٣٤٠٦ - حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّيَ)).
[الحكم]: ضعيف لإرساله. وبهذا أعله: أبو حاتم الرازي والبيهقي وابن رجب. وفي سنده اختلاف كثير. وقد ضَعَّفه: ابن عبد البر والنووي والشوكاني.
[التخريج]:
[مي ٩٢٤/ حق ٢٠٥٩ واللفظ له، ٢٠٦٠/ ص (كنز ٢٧٧٥٤) / هق ١٦٦٩/ تمهيد (١٦/ ٨٩)].
[السند]:
رواه الدارمي عن يزيد بن هارون، ووهب بن جرير.
ورواه ابن رهويه عن معاذ بن هشام، صاحب الدستوائي.
ورواه سعيد بن منصور كما في (الكنز) عن إسماعيل ابن عُلَيَّة.
ورواه البيهقي وابن عبد البر من طريق مسلم بن إبراهيم الفراهيدي.
خمستهم: عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، به.
وتوبع عليه هشام:
فرواه ابن رهويه عن عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، به مثله.
стр. 14737
وذَكَر أبو حاتم لهما مُتابِعًا ثالثًا، وهو حرب بن شداد (العلل ١١٩).
فمداره عندهم على يحيى بن أبي كثير.
[التحقيق]:
رجال إسناده ثقات، لكنه مرسل، فأبو سلمة بن عبد الرحمن تابعي، لم يدرك القصة، ولم يذكر عمن تَحَمَّله، وهو لم يسمع من أم حبيبة كما سبق؛ فحديثه هذا مرسل. وبهذا جزم أبو حاتم الرازي والبيهقي وابن رجب، وقد سبق كلامهم.
ثم إن إسناده مُختلَف فيه اختلافًا كثيرًا، قد يصل إلى حد الاضطراب كما سبق بيانه.
وقد ضَعَّف ابن عبد البر والنووي والشوكاني وغيرهم جميع الأحاديث التي ورد فيها الأمر بالغسل لكل صلاة، كما ذكرناه عنهم تحت حديث عائشة أول الباب.
стр. 14738
٣٤٠٧ - حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ وَعِكْرِمَةَ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ - أَوْ: عِكْرَمَةُ- قَالَ: ((كَانَتْ زَينَبُ تَعْتَكِفُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ تُرِيقُ الدَّمَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَعِكْرَمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ كَانَتْ تَعْتَكِفُ [المَسْجدَ] مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهِيَ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ (لِكُلِّ صَلَاةٍ))).
[الحكم]: منكر. وأنكره: الدَّارَقُطْنِيّ والبيهقي والذهبي وابن رجب. وهو مرسل مضطرب الإسناد. والمحفوظ أن المستحاضة أم حبيبة، ولم تؤمر بالغسل لكل صلاة.
[التخريج]:
تخريج السياقة الأولى: [مي ٩٢١].
تخريج السياقة الثانية: [عيل (كثير - إمام ٣/ ٣٢١) "واللفظ له" / هق ١٦٧٠ "والرواية له" / فحيم ٣٣ "والزيادة له"].
[التحقيق]:
مداره بهذا اللفظ على الأوزاعي، وقد اختُلف عليه فيه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
رواه الدارمي عن محمد بن يوسف، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة- أو: عكرمة- قال: ... فذكره مرسلًا
стр. 14739
بلفظ السياقة الأولى.
وابن يوسف هو الفريابي، وقد تابعه البابلتي كما في (العلل للدارقطني ٤٠٩١).
الوجه الثاني:
رواه الإسماعيلي في حديث يحيى كما في (الإمام لابن دقيق) من طريق هشام بن عمار عن ابن أبي العشرين.
ورواه البيهقي من طريق بشر بن بكر، كلاهما عن أبي عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة وعكرمة مولى ابن عباس: أن زينب ... فذكره مرسلًا بلفظ السياقة الثانية.
ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، واختُلف عليه:
فرواه ابن دُحَيْم في (فوائده) عن هشام بن عمار، عن الوليد، عن الأوزاعي - بمثل رواية ابن أبي العشرين، وبشر بن بكر -، عن يحيى، عن أبي سلمة وعكرمة: أن زينب ... مرسلًا.
ويبدو أن هشامًا وَهِم فيه على الوليد؛ فقد رواه ابن دحيم في (فوائده) عن محمود بن خالد المروزي، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة وعكرمة، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ: ((أَنَّهَا كَانَتْ تَعْتَكِفُ المَسْجِدَ وَهِيَ تُهْرَاقُ الدَّمَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ... )) ولم يذكر بقية المتن.
ومحمود ثقة، وقد توبع:
فرواه الإسماعيلي كما في (الإمام لابن دقيق ٣/ ٣٢١) من طريق أبي الوليد القرشي - وهو عبد الملك بن أصبغ -، عن الوليد بنحوه (١). وهذا هو الوجه الثالث.
стр. 14740
فهذه ثلاثة أوجه عن الأوزاعي تدل على اضطرابه فيه. ورواية الفريابي ومَن تابعه، ورواية بشر ومن تابعه- مرسلتان.
وقد أخطأ فيه الأوزاعي من وجهين:
الأول: ذِكر عكرمة في السند، ولم يذكره أحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير غيره.
قال الدَّارَقُطْنِيّ: ((وقول الأوزاعي وَهْم، ولم يذكر أحد من أصحاب يحيى في حديثه عكرمة غير الأوزاعي)) (العلل ٤٠٩١).
الثانية: جَعْل المستحاضة زينب بنت أم سلمة.
قال الذهبي: ((هذا غلط؛ زينب لا حاضت ولا اعتكفت مع رسول الله ﷺ ، كانت صغيرة جدًّا. وجاء عن عكرمة ما يخالف هذا)) (المهذب ١/ ٣٤١).
وقال ابن رجب: ((ورواه الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة مرسلًا، وجَعَل المستحاضة زينب بنت أبي سلمة، وهو وهم فاحش؛ فإن زينب حينئذٍ كانت صغيرة)) (الفتح ٢/ ١٦٧).
стр. 14741
٣٤٠٨ - حَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ الزهري مُرْسَلًا:
◼ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شهَابٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَكَانَتِ استُحِيضَتْ)).
[الحكم]: منكر. وإسناده مرسل ضعيف.
[التخريج]:
[حق ٢٠٦٣].
[السند]:
قال إسحاق: أخبرنا جرير، عن ليث بن أبي سُليم، عن محمد بن شهاب، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فهو مع إرساله فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. قال ابن حجر: ((صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه، فتُرِك)) (تقريب ٥٦٨٥).
وبه أعله الحافظ في (المطالب ٢/ ٥٣١/ ٢٠٥).
وقد وهم فيه ابن أبي سليم، فقد رواه الليث بن سعد، عن الزهري، وقال: ((لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة ﵂ أن تغتسل عند كل صلاة)).
وهو عند مسلم، وقد سبق.
стр. 14742
٦١٥ - بَابُ مَا رُوِيَ فِي أَمْرِ المُسْتَحَاضَةِ بِالغُسْلِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ
٣٤٠٩ - حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ:
◼ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂: ((أَنَّهَا كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ، وَأَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ)).
