حديث فاطمة- ضعيف، وعلته المنذر، ومخالفته لهشام بن عروة كما بيَّنَّاه.
وقد صححه ابن حزم في (المحلى ١٠/ ٢٧٤) -وأقره ابن التركماني في (الجوهر النقي ٧/ ٤١٧) -، وصححه عبد الحق الإشبيلي بسكوته عنه في (الأحكام الوسطى ١/ ٢١٦)، كما ذكره في (المقدمة، ص ٦٦).
وصححه الألباني بطرقه وشواهده. وفيه نظر كما سبق.
نعم، ذكر الشيخ أنه بمعنى حديث عروة عن عائشة الذي رواه هشام عن أبيه، وهو كذلك، إلا أن حديث هشام بلفظ الحيضة لا بلفظ القرء.
[تنبيه]:
وقع الحديث في أحكام الطحاوي (١٩٢٩) بلفظ: ((عِرْقٌ يَطْرَأُ))، ولم تَرِد كلمة ((يطرأ)) عند غيره. والأقرب أنها محرفة من كلمة ((فانظري)) كما في بقية المراجع. والله أعلم.
هي:
الطريق الأول:
رواه الطبراني في (الكبير ٢٤/ ٣٦١) عن الحسن بن العباس الرازي، ثنا زُنَيْج (١) أبو غسان الرازي، ثنا عبد الله، عن ابن مْغَرَاء، ثنا الحجاج بن أرطاة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به، بلفظ السياقة الأولى.
والسند إلى حَجاج فيه لِين، ولكن رُوِي عنه من وجه آخر:
فرواه الطبراني في (مسند الشاميين ٢٤٧٧) من طريق آخر -ضعيف أيضًا-، عن ابن أرطاة، به، إلا أنه لم يذكر فيه الوضوء.
وحَجاج كثير الخطأ، مدلس، وقد عنعن، واختُلف عليه في إسناده:
فرواه البيهقي في (الخلافيات ١٠٨٠) من طريق خالد بن يزيد السُّلَمي، عن الحَجاج، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، بنحوه.
وخالد مقبول، وقد توبع، تابعه أبو خالد الأحمر عند البزار (ج ١٨/ ح ٢٢٠)، إلا أنه اختصره جدًّا، ولفظه: قال لامرأة مستحاضة: ((اغْتَسِلِي وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ)).
وهذا الطريق ضَعَّفه البيهقي بحَجاج في (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٥٣، ١٦٨٢).
الطريق الثاني:
رواه السراج في (حديثه ٤٣٢) قال: ثنا القاسم بن بشر بن معروف، ثنا
стр. 14844
يحيى بن سُليم الطائفي، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به، بلفظ السياقة الثانية.
والقاسم ثقة، ويحيى من رجال الصحيح، إلا أنه متكلم في حفظه، والمحفوظ عن هشام بغير هذا اللفظ كما سيأتي.
الطريق الثالث:
رواه الطحاوي في (الأحكام ١٧١، ١٩٢٧، ١٩٢٨) من طريق الخَصِيب بن ناصح، وسهل بن بكار، كلاهما عن أبي عَوانة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به، نحو السياقة الثانية إلا أنه اختصره.
وقد خولف الخصيب وسهل في متنه:
فرواه ابن حبان (١٣٥٠) عن محمد الخُلْقاني قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي قال: حدثنا أبو عوانة به بلفظ: ((تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)). فلم يذكره بلفظ القرء! ورجاله ثقات سوى الخُلْقاني، فلم نجد من وثقه.
الطريق الرابع:
رواه النسفي في (القند ٣٢٧) من طريق أبي سعيد سعد السمرقندي قال: حدثنا أبو مقاتل وأبو عبد الله نصر بن عبد الملك الإمام العتكي السمرقندي قالا: حدثنا أبو حنيفة ﵁، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَتَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَحِيضُ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ! ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ، ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ)).
وأبو سعيد هذا لا تُعْرَف حاله، وهو بهذا اللفظ غير محفوظ عن أبي حنيفة. والمحفوظ عن أبي حنيفة ما:
стр. 14845
رواه الطبراني في (الكبير ٢٤/ ٣٦٠/ ٨٩٥) من طريق أبي نعيم الفضل بن دُكَيْن وزُفَر بن الهُذَيْل.
ورواه الطحاوي في (المشكل ٢٧٣٢) و (المعاني ١/ ١٠٢/ ٦٣٧)، والرَّامَهُرْمُزي في (المُحَدِّث الفاصل ٢٣٠) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ.
ورواه الحسن بن زياد في مسنده كما في (جامع مسانيد أبي حنيفة، للخوارزمي ١/ ٢٦٧، ٢٦٨).
أربعتهم عن أبي حنيفة، عن هشام به، بلفظ: ((دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضَتِكِ))، ولفظ المقرئ: ((فَإِذَا أَقْبَلَ الحَيْضُ فَدَعِي الصَّلَاةَ)).
فذكروه بلفظ الحيض لا بلفظ القرء. وهذا هو المحفوظ في قصة فاطمة بنت أبي حبيش من حديث عائشة ﵂، كما رواه الأئمة الثقات من أصحاب هشام بن عروة؛ كمالك والسفيانين والحمادين وزهير وأبي معاوية ومعمر وابن جريج ... وغيرهم.
وقد رُوِي بلفظ (القرء) من طريق حبيب عن عروة. ومن طريق قَمِير وأم كلثوم عن عائشة. ومن طريق عروة وابن أبي مُلَيْكة عن عائشة. وكلها طرق واهية لا تَثبت كما بيَّنَّاه في موضعه.
وقد روت أم سلمة قصة فاطمة، فوافقت في هذا اللفظ ما هو محفوظ عن عائشة كما رواه الثقات عن هشام.
