← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 16

ديوان السنة - قسم الطهارة

عدنان العرعور

Полный текст (14 974 стр.). Показаны 14701–14740 · переход к 14706.

стр. 14701

وردت بلفظ: ((تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ))، وأما هذا اللفظ فلم يقع في واحد منها، وقد تفرد به الإمام أبو حنيفة، وهو سيئ الحفظ كما صرح به الحافظ ابن عبد البر. والله تعالى أعلم)) اهـ. ولذا قال الشوكاني: ((وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى أن طهارتها مقدرة بالوقت، فلها أن تَجمع بين فريضتين وما شاءت من النوافل بوضوء واحد. واستدل لهم في البحر بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، وفيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: ((وَتَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ)). وستعرف قريبًا أن الرواية ((لِكُلِّ صَلَاةٍ))، لا ((لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ)) كما زعمه. فإن قيل: إن الكلام على حذف مضاف، والمراد: (لوقت كل صلاة). فيجاب بما قاله في الفتح من أنه مجاز يحتاج إلى دليل)) (النيل ١/ ٣٤٢). وكلام الحافظ ابن حجر في (الفتح ١/ ٤١٠). وبما سبق يُعْلَم بطلان كلام العيني، حيث قال: ((قال بعضهم: (هذا غريب) يعني: بلفظ ((لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ))، قلت: ليس كذلك؛ لأنه لا يلزم من عدم اطلاعه عليه أن يكون غريبًا، بل رُوي هذا الحديث بهذه اللفظة في بعض ألفاظ حديث فاطمة بنت أبي حبيش: ((وَتَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ))، ذكره ابن قدامة في (المغني)! ! ورواه الإمام أبو حنيفة ﵀ هكذا: ((المُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ)) ذكره السَّرَخْسي في (المبسوط)))! ! (البناية ١/ ٦٧٧).

стр. 14702

٦١٤ - بَابُ مَا رُوِيَ فِي أَمْرِ المُسْتَحَاضَةِ بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ٣٤٠١ - حَدِيثُ عَائِشَةَ: ◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ((أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ التِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَنَّهَا استُحِيضَتْ، [فَـ]ـلَا تَطْهُرُ، فَذُكِرَ شَأْنُهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، وَلَكِنَّهَا رَكْضَةٌ مِنَ الرَّحِمِ، فَلْتَنْظُرْ قَدْرَ قُرْئِهَا التِي كَانَتْ تَحِيضُ لَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ تَنْظُرُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلْتَغْتَسِلْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، [وَلْتُصَلِّ])). [الحكم]: شاذ بهذا اللفظ. وذَكَر الشافعي أنه غلط، وهو ظاهر كلام أحمد. وقال أبو بكر بن إسحاق الفقيه: ((غير محفوظ))، وأقره الحاكم والبيهقي. وكذا أعله: ابن عبد البر، والنووي، وابن رجب، والشوكاني. والمحفوظ أن اغتسالها لكل صلاة إنما هو من قِبل نفسها، ولم تؤمر بذلك. وأيضًا: لا يصح ذكر القرء في حديث عائشة، وإنما رواه الحفاظ عنها بلفظ الحيض. [الفوائد]: استَدل بعض مَن أوجب الغسل لكل صلاة على المستحاضة- بالرواية المحفوظة

стр. 14703

في هذا الحديث. وقد ذكر ذلك ابن عبد البر وهو يحكي مذهبهم، فقال عن رواية ابن إسحاق لهذا الحديث: ((فإن قيل: لم يرفعه إلا محمد بن إسحاق عن الزهري. وأما سائر أصحاب الزهري فإنهم يقولون فيه: (وَأَمَرَهَا أَنْ تَغتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، فَكَانَتْ تَغتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ). قيل: لَمَّا أَمَرَها رسول الله ﷺ أن تغتسل لكل صلاة، فَهِمت عنه؛ فكانت تغتسل لكل صلاة. على أن قوله: (تَغتَسِلَ وَتُصَلِّيَ) يقتضي ألا تصلي حتى تغتسل)) (الاستذكار ٣/ ٢٢٨). بينما قال ابن حجر: ((الأمر بالاغتسال مطلق، فلا يدل على التَّكرار، فلعلها فهمت طلب ذلك منها بقرينة؛ فلهذا كانت تغتسل لكل صلاة. وقال الشافعي: إنما أمرها ﷺ أن تغتسل وتصلي، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوعًا. وكذا قال الليث بن سعد في روايته عند مسلم. وإلى هذا ذهب الجمهور، قالوا: (لا يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة إلا المتحيرة، لكن يجب عليها الوضوء)، واستدل المهلبي بقوله لها: (هَذَا عِرْقٌ) على أنه لم يوجب عليها الغسل لكل صلاة؛ لأن دم العرق لا يوجب غسلًا)) (الفتح ١/ ٤٢٧). [التخريج]: [ن ٢١٤ "واللفظ له"، ٣٦٠ / كن ٢٦٦ / حم ٢٤٩٧٢ "والزيادتان له" / عه ٩٨٩/ هق ١٦٦١/ هقع ٢٢٠٨ / طح (١/ ٩٨/ ٦١٩) / طحق ١٩٣١].

стр. 14704

[السند]: رواه النسائي في (الصغرى) و (الكبرى) قال: أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن بكر [بن مُضَر]، قال: حدثني أبي، عن يزيد بن عبد الله [وهو ابن أسامة بن الهاد]، عن أبي بكر بن محمد [بن عمرو بن حزم]، عن عمرة، عن عائشة، به. ورواه أحمد عن أحمد بن الحجاج، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، به مع الزيادة. ورواه أبو عوانة من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن ابن الهاد، به. ورواه الباقون من طرق عن ابن أبي حازم، عن يزيد، به. فمداره عندهم على يزيد بن عبد الله بن الهاد، به. [التحقيق]: هذا الإسناد حَسَب ظاهره صحيح؛ فرجاله كلهم ثقات، بل هو من المدار على شرط مسلم، ولكنه مع ذلك معلول لشذوذ متنه. فقد روى الزهري هذا الحديث عن عمرة كما سبق في موضعه، وجَعَل اغتسال أم حبيبة موقوفًا عليها من فعلها. وقال ابن شهاب - كما عند أحمد (٢٤٥٢٣) -: ((لم يأمرها النبي ﷺ ، أن تغتسل عند كل صلاة، إنما فعلته هي)). وفي رواية الليث عند مسلم (٣٣٤/ ٦٣) وغيره: قال الليث بن سعد: ((لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي)).