[الحكم]: باطل بهذا اللفظ. وحَكَم ببطلانه: النووي. وإسناده مضطرب معلول. وأعله: أبو حاتم والبيهقي وابن رجب.
[التخريج]:
[عيل (كثير - إمام ٣/ ٣١٧)].
[التحقيق]:
رواه الإسماعيلي في (جمعه لحديث يحيى بن أبي كثير) كما في (الإمام) من حديث معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم حبيبة، به.
ولم يَذكر ابن دقيق مَن دون معمر في الإسناد، إلا أنه ذكر أن الإسماعيلي رواه عن ثلاثة من شيوخه:
أولهما: القاسم المُطَرِّز، وقال فيه: ((عند كل صلاة))، وهو المشهور.
والثاني: إبراهيم بن موسى الجَوْزي، وقال فيه: ((عند وقت كل صلاة))!
والثالث: البغوي، وقال ((مثله)) إثر حديث يعقوب، ولم يُعْلِمنا ما لفظ
стр. 14743
حديث يعقوب هذا!!
والظاهر أن الجوزي هو فقط مَن ذكره بلفظ الوقت، وخالفه المطرز والبغوي، وجميعهم ثقات. ويحتمل أن طرقهم إلى معمر مختلفة، وحينئذٍ يحتمل أن يكون في سند الجوزي ضعيف أو متهم.
وعلى كُلٍّ، فالمحفوظ عن معمر مخالف لما رواه الجوزي سندًا ومتنًا.
فرواه ابن رهويه (٢٠٦٠) عن عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن أم حبيبة ... الحديث مرسلًا، وفيه: ((فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي)).
وكذا رواه هشام الدستوائي وحرب بن شداد عن يحيى.
وبهذا أعل أبو حاتم الرازي والبيهقي وابن رجب رواية من أسنده عن أم حبيبة، كما ذكرناه في الباب السابق. وبَيَّنَّا هناك أن في سنده اختلافًا كثيرًا على يحيى، مع أن جميع مَن رواه عنه -على أي وجه كان- لم يذكروا فيه لفظ الوقت كما ذكره الجوزي في روايته عن معمر؛ ولذا حَكَم النووي ببطلان هذه اللفظة في (المجموع ٢/ ٥٣٥) وانظر التنبيهات التالية.
стр. 14744
٣٤١٠ - حَدِيثُ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ:
◼ عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂: ((أَنَّهَا كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ، وَأَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ)).
[الحكم]: باطل.
[التحقيق]:
ذَكَر ابن تيمية في (شرح العمدة - الطهارة ١/ ٤٩٢) - وتبعه الزركشي في (شرح مختصر الخرقي ١/ ٤٢٢)، والعيني في (البناية ١/ ٦٧٥) -: أن ابن بطة روى بإسناده عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ: ((أَنَّهَا كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ، ... الحديث)).
وهذا لم نجده بهذا اللفظ في شيء من دواوين السنة، ولعله من أوهام ابن بطة، فحديث حمنة مخرج في (بَابِ جَمْعِ المُسْتَحَاضَةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ)، وليس فيه هذا اللفظ.
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ امْرَأَةً استُحِيضَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلَ العَصْرَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ تُعَجِّلَ هَذِهِ وَتُؤَخِّرَ هَذِهِ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا)).
[الحكم]: ضعيف لاضطرابه. وأعله بالاضطراب: أبو بكر بن إسحاق والبيهقي وابن عبد البر وابن دقيق. وأعله البيهقي أيضًا بالوقف، والشوكاني بالانقطاع، وقال ابن رجب: ((في إسناده شيء)).
[التخريج]:
تخريج السياقة الأولى: [د ٢٩٤ "واللفظ له" / ن ٢١٨ وعنده الزيادات دون الخامسة، ٣٦٤/ كن ٢٦٤/ حم ٢٥٣٩١ والزيادات له دون الخامسة / مي ٧٩٦/ طي ١٥٢٢/ بغ ٣٢٨/ طح (١/ ١٠٠/ ٦٣١) / هق ١٦٧٤، ١٦٧٥/ حق ٩٦٤/ سرج ٤٣٥/ حزم (٢/ ٧٤) / غو (٢/ ٦٤٥/ ٦٤٨) والزيادة الخامسة له/ مبهم (٢/ ١٢٦)].
تخريج السياقة الثانية: [هق ١٦٧٣].
انظر تحقيقه عقب الرواية التالية.
стр. 14747
رِوَايَةُ (أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو):
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ [بْنِ عَمْرٍو] ١ استُحِيضَتْ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، [فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ] ٢ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ، أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِغُسْلٍ [وَاحِدٍ] ٣، وَ [بَيْنَ] ٤ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِغُسْلٍ [وَاحِدٍ] ٥، وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ)).
[الحكم]: منكر بهذه السياقة. وضَعَّفه: أبو بكر بن إسحاق، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن العربي، والمنذري، وابن دقيق، وابن رجب، وابن حجر، والشوكاني، والألباني.
[التخريج]:
[د ٢٩٥ "واللفظ له" / حم ٢٤٨٧٩ "والزيادة الأولى والثانية له"، ٢٥٠٨٦ "وبقية الزيادات له" / مي ٧٩٥، ٨٠٤ / طح (١/ ١٠١/ ٦٣٣) / طس ٤١٩٧/ طص ٤٨٦/ هق ١٦٧٦/ صحا ٧٦٦٢ / بغ ٣٢٧ / غو (٢/ ٦٤٧/ ٦٤٩) / مبهم (٢/ ١٢٧) / أسد (٧/ ١٥٤)].
[التحقيق]:
الحديث مداره على عبد الرحمن بن القاسم، وقد اضطرب فيه على أربعة أوجه:
الوجه الأول:
رواه أبو داود (٢٩٤) - ومن طريقه ابن حزم في (الإحكام)، والبغوي في (شرح السنة) -، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة به، بلفظ السياقة الأولى، وفيه سؤال شعبة وجواب ابن القاسم.
стр. 14748
ورواه أحمد (٢٥٣٩١) والنسائي (٢١٨، ٣٦٤) عن غُنْدَر -قرنه أحمد بحَجاج- وابن راهويه عن النضر بن شُميل ووهب بن جرير، والدارمي (٧٩٦) عن هاشم بن القاسم، والسراج في (حديثه) من طريق عمرو بن مرزوق، والطحاوي (٦٣١) من طريق بِشر بن عمر، والطيالسي (١٥٢٢) -ومن طريقه البيهقي (١٦٧٥)، والخطيب في (الأسماء المبهمة ٢/ ١٢٦) -، كلهم عن شعبة به.
وذَكَر الطيالسي وهاشم والنضر ووهب وعمرو وقُرَاد أن شعبة سأل ابن القاسم: ((مَن أمرها؟ النبي ﷺ ؟ )) قال: ((لستُ أُحَدثك عن النبي ﷺ شيئًا)). لفظ الطيالسي. ولفظ هاشم نحوه. ولفظ النضر: ((فقلت له: عن النبي ﷺ ؟ فقال: ما أنا بمحدثك عن النبي ﷺ شيئًا)).