وإن كان لفظ (القرء) من الألفاظ المشتركة، يطلق على الطهر وعلى الحيض معًا، فلعل مَن ذَكَره في الحديث إنما رواه بالمعنى، ومع ذلك فقد خَطَّأ عدد من الأئمة هذا اللفظ، لاسيما في حديث عائشة؛ لأنها ترى أن القرء هو الطهر، فلا يمكن أن تَروي ما يفيد أنه الحيض وتخالفه.
стр. 14846
ولذا لما سئل الإمام أحمد عن حديث عائشة: ((تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا))، قال: ((عائشة ترى الأقراء الأطهار، هذا كلام مختلط)) (المسائل برواية أبي داود، ص ٢٥٣).
وفي سؤالات أبي طالب: قال أحمد: ((هذا خطأ، كل مَن روى ((أَيَّامَ أَقْرَائِكِ)) فقد أخطأ، عائشة [لا] تَروي عن النبي ﵇ ((أقرائك))، (وتفتي) بأن الأقراء الأطهار! ... وأهل الكوفة لا يعرفون إلا قول عبد الله، فجعلوه الأقراء ... وأما أهل المدينة فلا يقولون: ((الأقراء)) إنما يقولون: ((أيام حيضك))، و: ((ما كانت تحبسك حيضتك)). (شرح ابن ماجه لمغلطاي ٣/ ١٠٣، ١٠٤).
وبنى ابن رجب على هذا قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، ثم قال: ((قد ضَعَّف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا، ومنها: حديث عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال للمستحاضة: ((دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ)). قال أحمد: ((كل مَن روى هذا عن عائشة فقد أخطأ؛ لأن عائشة تقول: الأقراء: الأطهار لا الحيض)) (شرح العلل ٢/ ٨٨٨، ٨٨٩).
وبنفس هذه القاعدة رد الشافعي رواية من روى هذه اللفظة في قصة أم حبيبة بنت جحش ﵂، من حديث عائشة أيضًا، قال رحمه الله تعالى: ((وقد رَوى غير الزهري هذا الحديث ((أن النبي ﷺ أَمَرها أن تغتسل لكل صلاة)) ... وقد رَوى فيه شيئًا يدل على أن الحديث غلط، قال: ((تَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا))، وعائشة تقول: ((الأقراء: الأطهار)) (الأم ٢/ ١٣٩).
وممن ردها في حديثنا هذا أيضًا: البيهقي وابن عبد البر:
قال ابن عبد البر: ((وأما احتجاجهم بقوله ﷺ للمستحاضة: ((اقْعُدِي أَيَّامَ
стр. 14847
أَقْرَائِكِ)) ... ونحو هذا، فليس فيه حجة؛ لأن الحيض قد يسمى قرءًا، ولسنا ننازعهم في ذلك، ولكنا ننازعهم أن يكون الله أراده بقوله: ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾.
على أن هذا الحديث قد ضَعَّفه أهل العلم؛ لأنه يُروى عن عائشة، وعائشة لم يُختلَف عنها في أن الأقراء الأطهار، فيَبعد عن عائشة أن تَروي عن النبي ﵇ أنه قال للمستحاضة: ((دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ))، وتقول: الأقراء: الأطهار.
فإن صح عن عائشة فهو حجة عليهم؛ لأن عائشة تكون حينئذٍ أخبرت بأن القرء الذي يمنع من الصلاة ليس هو القرء الذي تعتد به من الطلاق. وكفى بتفرقة عائشة بين هذين حجة)) (التمهيد ١٥/ ٩٨).
وقال البيهقي: ((والذي رُوِي مرفوعًا: ((دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ)) لم يَثبت إسناده. ورُوِي أنه أَمَرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها- أو: أيام حيضها، بالشك)) (السنن الصغرى ٢٧٨٢).
وقال أيضًا: ((وقد رُوِي هذا اللفظ الذي احتجوا به في أحاديث ذكرناها في كتاب الحيض، وتلك الأحاديث في نفسها مختلف فيها: فبعض الرواة قال فيها: ((أَيَّامَ أَقْرَائِهَا)) وبعضهم قال فيها: ((أَيَّامَ حَيْضِهَا)) أو ما في معناه. وكل ذلك من جهة الرواة، كل واحد منهم يعبر عنه بما يقع له. والأحاديث الصحاح متفقة على العبارة عنه بأيام الحيض دون لفظ الأقراء)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٥٤٨٢). وقد تعقبه ابن التركماني بما ورد في الطرق الواهية المشار إليها آنفًا، وبالروايات التي اختلف رواتها فيها كما ذكره البيهقي نفسه، وبالرواية التي ردها الشافعي وغيره في قصة أم حبيبة، ثم قال: ((فظهر بهذا أن الأحاديث الصحيحة وقعت بلفظ الأقراء أيضًا))! ! (الجوهر
стр. 14848
١/ ٣٤٩ و ٧/ ٤١٧).
ولم يصنع ابن التركماني شيئًا! بل إنه خالف في بعض كلامه ما تعقب به على البيهقي في موضع آخر! كما فعل مع حديث أم سلمة.
هذا وقد قال الشنقيطي عن الحديث: ((مِن العلماء مَن ضَعَّفه، ومِنهم مَن صححه، والظاهر أن بعض طرقه لا يقل عن درجة القَبول)) (الأضواء ١/ ١٠٢).
ولعله يقصد الطريق الوارد في قصة أم حبيبة، وقد بينا ما فيه عقب تخريجه.
بشيء))، وخَطَّأ ابن عدي راويه. وقال الدَّارَقُطْنِيّ: ((لا يصح))، وقال أبو بكر النيسابوري: ((بمثله لا تقوم حجة))، وأقره البيهقي. وقال ابن عبد الهادي: ((لا أصل له)).
