سلمة، وروى عنها محمد بن المنكدر وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص وأبو اليمان كثير بن اليمان، فالحديث غير ساقط)) (تهذيب السنن/ مع عون المعبود ١/ ٣١٢).
قال الألباني: ((الحق ما ذهب إليه ابن حزم، أن الحديث ساقط. وما ذكره
стр. 14326
في الرد عليه إنما يخرج الراويين عن الجهالة العينية إلى الجهالة الحالية، وتوثيق ابن حبان وكذا العجلي فيه تساهل معروف؛ ولذلك ترى الحافظ لم يعرج على توثيقهما في هذين الراويين وفي غيرهما ممن سبق ذكره، ومجهول الحال لا يُحتج به إلا إذا توبع، كما قرره ابن القيم نفسه في (تهذيب السنن) -في الحديث الذي قبل هذا- ... ولا بد من أن ننقل منه ما يناسب المقام؛ قال ﵀: ((والراوي إذا كانت هذه حاله- يعني حالة الستر- ولم يجرحه أحد؛ إنما يُخشى من تفرده بما لا يتابع عليه، فأما إذا روى ما رواه الناس وكانت لروايته شواهد ومتابعات؛ فإن أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا. فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه بما هو أثبت منه وأشهر؛ عللوه بمثل هذه الجهالة وبالتفرد)).
قلت (الألباني): وأبو اليمان هذا قد روى هذا الحديث بإسناده عن عائشة، مخالفًا لجميع الثقات الذين رووه عنها بلفظ ومعنى مخالف لحديثه هذا، وقد ذكرنا آنفًا عقيبه حديثًا واحدًا للدلالة على ذلك.
فلا أدري كيف ذهل ابن القيم ﵀ عن ذلك، وحاول أن يقوي الحديث مع هذه النكارة الواضحة؟ ! )) (ضعيف أبي داود ١/ ١١٧، ١١٨).
стр. 14327
٣٣٣٢ - حَدِيثُ آخَرُ لِعَائِشَةَ:
◼ عَنِ ابْنِ قُرَيْط الصَّدَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُضَاجِعُكِ وَأَنْتِ حَائِضٌ؟ قَالَتْ: ((نَعَمْ، إِذَا شَدَدْتُ عَلَيَّ إِزَارِي، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا إِذْ ذَاكَ إِلَّا فِرَاشٌ وَاحِدٌ. فَلَمَّا رَزَقَنِي اللهُ فِرَاشًا آخَرَ، اعْتَزَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ).
• وَفِي رِوَايَةٍ، بلفظ: ((فَلَمَّا رَزَقَنَا اللهُ فِرَاشَيْنِ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ).
[الحكم]: منكر، وإسناده ضعيف جدًّا، وضَعَّفه وأنكره: ابن عبد البر وعبد الحق وابن رجب والألباني.
[التخريج]:
[حم ٢٤٦٠٦ "واللفظ له" / تخ (٨/ ٤٤٤) / بقي (رجب ٢/ ٣٦) / تمهيد (٣/ ١٦٨، ١٦٩) معلقًا بنقله من بعض مصنفات دحيم، "والسياق الثاني له"].
[التحقيق]:
رواه أحمد قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن ابن قريط (١) الصدفي، قال: قلت لعائشة ﵂ ... فذكره.
стр. 14328
وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: جهالة ابن قريط الصدفي، ترجم له الحسيني في (الإكمال ١٢٤٢)، والحافظ في (التعجيل ١٤٦٠)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقد رواه عمرو بن الحارث -كما سيأتي- عن يزيد، وسماه: ((ابن قرظ أو قرط))، وبهذا ترجم له البخاري في (التاريخ ٨/ ٤٤٤)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٩/ ٣٢٤)، لكنه سماه: ((ابن قرط أو قريط))، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
قلنا: ولم يَرْوِ عنه سوى ابن قيس هذا، سماه ابن لهيعة: ((سويدًا))، وسماه عَمرو: ((يزيد))، وهو الصواب كما سيأتي بيانه، وأنه مجهول أيضًا.
وقد أعله ابن رجب بابن قريط هذا كما سيأتي، وقال فيه: ((ليس بالمشهور)).
الثانية: ابن لهيعة، فهو سيئ الحفظ كما سبق مرارًا.
وبهاتين العلتين أعله الألباني فقال: ((هذا إسناد ضعيف لا يصح؛ وذلك لأن ابن لهيعة سيئ الحفظ، فلا يُحتج به إذا تفرد، فكيف به إذا خالف؟ ! وابن قريظة الصدفي أورده الحافظ في فصل فيمن أُبهم، ولكن ذكر اسم أبيه أو جده أو نحو ذلك من (التعجيل)؛ ولم يزد على أن ذكر ما جاء في هذا الإسناد، فهو مجهول العين)) (ضعيف أبي داود ١/ ١١٨).
قلنا: وقد اضطرب ابن لهيعة في إسناده، وخولف فيه أيضًا، وهذه هي العلة الثالثة.
فأما بيان الاختلاف على ابن لهيعة:
فنقل ابن عبد البر في (التمهيد ٣/ ١٦٨) عن دحيم، أنه قال: حدثنا الوليد بن سلم، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد، عن سويد بن قيس التُجِيبي، أن
стр. 14329
قُرْط بن عوف حدثه، أنه سأل عائشة ... فذكره بلفظ: ((فَلَمَّا رَزَقَنَا اللهُ فِرَاشَيْنِ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ).
كذا وقع فيه: ((قرط بن عوف))، ولم نجده.
ونقله مغلطاي في موضعين من (شرح ابن ماجه ٢/ ٣٦٤) و (٣/ ١٥١)، عن ابن عبد البر، ووقع في الأول منهما: ((قرط بن عيّوق))، وابن عيوق هذا وثقه ابن معين كما في (الجرح والتعديل ٧/ ١٤٦)، وقال في رواية: ((لا بأس به)) (تاريخ الدوري ٤١٩٣).
لكن ذكر الدَّارَقُطْنِيّ أنه يَروي عن إبراهيم النخعي، والنخعي لم يسمع عائشة، وقد أُدخل عليها وهو صغير، فكيف لتلميذه أن يقول: ((سألت عائشة))؟ !
وسواء كان الصواب ((قرط بن عوف))، أو ((قرط بن عيّوق))، فهو من اضطراب ابن لهيعة وأوهامه.