فأنكر ابن القاسم أن يكون الحديث مرفوعًا.
ونَسَب بعضهم هذا الإنكار لشعبة، فقال أبو بكر بن إسحاق الفقيه عن بعض مشايخه: ((شعبة لم يذكر النبي ﷺ ، وأنكر أن يكون الخبر مرفوعًا)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٧٦).
ولولا اضطراب ابن القاسم فيه لكان صحيحًا؛ فرجاله ثقات رجال الصحيحين كما قال ابن دقيق في (الإمام ٣/ ٣٢٣).
وقد رُوي عن شعبة مرفوعًا! بخلاف رواية الجماعة:
فرواه البيهقي (١٦٧٣) من طريق أحمد بن عُبيد الصَّفَّار، عن الحسن بن سهل المُجَوِّز، حدثنا عاصم بن علي الواسطي، حدثنا شعبة، به، بلفظ السياقة الثانية، مصرحًا برفعه!
والحسن هذا ذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ١٨١) وقال: ((ربما أخطأ)).
стр. 14749
قلنا: قد أخطأ هنا، وخولف ممن هو أوثق منه:
فرواه البيهقي (١٦٧٤) من طريق عمر بن حفص، عن عاصم بن علي، ثنا شعبة به، بلفظ: ((فَأُمِرَتْ أَنْ تُؤَخِّرَ ... )) إلخ، بمثل رواية الجماعة عن شعبة.
وعمر بن حفص هو السَّدوسي، وثقه الخطيب في (تاريخه ٥٨٨٣)، ولا شك أن روايته هي الصواب؛ لموافقتها رواية الجماعة عن شعبة.
ولذا قال البيهقي عقب رواية الحسن: ((هو غلط من جهة الحسن؛ فقد أخبرنا ... )) ثم ساقه من طريق عمر بن حفص كما سبق، ثم قال: ((وهكذا رواه جماعة عن شعبة ... )). وذكر جماعة منهم امتناعَ عبد الرحمن بن القاسم من رفع الحديث، ثم ساقه من طريق الطيالسي كما سبق، ثم قال: ((ورواه معاذ بن معاذ، عن شعبة، وفيه قال: فقلت لعبد الرحمن: عن النبي ﷺ ؟ فقال: لا أحدثك عن النبي ﷺ بشيء))، وكذلك قاله النضر بن شُميل، عن شعبة)) اهـ (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٧٥).
إذن، فالمحفوظ في هذا الوجه الوقف، ولكن رأى جماعة من النقاد أن الحديث مع ذلك له حكم الرفع، وسيأتي كلامهم قريبًا.
الوجه الثاني:
رواه عبد الرزاق وغيره، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ المُسْلِمِينَ اسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ: سُئِلَ عَنْهَا- فَقَالَ: ((إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، تَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ تَجْمَعُ ... )) إلخ.
هكذا أرسله ابن عيينة، وسيأتي تخريجه.
стр. 14750
الوجه الثالث:
رواه ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ! فَقَالَ: ((تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُؤَخِّرُ الظُّهْرَ ... )) إلخ، وسيأتي تخريجه برواياته.
وهذا الوجه منقطع؛ لأن القاسم لم يدرك زينب، فقد تُوفيت في عهد عمر بن الخطاب ﵁. بينما وُلد القاسم في خلافة الإمام علي، فروايته عن زينب منقطعة.
وبهذا أعله الطحاوي كما سيأتي فيما بعد.
الوجه الرابع:
رواه أحمد (٢٤٨٧٩)، وأبو داود (٢٩٥) -ومن طريقه البيهقي (١٦٧٦) والخطيب وابن بشكوال والبغوي- من طريق محمد بن سلمة.
ورواه أحمد (٢٥٠٨٦) والدارمي (٧٩٥) عن يزيد بن هارون.
ورواه الدارمي (٨٠٥) والطحاوي (٦٣٣) عن أحمد بن خالد الوهبي.
ورواه الطبراني في (الأوسط) و (الصغير) من طريق العلاء بن هارون.
ورواه البيهقي (١٦٧٦) من طريق عبدة.
كلهم عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أن سهلة (١) بنت سهيل ... ))، الحديث بلفظ السياقة الثالثة، إلا أن
стр. 14751
يزيد قال فيه: ((إنما هي سهيلة بنت سهل))!
وهذا الوجه منكر، وسنده -بِغَضِّ النظر عن اضطرابه- فيه عنعنة ابن إسحاق، فهو مدلس كما سبق مرارًا، ولم يصرح بالسماع.
وبهذا أعله الشوكاني، فقال: ((في إسناده محمد بن إسحاق ... وابن إسحاق ليس بحجة لاسيما إذا عنعن)) (الفتح الرباني ٥/ ٢٥٩٨).
وكأنه لذلك قال ابن العربي: ((حديث سهلة معلول)) (العارضة ١/ ١٩٩).
بينما قال المنذري: ((في إسناده ابن إسحاق، وهو مُختلَف في الاحتجاج به)) (المختصر ١/ ١٩٠).
ورغم ذلك سكت عنه عبد الحق في (الأحكام الوسطى ١/ ٢١٦)، مصححًا له! حَسَب ما بَيَّنه في المقدمة.
وقد انفرد ابن إسحاق بذكر أشياء لم يأتِ بها غيره، منها:
١ - تسميته المرأة المستحاضة بسهلة بنت سهيل.
وقد رواه شعبة وابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم، وأبهما المرأة كما سبق، وكذا أبهمها الثوري على الصحيح.
ولذا نَقَل البيهقي عن أبي بكر بن إسحاق الفقيه أنه خَطَّأ ابن إسحاق في تسمية المستحاضة. وأقره (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٧٦).
٢ - زيادته الأمر بالغسل عند كل صلاة، حيث قال فيه: ((فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِك أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ ... )) إلخ.
فهذه زيادة منكرة، لم يذكرها شعبة ولا ابن عيينة.
ولذا قال ابن حجر: ((قد قيل: إن ابن إسحاق وَهِم فيه)) (التلخيص ١/ ٣٠٢).
стр. 14752
وقال الألباني: ((لكن ابن إسحاق عنعنه، وهو مدلس، وقد زاد فيه بعض الأحرف مما لم تَرد في هذا الحديث، ولا في حديث ابن عيينة الآتي بعد هذا؛ ومن أجل ذلك أوردناه في الكتاب الآخر)) (صحيح أبي داود ٢/ ٨٨).
ولَمَا أورده في الكتاب الآخر قال: ((إسناده ضعيف من أجل عنعنة ابن إسحاق؛ فإنه مدلس، وقد قيل: إنه وهم في تسمية المستحاضة ... وقد قال أبو بكر بن إسحاق عن بعض مشايخه: ((إنه أخطأ في تسمية المستحاضة)) ... وأصل الحديث صحيح؛ فقد تابعه عليه شعبة ... دون تسمية المستحاضة، ودون قوله: ((فَأَمَرَهَا)) إلى قوله: ((فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ))، وكذلك تابعه ابن عيينة إلا أنه أرسله)) (ضعيف أبي داود ١/ ١٢٧، ١٢٨) ـ.
قلنا: ابن عيينة مُخالِف له وليس بمُتابِع.