ولكن مرفوعه صحيح المعنى.
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [ك ٧٠٧٦ والرواية له/ طس ٢٩٦٠ واللفظ له، ٧٨١٨ والزيادة له ولغيره/ طص ٢٣٥/ سرج ٤٣١/ هق ١٦٠٥، ١٦٨٤].
تخريج السياق الثاني: [قط ٨٤٨ "واللفظ له" / ميمي (٢٠٩) / مخلص ١٠٤٦، ٢٨٦٢ / هق ١٦٨٣ "والرواية له"].
تخريج السياق الثالث: [عل (مط ٢٠٣)، (خيرة ٧٣٩) / عد (٣/ ١٠٣)].
[التحقيق]:
رواه السراج في (حديثه ٤٣١) قال: حدثنا وهب بن بقية، حدثنا جعفر بن سليمان الضُّبَعي، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن فاطمة بنت قيس، به.
ورواه الطبراني في (الأوسط ٢٩٦٠، ٧٨١٨) و (الصغير ٢٣٥)، والحاكم (٧٠٧٦)، والبيهقي (١٦٠٥، ١٦٨٤) من طرق عن وهب بن بقية، حدثنا جعفر به، بلفظ السياقة الأولى.
والحديث مداره عندهم على جعفر بن سليمان الضبعي به.
قال الطبراني: ((لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن جريج إلا جعفر بن سليمان)).
стр. 14851
وقال البيهقي: ((ولا يُعْرَف إلا من جهة جعفر بن سليمان)).
وهو موثق، وقد أخرج له مسلم، وكذلك بقية رجاله.
ولذا قال الهيثمي: ((رجاله رجال الصحيح)) (المجمع ١٥٤١).
وقال البوصيري: ((هذا إسناد رجاله ثقات)) (الإتحاف ١/ ٤٠٥).
قلنا: ومع ذلك فهذا إسناده ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: عنعنة ابن جريج، فهو مدلس مشهور كما ذكرناه في غير موضع، ولم يصرح بسماعه لهذا الخبر.
وكذلك عنعنه أبو الزبير، وبعضهم لا يَقبل عنعنته.
الثانية: تَفَرُّد جعفر بن سليمان الضبعي به عن ابن جريج، وجعفر وإن كان من رجال مسلم ووثقه ابن معين وغيره، إلا أنه قد لَيَّنه جماعة وتكلموا فيه. وقد ذكر غير واحد من النقاد أن في أحاديثه مناكير، كما في (الجرح والتعديل ٢/ ٤٨١)، و (الميزان ١/ ٤٠٩ - ٤١١)، و (تهذيب التهذيب ٢/ ٩٧).
فمثله لا يَحتمل هذا التفرد، لاسيما وقد اختُلف عليه فيه، بل وخولف فيه ممن هو أوثق منه كما سيأتي.
أولًا- بيان الاختلاف على جعفر:
اختُلف فيه على جعفر على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: رواه وهب بن بقية عنه كما سبق، فجعله من مسند فاطمة (١)،
стр. 14852
وقال فيه: ((تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ))، ووهب ثقة من رجال مسلم.
الوجه الثاني: رواه الدَّارَقُطْنِيّ (٨٤٨) -ومن طريقه البيهقي (١٦٨٣) - والمخلص (١٠٤٦، ٢٨٦٢)، وابن أخي ميمي (٢٠٩) عن عبد الله البغوي، عن قَطَن بن نُسَيْر، نا جعفر بن سليمان، به، بلفظ السياقة الثانية.
فجَعَله من مسند جابر! وجَعَل الاغتسال فيه كل يوم! وهذا منكر لا شك، وقطن متكلم فيه كما في (الجرح ٧/ ١٣٨)، و (الكامل ١٦٠١)، لكنه مُتابَع، فقد قال البيهقي عقب روايته: ((وكذلك رواه عبد السلام بن مُطَهَّر، عن جعفر)) (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٨٣).
ولم نقف على رواية ابن مطهر، لكن وجدنا غيره قد تابعه على إسناده دون متنه.
الوجه الثالث: رواه أبو يعلى كما في (المطالب ٢٠٣)، و (الإتحاف ٧٣٩) -وعنه ابن عدي (٣/ ١٠٣) - قال: حدثنا حسن بن عمر بن شقيق، ثنا جعفر بن سليمان، به، بلفظ السياقة الثالثة.
فجعله حسن من مسند جابر أيضًا، إلا أنه جعل الاغتسال فيه لكل طهر كرواية وهب. وحسن صدوق.
فهذا الاختلاف مما يدل على أنه لم يضبط الحديث.
ولذا قال أبو بكر بن إسحاق النيسابوري الفقيه: ((جعفر بن سليمان فيه نظر، ولا يُعْرَف هذا الحديث لابن جريج، ولا لأبي الزبير من وجه غير هذا، وبمثله لا تقوم حجة، واختُلف عليه فيه)).
стр. 14853
ذكره البيهقي في (السنن الكبرى عقب رقم ١٦٨٤) وأقره، بل وصرح بضعفه في (المعرفة ٢٢٢٠).
وعَلَّق ابن التركماني على قوله: ((فيه نظر))، فقال: ((أخرج له مسلم في صحيحه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه، ووثقه ابن معين، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت علي بن المديني عن جعفر بن سليمان الضبعي، فقال: ((ثقة عندنا)) (الجوهر ١/ ٣٥٦).
قلنا: هو مختلف فيه كما سبق بيانه، ثم إن الثقة قد يخطئ، وقد أخطأ جعفر في هذا الحديث كما ستراه فيما يلي.
