وجَزَمَ بسماعه منها: الكلاباذيُّ كما في (إكمال تهذيب الكمال ١١/ ٧٨)، والنوويُّ في (تهذيب الأسماء ٢/ ٨٣)، والذهبيُّ في (تذكرة الحفاظ ١/ ٧١). ومالَ إليه مغلطايُّ.
وقال العلائيُّ: ((وحديثُه عنها في (الصحيحين) وقد صرَّحَ في غيرِ حَديثٍ بسماعِهِ منها)) (جامع التحصيل ٧٣٦).
قلنا: لم يقعِ التصريحُ بسماعه منها -من وجهٍ قويٍّ- سوى في حديثين:
الأول: أخرجه البخاريُّ (١٧٧٦، ٤٢٥٤)، ومسلمٌ (١٢٥٥): عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: ((دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ المَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄، جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي المَسْجِدِ صَلاةَ الضُّحَى، قَالَ: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلاتِهِمْ، فَقَالَ: ((بِدْعَةٌ)) ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((كَمُ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ))
قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ فِي الحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَلا تَسْمَعِينَ مَا
يَقُولُ أَبُو عَبدِ الرَّحمَن؟ ... الحديث.
الثاني: أخرجه أحمدُ (٢٤٢٤٨)، والنسائيُّ (٢٢٦): عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ قَالَ: جَاؤُوا بِعُسٍّ فِي رَمَضَانَ، فَحَزَرْتُهُ ثَمَانِيَةَ أَوْ تِسْعَةَ أَوْ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: ((حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِمِثْلِ هَذَا)).
وموسى هذا ثقة من رجال مسلم، إِلَّا أَنَّ شعبةَ أنكر عليه التصريح بالسماع في هذا الحديث، وأقرَّه يحيى القطانُ، وابنُ معين، وأحمدُ.
قال الإمامُ أحمدُ: ((كان شعبةُ يُنْكِرُ أن يكونَ مجاهدٌ سَمِعَ من عائشةَ، وقال يحيى بنُ سعيدٍ في حديثِ موسى الجُهنيِّ (عَن مُجَاهدٍ أَخْرَجَتْ إِلَينَا عَائِشَةُ، أَو حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) قال يحيى بنُ سعيد: فحدَّثتُ به شُعْبَةَ، فأنكرَ أن يكون
стр. 1472
مجاهدٌ سَمِعَ من عائشةَ)) (العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله ١٦٧٣).
وفي (رواية الميموني ٤٨٥) أن شعبةَ قال: ((ليس بشيءٍ (عن مجاهدٍ، قال: سمعتُ عائشةَ)، وأَنْكرَ أن يكون سمعَ من عائشةَ)).
وقال ابنُ الجُنيد: ((سُئِلَ يحيى بنُ معين وأنا أسمع (عن مجاهدٍ قالَ: سمعتُ عائشةَ). فقال: كان يحيى القطانُ يُنْكِرُ ذلك، ويُرْوَى في حديثٍ عن مجاهدٍ قال: سمعتُ عائشة)) (سؤالات ابن الجنيد ٤٨). وجزم يحيى بعدمِ السَّماعِ، كما تقدَّم.
وعلى هذا لم يبقَ سوى حديث (الصحيحين)، وهو كما ترى ليسَ صريحًا، والعمدةُ فيه عند الشيخينِ على عروةَ لا على مجاهدٍ، ولعلَّه سمع منها أَحْرُفًا يسيرةً أثناءَ الحجِّ أو نحو ذلك، ولهذا قال الذهبيُّ معقبًا على هذا الخلاف: ((قلتُ: بلى، قد سمعَ منها شيئًا يَسيرًا)) (السير ٤/ ٤٥١).
الثاني: اختُلِفَ على إبراهيمَ بن نافعٍ في إسنادِهِ:
فرواه عنه محمد بن كثير -كما في هذه الرواية-، وأبو حذيفة النهديُّ -كما سبقَ عند البيهقيِّ (٣٨) -، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهدٍ، به.
وخالفهما أبو نعيمٍ، كما سبقَ عند البخاريِّ، وخلَّادُ بنُ يحيى، كما عند البيهقيِّ؛ فرويَاه عن إبراهيمَ بنِ نافعٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، به.
فجعلا شيخَ ابنِ نافع: عبدَ الله بنَ أبي نجيحٍ.
قال البيهقيُّ: ((والمشهورُ عن إبراهيم، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاقٍ (١)، عن مجاهدٍ. وعن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة (٢). وقد رواه خلاد
стр. 1473
ابن يحيى، عن إبراهيم، كما رواه أبو نُعَيمٍ. فهو صحيح من الوجهين جميعًا)) (السنن عقب رقم ٤١٥٣).
وقال ابنُ حَجَرٍ: ((طعنَ بعضُهم في هذا الحديثِ من جهةِ دعوى الانقطاعِ ومن جهةِ دعوى الاضطرابِ.
فأما الانقطاعُ: فقال أبو حاتم: ((لم يسمع مجاهدٌ من عائشةَ))؛ وهذا مردود فقد وقعَ التصريحُ بسماعه منها عند البخاريِّ في غير هذا الإسناد، وأثْبَتَهُ عليُّ بنُ المدينيِّ فهو مقدَّمٌ على من نَفَاهُ.
وأما الاضطرابُ: فلروايةِ أبي داودَ له عن محمدِ بنِ كثيرٍ، عن إبراهيمَ بنِ نافعٍ، عن الحسن بنِ مسلم بدل ابن أبي نَجِيحٍ، وهذا الاختلافُ لا يوجبُ الاضطرابَ؛ لأنه محمولٌ على أن إبراهيمَ بنَ نافعٍ سمعه من شيخين ولو لم يكن كذلك فأبو نُعَيمٍ شيخُ البخاريِّ فيه أحفظُ من محمد بنِ كثيرٍ شيخِ أبي داودَ فيه، وقد تابعَ أبا نعيم: خلَّادُ بنُ يحيى، وأبو حذيفةَ، والنعمانُ بنُ عبدِ السَّلامِ، فَرُجِّحَتْ روايتُه. والروايةُ المرجوحةُ لا تُؤثِرُ في الروايةِ الراجحةِ، والله أعلم)) (فتح الباري ١/ ٤١٣).
والحديثُ صحَّحَهُ الألبانيُّ في (صحيح أبي داود ٢/ ١٩٩).
стр. 1474
رِوَايةٌ: ((الدِّرْعُ فِيهِ تَحِيضُ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((قَدْ كَانَ يَكُونَ لإِحْدَانَا الدِّرْعُ فِيهِ تَحِيضُ، وفيه تُصِيبُهَا الْجَنَابَةُ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمِ [حَيْضَتِهَا] فَتَقْصَعُهُ بَرِيقِهَا)).
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.
[التخريج]: [د ٣٦٤ ((واللفظ له)) / مي ١٠٣٢ ((والزيادة له)) / هق ٣٩].
[السند]:
رواه أبو داود -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبرى) -: عن النفيليِّ (١)، حدثنا سفيان، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، به.
ورواه الدارميُّ: عن محمدِ بنِ يوسفَ، عنِ ابنِ عُيَينَةَ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله ثقات رجال الشيخين غيرُ أبي جعفر النفيليِّ عبد الله بن محمد، فمن رجال البخاريِّ، وهو ثقة حافظ (التقريب ٣٥٩٤).
