روايةُ: ((مَا عَلَى أَهْلِهَا)):
• وَفِي رِوَايَةٍ، مُختصرًا: ((مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بعَنْزٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: ((مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا؟!)).
[الحكم]: صحيح (خ).
[التخريج]:
[خ ٥٥٣٢ ((واللفظ له)) / ن ٤٢٩٩/ كن ٤٧٨٣/ طب (٢٣/ ٤٢٨/ ١٠٤١) / طش ٢٢٦٨/ تخ (١/ ٦٨) / رفا ١٩٢/ خط (٢/ ١٦٣)].
[السند]:
قال البخاري: حدثنا خطاب بن عثمان، حدثنا محمد بن حمير، عن ثابت بن عجلان، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: سمعت ابن عباس يقول: ... ، فذكره.
стр. 1892
روايةُ: ((فَدَبَغْتُمُوهُ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟! (مَا عَلَى أَهْلِ هَذِهِ لَوْ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ وَانْتَفَعُوا به؟!) ... )).
[الحكم]: صحيح (م)، دون الرواية، وهي صحيحةٌ.
[التخريج]:
[م ٣٦٣ ((واللفظ له)) / د ٤٠٧٢/ ت ١٨٢٥/ ن ٤٢٧٦/ كن ٤٧٦٠/ حم ٢٠٠٣/ عه ٦١٨، ٦٢٠، ٦٢٦، ٦٢٨/ حمد ٤٩٨ ((والرواية له، ولغيره)) / بز ٥١٨٨، و (نخب ٧/ ١٨٠) / طب (١١/ ١٦٧/ ١١٣٨٣)، (١١/ ٢٠٣/ ١١٥٠١)، (٢٣/ ٤٢٦/ ١٠٣٥) / شف ٦٠/ حرملة (هقع ١/ ٢٤٥) / طح (١/ ٤٦٩) / مسن ٨٠١/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٧٦، ١١٧٧، ١١٨٣، ١١٨٤) / قط ١٠٠، ١٠٤/ هق ٤٥، ٤٧، ٤٨/ هقغ ٢٠٦/ هقع ٥٣٠، ٥٣٥، ٥٣٦/ محلى (١/ ١١٩) / بغ ٣٠٤/ سراج (نخب ٧/ ١٧٩) / علائي (الفوائد ٢٣١) / شجاعة (صـ ٣٣٨ - ٣٣٩) / عساكر (مساواة صـ ١٩٧، ١٩٨) / مشب ٦٥/ صمند (صـ ٩٦٩) / صدف (صـ ٤٧) / حداد ٣٨٢، ٣٨٣/ خبر (١/ ٤٨٩ - ٤٩١)].
[السند]:
قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وابن أبي عمر، جميعًا: عن ابن عُيَينَةَ، قال يحيى: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به، قال أبو بكر، وابن أبي عمر، في حديثهما: عن ميمونة ﵂. وقال أيضًا: حدثنا ابن أبي عمر، وعبد الله بن محمد الزُّهري، قالا:
стр. 1893
حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
تحقيق الرواية:
أخرجها الشافعي في (مسنده ٦٠) - ومن طريقه: أبو عوانة في (المستخرج ٥٤٧)، والبيهقي في (المعرفة ٥٣٠) - عن سفيان بن عيينة، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين.
وأخرجها الحميدي في (مسنده ٤٩٨) -ومن طريقه الطبراني في (الكبير ١١٣٨٣) -: عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ أيضًا على شرط الشيخين.
[تنبيه]:
اختلف أهل العلم في ثبوت الدباغ في حديث الزُّهري؛ وذلك لقول معمر: وكان الزُّهري ينكر (الدباغ)، ويقول: ((يُستَمتَعُ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ)). أخرجه عبد الرزاق في (المصنف ١٨٥) -ومن طريقه أحمد (٣٤٥٢)، وأبو داود (٤٠٧٤) - عن مَعْمَرٍ، به.
فكيف يكون عنده الحديث في (الدباغ) وينكره، ويفتي بضده؟ !
ولهذا قال الإمام أحمد عن رواية ابن عيينة، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة بذكر (الدباغ): ((هو خطأٌ يخالف الناس، ليس فيه دباغه. يونس، ومعمر، ومالك، لا يذكرون دباغه، وليس عندي في دباغ الميتة حديثٌ صحيحٌ، وحديث ابن عكيم هو أصحهما)) (مسائل أحمد
стр. 1894
رواية ابنه صالح ١٤١٦). وقال أيضًا: ((الله قد حرم الميتة، فالجلد هو من الميتة، وأذهب إلى حديث ابن عكيم أرجو أن يكون صحيحًا: ((لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ)) (مسائل صالح ١٤١٧).
وفي (مسائل عبد الله ٣٩) قال: ((وذَكَرَ ابنُ عيينة الدباغَ، ولم يذكره معمر ولا مالك، وأراه وَهْمٌ، قال معمر، وقال الزُّهري: ينتفع بالجلد وإن لم يدبغ، لقوله: ((أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا)))).
قلنا: قد اختلف عن الزُّهري في ذكر الدباغ من عدمه.
فأما الذين لم يذكروا الدباغ: فيونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، ومالك، ومعمر، وحفص بن الوليد، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة -في إحدى الروايات عنه-.
كما أخرجه البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (٣٦٣) من طريق يونس بن يزيد.
وأخرجه البخاري (٢٢٢١)، وأحمد (٢٣٦٩) من طريق صالح بن كيسان.
وأخرجه أحمد (٣٠١٦)، والنسائي في (المجتبى ٤٢٧٣) من طريق مالك.
وأخرجه أحمد (٣٤٥٢)، وأبو داود (٤٠٧٣) من طريق معمر.
وأخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٣٦) من طريق حفص بن الوليد.
وأخرجه أحمد (٣٠٥١)، وابن حبان (١٢٨٢)، وأبو يعلى في (المسند ٢٤١٩)، والطبري في (تهذيب الآثار ١١٨١)، وغيرهم من طرقٍ: عن الأوزاعي.
стр. 1895
وأخرجه الدارمي (٢٠١٣) عن يحيى بن حسان، وأخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٧٢) عن قتيبة - ولكن جعله من مسند ميمونة- كلاهما: عن ابن عيينة.
جميعهم: عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، بدون ذكر: (الدباغ).
وأما الذين ذكروا (الدباغ): فسفيان بن عيينة -في أكثر الرويات عنه- ومحمد بن الوليد الزبيدي، وسليمان بن كثير العبدي، والأوزاعي -في إحدى الروايات عنه-، وغيرهم، وإليك بيانها:
الطريق الأول: طريق سفيان بن عيينة.
أخرجه مسلم (٣٦٣) عن يحيى بن يحيى، وعمرو الناقد.
وأبو داود (٤٠٧٢) عن عثمان بن أبي شيبة، وابن أبي خلف.
وأبو عوانة في (مستخرجه ٦٢٠) عن علي بن المديني.
والطبري في (تهذيب الآثار ١١٧٦، ١١٧٧) من طرق: عن يحيى بن آدم، وسفيان بن وكيع.
والدارقطني في (سننه ١٠٠) من طريق عبد الجبار بن العلاء، ومحمد بن أبي عبد الرحمن المقرئ.
وأخرجه الشافعي في (مسنده ٦٠) -ومن طريقه أبو عوانة في (المستخرج ٥٤٧) -.
جميعهم: عن سفيان، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس به، بذكر: (الدباغ).
стр. 1896
وتابعهم أيضًا عن سفيان جماعة، ولكن جعلوه من مسند ميمونة.
كما أخرجه مسلم (٣٦٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن أبي عمر.
والحميدي في (مسنده ٣١٧).
وأحمد في (المسند ٢٦٧٩٥).