ثانيًا- بيان مخالفة جعفر لمن هو أوثق منه:
وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد، وذلك حين سأله ابنه صالح، فقال: ((حديث فاطمة بنت أبي حبيش في المستحاضة، رواه أبو الزبير، عن جابر، عن فاطمة بنت قيس في المستحاضة؟ فقال أحمد: ((ليس هذا بشيء)).
ثم روى أحمد عن عبد الرزاق قال: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَكَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَطْهُرُ، أَفَأَتْرُكُ الصَّلَاةَ أَبَدًا؟ ! قَالَ: ((إِنَّمَا ذَاكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي)) (مسائل أحمد برواية صالح ٦٤١، ٦٤٢).
فهذا هو المحفوظ عن ابن جريج سندًا ومتنًا، وكأن أحمد ساقه ليدلل به على نكارة حديث جعفر، وأنه أخطأ فيه على ابن جريج.
ولذا قال أحمد في موضع آخر لما سئل عن حديث جعفر هذا: ((ليس بصحيح
стр. 14854
- أو: ليس له أصل-)) (العلل ٤١٢٢).
وأفصح عن ذلك ابن عدي فقال: ((هذا الحديث لم يُحَدِّث به عن ابن جريج بهذا الإسناد غير جعفر بن سليمان، ويقال: إنه أخطأ فيه، أراد به إسنادًا آخر عن ابن جريج، لعله يرويه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فلعل جعفرًا أراد هذا الحديث، فأخطأ عليه فقال: عن أبي الزبير عن جابر)) (الكامل ٣/ ١٠٣).
قلنا: قوله: ((لعله يرويه عن الزهري)) خطأ؛ فإن ابن جريج يرويه عن هشام عن عروة كما سبق.
وقال الدَّارَقُطْنِيّ أيضًا: ((تَفَرَّد به جعفر بن سليمان، ولا يصح عن ابن جريج عن أبي الزبير، وَهِم فيه، وإنما هي فاطمة بنت أبي حبيش)) (السنن).
قلنا: وهكذا ورد اسمها في (علل ابن أبي حاتم ١٢٠) من رواية جعفر! فإنه قال: ((سألت أبي عن حديث رواه جعفر بن سليمان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَأَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، المَرْأَةُ المُسْتَحَاضَةُ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: ((تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ، ثُمَّ تُصَلِّي)).
وهذا غريب جدًّا، ففي جميع المراجع التي أسندت رواية جعفر: ((فاطمة بنت قيس))!
فإن لم يكن ما في العلل خطأ من النُّساخ، فلعله سَبْق قلم، لاسيما وقد أنكره أبو حاتم أيضًا فقال: ((هذا ليس بشيء)) (العلل ١٢٠).
إلا إن كانا يريان أنهما واحد، وأن قيسًا هو نفسه أبو حبيش -كما قاله غير واحد-، ويكون إنكار أبي حاتم للإسناد المذكور عن ابن جريج كما
стр. 14855
بَيَّنه ابن عدي.
ولكن عَلَّق ابن عبد الهادي على ما في (العلل) قائلًا: ((وفيه أن التي سألت: فاطمة بنت أبي حبيش -لا بنت قيس، كما تقدم- وهو أشبه، فإن ابنة قيس لا مدخل لها في حديث الاستحاضة، والحديث في الجملة لا أصل له)) (شرح العلل، ص ١٠٧).
قلنا: لا شك أنها سُميت في حديث جابر: ((فاطمة بنت قيس)) كذا رواه جعفر، وأنكره عليه جماعة من النقاد كما سبق. فإما أن يقال: هي غير ابنة أبي حبيش، ويكون الإنكار متجهًا. وإما أن يقال: هي هي، ولا يتجه إنكار الاسم وإن اتجه إنكار الإسناد.
ويلاحظ أن بعضهم أنكر إسناده فقط؛ وذلك لأن معناه من رواية وهب وحسن صحيح، فهو يفيد أن المستحاضة تترك الصلاة أيام الحيض المعتادة، ثم تغتسل عند الطهر، وتصلي. وهكذا يفيد حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش كما بيَّنَّاه هناك، إلا أن متن حديث عائشة ورد بلفظ ((الحيضة))، وحديث جابر ورد بلفظ ((القرء))! والأول هو المحفوظ، وإن كان القرء من الألفاظ المشتركة، يطلق على الحيض والطهر جميعًا، ولكنه لم يَثبت في هذا الحديث؛ ولذا لم نصحح المتن. والله أعلم.
стр. 14856
٣٤٣٢ - حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ:
◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ [بِنْتُ قَيْسٍ] رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَقَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ بِالحَيْضِ، إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، لِتَقْعُدْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ لْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، وَلْتُصَلِّ)).
[الحكم]: إسناده ضعيف. والمحفوظ عن أم سلمة في قصة ابنة أبي حبيش، وبغير هذه السياقة.
[التخريج]:
[حم ٢٦٥٩٣ واللفظ له/ ك ٧٠٧٧ والزيادة له/ طب (٢٣/ ٢٦٥/ ٥٥٩)].
[السند]:
رواه أحمد قال: حدثنا سُرَيْج، حدثنا عبد الله- يعني ابن عمر-، عن سالم أبي النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، به.
ورواه الطبراني عن محمد بن العباس المؤدب. ورواه الحاكم من طريق محمد بن إسحاق الصغاني. كلاهما عن سريج به.
[التحقيق]:
هذا إسناده ضعيف؛ فيه: عبد الله بن عمر، أبو عبد الرحمن العُمَري، قال ابن حجر: ((ضعيف عابد)) (التقريب).
وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، غير سُرَيج - وهو ابن النعمان - فمن رجال البخاري.