والأقرب أن ذلك الاختلاف من اضطراب ابن القاسم، فكل واحد من أصحابه رواه على وجه وذَكر فيه ما لم يذكره الآخر:
فأما شعبة فجعله من رواية القاسم عن عائشة، وذَكَر أن ابن القاسم أنكر رفعه.
وأما ابن عيينة فأرسله عن القاسم، وذَكَر فيه أنه ﷺ قال لها: ((تَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ حَيْضَتِهَا ... )) الحديث.
وأما الثوري، فجعله من رواية القاسم عن زينب بنت جحش منقطعًا، وذكر فيه أنه ﷺ قال لها: ((تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ... )) الحديث.
وأما ابن إسحاق، فوافق شعبة في جعله من رواية القاسم عن عائشة، لكنه خالفه، فعَيَّن المستحاضة، وصرح برفع الحديث.
وهذا مما أُنْكِر على ابن إسحاق أيضًا.
стр. 14753
قال أبو بكر بن إسحاق الفقيه: ((قال بعض مشائخنا: لم يسند هذا الخبر غير محمد بن إسحاق، وشعبة لم يذكر النبي ﷺ ، وأنكر أن يكون الخبر مرفوعًا))، ذكره البيهقي وأقره (السنن الكبير عقب رقم ١٦٧٦).
وسبق عن البيهقي أنه أعل رواية المُجَوِّز برواية شعبة، وما ذكره من امتناع ابن القاسم من رفعه كما سبق.
ولكن قال ابن العربي: ((وقول عائشة: ((على عهد رسول الله ﷺ ، فأُمرت)) نَصٌّ في أنه عن النبي ﷺ ، لكن عبد الرحمن بن القاسم أراد أن ينقل الحديث على أصله)) (العارضة ١/ ٢٠٣).
ولذا تعقبهما ابن دقيق، فقال: ((في قول أبي بكر بن إسحاق ... وفي قول البيهقي ... نظر ظاهر؛ لأن عبد الرحمن بن القاسم امتنع من إسناد الأمر إلى النبي ﷺ صريحًا، ولا شك أنه إذا سمع ((فأُمِرَتْ)) فليس له أن يرويه بأن يقول: ((فأَمَرَها النبي ﷺ ) لأن اللفظ الأول ليس بصريح في النسبة إلى الرسول ﷺ ، بل هو مسند بطريق اجتهادي، فليس له أن ينقله إلى ما هو صريح.
ولا يلزم من امتناعه من صريح النسبة إلى الرسول ﷺ أن لا يكون مرفوعًا بلفظ: ((فأُمرت)) على ما عُرِف من ترجيح أرباب الأصول في هذه الصيغة (١) أنها مرفوعة.
فتأمل ذلك، فقد يَتوهم مَن لا خبرة له بهذا العلم من قول البيهقي وأبي بكر بن إسحاق أنه يكون من الموقوف الذي لا تقوم به حجة)) (الإمام ٣/ ٣٢٦).
стр. 14754
وبهذا تَعَقب ابن التركماني البيهقي، وزاد: ((وبهذا يُعْلَم أن ابن إسحاق لم يخالف شعبة في رفعه، بل رَفَعه ابن إسحاق صريحًا، ورَفَعه شعبة دلالة، ورَفَعه هو أيضًا صريحًا في رواية الحسن بن سهل عن عاصم عنه، وقد تقدم أن البيهقى قال بعد ذكر رواية عاصم: وهكذا رواه جماعة عن شعبة))! (الجوهر النقي ١/ ٣٥٤، ٣٥٥).
ولذا قال الألباني عقب رواية شعبة: ((إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقواه ابن التركماني. وقوله: ((فأُمرت ... )) محمول عند المحدثين والأصوليين على أن الآمر هو النبي ﷺ ) (صحيح أبي داود ٢/ ٨٦، ٨٧).
وهناك نظر فيما زعمه ابن التركماني من أن شعبة رَفَعه صريحًا في رواية الحسن بن سهل، وأن البيهقى قال بعدها: ((وهكذا رواه جماعة عن شعبة))!
فالبيهقي إنما قال ذلك عقب رواية عمر بن حفص عن عاصم، وهي موقوفة. وأما رواية الحسن فهي منكرة، وقد خطأها البيهقي كما سبق.
ثم إنه لو صح أن رواية شعبة مرفوعة حكمًا، فلا تشهد لرواية ابن إسحاق؛ لتفرده بذكر أشياء في المتن لم يذكرها شعبة كما سبق.
وأيضًا: ففي الإسناد اضطراب ظاهر لم يجيبوا عنه، وقد قال أبو بكر ابن إسحاق في ثنايا إعلاله له: ((وقد اختَلف الرواة في إسناد هذا الخبر))، قال البيهقي: ((فرواه شعبة وابن إسحاق كما مضى، ورواه ابن عيينة فأرسله إلا أنه وافق محمدًا في رفعه ... ورُوي عن الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن زينب بنت جحش)) (السنن عقب رقم ١٦٧٦، ١٦٧٧).
وقد أشار أبو داود إلى بعض هذا الاختلاف، فأسنده من طريق شعبة، ثم من طريق ابن إسحاق، ثم قال: ((ورواه ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن
стр. 14755
أبيه: أن أمرأة استحيضت ... )) بمعناه.
وقد ذَكَر ابن دقيق نفسه أن هذا الاختلاف علة في الحديث، فقال: ((والذي يُعتل به في هذا الحديث وجهان: أحدهما: ... )).
فذَكَر إعلال البيهقي وأبي بكر بن إسحاق له بالوقف، وأجاب عنه بما سبق.
ثم قال: ((الوجه الثاني: الاختلاف في إسناد الخبر))، ثم ذكر كلام أبي بكر بن إسحاق، وكلام البيهقي، ولم يجب عنه بشيء سوى قوله: ((قد نبهنا على ما يقتضيه قوله: ((في رفعه))، وبينا أنه مرفوع إما نصًّا أو دليلًا، وكلامه يُشعر بأن شعبة وقفه، وقد أوضحنا أمره)) (الإمام ٣/ ٣٢٤، ٣٢٧).
فأعاد الجواب عن العلة الأولى، ولم يأتِ بجواب عن العلة الثانية، فكأنه مُسَلِّم بها.
وقد تعرض الطحاوي للوجه الأول والثالث من الخلاف، فقال: ((فلما رُوي هذا الحديث كما ذكرنا فاختلفوا فيه، كشفناه لنعلم من أين جاء الاختلاف، فكان ذِكر أيام الأقراء في حديث القاسم عن زينب، وليس ذلك في حديثه عن عائشة، فوجب أن يجعل روايته عن زينب غير روايته عن عائشة ﵂) (معاني الآثار ١/ ١٠٤).
قلنا: هذا كان يمكن لو لم يتحد المخرج وتتفق القصة، وأما مع ذلك فلا.
فأما الألباني فموقفه من الاختلاف غريب، حيث قال عن رواية ابن عيينة: ((مرسل صحيح الإسناد، وهو يقوي رواية شعبة عن عبد الرحمن مسندًا، ويؤيد أن الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ )! !