وقد أنكره عليه ابن عبد البر، فقال: ((وهذا لا نعلم يُروى إلا من حديث ابن لهيعة، وليس بحجة)) (التمهيد ٣/ ١٦٩)، وأقره عبد الحق في (الأحكام الصغرى ١/ ٢١٠)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ١٥١، ١٥٢).
وقد خولف فيه ابن لهيعة أيضًا، سواء اعتمدنا رواية قتيبة عنه أو رواية الوليد؛
فقد رواه البخاري في (التاريخ الكبير ٨/ ٤٤٤)، عن أحمد بن عيسى، عن ابن وهب، سمع عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن يزيد بن قيس، عن ابن (قرظ) (١) أو قرط، به، وفيه: ((فَلَمَّا رَزَقَنَا اللهُ
стр. 14330
ثِيَابًا، اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ ).
فجعله عمرو بن الحارث من رواية ((يزيد بن قيس))، بدلًا من ((سويد))! ! وسمى تابعيه ابن قرظ أو قرط، بدلًا من ابن قريط.
ولكن قال ابن رجب: ((رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن ابن قرظ أو قرط الصدفي، أنه سأل عائشة ... فذكره بمعناه. خرجه بقي بن مخلد في مسنده)) (فتح الباري ٢/ ٣٦) (١).
قلنا: كذا ذكره ابن رجب موافقًا لابن لهيعة في تسمية ابن قيس؛ ولذا قال قبله عقب رواية قتيبة: ((وابن لهيعة لا يُقبل تفرده بما يخالف الثقات، ولكن تابعه غيره))! ! (الفتح ٢/ ٣٦).
قلنا: الذي ذكره البخاري هو الصواب؛ لعدة أسباب:
منها: أن البخاري بَيَّن سنده كاملًا، فعلمنا راويه عن ابن وهب، وهو أحمد بن عيسى المصري، صدوق من رجال الشيخين، وقد تُكلم فيه بلا حجة، بينما ذكره ابن رجب معلقًا، فلم يذكر الواسطة بين بقي وابن وهب.
ومنها: أن مرجع البخاري أصل للراوية، ومرجع ابن رجب وسيط، فهو ناقل من غيره، وعند النقل قد يحدث الخلل.
ومنها: أن البخاري وابن أبي حاتم ترجما لكل من سويد ويزيد، وذكرا في ترجمة يزيد وحده روايته عن ابن قرط أو قريط، مما يدل على أنه هو راوي
стр. 14331
الحديث، وليس سويدًا.
ومنها: أنه يحتمل أن ابن رجب -أو ناسخ كتابه- قد تأثر بسند ابن لهيعة الذي ساقه قبل سند عمرو بن الحارث، فكتبه كما مرّ، ولا يَرِد هذا الاحتمال عند البخاري؛ لأنه لم يَسُقْ سند ابن لهيعة أصلًا.
وعليه، فالصحيح أن عمرو بن الحارث سماه يزيد بن قيس، خلافًا لابن لهيعة الذي سماه سويدًا، وزعم في رواية الوليد أنه التجيبي.
وتكمن أهمية ذلك التحقيق في أن سويدًا التجيبي ثقة كما في (التقريب ٢٦٩٧)، بخلاف يزيد، فإنه مجهول، ترجم له البخاري (٨/ ٣٥٣)، وابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٤)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وكأن أبا حاتم يشير إلى رواية ابن لهيعة وضعفها، فقال كما ذكره ابنه: ((يزيد بن قيس، ويقال: سويد بن قيس، روى عن ابن قرط أو ابن قريط، روى عنه يزيد بن أبي حبيب)).
ولا يُفهم من ذلك أنهما عنده رجل واحد، فقد ترجم لسويد في موضع آخر (٤/ ٢٣٦)، وكذا صنع البخاري (٤/ ١٤٣)، فقد فرقا بينهما.
وإنما أراد أبو حاتم أن يقول: إن يزيد بن قيس قد سماه بعضهم سويدًا، ومَرَّض هذا القول كما رأيت؛ لأنه من رواية ابن لهيعة، وخالفه عمرو بن الحارث الثقة الفقيه الحافظ، فسماه (يزيد بن قيس)، ولا شك أن عمرو بن الحارث أثبت وأحفظ وأَجَلّ من ابن لهيعة.
وخلاصة التحقيق: أن الحديث من طريق ابن لهيعة فيه ثلاث علل:
جهالة ابن قريط، وضعف ابن لهيعة، واضطرابه ومخالفته لمن هو أوثق منه.
стр. 14332
وقد أعله ابن عبد البر وابن رجب ومغلطاي من هذا الوجه بابن لهيعة فقط! كما سبق.
ومن طريق عمرو بن الحارث فيه علتان: جهالة ابن قرظ أو قرط، وجهالة يزيد بن قيس.
وقد أعله ابن رجب من هذا الوجه بابن قرط فقط، فقال: ((وابن قرظ -أو قرط- الصدفي، ليس بالمشهور، فلا تعارِض روايته عن عائشة رواية الأسود بن يزيد النخعي، وقد تابع الأسود على روايته كذلك عن عائشة: عمرو بن شرحبيل ... ، وأبو سلمة وعبد الله بن أبي قيس، وشريح بن المقدام، وجُمَيْع بن عُمَيْر، وخلاس وغيرهم. وروايات هؤلاء عن عائشة أَولى من روايات ابن قريط)) (الفتح ٢/ ٣٦).
[تنبيه]:
علق البخاري هذا الحديث في موضع آخر من (التاريخ ٨/ ٣٥٣) واختصر متنه جدًّا، فقال: ((عن ابن قرط، أو ابن قرط، عن عائشة، قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُضَاجِعُنِي وَأَنا حَائِضٌ. قاله أحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن يزيد بن قيس)) اهـ. وقد سقط من سنده شيخ ابن وهب، وهو عمرو بن الحارث كما هو مبين في الموضع الثاني من (التاريخ ٨/ ٤٤٤)، وفيما نقله ابن رجب أيضًا، وقد سبق ذكر ذلك.
وهذا المتن المختصر يوهم خلاف ما جاء في بقيته كما سبق، ولعل ذلك اعتمادًا على أنه ذكره بتمامه في موضع آخر، أو لأن قصده بيان الإسناد وليس المتن كما هو شأن الكتاب.