وقد خالفه إسحاق الفَرْوي في متنه:
стр. 14857
فرواه البيهقي في (الكبرى ١٦٠٤) من طريق الفروي عن العُمَري بهذا الإسناد مرفوعًا، بلفظ: ((قال في المستحاضة: ((تَنْظُرُ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ التِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي)). خرجناه تحت حديث ابن يسار عن أم سلمة.
والفروي صدوق، كُفَّ فساء حفظه. ويَحتمل أن يكون هذا الاختلاف مِن قِبل العُمَري نفسه؛ فإنه ضعيف كما سبق.
ومع ذلك، قال الألباني: ((هذا إسناد صحيح على شرط مسلم! لكن عبد الله بن عمر -وهو العمري- سيئ الحفظ، غير أنه صحيح الحديث في المتابعات)) (صحيح أبي داود ٢/ ٣٧).
قلنا: كلا، فليس هو على شرط مسلم؛ لأن العمري إنما روى له مسلم مقرونًا بغيره، وليس له عنده رواية عن أبي النضر.
كما أنه لم يتابع، بل تَفَرَّد بهذا الإسناد والمتن، فلا يُعْرَف عن أبي النضر إلا من روايته، ولا يُحتمل التفرد من مثله.
كما أن حديث أم سلمة إنما هو في فاطمة بنت أبي حبيش كما قاله أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة، وشك أيوب في متنه هل هو بلفظ القرء أم الحيض؟ والثاني هو الصحيح كما تَبَيَّن من رواية نافع عن سليمان، وكذا رواه إسحاق الفروي عن العمري بهذا الإسناد كما سبق.
وقد قال الألباني في موضع آخر: ((هذا سند حسن بما قبله)) (الثمر، ص ٣٨).
ويعني بما قبله: طريق ابن يسار عن أم سلمة. وقد أعله الشيخ هنا بالانقطاع خلافًا لصنيعه في أبي داود، حيث رجح وصله، وهو الصحيح كما بيَّنَّاه هناك.
стр. 14858
٣٤٣٣ - حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ ابْنَةِ غَيْلَانَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ ابْنَةَ غَيْلَانَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى الطُّهْرِ، أَفَأَترُكُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: ((لَيْسَتْ تِلْكَ بِالحَيْضَةِ، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَإِذَا ذَهَبَ قُرْءُ الحَيْضِ فَارْتَفِعِي عَنِ الدَّمِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي)).
[التحقيق]: إسناده ضعيف جدًّا، وهو حديث معلول.
[التخريج]:
[طس ٧٨٨ واللفظ له/ صحا ٧٥٤٠].
[السند]:
رواه الطبراني في (الأوسط) -وعنه أبو نعيم في (المعرفة) - قال: حدثنا أحمد بن يحيى الحُلْواني قال: نا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: نا عمرو بن هاشم أبو مالك الجَنْبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: عمرو بن هاشم، لينوه، واعتمده ابن حجر في (التقريب ٥١٢٦).
وقد خولف عمرو في سنده ومتنه كما تراه فيما يلي.
الثانية: الإعلال بالإرسال، فقد رواه الدارمي (٨٠٣) عن أحمد بن خالد الوهبي عن ابن إسحاق عن الزهري عن القاسم مرسلًا: أنها كانت بادية بنت غيلان الثقفية. قاله عقب حديث رواه الدارمي (٨٠٢) عن الوهبي عن
стр. 14859
ابن إسحاق أيضًا، عن الزهري، عن عروة، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتِ اسْتُحِيضَتْ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ))، وانظر (الإصابة ١٣/ ١٩٤/ ١١٠٤١).
الثالثة: عنعنة ابن إسحاق، وقد كان يدلس.
ولابن إسحاق في هذا الحديث ألوان!
فمرة يرويه عن الزهري عن عروة عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش كانت استحيضت ... الحديث كما سبق.
ومرة يرويه عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة! (المسند ٢٧٤٤٥).
وثالثة يرويه عن الزهري عن القاسم مرسلًا: أنها بادية بنت غيلان!
وفي كل ذلك يقول: أَمَرَهَا بِالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ! !
وهذا خطأ من ابن إسحاق، خَطَّأه فيه البيهقي وغيره، وأصحاب الزهري لا يرفعونه.
ولذا قال ابن رجب: ((وابن إسحاق في روايته عن الزهري اضطراب كثير، فلا يُحكم بروايته عنه مع مخالفة حفاظ أصحابه)) (فتح الباري ٢/ ١٦٦ بتصرف).
ورواه ابن إسحاق من وجه رابع، عن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة، وسماها سهلة بنت سهيل! ! وهو معلول أيضًا كما سنذكره في موضعه.
стр. 14860
٣٤٣٤ - حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ أُمِّ حَبِيبَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ (١) بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ((لَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا وَحَيْضَتِهَا، وَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ)) فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ.
[الحكم]: صحيح دون ذكر الأقراء. فبهذا اللفظ أنكره: أحمد، وأبو داود - وأقره ابن عبد البر، والبيهقي، وابن رجب -، وأصل هذه الرواية إنما هو بالشك: ((أَقْرَائِهَا- أَوْ: حَيْضَتِهَا-))، والمحفوظ في الحديث منهما لفظ (الحيضة).
[التخريج]:
[ن ٢١٥، ٣٦١/ كن ٢٦٧/ غسان (٣/ ٧٩٥) مختصرًا/ إمام (٣/ ٣٠٢، ٣٠٣)].
стр. 14861
رِوَايَةُ ((وَأَمَرَهَا أَنْ تُمْسِكَ مُدَدَ أَقْرَائِهَا أَوْ حَيْضِهَا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ [عَنْ ذَلِكَ] فَقَالَ: ((إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَتِ بِالحَيْضَةِ)). وَأَمَرَهَا أَنْ تُمْسِكَ (تَقْعُدَ) مُدَدَ أَقْرَائِهَا أَوْ حَيْضِهَا أَوْ مَا شَاءَ اللهُ [مِنْ ذَلِكَ] ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي.