стр. 14756
بينما قال عن رواية الثوري: ((والحديث أسنده الثوري أيضًا، لكن خالف شعبة في إسناده فقال: عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن زينب ... وبَيَّنَّا أنه منقطع. والعمدة على رواية شعبة؛ فإنه قد حفظه وأجاده)) (صحيح أبي داود ٢/ ٨٨، ٨٩).
قلنا: صنيعه هذا فيه نظر من وجوه:
منها: أنه رجح رواية شعبة مع أن الثوري أحفظ منه.
ومنها: أنه قَوَّى مسند شعبة بمرسل ابن عيينة، مع أنه مخالف لشعبة وليس بمتابع، فتصحيح مرسله كما ذهب إليه يُعَد علة للمسند!
ثم إن ترجيح رواية شعبة يعني القضاء على الثوري وابن عيينة معًا بالوهم! وكذا ترجيح أي وجه من الثلاثة يقضي على رواية الآخرين بالوهم! وكلهم أئمة أثبات حفاظ.
فالحَمْل في ذلك على ابن القاسم أَوْلى من تخطئة غير واحد من الحفاظ. وهذا ما سلكه ابن عبد البر، فإنه حكى في (التمهيد ١٦/ ٩١، ٩٢) اختلافهم على ابن القاسم، ثم قال: ((وأما الأحاديث المرفوعة في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، فكلها مضطربة، لا تجب بمثلها حجة)) (التمهيد ١٦/ ٩٩ بتصرف).
ونَقَل ابن رجب في (الفتح ٢/ ٧٣) بعض عبارته باختصار، وأقره.
ويدل عليه قوله في موطن آخر: ((واستَدل مَن أباح الجمع للمريض بأمر النبي ﷺ المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد؛ لمشقة الغسل عليها لكل صلاة، وذلك ما رُوي عن النبي ﷺ من حديث حمنة بنت جحش وعائشة وأسماء بنت عميس، وفي أسانيدها بعض شيء)) (الفتح ٤/ ٢٧٠).
стр. 14757
هذا، وقد أَعَل الشوكاني هذا الحديث بأن عبد الرحمن بن القاسم قد قيل: إنه لم يسمع من أبيه)) (الفتح الرباني ٥/ ٢٥٩٨).
وهذا وهم؛ فالذي قيل فيه ذلك هو القاسم، وأما عبد الرحمن فسماعه من أبيه ثابت وروايته عنه في الصحيحين.
[تنبيه]:
قال صاحب (عون المعبود ١/ ٣٣٤) شارحًا جواب ابن القاسم: (((لا أُحَدثك عن النبي ﷺ بشيء) هكذا في أكثر النُّسخ الحاضرة.
والمعنى: أن عبد الرحمن أنكر على شعبة من سؤاله إياه، لما علم من عادة عبد الرحمن أنه لا يُحدِّث لشعبة إلا عن النبي ﷺ ، فقال: (لا أحدثك عن النبي ﷺ بشيء) أي: لا أُحدثك إلا عن النبي ﷺ .
ويؤيده ما في بعض النسخ: (لا أُحدِّثك إلا عن النبي ﷺ بشيء)، و (بشيء) متعلق بـ (أُحَدِّثك) والمعنى: لا أحدثك بشيء إلا عن النبي ﷺ .
ويحتمل أن شعبة يقول: إن قولها (أُمرت) هكذا في روايتنا، ولا أدري أن الآمر رسول الله ﷺ أو غيره. فقال عبد الرحمن: لا أحدثك عن النبي ﷺ بشيء من شأنها، أن الآمر لها رسول الله ﷺ أو غيره)) اهـ.
قلنا: هذا الاحتمال هو الظاهر، لاسيما وقد بَيَّنَّا بطلان ما نسبه إلى بعض النسخ بزيادة ((إلا)).
стр. 14758
٣٤١٢ - حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ:
◼ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ قَالَتْ: [سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحَمْنَةَ، فَـ] قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ؟ ! فَقَالَ: ((تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلُ العَصْرَ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَتُؤَخِّرُ المَغْرِبَ وَتُعَجِّلُ العِشَاءَ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا، وَتَغْتَسِلُ لِلفَجْرِ)).
[الحكم]: ضعيف. وضَعَّفه الطحاوي، وأبو بكر النيسابوري، وابن عبد البر، والبيهقي، والذهبي، والألباني.
[التخريج]:
[ن ٣٦٥ "واللفظ له" / طب (٢٤/ ٥٦/ ١٤٥) / طح (١/ ١٠٠/ ٦٢٩) / هق ١٦٧٨ "والزيادة له"].
[السند]:
رواه النسائي قال: أخبرنا سُوَيْد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن زينب بنت جحش، به.
ورواه الطبراني من طريق حسان بن موسى وسويد.
ورواه الطحاوي والطبراني -ومن طريقه البيهقي- من طريق نعيم بن حماد.
ثلاثتهم عن ابن المبارك، به.
إلا أنه وقع عند الطبراني أن زينب قالت: ((سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ))! !
стр. 14759
ويحتمل أن به تحريفًا، فمداره عندهم على ابن المبارك، وهو عند البيهقي من طريق الطبراني، وفيه أن زينب هي السائلة كما عند النسائي والطحاوي.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات كما قال ابن دقيق في (الإمام ٣/ ٣٢٤)، وكلهم من رجال الشيخين سوى سويد بن نصر، فمن شيوخ الترمذي والنسائي، وهو ثقة.
ومع ذلك فهو إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: الانقطاع، فالقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق لم يدرك زينب بنت جحش.
وبهذا أعله الطحاوي فقال: ((حديث زينب الذي فيه ذِكر الأقراء- حديث منقطع، لا يُثبته أهل الخبر؛ لأنهم لا يحتجون بالمنقطع.
وإنما جاء انقطاعه لأن زينب لم يدركها القاسم ولم يولد في زمنها؛ لأنها تُوفيت في عهد عمر بن الخطاب ﵁، وهي أول أزواج النبي ﷺ وفاة بعده)) (شرح معاني الآثار ١/ ١٠٤).
بينما وُلد القاسم في خلافة الإمام علي؛ ولذا ذَكَر الذهبي في (السير ٥/ ٥٤) أن روايته عن زينب مرسلة، يعني: منقطعة.
وبالانقطاع أعله الألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ٤٧، ٨٩) ورجح عليه رواية شعبة. وسبق ما فيه.
العلة الثانية: اضطراب عبد الرحمن بن القاسم فيه، وقد سبق بيان ذلك تحت حديث عائشة ﵂، وذكرنا هناك إعلال أبي بكر النيسابوري والبيهقي
стр. 14760
وابن عبد البر له بذلك.
وقد ضَعَّفه الذهبي بنعيم بن حماد، فقال: "نعيم منكر الحديث، انفرد بهذا. (المهذب ١/ ٣٤٢).
قلنا: لكن نعيمًا لم ينفرد به، فقد تابعه سويد بن نصر عند النسائي، وحسان بن موسى عند الطبراني. فالعلة ما ذكرنا. والله أعلم.
стр. 14761
٣٤١٣ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمِ قَالَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ: ((اقْعُدِي أَيَّامَ أَقْرَائِكِ، وَأَخِّرِي الظُّهْرَ وَقَدِّمِي العَصْرَ، وَاغْتَسِلِي لَهُمَا غُسْلًا. وَأَخِّرِي المَغْرِبَ وَقَدِّمِي العِشَاءَ، وَاغْتَسِلِي لَهُمَا غُسْلًا. وَاغْتَسِلِي لِلفَجْرِ غُسْلًا)).
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ! ! قَالَ: ((فَلَوْ تَقْعُدِينَ عَلَى كُرْسِيٍّ فَتَضَعِيهِ تَحْتَكِ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِحَيْضَةٍ، وَلَكِنَّهَا عِرْقٌ انْفَجَرَ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَابْتَلَاكِ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا)).
[الحكم]: منكر.
فالمحفوظ أن النبي ﷺ أَمَر أم حبيبة بغسل واحد عند طهرها، فكانت تغتسل عند كل صلاة مِن قِبل نفسها، ولم تؤمر بذلك.
والأمر بالجمع بين الظهر والعصر بغسل، وبين المغرب والعشاء بغسل آخر، وبغسل ثالث للصبح- له شاهد منكر من حديث أسماء بنت عُمَيْس، وآخر معلول من حديث عائشة. وجاء في حديث لحَمْنة بنت جحش التخيير بين الغسل المذكور وتركه، وليس فيه إلزام، ومع ذلك فهو حديث مُختلَف في ثبوته.
[التخريج]:
[متفق ٧٢٢].
[السند]:
رواه الخطيب في (المتفق ٧٢٢)، قال: أخبرني أبو القاسم الأزهري،
стр. 14762
حدثنا محمد بن العباس الخزاز، حدثنا أبو عبيد محمد بن أحمد بن المؤمل، حدثنا أبي، حدثنا بِشر بن محمد السُّكَّري، حدثنا سالم بن عبد الله العَتَكي، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عباس وابن عمر، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد واهٍ؛ فيه سالم أبو غياث العتكي، قال فيه ابن معين: ((لا شيء)) (الجرح والتعديل ٤/ ١٩١)، وقال أحمد: ((ضعيف الحديث))، واعتمده ابن شاهين في (الضعفاء ٢٨٥)، والدَّارَقُطْنِيّ في (المؤتلف والمختلف ٣/ ١٦٩٨)، وابن حجر في (اللسان ٣٣٤٥). بينما ذكره ابن حبان في (الثقات ٤/ ٣٠٩)، وقال: ((ربما أخطأ))! !
وأحمد بن المؤمل، والد أبي عبيد محمد الناقد- حَدَّث عن بِشر بن محمد، روى عنه ابنه أبو عبيد. بهذا ترجم له الخطيب في (التاريخ ٢٨٨١)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وبِشر بن محمد السُّكَّري مختلف فيه، وهو صدوق كما في (تاريخ الإسلام ٥/ ٢٨٤).
وبقية رجاله ثقات.
والمتن منكر، فالمحفوظ أن النبي ﷺ أَمَر أم حبيبة بغسل واحد - أي: عند طهرها -، فكانت تغتسل عند كل صلاة؛ كما عند البخاري (٣٢٧)، ومسلم (٣٣٤)، ولم تؤمر بذلك، وإنما فعلته مِن قِبل نفسها؛ كما عند أحمد (٢٤٥٢٣) ومسلم (٣٣٤).
وأما ما ذُكر في هذا الحديث من أمرها بالجمع بين الظهر والعصر بغسل، وبين المغرب والعشاء بغسل آخر، وبغسل ثالث للصبح- فهو
стр. 14763
منكر.
نعم، ورد ذلك في قصة فاطمة بنت أبي حُبيش من رواية سُهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عميس. ولكنه خطأ من سهيل، وقد أنكره البيهقي وابن عبد البر وغيرهما؛ إذ ليس ذلك محفوظًا في قصة فاطمة من رواية الثقات والحفاظ.
كما ورد ذلك في قصة امرأة أخرى من رواية عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، رَفَعه عنه محمد بن إسحاق، ووقفه عنه شعبة، وأرسله ابن عيينة!
وسمى ابن إسحاق المرأة سهلة، وقيل: سهيلة! وأبهمها شعبة وابن عيينة.
وجعله الثوري من رواية ابن القاسم، عن أبيه، عن زينب بنت جحش!
فهذا اضطراب كما ترى، ولو ثبت هذا كان شاهدًا قويًّا للأمر بتَكرار الغسل مع الجمع المذكور هنا. ولكنه معلول كما ترى.
ثم هو مُعارَض بما هو أصح منه، وهو حديث فاطمة بنت أبي حبيش.
وبه استَدل ابن عبد البر على وهاء ما يخالفه، فقال: ((وفي هذا الحديث دليل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل؛ لأن رسول الله ﷺ لم يأمرها بغيره.
وفيه رَدٌّ لقول من رأى عليها الغسل لكل صلاة، ورَدٌّ لقول من رأى عليها الجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للصبح؛ لأن رسول الله ﷺ لم يأمرها بشيء من ذلك في هذا الحديث، وهو أصح حديث رُوي في هذا الباب)) (التمهيد ٢٢/ ١٠٨).
стр. 14764
كما جاء الإرشاد إلى تَكرار الغسل مع الجمع المذكور هنا في حديث رُوي عن حَمْنة بنت جحش، لكنه ورد فيه على وجه التخيير لا الإلزام؛ ولذا لم نَعُدّه شاهدًا لهذا الحديث، على أنه مختلف في ثبوته أيضًا كما بيَّنَّاه في موضعه من هذا الكتاب.
ولم ينتبه الشوكاني للتخيير الوارد في نص خبر حَمْنة، فظنه من الأحاديث الموجبة لتَكرار الغسل، فذَكَره معها، وبَيَّن عللها، ثم قال: ((وعلى فرض أنه مما يصلح للتمسك به، فهو مُقَيَّد بعدم وجود مُعارِض بأنهض منه، وقد وُجد ها هنا، وهو ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من طرق عن عائشة مرفوعًا بلفظ: ((فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي))، وهكذا وردت الأحاديث)) (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ٥/ ٢٦٠١).
وابن عبد البر، وابن القطان، وابن رجب.
[التخريج]:
تخريج السياقة الأولى: [د ٢٨١ "واللفظ له" / ك ٦٢٩ / هق ١٦٧٩ / مشكل ٢٧٣٠ / طح (١/ ١٠٠، ١٠١/ ٦٣٢) / طب (٢٤/ ١٣٩/ ٣٧٠) / محلى (٢/ ٢١٢) / غو (٢/ ٦٤٨)].
تخريج السياقة الثانية: [قط ٨٣٩ / هق ١٦٥٨ / كرغي (ص ٤٠٠)].
تخريج السياقة الثالثة: [فكم ٦٨ "واللفظ له" / قط ٨٤٠ "والزيادات له"].
تخريج السياقة الرابعة: [عد (٢/ ٤٦٨)].
[السند]:
رواه أبو داود - ومن طريقه البيهقي وابن حزم وابن بشكوال - قال: حدثنا وهب بن بقية، أخبرنا خالد، عن سهيل - يعني ابن أبي صالح -، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس، به، بلفظ السياقة الأولى.
ورواه الحاكم والطبراني من طريق وهب (١)، ورواه الطحاوي في كتابيه من طريق الحِمَّاني، كلاهما عن خالد، به نحوه إلا أنه ليس عند الطبراني والطحاوي: ((وَتَغْتَسِلُ لِلفَجْرِ))!
ورواه الدَّارَقُطْنِيّ (٨٣٩) من طريق إسحاق بن شاهين، ورواه البيهقي من طريق عبد الحميد بن بيان، كلاهما عن خالد، به، بلفظ السياقة الثانية.
стр. 14767
وخالد هو ابن عبد الله الواسطي، ثقة ثبت. وقد توبع:
فرواه أبو أحمد الحاكم، والدَّارَقُطْنِيّ (٨٤٠)، والحاكم، من طريق علي بن عاصم عن سهيل، به، بلفظ السياقة الثالثة.
ورواه ابن عدي من طريق بُكَيْر بن جعفر، عن عمران بن عُبيد الضَّبي، عن سهيل بن أبي صالح، به بلفظ السياقة الرابعة.
فمداره عندهم على سهيل، وقد اختُلف عليه في سنده ومتنه، وخولف فيه أيضًا كما سنبينه في التحقيق.
[التحقيق]:
الحديث من طريق وهب رجاله كلهم رجال مسلم؛ ولذا قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه الألفاظ)).
قال الألباني: ((ووافقه الذهبي، وهو كما قالا)) (الثمر المستطاب، ص ٣٥).
وقال أيضًا: ((إسناده صحيح على شرط مسلم، وكذلك قال الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال ابن حزم: (إنه في غاية الصحة))) (صحيح أبي داود ٢/ ٨٩).
وقول ابن حزم في (المحلى ٢/ ٢١٣).
وفي صنيعهم هذا نظر من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن سُهيل بن أبي صالح وإن كان من رجال مسلم، فهو مختلف فيه: وثقه جماعة، وتكلم فيه آخرون مِن قِبل حفظه. وغالب أحاديثه عند مسلم في الشواهد، ثم إن مسلمًا لم يخرج له شيئًا عن الزهري! ! لأنه ليس من أصحابه المعنيين بحديثه، فكيف يكون حديثه عنه على شرط مسلم؟ !
стр. 14768
بل تُفَرُّده عن الزهري يُعَد منكرًا كما أَصَّله مسلم في المقدمة، لاسيما مع وجود الأمر التالي.
الوجه الثاني: أنه قد اختُلف على سهيل في سنده ومتنه؛ مما يدل على عدم ضبطه له:
فرواه أبو داود (٢٨١) وغيره من طريق جرير، عن سهيل، عن الزهري، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا أَمَرَتْ أَسْمَاءَ- أَوْ: أَسْمَاءُ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا أَمَرَتْهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ- أَنْ تَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ((فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ الأَيَّامَ التِي كَانَتْ تَقْعُدُ، ثُمَّ تَغْتَسِلَ)). ولم يذكر فيه الجمع. وقد خرجناه تحت (باب في أن المرأة المستحاضة إذا كان لها أيام معلومة تحيضها كل شهر، تدع الصلاة عدد الأيام التي كانت تحيض).
ولذا أعله يحيى القطان وعلي بن المديني وغيرهما:
فقال قال حرب الكِرْماني: قال علي بن عبد الله: سمعت يحيى - يعني القطان - وسئل عن سهيل بن أبي صالح ومحمد بن عمرو بن علقمة، فقال: محمد بن عمرو أعلى منه. قلت (١): حديث يرويه خالد الطحان، عن سهيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عميس في غسل المستحاضة، فقال: ((هذا مقلوب)).
ثم قال حرب: وذكرتُ لعلي بن عبد الله حديث خالد الواسطي، عن
стр. 14769
سهيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عميس في غسل المستحاضة، فقال: ((نعم، أخاف أن يكون هذا وهمًا؛ لأن الناس رووه على غير هذا)) (مسائل حرب/ كتاب النكاح ٣/ ١٢٥١).
وأعله ابن القطان بأنه: ((مشكوك في سماعه إياه من فاطمة، أو من أسماء)) (بيان الوهم ٢/ ٤٥٩).
وقال ابن رجب: ((في إسناده اختلاف، وقد قيل: إن الصحيح فيه: عن عروة، عن فاطمة))! ! (الفتح ٢/ ٥٧).
ولو صح هذا لكان منقطعًا؛ لأن الراجح أن عروة لم يسمع من فاطمة كما بيَّنَّاه في غير هذا الموضع، لكن هذا القول فيه نظر، فمن جهة الترجيح لا شك أن رواية الجماعة أَوْلى، لاسيما وخالد بمفرده أوثق من جرير، فكيف وقد توبع؟ !
ولذا قال الألباني: ((الصواب فيه أنه من رواية عروة عن أسماء بنت عميس)) (صحيح أبي داود ٢/ ٤١، ٩٠).
قلنا: والحَمْل فيه على سهيل أَوْلى، لاسيما والجماعة الذين اتفقوا عليه في الإسناد اختلفوا عليه في المتن:
ففي رواية وهب والحماني عن خالد عنه: ((لِتَجْلِسْ فِي مرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ المَاءْ، فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ ... )) إلخ، جعله كله مرفوعًا، واشترط رؤية الصفرة للاغتسال.
بينما في رواية ابن شاهين وابن بيان عن خالد عنه: ((فَلْتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ))، فَجَلَسَتْ فِيهِ حَتَّى رَأَتِ الصُّفْرَةَ فَوْقَ المَاءِ، فَقَالَ: ((تَغْتَسِلُ لِلظُّهْرِ ... )) إلخ.
وكذا رواه علي بن عاصم عن سهيل، ولفظه: ((قَالَ: وَأَمَرَ لَهَا بِمِرْكَنٍ-
стр. 14770
يَعْنِي الإِجَّانَةَ- قَالَتْ: فَرَأَيْتُ صُفْرَةً فَوْقَ المَاءِ)).
وزاد ابن عاصم وعمران في روايتيهما: ((إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، لِتَدَعْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلْ))، ولفظ عمران بن عُبيد: ((هَذَا عِرْقٌ، تَنْتَظِرُ أَيَّامَهَا التِي كَانَتْ تَعْتَدُّ فَتَدَعُهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ))، ولم يذكرا: ((وَتَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ)).
وهذا السياق الذي ذكراه هو الذي اقتصر عليه جرير في روايته عن سهيل!
ولم يذكر علي بن عاصم في روايته عن سهيل ولا الحماني عن خالد- الاغتسال للفجر. وكذا عند الطبراني من طريق وهب عن خالد!
ولذا قال الطحاوي: ((فقوله: ((وَتَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ)) يحتمل أن تتوضأ لما يكون منها من الأحداث التي توجب نقض الطهارات. ويحتمل أن تتوضأ للصبح)) (شرح معاني الآثار ١/ ١٠١).
قلنا: الاحتمال الأول مردود؛ لأنها ستغتسل لكل صلاتين، فما الحاجة إلى الوضوء حينئذٍ؟ ! ثم إن الوضوء من الحدث أمر معلوم لديها من قبل، وإلا لعَيَّنه لها.