وسَماعُ عطاءٍ من عائشةَ في الجملةِ ثابتٌ، فقد وقعَ تصريحه بالسماعِ منها في (الصحيحين)، كما عند البخاريِّ (٣٠٨٠، ٣٩٠٠)، وعند مسلمٍ (٨٩٩). وقد أثبتَهُ ابنُ المدينيِّ في (العلل له صـ ٦٦)، وابنُ معين، وأبو زُرْعَةَ، كما في (الجرح والتعديل ٦/ ٣٣٠).
стр. 1475
إِلَّا أَنَّ الحافظَ ابنَ حَجَرٍ: ذكر أن الأثرمَ روى عن الإمامِ أحمدَ ما يدلُّ على أنه كان يُدَلِّسُ. فقال في قصة طويلة (١): ((وروايةُ عطاءٍ عن عائشةَ لا يحتجُّ بها، إِلَّا أنْ يقولَ: سمعتُ)) (تهذيب التهذيب ٧/ ١٨٢). وبنحوه في (الإمام لابنِ دقيق العيد ٣/ ٩١).
قلنا: وكلامُ أحمدَ هذا قد يُفْهَمُ على وجهين آخرين:
الأول: أن المشهورَ عن عطاءٍ أنه كثير الإرسال عمن لم يسمع، وقلَّما يروي حديثًا عن عائشةَ، إِلَّا وجدتَ بينهما واسطةً في موضع آخر، انظر على سبيل المثال (مسند أحمد ٢٤٦٤٢، ٢٥٦٤٧، و ٢٤١٣٧، ٢٥٤٦٧)، فكأنَّ أحمدَ في ريبٍ من سماعِ عطاءٍ من عائشةَ، فذكرَ أنه لا يُحتجُّ بروايتِه عنها حتى يثبتَ السماعُ صراحةً.
الوجه الثاني: أن أحمدَ قَصَدَ حديثًا بعينه، في متنه نكارةٌ، فتَلَمَّسَ له علةً، والحديثُ الذي قال أحمدُ فيه هذا القول هو حديثُ نوم الجُنُبِ، وأحمدُ يستنكره، ولهذا قال في تتمة كلامه: ((ولو قال في هذا: ((سمعتُ)) كانت تلك الأحاديث أقوى)) (الإمام ٣/ ٩١)، يعني: الأحاديث المعارضة لحديث عطاء، وهي المثبتة لوضوء الجنب إذا أراد أن ينامَ.
وإلا فلم نجدْ مَن رَمَى عطاءً بالتدليسِ سوى ما فهمه الحافظُ من قولِ أحمدَ هذا، ولم يُعَوِّلْ أحدٌ عليه، ولا الحافظ نفسه، حيث لم يذكره في المدلسين، والله تعالى أعلم.
ولذا قال الألبانيُّ: ((هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه كلُّهم ثقاتٌ على شرطِ
стр. 1476
الشيخين)) (صحيح أبي داود ٣٩٠).
وقد سبقَ الحديثُ بنحوه عند البخاريِّ، من روايةِ مجاهدٍ، عن عائشةَ.
روايةُ: ((تَقْرُصُهُ بِظُفْرِهَا)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَغْسِلُ دَمَ الْحَيْضَةِ بِرِيقِهَا تَقْرُصُهُ بِظُفْرِهَا)).
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ.
[التخريج]: [عب ١٢٣٩].
[السند]:
رواه عبد الرزاق: عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ رجاله ثقات رجال الشيخين.
стр. 1477
روايةُ: ((فَتَحُكُّهُ بَالْحَجَرِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: ((وَكَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ فَيَكُونُ فِي ثَوْبِهَا الدَّمُ فَتَحُكُّهُ (فَتَحُتُّهُ) بَالْحَجَرِ، أَوْ بَالْعُودِ، أَوْ بَالْعَظْمِ (بِالْقَرْنِ)، ثُمَّ تَرُشُّهُ وَتُصَلِّي)).
[الحكم]: إسنادهُ صحيحٌ.
[التخريج]: [مي ١٠٤٤ ((والروايتان له)) / عب ١٢٣٨ ((واللفظ له))].
[السند]:
رواه عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: أخبرني عطاء، عن عائشةَ أنها كانت تقولُ: ... فذكره.
ورواه الدارميُّ: عن جعفر بن عون، ثنا ابنُ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: كَانَتْ عَائِشَةُ تَرَى الشَّيْءَ مِنْ المحَيضِ فِي ثَوبِهَا فَتَحُتُّهُ بِالحَجَرِ ... إلخ.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله ثقات رجال الشيخين، وقد صرَّحَ ابنُ جُرَيجٍ بالسَّماعِ.
стр. 1478
٢٧٠ - حَدِيثُ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الْحَائِضِ يُصِيبُ ثَوْبَهَا الدَّمُ؟ قَالَتْ: ((تَغْسِلُهُ فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ)). قَالَتْ: ((وَلَقَدْ كُنْتُ أَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ حِيَضٍ جَمِيعًا لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا)). [وَقَالَتْ: ((لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ، عَلَيْهِ بَعْضُهُ وَعَلَيَّ بَعْضُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ نَائِمَةٌ قَرِيبًا مِنْهُ))].
[الحكم]: الفقرة الأولى الموقوفة في تغيير أثر الدم بالصفرة، والفقرة الأخيرة صحيحتان بالمتابعات، والفقرة الثانية قد يشهد لها حديث عائشة السابق كما ذكره الألبانيُّ، وهذا الحديثُ إسنادُهُ ضعيفٌ بهذا السِّياقِ والتَّمَامِ.
[الفوائد]:
١ - قولُ عائشةَ: ((كُنْتُ أَحِيضُ ثَلَاثَ حِيَضٍ لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا)) هذا في حكم المرفوع؛ لأَنَّ عدم غسل ثوبها الذي تلبسه زمن الحيض كان في عهد النبي ﷺ ، ولم ينكر عليها، والقول بأن النبي ﷺ لم يقفْ على فعلها بعيدٌ جدًّا. (عون المعبود ٢/ ١٦).
أما الفقرة الأولى فموقوفة، والفقرة الأخيرة فواضح فيها الرفع؛ لأنه خبرٌ عن فعله ﷺ .
٢ - قولُ عائشةَ ﵂: (( ... لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا))، إِنْ صحَّ، فيحمل على مَعَانٍ:
الأول: أن ذلك لأجل أن الدَّمَ ما كان يصيبُ ثوبها؛ لأجل احترازها ونظافتها، ذكره العينيُّ في (شرح أبي داود ٢/ ١٨٤)، وكذا ذكره صاحب
стр. 1479
(عون المعبود) ولم يذكر غيره.
الثاني: أنها كانت تغسلُ ثيابها بعد خروجها من الحيضِ، ولا تغسلها في أيامِ حيضها، ذكره العينيُّ أيضًا.
الثالث: أنه بمعنى حديثها السابق الذي فيه: أنها كانت تقصعه بريقها، وهذا ما ذهب إليه الألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ١٩٩)، وبه صحح هذه الفقرة من الحديث.
[التخريج]: [د ٣٥٧ ((واللفظ له)) / حم ٢٦١٢٦ والزيادة له/ هق ٤١٦٨].
[السند]:
رواه أبو داود -ومن طريقه البيهقيُّ- قال: حدثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثتني أم الحسن -يعني: جدة أبي بكر العدوي (١) -، عن معاذةَ، به.
ورواه أحمد: عن عبد الصمد، به.
[التحقيق]:
إسنادُهُ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح عدا أُمّ الحسن جدَّة أبي بكر العدويِّ، لم يَرْوِ عنها إِلَّا عبد الوارث بن سعيد، ولم نقفْ على مُوَثِّقٍ لها، ولذا قالَ الحافظ: ((لا يُعْرَفُ حالها)) (التقريب ٨٧١٨)، فالسندُ ضعيفٌ.
ولذا قال ابن رجب: ((إسنادٌ فيه جهالة)) (الفتح له ١/ ٤٦٠).
стр. 1480
وكذا أعلَّه الذَّهبيُّ بأُمِّ الحسنِ هذه، فقال: ((لا تُعْرَفُ)) (المهذَّبُ في اختصار السنن الكبرى ٢/ ٨٣٣).
وأما ابنُ الملقن فقال عن إسناده: ((لا أَعْلَمُ به بأسًا))! (البدر ١/ ٥٢٠)، كذا قال، وقد عَلِمَ غيرُهُ.
قلنا: ولكن الفقرةَ الأُولَى من المَتْنِ وهي: ((فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ))؛ يَشْهَدُ لها ما رواه الدارميُّ (١٠٣٤)، قال: أخبرنا أبو النعمان، حدثنا ثابت بنُ يزيد، ثنا عاصمٌ، عن معاذةَ العدويةِ، عن عائشةَ ﵂، قالتْ: ((إِذَا غَسَلَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ فَلَمْ يَذهَبْ، فَلْتُغَيِّرْهُ بِصُفْرَةٍ؛ وَرَسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ)).
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين.
وأما الفقرة الثانية: وهي: ((كُنْتُ أَحِيضُ ثَلَاثَ حِيَضٍ لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا))؛ فإن حُمِلَ ذلك على ما قاله الألبانيُّ بأنه بمعنى حديثها السابق في إزالةِ الدَّمِ بريقها، فيكون شاهدًا لها، وإلا فليس لها شاهد آخر.
وأما الفقرة الثالثة: وهي: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ، عَلَيْهِ بَعْضُهُ وَعَلَيَّ بَعْضُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ))؛ فقد رواه مسلم (٥١٤) من طريق عبيد الله بن عبد الله، عن عائشةَ، قالت: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ إِلَى جَنْبِهِ)).
وانظر: (صحيح أبي داود ٢/ ١٩٧).
стр. 1481
٢٧١ - حَدِيثُ خِلَاسٍ عَنْ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو الْهَجَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: ((كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبُو الْقَاسِمِ [نَبِيتُ] فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ وَأَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ (غَسَلَ مَكَانَهُ)، لَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ يَعُودُ مَعِي، فَإِنْ أَصَابَهُ [تَعْنِي: ثَوْبَهُ] مِنِّي شَيْءٌ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ (غَسَلَ مَكَانَهُ)، [وَ] لَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ [ثُمَّ صَلَّى فِيهِ])).
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ، وحسَّنه المنذريُّ، وصحَّحَه الألبانيُّ.
[اللغة]:
الشِّعَارُ: هو الثوب الذي يلي الجسد؛ لأنه يلي الشَّعْرَ.
طَامِثٌ: أي: حَائِضٌ، فقولها: ((أَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ)) من باب التأكيد اللفظي.
ولَمْ يَعْدُهُ -بإسكان العين وضم الدال- أي: لم يجاوزه إلى غيره بل اقتصر على غسل الموضع المصاب. (شرح أبي داود للعيني ٢/ ٣٥ - ٣٦).
[التخريج]:
[د ٢٦٩ ((والروايتان والزيادات له ولغيره))، ٢١٥٥/ ن ٢٨٩، ٣٧٦، ٧٨٥ ((واللفظ له)) / كن ٣٤٢، ٩٣٧/ حم ٢٤١٧٣/ مي ١٠٣٦/ عل ٤٨٠٢/ هق ١٥١٩/ محلى (٢/ ١٨٢) / لا ١٣].
[السند]:
رواه النسائيُّ (٧٨٥) قال: أخبرنا عمرو بن منصور، قال: حدثنا هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا جَابرُ بن صُبْحٍ، قال:
стр. 1482
سمعتُ خِلَاسَ بنَ عمرٍو يقول: سمعتُ عائشةَ ... فَذَكَرَهُ.
ورواه أحمدُ، وأبو داود، والنسائيُّ أيضًا، والباقون من طرق: عن يحيى بنِ سعيد، عن جابر بنِ صبح، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ رجالُه ثقاتٌ، رجال الشيخين عدا جابر بن صُبْحٍ، وهو ثقةٌ؛ وَثَّقَهُ يحيى بن معين، والنَّسائيُّ، كما في (التهذيب ٤/ ٤٤٢)، وقال أحمدُ: ((ما أرى به بأس، وكان رجلًا عاقلًا)) (العلل ومعرفة الرجال ٣/ ١١٤)، وذكره ابنُ حبان في (الثقات ٦/ ١٤٢)، وقال يحيى القطانُ: ((جابرٌ أحبّ إليَّ من المهلبِ بنِ أبي حبيبةَ (١))) (التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ٢٠٧)، والمهلب وَثَّقَهُ أحمدُ، وابنُ معين، وغيرُهما (٢).
ومع هذا قال الأزدي: ((لا يقوم بحديثه حجة))! (التهذيب ٢/ ٤١)، ولأجله قال الحافظ على عادته: ((صدوق)) (التقريب ٨٦٩). والأزدي ليس بحجة، فالرجل ثقة كما نصَّ الأئمةُ.
وحسَّنه المنذريُّ في (مختصر سنن أبي داود ١/ ١٧٦)، وقال الألبانيُّ: ((إسناده صحيح)) (صحيح سنن أبي داود ٢٦٢)، وقال في (الثمر المستطاب صـ ٣٣٠): ((وهذا سندٌ صحيحٌ متصلٌ بالسماعِ رجالُه كلُّهم ثقات)).
стр. 1483
٢٧٢ - حَديثٌ آخَرُ: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَرَقَتْهَا الْحَيْضَةُ مِنَ اللَّيْلِ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ((أَنَّهَا طَرَقَتْهَا الْحَيْضَةُ مِنَ اللَّيْلِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَأَشَارَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِثَوْبٍ وَفِيهِ دَمٌ، فَأَشَارَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، ((اغْسِلِيهِ))، فَغَسَلَتْ مَوْضِعَ الدَّمِ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الثَّوْبَ، فَصَلَّى فِيهِ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [حم ٢٤٣٧٠].
[السند]:
قال أحمد: حدثنا حسنٌ، قال: حدثنا ابنُ لهيعةَ، قال: حدثنا حيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحُبَليَّ حَدَّثَهُ، عن عائشةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعفِ ابنِ لهيعةَ، فهو سيئُ الحفظِ، لا سيَّما في غير رواية العبادلة عنه، وهذا منها، وقد سبق الكلامُ عليه مِرارًا.
وشيخُه حيي بن عبد الله، هو المعافريُّ المصريُّ؛ مختلفٌ فيه، وقال الحافظ: ((صدوقٌ يَهِم)) (التقريب ١٦٠٥).
أُمُّ يونسَ بنتُ شَدَّادٍ، قالتْ: حدَّثتني حَمَاتِي أُمُّ جَحْدَرٍ العَامِرِيَّةُ أنها سَأَلَتْ عَائِشَةَ ... الحديث.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: أم يونس بنت شداد؛ مجهولة، قال الذهبي: ((لَا تُعْرَفُ)) (الميزان ٧/ ٤٧٩)، وقال ابنُ حَجَرٍ: ((لا يُعْرَفُ حالُها)) (التقريب ٨٧٨٢).
الثانية: أم جحدر العامرية؛ مجهولة أيضًا، قال الذهبي: ((لَا تُعْرَفُ)) (الميزان ٧/ ٤٧٦)، وقال الحافظ: ((لا يُعْرَفُ حالُها)) (التقريب ٨٧٠٩).
قال صاحبُ (عونِ المعبودِ ٢/ ٣٧): ((الحديثُ تفرَّدَ به المؤلفُ وهو ضعيفٌ، وقال المنذريُّ: هو غريب (١))) اهـ.
وضعَّفه الألبانيُّ في (ضعيف أبي داود ١/ ١٤٦).
/ حق ١٩١٧].
[السند]:
رواه ابنُ خُزيمةَ: عن أحمد بن أبي سريج الرازيِّ، أخبرنا أبو أحمد، نا المنهال بن خليفةَ، عن خالد بن سلمةَ، عن مجاهدٍ، عن أُمِّ سلمةَ، به.
ورواه إسحاقُ في (مسنده)، والطبرانيُّ في (الكبير) من طريق أحمد بن حنبل، كلاهما: عن وكيع، عن المنهال، به.
ورواه الطبرانيُّ في (الأوسط): من طريق محمد بن ربيعة الكلابيِّ، عن المنهالِ بنِ خليفةَ، به.
وقال بإثره: ((لم يروه عن مجاهدٍ إِلَّا خالد تفرَّدَ به المنهالُ)).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ مداره على المنهال بن خليفة؛ وقد ضَعَّفَهُ: ابنُ مَعين، والنسائيُّ، ويعقوبُ بنُ سفيانَ، وابنُ شَاهينَ، وقال البخاريُّ: ((فيه نظر)) (١)، وقال فى موضعٍ آخر: ((حديثُه منكرٌ))، وقال أبو حاتم: ((صالحٌ، يُكتبُ حديثُه))، وقال ابنُ حِبانَ: ((كان يَتَفَرَّدُ بالمناكير عن المشاهير، لا يجوز الاحتجاجُ به))، وقال الدولابيُّ، وأبو أحمد الحاكم: ((ليس بالقوي))، وقال أبو داود: ((جائزُ الحديثِ))، ووَثَّقَهُ البزَّارُ. (تهذيب التهذيب ١٠/ ٣١٩)، وقال الحافظُ: ((ضعيفٌ)) (التقريب ٦٩١٧). وهو كما قال.
وبه أعلَّه ابنُ رجب حيث قال: ((وفي إسناده المنهال بن خليفة، ضعَّفُوه))
стр. 1488
(الفتح له ١/ ٤٦٠).
وضعَّف إسنادَهُ الألبانيُّ في تعليقه على (صحيح ابن خزيمة).
وقال الهيثميُّ: ((رواه الطبرانيُّ في (الأوسط) ورجاله موثقون)) (المجمع ١٥٥٦).
стр. 1489
٢٧٥ - حَدِيثٌ ثَالِثٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ:
◼ عَنْ بَكَّارِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ الْحَائِضِ؟ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ((قَدْ كَانَ يُصِيبُنَا الْحَيْضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَلْبَثُ إِحْدَانَا أَيَّامَ حَيْضِهَا ثُمَّ تَطْهُرُ، فَتَنْظُرُ الثَّوْبَ الَّذِي كَانَتْ تَقْلِبُ (تَبِيتُ) (تَمْكُثُ) فِيهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ دَمٌ غَسَلْنَاهُ وَصَلَّيْنَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَرَكْنَاهُ، وَلَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ من أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِ، وَأَمَّا الْمُمْتَشِطَةُ: فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَكُونُ مُمْتَشِطَةً، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ لَمْ تَنْقُضْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا تَحْفِنُ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، فَإِذَا رَأَتِ الْبَلَلَ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ دَلَكَتْهُ، ثُمَّ أَفَاضَتْ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهَا)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ، وضعَّفَهُ ابنُ رَجَبٍ، والألبانيُّ.
[الفوائد]:
قال ابنُ المنذرِ: ((فَغَسْلُ دَمِ الحيضةِ يجبُ لأَمْرِ النبيِّ ﷺ بَغَسْلِهِ، وحُكمُ سائِرِ الدِّماءِ كحُكمِ دَمِ الحيضِ، لا فرْقَ بيْنَ قليلِ ذلكَ وكثيرِهِ، وليسَ لقولِ مَن قالَ: إذا كان ما أدركه الطرفُ منه لا تكون لمعة لا يُفْسِدُ الصلاةَ معنى؛ لأَنَّ الأخبارَ على العُمومِ ويَدخُلُ فيها قليلُ الدَّمِ وكثيرُهُ فيما أَمَرَ به النبيُّ ﷺ من غسلِ دَمِ الحيضةِ، وليسَ لأحدٍ أن يستثني من ذلك شيئًا بغيرِ حُجَّةٍ)) (الأوسط عقب رقم ٧٠٣).
[التخريج]:
[د ٣٥٩ ((واللفظ له)) / منذ ٧٠٣ ((والرواية الثانية له)) / هق ٨٧٧ ((مقتصرًا على آخره))، ٤١٦٤ ((والرواية الأولى له))].
стр. 1490
[السند]:
أخرجه أبو داود قال: حدثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، ثنا عبد الرحمن -يعني: ابنَ مَهْدِيٍّ-، قال: ثنا بَكَّارُ بن يحيى، قال: حدَّثتني جَدَّتي، قالتْ: دخلتُ على أُمِّ سلمةَ ... الحديث.
ورواه ابنُ المنذرِ، والبيهقيُّ في (الكبرى): من طريق ابنِ مهديٍّ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: بكار بن يحيى، وهو مجهول كما في (التقريب ٧٣٦)، وكذلك جدته، ولم نقفْ على اسمها ولا ترجمتها، ولذا قال ابنُ رجب: ((إسنادٌ فيه جَهالة)) (الفتح لابن رجب ١/ ٤٦٠).
وبهذين العلتين ضعَّفه الألبانيُّ في (ضعيف سنن أبي داود ١/ ١٤٣).
[تنبيه]:
قولها: ((وَأَمَّا الْمُمْتَشِطَةُ ... )) إلخ، إن كان المرادُ به غسل المرأة الجنب، فله شاهد من حديثِ أُمِّ سلمةَ عند مسلم (رقم ٣٣٠)، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ (١) رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: ((لَا.
стр. 1491
إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ)).
وأما إِن كان المرادُ به غسل المرأةِ الحائِضِ فلا يصحُّ، وقد استنكره الألبانيُّ بدليلٍ فيه نظر، انظر أحاديث غسل المرأة المتضفرة في (فصل الغسل).
стр. 1492
٢٧٦ - حَدِيثٌ رَابِعٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ:
◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَائِضِ: ((تَغْسِلُ مَا أَصَابَ ثَوْبَهَا وَلَا تَغْسِلُ الثَّوْبَ كُلَّهُ)).
[الحكم]: منكرٌ بهذا اللفظ.
[التخريج]: [طب (٢٣/ ٤٠٣/ ٩٦٦)].
[السند]:
قال الطبرانيُّ في (المعجم الكبير): حدثنا أبو الزِّنْبَاعِ، حدثنا سعيد بن عُفَيْر، حدثنا ابنُ لهيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيب، عن نَاعِمٍ مولى أم سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، به.
أبو الزِّنْبَاعِ هو روح بن الفرج القطان.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: ابنُ لهيعةَ، وهو ضعيفٌ، خاصة في غير رواية العبادلة عنه، وهذا منها.
وفي الباب أحاديث أخر، انظر البابين التاليين:
الثانية له ولغيره)) / مدونة (١/ ٢٢) / فخز ١٠/ صمند (إصا ١٣/ ٣٥٣) / صحا ٧٦٠٧ ((والزيادة الأولى له)) / قصار (ق ١٠٣/ أ) / منتخب من مسموعات ابن الحمصي (٣٣/ ١) نقلًا من (الصحيحة ١/ ٥٩٤) / ذهبي (١/ ٣٩٦) / بدر (١/ ٥٢١)].
[السند]:
رواه أحمد في (المسند)، وأبو داود في (السنن)، قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة، به.
ورواه ابنُ المنذر، والبيهقيُّ، وأبو نُعَيمٍ في (المعرفة)، وغيرُهم: من طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة، به.
ومداره عند الجميع على ابن لهيعة على خلاف عليه سيأتي ذكره.
وقال البيهقيُّ بإثره: ((تفرَّدَ به ابنُ لهيعة)).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لتفرد عبد الله بن لهيعة به، وقد ضعَّفه جمهورُ الأئمة؛ لأسبابٍ ثلاثة:
الأول: سوء حفظه.
الثاني: تلقينه مما ليس من حديثه فيحدِّث به.
الثالث: تدليسه عن الضعفاء والهلكى، أمثال: المثنى بن الصباح، وإسحاق بن أبي فروة، ومع ذلك ربما صرَّحَ بالتحديثِ عمن لم يسمع منهم على سبيلِ التوهم والغفلة، ولذا ذكره الحافظ في الطبقة الخامسة من (طبقات المدلسين ١٤٠) وهي طبقة مَن يُرَدُّ حديثُه مطلقًا ولو صرَّحَ
стр. 1495
بالسماع.
وزاد بعضُهم سببًا رابعًا: أَلَا وهو الاختلاطُ، بعدما احترقتْ كتبه.
ومع هذا قد وَثَّقَهُ بعضُهم، لا سيَّما قبل احتراقِ كتبه واختلاطه، وفرَّقوا بين رواية المتقدِّمين عنه، ورواية المتأخرين.
وذُكِرَ عنِ الحافظِ عبدِ الغني بنِ سعيدٍ أنه قال: ((إذا روى العبادلة ابن وهب، وابن المبارك، والمقرئ، عن ابن لهيعة فهو سند صحيح))! (إكمال تهذيب الكمال ٨/ ١٤٤).
وفهم بعضُ المعاصرين من هذا النَّصِّ وأمثالِه، أن روايةَ العبادلة عن ابنِ لهيعةَ صحيحةٌ في ذَاتها، وفيه نظر، بل الأقرب -والله أعلم- أن مرادَهم أنها صحيحةُ النسبة إلى ابن لهيعة، لأَنَّ ابن لهيعة كان يتلقن كما تقدَّم، فأيُّ كتابٍ جاؤوه به إليه حدَّث منه، وإن لم يكن فيه حديث واحد من حديثه، وهذا بخلاف رواية العبادلة عنه، حيث كانوا يتتبعون أصوله وكتبه.
قال ابنُ سعد عنه: ((كان ضعيفًا، وعنده حديث كثير، ومن سمع منه في أول أمره أحسن حالًا في روايته ممن سمع منه بآخره، وأما أهل مصر فيذكرون أنه لم يختلط، ولم يزل أول أمره وآخره واحدًا، ولكن كان يُقرأ عليه ما ليس من حديثه فيسكتُ عليه، فقيل له في ذلك، فقال: وما ذَنْبِي، إنما يجيئون بكتابٍ يقرؤونه ويقومون، ولو سألوني لأخبرتهم أنه ليس من حديثي)) (الطبقات الكبرى ٩/ ٥٢٤).
وعن يحيى بن حسان، قال: ((جاء قومٌ ومعهم جزءٌ فقالوا: سمعناه من ابنِ لهيعة، فنظرتُ فيه فإذا ليس فيه حديثٌ واحدٌ من حديثِ ابنِ لهيعةَ، قال: فقمتُ فجلستُ إلى ابنِ لهيعةَ، فقلتُ: أي شيء ذا الكتاب الذي
стр. 1496
حدَّثتَ به ليس ها هنا في هذا الكتاب حديثٌ من حديثِكَ، ولا سمعتَها أنت قط؟ ! قال: فما أصنعُ بهم يجيئون بكتاب فيقولون هذا من حديثك فأحدّثهم به؟ ! )) (المجروحين ١/ ٥٠٦). وسيأتي مزيد بيان لذلك من أقوال الأئمة.
قلنا: ولهذا كان الذي عليه المحققون من أئمة الحديث وجهابذته: كأحمدَ، وابنِ معين، وأبي حاتم، وأبي زُرْعَةَ، والبخاريِّ، ومسلمٍ، وغيرِهم، ممن سبقهم وممن أَتى بعدهم؛ عدمُ الاحتجاجِ به إذا انفرد مطلقًا، سواء في ذلك رواية المتقدمين عنه ورواية المتأخرين، إِلَّا أَنَّ روايةَ العبادلةِ عنه أعدلُ من غيرِها وأَجودُ، وهي صالحةٌ للاعتبارِ والشواهدِ، لا للاحتجاج.
وإليك بعضُ أقوالهم الدالة على ما ذكرنا:
* قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: ((قلت لأبي: إذا كان من يروي، عن ابن لهيعة مثل: ابن المبارك، وابن وهب يحتجُّ به؟ قال: لا)).
* قال عبد الرحمن: ((سُئِلَ أبو زُرْعَةَ: عن ابن لهيعة سماع القدماء منه، فقال: آخره وأوله سواء، إِلَّا أَنَّ ابنَ المبارك، وابنَ وهبٍ كانا يتتبعان أصوله فيكتبان منه، وهؤلاء الباقون كانوا يأخذون من الشيخ، وكان ابنُ لهيعةَ لا يضبط، وليس ممن يحتجُّ بحديثه من أجمل القول فيه)) (الجرح والتعديل ٥/ ١٤٧ - ١٤٨).
وقال أبو زُرْعَةَ أيضًا: ((لم تحترق كتبه، ولكن كان رديء الحفظ)) (الضعفاء له - رواية البرذعي ٢/ ٣٤٦).
وعلى هذا جرى عملهما -أعني: أبا زُرْعَةَ، وأبا حاتم- في إعلال أحاديث ابن لهيعة دون تفريق بين العبادلة وغيرهم، انظر المسائل التالية من
стр. 1497
(علل ابن أبي حاتم ٦٣٤، ٦٣٥، ٦٣٦، ٦٣٧، ٧٦٨، ٩٦٠، ٢٧٥٥، ٢٨٠٧) (١).
* وقال يحيى بن معين: ((قال لي أهل مصر: ما احترق لابن لهيعة كتابٌ قطّ، وما زال ابنُ وهب يكتبُ عنه حتى مات)). قال ابنُ الجنيد: ((قلت ليحيى: فسماع القدماء والآخرين من ابن لهيعة سواء؟ قال: نعم، سواء، واحد)) (سؤالات ابن الجنيد صـ ١٦٤).
وقال في (رواية ابن طهمان ٢٩٨): ((ابن لهيعة ليس بشيء))، قيل ليحيى: ((فهذا الذي يحكي الناس أنه احترقت كتبه. قال: ليس لهذا أصل)). وقال في موضع آخر: ((ابن لهيعة ليس بشيء تغيَّر أو لم يتغيَّر)) (من كلام ابن معين في الرجال - رواية ابن طهمان ٣٤٢).
وأَكَّدَ ذلك في (روايةِ ابن محرز) فقال: ((ابنُ لهيعةَ في حديثه كلِّه، ليس بشيء))، وقال مرة أخرى - وسئل عن حديث ابن لهيعة-: ((ابنُ لهيعةَ ضعيفٌ في حديثه كلِّه لا في بعضه)) (رواية ابن محرز ١٣٤).
* وقال الإمام أحمد: ((ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتبُ كثيرًا مما أكتبُ أعتبرُ به، وهو يقوي بعضُه ببعض)) (تاريخ دمشق ٣٢/ ١٥٤). وهذا يُقَيِّدُ ما ذُكِرَ عن أحمدَ من الثناء عليه.
* وقال عمرُو بنُ عليٍّ الفلاسُ: ((عبد الله بن لهيعة احترقتْ كتبه، فمن كتب عنه قبل ذلك مثل: ابن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ أصح من الذين كتبوا بعدما احترقت الكتب، وهو ضعيف الحديث)) (الجرح والتعديل ٥/ ١٤٧).
стр. 1498
قلنا: فمع قوله أن روايةَ العبادلة أصحُّ من روايةِ غيرِهم أطلقَ الضَّعْفَ، وفي هذا دليلٌ واضحٌ على ما ذكرنا من أنهم أرادوا بالصحة (الصحة النسبية) أي: أن روايتَهم أصحُّ من غيرهم وأخفَّ ضعفًا، لا أنها صحيحة في ذاتها. فتأمل.
* وقال ابنُ حبان: ((قد سبرتُ أخبارَ ابنِ لهيعةَ من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه فرأيتُ التخليطَ في رواية المتأخرين عنه موجودًا. وما لا أصل له من رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعتُ إلى الاعتبار فرأيتُه كان يدلِّسُ عن أقوامٍ ضَعْفَى، عن أقوامٍ رآهم ابنُ لهيعةَ ثقات، فالتزقتْ تلك الموضوعات به ....
وأما روايةُ المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه ففيها مناكير كثيرة وذاك أنه كان لا يَبالي ما دُفع إليه قَرَأَهُ سواء كان ذلك من حديثِهِ أو غير حديثه.
فوجبَ التنكب عن روايةِ المتقدمين عنه قبلَ احتراقِ كتبه لما فيها من الأخبار المدلَّسة عن الضعفاء والمتروكين، ووَجَبَ ترك الاحتجاجِ برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه لما فيه مما ليس من حديثه)) (المجروحين ٢/ ١١ - ١٣).
* وذكره الدارقطنيُّ في ((الضعفاء والمتروكين))، وقال: ((يُعْتَبرُ بما يَروي عنه العبادلةُ: ابنُ المبارك، والمقرئُ، وابنُ وهب)) (الضعفاء والمتروكون ٣١٩). وهذا يعني: أن روايةَ غيرهم مما لا يُعتبر بها، لكونها ليستْ من حديثه، على ما بيَّنَّاه آنفًا.
* ونَقَلَ الإجماعَ على ذلك البيهقيُّ، فقال: ((وقد أجمعَ أصحابُ الحديثِ على ضَعْفِ ابنِ لهيعةَ، وتركِ الاحتجاجِ بما يَنْفَرِدُ به)) (معرفة السنن والآثار ٩/
стр. 1499
٤٣) (١).
* وقال الذهبيُّ: ((لا ريبَ أن ابنَ لهيعةَ كان عالمَ الدِّيارِ المصريةِ، ... ولكن ابنَ لهيعةَ تهاونَ بالإتقان، وروى مناكير، فانحطَّ عن رتبةِ الاحتجاج به عندهم.
وبعضُ الحفاظِ يروي حديثَه، ويذكره في الشواهد والاعتبارات، والزهد، والملاحم، لا في الأُصول.
وبعضُهم يبالغُ في وَهَنِهِ، ولا ينبغي إهداره، وتتجنب تلك المناكير، فإنه عدلٌ في نفسه ... وما رواه عنه ابنُ وهب، والمقرئُ، والقدماءُ فهو أجودُ)) (سير أعلام النبلاء ٨/ ١٤).
وقال أيضًا: ((العمل على تضعيف حديثه)) (الكاشف ٢٩٣٤). وكذا قال سبط ابن العجمي في (الاغتباط بمن رمي من الرواة بالاختلاط صـ ١٩٠).
هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
نعودُ إلى حديثنا، فنقولُ: ومما يؤكِّدُ ما ذكرنا: اضطراب ابن لهيعة فيه، فقد رُوِيَ عنه على وجهٍ آخر:
أخرجه أحمد (٨٧٥٢، ٨٧٦٧): عن موسى بن داود الضبيِّ، حدثنا ابنُ لهيعةَ، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن موسى (٢) بن طلحة، عن
стр. 1500
أبي هريرة، به.
فأبدلَ عبيد الله بن أبي جعفر بيزيد بن أبي حبيب، وموسى بن طلحة بأخيه عيسى.
قال ابنُ رجب الحنبليُّ: ((وقد اضطربَ في إسنادِهِ، فرواه تارة كذلك، وتارة رواه عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، وهذا يدلُّ على أنه لم يحفظه)) (فتح الباري له ١/ ٤٦١). وكذا قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في (الفتح ١/ ٣٣٤).
والحديثُ ضعَّفه ابنُ المنذر بقوله -بعد أن ذكر في الباب أثر عائشة الموقوف-: ((وقد روينا عن النبي ﷺ في هذا الباب حديثًا مفسرًا غير أنه من حديث ابن لهيعة)) (الأوسط ٢/ ٢٧٤).
وضعَّفه أيضًا البيهقيُّ، فقال في (السنن) بعد أن ذكر أثر عائشة الموقوف -وسيأتي قريبًا-: ((وقد رُوِيَ عن النبي ﷺ بإسنادين ضعيفين، ... )) وساقه بسنده من طريق ابن لهيعة، ثم قال: ((تفرَّدَ به ابنُ لهيعة)).
وأشارَ إلى تضعيفه بابنِ لهيعة الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٣١) بقوله: ((وفي إسناده عبد الله بن لهيعة)).
وأقرَّ الذَّهبيُّ تضعيفَ البيهقيِّ له فقال: ((هذا ضعيفٌ من قِبَلِ ابنِ لهيعةَ)) (المهذب في اختصار السنن ٢/ ٨٣٣).
وكذلك ضعَّفه النوويُّ في (المجموع ٢/ ٥٤٥)، وضعَّفه ابنُ رجب الحنبليُّ
стр. 1501
أيضًا فقال: ((وابن لهيعة لا يحتجُّ برواياته في مخالفة روايات الثقات، وقد اضطربَ في إسنادِهِ)) (فتح الباري ١/ ٤٦١).
وقال الهيثميُّ: ((رواه أحمد، وفيه ابنُ لهيعة وهو ضعيف)) (المجمع ١٥٥٤).
وضعَّفه ابنُ الملقن أيضًا بابنِ لهيعة، انظر: (البدر المنير ١/ ٥٢١ - ٥٢٤).
وضعَّفه ابنُ حجر في (التلخيص ١/ ٥٨)، وفي (بلوغ المرام ٣١)، وقال في (الفتح): ((وفي إسنادِهِ ضَعْفٌ، وله شاهدٌ مرسلٌ ذكره البيهقيُّ)) (الفتح ١/ ٣٣٤).
كذا قال الحافظ: ((وله شاهد مرسل))، ولعلَّه أرادَ: ((وله شاهد موقوف))، وهو حديث عائشة الآتي في آخر الباب، فهذا هو الذي ذكره البيهقيُّ شاهدًا، ولم يذكر هو ولا غيرُه لهذا الحديث شاهدًا مرسلًا.
وقال صاحبُ (عونِ المعبودِ ٢/ ٢٠): ((والحديثُ فيه ابنُ لهيعةَ وهو ضعيفٌ)).
وأما قول علي القاري في (المرقاة ٢/ ١٨٣): ((وهو وإِن كانَ ضعيفًا لكنه اعتضد بخبرِ جماعةٍ: أنه ﵊ سَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ: تَغْسِلُهُ فَيَبْقَى أَثَرُهُ؟ فَقَالَ: ((يَكْفِيكِ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ)).
فهذا قولٌ عجيبٌ؛ فأين خبرُ هولاءِ الجماعةِ؟ ! ، وليس في الباب حديثٌ مرفوعٌ إِلَّا حديث أبي هريرة هذا، وقد رُوِيَ من حديثِ خولةَ، وإسنادُهُ وَاهٍ كما سيأتي.
وفي مُقابلِ تضعيفِ هولاء الأئمة لحديث ابن لهيعة هذا، صحَّحَهُ الألبانيُّ في
стр. 1502
(الصحيحة ١/ ٥٩٣)، وفي (صحيح سنن أبي داود ٣٩١)، وفي (الإرواء ١٦٨)؛ لأنه من روايةِ عبد الله بن وهب عن ابنِ لهيعةَ، وابنُ وهب أحدُ العبادلة الذين نصَّ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ وغيرُه على صحةِ حديثهم عن ابن لهيعة، وقد سبقَ -ولله الحمد- توجيه كلام الحافظ عبد الغني بن سعيد، وبيان ما عليه المحققون من أئمة الحديث من تضعيف رواية ابن لهيعة سواء في ذلك رواية العبادلة ورواية غيرهم، وهذا الحديثُ خيرُ شَاهدٍ على ما ذكرنا، حيثُ اتفقَ العلماءُ على تضعيفه بالرغمِ من كونِهِ من روايةِ أحدِ العبادلةِ عن ابنِ لهيعةَ، خلافًا لاجتهادِ شيخنا الألبانيِّ ﵀ رحمة واسعة-، وهو إمامٌ مجتهدٌ لا غُبارَ عليه، ولكن -كما تعلمنا منه- الكلُّ يُؤخَذُ مِنْ قَولِهِ وَيُرَدُّ عليه إِلَّا المعصوم ﷺ .
وقد تكرَّرَ هذا الأمرُ في غيرِ ما حديثٍ، كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى- في هذه الموسوعة المباركة.
* * *
[السند]:
رواه الطبرانيُّ في (الكبير) -وعنه أبو نُعَيمٍ في (الصحابة) - قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستريُّ، ثنا عثمان بن أبي شيبةَ، ثنا علي بن ثابت الجزريُّ، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن خولةَ بنتِ حَكيمٍ، به.
ومداره عند الجميع على الوازع بن نافع، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: الوازع بن نافع. قال أحمد، وابن معين: ((ليس بثقة))، وقال البخاريُّ: ((منكر الحديث))، وقال النسائيُّ وغيرُه: ((متروك))، وقال أبو حاتم والبغويُّ: ((ضعيف جدًّا)). انظر: (لسان الميزان ٨٣٢٣).
وقد اخْتَلَفَتِ الرواياتُ في اسمِ خولة هذه: فرواه الطبرانيُّ، وابنُ سيد الناس: من طريق عثمان بن أبي شيبة عن علي بن ثابت به وقال فيه: ((عن خولة بنت حكيم)) كما سبق.
ورواه ابنُ أبي خيثمة في (تاريخه)، وابنُ منده في (المعرفة) من طريق عليِّ بنِ ثابتٍ به، وقالا فيه: ((عن خولة بنت يسار)).
وكذلك رواه أبو نعيم في (المعرفة) عن الطبرانيِّ بسنده السابق، وقال فيه: ((عن خولة)) لم ينسبها، لكنه ساقَ الحديثَ تحت ترجمة خولة بنت يسار! .
ورواه البيهقيُّ: من طريق مهديِّ بنِ حفص، ثنا علي بن ثابت به وقال فيه: ((خولة بنت نمار)).
стр. 1505
وضعَّف حديثَها هذا جماعةٌ من العلماءِ منهم:
البيهقيُّ، فقال بعد أن ذكر أثرَ عائشةَ الموقوفَ: ((وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ بإسنادَينِ ضعيفين))، ثم ذكر حديثَ ابنِ لهيعةَ السابق، ثم ذكر هذا الحديثَ، ونقلَ عن إبراهيمَ الحربيِّ أنه قال: ((الوازع بن نافع غيره أوثق منه، ولم يسمع خوله بنت نمار أو يسار إِلَّا في هذين الحديثين))، يعني: هذا، وحديث ابن لهيعة.
وقد تَعَقَّبَ ابنُ الملقن كلمةَ الحربيِّ ((غيرُه أوثقُ منه))؛ فقال: ((وهذه عبارة عجيبة؛ فإنها لا تقالُ إِلَّا لمن شورك في الثقة ... ))، ثم نقل أقوالَ الأئمةِ في تضعيف الوازع، وبه ضَعَّفَ الحديثَ (البدر المنير ١/ ٥٢٤).
قلنا: لكن هذه الكلمة يستعملها إبراهيمُ الحربيُّ بكثرةٍ في الرُّواةِ شديدي الضعف والمتروكين والكذُّابين (١)، فالظاهرُ أنه اصطلاحٌ خاصٌّ له، ويعني به: شديد الضعف، ولا مشاحة في الاصطلاح، كما هو مقررٌ.
والحديثُ ضَعَّفَهُ النوويُّ في (خلاصة الأحكام ٤٣٨)، وابنُ دقيق العيد في (الإمام ٣/ ٤٤٠)، وابنُ سيد الناس في (النفح الشذي ٣/ ٢٢٩)، والذهبيُّ في (اختصار السنن ٢/ ٨٣٣)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ٣/ ١٣٢)،
стр. 1506
وابنُ التركمانيِّ في (الجوهر النقي ٢/ ٤٠٨).
وقال الهيثميُّ: ((رواه الطبرانيُّ في (الكبير)، وفيه الوازع بن نافع، وهو ضعيف)) (المجمع ١٥٥٥).
وقال ابنُ حَجَرٍ: ((وإسنادُهُ أَضْعَفُ من الأول)) (التلخيص ١/ ٥٨)، يعني بالأول: حديث ابن لهيعة السابق.
وضَعَّفَ سندَهَ جدًّا الألبانيُّ في (الصحيحة ١/ ٥٩٧).
[تنبيه]:
قال ابنُ عبد البر في (الاستيعاب ١/ ٥٩٢) بعد أن ذكر حديثَ خولة هذا: ((رَوى عنها أبو سلمة، وأخشى أن تكون خولة بنت اليمان لأَنَّ إسنادَ حديثهما واحد)).
وتَعَقَّبَهُ ابنُ حجر فقال: ((لا يلزمُ من كون الإسنادِ إليهما واحدًا مع اختلاف المتن أن تكونا واحدة)) (الإصابة ١٣/ ٣٥٤).
وقد تَعَقَّبَ الألبانيُّ في (الصحيحة ١/ ٥٩٨) كلًّا من ابنِ عبد البر، وابنِ حجر في ذلك، وفي تعقبه نظر، والذي خشيه ابنُ عبد البر وارد جدًّا؛ لأَنَّ (الوازعَ) قد اخْتُلِفَ في حديثِهِ هذا، فمرة قال فيه: ((عن خولة بنت حكيم))، وثانية قال: ((بنت يسار))، وثالثة قال: ((بنت نمار))، ولو صَدَقَ ظَنُّ الألبانيِّ في كون ((بنت نمار)) محرَّفة عن: ((بنت يمان))، لكان هذا -وهو أحد أوجه الاختلاف المذكورة-، شاهدًا قويًا لكلامِ ابنِ عبد البر، والله أعلم.
* * *
стр. 1507
٢٧٩ - حَدِيثُ أُمِّ أَنَسٍ:
◼ عَنْ أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الثَّوبِ يُصِيبُهُ دَمُ الْحَيْضَةِ أَغْسِلُهُ فَلَا يَذْهَبُ؟ قَالَ: ((لَا يَضُرُّكِ، صَلِّي فِيهِ)).
[الحكم]: إسنادُهُ تالفٌ، وضعَّفَه ابنُ عَدِيٍّ، وابنُ القيسرانيِّ.
[التخريج]: [عد (٩/ ٢٤٦)].
[السند]:
قال ابنُ عدي: حدثنا عبد الصمد بن عبد الله الدمشقيُّ، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد، حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشيُّ، عن محمد بن زاذان، عن أُمِّ سعد، عن أُمِّ أنس بن مالك، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: عنبسة بن عبد الرحمن القرشيُّ؛ قال فيه الحافظ: ((متروك، رمَاه أبو حاتم بالوضع)) (التقريب ٥٢٠٦).
الثانية: محمد بن زاذان؛ قال فيه الحافظ: ((متروك)) (التقريب ٥٨٨٢).
وذكره ابنُ عَدِيٍّ في ترجمة محمد بن زاذان مع جملةٍ من حديثِهِ، ثم ذكر أن محمد بن زاذان هذا مضطرب الحديث، وعنسبة ضعيف. ثم قال: ((لا أدري هذا الاضطراب من عنبسة، أو من محمد بن زاذان، ولمحمد غير ما ذكرت وكلها مضطربة)).
وبه أيضًا أعلَّه ابنُ القيسراني، فقال: ((ومحمد هذا منكر الحديث. قال
стр. 1508
البخاريُّ: لا يُكْتَبُ حديثُه)) (ذخيرة الحفاظ ٣١٩٣).
قلنا: وفي سماع محمد بن زاذان هذا من أُمِّ سعد -وهي بنت زيد بن ثابت- مقال؛ قال ابن عبد البر: ((يقال: إنه لم يسمع منها، وبينهما عبد الله بن خارجة)) (الاستيعاب ٤/ ١٩٣٨).
* * *
стр. 1509
٢٨٠ - حَدِيثُ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ:
◼ عَنْ شُرَحْبِيلَ الْمَدَنِيِّ، أَنَّ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ قَالَتْ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَحِيضُ وَلَيْسَ لِي إِلَّا ثَوْبٌ، أَفَأُصَلِّي فِيهِ؟ فَقَالَ: ((صَلِّى فِيهِ إِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ))، قَالَتْ: فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ؟ قَالَ: ((فَاغْسِلِيهِ))، قَالَتْ: إِنْ غَسَلْتُهُ يَبْقَ أَثَرُهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ أَثَرَهُ لَا يَضُرُّكِ)).
[الحكم]: مرسلٌ وإسنادُهُ تالفٌ.
[التخريج]: [حق ٢١٩١].
[السند]:
قال إسحاق بن راهويه: أخبرنا أحمد بن أيوب الضبيُّ، عن أبي حمزة السكريِّ، عن جابر، عن شرحبيل المدنيِّ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ؛ مسلسلٌ بالعللِ:
الأولى: جابر، وهو ابن يزيد الجعفيُّ، كذَّبه: ابنُ معين، وأحمدُ، وابنُ عُيَينَةَ، وأيوبُ السختيانيُّ، وزائدةُ، والجوزجاني، وابنُ الجارودِ، وغيرُهم كثير، وتركه يحيى القطانُ، وابنُ مَهْدِيِّ، وغيرُهما، وقال النسائيُّ: ((متروك))، وقال مرة: ((ليس بثقة لا يُكْتَبُ حديثه))، وكذا قال ابنُ معين أيضًا وزاد: ((ولا كرامة))، وقال ابنُ سعدٍ: ((كان يدلِّسُ وكان ضعيفًا جدًّا في رأيه وروايته))، وضعَّفه: أبو حاتم، وأبو زُرْعَةَ، وأبو داود، والعجليُّ، وابنُ سعد، وغيرُهم. وشَذَّ شعبةُ وغيرُه فأثنوا عليه، كأنه لم يتبيَّنْ لهم ما
стр. 1510
تبيَّنَ لغيرِهم. ولهذا قال الذهبيُّ: ((وَثَّقَهُ شعبةُ فشذَّ، وتركه الحفاظُ)) (الكاشف ٧٣٩)، وانظر: (العلل لأحمد -رواية الميموني ٤٦٦)، و (ميزان الاعتدال ١٤٢٥)، و (إكمال تهذيب الكمال ٩٢١)، و (تهذيب التهذيب ٢/ ٤٦ - ٥٠). وتساهل الحافظُ في (التقريب ٨٧٨) فقال: ((ضعيفٌ رافضيٌّ))، وقد قال في غير موضع من كتبه: ((متروك))، كما في (المطالب ٥٠٢)، و (التلخيص ١/ ٤٥٦، ٢/ ١٦٨)، و (الدراية ٢/ ٢٨٣)، وقال في مواضع أخرى: ((ضعيف جدًّا)) كما في (المطالب ١٥٥٤)، و (التلخيص ١/ ٣٧٢، ٢/ ٨). وقال في موضع: ((وجابر اتَّهموه بالكذب)) (التلخيص ١/ ٤٢٤) مقرًّا بذلك، ونحوه في (الفتح ٩/ ١١٣). وهذا هو المعتمد، والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد -وسئل عن حديث جابر الجعفيِّ-: ((ليس له حكم يُضطرُ إليه)) (الضعفاء للعقيلي ١/ ٣٩١). فالحمد لله.
الثانية، والثالثة: شرحبيل المدنيُّ، هو ابن سعد مولى الأنصار، تابعي من الثالثة (التقريب ٢٧٦٤). فالحديثُ مرسلٌ.
ثم إِنَّ الجمهورَ على تضعيفه، انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب ٥٥٢).
الرابعة: أحمد بن أيوب الضبيُّ، لم يوثقه معتبرٌ، وإنما ذكره ابنُ حبان في (الثقات ٨/ ١٩) وقال: ((ربما أَغْربَ)). ولذا قال الحافظ: ((مقبولٌ)) (التقريب ١١). أي: إذا تُوبِعَ وإلا فلين، ولا متابعةَ هنا.
* * *