فَكَانَتْ [تَجْلِسُ فِي الِمرْكَنِ فِيهِ المَاءُ حَتَّى يَعْلُوَ الدَّمُ، وَ] تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. وَلَمْ تَقُلْ (١): إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهَا هَكَذَا (بِذَلِكَ).
[الحكم]: صحيح دون ذكر (الأقراء) فقد أنكره أحمد وغيره.
وقد سبق عند مسلم من وجه آخر بلفظ: ((امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ)).
فهذا يبين أن الصحيح هنا من اللفظين المذكورين بالشك هو لفظ الحيضة.
[التخريج]:
[حق ٥٦٧ والزيادات والروايتان له، ٢٠٦٢ "واللفظ له"].
стр. 14862
رِوَايَةُ ((قَدْرَ أَقْرَائِهَا أَوْ حَيْضَتِهَا)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ [أُمَّ حَبِيبَةَ] ابْنَةَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ، فَكَانَتْ تَمْكُثُ سَبْعَ سِنِينَ وَتَجْلِسُ فِي المِرْكَنِ [الذِي فِيهِ المَاءُ] فَيَعلُوهُ الدَّمُ، فَأَتَتِ (فَسَأَلَتِ) النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا [أَوْ حَيْضَتِهَا]، ثُمَّ تَغْتَسِلُ (١) وَتُصَلِّي.
يَقُولُ [سُفْيَانُ]: ((لَمْ (٢) يَأْمُرْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ)).
[الحكم]: صحيح دون ذكر (الأقراء) كسابقه.
[التخريج]:
[عه ٩٨٥ "واللفظ له" / عروس ٢٠ والزيادات والرواية له].
[التحقيق]:
انظره فيما تقدم تحت (باب الاسْتِحَاضَةِ لَا تَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَتَطَوُّعِ المُسْتَحَاضَةِ بِالغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) ضمن روايات حديث عائشة في شأن أم حبيبة، حديث رقم (؟؟؟؟).
стр. 14863
٣٤٣٥ - حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو:
◼ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ مِنْ قُرْءٍ إِلَى قُرْءٍ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ)).
[الحكم]: إسناده تالف.
[التخريج]:
[طس ٤٢٦ "واللفظ له"، ٦٦٤٣/ طص ٩٧١/ تمام ٥٧٩/ عد (١٠/ ٥٣) "والرواية له وحده"].
[التحقيق]:
مداره عندهم على بقية بن الوليد، وقد اختُلف عليه في سنده ومتنه:
فرواه الطبراني في (الأوسط ٤٢٦) عن أحمد بن خُلَيْد، وفي (الأوسط ٦٦٤٣) و (الصغير) عن محمد بن جعفر بن سفيان الرقي. كلاهما عن عبيد بن جناد، قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن سلمة بن كلثوم، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به.
وكذا رواه تمام في (الفوائد) من طريق يزيد بن عبد الصمد، ثنا عبيد بن جناد، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ لعنعنة بقية. وعبيد بن جناد صدوق، وقد خولف فيه:
فرواه ابن عدي في (الكامل) من طريق كثير بن عبيد المَذْحِجي - وهو ثقة -، قال: حدثنا بقية، عن مقاتل، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده يرفعه قال: ((المُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ)).
стр. 14864
وكثير أثبت من ابن جناد وأعرف ببقية منه، فروايته أَوْلى.
وفيها مقاتل، وهو ابن سليمان، وقد كذبوه وهجروه، كما في (التقريب).
فالإسناد تالف. ويحتمل أن بقية دلس الأول بإسقاط مقاتل؛ فهو مشهور بالتدليس عن الضعفاء، وأنه دلس الثاني بإسقاط سلمة والأوزاعي، فقد كان يُسْقِط مِن الإسناد مَن فوق شيخه، وهو تدليس التسوية. والله أعلم.
стр. 14865
٦٢١ - بَابُ وَطْءِ المُسْتَحَاضَةِ
٣٤٣٦ - حَدِيثُ حَمْنَةَ:
◼ عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂: ((أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً، وَكَانَ زَوْجُهَا يُجَامِعُهَا)).
[الحكم]: إسناده ضعيف معلول. وأعله: المنذري. وأقره العيني والشوكاني.
[الفوائد]:
قال ابن رجب: "أم حبيبة لما استحيضت كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وحمنة كانت تحت طلحة، وقد سألتا النبي ﷺ عن حكم الاستحاضة، فلم يذكر لهما تحريم الجماع، ولو كان حرامًا لبينه ... ولأن المستحاضة لها حكم الطاهرات في الصلاة والصوم وسائر العبادات، فكذلك في الوطء.
وممن رَخَّص في ذلك: ابن المسيب، والحسن، وعطاء، وبكر المزني، وعكرمة، وقتادة، ومكحول.
وهو قول الأوزاعي، والثوري، والليث، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، ورواية عن أحمد.
وقالت طائفة: لا توطأ المستحاضة. ورُوي ذلك عن عائشة" (فتح الباري ١/ ٥٤١).
стр. 14866
[التخريج]:
[د ٣١٠/ هق ١٥٨٢].
[السند]:
رواه أبو داود - ومن طريقه البيهقي - قال: حدثنا أحمد بن أبي سُرَيْج الرازي، أخبرنا عبد الله بن الجهم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن عكرمة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناده ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: الانقطاع بين عكرمة وحمنة.