стр. 14333
٥٩٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ بِغَيْرِ إِزَارٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ
٣٣٣٣ - حَدَيثُ أُمِّ سَلَمَةَ:
◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَكْرَهُ سَوْرَةَ الدَّمِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُبَاشِرُ بَعْدَ الثَّلَاثِ [بِغَيْرِ إِزَارٍ)). قَالَ سَعِيدٌ: يَعْنِي: فِي الحَائِضِ].
[الحكم]: منكر. وإسناده ضعيف. وضَعَّفه: المناوي والألباني.
[التخريج]:
[طب (٢٣/ ٣٦٥، ٣٦٦/ ٨٦٤) "واللفظ له" / طس ٤٦٨٢ / طش ٢٦٧٦ "والزيادة له ولغيره" / عيل ٣٤٩ / خط (١٣/ ٧١/ ٥٨٩٩)].
[السند]:
رواه الطبراني في كتبه الثلاث عن أبي زرعة الدمشقي، وقرنه في (مسند الشاميين) بعبد الله بن الحسين المِصيصي، قالا: حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة به، والزيادة للمسند (١)، ولفظ الأوسط: ((كَانَ يَتَّقِي سَوْرَةَ الدَّمِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُبَاشِرُ بَعْدَ ذَلِكَ)). والحسن هو البصري، وأمه اسمها خَيْرة.
ورواه الإسماعيلي -ومن طريقه الخطيب- من طريق إبراهيم بن
стр. 14334
المستمر، حدثنا محمد بن بكار بن بلال، حدثنا سعيد بن بشير به، مع الزيادة أيضًا.
فمداره عندهم على محمد بن بكار، قال الطبراني: ((لم يَرْوِ هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد، تفرد به محمد بن بكار)).
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه سعيد بن بشير الأزدي "ضعيف" كما في (التقريب ٢٢٧٦). ثم إنه منكر الحديث في قتادة خاصة؛ فقد قال ابن نمير: ((سعيد بن بشير منكر الحديث .. ، يَروي عن قتادة المنكرات))، وقال الساجي: ((حَدَّث عن قتادة بمناكير))، وقال ابن حبان: ((كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، يَروي عن قتادة ما لا يتابع عليه)) (تهذيب التهذيب ٤/ ١٠).
وقَصَّر الهيثمي، فقال: ((فيه سعيد بن بشير، وثقه شعبة، واختُلف في الاحتجاج به)) (المجمع ١٥٥٣).
وأغرب المُناوي، فقال: ((فيه سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن، مجهول كما قاله الذهبي)) (الفيض ٥/ ٢٤٤). ولذا قال في (التيسير ٢/ ٢٨٣): ((وفيه مجهول)).
وهذا وهمٌ غريب، ولعله اختلط عليه بما في (الميزان ٢/ ١٣٠): ((سعيد بن بشير عن الحسن، قال أبو حاتم: مجهول)).
بينما قال الألباني: ((هذا إسناد ضعيف؛ سعيد بن بشير؛ قال الحافظ: (ضعيف). والحسن هو البصري، وأمه اسمها خيرة، مقبولة عند الحافظ، ولم يوثقها غير ابن حبان)) (الضعيفة ٤٢٩١)، وضَعَّفه في (ضعيف الجامع ٤٦١٥).
стр. 14335
قلنا: خيرة روى عنها جماعة من الثقات، وأخرج لها مسلم، فهي حسنة الحديث ما لم تخالف.
فالعلة في سعيد وتفرده عن قتادة بهذا الحديث المنكر.
ومع ذلك قال الحافظ ابن رجب: ((وهذا الإسناد وإن كان فيه لِين، إلا أن الأحاديث الصحيحة تعضده وتشهد له))! (فتح الباري ٢/ ٣١).
قلنا: ولم يَرِد شيء من معناه في الأحاديث الصحيحة، لا المباشَرة بغير إزار بعد ثلاث، ولا كراهية المباشرة في سورة الدم؛ بل تقدم في الصحيحين أنه ﷺ ، كان يأمر المرأة من نسائه ((أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرَهَا)).
وأغرب مِن صنيع ابن رجب، صنيع الحافظ ابن حجر، حيث قال: ((رواه ابن ماجه بإسناد حسن)) (الفتح ١/ ٤٠٤) وتبعه العيني في (العمدة ٣/ ٢٦٨).
هذا، وقد ذكر المناوي في (الفيض ٥/ ٢٤٤) أن السيوطي رمز لحسنه. والذي في المطبوع من (الجامع الصغير ٧١٥٣) أنه لم يشر لشيء!
[تنبيه]:
وقع لفظ الحديث في المطبوع من (مسند الشاميين): ((عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَكُونُ سَرْدُهُ ثَلَاثًا ... )) الحديث.
وفي ذلك ثلاثة أخطاء:
الأول: إقحام لفظة: (يقول)، فصار الحديث قولًا! وإنما هو فعل.
والثاني والثالث: التحريف والسقط في قوله: (يكون سرده)، والصواب: (يكره سورة الدم).
стр. 14336
وقد جاء على الصواب في بقية المراجع، ومنها معجمَي الطبراني نفسه وبنفس الإسناد!
رِوَايَةُ ((نَهَى أَنْ يُجَامِعَ الْمَرْأَةَ فِي سَوْرِ الدَّمِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُجَامِعَ الْمَرْأَةَ فِي سَوْرِ الدَّمِ ثَلَاثًا)).
[الحكم]: منكر. وإسناده ضعيف جدًّا.
[التخريج]: [معر ٤٤٨].
[السند]:
قال ابن الأعرابي: نا محمد بن يونس، نا محمد بن بكار، نا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد واه جدًّا؛ محمد بن يونس هو الْكُدَيْمِيُّ، أحد المتروكين، رُمي بالكذب والوضع (الميزان ٤/ ٧٤).
وقد خالفه أبو زرعة الدمشقي وإبراهيم بن المستمر وغيرهما، فرووه عن ابن بكار باللفظ السابق، من فعله ﷺ .
وهو منكر أيضًا كما سبق.
стр. 14337
٥٩٣ - بَابُ مُدَّةِ الْحَيْضِ
٣٣٣٤ - حَدِيثُ أَنَسٍ:
◼ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (([أَقَلُّ] الْحَيْضِ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَرْبَعَةٌ، وَخَمْسَةٌ، وَسِتَّةٌ، وَسَبْعَةٌ، وَثَمَانِيَةٌ، وَتِسْعَةٌ، وَعَشَرَةٌ. فَإِذَا جَازَتِ (زَادَتْ عَلَى) الْعَشَرَة، [فَهِيَ] مُسْتَحَاضَةٌ)).
[الحكم]: ضعيف جدًّا. وضَعَّفه: ابن عدي - وأقره ابن طاهر - والبيهقي، وعبدالحق الإشبيلي، وابن الجوزي، والذهبي، وابن عبد الهادي، وابن دقيق، والزيلعي، ومغلطاي، وابن حجر، والعيني، والألباني.
[فائدة]:
لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولم يَثبت فيه عن النبي ﷺ شيء، ولا عن الصحابة رضوان الله عليهم.
قال ابن المنذر: ((ذكر الميموني أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيصح عن رسول الله ﷺ شيء في أقل الحيض وأكثره؟ قال: لا. قلت: أفيصح عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: لا. قلت: فحديث أنس؟ قال: ليس بشيء. أو قال: ليس يصح)) (الأوسط ٢/ ٣٥٦).
وقال ابن أبي العز الحنفي: "ولم يثبت في تقدير أقل الحيض ولا أكثره ولا أقل الطهر حديث عن رسول الله ﷺ " (التنبيه على مشكلات الهداية ١/ ٤٠٣).
стр. 14338
وقال ابن تيمية: ((الحيض عَلَّق الله به أحكامًا متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين، مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمَن قَدَّر في ذلك حدَّا فقد خالف الكتاب والسنة.
والعلماء منهم مَن يَحُد أكثره وأقله، ثم يختلفون في التحديد. ومنهم من يَحُد أكثره دون أقله. والقول الثالث أصح أنه لا حد لا لأقله ولا لأكثره، بل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض، وإن قُدِّر أنه أقل من يوم استمر بها على ذلك فهو حيض، وإن قُدِّر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض. وأما إذا استمر الدم بها دائمًا فهذا قد عُلِم أنه ليس بحيض؛ لأنه قد عُلِم من الشرع واللغة أن المرأة تارة تكون طاهرًا وتارة تكون حائضًا، ولطهرها أحكام، ولحيضها أحكام، والعادة الغالبة أنها تحيض ربع الزمان ستة أو سبعة، وإلى ذلك ردَّ النبي المستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز.
والطهر بين الحيضتين لا حد لأكثره باتفاقهم؛ إذ من النسوة من لا تحيض بحال، وهذه إذا تباعد ما بين أقرائها فهل يعتد (بثلاث) حِيض أم تكون كالمرتابة تحيض سنة؟ فيه قولان للفقهاء. وكذلك أقله على الصحيح لا حد له)) (مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٣٧).
[التخريج]:
[عد (٣/ ٤٦٤) "واللفظ له" / هقخ ١٠٣٩ "والرواية له" / علج ٦٤١ "والزيادتان له" / تحقيق ٣٠٥].
[السند]:
رواه ابن عدي - ومن طريقه البيهقي وابن الجوزي - قال: حدثنا أحمد
стр. 14339
ابن الحسن (١) الكرخي، حدثنا الحسن بن شبيب الْمَقْرِئ الْمُكْتِبِ، حدثنا أبو يوسف، عن الحسن بن دينار، عن معاوية بن قُرة، عن أنس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: الحسن بن دينار، قال فيه البخاري: ((تركه يحيى، وابن مهدي، ووكيع، وابن المبارك)) (التاريخ الكبير ٢/ ٢٩٢)، وقال ابن معين: ((لا شيء))، وقال أبو حاتم: ((هو متروك الحديث كذاب))، قال ابن أبي حاتم: ((وتَرَك أبو زرعة حديث الحسن بن دينار ولم يقرأه علينا، فقيل له: عندنا مكتوب. قال: اضربوا عليه)) (الجرح والتعديل ٣/ ١١).
الثانية: الحسن بن شبيب المكتب، قال ابن عدي: ((حَدَّث عن الثقات بالبواطيل، وأوصل أحاديث هي مرسلة))، ثم قال: ((وللحسن بن شبيب أحاديث غير هذا، وأرى أحاديثه قلما يتابَع عليها)) (الكامل ٣/ ٥٣١ - ٥٣٣).
الثالثة: وفيه أيضًا أبو يوسف، وهو القاضي الحنفي المشهور، فيه كلام مشهور ذكرناه مرارًا.
والحديث ضَعَّفه عدد كبير من النقاد:
فذكره ابن عدي في ترجمة الحسن بن دينار، ثم قال: ((هذا الحديث معروف بالجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس)) (الكامل ٣/ ٤٦٥)، وأقره ابن طاهر في (الذخيرة ٢٧٢٠).
وحديث الجلد هذا موقوف، وقد أنكره الأئمة: أحمد والشافعي وغيرهما.
стр. 14340
وابن عدي يشير بذلك إلى أن حديث الحسن هذا غير محفوظ. يعني: منكر، والظاهر أن أحد الحسنين سرقه!
وإلى هذا أشار البيهقي، فقال: ((هذا إنما يُعرف من حديث الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة عن أنس موقوفًا عليه ... فأما هذه الرواية فإنها باطلة، الحسن بن دينار ضعيف، والحسن بن شبيب يحدث عن الثقات بالبواطيل، قاله ابن عدي وغيره)) (الخلافيات ٣/ ٣٧٣)، وأقره ابن دقيق في (الإمام ٣/ ١٩٧).
وصرح به في موضع آخر فقال: ((وليس له عن أنس بن مالك أصل، إلا من جهة الجلد بن أيوب، ومنه سرقه هؤلاء الضعفاء، والله المستعان)) (المعرفة ٢٢٦٤).
وقال عبد الحق الإشبيلي: ((في إسناده الجلد بن أيوب والحسن بن دينار، ولا يصح من أجلهما)) (الأحكام الوسطى ١/ ٢١٥).
قلنا: المرفوع ليس فيه الجلد، وإنما حديث الجلد موقوف كما سبق.
وقال ابن الجوزي: ((هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، والحسن بن دينار قد كذبه العلماء، منهم شعبة)) (العلل المتناهية ١/ ٣٨٣).
وأقره ابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ٤١٢).
وقال الذهبي: ((فيه الحسن بن دينار: متروك)) (تنقيح التحقيق ١/ ٩٠).
وقال في موضع آخر: ((تالف)) يعني: الحسن، (تلخيص العلل المتناهية ص ١٣١).
وقال الزيلعي: ((أخرجه ابن عدي ... وأعله بالحسن بن دينار، وقال: إن
стр. 14341
جميع من تكلم في الرجال أجمع على ضعفه. قال: ((وهو معروف بالجلد بن أيوب عن معاوية بن قرة عن أنس موقوفًا)) (نصب الراية ١/ ١٩٢).
وقال مغلطاي: ((ذكره ابن عدي .. ، ورَدَّه بالحسن بن شبيب ... وقال البيهقي: ((هذا حديث باطل))، ورواه الدَّارَقُطْنِيّ موقوفًا))، ثم نقل كلام أحمد وغيره في استنكار ذاك الموقوف، (شرح ابن ماجه ٣/ ١٩٤، ١٩٥).
وقال ابن حجر: ((فيه الحسن بن دينار، وهو واهٍ)) (الدراية ١/ ٨٥).
وقال العيني: ((رواه ابن عدي، وفيه الحسن بن دينار ضعيف)) (العمدة ٣/ ٣٠٧).
وأعله الألباني بالحسن بن دينار، وذكر أنه كذاب، (الضعيفة ٣/ ٦٠٥).
قلنا: ولا يبعد أن يكون ابن شبيب هو الذي سرقه، فقد رماه الذهبي بالسرقة في (الميزان ١/ ٤٩٥).
стр. 14342
رِوَايَةُ ((وَمَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ)):
•وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَمَا بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ)).
[الحكم]: باطل موضوع، راويه كذاب.
[التخريج]:
[هقخ ١٠٣٨].
[السند]:
قال البيهقي: أخبرنا أبو سعيد زيد بن محمد بن الظفر العلوِي، أنبأ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا، ثنا أبو العباس الدَّغولي، ثنا عبد الله بن جعفر بن خلفان؛ قال: سمعت علي بن النضر يقول: سمعت علي بن الحسن بن شقيق يقول: كنت مع سفيان بن عيينة في المسجد الحرام قاعدًا، فقلت له: يا أبا محمد، حديث حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ في الحيض؟ قال: وما هو؟ فقلت: إن النبي ﷺ قال: ((أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ... )) قال: مَن يَروي لكم هذا عن حميد؟ فقلت: أبو عصمة نوح بن أبي مريم، عن حميد، عن أنس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ساقط؛ آفته نوح بن أبي مريم أبو عصمة المروزي، قال الحافظ: "كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع" (التقريب ٧٢١٠).
وقد تفرد به عن سائر أصحاب حميد الثقات؛ مثل: الثوري، وابن عيينة، وشعبة وغيرهم. فتفرده به يدل على أنه من وضعه!.
стр. 14343
ولهذا قال ابن عيينة عقب القصة التي ذُكرت في السند: ((يا معشر من حضر، مَن يعذرني من هذا الخراساني؟ يَروي عن حميد شيئًا لم يخلقه الله، حميد تُعَدُّ حروف حديثه في المثل، وسفيان الثوري كان من أطلب الناس لهذه الأصول، وحماد بن سلمة حميد خاله، ونحن أيضًا قد لقينا حميدًا، يا علي، من ها هنا أُتيتم)) (الخلافيات ٣/ ٣٧٢).
وقد سبق قول البيهقي: ((ليس له عن أنس بن مالك أصل، إلا من جهة الجلد بن أيوب، ومنه سرقه هؤلاء الضعفاء)).
وحديث الجلد موقوفًا عند ابن أبي شيبة والدَّارَقُطْنِيّ. وانظر كلام الشافعي وأحمد وغيرهما عنه في (المعرفة للبيهقي ٢٢٥٤ - ٢٢٦٣).
стр. 14344
٣٣٣٥ - حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ:
◼ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثٌ، وَأَكْثَرُهُ عَشْرٌ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ ٢: ((أَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَيْضِ (١) لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ [الَّتِي قَدْ أَيِسَتْ مِنَ المَحِيضِ] ١ ثَلَاثٌ. وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَحِيضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ.
فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَقْضِي مَا زَادَ عَلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا.
وَدَمُ الْحَيْضِ لَا يَكُونُ إِلَّا دَمًا أَسْوَدَ عَبِيطًا (أَسْوَدُ خَاثِرٌ) تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، وَدَمُ الْمُسْتَحَاضَةِ رَقِيقٌ تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ، فَإِنْ كَثُرَ عَلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ فَلْتَحْتَشِ (٢) كُرْسُفًا، فَإِنْ ظَهَرَ الدَّمُ عَلَتْهَا بِأُخْرَى، فَإِنْ هُوَ غَلَبَهَا فِي الصَّلَاةِ فَلَا تَقْطَعِ الصَّلَاةَ وَإِنْ قَطَرَ، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَتَصُومُ [وَتُصَلِّي] ٢)).
[الحكم]: منكر، وإسناده ضعيف جدًّا. وضَعَّفه: الدَّارَقُطْنِيّ، وابن حبان، والبيهقي، وابن طاهر، وعبد الحق، وابن الجوزي، والغساني، والنووي، وابن دقيق، وابن عبد الهادي، والذهبي، والزيلعي، ومغلطاي، والهيثمي، والسيوطي، والمُناوي، والألباني، وقال: ((منكر)). وهو مقتضى صنيع ابن عدي، وابن كثير.
وقال ابن القيم: ((تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام وأكثره بعشرة ليس فيها شيء
стр. 14345
صحيح، بل كله باطل)).
[التخريج]:
تخريج السياقة الأولى: [طب (٨/ ١٢٩/ ٧٥٨٦) "واللفظ له" / طس ٥٩٩ / طش ١٥١٥، ٣٤٢٠].
تخريج السياقة الثانية: [قط ٨٤٥ "والرواية له"، ٨٤٦ "واللفظ له" / مجر (٢/ ١٧٣ - ١٧٤) / عد (٤/ ٤٤) "والزيادة الأولى له ولغيره" / هق ١٥٧٤ / هقع ٢٢٦٥، ٢٢٦٦/ هقخ ١٠٤٠ "والزيادة الثانية له"، ١٠٤١ / تحقيق ٣٠٣ / علج ٦٤٢].
[السند]:
رواه الطبراني في (الكبير) و (مسند الشاميين) قال: حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي، ثنا الفضل بن غانم، ثنا حسان بن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي أمامة. بلفظ السياقة الأولى.
كذا وقع فيهما: (العلاء بن الحارث)، وهو خطأ، لعله من ابن بشير، فقد لينه الدَّارَقُطْنِيّ كما في (اللسان ١/ ٤١٠)، وخولف فيه أيضًا:
فقد رواه في (الأوسط ٥٩٩) عن أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري، عن محرز بن عون والفضل بن غانم، قالا: نا حسان بن إبراهيم، عن عبد الملك، عن العلاء بن كثير، عن مكحول، عن أبي أمامة، به.
فجعله من حديث العلاء بن كثير، وهو الصواب.
وكذا عَيَّنه ابن حبان، وقال: ((ومن أصحابنا من زعم أنه العلاء بن الحارث، وليس كذلك؛ لأن العلاء بن الحارث حضرمي من اليمن، وهذا من موالي بني أمية، وذاك صدوق وهذا ليس بشيء في الحديث، وهو الذي روى عن
стр. 14346
مكحول ... ))، فذكره (المجروحين ٢/ ١٧٣).
ورواه ابن عدي والدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي من طرق عن حسان بن إبراهيم به، بلفظ السياقة الثانية، إلا أنه في الموضع الأول عند الدَّارَقُطْنِيّ وعند ابن حبان والبيهقي بلفظ: ((وَدَمُ الحَيْضِ أَسْوَدُ خَاثَرٌ (١) تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، وَدَمُ المُسْتَحَاضَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ)).
وعندهم جميعًا: ((عن العلاء))، غير منسوب.
قال الدَّارَقُطْنِيّ: ((والعلاء هو ابن كثير)).
وهو ما اعتمده الهيثمي في (المجمع)، فلم يذكر غيره، وصوّبه الألباني في (الضعيفة ١٤١٤).
فالحديث مداره عندهم على حسان، عن عبد الملك، عن العلاء بن كثير، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: جهالة حال وعين عبد الملك راويه عن العلاء، قال الدَّارَقُطْنِيّ عقب الحديث: ((عبد الملك هذا رجل مجهول)) (السنن، عقب رقم ٨٤٦).
وأقره: البيهقي في (الكبرى، عقب رقم ١٥٧٤) و (المعرفة ٢٢٦٧) و (الخلافيات ٣/ ٣٧٩)، وابن الجوزي في (العلل ١/ ٣٨٣)، و (التحقيق ١/ ٢٦١)، وابن دقيق في (الإمام ٣/ ٢٠٤)، والغساني في (تخريج الأحاديث الضعاف، ص ٦٧)، وابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ٤١٠)،
стр. 14347
والذهبي في (تلخيص العلل المتناهية، ص ١٣١)، و (التنقيح ١/ ٨٩)، والزيلعي في (نصب الراية ١/ ١٩١)، والعراقي في (ذيل الميزان ٥٤٨)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ١٩٤)، والعيني في (العمدة ٣/ ٣٠٧).
وقال الهيثمي: ((فيه عبد الملك الكوفي عن العلاء بن كثير، لا ندري من هو)) (المجمع ١٥٣٥).
ووقع عند ابن حبان: من رواية إسحاق بن شاهين، عن حسان بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الملك بن عمير، قال: سمعت العلاء، به.
قال الدَّارَقُطْنِيّ: ((قوله في هذا الإسناد: (عبد الملك بن عمير)، وهمٌ؛ حسان بن إبراهيم لم يسمع من عبد الملك بن عمير. وعبد الملك بن عمير لا يُحَدِّث عن العلاء بن كثير، وإنما هو عبد الملك، رجل مجهول غير منسوب ولا معروف، وهو بلية الحديث)) (التعليقات على المجروحين ٢٦٣).
وكذا وقع عند ابن عدي من رواية سويد بن سعيد: ((حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثني عبد الملك- رجل من أهل الكوفة-)).
ووقع في (مسند الشاميين) نعته بالحِنَّائي، ولم نجده أيضًا.
ويبدو أن في قول الدَّارَقُطْنِيّ: ((وهو بلية الحديث)) إشارة إلى أنه من وضعه.
الثانية: العلاء بن كثير، قال الحافظ: ((متروك، رماه ابن حبان بالوضع)) (التقريب ٥٢٥٤).
وبه أعل ابن حبان هذا الحديث، فقال: ((كان ممن يَروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل الاحتجاج بما روى وإن وافق فيها الثقات ... وهو الذي
стр. 14348
روى عن مكحول عن أبي أمامة ... ))، وذكر الحديث (المجروحين ٢/ ١٧٣)، وأقره الزيلعي في (نصب الراية ١/ ١٩١).
وقال الدَّارَقُطْنِيّ: ((لا يثبت؛ عبد الملك والعلاء ضعيفان)).
وقال أيضًا: ((والعلاء هو ابن كثير، وهو ضعيف الحديث)) (السنن، عقب رقم ٨٤٦).
وأقرّه البيهقي في (الكبرى، عقب رقم ١٥٧٤)، والزيلعي في (نصب الراية ١/ ١٩١)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ١٩٤).
وزاد البيهقي في (المعرفة ٢٢٦٨) و (الخلافيات ٣/ ٣٨٠)، فروى عن البخاري أنه قال: ((العلاء بن كثير عن مكحول منكر الحديث)).
وزاد ابن الجوزي، فقال: ((قال أحمد: العلاء بن كثير ليس بشيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال ابن حبان: يَروي الموضوعات عن الأثبات)) (التحقيق ١/ ٢٦١)، و (العلل ١/ ٣٨٣).
وأقرّه ابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ٤١٠).
ولخصه الذهبي بقوله: ((العلاء واهٍ)) (تلخيص العلل المتناهية، ص ١٣١).
وقال ابن طاهر: ((رواه العلاء بن كثير ... والعلاء يَروي الموضوعات)) (التذكرة ١٠١٦).
وقد اعترض ابن دقيق وابن التركماني على هذه العلة، بأن الحديث لم يُنسب فيه العلاء عند الدَّارَقُطْنِيّ، بينما وقع عند الطبراني منسوبًا: ((العلاء بن الحارث))، وقد قال فيه أبو حاتم: ((ثقة، لا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أوثق منه)) (الإمام ٣/ ٢٠٥)، و (الجوهر ١/ ٣٢٦).
стр. 14349
وهذا اعتراض مطروح لما بيَّنَّاه آنفًا، وقد استنكره الألباني لكونه لا فائدة منه، فـ ((الراوي عنه عبد الملك مجهول، وابن التركماني مقر به، وإلا لعلق عليه، فحرصه على ترجيح أنه ابن الحارث حرص ضائع)) (الضعيفة ٣/ ٦٠٣).
الثالثة: الانقطاع بين مكحول وبين أبي أمامة؛ فإنه لم يسمع منه، قال أبو حاتم: ((لا يصح لمكحول سماع من أبي أمامة)) (المراسيل ٧٩١)، وقال مرة: ((لم يَرَ أبا أمامة)) (المراسيل ٧٩٦).
وبهذا أعله الدَّارَقُطْنِيّ أيضًا، فقال: ((لا يثبت ... ومكحول لا يثبت سماعه)).
وقال أيضًا: ((مكحول لم يسمع من أبي أمامة شيئًا)) (السنن، عقب رقم ٨٤٦).
وأقره البيهقي في (الكبرى، عقب رقم ١٥٧٤) و (المعرفة ٢٢٦٧) و (الخلافيات ٣/ ٣٧٩)، وابن الجوزي في (العلل ١/ ٣٨٣)، و (التحقيق ١/ ٢٦١)، وابن دقيق في (الإمام ٣/ ٢٠٤)، والغساني في (تخريج أحاديث السنن، ص ٦٧)، وابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ٤١٠)، والزيلعي في (نصب الراية ١/ ١٩١)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ١٩٤)، والعيني في (العمدة ٣/ ٣٠٧).
واعترض العيني في موضع آخر على انقطاعه قائلًا: ((و (قول) الدَّارَقُطْنِيّ: (مكحول لم يسمع أبا أمامة) غير مُسَلَّم؛ لأنه أدرك أبا أمامة وسمع في عصره، وإذا روى عنه فالظاهر السماع؛ فإن الشرط عند مسلم إمكان اللقي. ولو ثبت إرساله فالمرسل حجة عندنا)) (البناية ١/ ٦١٧).
قلنا: قد أدرك مكحول عددًا من الصحابة وروى عنهم، ومع ذلك لم يُثبت
стр. 14350
النقاد له السماع من أكثرهم، واعتبروا روايته عنهم مرسلة -يعني: منقطعة-، حتى إن ابن حبان والذهبي رمياه بالتدليس.
وعلى كل، فلا قيمة لهذا الاعتراض مع جزم أبي حاتم والدَّارَقُطْنِيّ بعدم السماع، بل جزم أبو حاتم بأنه لم يره! نعم، خالفه ابن يونس فقال: ((رأى أبا أمامة وسمع من واثلة))، فلم يَثبت له السماع أيضًا، (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٩١، ٢٩٢).
فأما احتجاجهم بالمرسل، فليس هذا بمرسل بل منقطع، ومع ذلك فهو لم يثبت عن مكحول أصلًا! !
وحسب صنيع ابن عدي يكون هناك علة رابعة، فإنه عده من مناكير حسان الكرماني، فأورده في ترجمته فيما أنكر عليه ثم قال: ((لم أجد له أنكر مما ذكرته من هذه الأحاديث. وحسان عندي من أهل الصدق إلا أنه يغلط في الشيء، وليس ممن يُظن به أنه يتعمد في باب الرواية إسنادًا أو متنًا، وإنما هو وهم منه، وهو عندي لا بأس به)) (الكامل ٤/ ٥٠).
وتعقبه الألباني بأن العلة ممن فوقه، إما عبد الملك شيخه، وإما العلاء بن كثير المتهم، قال: ((وهو ليس عليه بكثير)) (الضعيفة ٣/ ٦٠٢).
هذا، والحديث قال عنه عبد الحق: ((إسناد ضعيف منقطع)) (الأحكام الوسطى ١/ ٢١٤).
وضَعَّفه النووي، قائلًا: ((وأما حديث واثلة وأبي أمامة وأنس فكلها ضعيفة متفق على ضعفها عند المحدثين، وقد أوضح ضعفها الدَّارَقُطْنِيّ ثم البيهقي)) (المجموع ٢/ ٣٨٣)، ونحوه في (الخلاصة ١/ ٢٣٤/ ٦١٨).
وقال ابن كثير: ((فيه غرابة ونكارة)) (جامع المسانيد ٨/ ٦١٤/ ١١٢٠٦).
стр. 14351
ورَمَز السيوطي لضعفه في (الجامع الصغير ١٣٥٧)، وأقرّه المناوي في (التيسير ١/ ١٩٦)، والألباني في (ضعيف الجامع ١٠٧٧)، وقال في (الضعيفة ١٤١٤): ((منكر)).
وهو كذلك، بل قال ابن القيم: ((تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام وأكثره بعشرة ليس فيها شيء صحيح، بل كله باطل)) (المنار ٢٧٥، ص ١٢٢).
وتعقبه علي القاري قائلًا: ((قلت: وله طرق متعددة ... وتعدد الطرق ولو ضعفت يُرَقِّي الحديث إلى الحسن، فالحكم بالوضع عليه لا يُستحسن)) (الأسرار المرفوعة ص ٤٨١).
قال الألباني: ((وقد سبقه إلى هذه الدعوى ابن الهمام في (فتح القدير ١/ ١٤٣)، ثم العيني في (البناية شرح الهداية ١/ ٦١٨)، وزاد ضغثًا على إبالة قوله: (على أن بعض طرقه صحيحة)! ثم قلدهم في ذلك الكوثري ... ))، ثم وصفهم الشيخ بأنهم: ((لا يلتزمون القواعد الحديثية)) لأن تقوية الحديث بتعدد الطرق الضعيفة ليس على إطلاقه، بل ذلك مقيد بأن لا يشتد ضعفها كما هو مقرر في المصطلح.
قال الشيخ: ((وهذا الشرط غير متوفر في هذا الحديث؛ لأن مدار طرقه كلها على كذابين ومتروكين ومجهولين لا تقوم بهم حجة)) (الضعيفة ١٤١٤).
ثم سرد الشيخ هذه الطرق - والمراد بها هنا الشواهد -، وبَيَّن شدة وهائها، وسنذكرها جميعًا في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
[تنبيهان]:
الأول: قال المناوي عن هذا الحديث: ((وفيه أحمد بن بشير الطيالسي، قال في الميزان: ((لَينه الدَّارَقُطْنِيّ))، والفضل بن غانم، قال الذهبي: قال
стр. 14352
يحيى: ((ليس بشيء))، ومشاه غيره. والعلاء بن الحارث، قال البخاري: ((منكر الحديث)) (الفيض ٢/ ٧٢).
قلنا: وهذا فيه نظر من وجوه:
منها: أن الذي قال فيه البخاري هذا الكلام إنما هو العلاء بن كثير، وهو صاحب الحديث، كما سبق في التحقيق. فأما العلاء بن الحارث فصدوق موثق إلا أنه اختلط، وذِكره في السند وهم كما بيَّنَّاه.
ومنها: أن إعلاله بالفضل خاص بسند الكبير، فإنه متابع في الأوسط من محرز بن عون وهو ثقة، وتابعه جماعة آخرون عند ابن عدي وابن حبان والدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي. وانظر (الضعيفة ٣/ ٦٠١).
التنبيه الثاني:
قال الطبراني: ((لم يَرْوِ هذا الحديث عن مكحول إلا العلاء)).
قلنا: قد رُوي عن غيره عن مكحول، ولكن من طريق تالف لا يُفرح به كما سنبينه عقب الرواية التالية.
стр. 14353
رِوَايَةُ ((الْحَيْضُ عَشْرٌ، فَمَا زَادَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((الْحَيْضُ عَشْرٌ، فَمَا زَادَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَالنِّفَاسُ (١) أَرْبَعِينَ (٢)، فَمَا زَادَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ)).
[الحكم]: باطل، وإسناده تالف، وصَرَّح ابن عدي بأنه من وضع أبي داود النخعي الكذاب. وهذا هو مقتضى صنيع: ابن حبان والبيهقي وابن طاهر وابن الجوزي وابن عبد الهادي والذهبي وابن دقيق والزيلعي ومغلطاي والألباني.
[التخريج]:
[عد (٥/ ١٩٠ - ١٩١) "واللفظ له" / هقخ ١٠٤٣ / مجر (١/ ٤١٩)].
[السند]:
رواه ابن حبان في (المجروحين)، وابن عدي في (الكامل) - ومن طريقه البيهقي في (الخلافيات) -، كلاهما عن محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثني إبراهيم بن زكريا الواسطي، حدثنا سليمان بن عمرو، عن يزيد بن يزيد بن جابر (٣)، عن مكحول، عن أبي أمامة، به.
стр. 14354
[التحقيق]:
هذا إسناد تالف؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: سليمان بن عمرو، هو أبو داود النخعي، قال عنه البخاري: ((معروف بالكذب)) (التاريخ الكبير ٤/ ٢٨). وكذبه أيضًا أحمد وغيره كما سيأتي.
ومما يدل على كذبه لهذا الحديث ما قاله إسحاق بن راهويه: ((أتيت أبا داود سليمان بن عمرو، فقلت في نفسي: لأسألنه عن شيء لا أعرف فيه من قول المتقدمين شيئًا، فقلت له: يا أبا داود، ما عندك في التوقيت بين دَمي المرأة في أقله، وأكثره؟ فقال: أنا أبو طوالة عن أنس ويحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب وفلان، عن فلان، عن معاذ بن جبل قالوا: ((أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وما بين دمي المرأة خمسة عشر)) فقلت في نفسي: اذهب! فليس في الدنيا أكذب منك)) (الضعفاء لأبي زرعة الرازي ٤٢٤).
الثانية: إبراهيم بن زكريا، قال العقيلي: ((مجهول))، وقال ابن حبان: ((يأتي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات إن لم يكن بالمتعمد لها فهو المدلس عن الكذابين؛ لأني رأيته قد روى أشياء عن مالك موضوعة، ثم رواها أيضًا عن موسى بن محمد بن البلقاوي عن مالك))، وذكر الذهبي أنه هو العجلي الذي قال فيه أبو حاتم: ((حديثه منكر))، وقال فيه ابن عدي: ((حَدَّث بالبواطيل))، (الميزان ١/ ٣١)، وفَرَّق بينهما غير واحد، وصوبه ابن حجر في (اللسان ١٣٤، ١٣٥).
الثالثة: الانقطاع بين مكحول وبين أبي أمامة؛ فإنه لم يسمع منه، كما في (المراسيل ٧٩١)، وقد سبق.
والنخعي هو آفة الحديث عند ابن عدي وابن حبان وغيرهما:
قال ابن عدي -بعد ذكر هذا الحديث وحديث آخر قبله-: ((وهذان
стр. 14355
الحديثان عن يزيد بن يزيد بن جابر وَضَعهما سليمان بن عمرو. وإن كان إبراهيم بن زكريا راوي الحديث الثاني فيه ضعف، فإنه خير من سليمان بن عمرو بكثير)) (الكامل ٥/ ١٩١).
وأقره ابن دقيق في (الإمام ٣/ ٢٠٥، ٢٠٦)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ١٩٣).
وقال ابن حبان في ترجمة النخعي: ((كان رجلًا صالحًا في الظاهر، إلا أنه كان يضع الحديث وضعًا))، ثم ذكر له هذا الحديث، (المجروحين ١/ ٤١٩).
وأقره ابن الجوزي في (العلل ١/ ٣٨٤)، وزاد في (التحقيق ١/ ٢٦١، ٢٦٢)، فنقل عن أحمد وابن معين والبخاري والفسوي وغيرهم أنهم كذبوه. وأقره ابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ٤١٠، ٤١١).
وقال البيهقي: ((إبراهيم بن زكريا فيه ضعف، وسليمان بن عمرو النخعي رُمي بالكذب))، ثم نقل تكذيب الفسوي للنخعي (الخلافيات ٣/ ٣٨١ - ٣٨٤).
وقال ابن طاهر: ((رواه أبو داود سليمان بن عمرو النخعي ... وسليمان هذا هو أبو داود، كذاب)) (ذخيرة الحفاظ ٢٧٢١).
وقال الزيلعي: ((رواه ابن حبان .. ، وأعله بأبي داود النخعي، وقال: إنه يضع الحديث)) (نصب الراية ١/ ١٩١).
وبه أعله الذهبي أيضًا، فقال: ((سليمان كذبه أحمد وغيره)) (التنقيح ١/ ٨٩).
وأعله الألباني بالنخعي والواسطي معًا، (الضعيفة ٣/ ٦٠٨).