((وَتَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ))، وحينئذٍ إما أن نحمل على خالد الواسطي الثقة الثبت، وإما أن نحمل على سهيل، وهذا هو الصواب ولابد. وإلا فكيف نحمل على خالد الثقة الثبت ونَغُضّ الطرف عن المتكلم فيه؟ !
وما ذكرناه من الحمل على سهيل هو ما ذهب إليه ابن عبد البر في (التمهيد ٢٢/ ١٠٦)، والبيهقي في (السنن الكبير عقب رقم ١٥٩٣).
على أن ابن عبد البر قد عد أحاديث الزهري في هذا الباب مضطربة، فقال: ((حديث ابن شهاب في هذا الباب مضطرب)) (التمهيد ١٦/ ٦٥).
وقال ابن رجب: ((في إسناده بعض شيء)) (الفتح ٤/ ٢٧٠ بتصرف).
وقال الشوكاني: ((في إسناده سهيل بن أبي صالح، وفي الاحتجاج بحديثه خلاف)) (النيل ١/ ٣٠٣)، و (الفتح الرباني ٥/ ٢٥٩٩).
وقد استنكر ابن القطان من المتن شيئًا آخر ذكرناه ضمن تحقيقنا رواية جرير.
الوجه الثالث: أن سهيل بن أبي صالح قد خولف في إسناده ومتنه:
خالفه ابن أبي ذئب عند البخاري (٣٢٧)، وعمرو بن الحارث عند مسلم (٣٣٤)، والليث بن سعد عند مسلم (٣٣٤)، والأوزاعي عند النسائي (٢٠٣)، وحفص بن غيلان عند النسائي (٢٠٩)، وسفيان بن عيينة عند الشافعي (١/ ٣١١)، وإبراهيم بن سعد عند أحمد (٢٥٥٤٤)، وغيرهم. كلهم: عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ - خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا عِرْقٌ،
стр. 14772
فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي)).
قَالَتْ عَائِشَةُ: ((فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ المَاءَ)). (واللفظ مسلم).
ولذا قال البيهقي: ((هكذا رواه سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة، واختُلف فيه عليه، والمشهور رواية الجمهور عن الزهري عن عروة عن عائشة في شأن أم حبيبة بنت جحش)) (الكبرى عقب رقم ١٦٧٩).
وقال عند الكلام على حديث أم حبيبة: ((رواه مسلم في الصحيح عن قتيبة، وهكذا رواه جماعة عن الزهري. ورواه سهيل بن أبي صالح عن الزهري عن عروة، فخالفهم في الإسناد والمتن جميعًا)) (السنن عقب رقم ١٥٩٢).
وهذا الكلام من البيهقي استنكار لحديث سهيل؛ ولذا قال ابن دقيق: ((قد أعل بعضهم هذا الحديث)) (الإلمام ١/ ١١٢)، (المحرر ص ١٤٧).
هذا، ولما خَرَّج ابن عدي هذا الحديث من طريق عمران عن سهيل، أعله بقوله: ((والحديث إنما يرويه عن سهيل جرير بن عبد الحميد، وبه يُعْرَف)) (الكامل ٢/ ٤٦٨).
وأقره ابن طاهر في (الذخيرة ١٩٣٤).
قلنا: قد رواه عن سهيل غير واحد، كما تقدم في الإسناد.
[تنبيهان]:
الأول: ذَكَر صاحب (عون المعبود ١/ ٣٣٥) والصنعاني في (السبل .. / .. ) -وعنه الألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ٨٩) - أن المنذري حَسَّن هذا الحديث. ولم نجد ذلك في (المختصر ١/ ١٩١)، بل سكت عنه!
стр. 14773
الثاني: وقع في رواية عبد الحميد بن بيان عند البيهقي (١٦٧٩): ((عن أسماء بنت أبي بكر))، والصحيح: ((عن أسماء بنت عميس))، كما قال البيهقي.
стр. 14774
٣٤١٥ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرُبَّمَا اعْتَكَفَتْ مَعَهُ تَسْأَلُهُ عَنِ المُسْتَحَاضَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: أَنْ تَغْتَسِلَ لِصَلَاةِ الفَجْرِ اغْتِسَالَةً، ثُمَّ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَتَغْتَسِلَ اغْتِسَالَةً، ثُمَّ تُصَلِّيَ وَتُؤَخِّرَ المَغْرِبَ وَتُقَدِّمَ العِشَاءَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا اغْتِسَالَةً ثُمَّ تُصَلِّيَ.
فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِالدَّمِ العَبِيطِ، وَلَكِنَّهُ بِالدَّمِ البَحْرَانِيِّ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا تَدَعِي الصَّلَاةَ، وَلَوْ قَعَدْتِ عَلَى كُرْسِيٍّ وَتَحْتَكِ طَسْتٌ؛ فَإِنَّهُ عِرْقٌ انْفَجَرَ، أَوْ قَرْحَةٌ فِي الرَّحِمِ)).
[الحكم]: منكر. وأنكره: العقيلي.
[التخريج]:
[عق (٣/ ١٢٢)].
[السند]:
قال العقيلي: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عمرو بن بِشر (١) بن السَّرْح، قال: حدثنا عنبسة بن سعيد بن غُنَيْم، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: عنبسة بن سعيد بن غنيم، قال أبو زرعة: ((أحاديثه منكرة))، وقال أبو حاتم: ((ليس بالقوي)) (الجرح والتعديل ٦/ ٤٠٠). وأما ابن حبان فذكره
стр. 14775
في (الثقات ٧/ ٢٨٩).
الثانية: الانقطاع، فعنبسة لم يسمع من عكرمة شيئًا. قاله أبو زرعة (المراسيل ٦٠٠)، و (الجرح والتعديل ٦/ ٤٠٠).
وأعله العقيلي بعلة أخرى، فذكره في ترجمة عمرو بن بِشر من (الضعفاء ١٢٦٨) وقال عنه: ((منكر الحديث))، وروى له هذا الحديث وغيره، ثم قال: ((كل هذه الأحاديث غير محفوظة بهذا الإسناد. فأما قصة المستحاضة، فقد رُوي بهذا الإسناد من طريقٍ لَين، ورُوي بخلاف هذا اللفظ من طريقٍ صالح)).
قلنا: عمرو بن بِشر قال فيه أبو حاتم: ((محله الصدق، ما به بأس))، وقال دحيم: ((ثقة)) (الجرح ٦/ ٢٢٢)، فالعلة في شيخه، وبرئت بذلك عهدة عمرو بن بشر. والله أعلم.
стр. 14776
٣٤١٦ - حَدِيثُ القَاسِمِ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ المُسْلِمِينَ اسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ -أَوْ: سُئِلَ عَنْهَا- فَقَالَ: ((إِنَّمَا هُوَ عَرَقٌ، تَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ حَيْضَتِهَا (قَدْرَ أَيَّامِهَا) ١ (أَقْرَائِهَا، أَوْ حَيْضِهَا) ٢، ثُمَّ تَجْمَعُ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ غُسْلًا)).
[الحكم]: ضعيف لإرساله واضطراب راويه كما سبق.
[التخريج]:
[عب ١١٨٥ "واللفظ له" / طح (١/ ١٠٠/ ٦٣٠) "والرواية الأولى له" / عيينة (حرب - الثاني ٧) "والرواية الثانية له ولغيره" / هق ١٦٧٧ / مبهم (٢/ ١٢٦)].
[السند]:
رواه عبد الرزاق في (مصنفه)، وعلي بن حرب الطائي في (الثاني من حديث ابن عيينة ٧) -ومن طريقه الخطيب في (الأسماء المبهمة) -، كلاهما عن ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، به مرسلًا، إلا أن لفظ الطائي: ((قدر أقرائها أو (١) حيضها)) بالشك، ولم يشك عبد الرزاق في أنه بلفظ الحيض، وهو أحفظ.
ورواه الطحاوي عن يونس بن عبد الأعلى، والبيهقي من طريق إسحاق بن راهويه، كلاهما عن ابن عيينة به، ولفظ يونس: ((قدر أيامها)).
فمداره عندهم على سفيان بن عيينة به مرسلًا.
стр. 14777
[التحقيق]:
رجال إسناده ثقات رجال الشيخين، لكنه مرسل، وقد اضطرب فيه ابن القاسم كما بيَّنَّاه آنفًا تحت حديث عائشة.
[تنبيه]:
قد عَلَّق أبو داود في (السنن عقب رقم ٢٨١) بعض هذا المرسل، فقال: ((وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا)).
ولم نجده هكذا مقتصرًا على ذكر الأقراء، بل بالشك بينها وبين لفظ الحيض، أو بالاقتصار على لفظ الحيض أو الأيام كما مر.
стр. 14778
٣٤١٧ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: ((تُؤَخِّرُ المُسْتَحَاضَةُ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلُ العَصْرَ، وَتَقْرُنُ بَيْنَهُمَا، وَتَغْتَسِلُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَتُؤَخِّرُ المَغْرِبَ، وَتُعَجِّلُ العِشَاءَ، وَتَغْتَسِلُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَتَغْتَسِلُ لِلفَجْرِ)).
[الحكم]: موقوف صحيح. وصححه: ابن حزم، والألباني.
[التخريج]:
[عب ١١٨٢ / ش ١٣٦٤، ٨١٥٦ "واللفظ له" / مي ٨٢٣، ٩٢٦ / جعد ١١٥ / طح (١/ ١٠١، ١٠٢/ ٦٣٥) / منذ ٥٦].
[التحقيق]:
هذا الأثر له طرق عن ابن عباس:
أولها:
رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه ١٣٦٤، ٨١٥٦) قال: حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رُفَيْع، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، ورجاله ثقات رجال الشيخين، عطاء هو ابن أبي رباح. وجرير هو ابن عبد الحميد. وقد توبع:
فرواه الدارمي (٨٢٣) من طريق سَلَّام أبي الأحوص، عن عبد العزيز بن رُفَيْع، به بلفظ: ((تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا لِلظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَغُسْلًا لِلمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ)) وَكَانَ يَقُولُ: ((تُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلُ العَصْرَ، وَتُؤَخِّرُ المَغْرِبَ وَتُعَجِّلُ العِشَاءَ)).
وسنده صحيح أيضًا، وتوبع عليه ابن رفيع:
فرواه الدارمي (٩٢٩) من طريق شعيب الدمشقي، حدثنا الأوزاعي،
стр. 14779
أخبرني عطاء، أن ابن عباس ﵄ كان يقول: ((لِكُلِّ صَلَاتَيْنِ اغْتِسَالَةٌ، وَتُفْرِدُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ اغْتِسَالَةً)).
وسنده حسن صحيح.
الطريق الثاني:
رواه عبد الرزاق (١١٨٢) - ومن طريقه ابن المنذر (٥٦) وابن حزم (المحلى ٢/ ٢١٣) -، عن معمر، عن أيوب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ كَتَبَتْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ، فَدَفَعَهُ إِلَى ابْنِهِ لِيَقْرَأَهُ، فَتَعْتَعَ فِيهِ، فَدَفَعَهُ إِلَيَّ فَقَرَأْتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((أَمَا لَوْ هَذْرَمْتَهَا كَمَا هَذْرَمَهَا الغُلَامُ الِمصْرِيُّ))، فَإِذَا فِي الكِتَابِ: ((إِنِّي امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ، أَصَابَنِي بَلَاءٌ وَضُرٌّ، وَإِنِّي أَدَعُ الصَّلَاةَ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ، وَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي أَنْ أَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ! )).
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((اللهُمَّ لَا أَجِدُ لَهَا إِلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ، غَيْرَ أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَتَغْتَسِلُ لِلفَجْرِ)).
قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الكُوفَةَ أَرْضٌ بَارِدَةٌ، وَإِنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهَا! قَالَ: ((لَوْ شَاءَ لَابْتَلَاهَا بِأَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ)).
وإسناده صحيح على شرط الشيخين لو سَلِم من الاضطراب، فقد اختُلف فيه على سعيد اختلافًا شديدًا، يُخشى أن يكون اضطرابًا:
فرواه أيوب السَّختياني كما سبق.
ورواه الدارمي (٩٢٥) عن عبد الصمد، عن شعبة، حدثنا (أبو بشر) (١)،
стр. 14780
قال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: كَتَبَتِ امْرَأَةٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، وَإِنِّي أُذَكِّرُكُمَا اللهَ إِلَّا أَفْتُيْتُمَانِي، وَإِنِّي سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: ((تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ)). فَقَرَأْتُ، وَكَتَبْتُ الجَوَابَ بِيَدِي: مَا أَجِدُ لَهَا إِلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ.
فَقِيلَ: إِنَّ الكُوفَةَ أَرْضٌ بَارِدَةٌ. فَقَالَ: لَوْ شَاءَ اللهُ لَابْتَلَاهَا بِأَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ)).
ففي هذا أنه تابَع عليًّا على الاغتسال لكل صلاة، ولم يَذكر الجمع. وأبو بِشر هو جعفر بن أبي وحشية، ثقة، مِن أثبت الناس في سعيد بن جبير، وروايته عنه في الصحيحين.
وتابعه أشعث بن أبي الشعثاء عند الدارمي (٩٢٠) وعبد الرزاق (١١٨٧)، وعبد الله بن هرمز عند ابن المنذر (٥٥)، كلاهما عن سعيد عن ابن عباس، به، نحو رواية أبي بشر مختصرًا، ليس فيه ابن الزبير.
ورواه أبو الزبير عند عبد الرزاق (١١٨٨) -ومن طريقه ابن المنذر (٥٤) -، والطحاوي (١/ ١٠٠).
وحماد بن أبي سليمان، عند الطحاوي (١/ ١٠٠).
كلاهما عن سعيد قال: ((أَرْسَلَتِ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ غُلَامًا لَهَا، أَوْ مَوْلًى لَهَا، أَنِّي مُبْتَلَاةٌ لَمْ أُصَلِّ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا - قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مُنْذُ سَنَتَيْنِ - وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللهَ إِلَّا مَا بَيَّنْتَ لِي فِي دِينِي! !
قَالَ: وَكَتَبَتْ إِلَيْهِ، أَنِّي أُفْتِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ((لَا أَجِدُ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ)).
стр. 14781
وهذا لفظ عبد الرزاق، وزاد فيه ابن المنذر: ((ثُمَّ جَاءَ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَا: مَا نَجِدُ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ)).
وعند الطحاوي أنها: ((كَتَبَتْ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ))، وفيه: ((فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَقَعَ الكِتَابُ فِي يَدِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: ((مَا أَعْلَمُ لَهَا إِلَّا أَنْ تَدَعَ قُرُوءَهَا، وَتَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّيَ. فَتَتَابَعُوا عَلَى ذَلِكَ)).
وهذا أيضًا بنحو رواية أبي بشر.
ورواه الطحاوي (١/ ١٠١)، وابن عبد البر في (التمهيد ١٦/ ٩٣) من طريق محمد بن جُحَادة، عن إسماعيل بن رجاء، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: ((جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مُسْتَحَاضَةٌ تَسْأَلُهُ، فَلَمْ يُفْتِهَا، وَقَالَ لَهَا: سَلِي غَيْرِي.
قَالَ: فَأَتَتِ ابْنَ عُمَرَ ﵁ فَسَأَلَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: لَا تُصَلِّي مَا رَأَيْتِ الدَّمَ.
فَرَجَعْتِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فَأَخْبَرَتُهُ، فَقَالَ ﵀: إِنْ كَادَ لَيُكَفِّرُكِ! !
قَالَ: ثُمَّ سَأَلَتْ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَقَالَ: تِلْكَ رَكْزَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، أَوْ قَرْحَةٌ فِي الرَّحِمِ، اغْتَسِلِي عِنْدَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ مَرَّةً، وَصَلِّي.
قَالَ: فَلَقِيَتِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ بَعْدُ، فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: مَا أَجِدُ لَكِ إِلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ)).
وابن جحادة ثقة من رجال الشيخين. وابن رجاء ثقة من رجال مسلم، وفي روايته أن عليًّا قال بالغسل لكل صلاتين. وهو خلاف ما سبق، وفي سياقته اختلاف آخر ظاهر. فهذا اختلاف كبير، والله أعلم بالصواب. وقد ذكر ابن حزم بعض هذه الوجوه عن سعيد، ثم ذكر أن إسناده في غاية
стр. 14782
الصحة. (المحلى ٢/ ٢٤١).
الطريق الثالث:
رواه الدارمي (٩٢٦) عن حَجاج، حدثنا حماد، عن قيس، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ أَرْضَهَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ! فَقَالَ: ((تُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلُ العَصْرَ، وَتَغْتَسِلُ غُسْلًا، وَتُؤَخِّرُ المَغْرِبَ وَتُعَجِّلُ العِشَاءَ، وَتَغْتَسِلُ غُسْلًا، وَتَغْتَسِلُ لِلفَجْرِ غُسْلًا)).
وسنده صحيح، وقال الألباني: ((على شرط مسلم)) (صحيح أبي داود ٢/ ٩١، ٩٢).
ورواه الطحاوي من طريق آخر عن حَجاج، وصححه الألباني أيضًا.
وهذا الطريق علقه أبو داود عقب حديث أسماء بنت عميس (٢٩٦)، فقال: ((رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الغُسْلُ، أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ)).
الطريق الرابع:
رواه البغوي في (الجعديات ١١٥) عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن عمرو بن مُرة قال: سمعت إبراهيم النَّخَعي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي المُسْتَحَاضَةِ قَالَ: ((تُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلُ العَصْرَ، وَتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا، وَتُؤَخِّرُ المَغْرِبَ وَتُعَجِّلُ العِشَاءَ، وَتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ غُسْلًا)).
وسنده منقطع، إبراهيم لم يسمع من ابن عباس. وهذا علقه أبو داود أيضًا (عقب رقم ٢٩٦).
وَتُصَلِّينَ (وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي، وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ)).
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)).
[الحكم]: مختلف فيه:
فضَعَّفه أبو حاتم، وابن المنذر، والدَّارَقُطْنِيّ، وابن منده، وابن حزم، وابن عبد البر. وهو ظاهر صنيع أبي داود، والخطابي، والبيهقي، والمنذري، وابن رجب.
واختلفت الرواية عن أحمد، والأكثر على أنه ضَعَّفه ولم يأخذ به. وقيل: إنه رجع إلى تقويته وأَخَذ به.
بينما حَسَّنه: البخاري، والطبري، والبغوي، والطوسي، وابن عبد الهادي، والألباني. وهو ظاهر صنيع ابن القطان، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن دقيق، وابن الملقن.
وصححه: الترمذي، وعبد الحق، والنووي، وأحمد شاكر.
والراجح: ضعفه.
[اللغة]:
قال ابن الأثير: " (رَكْضَة من الشيطان) الرَّكْضَة: الدفعة، أي: إن الشيطان قد حَرك هذا الدم، وليس بدم حيض معتاد. قال الخطابي: معناه: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمرها وشأن دينها، ووقت طهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك، فصار في التقدير: كأنه ركضة نالتها من رَكَضَاته.
стр. 14785
وقوله: ((أثُج ثَجًّا)): ثَججتُ الماءَ أثُجُه ثَجًّا: إذا أسلتَه وأجريتَه بكثرة. أرادت: أن دمها يجري جريًا كثيرًا.
وقوله ((الميقات)): الوقت المعهود للحيض. وهو (مِفعَال) من الوقت.
وقوله: ((تَلَجَّمِي)): التَّلَجُّم: كالاستثفار، وهو أن تشد المرأة فرجها بخرقة عريضة توثق طرفيها في شيء آخر قد شدته على وسطها، بعد أن تحتشي قطنًا، فتمنع بذلك الدم أن يجري أو يقطر". (جامع الأصول ٧/ ٣٦٧).
وقال أيضًا: (الكُرسُف): القُطن، وقد جعله وصفًا للثياب وإن لم يكن مُشتَقًّا؛ كقولهم: (مررت بحَيةٍ ذرَاع)، و (إبلٍ مائة) ونحو ذلك. (النهاية ٤/ ٢٩٥).
وقال ابن دقيق العيد: "قوله (أنعت)؛ أي: أصفُ. والنعت: وصف الشيء بما فيه من حُسن. ولا يقال في القبح إلا أن يتكلف متكلف فيقول: (نعت سوء). والوصف يقال في الحسن والقبيح" (الإمام ٣/ ٤١٠).
[التخريج]:
[د ٢٨٧ "والزيادات والرواية له" / ت ١٢٩ "واللفظ له" / جه (٦٢٢ طبعة دار إحياء الكتب العربية (١)، ٥٩٧ / حم ٢٧١٤٤، ٢٧٤٧٤، ٢٧٤٧٥/ ك ٦٢٥/ عب ١١٨٣/ ش ١٣٧٣/ أم ١٢٤/ شف ١١٠ / حق ٢١٩٠ / حرب (طهارة ٥٤٧) / طب (٢٤/ ٢١٧، ٢١٨/ ٥٥١ - ٥٥٣) / تخ (١/ ٣١٦) مختصرًا جدًّا/ مث ٣١٨٩، ٣١٩٠/ منذ ٨٠٥، ٨٠٦ / حث (تهذيب التهذيب ٧/ ٤٦٦) / قط ٨٣٤ - ٨٣٨/ مقط (٢/ ٨٠٨)
стр. 14786
مختصرًا/ تخث (السفر الثاني ٣٩٧٦ هـ) / طوسي ١٠٨/ مشكل ٢٧١٧، ٢٧١٨/ صحا ٧٥٦٧/ هق ١٦٢٤، ١٦٢٥، / هقع ٢١٨٩، ٢١٩٤/ هقغ ١٦٩/ هقش (١/ ١٣٨ - ١٤٢) / هقخ ١٠١٣، ١٠١٤/ نعيم (طب ٤٣٠) / محلى (٢/ ١٩٣) / تمهيد (١٦/ ٦٢ - ٦٤) / بغ ٣٢٦/ كر (٤٣/ ٥٠٤ - ٥٠٦) / تحقيق ٣٠١/ أسد (٧/ ٧١، ٧٢) / حبيب (موطأ ١/ ٢١٠)].
[التحقيق]:
قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب وغيره، قالا: ثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا زهير بن محمد - الخراساني - عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش، به.
ورواه الترمذي: عن محمد بن بشار قال: عن أبي عامر العَقَدي عبد الملك بن عمرو، عن زهير بن محمد، به.
ورواه أحمد وابن راهويه وغيرهما عن عبد الملك، عن زهير بن محمد، به (١).
وتوبع عليه زهير:
فرواه عبيد الله بن عمرو الرَّقِّي وشَريك وابن جريج وعمرو بن ثابت
стр. 14787
وإبراهيم بن محمد الأسلمي، عن ابن عقيل، به، كما في مراجع التخريج.
إلا أن ابن جريج أخطأ في سنده، كما أخطأ ابن ثابت في بعض متنه، وسيأتي بيان خطئه لاحقًا.
فأما خطأ ابن جريج: فرواه عبد الرزاق (١١٨٣) - ومن طريقه ابن ماجه (٦٢٢ طبعة دار إحياء الكتب العربية) وابن المنذر (٨٠٥)، والطبراني (٢٤/ ٥٥١)، وابن أبي عاصم (٣١٨٩) -: عن ابن جريج، عن ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمر بن طلحة (١) عن [أم حبيبة] ابنة جحش، به، مطولًا.
ثم رواه عبد الرزاق برقم (١١٥٨) عن ابن جريج، عن عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمر (٢) بن طلحة، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ: ((أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجَلَ حَيْضَتِهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ- أَوْ: سَبْعَةً)). كذا مختصرًا جدًّا.
وقد أخطأ ابن جريج في قوله: (عمر بن طلحة)، والصواب: (عمران بن طلحة).
ولذا قال البخاري - عقب ذكر رواية ابن جريج -: ((والأول أصح))
стр. 14788
(التاريخ الكبير ١/ ٣١٦)، يعني: عمران.
وقال الترمذي: ((ابن جريج يقول: (عمر بن طلحة)، والصحيح (عمران بن طلحة))).
وفي تكنيته حَمْنة بأم حبيبة نظر أيضًا، وإن قال البيهقي: ((وأما حمنة بنت جحش فقد قال علي بن المديني: هي أم حبيبة، كانت تكنى بأم حبيبة، وهي حمنة بنت جحش)). ثم قال: ((وخالفه يحيى بن معين، فزعم أن المستحاضة أم حبيبة بنت جحش تحت عبد الرحمن بن عوف، ليست بحمنة)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٢٥).
وقول ابن معين أقرب إلى الصواب، وليس هنا موضع بسطه.
والخلاصة: أن الحديث مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو علته؛ فقد اختَلف فيه النقاد، والجمهور على تليينه كما بيَّنَّاه في غير ما موضع؛ ولذا اختلف النقاد في حديثه هذا: فمنهم مَن قَبِله، ومنهم مَن رده.
فأما مَن قَبِله، فعلى رأسهم البخاري والترمذي:
قال الترمذي: ((سألت محمدًا - يعني: البخاري - عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن)) (السنن عقب الحديث).
لكنه ذكر في (العلل ٧٤) أن البخاري قال: ((حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن، إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم، لا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا))، ونقله البيهقي في (الكبرى عقب رقم ١٦٢٥).
فيمكن أن يقال: هذا نقض لتحسينه، أي: هو حسن لولا كذا. وإلا فكيف يحسنه مع عدم علمه بثبوت السماع من عدمه؟ وعلى هذا فيكون قد اضطربت
стр. 14789
الرواية عنه، إلا إن قلنا: المراد تحسينه رغم عدم تحقق السماع لقرائن تُرجِّح ذلك عنده.
وقد أنكر ابن سيد الناس قول البخاري هذا، وشك في صحته، فقال: ((وهذا القول عن البخاري لا أعلم له وجهًا!
إبراهيم بن محمد بن طلحة مات سنة عشر ومئة ... وهو تابعي، سمع أبا أَسِيد الساعدي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة، وعائشة، ﵃.
وابن عقيل سمع عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، ﵃.
فكيف ينكر سماعه من إبراهيم بن محمد بن طلحة لقِدَمه؟ ! وأين ابن طلحة من هؤلاء في القِدَم؟ ! وهم نظراء شيوخه في الصحبة، وقريب منهم في الطبقة؟ ولو توقف عن القول بسماعه من ابن طلحة، معللًا ذلك بعلة غير القِدم أو غير معلل له بعلة؛ لما توجه إنكاره. وفي صحة هذا عن البخاري عندي نظر)) (النفح الشذي ٣/ ١٣٧).
قال ابن المُلقِّن: ((لكن قد نقله عنه مثل هذا الإمام - (يعني: الترمذي) -، وجوابه ما سلف))، وهو ما سبق من المعاصرة وإمكان اللقاء (البدر ٣/ ٦٣).
ولهذا قال أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي: ((وأما العلة الأخرى التي نقلها البيهقي عن الترمذي عن البخاري، في الشك في سماع ابن عقيل من إبراهيم بن محمد بن طلحة؛ فإنها علة لا تقوم لها قائمة)).
وكأنه لذلك لم يبالِ الترمذي بهذا، وجزم بصحته، فقال: ((هذا حديث حسن
стр. 14790
صحيح)) (السنن عقب رقم ١٢٩).
وكذا نقل الترمذي عن الإمام أحمد أنه قال: ((هو حديث حسن صحيح))! (السنن عقب رقم ١٢٩).
وقال أيضًا: ((وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح)) (العلل الكبير ٧٤).
ونَقَل حرب عن أحمد أنه قال: ((نذهب إليه، ما أَحْسَنَه من حديث! ))، نقله ابن رجب في (الفتح ٢/ ٦٤).
ولكن المشهور عن أحمد خلاف ذلك:
فروى عنه أبو داود أنه قال: ((في نفسي منه شيء)) (السنن ٢/ ٢٤٠/ حاشية رقم ١٣)، و (المسائل ١٦٠).
قال ابن سيد الناس: ((فالجواب عنه أن الترمذي قد صححه، ونقل عن أحمد تصحيحه نصًّا، والذي ذكره أبو داود لم يعين فيه الحديث عن أحمد، وإنما هو شيء وقع له، ففَسَّر به كلام أحمد، ولن يستويا في رتبة أبدًا، وقد يكون ذلك كله، فيكون أحمد أولًا كان في نفسه منه شيء، ففهمه أبو داود ونقله عنه، ثم زال ما في نفسه منه وظهرت له صحته، فنقل ذلك عنه البخاري والترمذي ومَن نقله؛ فاندفعت الشُّبه المذكورة عن هذا الخبر)) (النفح الشذي ٣/ ١٤٢).
وقال بعضهم: ((لعله يريد أن في نفسه شيئًا من جهة الفقه والاستنباط والجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، وإن كان صحيحًا ثابتًا عنده من جهة الإسناد)) (مرعاة المفاتيح ٢/ ٢٦٦).
قلنا: هذا يَرُده النص التالي:
стр. 14791
فقد ذَكَر ابن هانئ أنه قيل لأحمد: ((حديث حَمنة عندك قوي؟ )) قال: ((ليس هو عندي بذلك، حديث فاطمة (١) أقوى عندي وأصح إسنادًا منه)) (مسائل أحمد برواية ابن هانئ ١/ ٣٣ رقم ١٦٤).
ولذا قال ابن رجب: ((والمعروف عن الإمام أحمد أنه ضَعَّفه ولم يأخذ به، وقال: (ليس بشيء)، وقال مرة: (ليس عندي بذلك، وحديث فاطمة أصح منه وأقوى إسنادًا)، وقال مرة: (في نفسي منه شيء)، ولكن ذَكَر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ به. والله أعلم)) (الفتح ٢/ ٦٤).
وقال في موضع آخر: ((قد اختَلف قول الإمام أحمد فيه: فنَقَل عنه أكثر أصحابه أنه ضَعَّفه. وقيل: إنه رجع إلى تقويته والأخذ به. قاله أبو بكر الخلال)) (الفتح ٢/ ١٦٢).
وقال الحاكم عقب إخراجه: ((قد اتفق الشيخان على إخراج حديث الاستحاضة من حديث الزهري وهشام بن عروة، عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ ... وليس فيه هذه الألفاظ التي في حديث حمنة بنت جحش. وراويه عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وهو من أشراف قريش وأكثرهم رواية، غير أنهما لم يحتجا به، وشواهده حديث الشعبي، عن قَمير امرأة مسروق، عن عائشة ﵂. وحديث أبي عقيل يحيى بن المتوكل عن بُهَيَّة عن عائشة. وذِكرها في هذا الموضع يطول)) (المستدرك عقب رقم ٦٢٥).
وشاهدَيْ قَمير وبُهَيَّة خرجناهما في غير هذا الموضع، وبَيَّنا ضعفهما،
стр. 14792
وليس في متنهما ما يشهد لسياقة ابن عقيل كما زعم.
والحديث حَسَّنه الطوسي في (المستخرج ١/ ٣٤٢)، والبغوي في (شرح السنة ٢/ ١٤٩).
وذَكَر ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار) عدة أحاديث من حديث ابن عقيل، فقَبِلها وصححها، وقال في حديث حمنة: ((هو من أحسن الأحاديث المروية في هذا)) ذكره مُغَلْطَاي في (الإكمال ٨/ ١٨٠).
وذكر عبد الحق الإشبيلي تصحيح الترمذي وأحمد، وأقرهما، (الأحكام الوسطى ١/ ٢١٧)؛ ولذا جزم مغلطاي بأنه قد صححه (الإكمال ٨/ ١٨٠).
وتَعَقَّب ابن القطان تصحيحه له، حيث قال: ((ذَكر حديث حمنة، فصححه بتصحيح ابن حنبل والترمذي له، وإن كان البخاري لم يقل فيه إلا أنه حسن ... وذَكَر أبو داود عن أحمد أنه قال: في نفسي منه شيء. والأليق -كان- بأبي محمد تحسينه لا تصحيحه؛ فإنه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل)) (بيان الوهم والإيهام ٤/ ٩٧، ٩٨).
وقال النووي: ((وأما حديث حمنة فصحيح))، ثم نقل كلام الترمذي (المجموع ٢/ ٣٧٧)، وقال أيضًا: ((حسن صحيح)) (خلاصة الأحكام ١/ ٢٣٨).
وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في (شرح العمدة ١/ ٥٠٩).
وقال ابن عبد الهادي: ((ومَن صحح هذا الحديث أو حَسَّنه من الأئمة- أعلم ممن تَكلم فيه)). ثم قال متعقبًا ابن منده: ((فابن عقيل حسن الحديث))! (تعليقة على علل ابن أبي حاتم، ص ١٢٤).
وحَسَّنه الألباني، فقال: ((وهذا إسناد حسن رجاله ثقات غير ابن عقيل، وقد
стр. 14793
تَكلم فيه بعضهم مِن قِبل حفظه، وهو في نفسه صدوق، فحديثه في مرتبة الحسن. وكان أحمد وابن راهويه يحتجان به كما قال الذهبي؛ ولهذا قال الترمذي عقب هذا الحديث: ((حسن صحيح)) (الإرواء ١٨٨)، و (صحيح أبي داود ٢/ ٦٧)، و (الثمر، ص ٣٩).
وأما مَن ردَّ هذا الحديث من العلماء تلميحًا أو تصريحًا:
فقد عَلَّق أبو داود على حديثه هذا قائلًا: سمعت أحمد يقول: ((حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء)) (السنن ٢/ ٢٤٠/ حاشية ١٣).
وقد اختَلفت الروايات عن الإمام أحمد في ذلك كما سبق، والمراد هنا تعقيب أبي داود بهذا الكلام على الحديث، وإقراره، بل قد ذَكَر مغلطاي أن أبا داود قال بعد ذلك: ((وابن عقيل ضعيف)) (شرح ابن ماجه ٣/ ١١٨).
ولم نجد ذلك في المطبوع، فلعله في رواية ابن العبد، فكثيرًا ما ينقل منها زيادات لا تكون في المطبوع، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي عن حديث رواه ابن عقيل عن ... حمنة بنت جحش، في الحيض، فوَهَّنه ولم يُقَوِّ إسناده)) (العلل ١/ ٥٨٣/ ١٢٣).
وتعقبه ابن الملقن فقال: ((وأما ما ذكره ابن أبي حاتم فلم يبين سبب وهنه حتى يُبحث معه عنه)) (البدر ٣/ ٦٤).
وقال الدَّارَقُطْنِيّ: ((تَفَرَّد به ابن عقيل، وليس بالقوي))، نقله الغساني في (تخريج الأحاديث الضعاف/ ص: ٦٥ رقم: ١٤٥)، وابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ٤٠٥، ٤٠٦)، وليس في مطبوعة (السنن) ولا في (العلل)!
وقال ابن المنذر: ((وأما حديث ابن عقيل ... في قصة حمنة، فليس يجوز الاحتجاج به من وجوه، كان مالك بن أنس لا يَروي عن ابن عقيل.
стр. 14794
قال الدافع لهذين الخبرين: وفي متن الحديث كلام مستنكر؛ زَعَمَتْ أن النبي ﷺ جعل الاختيار إليها، فقال لها: ((تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا))، قالوا: وليس يخلو اليوم السابع من أن تكون حائضًا أو طاهرًا: فإن كانت حائضًا فيه واختارت أن تكون طاهرًا، فقد ألزمت نفسها الصلاة في يوم هي فيه حائض، وصامت وصلت وهي حائض، وإن كانت طاهرًا واختارت أن تكون حائضًا، فقد أسقطت عن نفسها فرض الله عليها في الصلاة والصوم، وحَرَّمت نفسها على زوجها في ذلك اليوم، وهي في حكم الطاهر، وهذا غير جائز. وغير جائز أن تخير مرة بين أن تُلزم نفسها الفرض في حال، وتُسقط الفرض عن نفسها إن شاءت في تلك الحال)) (الأوسط ٢/ ٣٥٢).
وقال الخطابي: ((قد تَرَك بعض العلماء القول بهذا الخبر؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذلك)) (معالم السنن ١/ ٨٩).
وقد تعقبه النووي قائلًا: ((هذا الذي قاله هذا القائل لا يُقبل؛ فإن أئمة الحديث صححوه كما سبق.
وهذا الراوي وإن كان مختلفًا في توثيقه وجرحه، فقد صحح الحفاظ حديثه هذا، وهم أهل هذا الفن، وقد عُلِم من قاعدتهم في حد الحديث الصحيح والحسن أنه إذا كان في الراوي بعض الضعف، أجيز حديثه بشواهد له أو متابعة، وهذا من ذلك)) (المجموع ٢/ ٣٧٧).
وهذا التعقب فيه نظر؛ إذ هذا الحديث بهذا السياق ليس له شواهد، فالجمع الوارد فيه تخيير، بخلاف الجمع الوارد في غيره فليس فيه تخيير.
وقال ابن منده: ((حديث حمنة: ((تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا- أَوْ: سَبْعًا-)) لا يصح عندهم من وجه من الوجوه؛ لأنه من رواية ابن عقيل، وقد أجمعوا
стр. 14795
على ترك حديثه)) (الإمام لابن دقيق ٣/ ٣١٠)، و (الإكمال لمغلطاي ٨/ ١٧٨).
ولذا قال ابن رجب: ((وضَعَّفه أبو حاتم الرازي والدَّارَقُطْنِيّ وابن منده، ونُقل الاتفاق على تضعيفه من جهة عبد الله بن محمد بن عقيل؛ فإنه تَفَرَّد بروايته)) (الفتح ٢/ ٦٤).
قال ابن دقيق: ((ليس الأمر كما قال ابن منده وإن كان بحرًا من بحور هذه الصنعة؛ فقد ذكر الترمذي أن الحُميدي وأحمد وإسحاق كانوا يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد: ((وهو مقارب الحديث))، وما قاله ابن منده عجيب! )) (الإمام ٣/ ٣١٠).
وأقره ابن سيد الناس في (النفح الشذي ٣/ ١٣٦)، وابن الملقن في (البدر ٣/ ٦٣)، وتلقفه ابن التركماني في (الجوهر ١/ ٣٣٩) ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ١١٩) دون عزو!
وقال ابن القيم: ((ودعوى ابن منده الإجماع على ترك حديثه غلط ظاهر منه)) (الحاشية ١/ ٣٢٧).
وبنحوه قال ابن عبد الهادي في (شرح العلل، ص ١٢٤).
وقال مغلطاي أيضًا عقب كلام ابن منده: ((وفيه نظر)) (الإكمال ٨/ ١٧٨).
وقد اعتذر ابن حجر عن ابن منده، فقال: ((تَعَقَّبه ابن دقيق العيد، واستنكر منه هذا الإطلاق، لكن ظهر لي أن مراد ابن منده بذلك مَن خرج الصحيح، وهو كذلك)) (التلخيص ١/ ٢٨٩).
وقال البيهقي: ((تَفَرَّد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به)) (المعرفة ٢١٩٦).
стр. 14796
وتَعَقَّبه ابن الملقن قائلًا: ((إذا كان الراجح توثيقه فلا يضر تفرده به؛ لأن تَفَرُّد الثقة بالحديث لا يضر ... وقد ذكرنا آنفًا تحسين أحمد والبخاري حديثه هذا، وزاد أحمد تصحيحه)) (البدر ٣/ ٦٢).
وقال أيضًا: ((لا يضره؛ لأن الأكثرين احتجوا به))! (خلاصة البدر ١/ ٧٧).
قلنا: وهذا مردود؛ لأن الأكثرين على تليينه كما سبق.
ولما سكت البيهقي عن تحسين البخاري وأحمد في السنن، تعقبه ابن التركماني، فقال: ((وسكوت البيهقى عقيب كلام البخاري وابن حنبل- يُفْهَم منه أن هذا الحديث حسن عنده أو صحيح.
وفي ذلك نظر؛ فإن في هذا الحديث أمرين:
أحدهما: أن ابن عقيل تَفَرَّد به، وهو مختلف في الاحتجاج به. كذا ذكر البيهقى في كتاب المعرفة.
الأمر الثاني: أن البخاري شك في سماع ابن عقيل من إبراهيم.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن ابن عقيل سمع من ابن عمر وجابر وأنس وغيرهم، وهم نظراء شيوخ إبراهيم، فكيف ينكر سماعه منه؟ !
فالمعتمد إذًا في تضعيف هذا الحديث الاختلاف في أمر ابن عقيل)) (الجوهر النقي ١/ ٣٣٨، ٣٣٩).
ونقل ابن عبد البر قول أحمد: ((في نفسي منه شيء))، وأقره في (الاستذكار ٣٦١٦ - ٣٦١٨)، و (التمهيد ١٦/ ٦١).
وقال في موضع آخر: ((وأما الأحاديث المرفوعة في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، فكلها مضطربة لا تجب بمثلها حجة)) (التمهيد ١٦/ ٩٩
стр. 14797
بتصرف).
وتَعَقَّبه عبد الحق في (الأحكام الوسطى ١/ ٢١٧) بأن غيره يرى أن اضطرابها غير ضار؛ لأنها مُسنَدة من طرق صحاح! !
وكذا قال مغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ١٢٠).
ولا يوجد اضطراب في هذا الحديث أصلًا، وقد يكون هذا دليلًا على أن ابن عقيل حفظه؛ ولذا حَسَّنه مَن حَسَّنه؛ لأنهم استدلوا على ضعفه باضطرابه في الأحاديث، فإذ لم يضطرب دل ذلك على حفظه. والله أعلم، وهو ما مال إليه صاحب (منهج الإمام أحمد في الإعلال ١/ ٢٩٩).
وقال ابن رجب: ((في إسناده بعض شيء)) (الفتح ٤/ ٢٧٠ بتصرف).
هذا، وقد أعله ابن حزم بعلل أخرى غير ما سبق، فقال: ((أما هذا الخبر فلا يصح؛ فإن ابن جريج لم يسمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، كذلك حدثناه ... عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه. وذَكَر هذا الحديث فقال: قال ابن جريج: (حُدثت عن ابن عقيل) ولم يسمعه. قال أحمد: ((وقد رواه ابن جريج عن النعمان بن راشد))، قال أحمد: ((والنعمان يُعْرَف فيه الضعف)) (المحلى ٢/ ١٩٤ بتصرف يسير).
قلنا: وهذا ذكره عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: ((ابن جريج يرويه - يعني حديث حمنة - يقول: (حُدثت عن ابن عقيل) ولم يسمعه، ويقول: (عن محمد بن عبد الله بن عقيل) قَلَب اسمه! قال: يقولون: وافقه النعمان بن راشد، قال: ابن جريج يَروي عن النعمان بن راشد. وما أُراه إلا سمعه منه، والنعمان بن راشد ليس بقوي في الحديث، تَعْرف فيه الضعف)) (العلل ومعرفة الرجال ٥٢٧١).
стр. 14798
ثم قال ابن حزم: ((وقد رواه أيضًا شَريك وزهير بن محمد، وكلاهما ضعيف، وعن عمرو بن ثابت وهو ضعيف. وأيضًا: فعمر بن طلحة غير مخلوق، لا يُعرف لطلحة ابن اسمه عمر، وأما الآخَر فمن طريق الحارث بن أبي أسامة، وقد تُرك حديثه؛ فسقط الخبر جملة)) (المحلى ٢/ ١٩٤، ١٩٥ بتصرف يسير).
وقد ردّ عليه ابن القيم فأطال، ونلخص كلامه فنقول:
ذكر ابن القيم أن قوله: ((إن ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل، وإن بينهما النعمان بن راشد))، جوابه: أن النعمان بن راشد ثقة، أَخرج له مسلم)) (الحاشية ١/ ٣٢٧).
قلنا: أفضل من هذا الجواب جواب ابن الملقن: ((أن الترمذي وأبا داود وابن ماجه والحاكم- رووه من غير طريق ابن جريج، فليتصل طريق ابن جريج أو لينقطع، ولتكن الواسطة بينه وبين ابن عقيل ضعيفًا إن شاء أو قويًّا)) (البدر ٣/ ٦٤).
ثم ذكر ابن القيم أن ابن حزم تَعَلَّق في رده بأن ضَعَّف رواته عن ابن عقيل، وهم: شَريك وزهير بن محمد وعمرو بن ثابت، وبأن: ((عمر بن طلحة غير مخلوق، لا يُعرف لطلحة ابن اسمه عمر))، قال: ((والحارث بن أبي أسامة قد تُرك حديثه؛ فسقط الخبر جملة)).
قال ابن القيم: ((وهذا تعلق باطل! فأما شَريك فقد تقدم ذكره وتوثيق الأئمة له. وأما زهير بن محمد، فاحتج به الشيخان وباقي الستة. وأما عمرو بن ثابت فلم ينفرد به عن ابن عقيل، فقد تقدم مَن رواه عن ابن عقيل وأنهم جماعة فلا يضر متابعة عمرو بن ثابت لهم.
стр. 14799
وأما قوله: ((عمر بن طلحة غير مخلوق)) فهذا وهم ممن سماه عمر، وإنما هو عمران بن طلحة.
وقوله: ((والحارث بن أبي أسامة قد تُرك حديثه))، فإنما اعتمد في ذلك على كلام أبي الفتح الأزدي فيه، ولم يلتفت إلى ذلك، وقد قال إبراهيم الحربي: هو ثقة. وقال البرقاني: أمرني الدَّارَقُطْنِيّ أن أُخرج عنه في الصحيح، وصحح له الحاكم وهو أحد الأئمة الحفاظ)) (الحاشية ١/ ٣٢٨ - ٣٣٠)، ونحوه في (البدر المنير ٣/ ٦٤، ٦٥).
قلنا: الحارث إنما يرويه عن عبيد الله الرقي عن ابن عقيل، فشيخه مُتابَع من زهير وشريك كما سبق، فلا حاجة للتعرض له أصلًا.
ولذا عَلَّق الذهبي على كلام ابن حزم في الحاشية قائلًا: ((هذا يدل على قلة معرفة المؤلف، إذ يُسْقِط هذا الحديث برواية الحارث له، كأنه لم يروه إلا الحارث، وقد رواه جماعة غيره)) (المحلى ٢/ ١٩٥/ الحاشية).
وقد ذَكَر الشوكاني اختلاف العلماء في قَبول هذا الحديث، ثم قال: ((وعلى فرض أنه مما يصلح للتمسك به، فهو مُقيَّد بعدم وجود مُعارِض بأنهض منه. وقد وُجد ها هنا، وهو ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من طرق عن عائشة مرفوعًا بلفظ: ((فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي))، وهكذا وردت الأحاديث)) (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ٥/ ٢٦٠١).
وقال أيضًا بعد ذكر الأحاديث التي فيها الجمع للمستحاضة:
((فإن قلت: هذه الأحاديث، وإن كان في كل واحد منها مقال لا ينتهض معه للاستدلال، لكنها تنتهض بمجموعها، ويَشهد بعضها لبعض؛ فيكون
стр. 14800
من الحَسَن لغيره، وهو معمول به. ومع هذا فقد صحح بعضها بعض الأئمة، وحَسَّن بعضها بعض آخر منهم.
قلت (القائل هو الشوكاني): ((أما تصحيح مَن صحح بعضها، وتحسين مَن حَسَّن بعضها، فقد قَدَّمنا أنه لم يقع موقعه وأنه وهم من قائله.
وأما شهادة بعضها لبعض وانتهاض بعضها للاستدلال، فهو إنما يكون لو كانت سالمة من مُعارِض هو أنهض منها! ولم تَسْلَم هذه الأحاديث من معارض، بل عورضت بما هو صحيح بلا خلاف، وهو أنه لا يجب عليها إلا غسل واحد عند إدبار وقت الحيضة، ولا يلزمها تجديد الغسل لكل صلاة أو للصلاتين، وكذلك لا يلزمها تجديد وضوء لكل صلاة أو للصلاتين)) (الفتح الرباني ٥/ ٢٦٠٦).
قلنا: الشواهد الأخرى التي عناها الشوكاني ليس فيها التخيير الموجود في حديث حمنة؛ ولذا ففي عده معها نظر.
ثم إن الشوكاني خالف ما أَصَّله هنا، وصحح الحديث في (السيل الجرار ١/ ١٤٦).
[تنبيهات]:
الأول:
ذَكَر الدَّارَقُطْنِيّ في العلل (٩/ ٣٦٣/ ٤٠٦٧) أن ابن جريج قال في هذا الحديث: ((عمران بن طلحة))، قال ابن القيم: ((وهو الصواب)) (الحاشية ١/ ٣٢٨).
وهذا خلاف ما ذكره البخاري والترمذي، ورواه عبد الرزاق عنه أنه قال فيه مخطئًا: ((عمر بن طلحة))، وقد سبق بيانه.
стр. 14801
الثاني:
قال الإمام أحمد في هذا الحديث: ((ابن جريج حَدَّث عن ابن عقيل محمد بن عبد الله بن عقيل، وهو خطأ، وقال: إنما هو عبد الله بن محمد بن عقيل. وقال: (عن حبيبة بنت جحش) خالف الناس))، (العلل ومعرفة الرجال رواية عبد الله ٤١٢٠).
قلنا: قد رواه عنه عبد الرزاق -ومن طريقه ابن ماجه وغيره- على الصواب في اسم ابن عقيل، وقال فيه: ((أم حبيبة)) كما سبق، ولم نجد روايته بهذا الخطأ في شيء من المراجع المسندة.
الثالث:
زعم ابن حجر في (التهذيب ٧/ ٤٦٦) أن الحارث بن أبي أسامة رواه في مسنده من طريق عبيد الله الرقي، وقال فيه مثل قول ابن جريج: ((عمر بن طلحة)).
وقد رواه الدَّارَقُطْنِيّ والحاكم والبيهقي وأبو نعيم وغيرهم من طريق الحارث، وفيه عندهم: ((عمران)) مثل رواية زهير ومن تابعه.
والظاهر من سياق ابن حجر أنه اعتمد في هذا النقل على ابن حزم، فهو الذي رواه من طريق الحارث، ووقع في أصله: ((عمر))، وبه أعل الحديث، فلعل هذا من أخطاء ابن حزم، وتبعه فيه ابن حجر، وقد صوبه محقق المحلى في المتن إلى (عمران)!
стр. 14802
رِوَايَةُ جَعْلِ قَوْلِهِ: ((هَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)) من كلام حَمنة:
• وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَتْ فِي آخِرِهِ: (( ... قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، هَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)).
[الحكم]: منكر بهذا السياق. والصواب أن ذلك من كلام رسول الله ﷺ . وضَعَّف هذه الرواية: أبو داود والبيهقي.
[التخريج]: [كر (٤٣/ ٥٠٥)].
[السند]:
أخرجه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) قال: أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن، أنا عبد الصمد بن علي بن محمد، أنا عبيد الله بن محمد بن إسحاق، نا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، نا عَبَّاد بن يعقوب، أنا عمرو بن ثابت، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن حمنة بنت جحش، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه عمرو بن ثابت، وهو ابن هرمز، ضَعَّفه غير واحد. وقال النَّسائي: "متروك الحديث"، وقال ابن حبان: "يَروي الموضوعات عن الأثبات". انظر: (تهذيب التهذيب ٨/ ٩ - ١٠). ولَخَّص ابن حجر حاله، فقال: "ضعيف، رُمِي بالرفض" (التقريب ٤٩٩٥).
وقد أخطأ عمرو بن ثابت في هذا الحديث، فجَعَل قوله ﷺ : ((وَهَذَا أَعجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)) من كلام حمنة.
стр. 14803
وقد عَلَّق هذه الرواية أبو داود في (سننه) فقال: ((رواه عمرو بن ثابت، عن ابن عقيل قال: فقالت حمنة: ((هذا أعجب الأمرين إليَّ))، لم يجعله قول النبي ﷺ ، [جعله كلام حمنة])).
قال أبو داود: ((كان عمرو بن ثابت رافضيًّا [رجل سوء]. وذكره عن يحيى بن معين، [ولكنه كان صدوقًا في الحديث])) (السنن عقب رقم ٢٨٧ وما بين المعقوفات مثبت في الهامش ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
وقال البيهقي: ((وعمرو بن ثابت هذا غير محتج به)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٢٥).
ورواية عمرو هذه قد خرجها الدَّارَقُطْنِيّ (٨٣٧)، لكنه لم يَسُقْ متنه، إنما أحاله على رواية زهير.
[تنبيه]:
وقع في (تاريخ ابن عساكر): (إني أبعث لك الكرسف) وهو تحريف، والصواب (أنعت).
وفيه أيضًا (فتحابضي ستة أو سبعة) وهو خطأ، والصواب (فتحيضي)، والله أعلم.
الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ؛ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي. وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ)). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ)).
[الحكم]: مختلف فيه:
فضَعَّفه: أبو حاتم، وابن المنذر، والدَّارَقُطْنِيّ، وابن منده، وابن حزم، وابن عبد البر. وهو ظاهر صنيع أبي داود، والخطابي، والبيهقي، والمنذري، وابن رجب.
واختلفت الرواية عن أحمد، والأكثر على أنه ضَعّفه ولم يأخذ به. وقيل: إنه رجع إلى تقويته وأخذ به.
بينما حَسَّنه: البخاري، والطبري، والبغوي، والطوسي، وابن عبد الهادي، والألباني. وهو ظاهر صنيع ابن القطان، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن دقيق، وابن الملقن.
وصححه: الترمذي، وعبد الحق، والنووي، وأحمد شاكر.
والراجح: ضعفه.
[التخريج]:
[د ٢٨٧ "والزيادات والرواية له" / ت ١٢٩ "واللفظ له" / جه (٦٢٢ طبعة دار إحياء الكتب العربية (١)، ٥٩٧ / ..... ].
وقد سبق بتخريجه كاملًا وتحقيقه في (باب تَخْيِيرِ المُسْتَحَاضَةِ فِي الجَمْعِ
стр. 14806
بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ وَالغُسْلِ لَهُمَا، أَوِ الاغْتِسَالِ مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ الطُّهْرِ)، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
стр. 14807
٣٤٢٠ - حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ:
◼ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂: ((أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجَلَ حَيْضَتِهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ- أَوْ: سَبْعَةً-)).
[الحكم]: مختلف فيه، والراجح ضعفه، وهو مختصر من حديث حمنة الطويل.
[التخريج]: [عب ١١٥٨].
[السند]:
قال عبد الرزاق: عن ابن جريج، عن عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمر بن طلحة، عن أم حبيبة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد لين؛ لأجل ابن عقيل. وتقدم الكلام عليه ضمن الحديث السابق، وهذا مختصر منه، ينظر الكلام عليه في الباب السابق.
стр. 14808
٦١٩ - بَابُ الْفَرْقِ بَيْنَ دَمِ الحَيْضِ وَدَمِ الاسْتِحَاضَةِ
٣٤٢١ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي)).
[الحكم]: مختلف فيه. فأنكره: أبو حاتم الرازي، والنسائي، والطحاوي، والدَّارَقُطْنِيّ، وابن القيم. وضَعَّفه: ابن القطان. وهو ظاهر صنيع ابن التركماني وابن حجر.
بينما صححه: ابن حبان، والحاكم، وابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي، والنووي. وهو ظاهر صنيع ابن دقيق والذهبي. وحَسَّنه: ابن العربي وابن الصلاح والألباني.
والراجح: أنه منكر لا يثبت.
[التخريج]:
[د عقب ٢٨٦، وعقب ٣٠٤ / ن ٢٢١ "واللفظ له"، ٣٦٧ / كن ٢٧٠ / حب ١٣٤٣/ مث ٣٤٨٤/ قط ٧٩٠، وعقب ٧٩١/ مشكل ٢٧٢٩/ هق عقب ١٥٧٢/ هقخ عقب ١٠٠٩، ١٠١٠/ هقع عقب ٢١٦٩/ خطج
стр. 14809
عقب ١١٢٥/ علقط (١٤/ ١٤٤) / مشكل ٢٧٢٩/ تمهيد (١٦/ ٦٥)، (٢٢/ ١٠٦) / نعيم (طب ٤٣٢) / فكم ٦٧ / سبكي (١/ ٢٩١) / إمام (٢/ ٣٣٨)].
[السند]:
رواه أبو داود (٢٨٦، ٣٠٤) والنسائي (٢٢١، ٣٦٧) وابن أبي عاصم (٣٤٨٤): عن محمد بن المثنى، قال: حدثنا [محمد] بن أبي عدي من حفظه، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، به.
ومداره على ابن أبي عدي، به.
[التحقيق]:
هذا حديث منكر، وإن كان ظاهر إسناده أنه حسن؛ فرجاله ثقات رجال الصحيحين، سوى محمد بن عمرو بن علقمة، وهو صدوق، تُكلم فيه مِن قِبل حفظه؛ ولذا روى له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات، ولَخَّص حاله الحافظ، فقال: ((صدوق له أوهام)) (التقريب ٦١٨٨).
وقد مشى على ظاهر الإسناد جماعة، فمنهم من صححه، ومنهم من حَسَّنه:
فخرجه ابن حبان في (صحيحه)، وصححه ابن حزم في (المحلى ٢/ ١٩٩)، وعبد الحق الإشبيلي بسكوته عنه في (الأحكام الوسطى ١/ ٢١٦)، كما ذكر في (المقدمة ص ٦٦).
وقال ابن الصلاح: ((وهذا وإن لم يخرَّج في الصحيحين، فهو حديث حسن محتج به)) (شرح مشكل الوسيط ١/ ٢٧٢).
وحَسَّنه ابن العربي في (العارضة ١/ ٢١٠)، والألباني في (الإرواء ١/ ٢٢٤)،
стр. 14810
و (صحيح أبي داود ٢/ ٥٩).
وسيأتي تصحيح الحاكم وغيره له من الوجه الآخر عن فاطمة بإسقاط عائشة.
والراجح: أنه حديث منكر، وقد أُعِل بأربع علل:
الأولى: التفرد ممن لا يُحتمل تفرده:
فقد تفرد محمد بن عمرو بهذا المتن عن الزهري، كما ذكره الدَّارَقُطْنِيّ في (العلل ٨/ ١٤٢)، وحاله -كما سبق- لا تحتمل ذلك، لاسيما وليس هو من كبار أصحاب الزهري، ولا من المعروفين بالرواية عنه، بل قال ابن السكن: ((لم يَرْوِ عن الزهري مسندًا غير هذا الحديث)) (بيان الوهم والإيهام ٢/ ٤٦٠).
حتى إن المزي لم يذكره في تلاميذ الزهري مع كونه على شرطه! !
فتَفَرُّد مثله عن إمام كالزهري يُعَد تفردًا منكرًا كما بَيَّنه الإمام مسلم في (مقدمة صحيحه)، لاسيما وقصة فاطمة بنت أبي حبيش رواها هشام بن عروة وأبو الزناد ومكحول وغيرهم عن عروة، فلم يذكروا ما ذكره محمد في هذا الحديث عن الزهري.
ولذا أشار الدَّارَقُطْنِيّ إلى نكارة حديثه هذا، فقال: ((روى محمد بن عمرو بن علقمة هذا الحديث عن الزهري ... وأتى فيه بلفظ أغرب به، وهو قوله: إن دم الحيض دم أسود يُعْرَف)) (العلل ٨/ ١٠٣).
بل صرح أبو حاتم الرازي بنكارته لنفس السبب، كما سيأتي في الكلام على الوجه الآخر عن ابن أبي عدي.