وبهذا أعله المنذري فقال: ((في سماع عكرمة من حمنة نظر، وليس فيه ما يدل على سماعه منها)) (مختصر سنن أبي داود ١/ ١٩٥).
وأقره العيني في (العمدة ٣/ ٣١٤)، والشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٣٥٠)، والعظيم آبادي (عون المعبود ١/ ٣٤٤).
الثانية: مخالفة عاصم -وهو ابن أبي النَّجُود- مَن هو أوثق وأثبت منه.
فعاصم مُتكلَّم في حفظه، وقد خالفه الشيباني فجعله من حديث عكرمة مرسل في شأن أم حبيبة. وسيأتي.
وقد ذكر الدَّارَقُطْنِيّ أن أصحاب عكرمة اضطربوا في روايتهم عنه، ثم قال: ((والصحيح قول من قال: عن عكرمة، عن زينب بنت أم سلمة، عن ابنة جحش)) (العلل ٨/ ٣٨٥).
وبَيَّنا ما فيه في "بَابِ أَمْرِ المُسْتَحَاضَةِ بِالوُضُوءِ"، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).
стр. 14867
وعمرو بن أبي قيس فيه كلام يسير، وبقية رجاله ثقات سوى ابن الجهم فصدوق.
ومع ذلك حَسَّنه النووي في (المجموع ٢/ ٣٧٢) وفي (شرح مسلم ٤/ ١٧)، والألباني في (صحيح أبي داود ٢/ ١١٦، ١١٧).
стр. 14868
٣٤٣٧ - حَدِيثُ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: ((كَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ، فَكَانَ زَوْجُهَا يَغْشَاهَا)).
[الحكم]: ضعيف لإرساله. وأعله: الخطابي، والمنذري، وأقره العيني والشوكاني. وهو مقتضى صنيع البيهقي، وابن القطان، وابن رجب، وابن حجر.
[الفوائد]:
قال ابن الأثير: (يغشاها) الغشيان: الوطء والجماع، وذلك حلال أن يجامع الرجل زوجته وهي مستحاضة، وهو مذهب أكثر الفقهاء. وذهب أحمد بن حنبل إلى المنع من ذلك، إلا أن يخاف العنت. وحُكي ذلك عن ابن سيرين وغيره. (جامع الأصول ٧/ ٣٧٧).
[التخريج]:
[د ٣٠٩ / هق ١٥٨١].
[السند]:
رواه أبو داود - ومن طريقه البيهقي - قال: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا معلى بن منصور، عن علي بن مُسْهِر، عن الشيباني، عن عكرمة، به.
والشيباني هو: سليمان بن أبي سليمان: فيروز، أبو إسحاق الشيباني الكوفي، ثقة.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح، لكن عكرمة لم يَذكر عمن تَحمَّله أو مَن حَدَّثه به، ولم يدرك الواقعة، فهو مرسل.
стр. 14869
ثم إنه لم يسمع من أم حبيبة، فالحديث منقطع على كل حال.
وبهذا أعله الخطابي والمنذري وغيرهما:
قال الخطابي: ((وهذا الحديث منقطع، وعكرمة لم يسمع من أم حبيبة بنت جحش)) (معالم السنن ١/ ٩٤).
وقال المنذري: ((في سماع عكرمة من أم حبيبة نظر، وليس فيه ما يدل على سماعه منها)) (المختصر ١/ ١٩٥).
وأقره العيني في (العمدة ٣/ ٣١٤) والشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٣٥٠)، والعظيم آبادي في (عون المعبود ١/ ٣٤٤).
وحَكَم البيهقي في (السنن الكبرى ١/ ٣٥١)، وابن رجب (فتح الباري ٢/ ٧٤) على حديث له عنها بالانقطاع.
وقال ابن القطان عقيب رواية لعكرمة عن أم حبيبة: ((هكذا أورده وسكت عنه، وهو حديث مرسل، أخبر فيه عكرمة بما لم يدرك ولم يسمع، ولم يقل: إن أم حبيبة أخبرته به، ولا أيضًا يصح له ذلك)) (بيان الوهم والإيهام ٢/ ٤٦١).
وقال ابن حجر: ((حديث صحيح، إن كان عكرمة سمعه منها)) (الفتح ١/ ٤٢٩).
ومع هذا قال الألباني: ((ولم نجد ما ينفي سماعه منها)) (صحيح أبي داود ٢/ ١١٦).
ولذا قال قبل: ((هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح)).
قلنا: قد جزم الخطابي وابن القطان بنفي ذلك، وأقره المنذري. ويؤيده
стр. 14870
أن أبا سلمة من طبقة عكرمة، وقد جزم أبو حاتم بأن أبا سلمة لم يسمع من أم حبيبة. وقد روى عكرمة عن جماعة من الصحابة، ولم يسمع منهم، وهذا كافٍ على الأقل في التوقف حتى يَثبت السماع كما فعل ابن حجر.
ومع ذلك فعلى فرض صحة سماعه منها، فلن يفيد ذلك شيئًا؛ لأنه لم يشهد القصة ولم يذكر أنه تَحمَّلها عنها، ومثل هذا يُعَد مرسلًا عند أهل الاصطلاح، فعلة الإرسال باقية. والله أعلم.
стр. 14871
٦٢٢ - بَابُ مَا رُوِيَ فِي أَنَّ الاسْتِحَاضَةَ مِنَ الشَّيْطَانِ
٣٤٣٨ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُسْتَحَاضَةِ فَقَالَ: ((تِلْكَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فِي رَحِمِهَا)).
[الحكم]: إسناده ضعيف.
[اللغة]:
قوله: (ركضة من الشيطان)، أصل الركض: الضرب بالرِّجل والإصابة بها كما تركض الدابة وتصاب بالرِّجل. أراد الإضرار بها والأذى.