стр. 14705

وبنحوه قال ابن عيينة أيضًا. ولذا قال الشافعي رحمه الله تعالى عن رواية ابن الهاد هذه: ((وقد روى غير الزهري هذا الحديث: (أن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة) ... رواه عن عمرة بهذا الإسناد والسياق، والزهري أحفظ منه، وقد روى فيه شيئًا يدل على أن الحديث غلط، قال: (تَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا)، وعائشة تقول: (الأَقْرَاءُ: الأَطْهَارُ))) (الأم ٢/ ١٣٩). وأقره البيهقي في (الكبرى عقب رقم ١٦٦٠)، و (المعرفة ٢/ ١٦٢). وقال ابن عبد البر: ((وأما الأحاديث المرفوعة في إيجاب الغسل لكل صلاة ... فكلها مضطربة لا تجب بمثلها حجة)) (التمهيد ١٦/ ٩٩). وروى البيهقي عن الحاكم عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أنه قال: ((قال بعض مشايخنا: خبر ابن الهاد غير محفوظ)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٦١)، و (المعرفة ٢٢٠٩). وقد تعقبه ابن التركماني قائلًا: ((إن أراد غير محفوظ عنه فليس كذلك؛ فإن البيهقي أخرجه فيما مرّ من طريق ابن أبي حازم عنه، وأخرجه النسائي من طريق بكر بن مضر عنه، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق عبد العزيز الدراوردي عنه، فهؤلاء ثلاثة رووه عنه. وإن أراد أنه غير محفوظ منه فليس كذلك أيضًا؛ لأن ابن الهاد من الثقات المحتج بهم في الصحيح)) (الجوهر ١/ ٣٥١). وهذا التعقب مأخوذ من كلام ابن دقيق، فإنه ذكره بنصه، وزاد عليه: ((فقد يكون مِن تفرد الثقة بالرواية، ويكون قوله: (غير محفوظ) من العبارات المغلظة)) (الإمام ٣/ ٣١٦).

стр. 14706

وقال في موضع آخر: ((وابن الهاد هذا متفق على الاحتجاج به)) (الإلمام ١/ ١١٣). وكذا صحح الألباني سنده، وذكر أنه على شرط الشيخين! ثم قال: ((وأما البيهقي فقد أعله بمجرد الدعوى ... وقد رَدَّ عليه ابن التركماني)) (صحيح أبي داود ٢/ ٥٩، ٧٩). قلنا: وتَعَقُّب هؤلاء ليس في محله؛ لأنهم لم يَرُدوه لكون ابن الهاد غير حجة، وإنما لمخالفة روايته رواية الزهري كما سبق، لاسيما وقد توبع الزهري أيضًا، فقد رواه مسلم (٣٣٤/ ٦٦) وغيره من طريق عِرَاك بن مالك، عن عروة عن عائشة، وقال فيه: ((فَكَانَت تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ))، فجعله من فعلها أيضًا، وقد سبق. ولذا قال ابن رجب: ((اختُلف في غسلها لكل صلاة: فمِن الرواة مَن ذكر أنها كانت تغتسل لكل صلاة، وأن النبي ﷺ لم يأمرها بذلك. ومنهم مَن ذكر أن النبي ﷺ أمرها بذلك. فأما الذين لم يرفعوه فهم الثقات الحفاظ)) (فتح الباري ٢/ ١٦٥). ثم ذكر ابن رجب حديث ابن الهاد وقال عقبه: ((وهو مخالف لرواية الزهري عن عمرة كما سبق، ورواية الزهري أصح، وقال الإمام أحمد: (كل من روى عن عائشة: ((الأقراء: الحيض) فقد أخطأ)، قال: (وعائشة تقول: الأقراء: الأطهار)، وكذا قال الشافعي، وأشار إلى أن رواية الزهري أصح من هذه الرواية، وحكى الحاكم عن بعض مشايخه أن حديث ابن الهاد غير محفوظ)) (فتح الباري ٢/ ١٦٦، ١٦٧).

стр. 14707

وكلام أحمد ذكرناه في باب الأقراء تحت حديث عائشة، وهو في (المسائل برواية أبي داود/ ص ٢٥٣)، و (شرح العلل ٢/ ٨٨٨، ٨٨٩)، و (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٣/ ١٠٣، ١٠٤). وقال ابن رجب أيضًا: ((وأحاديث الأمر بالغسل لكل صلاة كلها معلولة)) (الفتح ٢/ ٧٣). وقال النووي: ((وأما الأحاديث الواردة ... بالغسل لكل صلاة، فليس فيها شيء ثابت. وقد بَيَّن البيهقي ومَن قبله ضَعْفها. وإنما صح في هذا ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵂ اسْتَحَاضَتْ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي)) فكانت تغتسل عند كل صلاة)) (المجموع ٢/ ٥٣٦). وقال عنها في موضع آخر: ((ضعيفة لا يصح الاحتجاج بشيء منها)) (الخلاصة ١/ ٢٣٦/ ٦٣١). وأقره ابن الملقن في (البدر ٣/ ١٣٧)، والشوكاني في (النَّيْل ١/ ٣٠٢)، وصاحب (المرقاة ٢/ ٢٥٨/ ٥٦٠). هذا، وقد رُوي عن الزهري بمثل رواية ابن الهاد، لكنه منكر، لا يصح عنه كما تراه فيما يلي.

стр. 14708

رِوَايَةُ ((فَأَمَرَهَا بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ)): • وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ((أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَهَا [رَسُولُ اللهِ ﷺ ] بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، [فَإنْ كَانَتْ لَتَنغَمِسُ فِي المِرْكَنِ وَإِنَّهُ لَمَمْلُوءٌ مَاءً، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْهُ وَإِنَّ الدَّمَ لَعَالِيهِ، فَتُصَلِّي))]. • وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: ((أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَتَدْخُلُ المِرْكَنَ مَمْلُوءًا مَاءً فَتَنغَمِسُ (١) فِيهِ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْهُ وَإِنَّ الدَّمَ لَعَالِيهِ (٢) فَتَخْرُجُ فَتُصَلِّي)). [الحكم]: منكر. وأنكره: البيهقي، وابن بطال. وضَعَّفه: ابن عبد البر، والقرطبي، والنووي، والمنذري، وابن رجب، وابن الملقن، والقاري، والشوكاني. والمحفوظ أن المستحاضة أم حبيبة، وأنها كانت تغتسل لكل صلاة مِن قِبل نفسها، ولم تؤمر بذلك؛ كما نص عليه في أصل الحديث عند مسلم، وصوبه الشافعي وغيره. [التخريج]: تخريج السياقة الأولى: [د ٢٩٢ "واللفظ له" / مي ٧٩٤، ٨٠٢

стр. 14709

"والزيادتان له ولغيره" / طح (١/ ٩٨/ ٦٢٠) / هق ١٦٦٢ / محلى (٢/ ٢١٢)]. تخريج السياقة الثانية: [د عقب ٢٩٢ معلقًا مختصرًا / حم ٢٦٠٠٥ "واللفظ له"]. [التحقيق]: رواه أبو داود - ومن طريقه البيهقي وابن حزم - قال: حدثنا هناد بن السَّرِي، عن عبدة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به، دون الزيادتين. وأشار أبو داود إلى تتمته بقوله في آخره: ((وساق الحديث))، فهو المُختصِر له. وقد رواه أحمد والدارمي (٧٩٤)، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق به، إلا أن أحمد قال فيه: ((أن زينب بنت جحش))! ! بينما قال الدارمي: ((أن ابنة جحش))، ولم يسمها. ورواه الدارمي (٨٠٢) عن أحمد بن خالد الوهبي - ومن طريقه الطحاوي - عن ابن إسحاق به، وسماها: ((أم حبيبة)) كما عند أبي داود. وإسناده ضعيف؛ لأجل عنعنة ابن إسحاق، واضطرابه فيه، ومخالفته مَن هو أوثق منه. فأما عنعنته: فلأنه مدلس مشهور، فلا يُقبل منه إلا ما صرح فيه بالسماع. وأما اضطرابه: فمرة يرويه عن الزهري عن عروة عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش. وفي رواية يزيد بن هارون عنه: ((أن زينب بنت جحش))! ومرة يرويه عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة! كما سيأتي من (المسند ٢٧٤٤٥).

стр. 14710

وقيل عنه غير ذلك كما سبق في (بَابِ الأَقْرَاءِ) تحت حديث عائشة في شأن ابنة غيلان. وأما مخالفته مَن هو أوثق: فإن عامة أصحاب الزهري الثقات جعلوا اغتسال أم حبيبة موقوفًا عليها من فعلها، كما سبق في تخريج حديثها من الصحيحين وغيرهما. وذكرنا هناك أن في رواية الليث عند مسلم (٣٣٤/ ٦٣) وغيره: قال الليث بن سعد: ((لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي)). وفي روايته أيضًا عند أحمد، قال: قال ابن شهاب: ((لم يأمرها النبي ﷺ أن تغتسل عند كل صلاة، إنما فعلته هي)) (المسند ٢٤٥٢٣). وفي رواية ابن عيينة عند إسحاق (٥٦٧، ٢٠٦٢): ((فكانت تغتسل عند كل صلاة، ولم تقل: إن رسول الله ﷺ أمرها بذلك)). وعلقه أبو داود عن ابن عيينة في (السنن عقب رقم ٢٩٠) بنحوه. ولذا قال البيهقي: ((ورواية محمد بن إسحاق عن الزهري غلط؛ لمخالفتها سائر الروايات عن الزهري)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٦٣). وقال القرطبي: ((لم يُتابِع أصحاب الزهري ابن إسحاق على هذا)) (المفهم ١/ ٥٩٤). بينما قال المنذري: ((في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مُختلَف في الاحتجاج بحديثه)) (المختصر ١/ ١٨٨). وقال الشوكاني: ((في إسناده علل، منها: كونه في رجاله محمد بن إسحاق))

стр. 14711

(الفتح الرباني ٥/ ٢٥٩٨). وتَعَقب ابنُ دقيق في (الإمام ٣/ ٣١٦، ٣١٧)، وابن التركماني في (الجوهر ١/ ٣٥٢) -وتبعه الألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ٧٨) - كلام البيهقي بما لا طائل وراءه، حيث زعموا أن ليس هناك مخالفة حقيقية بين رواية ابن إسحاق ورواية الجماعة! ثم استشهدوا لروايته بمتابعات لا يُفرح بها: منها: رواية ابن الهاد، وقد تقدم بيان شذوذها. ومنها: ما علقه أبو داود عقب رواية ابن إسحاق، حيث قال: ((ورواه أبو الوليد الطيالسي - ولم أسمعه منه - عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتُحِيضَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : ((اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ))، وساق الحديث)). قال أبو داود: ((ورواه عبد الصمد عن سليمان بن كثير قال: ((تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ)). قال أبو داود: ((وهذا وهم من عبد الصمد، والقول فيه قول أبي الوليد)) (السنن عقب رقم ٢٩٢). ولذا قال الألباني - بعد أن أعل طريق ابن إسحاق بعنعنته فقط -: ((لكن الحديث صحيح؛ لأن له متابعًا وشواهد يأتي ذكرها))، ثم ذكر متابعة سليمان (صحيح أبي داود ٢/ ٧٦). وهذه المتابعة التي علقها أبو داود لم نجدها موصولة، وكذا قال الألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ٧٧). ومع ذلك، فهي متابعة واهية؛ فسليمان بن كثير ضعيف في روايته عن الزهري، وهو ظاهر كلام الذهلي والعقيلي والنسائي وغيرهم، كما في (تهذيب

стр. 14712

التهذيب ٤/ ٢١٦) ولذا قال فيه ابن حجر: ((لا بأس به في غير الزهري)) (التقريب ٢٦٠٢). قلنا: وقد وَهِم في هذا الحديث على الزهري. ويدل على ذلك أنه سمى صاحبة القصة ((زينب بنت جحش))، وإنما هي أم حبيبة كما رواه أصحاب الزهري. بل قد جاء في رواية عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عند مسلم (٣٣٤/ ٦٤) وغيره: قَالَتْ عَائِشَةُ: ((فَكَانَتْ - يَعْنِي: أُمَّ حَبِيبَةَ - تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حَتَّى تَعْلُو حُمْرَةُ الدَّمِ المَاءَ)). ولذا قال الألباني -رغم تصحيحه لإسناده! ! -: ((ومما وهم فيه على الزهري قوله: (زينب بنت جحش)؛ فإنه لم يتابعه على قوله هذا أحد من أصحاب الزهري، اللهم إلا ابن أبي ذئب في رواية الطيالسي عنه ... وخالفه معن -وهو ابن عيسى ... - وحسين المرورذي، وأسد- وهو ابن موسى- ويزيد- وهو ابن هارون- كلهم قالوا: عن ابن أبي ذئب: ((أم حبيبة بنت جحش))، وهذا هو الصواب! وأبو داود الطيالسي- مع جلالة قدره وكثرة حفظه- فقد نُسب إلى الخطأ! )) (صحيح أبي داود الأم ٢/ ٧٧). قلنا: رواية الطيالسي والآخرين عن ابن أبي ذئب جاء فيها: ((فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ))، وليس فيه الأمر بذلك كما سبق تخريجه في موضعه. فهذا مما أخطأ فيه سليمان أيضًا، فروايته هذه عن الزهري منكرة، ثم إنه قد اضطرب فيها أيضًا. فقد رواه البيهقي (١٦٦٣) من طريق مسلم بن إبراهيم، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتُحِيضَتْ أُخْتُ زَيْنَبَ

стр. 14713

بِنْتِ جَحْشٍ سَبْعَ سِنِينَ، فَكَانَتْ تَمْلَأُ مِرْكَنًا لَهَا مَاءً، ثُمَّ تَدْخُلُهُ حَتَّى تَعْلُوَ المَاءَ حُمْرَةُ الدَّمِ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضَةٍ، وَلَكِنَّهُ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي)). وأبو الوليد ومسلم ثقتان، فالحَمْل فيه على ابن كثير. ورواية مسلم أَوْلى بالصواب لكونها مسندة ومُوافِقة لرواية الثقات. ولذا قال البيهقي: ((ورواية أبي الوليد أيضًا غير محفوظة؛ فقد رواه مسلم بن إبراهيم، عن سليمان بن كثير كما رواه سائر الناس عن الزهري، أخبرناه ... )) وساقه بسنده، ثم قال: ((ليس فيه الأمر بالغسل لكل صلاة. وهذا أَوْلى لموافقته سائر الروايات عن الزهري)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٦٣). وقال أيضًا: ((وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري ... قال فيه: ((فَأَمَرَهَا بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ))، وكذلك رواه سليمان بن كثير، عن الزهري في إحدى الروايات عنه. والصحيح رواية الجمهور عن الزهري، وليس فيها الأمر بالغسل إلا مرة واحدة، ثم كانت تغتسل عند كل صلاة من عند نفسها)) (المعرفة ٢/ ١٦٣). وأقره المنذري في (المختصر ١/ ١٨٨). وقال ابن بطال: ((ومَن ذَكَر أن رسول الله ﷺ أَمَرها بالغسل لكل صلاة، فليس بحجة على من سكت عنه؛ لأن الحفاظ من أصحاب ابن شهاب لا يذكرونه)) (شرح صحيح البخاري ١/ ٤٥٨، ٤٥٩). وقال ابن رجب: ((وابن إسحاق وسليمان بن كثير في روايتهما عن الزهري اضطراب كثير، فلا يُحكم بروايتهما عنه مع مخالفة حفاظ أصحابه)) (الفتح

стр. 14714

٢/ ١٦٦). وقال ابن قدامة: ((حديث أم حبيبة إنما رُوِي عن الزهري، وأنكره الليث بن سعد فقال: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي)) (المغني ١/ ٤٠٤). ولذا قال ابن عبد البر: ((وأما الأحاديث المرفوعة في إيجاب الغسل لكل صلاة ... فكلها مضطربة، لا تجب بمثلها حجة)) (التمهيد ١٦/ ٩٩). وتعقبه عبد الحق في (الأحكام الوسطى ١/ ٢١٧) بأن غيره يرى أن اضطرابها غير ضار؛ لأنها مسندة من طرق صحاح! ! ويَرُده قول ابن رجب: ((وأحاديث الأمر بالغسل لكل صلاة كلها معلولة)) (الفتح ٢/ ٧٣). وقال النووي: ((وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أن النبي ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة، فليس فيها شيء ثابت، وقد بَيَّن البيهقي ومَن قبله ضعفها. وإنما صح في هذا ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ- ﵂ اسْتَحَاضَتْ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي))، فكانت تغتسل عند كل صلاة)) (المجموع ٢/ ٥٣٦). وقال عنها في موضع آخر: ((ضعيفة لا يصح الاحتجاج بشيء منها)) (الخلاصة ١/ ٢٣٦/ ٦٣١). وأقره ابن الملقن في (البدر ٣/ ١٣٧)، والشوكاني في (النَّيل ١/ ٣٠٢)، وصاحب المرقاة (٢/ ٢٥٨/ ٥٦٠).

стр. 14715

وقال ابن حجر: ((وأما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير وابن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث: ((فَأَمَرَهَا بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ)) فقد طعن الحفاظ في هذه الزيادة؛ لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها، وقد صرح الليث كما تقدم عند مسلم بأن الزهري لم يذكرها. لكن روى أبو داود من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن زينب بنت أبي سلمة في هذه القصة: ((فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)). فيُحمل الأمر على الندب جمعًا بين الروايتين)) (الفتح ١/ ٤٢٧). وشاهد زينب هذا اختُلف فيه على يحيى اختلافًا كثيرًا، ثم هو معل بالإرسال، وقد أعله ابن حجر نفسه في (النكت الظراف ١١/ ٣٢٥) كما سيأتي قريبًا. وبهذا يُعلم خطأ ابن حزم، حيث قال عن حديث ابن إسحاق وعن شاهد زينب هذا وغيرهما: ((وهذه آثار في غاية الصحة))! ! (المحلى ٢/ ٢١٣). ونحوه صنيع الألباني، فإنه رغم تسليمه بضعف سليمان في الزهري وخطئه في تسمية صاحبة القصة، رغم كل ذلك قال عن سند روايته قبل ما سبق عنه مباشرة: ((وهذا إسناد صحيح! رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ إلا أنهم تكلموا في سليمان بن كثير في روايته عن الزهري خاصة)) (صحيح أبي داود ٢/ ٧٦). وكأنه نسي أن هذا السند الذي صححه معلق! ولم يجده موصولًا! وكذا تصحيحه لرواية ابن إسحاق في الأمر بالغسل لكل صلاة، بـ: - متابعة سليمان بن كثير، وهي معلقة، واختُلف عليه فيها. - وطريق ابن الهاد الشاذ، المحكوم بأنه خطأ من قِبل الشافعي وغيره كما سبق.

стр. 14716

- وشاهد أبي سلمة المرسل المختلف في إسناده اختلافًا يصل إلى حد الاضطراب. في حين أنه خَطَّأ تسمية سليمان للمستحاضة بزينب في نفس الرواية، رغم أنه توافر له أحسن مما توافر للأول، مِن: - متابعة ابن إسحاق، وهي مسندة، واختُلف عليه فيها. - طريق الطيالسي الشاذ، والمحكوم بأنه خطأ من قِبل الدَّارَقُطْنِيّ وغيره كما سبق. - وشاهد زينب بنت أبي سلمة المخرج في (الموطأ ١٥٩) وهو موصول صحيح الإسناد، فهو خير من مرسل أبي سلمة. وقد تعرض له الشيخ أيضًا، ولم يرتضِ الجمع بينه وبين المحفوظ في اسمها بما ذكره عن ابن القيم في (صحيح أبي داود ٢/ ٧٧، ٧٨). ورأى الشيخ أن كل ذلك خطأ، وهو مصيب في ذلك، والخطأ لا يتقوى بغيره ولا يقوي غيره، فلا عبرة بتعدد طرقه. قلنا: كذلك الشأن في روايات الأمر بالغسل عند كل صلاة: فرواية ابن إسحاق ورواية سليمان كلتاهما خطأ على الزهري. ورواية ابن الهاد شاذة أيضًا. فلم يَبْقَ سوى مرسل أبي سلمة، وهو - بِغَضّ النظر عن الاضطراب الحاصل في سنده - لا ينهض للاحتجاج به، وتقويتُه بما ثبت خطؤه كتقويته بما لا وجود له! وأجاب الشوكاني بجواب آخر، فقال: ((فإن قلت: هذه الأحاديث وإن كان في كل واحد منها مقال لا ينتهض معه للاستدلال، لكنها تنتهض بمجموعها ويشهد بعضها لبعض، فيكون من الحَسَن

стр. 14717

لغيره، وهو معمول به. ومع هذا فقد صحح بعضها بعض الأئمة، وحَسَّن بعضَها بعض آخر منهم! قلت (القائل هو الشوكاني): ((أما تصحيح من صحح بعضها، وتحسين مَن حَسَّن بعضها؛ فقد قَدَّمنا أنه لم يقع موقعه وأنه وهمٌ من قائله. وأما شهادة بعضها لبعض وانتهاض بعضها للاستدلال، فهو إنما يكون لو كانت سالمة من مُعارِض هو أنهض منها. ولم تَسْلَم هذه الأحاديث من معارض، بل عورضت بما هو صحيح بلا خلاف، وهو أنه لا يجب عليها إلا غسل واحد عند إدبار وقت الحيضة، ولا يلزمها تجديد الغسل لكل صلاة أو للصلاتين، وكذلك لا يلزمها تجديد وضوء لكل صلاة أو للصلاتين)) (الفتح الرباني ٥/ ٢٦٠٦). هذا، وقد قال البيهقي بعد أن أعل هذه الطرق: ((وقد رُوي الأمر بالغسل لكل صلاة من أوجه أُخَر كلها ضعيفة)) (المعرفة ٢٢١٣). وانظر هذه الوجوه في بقية شواهد الباب. [تنبيهان]: الأول: قال القسطلاني: ((وما في مسلم من قوله: ((فَأَمَرَهَا بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ)) طَعَن فيه النقاد؛ لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها)) (شرح صحيح البخاري ١/ ٣٦٣). كذا زعم أنه في مسلم، وهو وهم، فلم يُخرج مسلم هذه الرواية. الثاني: ترجم أبو نعيم في (المعرفة ٣٨٨٨) لـ ((زينب بنت جحش))، وقال: ((مختلف في اسمها، فقيل: حبيبة، وقيل: أم حبيبة، كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، ذكرها المتأخر.

стр. 14718

وأخرج لها حديث يحيى بن سعيد، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ - امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- غَلَبَهَا الدَّمُ زَمَانًا، وَأَنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: أَفَلَا أُصَلِّي؟ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ)). (ذكره) المتأخر من حديث يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، وقال: (رواه يحيى بن أيوب وغيره، عن يحيى بن سعيد، وقالوا: حبيبة بنت جحش). ورواه أيضًا بهذا اللفظ: أبو ضمرة، عن يحيى بن سعيد، عَنْ عَمْرَةَ: أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- غَلَبَهَا الدَّمُ زَمَانًا ... فذكر مثله. ورواه الزهري عن عروة وعمرة، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ: أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ وَعَلَتْ حُمْرَةُ الدَّمِ عَلَى المِرْكَنِ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ)). قال أبو نعيم: ((وذِكر زينب في هذا الحديث وهم من بعض النَّقَلة؛ فإن المستفتية في الاستحاضة من آل جحش حمنة وحبيبة أو أم حبيبة، لا يُعرف لزينب في الاستحاضة أصل)) (معرفة الصحابة ص ٣٣٤٢ - ٣٣٤٣). وقد جَمَع ابن القيم بين ما ورد هنا من تسمية المستحاضة بـ ((زينب بنت جحش)) وبين المحفوظ من تسميتها بأم حبيبة- بما نقله السهيلي عن بعض شيوخه أنه قال: ((أم حبيبة كان اسمها زينب، فهما زينبان، غلبت على إحداهما الكنية، وعلى الأخرى الاسم)). وبهذا أجيب عما ورد في ((الموطأ)) من طريق عروة عن زينب بنت أبي سلمة. واعترض الألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ٧٨) على هذا الجمع- بالاختلاف

стр. 14719

على مالك، وأن الدَّارَقُطْنِيّ صوب أن أم حبيبة اسمها حبيبة. وقد سبق كلامه عقب حديث عائشة في (باب الاستحاضة لا تمنع من الصلاة)، وانظر الكلام على حديث زينب هناك، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ). هذا، وقول أبي نعيم: ((رواه الزهري عن عروة وعمرة عن أم حبيبة بنت جحش أنها استحيضت ... فأمرها النبي ﷺ بالغسل لكل صلاة)) ليس بصواب؛ إذ المحفوظ عن الزهري أنه رواه عنهما عن عائشة، وليس فيه الأمر المذكور، بل جزم الزهري بأنها لم تؤمر بذلك كما سبق.

стр. 14720

٣٤٠٢ - حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ: ◼ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂: ((أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ((فَأَمَرَهَا بِالغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ))، وَإِنْ كَانَتْ لَتَخْرُجُ مِنَ المِرْكَنِ، وَقَدْ عَلَتْ حُمرَةُ الدَّمِ عَلَى المَاء، فَتُصَلِّي)). [الحكم]: منكر. وسنده ضعيف مضطرب. والمحفوظ أنها كانت تغتسل لكل صلاة مِن قِبل نفسها، ولم تؤمر بذلك كما نص عليه في أصل الحديث عند مسلم، وصوبه الشافعي، وتبعه البيهقي وابن رجب وغيرهم كما سبق. [التخريج]: [حم ٢٧٤٤٥ "واللفظ له" / صحا ٧٩٠١ / محلى (٢/ ١٢) / أسد (٧/ ٣٠٢)]. [السند]: رواه أحمد -ومن طريقه الباقون- قال: حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة، به. [التحقيق]: هذا إسناد ضعيف؛ لأجل عنعنة ابن إسحاق، واضطرابه فيه، ومخالفته أصحاب الزهري، ممن هم أثبت منه وأكثر عددًا. وقد تقدم بيانه مفصلًا في الحديث السابق. [تنبيه]: قال أبو نعيم عقب هذا الحديث: ((ورواه معمر والأوزاعي، عن الزهري، عن عمرة، عن أم حبيبة بنت جحش، نحوه)).

стр. 14721

قلنا: في رواية معمر والأوزاعي: ((فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ))، وليس في روايتيهما أنها أُمرت بذلك. ثم إن الأوزاعي جعله من حديث عائشة، وكذا رواه عامة أصحاب الزهري كما سبق في (باب الاستحاضة لا تمنع من الصلاة). ومثل ما سبق قوله أيضًا في ترجمة زينب بنت جحش من (المعرفة، ص ٣٨٨٨): ((ورواه الزهري عن عروة وعمرة، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ ... فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ)) (المعرفة ص ٣٣٤٢). وقد بينا فيما سبق آنفًا أن هذا وهم أيضًا.

стр. 14722

٣٤٠٣ - حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ: ◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: ((أَنَّهَا كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ، وَأَنَّهَا كَانَتْ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)). [الحكم]: منكر، وسنده واهٍ. [التخريج]: [عب ١١٨٤]. [السند]: رواه عبد الرزاق: (١) عن يحيى بن أبي كثير، عن أم سلمة، به. [التحقيق]: هذا إسناد واهٍ؛ فيه علتان: الأولى: انقطاعه فيما بين عبد الرزاق ويحيى؛ فقد مات يحيى وعُمْر عبد الرزاق ست سنوات. الثانية: انقطاعه فيما بين يحيى وأم سلمة، فإنه لم يدركها. ونخشى أن يكون أصل هذا الحديث هو ما رواه ابن راهويه (٢٠٦٠) عن عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ

стр. 14723

بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ ... فذكر مثله. يعني: مثل ما قبله (٢٠٥٩)، وهو حديث الدستوائي، عن يحيى، نَا أَبُو سَلَمَةَ: ((أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي))، وسيأتي قريبًا. فإن كان ما نخشاه صوابًا، فقد سقط من المصنف (عن معمر)، وانقلب قوله: (أبي سلمة) إلى: (أم سلمة)، وصارت هي المستحاضة. وقد يكون بعض ذلك من النساخ، وبعضه من الدَّبَري راوي المصنف، فكثيرًا ما يهم فيه على عبد الرزاق. والله أعلم.

стр. 14724

٣٤٠٤ - حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ: ◼ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ﵂: ((أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّيَ)). [الحكم]: ضعيف معلول. وضَعَّفه: أبو حاتم الرازي، وابن القطان، وابن رجب، ومغلطاي. وظاهر صنيع البيهقي أنه يعله. وكذا أعله ابن حجر. [التخريج]: [د ٢٩٣ "واللفظ له" / جا ١١٥/ هق ١٦٦٨/ تمهيد (١٦/ ٨٩) / مبهم (١/ ٦٠) / محلى (٢/ ٢١١ - ٢١٢)]. [السند]: قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن الحسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة، به. ومداره عندهم على أبي معمر، به. وعبد الوارث هو ابن سعيد. والحسين هو ابن ذَكْوان المعلم. وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. [التحقيق]: هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير أن رواية زينب بنت أبي سلمة عن النبي ﷺ مرسلة على الصحيح؛ ولذا قال العجلي: ((تابعية مدنية ثقة)) (معرفة الثقات وغيرهم ٢٣٣٧).

стр. 14725

وبهذا أعله أبو حاتم الرازي، فقال: ((هو مرسل)) (العلل ١/ ٥٧٩). وأقره مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ١٢٣). وقال ابن رجب: ((رواية زينب بنت أبي سلمة مرسلة أيضًا)) (الفتح ٢/ ١٦٧). وقال ابن القطان: ((هو حديث مرسل فيما أرى، وزينب ربيبة النبي ﷺ معدودة في التابعيات، وإن كانت إنما وُلدت بأرض الحبشة، فهي إنما تَروي عن عائشة وأمها أم سلمة)) (بيان الوهم والإيهام ٢/ ٥٤٩). قوله: ((إنما وُلدت بأرض الحبشة)) مأخوذ عن الواقدي. قال الحافظ ابن حجر: ((وفيه نظر، ففي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح ما يرده، ويدل عليه أن أمها لما تزوجت النبي ﵌ بعد موت أبي سلمة كانت زينب ما فُطمت بعد)) (تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٢١). وخالف ابن حزم، فقال: ((زينب هذه ربيبة رسول الله ﷺ ، نشأت في حجره ﵇، ولها صحبة به ﵇). ثم قال عن هذا الحديث وغيره: ((وهذه آثار في غاية الصحة))! ! (المحلى ٢/ ٢١٢، ٢١٣). وقال ابن القيم - متعقبًا إعلال ابن القطان -: ((وهذا تعليل فاسد؛ فإنها معروفة الرواية عن النبي ﷺ وعن أمها وأم حبيبة وزينب. وقد أخرج النسائي وابن ماجه هذا الحديث من روايتها عن أم سلمة. والله أعلم. وقد حفظت عن النبي ﷺ ، ودخلت عليه وهو يغتسل، فنضح في وجهها، فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كَبِرت)) (الحاشية ١/ ٣٣٣).

стр. 14726

ورَدَّ تعقبه الألباني، فقال: ((والحق أن أحاديث زينب هذه مرسلة كما ذهب إليه ابن القطان؛ فإننا لم نجد لها رواية فيها التصريح بسماعها منه ﷺ . وهي وإن كانت ثبت لها رؤية، فهي - من هذه الحيثية - صحابية في أصح الأقوال، ولكنها من حيث الرواية تابعية؛ لأنها لم تكن قد بلغت سن التمييز حين وفاته ﵇، فقد كان عمرها آنئذٍ بين السادسة والسابعة؛ لأن النبي ﷺ كان قد تزوج أمها أم سلمة في السنة الرابعة من الهجرة على الصحيح، كما في التهذيب، وكانت زينب حينئذٍ لا تزال ترضع، كما روى الحاكم (١) وأحمد (٢). فقول ابن القيم: (إنها قد حفظت عن النبي ﷺ ! مع أنه مما لا دليل عليه- لا تساعده هذه الرواية الصحيحة. ثم هو مُعارَض بقول الحافظ ابن حجر في (الإصابة): ((وأظن أنها لم تحفظ))؛ ولذلك ذكرها العجلي في ((ثقات التابعين)). قال الحافظ: ((كأنه كان يشترط للصحبة البلوغ، وأظن أنها لم تحفظ)). قال: (وذَكَرها ابن سعد فيمن لم يَرْوِ عن النبي ﷺ شيئًا، وروى عن أزواجه). وأما دخول زينب على النبي ﷺ وهو يغتسل؛ فقد أشار ابن عبد البر في (الاستيعاب) إلى ضعف الرواية بذلك. وقد ذكره الحافظ من طريق عَطَّاف بن خالد عن أمه عن زينب. وأم عطاف هذه لم أعرفها، ولم أجد من ذكرها! والله أعلم. ثم إن قول ابن القيم: (إن النسائي وابن ماجه أخرجا هذا الحديث من

стр. 14727

رواية زينب عن أم سلمة)! فخطأ بَيِّن؛ فليس عندهما هذا الحديث البتة من رواية زينب عنها؛ بل ولا هو عند غيرهما من هذا الوجه. وإنما لأم سلمة حديث آخر في الاستحاضة، وليس فيه الغسل لكل صلاة، وهو الذي أخرجه النسائي وابن ماجه. فالظاهر أن هذه الرواية هي منشأ خطأ ابن القيم ﵀، ظن أنها من رواية زينب عن أم سلمة. والمعصوم من عصمه الله)) (صحيح أبي داود ٢/ ٨١، ٨٢)، وكلام الحافظ في (الإصابة ١١٣٧٢). ولكن الألباني بعدما رجح إرساله، صححه بما سبق من شواهد! فقال: ((وبعد هذا كله، فإني أرى جازمًا أن الحديث صحيح على كل حال؛ لأنه مرسل صحيح الإسناد، وقد جاء موصولًا من وجوه أخرى كما سبق)) (صحيح أبي داود ٢/ ٨٣). قلنا: قد بينا فيما سبق أن الأمر بالغسل عند كل صلاة لم يأتِ من وجه صحيح، والوجوه المشار إليها كلها منكرة. ثم إن هذا المرسل له علة أخرى، لا يتجه معها القول بصحته، وهي أنه قد اختُلف في سنده اختلافًا كثيرًا، يصل إلى حد الاضطراب. وبإعمال الترجيح يترجح وجهٌ غير الوجه السابق كما يلي. فهذا الحديث اختُلف فيه على يحيى بن أبي كثير: فرواه حسين المعلم، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: أخبرتني زينب ... به. كما سبق. وخالفه هشام الدستوائي وحرب بن شداد ومعمر، فرووه عن يحيى عن أبي سلمة: أن أم حبيبة ... به مرسلًا. رواه ابن راهويه، والدارمي،

стр. 14728

والبيهقي وغيرهم، وسيأتي. ورواه أبان بن يزيد العطار عن يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم حبيبة، أنها سألت ... الحديث. وسيأتي أيضًا. وقيل: عن هشام ومعمر عن يحيى، بمثل رواية أبان. وهو غير محفوظ كما سيأتي. ورواه الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة وعكرمة -وفي رواية: عن أبي سلمة أو عكرمة-: أن زينب بنت أم سلمة كانت تعتكف مع رسول الله ﷺ وهى تهريق الدم ... الحديث. فزاد (عكرمة) في سنده، وجعل المستحاضة زينب بنت أم سلمة. وهو وهم كما سيأتي. فتَحَصَّل عندنا أربعة وجوه: أحدها: يرويه الحسين المعلم. والثاني: يرويه هشام وحرب ومعمر. والثالث: يرويه أبان العطار. والرابع: يرويه الأوزاعي. وكل هؤلاء ثقات، فالأقرب أن يُحمل فيه على يحيى، فيكون اضطرابًا. وهذا أَوْلى من توهيم أبان وحسين معًا، لاسيما وقد جزم الدَّارَقُطْنِيّ بأن معمرًا تابع أبانًا، فيحتمل أنه حفظ الوجهين عن يحيى. فأما الأوزاعي، فقوله وهم بلا خلاف كما سيأتي في موضعه. وأعمل الدَّارَقُطْنِيّ الترجيح، فقال عقب رواية حسين المعلم: ((وهو أشبه الأقاويل بالصواب)) (العلل ٩/ ٣٨٤).

стр. 14729

قلنا: ليس حسين بأَوْلى من الدستوائي، لاسيما وقد توبع كما سبق. ولذا قال ابن رجب: ((اختُلف في إسناده على يحيى، والصحيح عنه عن أبي سلمة مرسلًا. قاله أبو حاتم)) (الفتح ٢/ ١٦٧). كذا عزاه لأبي حاتم، ولكن ظاهر كلام أبي حاتم لا يفيد ذلك صراحة. قال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي عن حديث رواه هشام ومعمر وغيرهما، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم حبيبة، أنها استحيضت ... فلم يثبته، وقال: الصحيح عن هشام الدستوائي: عن يحيى، عن أبي سلمة: أن أم حبيبة سألت النبي ﷺ ... وهو مرسل، وكذا يرويه حرب بن شداد)) (العلل ١١٩). فابن أبي حاتم ذكر لأبيه وجهًا عن هشام ومعمر يخالف المحفوظ عنهما؛ ولذا لم يثبته أبوه، ثم بَيَّن أن الصحيح عن هشام ما ذكر، ثم قال: ((وقال الحسين المعلم ... ))، فذَكَر قوله، وحَكَم بإرساله كما سبق، ولم يرجح بين قوله وقول هشام وحرب. نعم، عدم اعتداده بالوجه المذكور عن هشام ومعمر وغيرهما قد يفيد ذلك، لاسيما إن كان المراد بغيرهما هو أبان العطار. ولكن يحتمل أنه لم يره ثابتًا عمن سُمي فقط، فبَيَّن المحفوظ عن أحدهما، ولم يتعرض للترجيح بين أصحاب يحيى. والله أعلم. وظاهر صنيع البيهقي أنه يعل رواية حسين برواية هشام، حيث قال: ((كذلك رواه حسين المعلم، وخالفه هشام الدستوائي فأرسله)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٦٨). قال ابن دقيق: ((كأن مقصوده في هذا التعليل بالإرسال من جهة هشام

стр. 14730

الدستوائي)) (الإمام ٣/ ٣٢١ مع اختصار يسير). وهو المراد من صنيع ابن حجر أيضًا، حيث علق على حديث الحسين قائلًا: ((قال ابن أبي حاتم في (العلل): سألت أبي عنه، فلم يثبته)). ثم قال الحافظ: ((وقد خالفه هشام الدستوائي ومعمر وغيرهما، فقالوا: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أم حبيبة: أنها استحيضت ... )) (النكت الظراف ١١/ ٣٢٥). وفي صنيعه هذا وهم غريب، فالذي سئل عنه أبو حاتم ولم يثبته هو الوجه الذي نسبه الحافظ لهشام ومعمر! ! وليس حديث الحسين! ثم إن المحفوظ عن هشام أنه قال فيه: ((أن أم حبيبة))، وليس ((عن أم حبيبة)) كما سبق. قلنا: وذَكَر البيهقي له علة أخرى، وهي أنه رُوي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أفتى بخلافه. قال البيهقي: "وهو لا يخالف النبي ﷺ فيما يرويه عنه". ثم أسند في (السنن الكبير ١٦٧٢) من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: ((تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ)). وقال ابن دقيق العيد - معقبًا على هذا الوجه -: "قلت: قد أخرج البيهقي حديث هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي سلمة المرسل. وهشام من الثقات الحفاظ. وكذلك حديث حسين المعلم عن يحيى، عن أبي سلمة، عن زينب. وعلى كل حال - مسندًا أو مرسلًا - فقد رواه، فلابد من جواب عن مخالفته لما رواه" (الإمام ٣/ ٣٢٢). قلنا: الجواب عن ذلك أن السند بفتواه تلك ليس بالقوي، ففيه عمر بن

стр. 14731

أبي سلمة، والجمهور على تضعيفه. انظر (تهذيب التهذيب ٧/ ٤٥٦). وقال الحافظ: "صدوق يخطئ" (التقريب ٤٩١٠). هذا، وبالرغم مما سبق قال صاحب (عون المعبود ١/ ٣٣٣): ((حديث أبي سلمة هذا إسناده حسن، ليس فيه علة))! !

стр. 14732

٣٤٠٥ - حَدِيثٌ آخَرُ لِأُمِّ حَبِيبَةَ: ◼ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂، أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَتْ: إِنِّي أَهرَاقُ الدَّمَ؟ ! ((فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّيَ)). [الحكم]: إسناده ضعيف معلول. وأعله: أبو حاتم الرازي، وابن رجب. وضَعَّفه ابن المُلَقِّن. وهو ظاهر صنيع ابن عبد البر والنووي. [التخريج]: [غيل ٥٨٧ واللفظ له/ تمهيد (١٦/ ٨٩) / عيل (كثير - إمام ٣/ ٣١٧، ٣١٨) / محلى (٢/ ٢١١) / سلفي (الجزء الثالث ٢١) / شبيل (١/ ٥٢٨، ٥٢٩)]. [التحقيق]: رواه أبو بكر الشافعي في (الغيلانيات ٥٨٧) -ومن طريقه السلفي في (المشيخة) - قال: حدثني إسحاق بن الحسن، ثنا مسلم، ثنا هشام وأبان، عن يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم حبيبة، به. كذا وقع فيه، حمل رواية هشام -وهو الدستوائي- على رواية أبان. وهو وهم؛ فقد رواه ابن عبد البر في (التمهيد ١٦/ ٨٩) من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا مسلم قال: حدثنا أبان وهشام الدستوائي قالا: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. قال أبان: عن أم حبيبة. وقال هشام: أن أم حبيبة سألت ... إلخ. ففَرْق بين رواية أبان المسندة ورواية هشام المرسلة. وإسماعيل القاضي أَجَلّ وأثبت من إسحاق بن الحسن الحربي، وإن كانا جميعًا ثقتين.

стр. 14733

ويؤيد رواية القاضي أن البيهقي رواه في (الكبرى ١٦٦٩) من طريق أبي مسلم الكَجي عن مسلم بن إبراهيم به، مثل رواية القاضي. وكذا رواه ابن عُلَيَّة ومعاذ ويزيد بن هارون ووهب بن جرير عن هشام الدستوائي، كما سيأتي قريبًا. نعم، رواه ابن حزم -ومن طريقه عبد الحق- من طريق علان، عن بُندار، عن وهب بن جرير، عن هشام به: ((عن أم حبيبة))، مثل رواية الحربي عن مسلم عن هشام. ولكن هذا وهم أيضًا، لعله من علان، أو من ابن حزم نفسه، فقد رواه الدارمي (٩٢٤) عن وهب عن هشام، وأرسله مثل رواية الجماعة. وقد سئل أبو حاتم عن رواية هشام ومعمر وغيرهما عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أم حبيبة ... فلم يثبتها، وقال: ((الصحيح عن هشام الدستوائي: عن يحيى عن أبي سلمة: أن أم حبيبة سألت ... وهو مرسل)) (العلل ١١٩). ورواية معمر خرجها الإسماعيلي في (حديث يحيى) كما في (الإمام) عن ثلاثة من شيوخه، لكنه لم يَذكر مَن بينهم وبين معمر، وقد جزم الدَّارَقُطْنِيّ بأن معمرًا رواه هكذا مسندًا. وقد رواه ابن راهويه عن عبد الرزاق عن معمر به مرسلًا، مثل رواية الجماعة عن هشام. وهذا أَوْلى بالصواب، فلعل في سند الإسماعيلي مَن لا يُحتج به. ويدل عليه أن أبا حاتم لم يعبأ بهذا الوجه عن معمر ولم يثبته، وإلا فلعل معمرًا حفظ الوجهين كما سبق.

стр. 14734

أما رواية أبان، فقد اختُلف عليه فيها أيضًا: فرواه الإسماعيلي عن عبد الله بن صالح، عن يوسف -وهو ابن موسى بن راشد-، عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان القطان، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن بنت جحش: ... الحديث، أسقط منه أبا سلمة؛ ولذا قال الإسماعيلي: ((وعن بنت جحش، مرسل)) (الإمام ٣/ ٣١٨). يعني: منقطع؛ فيحيى لم يدركها. وهذا وإن كان رجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عن مسلم عن أبان فيه ذِكر أبي سلمة كما سبق عن القاضي والحربي. وهكذا رواه الإسماعيلي من طرق عن أبان، به. وفيه علتان: الأولى: الانقطاع، فأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أم حبيبة. قاله أبو حاتم الرازي كما في (المراسيل لابن أبي حاتم ٩٥٠). وأقره الألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ٨٤)، غير أنه صححه بالشواهد كما مر. الثانية: الاضطراب في سنده كما بيَّنَّاه فيما سبق، خاصة لو صح الوجهان المرويان عن معمر. ولو أعملنا الترجيح، فالأَوْلى بالصواب هو قول هشام ومَن تابعه عن يحيى عن أبي سلمة: أن أم حبيبة ... مرسلًا. قال ابن رجب: ((اختُلف في إسناده على يحيى، والصحيح عنه عن أبي سلمة مرسلًا، قاله أبو حاتم ... وقيل: عنه عن أبي سلمة عن أم حبيبة، ولا يصح)) (الفتح ٢/ ١٦٧).

стр. 14735

وكذا رجح البيهقي هذا الوجه المرسل، انظر تحقيق الحديث السابق. وقد ضَعَّف ابن عبد البر والنووي وابن الملقن جميع الأحاديث التي ورد فيها الأمر بالغسل لكل صلاة، كما ذكرناه عنهم تحت حديث عائشة أول الباب.

стр. 14736

٣٤٠٦ - حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا: ◼ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّيَ)). [الحكم]: ضعيف لإرساله. وبهذا أعله: أبو حاتم الرازي والبيهقي وابن رجب. وفي سنده اختلاف كثير. وقد ضَعَّفه: ابن عبد البر والنووي والشوكاني. [التخريج]: [مي ٩٢٤/ حق ٢٠٥٩ واللفظ له، ٢٠٦٠/ ص (كنز ٢٧٧٥٤) / هق ١٦٦٩/ تمهيد (١٦/ ٨٩)]. [السند]: رواه الدارمي عن يزيد بن هارون، ووهب بن جرير. ورواه ابن رهويه عن معاذ بن هشام، صاحب الدستوائي. ورواه سعيد بن منصور كما في (الكنز) عن إسماعيل ابن عُلَيَّة. ورواه البيهقي وابن عبد البر من طريق مسلم بن إبراهيم الفراهيدي. خمستهم: عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، به. وتوبع عليه هشام: فرواه ابن رهويه عن عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، به مثله.

стр. 14737

وذَكَر أبو حاتم لهما مُتابِعًا ثالثًا، وهو حرب بن شداد (العلل ١١٩). فمداره عندهم على يحيى بن أبي كثير. [التحقيق]: رجال إسناده ثقات، لكنه مرسل، فأبو سلمة بن عبد الرحمن تابعي، لم يدرك القصة، ولم يذكر عمن تَحَمَّله، وهو لم يسمع من أم حبيبة كما سبق؛ فحديثه هذا مرسل. وبهذا جزم أبو حاتم الرازي والبيهقي وابن رجب، وقد سبق كلامهم. ثم إن إسناده مُختلَف فيه اختلافًا كثيرًا، قد يصل إلى حد الاضطراب كما سبق بيانه. وقد ضَعَّف ابن عبد البر والنووي والشوكاني وغيرهم جميع الأحاديث التي ورد فيها الأمر بالغسل لكل صلاة، كما ذكرناه عنهم تحت حديث عائشة أول الباب.

стр. 14738

٣٤٠٧ - حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ وَعِكْرِمَةَ مُرْسَلًا: ◼ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ - أَوْ: عِكْرَمَةُ- قَالَ: ((كَانَتْ زَينَبُ تَعْتَكِفُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ تُرِيقُ الدَّمَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)). • وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَعِكْرَمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ كَانَتْ تَعْتَكِفُ [المَسْجدَ] مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهِيَ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ (لِكُلِّ صَلَاةٍ))). [الحكم]: منكر. وأنكره: الدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي والذهبي وابن رجب. وهو مرسل مضطرب الإسناد. والمحفوظ أن المستحاضة أم حبيبة، ولم تؤمر بالغسل لكل صلاة. [التخريج]: تخريج السياقة الأولى: [مي ٩٢١]. تخريج السياقة الثانية: [عيل (كثير - إمام ٣/ ٣٢١) "واللفظ له" / هق ١٦٧٠ "والرواية له" / فحيم ٣٣ "والزيادة له"]. [التحقيق]: مداره بهذا اللفظ على الأوزاعي، وقد اختُلف عليه فيه على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: رواه الدارمي عن محمد بن يوسف، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة- أو: عكرمة- قال: ... فذكره مرسلًا

стр. 14739

بلفظ السياقة الأولى. وابن يوسف هو الفريابي، وقد تابعه البابلتي كما في (العلل للدارقطني ٤٠٩١). الوجه الثاني: رواه الإسماعيلي في حديث يحيى كما في (الإمام لابن دقيق) من طريق هشام بن عمار عن ابن أبي العشرين. ورواه البيهقي من طريق بشر بن بكر، كلاهما عن أبي عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة وعكرمة مولى ابن عباس: أن زينب ... فذكره مرسلًا بلفظ السياقة الثانية. ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، واختُلف عليه: فرواه ابن دُحَيْم في (فوائده) عن هشام بن عمار، عن الوليد، عن الأوزاعي - بمثل رواية ابن أبي العشرين، وبشر بن بكر -، عن يحيى، عن أبي سلمة وعكرمة: أن زينب ... مرسلًا. ويبدو أن هشامًا وَهِم فيه على الوليد؛ فقد رواه ابن دحيم في (فوائده) عن محمود بن خالد المروزي، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة وعكرمة، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ: ((أَنَّهَا كَانَتْ تَعْتَكِفُ المَسْجِدَ وَهِيَ تُهْرَاقُ الدَّمَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ... )) ولم يذكر بقية المتن. ومحمود ثقة، وقد توبع: فرواه الإسماعيلي كما في (الإمام لابن دقيق ٣/ ٣٢١) من طريق أبي الوليد القرشي - وهو عبد الملك بن أصبغ -، عن الوليد بنحوه (١). وهذا هو الوجه الثالث.

стр. 14740

فهذه ثلاثة أوجه عن الأوزاعي تدل على اضطرابه فيه. ورواية الفريابي ومَن تابعه، ورواية بشر ومن تابعه- مرسلتان. وقد أخطأ فيه الأوزاعي من وجهين: الأول: ذِكر عكرمة في السند، ولم يذكره أحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير غيره. قال الدَّارَقُطْنِيّ: ((وقول الأوزاعي وَهْم، ولم يذكر أحد من أصحاب يحيى في حديثه عكرمة غير الأوزاعي)) (العلل ٤٠٩١). الثانية: جَعْل المستحاضة زينب بنت أم سلمة. قال الذهبي: ((هذا غلط؛ زينب لا حاضت ولا اعتكفت مع رسول الله ﷺ ، كانت صغيرة جدًّا. وجاء عن عكرمة ما يخالف هذا)) (المهذب ١/ ٣٤١). وقال ابن رجب: ((ورواه الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة مرسلًا، وجَعَل المستحاضة زينب بنت أبي سلمة، وهو وهم فاحش؛ فإن زينب حينئذٍ كانت صغيرة)) (الفتح ٢/ ١٦٧).
следующие страницы →