والاحتمال الثاني يَرُده ثبوت الاغتسال للفجر أيضًا في رواية الجماعة عن خالد، وفي رواية عمران عن سهيل.
وعليه، فكيف يجتمع في الحديث أمر بالاغتسال للصلاة، ثم يتبعه أمر بالوضوء؟ ! فالغسل يغني عن الوضوء، وفي وجوبه بعد الغسل مشقة بلا حاجة، حتى وإن قيل: الوضوء للنوافل والغسل للفرائض.
فإما أن يُحكم على المتن بالنكارة.
وإما أن تُرجَّح رواية ابن عاصم ومن تابعه، التي خلت منها عبارة:
стр. 14771
((وَتَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ))، وحينئذٍ إما أن نحمل على خالد الواسطي الثقة الثبت، وإما أن نحمل على سهيل، وهذا هو الصواب ولابد. وإلا فكيف نحمل على خالد الثقة الثبت ونَغُضّ الطرف عن المتكلم فيه؟ !
وما ذكرناه من الحمل على سهيل هو ما ذهب إليه ابن عبد البر في (التمهيد ٢٢/ ١٠٦)، والبيهقي في (السنن الكبير عقب رقم ١٥٩٣).
على أن ابن عبد البر قد عد أحاديث الزهري في هذا الباب مضطربة، فقال: ((حديث ابن شهاب في هذا الباب مضطرب)) (التمهيد ١٦/ ٦٥).
وقال ابن رجب: ((في إسناده بعض شيء)) (الفتح ٤/ ٢٧٠ بتصرف).
وقال الشوكاني: ((في إسناده سهيل بن أبي صالح، وفي الاحتجاج بحديثه خلاف)) (النيل ١/ ٣٠٣)، و (الفتح الرباني ٥/ ٢٥٩٩).
وقد استنكر ابن القطان من المتن شيئًا آخر ذكرناه ضمن تحقيقنا رواية جرير.
الوجه الثالث: أن سهيل بن أبي صالح قد خولف في إسناده ومتنه:
خالفه ابن أبي ذئب عند البخاري (٣٢٧)، وعمرو بن الحارث عند مسلم (٣٣٤)، والليث بن سعد عند مسلم (٣٣٤)، والأوزاعي عند النسائي (٢٠٣)، وحفص بن غيلان عند النسائي (٢٠٩)، وسفيان بن عيينة عند الشافعي (١/ ٣١١)، وإبراهيم بن سعد عند أحمد (٢٥٥٤٤)، وغيرهم. كلهم: عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ - خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا عِرْقٌ،
стр. 14772
فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي)).
قَالَتْ عَائِشَةُ: ((فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ المَاءَ)). (واللفظ مسلم).
ولذا قال البيهقي: ((هكذا رواه سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة، واختُلف فيه عليه، والمشهور رواية الجمهور عن الزهري عن عروة عن عائشة في شأن أم حبيبة بنت جحش)) (الكبرى عقب رقم ١٦٧٩).
وقال عند الكلام على حديث أم حبيبة: ((رواه مسلم في الصحيح عن قتيبة، وهكذا رواه جماعة عن الزهري. ورواه سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة، فخالفهم في الإسناد والمتن جميعًا)) (السنن عقب رقم ١٥٩٢).
وهذا الكلام من البيهقي استنكار لحديث سهيل؛ ولذا قال ابن دقيق: ((قد أعل بعضهم هذا الحديث)) (الإلمام ١/ ١١٢)، (المحرر ص ١٤٧).
هذا، ولما خَرَّج ابن عدي هذا الحديث من طريق عمران عن سهيل، أعله بقوله: ((والحديث إنما يرويه عن سهيل جرير بن عبد الحميد، وبه يُعْرَف)) (الكامل ٢/ ٤٦٨).
وأقره ابن طاهر في (الذخيرة ١٩٣٤).
قلنا: قد رواه عن سهيل غير واحد، كما تقدم في الإسناد.
[تنبيهان]:
الأول: ذَكَر صاحب (عون المعبود ١/ ٣٣٥) والصنعاني في (السبل .. / .. ) -وعنه الألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ٨٩) - أن المنذري حَسَّن هذا الحديث. ولم نجد ذلك في (المختصر ١/ ١٩١)، بل سكت عنه!
стр. 14773
الثاني: وقع في رواية عبد الحميد بن بيان عند البيهقي (١٦٧٩): ((عن أسماء بنت أبي بكر))، والصحيح: ((عن أسماء بنت عميس))، كما قال البيهقي.
стр. 14774
٣٤١٥ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرُبَّمَا اعْتَكَفَتْ مَعَهُ تَسْأَلُهُ عَنِ المُسْتَحَاضَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: أَنْ تَغْتَسِلَ لِصَلَاةِ الفَجْرِ اغْتِسَالَةً، ثُمَّ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَتَغْتَسِلَ اغْتِسَالَةً، ثُمَّ تُصَلِّيَ وَتُؤَخِّرَ المَغْرِبَ وَتُقَدِّمَ العِشَاءَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا اغْتِسَالَةً ثُمَّ تُصَلِّيَ.
فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِالدَّمِ العَبِيطِ، وَلَكِنَّهُ بِالدَّمِ البَحْرَانِيِّ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا تَدَعِي الصَّلَاةَ، وَلَوْ قَعَدْتِ عَلَى كُرْسِيٍّ وَتَحْتَكِ طَسْتٌ؛ فَإِنَّهُ عِرْقٌ انْفَجَرَ، أَوْ قَرْحَةٌ فِي الرَّحِمِ)).
[الحكم]: منكر. وأنكره: العقيلي.
[التخريج]:
[عق (٣/ ١٢٢)].
[السند]:
قال العقيلي: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عمرو بن بِشر (١) بن السَّرْح، قال: حدثنا عنبسة بن سعيد بن غُنَيْم، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: عنبسة بن سعيد بن غنيم، قال أبو زرعة: ((أحاديثه منكرة))، وقال أبو حاتم: ((ليس بالقوي)) (الجرح والتعديل ٦/ ٤٠٠). وأما ابن حبان فذكره
стр. 14775
في (الثقات ٧/ ٢٨٩).
الثانية: الانقطاع، فعنبسة لم يسمع من عكرمة شيئًا. قاله أبو زرعة (المراسيل ٦٠٠)، و (الجرح والتعديل ٦/ ٤٠٠).
وأعله العقيلي بعلة أخرى، فذكره في ترجمة عمرو بن بِشر من (الضعفاء ١٢٦٨) وقال عنه: ((منكر الحديث))، وروى له هذا الحديث وغيره، ثم قال: ((كل هذه الأحاديث غير محفوظة بهذا الإسناد. فأما قصة المستحاضة، فقد رُوي بهذا الإسناد من طريقٍ لَين، ورُوي بخلاف هذا اللفظ من طريقٍ صالح)).
قلنا: عمرو بن بِشر قال فيه أبو حاتم: ((محله الصدق، ما به بأس))، وقال دحيم: ((ثقة)) (الجرح ٦/ ٢٢٢)، فالعلة في شيخه، وبرئت بذلك عهدة عمرو بن بشر. والله أعلم.