والمعنى: أن الشيطان قد وَجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك عادتها، وصار في التقدير كأنه ركضة بآلة من ركضاته. (النهاية في غريب الأثر ٢/ ٦٢٨).
[التخريج]:
[بز (كشف ٣٣٢) / طب (١١/ ٢٢٢/ ١١٥٥٧) "واللفظ له" / طس ٧١٢٣ / ضيا (١١/ ٣١٢/ ٣١٥)].
[السند]:
قال البزار: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا إسماعيل بن صَبِيح، حدثنا
стр. 14872
أبو أويس، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، (ح) وموسى بن ميسرة، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
ومحمد بن عمر هو الهياجي، صدوق وقد توبع:
فرواه الطبراني في (الكبير) من طريق أبي كُريب. وفي (الأوسط) من طريق أحمد بن محمد بن المعلى الآدمي. كلاهما عن إسماعيل بن صَبيح الكوفي، حدثنا أبو أويس، عن ثور بن زيد (١) وموسى بن ميسرة، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
فمداره على إسماعيل بن صَبيح الكوفي، عن أبي أويس، به.
قال البزار: "لا نعلمه يُروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل إلا بهذا الإسناد".
وقال الطبراني: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن ثور وموسى بن ميسرة إلا أبو أويس، تَفَرَّد به إسماعيل بن صبيح".
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه أبو أويس، هو عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك، مختلف فيه، والراجح أنه لَيِّن وإن كان من رجال مسلم، فالجمهور على تليينه، منهم: ابن المديني، وابن معين، والنسائي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والفلاس، ويعقوب بن شيبة، وابن عدي ... وغيرهم. انظر (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٨١). وقال الحافظ: ((صدوق يهم)) (التقريب ٣٤١٢).
وقد خرج له الضياء هذا لكونه من رجال مسلم؛ ولذا قال عقبه: ((أبو أويس اسمه عبد الله بن عبد الله بن أبي عامر الأصبحي، اختلفت الرواية عن
стр. 14873
الأئمة فيه، وقد روى له مسلم في صحيحه)) (المختارة ١١/ ٣١٢).
وقال الهيثمي: "رواه البزار، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله موثقون" (المجمع ١٥٤٠).
قلنا: ولكن الراجح أن أبا أويس لين يُعتبر به إذا توبع، وهنا قد تفرد ولم يتابع، كما نص عليه البزار والطبراني.
وقد صح عن ابن عباس موقوفًا:
فأخرجه أبو عبيد في (غريب الحديث ٥/ ٢٥٠) - ومن طريقه ابن المنذر (٥١) - قال: حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، أنه سئل عن المستحاضة، فقال: ((ذَلِكَ العَاذِل يَغْذُو، لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، وَلْتُصَلِّ)).
قالَ أبو عبيد - عقبه -: ((قوله (العاذل): وهو اسم العرق الذي يخرج منه دم الاستحاضة. وقوله: (يغذو) يعني: يسيل)).
وأخرج أبو عبيد - أيضًا - في (غريب الحديث ٥/ ٢٥١) قال: حدثني أبو النضر، عن شعبة، عن عمار مولى بني هاشم، عن ابن عباس، قال: ((إِنَّهُ عِرْقٌ عَانِدٌ أَوْ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ)).
وأخرجه ابن المنذر في (الأوسط ٥١) من طريق أبي عبيد بهذا الإسناد، وزاد فيه: (( ... فَلْتَدَعِ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلْ وَتَوَضَّأْ لِكُلِّ صَلَاةٍ))، قِيلَ: وَإِنْ سَالَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ سَالَ مِثْلَ هَذَا المثْعَبِ)).
قال أبو عبيد - عقبه -: ((قوله: (عاند) يعني الذي قد عَنَد وبغى؛ كالإنسان يعاند عن القصد. يقول: فهذا العرق في كثرة ما يخرج من الدم بمنزلته)).
стр. 14874
قلنا: هذا إسناد صحيح، فعمار بن أبي عمار وثقه جمهور الأئمة: أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والنسائي ... وغيرهم. انظر (تهذيب التهذيب ٧/ ٤٠٤).
فلعل هذا عن ابن عباس هو المحفوظ، دون المرفوع.
وقد ورد في الباب أحاديث كثيرة بنحو هذا المعنى، ولكنها جميعًا ضعيفة - كما سيأتي -.
والذي في (الصحيحين) من حديث عائشة في قصة أم حبيبة بنت جحش وقصة فاطمة بنت أبي حبيش (أن ذلك عرق)، دون مزيد. والله أعلم.
وابن عبد البر. وهو ظاهر صنيع أبي داود، والخطابي، والبيهقي، والمنذري، وابن رجب.
واختلفت الرواية عن أحمد، والأكثر على أنه ضَعّفه ولم يأخذ به. وقيل: إنه رجع إلى تقويته وأخذ به.
بينما حَسَّنه: البخاري، والطبري، والبغوي، والطوسي، وابن عبد الهادي، والألباني. وهو ظاهر صنيع ابن القطان، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن دقيق، وابن الملقن.
وصححه: الترمذي، وعبد الحق، والنووي، وأحمد شاكر.
والراجح: ضعفه.
[التخريج]:
[د ٢٨٧ "والزيادات والرواية له" / ت ١٢٩ "واللفظ له" / جه (٦٢٢ طبعة دار إحياء الكتب العربية (١)، ٥٩٧ / ..... ].
وقد سبق بتخريجه كاملًا وتحقيقه في (باب تَخْيِيرِ المُسْتَحَاضَةِ فِي الجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ وَالغُسْلِ لَهُمَا، أَوِ الاغْتِسَالِ مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ الطُّهْرِ)، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ).