رِوَايَةُ: ((فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ اغْتَسِلِي)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: (( ... فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ اغْتَسِلِي)).
[الحكم]: إسناده صحيح؛ لكن المحفوظ بذكر (غسل الدم) فقط. ورواه بعضهم بذكر (الاغتسال) دون (غسل الدم)، كما تقدم.
[التخريج]: [قط ٧٨٨ / تمهيد (٢٢/ ١٠٤)].
[السند]:
قال ابن عبد البر: حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم (وهو الكَتَّاني)، قال: حدثني الحسين بن إسماعيل المحاملي قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات، إلا أن المحفوظ عن أبي معاوية بذكر غسل الدم فقط، كما عند البخاري (٢٢٨)، وغيره.
وكذا رواه جماهير أصحاب هشام بن عروة. ورواه بعضهم بذكر الاغتسال بدل غسل الدم، كما تقدم بيانه. والله أعلم.
стр. 14527
٣٣٧٦ - حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ:
◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ((لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ، [فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، ] فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ)).
[الحكم]: مختلف فيه، والراجح صحته، وهو ظاهر صنيع: الشافعي، وأحمد، وابن عبد البر، وابن القيم، وابن التركماني، والسيوطي. وصرَّح بصحته: النووي، وابن الملقن، والألباني. وحسنه: ابن الصلاح.
بينما أعله: أبو إسحاق الحربي، والنسائي، والبيهقي. وأقرّهم: المنذري، وابن دقيق، وابن رجب.
[اللغة]:
قوله: ((تستثفر)) هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنًا، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم.
وهو مأخوذ من ثَفَر الدابة الذي يُجعل تحت ذَنَبها. (النهاية ١/ ٢١٤)، (تاج العروس ١٠/ ٣٢٧ و ١١/ ٣٧٦ و ١٤/ ٢٠٢).
[الفوائد]:
١ - قال ابن عبد البر - معلقًا على هذا الحديث -: "معناه عند جميع العلماء أنها كانت امرأة لا ينقطع دمها ولا ترى منه طهرًا ولا نقاء، وقد زادها ذلك على أيامها المعروفة لها وتمادى بها فسألت عن ذلك لتعلم هل حكم
стр. 14528
ذلك الدم كحكم دم الحيض أو هل هو حيض أو غير حيض؟ فأجابها رسول الله ﷺ بجواب منعها به من الصلاة في أيام حيضتها، فبان بذلك أن الحائض لا تصلي، وهذا إجماع، وأمرها ﷺ أن تغتسل وتصلي إذا خلفت ذلك" (التمهيد ١٦/ ٦٧).
٢ - قال ابن دقيق: ((دل هذا الحديث على أن الحوالة على الأيام والليالي كان لفاطمة بنت أبي حبيش. وذلك خلاف ما قيل: إن حديث فاطمة في مستحاضة مُميِّزة، وحديث الحوالة على الليالي والأيام في مستحاضة غير مميزة، فتنبه لذلك.
واعلم أن حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ في حديث فاطمة- لا ينافي هذا -والله أعلم- فإن قوله: ((فَإِذَا أَقْبَلَتْ))، و ((إِذَا أَدْبَرَتْ)) لا يمتنع أن يراد به اعتبار أيام الحيض)) (الإمام ٣/ ٢٩٣، ٢٩٤).
وقال الشنقيطي: ((وللحديث شواهد متعددة تُقوي رجوع النساء إلى عادتهن في الحيض)) (الأضواء ٢/ ٢٣٢).
[التخريج]:
[د ٢٧٤ "واللفظ له"، ٢٧٥، ٢٧٧ / ن ٢١٣، ٣٥٨، ٣٥٩/ كن ٢٦٥/ جه ٥٩٣/ طا ١٥٨/ حم ٢٦٥١٠، ٢٦٧١٦ / مي ٧٩٩ / عب ١١٩١/ ش ١٣٥٥/ عل ٦٨٩٤/ طب (٢٣/ ٢٧٠/ ٥٧٥، ٥٧٦)، (٢٣/ ٢٧١/ ٥٧٨)، (٢٣/ ٢٧٢/ ٥٨٣)، (٢٣/ ٢٩٣/ ٦٤٩)، (٢٣/ ٣٨٥/ ٩١٧ - ٩٢٠) "والزيادة له ولغيره" / عبحم (مغلطاي ٣/ ٩٥) / منذ ٨٠٤، ٨٠٧ / جا ١١٣/ مشكل ٢٧٢٠ - ٢٧٢٣، ٢٧٢٥، ٢٧٢٦/ مأسد (تمهيد ١٦/ ٥٨ - ٥٩) / موهب (مغلطاي ٣/ ٩٦) / هق ١٥٩٦، ١٥٩٧، ١٥٩٩ - ١٦٠٢ / هقع ٢١٧٠، ٢١٧٢، ١٥١٩٩ / هقخ ١٠١٢ / شف ١٠٨،
رِوَايَةٌ مُخْتَصَرَةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: ((تَنْظُرُ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي)).
[الحكم]: متنه صحيح بما سبق، وهذه الرواية إسنادها ضعيف.
[التخريج]:
[هق ١٦٠٤].
[التحقيق]:
هذا الحديث يرويه عن أم سلمة اثنان: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار.
ورواية سليمان هي المحفوظة والأشهر، ويرويها عنه ثلاثة: نافع وأيوب وقتادة.
واختُلف على نافع في سنده:
فمِن أصحابه مَن جعله من حديث سليمان عن أم سلمة.
ومنهم من زاد فيه رجلًا مجهولًا بين سليمان وأم سلمة.
ومنهم مَن اختلف عليه في ذلك.
والراجح أن الحديث محفوظ عن سليمان بن يسار على الوجهين، أَخَذه عن أم سلمة بواسطة رجل لم يُسَمَّ، ثم سمعه منها بلا واسطة.
واختُلف على أيوب في وصله وإرساله، وهذا من قِبل أيوب على الراجح، حَدَّث به مرة موصولًا، وأرسله مرة أخرى، فالوجهان محفوظان عنه.
стр. 14532
وإليك البيان والتفصيل:
أولًا: طريق نافع عن سليمان بن يسار:
أ- مَن رواه عن نافع، ولم يختلف عليه في إسناده:
رواه مالك في (الموطأ ١٥٨) - وعنه الشافعي في (الأم ١٢٥، ٣٦٨٧) وعبد الرزاق في (المصنف ١١٩١)، وأبو مصعب في (موطئه ١٧٢) وسويد في (موطئه ٦٧) ومحمد بن الحسن في (موطئه ٨٢) - عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، به، بمثل السياقة الأولى.
ورواه أحمد (٢٦٧١٦)، وإسحاق (١٨٤٤)، وأبو داود (٢٧٤)، والنسائي في (الصغرى ٢١٣، ٣٥٩) و (الكبرى ٢١٤)، والطبراني في (الكبير ٢٣/ ٢٧٢، ٢٣/ ٣٨٥)، وغيرهم، من طرق: عن مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، به.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين.
بل قال النووي: ((صحيح ... على شرط البخاري ومسلم)) (المجموع ٢/ ٤١٥).
وأقره ابن الملقن في (البدر ٣/ ١٢١، ١٢٢)، والألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ٣١).
وفي صنيعهم ذلك نظر؛ فإنه ليس لنافع رواية عن سليمان في الصحيحين. كما أن سليمان ليس له رواية عن أم سلمة في صحيح البخاري.
فهو كما قلنا: رجاله رجال الشيخين، وليس على شرطهما، وإن كان صحيحًا.
стр. 14533
هذا، وقد أعله بعضهم بالانقطاع؛ لأجل رواية مَن زاد فيه رجلًا مجهولًا بين سليمان وأم سلمة:
فقد رواه أبو داود (٢٧٧)، وابن الجارود (١١٣)، والدَّارَقُطْنِيّ (٨٤٤)، والبيهقي في (السنن ١٦٠٠)، وغيرهم، من طريق صخر بن جويرية.
ورواه أبو يعلى (٦٨٩٤)، والبيهقي (١٦٠١) من طريق جويرية بن أسماء.
ورواه البيهقي (١٥٩٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة.
ثلاثتهم: عن نافع، عن سليمان بن يسار، أن رجلًا أخبره، عن أم سلمة، به.
وكل من هؤلاء الثلاثة صدوق موثق، ومع ذلك فروايتهم هذه لا تضر رواية مالك؛ فهو أوثق منهم جميعًا، بل هو أَجَلّ وأثبت مَن رواه عن نافع. وقد توبع كما سيأتي.
فأما ما رواه الطحاوي في (المشكل ٢٧٢٥) من طريق إسحاق بن الفرات، عن يحيى بن أيوب قال: قال يحيى بن سعيد: أخبرني نافع أن سليمان بن يسار أخبره عن رجل، أخبره عن أم سلمة ... الحديث بنحو رواية مالك.
فهذه الرواية لا تَثبت عن يحيى بن سعيد -وهو الأنصاري- لاسيما وقد جزم ابن الجارود في (المنتقى، ص ١٢٢) بأن يحيى رواه كما رواه مالك بلا واسطة بين سليمان وأم سلمة!
وإسحاق بن الفرات وإن كان فقيهًا موثقًا، إلا أن ابن يونس والسليماني تكلما في حديثه. وقال أبو حاتم: ((ليس بمشهور))، وضَعَّفه عبد الحق (الميزان ١/ ١٩٥).
стр. 14534
ويحيى بن أيوب- وهو الغافقي- مُتكلَّم فيه أيضًا، فمثله لا يُحتمل تفرده عن إمام مثل يحيى بن سعيد، وله من الأصحاب أئمة كالسفيانين وابن المبارك والقطان وابن أبي زائدة ... وغيرهم، فأين هؤلاء عن رواية الغافقي هذه؟ !
وكذلك ما رواه الطحاوي في (المشكل ٢٧٢٤) عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه، قال: سمعت نافعًا يحدث عن سليمان بن يسار: أن أم سلمة سألت النبي ﷺ عن فاطمة بنة أبي حبيش ... الحديث بنحوه.
فهذا، وإن لم يُذكر فيه الرجل المبهم إلا أنه مرسل، وهو وهم. وجرير بن حازم كان يخطئ إذا حَدَّث من حفظه. وكذلك إبراهيم بن مرزوق، عَمِيَ قبل موته فكان يخطئ ولا يرجع. فلعل أحدهما قَصَّر به، ولا يحفظ عن نافع إرساله.
ب- مَن رواه عن نافع، واختُلف عليه في سنده:
١ - عبيد الله بن عمر العمري:
رواه عبيد الله بن عمر، واختُلف عليه فيه:
فرواه أحمد (٦/ ٢٩٣)، وابن أبي شيبة (١٣٥٥) -وعنه ابن ماجه (٥٩٣) -، والطحاوي في (المشكل ٢٧٢٢)، وغيرهم، من طريق ابن نمير.
ورواه ابن أبي شيبة (١٣٥٥) - ومن طريقه الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٣٨٥) - والنسائي في (الصغرى ٣٥٨)، والدَّارَقُطْنِيّ في (السنن ٨٤٣)، من طريق أبي أسامة.
ورواه الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٣٨٥) من طريق معتمر بن سليمان.
стр. 14535
ورواه الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٢٧١) من طريق عبدة بن سليمان.
أربعتهم: عن عبيد الله بن عمر (١)، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، قالت: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: ((لَا. وَلَكِنْ دَعِي قَدْرَ تِلْكَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي ... )) الحَدِيثَ.
ولفظ ابن نمير: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي امْرَأَةٍ تُهْرَاقُ الدَّمَ، فَقَالَ: ((تَنْتَظِرُ قَدْرَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ وَقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ ... )) الحَدِيثَ.
وعبيد الله بن عمر العمري ثقة ثبت، بل من أثبت أصحاب نافع، وقد وافق مالكًا على إسناده حسب رواية هؤلاء الأربعة، وكلهم ثقات.
وقد خالفهم أنس بن عياض: فرواه أبو داود (٢٧٦) - ومن طريقه البيهقي في (الكبرى ١٥٩٨)، وابن عبد البر في (التمهيد ١٦/ ٥٩) - عن عبد الله بن مسلمة، عن أنس عن عبيد الله، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل من الأنصار، أن امرأة كانت تُهراق الدماء، [فاستفتت لها أم سلمة ... ]، وساق الحديث بمعناه.
قال ابن عبد البر: ((فأَدْخَل بين سليمان بن يسار وبين أم سلمة رجلًا)) (التمهيد).
قلنا: بل سياقته هكذا مرسلة من حديث الرجل الأنصاري! !
وعلى كل، فرواية الجماعة مقدمة، فإن أنس بن عياض وإن كان ثقة، إلا أن كلًّا من الأربعة الذين خالفوه أوثق منه فُرَادى، فكيف وقد اجتمعوا؟ !
стр. 14536
ولذا جزم الحربي في (العلل) - كما نقله مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٦) -، وابن الجارود في (المنتقى عقب رقم ١١٣)، وأبو القاسم الجوهري في (مسند الموطأ، ص ٥٤٧)، والدَّارَقُطْنِيّ في (العلل) -كما في (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٤) -، بأن عبيد الله بن عمر رواه كما رواه مالك.
فأما البيهقي فلم يتعرض لرواية الجماعة، واقتصر على ذكر رواية أنس بن عياض، مستدلًّا بها على أن عبيد الله مخالف لمالك في إسناده! ! (السنن ١٥٩٨).
وقال في (المعرفة ٢١٧٣): ((رواه عبيد الله بن عمر عن نافع، وقال: عن رجل من الأنصار))! !
وقد تعقبه ابن التركماني فقال: ((رواه ابن نمير وأبو أسامة عنه كرواية مالك ... وأبو أسامة أَجَلّ من أنس بن عياض. وقد تابعه عبد الله بن نمير؛ فروايتهما مرجحة بالحفظ والكثرة)) (الجوهر النقي ١/ ٣٣٤).
٢ - الليث بن سعد:
رواه الليث بن سعد، واختُلف عليه أيضًا:
فرواه ابن وهب في (مسنده) -كما في (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٦) -، وأسد بن موسى في (مسنده) - كما في (التمهيد ١٦/ ٥٨) -، كلاهما عن الليث، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، به مثل رواية مالك.
وابن وهب وأسد إمامان ثقتان، وقد خولفا فيه:
فرواه أبو داود (٢٧٥) عن قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الرملي.
ورواه الدارمي (٧٩٩)، وابن المنذر (٨٠٧) عن أحمد بن عبد الله بن
стр. 14537
يونس.
ورواه البيهقي (في الكبرى ١٥٩٧) من طريق يحيى بن بُكَيْر.
أربعتهم: عن الليث، عن نافع، عن سليمان بن يسار، أن رجلًا أخبره، عن أم سلمة ... به.
فزادوا فيه رجلًا بين سليمان بن يسار وأم سلمة، وكلهم ثقات، وروايتهم هي الأشهر.
ورواه الطحاوي في (المشكل ٢٧٢٦) عن أبي قُرة محمد بن حُميد الرُّعيني، قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثنا الليث قال: أخبرني ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، أن رجلًا من الأنصار أخبره عن أم سلمة، به.
فخالف عبد الله بن صالح جميع الرواة عن الليث، فجعله من روايته عن الزهري بدلًا من نافع.
وهو خطأ من ابن صالح؛ فإنه صدوق كثير الغلط. فأما محمد بن حميد، فقد وثقه ابن يونس.
٣ - موسى بن عقبة:
رواه موسى بن عقبة، واختُلف عليه أيضًا:
فرواه إسحاق في (مسنده ١٨٤٥) - ومن طريقه السراج في (حديثه ٤٣٧) - قال: قلت لأبي قرة موسى بن طارق: أذكر موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة- وذكر الحديث- قال: فأقر به، وقال: نعم.
стр. 14538
كذا رواه إسحاق بن راهويه، وهو إمام كبير حافظ.
وأبو قُرة ثقة، وقد توبع:
فرواه الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٣٨٥/ ٩٢٠)، عن مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن أبيه، عن ابن أبي حازم، عن موسى بن عقبة، عن نافع، أن سليمان بن يسار أخبره، عن أم سلمة ... به.
وابن أبي حازم هو عبد العزيز، صدوق، احتَج به الشيخان، والسند إليه حسن؛ فإبراهيم صدوق من شيوخ البخاري. وابنه مصعب لا بأس به وإن لم يعرفه الهيثمي والألباني؛ فقد ترجم له ابن ناصر في (التوضيح ٤/ ٢٨٠)، وظاهر صنيع العراقي في (محجة القرب إلى محبة العرب ص ٢٣٤) أنه لا يُعَل به، وهو كذلك، فقد روى عنه ثلاثة من الأئمة، وهم: العُقيلي، والطحاوي، والطبراني، وأَكْثَرَ الأخيران عنه، لاسيما الطبراني؛ وقد وثقه الشيخ أبو الحسن السليماني في (إرشاد القاصي ١٠٦٥).
وقد يُعترض على هذه المتابعة بقول ابن المنذر في (الأوسط ٨٠٩): ((ورواه ابن أبي حازم، عن موسى بن عقبة، عن سليمان بن يسار، أن رجلًا أخبره عن أم سلمة، نحوه))! !
فزعم أنه زاد فيه رجلًا مبهمًا، وأسقط منه نافعًا! !
أما إسقاط نافع، فلعله من الناسخ أو سبق قلم.
وأما زيادة الرجل، فقد جزم أبو إسحاق الحربي وابن الجارود والدَّارَقُطْنِيّ- بأن موسى بن عقبة رواه عن نافع عن سليمان، أن رجلًا أخبره عن أم سلمة! (المنتقى، ص ١٢٢)، و (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٣/ ٩٤، ٩٦).
ولم نقف على رواية موسى بن عقبة هذه، لا من رواية ابن أبي حازم ولا
стр. 14539
من رواية غيره، إلا أن مغلطاي بعد أن استدرك على كلام الدَّارَقُطْنِيّ برواية إسحاق، قال: ((والذي في سنن أبي قرة السكسكي كما قاله الدَّارَقُطْنِيّ))! ! (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٥).
قلنا: هذا يخالف ما رواه ابن راهويه عن أبي قُرة، ولا يمكننا رد رواية إمام حافظ كابن راهويه بمجرد هذا النقل، لاسيما وقد ذكر ابن حجر في مقدمة (التهذيب ص ٨)، وفي ترجمته من (اللسان ٧٨٦٧) ما يفيد أن لمغلطاي أوهامًا في النقل. والله أعلم.
فإن قيل: ألا يؤيد هذا النقل كلام الحربي ومَن ذُكر معه آنفًا؟ !
قلنا: يحتمل فقط، فمن الجائز أن رواية موسى بن عقبة وقعت لهم من روايةِ آخَر غير أبي قرة، فيكون الخلاف بين هذا الآخر وبين أبي قُرة. وقد ذَكَر ابن المنذر أن الذي رواه عن موسى بزيادة الرجل هو ابن أبي حازم، فلا يبعد أن تكون روايته هي التي وقعت للحربي ومَن ذُكر معه أيضًا. وإن كان كذلك، فهو مختلف فيه على ابن أبي حازم كما سبق.
والخلاصة: أن أبا قُرة وابن أبي حازم روياه عن موسى بن عقبة عن نافع، بمثل رواية مالك عن نافع. وقيل عنهما غير ذلك، ولم يَثبت بعد.
وقد خالفهما إبراهيم بن طهمان:
فرواه الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٢٩٣/ ٦٤٩) قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، ثنا طاهر بن خالد بن نزار، ثنا أبي، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان بن يسار، أنه حدثه ابن مرجانة، عن أم سلمة، به، نحو لفظ مالك.
ولو صح هذا لما ضرت الواسطة، فابن مرجانة -واسمه سعيد- ثقة
стр. 14540
فاضل، يَروي عن أبي هريرة وغيره من الصحابة.
ولكن الإسناد لا يصح؛ فشيخ الطبراني سعيد بن عبد الرحمن التُّسْتَري لم نجد له ترجمة، فهو مجهول الحال.
وطاهر وإن وثقه الدَّارَقُطْنِيّ وغيره، فقد ذكر ابن عَدي أن له عن أبيه إفرادات وغرائب. وقد خولف فيه:
فرواه البيهقي في (الكبرى ١٦٠٢) من طريق الفسوي، ثنا عبد العزيز بن عمران، ثنا خالد بن نزار الأيلي -وكان ثقة-، ثنا إبراهيم بن طهمان -وهو ثَبْت في الحديث-، حدثنا موسى بن عقبة -وهو من الثقات، وكان مالك يملي عليه- ثنا نافع، عن سليمان بن يسار، عن مرجانة، عن أم سلمة به.
وعبد العزيز بن عمران هو الخزاعي، صدوق موثق، وقد سمى الواسطة ((مرجانة))، وهي لا تُعْرَف.
ومع أن الدَّارَقُطْنِيّ جزم في (العلل) -كما نقله مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٤) - بأن ابن طهمان رواه عن موسى، وسمى الواسطة ((مرجانة)) كما رواه عبد العزيز الخزاعي؛ إلا أنه رواه في (الأفراد) من طريق ابن طهمان به، وسمى الواسطة ((سعيد بن مرجانة)) كما جاء عند الطبراني، ثم قال الدَّارَقُطْنِيّ: ((غريب من حديث نافع، عن سليمان بن يسار عنه، تَفَرَّد به موسى بن عقبة عنه بهذا الإسناد، ولم يروه عنه غير إبراهيم بن طهمان)) (أطراف الغرائب والأفراد ٥٩٤٤).
وسواء كانت الواسطة مرجانة أو ابن مرجانة، فذِكرهما في الإسناد غير محفوظ، لم يروه سوى ابن نزار عن ابن طهمان، ولكل منهما غرائب. وكأن الدَّارَقُطْنِيّ في كلامه السابق يَحمل على ابن طهمان.
стр. 14541
وعلى كلٍ فالأَولى بالصواب عن موسى بن عقبة ما رواه عنه أبو قُرة وابن أبي حازم بمثل رواية مالك سندًا ومتنًا. والله أعلم.
٤ - الحَجاج بن أرطأة:
رواه الحَجاج بن أرطأة، واختُلف عليه في وصله وإرساله:
فرواه أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان عنه، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة به موصولًا.
وخالفه يزيد بن هارون، فرواه عنه عن نافع عن سليمان: أن امرأة ... به مرسلًا.
والحَجاج ضعيف، وقد زاد في متنه الوضوء لكل صلاة! ولذا أفردناه بالتخريج في (باب وضوء المستحاضة لكل صلاة).
وخلاصة ما سبق: أن مالكًا وعبيد الله بن عمر قد اتفقا على روايته عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة بلا واسطة.
ويمكن أن يضاف إليهما جرير، وهو ما جزم به الحربي، وزاد معهم حَجاجًا!
وخالفهم صخر بن جُويرية، وجويرية بن أسماء، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة؛ فرووه عن نافع، عن سليمان بن يسار، أن رجلًا أخبره، عن أم سلمة.
فزادوا فيه رجلًا مجهولًا بين سليمان وأم سلمة.
واختُلف في ذلك على الليث بن سعد وموسى بن عقبة، والأشهر عن الليث موافقة صخر ومن معه، وهو ما جزم به الحربي. والأقرب عن موسى موافقة مالك وعبيد الله. ويحتمل العكس، وبه جزم الحربي والدَّارَقُطْنِيّ.
стр. 14542
ومالك أثبت هؤلاء عامة، وفي نافع خاصة، فهو رأس المتقنين وكبير المتثبتين، وذَكَر أكثر النقاد أنه أثبت أصحاب نافع، ويليه عبيد الله بن عمر، وهو موافق لمالك، وكفى باتفاق هذين حجة! !
فكيف وقد روى بعض الثقات عن الليث وموسى بن عقبة مثل قولهما؟ !
بل كيف، وقد تابع أيوبُ شيخَهما نافعًا على هذا الوجه -كما سيأتي-؟ !
فإما أن يُجمع بين الوجهين بأن سليمان بن يسار أخذه عن أم سلمة بواسطة رجل لم يُسَمَّ، وسمعه أيضًا منها بلا واسطة كما سيأتي عن بعض أهل العلم، فحَدَّث به نافع على الوجهين.
وإما أن ترجح رواية مالك ومَن معه؛ لتثبتهما ومكانتهما من نافع.
فالحديث ثابت على أية حال.
وهو ظاهر صنيع الإمام أحمد، فقد احتج به كما في (المسائل برواية صالح ١/ ٢٣٣)، وقال أيضًا: ((في الحيض ثلاثة أحاديث: اثنان ليس في نفسي منهما شيء: أحدهما: حديث هشام، عن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش. والثاني: حديث نافع عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة))، نقله ابن عبد البر في (الاستذكار ٣٦١٦ - ٣٦١٨)، والسيوطي في (تنوير الحوالك، ص ٨٠)، وأقرَّاه.
بل رواه عنه أبو داود وأقره، فقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ((في الحيض حديثان، والآخر في نفسي منه شيء)). قال أبو داود: ((يعني أن في الحيض ثلاثة أحاديث هي أصول هذا الباب، أحدها: حديث مالك عن نافع عن سليمان بن يسار. والآخر: حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. والثالث: الذي في قلبه منه شيء هو حديث حمنة بنت جحش الذي يرويه
стр. 14543
ابن عقيل)) (التمهيد ١٦/ ٦١).
وعلى هذا، فذِكر أبي داود اختلاف الرواة في سند الحديث ليس إعلالًا منه له كما زعمه مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٣)، لاسيما وقد بدأه أبو داود بذكر رواية مالك، وأنهاه بذكر رواية وهيب، وهما متفقان على وصله دون ذكر الرجل المبهم.
ولذا قال أبو الحسن المباركفوري: ((ورجح أبو داود رواية من قال: عن سليمان بن يسار عن أم سلمة)) (مرعاة المفاتيح ٢/ ٢٦١).
وكذلك أشار ابن عبد البر إلى تصحيحه؛ حيث قال عقب كلام أبي داود السابق: ((أما حديث نافع عن سليمان بن يسار فقد مضى في هذا الباب مجوَّد الإسناد، والحمد لله)) (التمهيد ١٦/ ٦١).
وقال أيضًا - بعد ذكره جملة من أحاديث الاستحاضة والاختلاف فيها -: ((لهذا الاختلاف ومثله عن عروة - والله أعلم - ضَعَّف أهل العلم بالحديث ما عدا حديث هشام بن عروة وسليمان بن يسار من أحاديث الحيض والاستحاضة)) (التمهيد ١٦/ ٦٧).
وقال ابن الصلاح: "حديث المرأة التي استفتت لها أم سلمة ﵂ حديث حسن" (شرح مشكل الوسيط ١/ ٢٧٧).
وفي مقابل هؤلاء، قد رجح جماعة من الأئمة الوجه الذي زيد فيه الرجل المبهم، وأعلوا الوجه الآخر بالانقطاع، وقالوا: سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة.
ولذا ذَكَر ابن المنذر أن هذا الخبر مختلف في ثبوته، ثم قال: ((وأما الفرقة التي نفت القول بخبر أم سلمة ... فإنهم دفعوا خبر سليمان بن يسار بأن قالوا: خبر سليمان بن يسار خبر غير متصل، لا يصح من جهة النقل؛ وذلك أن غير
стр. 14544
واحد من المحدثين أدخل بين سليمان بن يسار وبين أم سلمة رجلًا اسمه مجهول، والمجهول لا يجوز الاحتجاج بحديثه؛ إذ هو في معنى المنقطع الذي لا تقوم به الحجة)) (الأوسط ٢/ ٣٥١).
وإليك أقوال هؤلاء الأئمة المشار إليهم:
قال النسائي: ((حديث سليمان عن أم سلمة لم يسمعه من أم سلمة؛ بينهما رجل)) (السنن الكبرى ٢/ ١٩٨).
وقال أبو إسحاق الحربي: ((لم يسمعه سليمان من أم سلمة؛ بينهما رجل مجهول، لم يُسَمَّ)) (إكمال تهذيب الكمال ٦/ ١٠٤)، و (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٦).
وقال الطحاوي: ((قال قائل: هذا حديث فاسد الإسناد)) (المشكل ٧/ ١٥٠).
وظاهر صنيع الطحاوي أنه أقر قول هذا القائل الذي لم يسمه، وقد نَسَب مغلطاي هذا الكلام للطحاوي نفسه! وزاد فيه: ((لم يسمعه سليمان من أم سلمة، إنما حدثه عنها به رجل مجهول)) (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٤).
وقال البيهقي: ((سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة، إنما سمعه من رجل أخبره عن أم سلمة)) (المعرفة ٢/ ١٥١)، و (الخلافيات ٣/ ٣١٩)، و (السنن عقب رقم ١٥٩٦).
وقال ابن الأثير: ((سليمان بن يسار لم يسمعه عن أم سلمة، إنما سمعه من رجل من أم سلمة، كما ذكره أبو داود)) (شرح مسند الشافعي ١/ ٣١٧).
وقال ابن رجب: ((فتَبَيَّن بهذا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة)) (فتح الباري ٢/ ٥٩).
وقال المنذري: ((لم يسمعه سليمان)) (البدر المنير ٢/ ١٢٢)، و (التلخيص
стр. 14545
١/ ٢٩٩).
كذا نقلاه عن المنذري، والذي في (مختصر أبي داود ١/ ١٧٨، ١٧٩)، أنه سكت عنه، ولم يتكلم إلا على رواية الليث التي ذكر فيها رجلًا بين سليمان وأم سلمة قائلًا: ((وفي إسناد هذه الرواية رجل مجهول)).
فتعقبه مغلطاي قائلًا: ((وما عَلِم - غفر الله له- أن الحديث كله معلول بما رَمَى به هذه الرواية، لاسيما وهو على كتاب أبي داود يتكلم، وأبو داود هو المعلل للحديث! نُبيِّن لك ذلك بسوق لفظه ... )) فساق طرقه من عند أبي داود، ثم قال: ((فهذا كما يرى أبو داود من أن الحديث من طرقه كلها منقطع فيما بين سليمان وأم سلمة، وأنه لم يسمعه منها، فتخصيص بعض ألفاظه بعلة هي شاملة له كله- لا وجه له)) (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٣، ٩٤).
وقوله: ((وأبو داود هو المعلل للحديث))، وزعمه بأن ((الحديث من طرقه كلها منقطع)) فيه نظر كما سبق بيانه.
ثم قال مغلطاي: ((وهذا هو الاصطلاح الحديثي، فإن الحكم للزائد؛ ولهذا فإن أبا عمر لما ذكر حديث مالك قال: ((رواية الليث هي الصواب))! ! (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٤).
قلنا: قول أبي عمر ابن عبد البر هذا لم نجده، بل الثابت عنه خلافه كما سبق.
وقوله: ((فإن الحكم للزائد)) إنما أخذه مغلطاي من ابن دقيق العيد، حيث قال: ((مقتضى عادتهم في مثل هذا أن يُحكم بالزائد، وذلك يقتضي أن سليمان لم يسمعه من أم سلمة، وإنما سمعه من رجل عنها، والرجل مجهول، فيكون ذلك علة في الحديث))! (الإمام ٣/ ٣٠٠).
стр. 14546
قلنا: الذي عليه أئمة النقد: عدم اطراد حكم كلي في هذا، بل هو دائر مع الترجيح، فتارة يترجح هذا، وتارة يترجح ذاك، ويكون الترجيح تارة بالعدد وتارة يكون بالصفات.
وكل هذا ما لم يمكن الجمع بين الوجهين كما أشار إليه ابن دقيق نفسه عند كلامه على المضطرب في (الاقتراح ص ٢٢ - ٢٣).
وهنا يمكن الجمع بما ذكره الرافعي حيث قال -بعد أن بَيَّن سماع سليمان من أم سلمة عند البخاري وغيره-: ((يجوز أن يكون قد سمعه منها، وسمعه من رجل عنها)) (شرح مسند الشافعي ٤/ ٧٨).
قال ابن الملقن: ((وهو جمع حسن، وبه يتفق الاختلاف المذكور)) (البدر ٣/ ١٢٤).
وبنحو هذا الجمع الذي ذكره الرافعي جَمَع ابن التركماني في (الجوهر ١/ ٣٣٣)، وابن الملقن في (تحفة المحتاج ١/ ٢٤٠)، والسيوطي في (الشافي، ص ٥٤٦)، والألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ٣٢).
وقال الألباني أيضًا: ((فقول البيهقي: (إن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة! ) غير قوي؛ وإن كان احتج على ذلك برواية الليث وغيره عن نافع؛ مثل رواية أنس بن عياض عن عبيد الله، وقد اختُلف فيه على الليث أيضًا ... فترجيح ما اختُلِف فيه على ما لم يُختلَف فيه- مما لا يخفى ضعفه؛ لا سيما وأن سليمان بن يسار ثقة جليل، أحد الفقهاء السبعة، ولم يُعْرَف بتدليس، وقد أدرك أم سلمة حتمًا؛ فحديثه عنها محمول على الاتصال)) (صحيح أبي داود ٢/ ٣٢).
قلنا: نعم، قد أدركها وسمع منها كما نص عليه البخاري وغيره، ولم يَنْفِ
стр. 14547
أحد سماعه منها. والذين أعلوا روايته لهذا الحديث عنها بالانقطاع ليس في كلامهم نفي سماعه منها مطلقًا، بل مقصودهم نفي السماع في هذا الحديث خاصة. والله أعلم.
ومراد الشيخ بـ ((ما لم يُختلَف فيه)) طريق أيوب. وليس الأمر كما قال، فقد اختُلف فيه على أيوب أيضًا، وإن كان لا يضر، كما تراه فيما يلي:
ثانيًا: طريق أيوب السَّختياني عن نافع:
رواه أيوب السختياني، واختُلف عليه في وصله وإرساله:
فرواه ابن عُلَيَّة كما عند ابن أبي شيبة في (المصنف)، وعبد الوارث كما عند الدَّارَقُطْنِيّ في (السنن)، وحماد بن زيد كما عند الدَّارَقُطْنِيّ في (السنن)، وغيره.
ثلاثتهم: عن أيوب، عن سليمان بن يسار: أن فاطمة ... به مرسلًا، وسيأتي تخريجه.
فهؤلاء ثلاثة من الثقات الحفاظ قد أرسلوه، وهم أثبت أصحاب أيوب، ولكن قد خالفهم مثلهم عددًا وحفظًا، فوصلوه:
فرواه أحمد (٢٦٧٤٠)، والبيهقي (١٦٠٣) من طريق جعفر بن محمد بن شاكر. كلاهما - (أحمد وجعفر) - عن عفان بن مسلم.
ورواه أبو داود (٢٧٨) عن موسى بن إسماعيل التبوذكي.
ورواه الطبراني (٢٣/ ٢٧٠/ ٥٧٥)، والدَّارَقُطْنِيّ (٧٩٥) من طريق معلى بن أسد (١).
стр. 14548
ثلاثتهم: عن وُهَيْب بن خالد، قال: حدثنا أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن فاطمة استحيضت ... الحديث بلفظ السياقة الثانية، وفيه الشك بين لفظ القرء والحيض (١) إلا أن أبا داود اختصره، وقال معلى: ((أيام حيضها))، ولم يشك.
وإسناده صحيح كما قاله الألباني في (الإرواء ٧/ ٢٠٠)، بل قال في (صحيح أبي داود ٢/ ٣٥): ((هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين))!
وليس لأيوب عن سليمان رواية في الصحيحين أو أحدهما، فالحديث صحيح فقط، نعم، رجاله ثقات رجال الشيخين.
وقد رواه ابن الجوزي في (التحقيق ٢٩٩) من طريق الدَّارَقُطْنِيّ، فأرسله! !
وكذلك قال ابن حجر في (الإتحاف ١٨/ ١١٤) أن إسناد وهيب عند الدَّارَقُطْنِيّ مثل إسناد عبد الوارث المرسل! !
وهذا وهمٌ، وسببه أن الدَّارَقُطْنِيّ لما ساقه من طريق مُعَلّى، قال: ((نا وهيب (ح) وحدثنا .. ))، فساق طريق حماد بن زيد المرسل، فظن ابن الجوزي وابن حجر أن طريق وهيب كذلك!
وفاتهما أن الدَّارَقُطْنِيّ قال قبله -عقب طريق عبد الوارث المرسل-: ((رواه وهيب، عن أيوب، عن سليمان، عن أم سلمة بهذا، وقال: ((تَنْتَظِرُ أَيَّامَ حَيْضِهَا فَتَدَعُ الصَّلَاةَ)))).
стр. 14549
ثم أسنده إلى ((وهيب))، ولم يذكر ما فوقه، وإنما أخذ في ذكر طريق حماد، ولا يعني هذا أنهما متفقان، فهذا يتنافى مع كلامه السابق. وإنما لم يُتِم سند وهيب لأنه ذكر بقيته قبل، فلم يكن ثمة حاجة لإعادته. كما خص ذاك الجزء من متن وهيب بالذكر؛ لأن عبد الوارث وحمادًا ذكراه في حديثهما المرسل بلفظ: ((أَقْرَائِهَا))، فبَيَّن الدَّارَقُطْنِيّ أن وهيبًا مخالف لهما في سنده ولفظه.
ووهيب ثقة ثبت حافظ، قَدَّمه ابن مهدي على ابن عُلَيَّة، وقد توبع:
فرواه الطبراني في (المعجم الكبير ٢٣/ ٣٨٥/ ٩١٩) من طريق علي بن المديني.
ورواه الدَّارَقُطْنِيّ (٧٩٣) من طريق أبي عبيد الله المخزومي.
كلاهما عن سفيان- وهو ابن عيينة-، عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة ... الحديث، أحاله الطبراني على لفظ مالك!
ولفظ الدَّارَقُطْنِيّ: ((أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض ... ))، وساق الحديث بنحو رواية مالك، إلا أنه قال فيه: ((فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ، فَلْتَغْسِلْ، وَلْتَتَوَضَّأْ، وَلْتَسْتَثْفِرْ، ثُمَّ تُصَلِّي)).
وذِكر الوضوء في متنه مما تفرد به أبو عبيد الله المخزومي، وهو غير محفوظ في هذا الحديث كما بيَّنَّاه في (باب وضوء المستحاضة).
والمشهور عن ابن عيينة بنحو سياقة وهيب:
فرواه الحميدي (٣٠٤) -ومن طريقه ابن عبد البر في (التمهيد ١٦/ ٥٧) و (الاستذكار ٣٦١٢) - عن سفيان بن عيينة قال: حدثنا أيوب السَّختياني، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، بلفظ السياقة الثالثة، وفيها: ((تَدَعُ
стр. 14550
الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا- أَوْ: قَدْرَ حَيْضَتِهَا-)). كذا بالشك بين لفظ القرء والحيض كما رواه وهيب.
ورواه البيهقي في (الكبرى ١٥٤٨٢) من طريق إبراهيم بن بشار، نا سفيان، بنحوه، إلا أنه قال: ((فسألت لها أم سلمة))، وفيه: ((فَأَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا وَأَيَّامَ حَيْضِهَا .. )) الحديث.
قال البيهقي: ((كذا وجدت، والصواب: ((أَيَّامَ أَقْرَائِهَا- أَوْ: أَيَّامَ حَيْضِهَا-))، بالشك. وكذلك رواه وهيب عن أيوب)) (عقب رقم ١٥٤٨٢).
ورواية وهيب تقدمت، واتفاقه هو وسفيان على ذكر الشك يدل على أن الشك في لفظه من شيخهما أيوب.
وقد صرح بهذا الشافعي في روايته عن ابن عيينة:
فرواه الطحاوي في (المشكل ٢٧٢٣) من طريق الشافعي قال: قال: سفيان، عن أيوب (١)، به، وفيه: ((تَدَعُ الصَّلَاةَ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ التِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ- أَوْ: أَيَّامَ أَقْرَائِهَا))، الشك من أيوب، لا أدري هذا قال، أو قال هذا.
وقد علقه البيهقي عن الشافعي، فقال: ((وفي رواية حرملة قال: قال الشافعي: وزعم إبراهيم بن إسماعيل ابن عُلَيَّة أن الأقراء: الحيض. واحتج بحديث سفيان ... أن النبي ﷺ قال في امرأة استحيضت أن تدع الصلاة أيام أقرائها.
قال الشافعي: ((وما حَدَّث سفيان بهذا قط، إنما قال سفيان: عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قال: ((تَدَعُ الصَّلَاةَ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ التِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ)) أو قال: ((أَيَّامَ أَقْرَائِهَا)). الشك من أيوب، لا
стр. 14551
ندري قال هذا أو هذا، فجعله هو أحدهما على ناحية مما يريد، وليس هذا بصدق (١).
وقد أخبرناه مالك، عن نافع ... أن رسول الله ﷺ قال: ((لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ التِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الذِي أَصَابَهَا ... إلخ)) (المعرفة ١٥١٩٧ - ١٥١٩٩)، و (السنن الكبرى عقب رقم ١٥٤٨١).
قلنا: إذا ثبت أن الشك من أيوب، فالأَوْلى بأن يكون محفوظًا من اللفظين المشكوك في أيهما قد قيل- هو اللفظ الذي يوافق ما رواه نافع -كما أشار إليه البيهقي في (الكبرى عقب رقم ١٥٤٨٢) - لأنه هو الذي اتفقا عليه، ولأن نافعًا أخص بسليمان من أيوب.
وبهذا جزم الشافعي، فقال: ((ونافع أحفظ عن سليمان من أيوب، وهو يقول مثل أحد مَعْنَيَيْ أيوب اللذين رواهما)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٥٤٨٢)، و (المعرفة ١١/ ١٨٥).
وصنيع الشافعي هذا يقتضي صحة الحديث عنده، وإلا لما لجأ إلى الترجيح، ولا ريب في ذلك، فالشافعي هو القائل: ((ما بعد كتاب الله كتاب أصح من كتاب مالك))، أسنده عنه ابن عساكر في (المغطا/ ص ٣٦)، وذكره القاضي عياض في (ترتيب المدارك ٢/ ٧٠)، وذكر نحوه عن ابن مهدي أيضًا.
وقد أقر البيهقي صنيع الشافعي، ولم يَرُد الحديث بالانقطاع كما فعله في موضع آخر من الكتاب عند كلامه على طريق نافع.
стр. 14552
بينما تعقب ابن القيم الشافعي في (الزاد ٥/ ٥٧٢، ٥٧٣)، بكلام فيه نظر من وجوه كما ستراه في باب (الأقراء).
والخلاصة: أن وهيب بن خالد -وهو ثقة ثبت حافظ- وابن عيينة -وهو إمام ثقة حافظ حجة- قد روياه عن أيوب، واتفقا على وصله.
وذَكَر الحربي أن ابن أبي عروبة -وهو ثقة حافظ- قد وصله أيضًا، فقال: ((رواه عن أيوب خمسة، لم يقل: ((عن أم سلمة)) إلا وهيب وابن أبي عروبة)) (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٣/ ٩٦).
وقد فاته ابن عيينة! إلا أننا نخشى أن يكون ذِكر ابن أبي عروبة تحريف، وأن صوابه: ((ابن عيينة))، لاسيما ولم نجد مَن أسند رواية ابن أبي عروبة هذه ولا مَن ذكرها إلا في هذا الموضع من (شرح ابن ماجه) وطبعته مليئة بالتحريف. والله أعلم.
وعلى كل، فاتفاق ابن عيينة ووهيب وحده يمنع من ترجيح المرسل على الموصول، لاسيما وقد توبع شيخهما على هذا الوجه، تابعه الإمام نافع من رواية الإمام مالك وعبيد الله بن عمر، وهما أثبت أصحاب نافع كما سبق.
والصواب في مثل هذا أن يُحمل الخلاف على أن أيوب قد رواه على الوجهين، حَدَّث به مرة موصولًا، ثم احتاط فأرسله، فالوجهان محفوظان عنه من رواية أصحابه الثقات.
وهذا أَوْلى من تخطئة الحفاظ، لاسيما وقد عُرِف ذلك عن أيوب وغيره من أصحاب ابن سيرين، وكذا حماد بن زيد، كان من مذهبهم أن يقصروا بالحديث، كما ذكرناه في موضع آخر. والله أعلم.
وقد أعلَّه البيهقي بشيء آخر، فقال: ((رواه أيوب السَّختياني عن سلميان بن
стр. 14553
يسار عن أم سلمة، إلا أنه سمى المستحاضة في الحديث فقال: (فاطمة بنت أبي حبيش) ... وحديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في شأن فاطمة بنت أبي حبيش- أصح من هذا. وفيه دلالة على أن المرأة التي استفتت لها أم سلمة غيرها. ويحتمل -إن كانت تسميتها صحيحة في حديث أم سلمة- أن كانت لها حالتان في مدة استحاضتها: حالة تميز فيها بين الدمين فأفتاها بترك الصلاة عند إقبال الحيض وبالصلاة عند إدباره. وحالة لا تميز فيها بين الدمين فأمرها بالرجوع إلى العادة. ويحتمل غير ذلك. والله أعلم)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٠٣).
قلنا: جَعَل الحديثين متنافيين؛ ولذا ذهب إلى الترجيح أو القول بتعدد حال المرأة.
وقد تعقبه ابن التركماني قائلًا: ((الأصل ألا يتعدد الحال، ولا تَنافي بين الروايتين حتى يُحمل على ذلك، بل رواية الإقبال والإدبار أيضًا تُحمل على الرجوع إلى العادة، فالإقبال وجود الدم في ابتداء أيامها، والإدبار في انتهائها كما مر)) (الجوهر ١/ ٣٣٥).
بل قد ثبت في بعض روايات حديث عائشة في الصحيح- التصريحُ برد المرأة إلى أيام العادة. وهو ما صوبه ابن رجب وغيره.
وبهذا يظهر جليًّا موافقة حديث عائشة حديث أم سلمة كما بيَّنَّاه فيما سبق، فانتفت بذلك العلة المذكورة. والله أعلم.
ثالثًا: طريق قتادة عن نافع:
رواه الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٢٧٠/ ٥٧٦) قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا عُبَادة بن زياد، ثنا أبو مريم، عن قتادة، عن سليمان بن
стр. 14554
يسار، نحوه.
أي: نحو حديث وهيب الذي أسنده قبله، وقد سبق.
وهذا الإسناد ضعيف جدًّا؛ فأبو مريم هذا هو عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، رافضي متهم، كما في (اللسان ٤٨٥٣).
ولكن جزم أبو نعيم في (المعرفة ص ٣٤١٤) بأن قتادة رواه عن سليمان، عن أم سلمة، أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت ... فذكر الحديث.
بينما جزم الدَّارَقُطْنِيّ -كما في (شرح ابن ماجه ٣/ ٩٥) - بأن قتادة رواه عن سليمان: أن فاطمة بنت أبي حبيش ... أسنده عنها! !
وعلى كل، فقتادة لم يسمع من سليمان بن يسار. قاله أحمد وابن معين (المراسيل لابن أبي حاتم ٦٢٧، ٦٣١).
رابعًا: طريق أبي سلمة عن أم سلمة:
رواه البيهقي في (الكبرى ١٦٠٤) من طريق إسحاق بن محمد الفَرْوي، ثنا عبد الله بن عمر، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، بلفظ السياقة الرابعة.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه: عبد الله بن عمر، أبو عبد الرحمن العمري، ضعيف كما في (التقريب).
وبقية رجاله ثقات سوى إسحاق الفروي متكلم فيه، وهو صدوق ساء حفظه، وقد خولف في لفظه:
فرواه أحمد والحاكم والطبراني: عن سُرَيْج بن النعمان، عن العمري، به، بلفظ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ [بِنْتُ قَيْسٍ] رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ!
стр. 14555
فَقَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ بِالْحَيْضِ، إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، لِتَقْعُدْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، وَلْتُصَلِّ)). والزيادة للحاكم.
ويحتمل أن يكون هذا الاختلاف من قِبل العمري نفسه؛ فإنه ضعيف كما سبق.
ومع ذلك، قال الألباني: ((هذا إسناد صحيح على شرط مسلم! لكن عبد الله بن عمر -وهو العمري- سيئ الحفظ، غير أنه صحيح الحديث في المتابعات)) (صحيح أبي داود ٢/ ٣٧).
قلنا: كلا، فليس هو على شرط مسلم، كما أن العمري لم يُتابَع، بل تفرد بهذا الإسناد والمتن، وقد خرجناه بهذا اللفظ الثاني في (باب الأقراء)، فانظره هناك.
هذا، وقد صح الحديث من طريق نافع وأيوب عنه. وكفى بهذا الحديث جلالة إخراج مالك له في موطئه.
وقد قال أبو زرعة: ((لو حلف رجل بالطلاق على أحاديث مالك التي بالموطأ أنها صحاح كلها، لم يحنث)) (ترتيب المدارك ٢/ ٧٦).
وبالفعل، قد وسم غير واحد موطأ مالك بالصحيح، وسبق قول الشافعي في ذلك. وانظر: (النكت لابن حجر ٢/ ٢٧٦ - ٢٨١).
[تنبيهات]:
الأول: ذَكَر ابن الملقن في (البدر ٣/ ١٢٢) أن ابن القطان قال في (الوهم والإيهام) عن هذا الحديث: ((هذا حديث مرسل فيما أرى)).
وهذا خطأ، فابن القطان إنما قال ذلك في حديث آخر، وهو حديث زينب
стр. 14556
بنت أم سلمة: ((أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف)) (بيان الوهم والإيهام ٢/ ٥٤٩).
الثاني: وقع في المطبوع من كتاب (الإكمال لمغلطاي ٦/ ١٠٤): ((وقال الربعي: هو حديث مشهور إلا أن سليمان لم يسمعه من أم سلمة)).
وكلمة (الربعي) محرفة من (البيهقي)، وعبارته بنصها في (السنن ١/ ٣٣٣).
الثالث: ذَكَر المزي في (التحفة ١٣/ ٨ - ٩) أن أيوب مُتابِع لمالك في روايته عن نافع!
وهو وهمٌ كما قاله ابن حجر في (النكت ١٣/ ٨)، وإنما هو مُتابِع لنافع في روايته عن سليمان.
ولعل سبب ذلك الوهم أن أيوب مشهور بالرواية عن نافع، بخلافه عن سليمان، حتى إن المزي لم يذكره في تلاميذ سليمان مع أنه على شرطه! !
ورواه الدَّارَقُطْنِيّ (٧٩٦) من طريق ابن عُلَيَّة. وأيضًا (٧٩٥) من طريق حماد بن زيد. وأيضًا (٧٩٤) من طريق عبد الوارث.
ثلاثتهم عن أيوب به مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير أنه مرسل، وقد صح موصولًا بلفظ ((أيام حيضها))، كذا رواه نافع. وأيوب كان يشك في لفظه، هل هو ((أيام قرئها))، أم ((أيام حيضها))، بَيَّن ذلك وهيب وابن عيينة في حديثهما عنه. وقد بينا ذلك فيما سبق.
ورواية ابن الجوزي في (التحقيق) من طريق وهيب، وقد وهمَ في إرسالها كما بيَّنَّاه في تحقيقنا للرواية الموصولة آنفًا.
هذا، وقد ذَكَر ابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ٤٠٠) وابن حجر في (الدراية ١/ ٨٩) أن الدَّارَقُطْنِيّ قال في رواته: ((كلهم ثقات))، وهذا لم نجده في السنن ولا غيرها.
стр. 14559
٣٣٧٨ - حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ:
◼ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ- مِنْ بَنِي أَسَدِ قُرَيْشٍ- ﵂: أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا تُسْتَحَاضُ، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: ((إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَـ[فَاغْتَسِلِي، وَ] اغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي)).
[الحكم]: صحيح المتن. وصححه الألباني. لكن سنده منقطع، والصواب أن الحديث من مسند عائشة. والمشهور أن صاحبة القصة هي (فاطمة بنت أبي حُبَيْش)، وأن عروة إنما يرويها عن عائشة. وبهذا أعله الدَّارَقُطْنِيّ، لكن ذكر الطبراني وغير واحد أن اسم أبي حبيش (قيس).
[التخريج]:
[ن ٢٠٦ "واللفظ له"، ٣٥٣ "والزيادة له ولغيره" / كن ٢٥٩ / طب (٢٤/ ٣٦٢/ ٩٠٠) / طس ٢٩٥٢ / طص ٢٣٠].
[السند]:
رواه النسائي في (الصغرى ٢٠٦، ٣٥٣)، و (الكبرى ٢٥٩) قال: أخبرنا عمران بن يزيد [بن أبي جميل الدمشقي] قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله [وهو ابن سَمَاعة] العدوي، قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثني هشام بن عروة، عن عروة، عن فاطمة بنت قيس، به.
ورواه الطبراني في (الكبير ٢٤/ ٣٦٢)، و (الأوسط ٢٩٥٢)، و (الصغير ٢٣٠) عن إبراهيم بن دُحَيْم الدمشقي قال: نا عمران بن أبي جميل (١)، به.
стр. 14560
قال الطبراني: ((لم يروه عن الأوزاعي إلا ابن سماعة، تَفَرَّد به عمران بن أبي جميل)).
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله كلهم ثقات. فعمران هو ابن خالد بن يزيد بن مسلم بن أبي جميل، القرشي الدمشقي: رَوَى عنه جمع من الثقات، منهم بعض الأئمة؛ كالنسائي وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين والحسن بن سفيان ... وغيرهم. انظر (الجرح والتعديل ٦/ ٣٠٧)، و (تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٢٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧). وقال عنه النسائي: "لا بأس به"، وقال في موضع آخر: "ثقة" (تهذيب التهذيب ٨/ ١٣٠)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٤٩٨)، وقال الذهبي: "ثقة" (الكاشف ٤٢٦٣)، وقال ابن حجر: "صدوق" (التقريب ٥١٥٣).
وابن سماعة من أصحاب الأوزاعي الأثبات، وهو من أجلهم وأقدمهم فيه.
إلا أن سماع عروة من فاطمة مختلف فيه، والأرجح أنه لم يسمع منها كما ذهب إليه البيهقي وابن القطان. وقد بينا ذلك تحت رواية الزهري عن عروة في "بَابِ الفَرْقِ بَيْنَ دَمِ الحَيْضِ وَدَمِ الاسْتِحَاضَةِ"، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
وعليه، فالإسناد منقطع.
والمشهور أن صاحبة القصة هي (فاطمة بنت أبي حبيش)، وأن عروة إنما
стр. 14561
يرويها عن عائشة لا عن فاطمة. كذا رواه أكثر من أربعين نفسًا: (عن هشام، عن أبيه عن عائشة: بقصة فاطمة).
ولذا أَعَل الدَّارَقُطْنِيّ هذا الحديث، وحَمَل فيه على الأوزاعي، فقال: ((رواه الأوزاعي ... ووَهِمَ فيه، والصحيح: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش ... )) (العلل ٩/ ٣٧٨).
وقال أيضًا: ((رواه الأوزاعي ... ولم يذكر عائشة، ووَهِم في قوله: (بنت قيس) وإنما هي بنت أبي حبيش)) (العلل ٨/ ١٣٩).
ولكن قال الطبراني عقب الحديث: ((وفاطمة بنت قيس هذه هي فاطمة بنت أبي حبيش، واسم أبي حبيش: قيس، وليست بفاطمة بنت قيس الفِهْرية التي روت قصة طلاقها)).
وكذا قال ابن الجوزي في (التلقيح ص ٤٠٥)، بل وقع في بعض نسخ الصغرى: ((فاطمة بنت أبي حبيش))، وكذا ذكره السيوطي في (شرحه ١/ ١١٦)، وقال: ((واسمه قيس)).
وكذا جزم المزي وتبعه ابن حجر وغيره بأن أبا حبيش اسمه قيس.
وعلى هذا، فلم يَهِمِ الأوزاعي في تسميتها.
ويبقى الوهم في إسقاطه عائشة من الإسناد؛ فذِكرها هو المحفوظ كما رواه الجم الغفير من أصحاب هشام الثقات.
[تنبيه]:
الحديث أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ في (الأفراد) في موضع عن عائشة عن فاطمة، وفي موضعين عن عروة عن فاطمة، فقال في الموضع الأول: "تفرد
стр. 14562
به عنبسة بن عبد الواحد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عنها".
وقال في موضع آخر: "غريب من حديث بحر بن كنيز السقاء، عن هشام، عن أبيه، عن امرأة يقال لها فاطمة، ما كتبناه إلا عن هذا الشيخ يعني أبا علي الحسين بن إبراهيم الخلال".
وقال في موضع ثالث: "تفرد به إسحاق الأزرق، عن مسعر عن هشام، عن أبيه عنها" (أطراف الغرائب والأفراد ٥٨٩٧).
فأما الموضع الأول: فتقدم في إحدى التنبيهات على حديث عائشة، أن الأظهر - لدينا - أنه من مسند عائشة، لقرينة السياق، فليراجع في موضعه.
وأما الموضع الثاني: ففيه بحر السقاء وهو ضعيف واهٍ شبه المتروك، كما تقدم مرارًا.
وأما الموضع الثالث: فلم نقف على سنده إلى إسحاق الأزرق، عن مسعر. ولكن على كل حال، هو معلول لمخالفته رواية الجماعة عن هشام، فقد رواه عنه أكثر من أربعين نفسًا، كلهم (عن هشام، عن أبيه عن عائشة).
стр. 14563
٣٣٧٩ - حَدِيثُ عُرْوَةَ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: اسْتَفْتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: ((إِنِّي مُسْتَحَاضَةٌ ... ))، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[الحكم]: صحيح المتن. وهذا مرسل ضعيف الإسناد.
[التخريج]:
[عيل (١/ ٣٤٥) / خط (٥/ ٣٦٣)].
[السند]:
رواه الإسماعيلي في (معجم شيوخه) - ومن طريقه الخطيب في (تاريخ بغداد) - قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الختلي، حدثنا القُطَعي- يعني محمد بن يحيى- حدثنا عاصم بن هلال، حدثنا أيوب السَّختياني، عن هشام بن عروة، عن أبيه. به ولم يَسُقْه بتمامه، وقد مرّ لفظه كاملًا.
[التحقيق]:
هذا إسناده ضعيف؛ فيه - مع إرساله - عاصم بن هلال، مختلف فيه، وقال ابن حجر: ((فيه لِين)) (التقريب ٣٠٨١).
قلنا: وهو كذلك، لاسيما في أيوب، فقد قال أبو زرعة: ((حَدَّث عن أيوب بأحاديث مناكير)).
وهذا منها بلا شك، فأيوب إنما يرويه عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن فاطمة، به. هكذا رواه أبو عوانة (٩٧٩) من طريق عبد الوارث، والطبراني في (الكبير ٢٤/ ٣٦١) و (الأوسط ٤٢٨١) من طريق ابن عُلَيَّة، كلاهما عن أيوب، به.
стр. 14564
وبهذا جزم الدَّارَقُطْنِيّ في (العلل ٨/ ١٣٨)، وأبو نعيم في (المعرفة ٧٧٩٤).
فأخطأ عاصم، وأسقط منه عائشة، وأرسله عن عروة.
وانظر الكلام في سماع عروة من فاطمة تحت رواية الزهري عن عروة في "بَابِ الْفَرْقِ بَيْنَ دَمِ الحَيْضِ وَدَمِ الاسْتِحَاضَةِ"، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
стр. 14565
٣٣٨٠ - حَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ- أَوْ: أَسْمَاءَ- بِالشَّكِّ:
◼ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ، أَنَّهَا أَمَرَتْ أَسْمَاءَ [أَنْ تَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ]، أَوْ أَسْمَاءُ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا أَمَرَتْهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنْ تَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، [تَعْنِي: عَنِ الْحَيْضِ]، ((فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ)).
[الحكم]: صحيح المتن بشواهده، وإسناده ضعيف. وأعله: البيهقي، وابن عبد البر، ومغلطاي.
بينما صححه الألباني. وهو ظاهر صنيع ابن القيم، وابن دقيق.
[التخريج]:
[د ٢٨١ واللفظ له / تخث (السِّفر الثاني ٣٦٠٥) والزيادتان له/ هق ١٥٩٣].
[السند]:
رواه أبو داود (٢٨١) -ومن طريقه البيهقي (١٥٩٣) - قال: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير، عن سهيل - يعني ابن أبي صالح -، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، به.
ورواه ابن أبي خيثمة في (التاريخ ٣٦٠٥) عن أبيه زهير، قال: حدثنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة، به، بالشك أيضًا.
فمداره بهذه السياقة على جرير - وهو ابن عبد الحميد -، به.