وأبو داود (٤٠٧٢) من طريق مسدد، ووهب بن بيان.
وأبو يعلى في (مسنده ٧٠٧٩، ٧١٠٠) عن أبي خيثمة، وإسحاق.
والطبراني في (الكبير ٢٣/ ٤٢٧/ ١٠٣٧) من طريق القعنبي.
جميعهم: عن سفيان، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، بذكر: (الدباغ).
وقد وَهَّمَ الإمام أحمد رواية سفيان بذكر: (الدباغ)، فقال: ((حديث ابن عباس قد اختلف فيه: قال الزُّهري: عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، ولم يذكر فيه (الدباغ)، وذكر ابن عيينة (الدباغ)، ولم يذكره معمر ولا مالك، وأراه وَهْمٌ)) (مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله صـ ١٢).
قلنا: لم يتفرد سفيان بذكر: (الدباغ) في حديث الزُّهري، بل تابعه عليه جماعة، كما أشرنا إلى ذلك -وستأتي بالتفصيل-، ورُوِي عن ابن عباس من طرقٍ كثيرة غير طريق الزُّهري، وأيضًا له شواهد أخرى كثيرة عن غير ابن عباس، كما سيأتي تخريجها والكلام عليها.
قال ابن بطال: ((قال ابن القصار: وإنما اعتمد الزهري في ذلك -أي: في فتواه- على روايته فى حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((مَا عَلَى أَهْلِهَا لَوْ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَانْتَفَعُوا بِهِ))، ولم يذكر: ((فَدَبَغُوهُ))، قال: فدل أنه يجوز الانتفاع
стр. 1897
به قبل الدباغ.
فيُقال: قد روى عنه ابن عيينة، والأوزاعى، وغيرهما الحديثَ، وقالوا فيه: ((فَدَبَغُوهُ وَانْتَفَعُوا بِهِ))، فإذا كان الزهري الراوي للحديثين؛ أخذنا بالزائد منهما، ومن أثبت شيئًا حجة على من قصَّر عنه ولم يحفظه. وأيضًا فإن (الدباغ) قد جاء من طرق متواترة عن ابن عباس)) (شرح صحيح البخارى ٥/ ٤٤٢).
وقال ابن عبد البر: ((روى هذا الحديث معمر، ويونس، ومالك، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس في قصة شاة ميمونة لم يذكروا: الدباغ أيضًا، والدباغ موجود في حديث ابن عيينة، والأوزاعي، وعقيل، والزبيدي، وسليمان بن كثير، وزيادة مَنْ حَفِظَ مقبولة، وذكر (الدباغ) أيضًا موجود في هذه القصة من حديث عطاء، عن ابن عباس، روى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، فجاء ذكر: (الدباغ) في هذا الحديث عن ابن عباس من وجوه صحاح ثابتة ... والآثار بهذا أيضًا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة جدًّا، فلا وجه لمن قصر عن ذكر (الدباغ))) (التمهيد ٤/ ١٥٥، ١٥٦، ١٦١).
وقد أعلَّ محمد بن يحيى الذهلي رواية سفيان بالاضطراب؛ وذلك لأَنَّ سفيان رواه تارة بدون ذكر (الدباغ)، وتارة ذكر فيه (الدباغ)، كما تقدم، وسيأتي قوله مع الجواب عليه قريبًا.
وعلى كلِّ حال، لم يتفرد ابن عيينة بذكر (الدباغ) كما ذكرنا؛ فقد تابعه الزبيدي، كما في:
الطريق الثاني: طريق محمد بن الوليد الزبيدي:
أخرجه أبو الفضل الزُّهري في (حديثه ٧٤) عن جعفر بن محمد الفريابي،
стр. 1898
عن إسحاق بن راهويه.
وأخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ١١٨٠)، والدارقطني في (سننه ١٠١)، من طريق أبي عتبة أحمد بن الفرج الحمصي.
كلاهما (ابن راهويه، وابن الفرج): عن بقية بن الوليد (١)، عن الزبيدي (٢)، عن الزُّهري، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله كلُّهم ثقاتٌ، عدا أبا عتبة الحمصي؛ فقد ضعَّفه جماعة، ووثَّقه آخرون، ورمَاه بعضُهم بالكذب، وانظر: (لسان الميزان ١/ ٥٩). ولكنه متابع من ابن راهويه.
وبقية بن الوليد، وإن كان يدلس ويسوي، فقد صرَّح بالتحديث بينه وبين شيخه، كما في رواية أبي الفضل الزُّهري، والدارقطني.
وكذا صرَّح بالتحديث بين شيخه وشيخ شيخه، كما أخرجه ابن جوصاء في (حديثه ٤٠) -ومن طريقه ابن البخاري في (مشيخته ٦٣)، وابن جماعة في (مشيخته ١٠٦) - عن عمرو بن عثمان، وكثير بن عبيد، قالا: ثنا بقية بن الوليد، قال: حدثني الزبيدي، قال: أخبرني الزُّهري، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى بقية؛ فعمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، صدوقٌ، كما قال الحافظ في (التقريب ٥٠٧٣)، وقد تابعه كثير بن عبيد بن
стр. 1899
نمير، وهو ثقةٌ، كما في (التقريب ٥٦١٨). فانتفت شبهة التدليس والتسوية، ولذا ذكر الدارقطني هذا الإسناد مع جملة من أسانيد هذا الحديث، ثم قال: ((هذه أسانيد صحاح)) (السنن عقب رقم ١٠٣). وأقرَّه ابن الجوزي في (التحقيق ١/ ٨٦)، والقرطبي في (تفسيره ١٠/ ١٥٦)، وابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ١٠٨ - ١٠٩).
وقد ضَعَّفَ هذه الرواية ببقية: محمد بن يحيى الذهلي، فقال: ((وأما ذكر (الدباغ) فيه، فلا يوجد إِلَّا من رواية يحيى بن أيوب عن عقيل، ومن رواية بقية عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين)) (التمهيد ٩/ ٥٠).
فنقول: أما رواية يحيى بن أيوب، عن عقيل، فالأمر كما قال ﵀، وكذا ليَّنَها الذهبي، وسيأتي الكلام عليها مفردة، فقد زاد فيها أيضًا: (المَاءُ والقَرَظُ)، وهي زيادة شاذة.
أما بقية بن الوليد، فهو في نفسه ثقة -على الراجح-، وإنما تكلَّم مَن تكلَّم فيه من أجل التدليس، وكثرة رواية المناكير عن المجاهيل، فإذا صرَّح بالتحديث فهو ثقةٌ حجةٌ.
سئل يحيى بن معين عنه، فقال: ((إذا حدَّث عن الثقات مثل: صفوان بن عمرو، وغيره، وأما إذا حدَّث عن أولئك المجهولين فلا، وإذا كنى الرجل، ولم يسم اسم الرجل، فليس يساوى شيئًا))، وقال ابن معين أيضًا: ((كان يحدِّث عن الضعفاء بمئة حديث، قبل أن يحدث عن أحد من الثقات)). وقال يعقوب بن شيبة: ((هو ثقةٌ حسن الحديث إذا حدَّث عن المعروفين، ويحدِّث عن قوم متروكي الحديث، وعن الضعفاء، ويحيد عن أسمائهم إلى كناهم، وعن كناهم إلى أسمائهم))، وقال محمد بن سعد: ((كان ثقةً فى روايته عن الثقات، ضعيفًا فى روايته عن غير الثقات)، وقال العجلي: ((ثقةٌ فيما روى
стр. 1900
عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء))، وقال أبو زُرْعَةَ: ((بقية عجب إذا روى عن الثقات، فهو ثقة، فأما فى المجهولين فيحدث عن قوم لا يُعرفون ولا يَضْبِطُون))، وقال فى موضع آخر: ((ما له عيب إِلَّا كثرة روايته عن المجهولين، فأما الصدق فلا يؤتى من الصدق، إذا حدَّث عن الثقات فهو ثقة))، وقال النسائي: ((إذا قال: (حدثنا، وأخبرنا) فهو ثقة، وإذا قال: (عن فلان) فلا يؤخذ عنه؛ لأنه لا يُدرى عمَّن أخذه))، وقال ابن خزيمة: ((لا أحتجُّ ببقية، حدثني أحمد بن الحسن الترمذي سمعت أحمد بن حنبل يقول: (توهمت أن بقية لا يحدث المناكير إِلَّا عن المجاهيل، فإذا هو يحدِّث المناكير عن المشاهير، فعلمت من أين أتى). قلت: أتى من التدليس))، وقال ابن حبان: ((لم يسبر أبو عبد الله شأن بقية، وإنما نظر إلى أحاديث موضوعة رويت عنه عن أقوام ثقات، فأنكرها، ...
ولقد دخلت حمص وأكبر همي شأن بقية، فتتبعت أحاديثه، وكتبت النسخ على الوجه، وتتبعت ما لم أجد بعلو -يعني: بنزول-، فرأيته ثقة مأمونًا، ولكنه كان مدلسًا، دلَّس عن عبيد الله بن عمر، ومالك، وشعبة ما أخذه عن مثل: المجاشع بن عمرو، والسَّري بن عبد الحميد، وعمر بن موسى، وأشباههم، فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم ما سمع من هؤلاء الضعفاء عنهم، فكان يقول: (قال عبيد الله، وقال مالك)، فحملوا عن بقية، عن عبيد الله، وعن بقية، عن مالك، وأسقط الواهِي بينهما، فأُلزقَ الوضعُ ببقية، وتخلص الواضع من الوسط، وامُتحن بقية بتلاميذ له كانوا يسقطون الضعفاء من حديثه، ويسوونه، فالتزق ذلك كله به)). انظر: (تهذيب التهذيب ١/ ٤٧٤ - ٤٧٧).
وقال ابن خلفون في كتاب (الثقات): ((لم يُتكلم فيه من قبل حفظه ولا
стр. 1901
مذهبه، إنما تُكلم فيه من قبل تدليسه، وروايته عن المجهولين)) (إكمال تهذيب الكمال ٣/ ٧).
ولذا قال الذهبي: ((وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات)) (الكاشف ١/ ٢٧٣)، وقال في (ديوان الضعفاء ٦١٩): ((ثقة في نفسه، لكنه يُدلس عن الكذابين)).
وقال السيوطي: ((والذي استقر عليه الأمر من قول الأئمة: أن بقية ثقة في نفسه، لكنه مكثر من التدليس عن الضعفاء والمتروكين، يسقطهم، ويعنعن الحديث عن شيوخهم، وهو قد سمع من أولئك الشيوخ: كالأوزاعي، وابن جُرَيجٍ، ومالك، وغيره، فلا يحتجُّ بحديثه إِلَّا بما قال فيه: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، وجماعة من أئمة أهل الحديث مَشَّوْا حال بقية، وقبلوا ما قال فيه (عن)، لكن الراجح ما تقدم)) (اللآلئ المصنوعة ١/ ٢٣٨).
وعلى هذا يُحمل قول من أطلق القول في عدم الاحتجاج به، لا سيّما الإجماع الذي نقله البيهقي؛ حيث قال: ((أجمعوا على أن بقية ليس بحجة)) (الخلافيات ٣/ ١٤١)، أي: إذا عنعن، وإلا فهذه أقوال أئمة الحديث وجهابذته مصرِّحة بتوثيقه إذا صرَّح بالتحديث عن الثقات.
قلنا: وقد صرَّح هنا بالتحديث بينه وبين شيخه، وبين شيخه وشيخ شيخه.
ولكن لقائل أن يقول: إن في روايته عن الزبيدي خاصة، نحتاج منه -فوق التصريح بالتحديث- التصريح باسم الزبيدي، فقد ذكر الحافظ ابن رجب في (شرح العلل ٢/ ٨٢٤) -وكذا أشار لذلك ابن حبان في (الثقات ٦/ ٣٤٤) -: ((أن بقية كان ربما روى عن سعيد بن عبد الجبار الزبيدي، أو عن زُرْعَةَ الزبيدي -وكلاهما ضعيف- فيقول: ((حدثنا
стр. 1902
الزبيدي))، فيُظن أنه محمد بن الوليد الزبيدي الثقة صاحب الزُّهري. فيُخشى أن يكون صنع هنا ما ذكره ابن رجب، لا سيَّما ولم يصرح في كل الروايات عنه باسم الزبيدي.
والجواب: أن هذا صحيحٌ، ولكن في غير حديث الزُّهري، فإنه لا يعرف لأحد منهما رواية عن الزُّهري، فتعين أنه محمد بن الوليد الزبيدي صاحب الزُّهري لا غير، والله أعلم.
الطريق الثالث: طريق سليمان بن كثير العبدي.
أخرجه الدارقطني في (السنن ١٠٢) عن يحيى بن محمد بن صاعد، نا أحمد بن أبي بكر المقدمي، نا محمد بن كثير العبدي، وأبو سلمة المنقري، قالا: نا سليمان بن كثير، نا الزُّهري، به.
وهذا إسنادٌ رجاله لا بأس بهم، إِلَّا أَنَّ سليمان بن كثير العبدي، متكلم في روايته عن الزُّهري خاصة، قال الحافظ: ((لا بأس به فى غير الزهري)) (التقريب ٢٦٠٢). وهذا من روايته عن الزُّهري، لكن مثله لا بأس به في المتابعات، كما هنا.
ولعل لذلك صحح إسناده الدارقطني، مع جملة أسانيد هذا الحديث، وأقرَّه ابن الجوزي، والقرطبي، وابن عبد الهادي، كما تقدم نقله.
الطريق الرابع: طريق الأوزاعي.
أخرجه ابن المنذر في (الأوسط ٢/ ٣٩٩) معلقًا عن الوليد بن الوليد الدمشقي، عن الأوزاعي، عن الزُّهري، به، بلفظ: ((دِبَاغُهَا طَهُورُهَا)).
وهذا إسنادٌ -مع تعليقه- ضعيفٌ؛ من أجل الوليد بن الوليد الدمشقي، وقد اختلف فيه جرحًا وتعديلًا:
стр. 1903
فقال أبو حاتم: ((صدوقٌ))، وقال الدارقطني، وغيره: ((متروكٌ)) وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: ((يروي عن الأوزاعي مسائل مستقيمة))، وذهل عن ذلك، فذكره في (المجروحين) وقال: ((روى عن ابن ثوبان نسخة أكثرها مقلوب))، انظر: (لسان الميزان ٨/ ٣٩٤).
وعلى كلِّ حَالٍ فقد خالف أصحاب الأوزاعي الثقات الأثبات في ذكر: (الدباغ) في حديثه:
فقد رواه: الهقل بن زياد، وشعيب بن إسحاق، والوليد بن مزيد، والوليد بن مسلم، وغيرهم بدون ذكر (الدباغ)، أخرجه أبو يعلى في (مسنده ٢٤١٩) من طريق هقل بن زياد.
وأخرجه الطبراني في (الكبير ٢٣/ ٤٢٨/ ١٠٣٩) من طريق شعيب بن إسحاق.
وأخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ١١٨١) من طريق الوليد بن مزيد.
وأخرجه ابن حبان (١٢٨٢) من طريق الوليد بن مسلم.
جميعهم: عن الأوزاعي، عن الزُّهري، به، بدون ذكر: (الدباغ).
الطريق الخامس: طريق سعيد بن عبد العزيز، حكاه عنه أبو داود (عقب رقم ٤٠٧٤)، ولم نقف عليه مسندًا.
وذكر أيضًا من الذين ذكروا (الدباغ) عن الزُّهري: حفص بن الوليد، ولم نقف عليه مسندًا أيضًا، ولكن الذي وقفنا عليه له مسندًا ليس فيه (الدباغ)، أخرجه النسائي في (الصغرى ٤٢٣٦)، فالله أعلم.
وقد أعلَّ محمد بن يحيى الذهلي رواية سفيان بن عيينة بالاضطراب؛
стр. 1904
لاختلاف الرواة عنه في ذكر: (الدباغ)، وضَعَّفَ أيضًا رواية الزبيدي، وعقيل؛ فقال: ((لست أعتمد في هذا الحديث على ابنِ عُيَينَةَ لاضطرابه فيه ... ، وأما ذكر (الدباغ) فيه فلا يوجد إِلَّا من رواية يحيى بن أيوب، عن عقيل، ومن رواية بقية، عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، ولم يذكر مالك ولا معمر ولا يونس (الدباغ)، وهو الصحيح في حديث الزُّهري، وبه كان يفتي)) (التمهيد ٩/ ٥٠).
قلنا: وفي قوله نظر؛ فأما كلامه على اضطراب سفيان: فجل الروايات عنه بذكر: (الدباغ)، خلا روايتين كما تقدم، فلعله لم ينشط فيهما فلم يذكره.
ومما يدل على أن ذكر: (الدباغ) محفوظ في رواية سفيان؛ ما رواه الحميدي (عقب حديثه الذي فيه الدباغ)، قال: ((قيل لسفيان: فإن معمرًا لا يقول فيه: ((فَدَبَغُوهُ))، ويقول: كان الزُّهري ينكر الدباغ، فقال سفيان: لكني قد حفظته)) (مسند الحميدي ١/ ٣١٩).
وروى أبو يعلى عن إسحاق، قال: ((سمعت سفيان بمنى يقول: حفظته مِن فِيِ الزُّهري يحدِّث، عن عبيد الله ... ))؛ فذكر حديثه في الدباغ، (مسند أبي يعلى ١٣/ ١٦).
وقد قبل كثير من أهل العلم زيادة سفيان في الدباغ، واعتبروها زيادة من ثقة.
قال ابن المنذر: ((فإن قالوا: ليس في رواية مَعْمَرٍ، عن الزُّهري ذكر (الدباغ)، قيل له: قد رَوَى هذا الحديثَ ابنُ عُيَينَةَ، وعقيل، والزبيدي، وهؤلاء من ثقات أصحاب الزُّهري، وقد ذكروا (الدباغ) في حديثهم،
стр. 1905
والحافظ إذا زاد في الحديث شيئًا فزيادته مقبولة)) (الأوسط ٢/ ٤٠٠).
وقال البيهقي: ((رواه جماعة، عن الزُّهري؛ مالك بن أنس، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان وغيرهم، فلم يذكروا فيه: ((فَدَبَغُوهُ))، وقد حفظه سفيان بن عيينة، والزيادة من مثله مقبولة إذا كانت لها شواهد، وقد تابعه على ذلك عقيل بن خالد، وسليمان بن كثير، والزبيدي فيما رُوِيَ عنهم)) (السنن الكبرى ١/ ٢٤)، وأقرَّه ابن دقيق العيد في (الإمام ١/ ٢٩٧).
وقد قبلها أيضًا ابن بطال، وابن عبد البر، وقد ذكرنا قولهما في الكلام على طريق سفيان.
وقد تعقب ابن عبد البر قول الذهلي باضطراب سفيان، وجعل الاضطراب من الزُّهري، فقال: ((والقول الذي قاله النيسابوري عن ابن عيينة من اضطرابه عن الزُّهري في هذا الحديث = قد قاله غيره عن ابن شهاب، واضطراب ابن شهاب في هذا الحديث، وفي حديث ذي اليدين؛ كثير جدًّا، وهذا الحديث من غير رواية ابن شهاب أصح، وثبوت (الدباغ) في جلود الميتة عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة صحاح ثابتة)) (التمهيد ٩/ ٥١).
وبعيدًا عن الاختلافات الموجودة في طريق الزُّهري، فقد ثبت ذكر الدباغ من غير طريقه؛
فقد أخرجه مسلم (٣٦٣/ ١٠٢) عن ابن أبي عمر، وعبد الله بن محمد الزُّهري.
وأخرجه الحميدي في (مسنده ٤٩٨).
وأخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٧٦) عن محمد بن منصور.
وأخرجه أبو عوانة في (المستخرج ٦٢٨) من طريق علي بن المديني.
стр. 1906
خمستهم: عن سفيان بن عُيَينَة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا عبد الله بن محمد الزُّهري، وهو صدوقٌ من رجال مسلم (التقريب ٣٥٨٩)، وكذا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني.
وأما محمد بن منصور: فهو ابن ثابت الجواز، وهو ثقةٌ، كما في (التقريب ٦٣٢٥).
وقد تُوبع سفيان من محمد بن مسلم الطائفي، وابنِ جُرَيجٍ -وإن جعله من مسند ميمونة-.
فأما طريق محمد بن مسلم:
فأخرجه الطبراني في (الكبير ١١٣٨٤)، والخطيب في (الأسماء المبهمة ٦/ ٤١٢) عن موسى بن هارون، عن داود بن عمرو الضبي، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا محمد بن مسلم، قال فيه الحافظ: ((صدوقٌ يخطئ من حفظه)) (التقريب ٦٢٩٣).
وأما طريق ابن جُرَيجٍ:
فأخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٧٥)، والطحاوي في (معاني الآثار ١/ ٤٦٩)، وابن حبان (١٢٨٣)، والطبراني في (الكبير ٢٤/ ١٦/ ٣٠) من طرق، عن حجاج بن محمد المصيصي.
وأخرجه ابن الجارود (٨٧٣) من طريق أبي عاصم النبيل.
стр. 1907
كلاهما: عن ابنِ جُرَيجٍ، أخبرني عمرو بن دينار، قال: أخبرني عطاء، عن ابن عباس، قال: أخبرتني ميمونة، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، وصححه العيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
ورواه ابنُ جُرَيجٍ مرة أخرى -بإسقاط عمرو بن دينار-، عن عطاء، به، كذا رواه عبد الرزاق (١٨٨)، عن ابنِ جُرَيجٍ، به. وتابعه جماعة:
فأخرجه ابن راهويه في (مسنده ٢٠٢٨) عن محمد بن بكر.
وأخرجه أحمد (٢٠٠٣)، والدارقطني في (السنن ١٠٥) من طريق يحيى بن سعيد القطان.
وأخرجه الدارقطني أيضًا (١٠٥) من طريق عبد الرحمن بن بشر، عن يحيى بن سعيد الأموي (١).
أربعتهم (عبد الرزاق، وابن بكر، والقطان، والأموي): عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، به - غير أن القطان، والأُموي جعلاه من مسند ابن عباس -.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، وابنُ جُرَيجٍ وإن كان مدلسًا، فقد صرَّح بالسماع عند أحمد.
стр. 1908
وكذا رواه يزيد بن أبي حبيب، وأسامة بن زيد الليثي، ويعقوب بن عطاء، وحجاج بن أرطاة، عن عطاء:
فأما طريق يزيد بن أبي حبيب: فأخرجه الترمذي (١٨٢٥)، والسراج في (مسنده) - كما في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩) -، والطبري في (تهذيب الآثار ١١٨٣، ١١٨٤)، وأبو عوانة في (المستخرج ٦٢٦)، والطحاوي في (المعاني ١/ ٤٦٩) من طرق: عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، وصححه العيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
وأما طريق أسامة بن زيد: فأخرجه الطحاوي في (المعاني ١/ ٤٦٩)، والدارقطني في (السنن ١٠٤)، والبيهقي في (الكبرى ٤٨) من طرق، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد، عن عطاء، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال مسلم، عدا أسامة بن زيد الليثي، قال فيه الحافظ: ((صدوقٌ يَهِمْ)) (التقريب ٣١٧).
وصححه العيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
وأما طريق يعقوب بن عطاء: فأخرجه أحمد (٣٥٢١)، والبزار في (مسنده) - كما في (نخب الأفكار ٧/ ١٨٠) -، والطبري في (تهذيبه ١١٨٦)، والطحاوي في (المعاني ١/ ٤٦٩)، وغيرهم من طرق: عن شعبة، عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، عن أبيه، به.
ولكن يعقوب بن عطاء: ((ضعيفٌ)) كما قال الحافظ في (التقريب
стр. 1909
٧٨٩٢)، وبه أعلَّه العيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
وأما طريق حجاج بن أرطاة: فأخرجه البزار (٤٧٨٨) من طريق حفص بن غياث، عن حجاج، عن عطاء، به.
ولكن حجاج بن أرطاة أيضًا ضعيفٌ، قال الحافظ: ((صدوقٌ كثير الخطأ والتدليس)) (التقريب ١١١٩).
وقد تُوبع عطاء على ذكر (الدباغ) من عكرمة مولى ابن عباس، لكنه جعله من مسند سودة، ومن عبد الرحمن بن وعلة، لكن بسياق مختلف، وستأتي رواياتهم قريبًا.
وكل هذا مما يؤكد حفظ سفيان لهذه اللفظة، قال البيهقي: ((وحديث عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس شاهد لصحة حفظ سفيان بن عيينة ومن تابعه)) (السنن الكبرى ١/ ٢٥).
ولو سلمنا بخطأ ذكر (الدباغ) في حديث الزُّهري، ونَحَّيْنا طريقه بالكلية، فتكفي هذه الطرق في إثبات الدباغ، مع شواهده الكثيرة.
ولذا قال الذهلي -بعد أن ضعَّف رواية (الدباغ) في حديث الزُّهري-: ((وأما من غير رواية الزُّهري فذلك محفوظ صحيحٌ، عن ابن عباس)) (التمهيد ٤/ ٥٠)
وقال ابن المنذر: ((ولو لم يرو عن الزُّهري هذا الحديث، لكان في رواية عمرو بن دينار، وابن جُرَيجٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، عن ميمونة، وحديثه عن عكرمة، عن ابن عباس؛ كفاية، ومقنع)) (الأوسط ٢/ ٤٠١).
وقال ابن بطال: ((وذكر (الدباغ) في حديث ابن عباس من رواية ابن وعلة، وعطاء، عن ابن عباس ثابت محفوظ)). وقال أيضًا: ((فإن (الدباغ) قد جاء من
стр. 1910
طرق متواترة عن ابن عباس)) (شرح صحيح البخاري ٥/ ٤٤٠ - ٤٤٢).
وقال ابن عبد البر: ((وذكر (الدباغ) أيضًا موجود في هذه القصة من حديث عطاء، عن ابن عباس، روى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس؛ فجاء ذكر (الدباغ) في هذا الحديث عن ابن عباس من وجوه صحاح ثابتة ... والآثار بهذا أيضًا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة جدًّا فلا وجه لمن قصر عن ذكر (الدباغ))) (التمهيد ٤/ ١٥٥ - ١٥٦، ١٦١).
وقال ابن حجر: ((وقد ثبت ذكر (الدباغ) في غير حديث الزُّهري، فأخرجه مسلم، والنسائي من رواية ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: أن ميمونة أخبرته ... ، فذكر الحديث بمعناه، وليس فيه ذكر (الدباغ)، وأخرجه مسلم أيضًا من رواية ابن عيينة عن عمرو بن دينار، فذكر فيه (الدباغ))) (موافقة الخبر ١/ ٤٩٠ - ٤٩١).
وقال أيضًا -بعد حديث الزُّهري غير المقيد بالدباغ-: ((واستدل به الزُّهري بجواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقًا سواء أدبغ أم لم يدبغ، لكن صحَّ التقييد من طرق أخرى (بالدباغ) وهي حجة الجمهور)) (فتح الباري ٩/ ٦٥٨).
وقال العيني: ((قد جاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله ﵇ صحيحة الأسانيد، ظاهرة المعاني، تخبر أن جلد الميتة يطهر (بالدباغ))) (نخب الأفكار ٧/ ١٧٨).
стр. 1911
روايةُ: ((شَاةٍ لِإحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ):
• وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَتْ شَاةٌ -أَوْ دَاجِنَةٌ- لِإحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَاتَتْ، فَقَالَ: ... الحديث.
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ على شرط الشيخين.
[اللغة]:
الداجنة: هي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، وقد تقع على غير الشاة من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها، وفي حديث الإفك: ((تَدْخُلُ الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُ عَجِينَهَا))، انظر: (النهاية لابن الأثير ٢/ ٢٢٠)، و (لسان العرب ١٣/ ١٤٨).
[التخريج]:
[حم ٢٥٠٤، ٣٤٦١ ((واللفظ له)) / عب ١٨٧/ بز ٥١٩٠/ طب ١١٣٨٤/ طس ٢١٢٣/ منذ ٨٣٠/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٨٠، ١١٨٢) / قط ١٠١/ شجاعة (ص ٣٣٧ - ٣٣٨) / مشب (ص ١/ ٢٧٠ - ٢٧١)].
[السند]:
رواه عبد الرزاق -ومن طريقه أحمد (٣٤٦١)، وابن المنذر-: عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، على شرط الشيخين، وابن جريج وإِن كان مدلسًا إِلَّا أنه صرَّح بالسماع.
стр. 1912
وقد تُوبع من عمرو بن دينار، بلفظ: ((مَاتَتْ شَاةٌ فِي بَعْضِ بُيُوتِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ).
أخرجه أحمد (٢٥٠٤) عن يحيى بن أبي بكير، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن عمرو بن دينار، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، رجال الشيخين.
[تنبيه]:
نُسبت (الشاة) في هذه الرواية لإحدى نساء النبي ﷺ ، وهي أم المؤمنين (ميمونة) - كما قال الخطيب بعد إخراجه لهذه الرواية في (الأسماء المبهمة ٦/ ٤١٢ - ٤١٣) - وسيأتي التصريح بذلك في الرواية التالية.
وقد نُسبت (الشاة) مرة أخرى لمولاة ميمونة كما تقدم، وهذا ليس فيه تعارضًا؛ فقد جمع الإمام الرافعي بين هاتين الروايتين بأحسن جمع، فقال: ((ويمكن أن تكون القصة واحدة، لكن مولاتها كانت عندها، ومن خدمها، فتارة نسبت الشاة إليها، وتارة إلى ميمونة)) (شرح مسند الشافعي ١/ ١٠١). قال ابن الملقن: ((وهذا جمع متين)) (البدر المنير ١/ ٥٨٢)، وانظر أيضًا (التمهيد ٤/ ١٦٧، ١٦٨).
وسيأتي حديث (سودة) ﵂ عند البخاري أنها قالت: ((مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ ... الحديث))، فإن لم تكن الواقعة تعددت، فهو محمول على أنها أرادت ((لَنَا)) أي: نحن أزواج النبي ﷺ ، ومنهن (ميمونة) ﵅ جميعًا، ويكون مَنْ نسب الشاة (لسودة) بناء منه على ظاهر قولها: ((لَنَا))، والله أعلم.
стр. 1913
روايةُ: ((شَاةٍ لِمَيْمُونَةَ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ لِمَيْمُونَةَ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: ((أَلَا اسْتَمْتَعْتُم بِإِهَابِهَا؟)) قَالُوا: وَكَيْفَ وَهِيَ مَيْتَةٌ؟! فَقَالَ: ((إِنَّمَا حُرِّمَ لَحْمُهَا)).
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ، وصححه: الطحاوي، وابن الملقن، والعيني.
[التخريج]:
[ن ٤٢٧٦/ كن ٤٧٦٠/ حم ٢٠٠٣، ٣٠١٦، ٣٤٥٢ ((واللفظ له))، ٣٥٢١/ عه ٦١٨، ٦٢١، ٦٢٧، ٦٢١، ٦٣٠/ بز ٥١٨٩/ حميد ٦٥١/ طب (١١/ ١٧٦/ ١١٤١١)، (٢٣/ ٤٢٦/ ١٠٣٥) / حق (ط الكتاب العربي ٩١٨) / طح (١/ ٤٦٩) / تطبر (مسند ابن عباس ١١٧٦، ١١٨٥، ١١٨٦) / قط ١٠٥/ مسن ٨٠٣/ صمند (صـ ٩٦٩) / مطغ ١٨٨/ هق ٤٧/ ذهبي (١/ ١٢٢ - ١٢٣)].
[التحقيق]:
لهذه الرواية طريقان عن ابن عباس:
الطريق الأول:
أخرجه أحمد (٣٤٥٢)، وعبد بن حميد (٦٥١)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، إِلَّا أن معمرًا خالف أصحاب الزُّهري فقال: ((إِنَّمَا حُرِّمَ لَحْمُهَا))، ورواه الجماعة بلفظ: ((إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا))، لكن قال ابن عبد البر: ((وذلك سواء)) (التمهيد ٩/ ٥٠).
وقد تابع معمرًا على نسبة الشاة لميمونة جماعة؛
стр. 1914
فأخرجه أحمد (٣٠١٦)، عن حماد بن خالد، عن مالك، عن الزُّهري، به.
ورواه الطبري، وأبو عوانة: من طريقين، عن سفيان بن عيينة، عن الزُّهري، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله رجال الشيخين، عدا حماد بن خالد الخياط، وهو ثقة من رجال مسلم، كما في (التقريب ١٤٩٦).
وقد تُوبع عبيد الله بن عبد الله، من عطاء بن أبي رباح، كما في:
الطريق الثاني:
أخرجه النسائي في (المجتبى ٤٢٣٨) من طريق سفيان بن عيينة.
وأخرجه أبو عوانة في (المستخرج ٥٥٦) من طريق ابنِ جُرَيجٍ.
كلاهما: عن عمرو بن دينار، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه ثقاتٌ، رجال الشيخين.
وقد رواه ابنُ جُرَيجٍ، تارة أخرى، فقال: حدثنا عطاء، به، كما أخرجه أحمد في (المسند ٢٠٠٣). وهذا إسنادُهُ صحيحٌ على شرط الشيخين.
وقد صحح هذه الرواية؛ الطحاوي فقال: ((وقد جاءت عن رسول الله ﷺ آثار متواترة صحيحة المجيئ، مفسرة المعنى، تخبر عن طهارة ذلك الدباغ، فمما رُوِيَ في ذلك ... )) وذكر منها هذا الحديث (شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٩).
وقال ابن الملقن، وبدر الدين العيني: ((إسناده صحيحٌ)) (البدر المنير ١/ ٥٨٠)، و (نخب الأفكار ٧/ ١٧٨).
стр. 1915
روايةُ: إِبْهَامِ صَاحِبِ الشَّاةِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((مَاتَتْ شَاةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِهَا (لِأَهْلِ الشَّاةِ) ... )) الحديث.
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ، وصححه الطحاوي، والعيني.
[التخريج]:
[ت ١٨٢٥ ((واللفظ له ولغيره)) / عه ٦٢٦ ((والرواية له)) / بز ٥١٨٨/ طب (١١/ ٢٠٣/ ١١٥٠١) / تطبر (مسند ابن عباس ١١٨٤) / طح (١/ ٤٦٩/ ٢٦٩٧) / قط ١٠٤/ هق ٤٨/ سراج (نخب ٧/ ١٧٩)].
[السند]:
قال الترمذي: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث -وهو ابن سعد-، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، على شرط الشيخين. وصححه العيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
وقد رواه غير يزيد عن عطاء كذلك:
فأخرجه الطحاوي، عن يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا أسامة -وهو ابن زيد الليثي-، عن عطاء بن أبي رباح، به.
وقد صحح الطحاوي إسناد هذه الرواية في (شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٩)، والعيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٧٩).
(١١/ ٢٨٨ - ٢٨٩/ ١١٧٦٥، ١١٧٦٦) / مث ٣٠٦٤ ((مختصرًا)) / تطبر (مسند ابن عباس (٢/ ٧٩٨/ ٣٩) ((والرواية الثانية والزيادة الثالثة له ولغيره))، (٢/ ٧٩٩/ ٤٠) ((والرواية الأولى والزيادة الأولى والثانية له)) / طح (١/ ٤٧١) / مشكل ٣٢٤٢/ ناسخ ١٦١/ منذ ٨٣٣/ غحر (٢/ ٥٦٣) ((مختصرًا)) / حا ٨٠٠٣/ هق ٥٦، ٥٧/ مبهم (٦/ ٤١٣ - ٤١٤) / عتب (صـ ٥٥) / حنف (حارثي ٤١٠) / مصفار (إمام ١/ ٣١٩) / مردويه (در ٦/ ٢٣٤) / ضيا (١٢/ ٩٤ - ٩٦/ ١١١، ١١٢، ١١٣)].
[التحقيق]: انظر الكلام عليه عقب الرواية التالية.
стр. 1918
رواية: "إِنَّمَا نَهَيْتُ أَنْ تَطْعَمُوهَا":
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ شَاةً لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَا فَعَلَتْ فُلَانَةُ؟ -لِلشَّاةِ-))، قَالَتْ: مَاتَتْ، قَالَ: ((فَمَا صَنَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟)) قُلْنَا: أَلقَينَاهَا، قَالَ: ((هَلَّا أَخَذْتُمْ جِلْدَهَا، فَدَبَغْتُمُوهُ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ))، قَالَتْ: يَارَسُولَ الله، أَوَ لَسْتَ قَدْ نَهَيْتَ عَنِ الْمَيْتَةِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّمَا نَهَيْتُ أَنْ تَطْعَمُوهَا))، فَبَعَثْنَا فَأَخَذْنَا جِلْدَهَا، فَدَبَغْنَاهُ وَاتَّخَذْنَا مِنْهُ قِرْبَةً، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَنَا حَتَّى تَخَرَّقَ)).
[الحكم]: ضعيفٌ بهذا السياق.
[التخريج]: [ناسخ ١٦٠].
[السند]:
أخرجه أحمد (٣٠٢٦)، قال: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، به بالسياق الأول.
وأخرجه أبو يعلى -وعنه ابن حبان-، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا أبو عوانة، به.
وأخرجه ابن شاهين في (ناسخ الحديث ١٦٠) من طريق خلف بن هشام البزار، قال: حدثنا أبو عوانة، به. بسياق الرواية الثانية.
وأخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ٣٩) عن هناد بن السري، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، به.
وأخرجه ابن حبان من طريق قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو الأحوص،
стр. 1919
به.
وأخرجه الطبري أيضًا (٤٠) عن أبي كريب، قال: حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن سماك، به.
ومداره عند الجميع على سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: سماك بن حرب، وهو وإِن كان صدوقًا، إِلَّا أن روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغيَّر بأخرة فكان ربما تلقن. (التقريب ٢٦٢٤).
وهذا الحديث خير شاهد على ذلك؛ فقد اضطرب في سنده على عدة أوجه:
الوجه الأول: عن عكرمة، عن ابن عباس:
كذا رواه أبو عوانة، وأبو الأحوص، وزائدة، وغيرهم، عن سماك، به، كما تقدم في السند.
الوجه الثاني: عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة بنت زمعة:
أخرجه الطبري في (تهذيب الآثار ١١٦٩) عن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل.
وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٢٤/ ٣٧/ ١٠٠) عن أبي مسلم الكشي، عن أبي عمر الضرير، عن أبي عوانة.
كلاهما (إسرائيل، وأبوعوانة): عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس،
стр. 1920
عن سودة، به. فجعله من مسند سودة بنت زمعة.
وهذا الإسناد إلى سماك رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا أبي عمر الضرير حفص بن عمر وهو صدوقٌ عالم، كما قال الحافظ في (التقريب ١٤٢١)، وقد تُوبع كما تقدم.
وأبو مسلم الكشي إبراهيم بن عبد الله، وهو ثقة ثبت، وثقه الدارقطني، والخليلي، وغيرهما، انظر: (الثقات لقطلوبغا ٢/ ٢٠٦).
الوجه الثالث: عن عكرمة، عن سودة (بإسقاط ابن عباس):
أخرجه أحمد (٣٠٢٧)، قال: حدثنا أسود -وهو ابن عامر-.
وأخرجه العقيلي (١/ ٥٤٧) من طريق خلاد بن يحيى.
وأخرجه الطبري في (تهذيبه ١١٧٣)، وابن أبي حاتم في (التفسير ٨٠٠٥) من طريق مؤمل (١) بن إسماعيل.
ثلاثتهم (أسود، ومؤمل، وخلاد): عن إسرائيل.
وأخرجه ابن أبي خيثمة في (تاريخه/ السفر الثاني ٣٣٣٣).
وأخرجه العقيلي في (الضعفاء ١/ ٥٤٧)، والطبراني في (المعجم الكبير ٢٤/ ٣٦/ ٩٩) عن علي بن عبد العزيز البغوي.
كلاهما (ابن أبي خيثمة، والبغوي): عن عمرو بن حماد بن طلحة، عن أسباط بن نصر.
стр. 1921
كلاهما (إسرائيل، وأسباط): عن سماك، عن عكرمة، عن سودة بنت زمعة، به.
وقد تُوبع سماك على هذا الوجه من يزيد بن أبي زياد، كما أخرجه إسحاق بن راهويه (٢٠٩٠) عن جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، به.
وهذه متابعةٌ واهيةٌ من أجل يزيد؛ فإنه ضعيفٌ كبر فتغيَّر، وصار يتلقن، كما قال الحافظ في (التقريب ٧٧١٧)، وأيضًا كان مدلسًا؛ كما في (طبقات المدلسين ١١٢).
فيحتمل أنه أسقط سماكًا من إسناده، فرجع الحديث إلى سماك؛ ويكون إسناد الحديث من هذا الوجه ضعيفٌ؛ ففيه -بالإضافة إلى ما تقدم من الكلام في سماك، واضطرابه- انقطاع بين عكرمة وسودة؛ فإنه لم يسمع منها، قال ابن المديني: ((لا أعلمه سمع من أحد من أزواج النبي ﷺ شيئًا)) (جامع التحصيل صـ ٢٣٩).
قلنا: ومع اضطراب سماك؛ فقد خُولف من جماعةٍ ثقاتٍ حُفَّاظٍ رووا هذا الحديث عن عكرمة مرسلًا، ورواه بعضُهم عن عكرمة موقوفًا على سودة، وهذه هي:
العلة الثانية: المخالفة.
فقد أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف ٢٥٢٧٠) عن هُشَيْمٍ، عن أبي بِشر جعفر بن أبي إياس.
وأخرجه الطبري في (تهذيبه ١١٧٤) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، عن عاصم بن سليمان الأحول.
стр. 1922
وأخرجه الطبري أيضًا (١١٧٥) عن محمد بن بشار، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة.
ثلاثتهم (أبو بشر، وعاصم، وقتادة): عن عكرمة -مرسلًا-: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَقَالَ: ((أَلَا انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا، فَإِنَّ دَبْغَهَا طَهُورُهَا))، هذا لفظ ابن أبي شيبة، وفي رواية الطبري: ((أَنَّ شَاةً لِسَوْدَةَ مَاتَتْ، ((فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْلُخُوهَا فَيَنْتَفِعُوا بِإِهَابِهَا)).
وهؤلاء جميعًا ثقات أثبات من رجال الشيخين، لو انفرد أحدهم لرجح على سماك، فكيف بهم مجتمعين؟ !
ورواه الشعبي عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة -من قولها- قالت: ((مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ، فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَازِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا)). أخرجه البخاري في (الصحيح ٦٦٨٦)، والنسائي في (المجتبى ٤٢٧٨)، وأحمد (٢٧٤١٨)، وغيرهم من طرق، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة، به.
وهذا الوجه رجَّحه الدارقطني في (العلل ١٥/ ٢٨٧).
فالحديث بالسياق المطول ضعيفٌ لاضطراب سماك في سنده، ومخالفته لرواية الثقات في وصله.
ولكن يشهد لمعناه ما تقدم في (الصحيحين)، وغيرهما، والفقرة الأخيرة -وهي صنيع سودة-، يشهد لها ما أخرجه البخاري من حديث سودة، الذي ذكرناه آنفًا، وسيأتي تخريجه قريبًا.
فلعلَّ من أجل ذلك، ونظرًا لظاهر إسناده، صحح هذا الحديث بعض أهل العلم؛ كالطبري في (تهذيبه ٢/ ٧٩٩)، والنووي في (المجموع ١/
стр. 1923
٢٧٥)، والذهبي في (المهذب ١/ ٢٠)، وابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٥٨٣)، والعيني في (نخب الأفكار ٧/ ١٩١)، والسيوطي في (الحاوي ١/ ١٤)، والشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٧٧)، وأحمد شاكر في (تحقيق المسند ٣/ ٣٢٠)، والله أعلم.
[تنبيهان]:
الأول: قد صحح النووي هذا الحديث كما تقدم، لكن قال في (تهذيب الأسماء ٤/ ٧٥): ((إسناده صحيحٌ على شرط مسلم)). وفيه نظر؛ لأَنَّ مسلمًا لم يخرج لسماك بن حرب، عن عكرمة، وإِن كان أخرج لسماك من غير رواية عكرمة، وأخرج لعكرمة مقرونًا بغيره من غير رواية سماك.
قال الذهبي: ((سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: نسخة عدة أحاديث، فلا هي على شرط مسلم؛ لإعراضه عن عكرمة، ولا هي على شرط البخاري؛ لإعراضه عن سماك، ولا ينبغي أن تعدَّ صحيحة؛ لأَنَّ سِماكًا إنما تُكلِّم فيه من أجلها)) (سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٤٨).
الثاني: جاء عند الطبراني في (المعجم الكبير ١١٧٦٦): ((مَاتَتْ شَاةٌ لِأُمِّ الْأَسْودِ))، فقال الطبراني (عقب الحديث): ((قال أبو الأحوص: (أم الأسود)؛ وإنما الصواب سودة)) اهـ، فاعتبر الطبراني ذلك وَهْمًا من أبي الأحوص، وليس كذلك؛ وإنما (أم الأسود) كنية سودة ﵂، وقد ذكرها بهذه الكنية ابن شاهين في (ناسخه ١٦١)، وابن أبي حاتم في (تفسيره ٨٠٠٣)، وأخرج ابن أبي عاصم الحديث في ترجمتها، وذكرها بكنيتها في رأس الترجمة، وفي الحديث.
وقد أفرد ابن حجر في (الإصابة) ترجمة باسم (أم الأسود)، فقال:
стр. 1924
((أم الأسود: أخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، قال: ((مَاتَتْ شَاةٌ لِأُمِّ الْأَسْوَدِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ... )) الحديث. وفيه: ((أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِمَسْكِهَا))، وهو في البخاري في كتاب الأيمان والنذور، عن ابن عباس، عن سودة زوج النبي ﷺ نحوه باختصار. وسودة بنت زمعة تقدمت ولا يعرف في أزواج النبي ﷺ أم الأسود فيحمل على أنها كنية سودة)) (الإصابة ١٤/ ٢٨٥).
روايةُ بالتردد: ((بِشَاةٍ لِأُمِّ سَلَمَةَ أَوْ لِسَوْدَة)):
• وَفِي رِوَايَةٍ -بِالشَّكِ- قَالَ: ((مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ لِأُمِّ سَلَمَةَ أَوْ لِسَوْدَة ... )) فَذَكَرَ الحَديثَ.
[الحكم]: خطأٌ، والصوابُ أن الشاةَ لمولاةٍ لميمونة، كما تقدم.
[التخريج]: [كت (حبير ١/ ٧٥)].
[السند]:
أخرجه الحاكم في (تاريخ نيسابور) -كما في (التلخيص الحبير) -: من طريق مغيرة، عن الشعبي، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، على ما أبرزه الحافظ من سنده، فمغيرة هو ابن مقسم الضبي: ((ثقة متقن من رجال الشيخين)) (التقريب ٦٨٥١).
ولكن أخرجه النسائي (٤٢٧٧) عن محمد بن قدامة، عن جرير بن
стр. 1925
عبد الحميد، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: قال ابن عباس: ((مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: ((أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا)). ولم ينسبها لأحد. وهذا إسنادٌ صحيحٌ إلى المغيرة.
ورواه البخاري وغيره من طرق، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة من قولها، كما مرَّ الإشارة إليه، وسيأتي تخريجه قريبًا.
والمحفوظ من حديث ابن عباس كما تقدم من طرق عنه: أن الشاة (لمولاةٍ لميمونة)، وبعضُهم يقول: (لميمونة)، أو (لبعض نساء النبي ﷺ ، وتقدم الجمع بينهم.
فلا بُدَّ من النظر في سند هذه الرواية من الحاكم إلى المغيرة، لنعرف من يتحمل هذا الخطأ.
стр. 1926
روايةُ الْمَاءِ وَالْقَرَظِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ زَادَ فِي آخِرِهِ: ((أَوَلَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا؟)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَوَلَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالدِّبَاغِ مَا يُطَهِّرُهَا؟)). وَفِي أُخْرَى: ((أَلَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا، وَالدِّبَاغِ؟)).
[الحكم]: شاذٌ بذكر: (الْمَاءِ وَالقَرَظِ)، وليَّنَ سنده محمد بن يحيى الذهلي، والذهبي، وأما ((التطهير بالدباغ)) فثابتٌ صحيحٌ كما تقدم، وكما سيأتي من حديث ميمونة وسودة وغيرهما.
[اللغة]:
(القَرَظُ): شجر يُدبَغُ به، وقيل: هو ورَقُ السِّلَم يُدبَغُ به الأَدَمُ ومنه أَديمٌ مَقروظ، قال أَبو حنيفة: القَرَظُ أَجودُ ما تُدبَغُ به الأُهُبُ في أَرض العرب وهي تُدبَغُ بورقه، وثمره، وقال مَرةً: القَرَظُ شجرٌ عظام لها سُوق غلاظ أمثال شجر الجَوز وورقه أصغر من ورق التفاح وله حَب يوضع في المَوازين وهو يَنبُتُ في القيعان واحدَتُه قَرَظةٌ، وبها سُمِّي الرجلُ قَرَظةَ وقُرَيظةَ، وقَرَظَ السِّقاءَ يَقرظُه قَرظًا دَبَغَهُ بالقَرَظ أَوْ صبَغه به، انظر: (لسان العرب ٧/ ٤٥٤)، و (المصباح المنير ٢/ ٤٩٩). وقال الخطابي: ((القرظ شجر تدبغ به الأهب، وهو لما فيه من القبض والعفوصة، ينشف البلة، ويذهب الرخاوة، ويحصف الجلد، ويصلحه، ويطيبه؛ فكل شيء عَمِلَ عَمَلَ القرظ؛ كان حكمه في التطهير حكم القرظ)) (معالم السنن ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢)، وانظر أيضًا (البدر المنير ١/ ٦٠٦).
[التخريج]:
[مزني ١ ((واللفظ له)) / قط ٩٨ ((والرواية الأولى له))، ٩٩ ((والرواية
стр. 1927
الثانية له)) / هق ٦٤، ٦٥/ تحقيق ٧١].
[السند]:
أخرجه أبو بكر النيسابوري في (الزيادات على كتاب المزني) (١) -وعنه الدارقطني (٩٨)، ومن طريقه البيهقي (٦٤)، وابن الجوزي في (التحقيق ٧١) - قال: نا إبراهيم بن هانئ، نا عمرو بن الربيع بن طارق، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن يونس وعقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، به، بلفظ رواية (الصحيحين)، وزاد عقيل في حديثه: ((قال رسول الله ﷺ : .... )) فذكره.
وأخرجه الدارقطني (٩٨) أيضًا: من طريق محمد بن سهل بن عسكر، عن عمرو بن الربيع بن طارق، به. بلفظ الرواية الأولى.
ثم أخرجه الدارقطني (٩٩) -ومن طريقه البيهقي (٦٥) -: عن يحيى بن صاعد، ثنا محمد بن إسحاق (الصغاني)، نا عمرو بن الربيع بن طارق بهذا الإسناد مثله، وقال: زاد عقيل في حديثه: ... فذكره بلفظ الرواية الثانية.
فمداره عند الجميع على عمرو بن الربيع بن طارق، عن يحيى بن أيوب، عن عقيل بن خالد، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا يحيى بن أيوب، وهو الغافقي المصري، فقد اختلف فيه، فوثقه البخاري وابن معين -في رواية- والفسوي، ورماه أحمد، وغيره بسوء الحفظ، وقال النسائي: ((ليس بالقوي))، وفي رواية قال: ((ليس به بأس))، وقال أبو حاتم، والإسماعيلي: ((لا يحتج به))، وقال ابن سعد: ((منكر الحديث))، وقال الدارقطني: ((في بعض حديثه
стр. 1928
اضطراب))، واستشهد به البخاري، واحتج به مسلم، انظر: (تهذيب التهذيب ١١/ ١٨٧) و (مقدمة الفتح ١/ ٤٥١)، ولخص حاله الحافظ فقال: ((صدوق ربما أخطأ)) (التقريب ٧٥١١).
وقد صحح حديثه هذا جماعة من العلماء، منهم:
الدارقطني، فقد ذكر في الباب عدة أحاديث منها حديث يحيى هذا ثم قال: ((هذه أسانيد صحاح)).
وحسَّنه النووي في (المجموع ١/ ٢٢٢)، وتبعه ابن نجيم الحنفي في (البحر الرائق ١/ ١١١)، وكذلك حسَّنه ابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٦٠٣)، ونقل عن المنذري أنه قال في ((كلامه على أحاديث المهذب)): ((حديث حسن، ورجالُه ثقاتٌ))، ثم نقل تصحيح الدارقطني وأقرَّه، ثم أخذ يتكلم على رجاله واحدًا تلو الآخر (البدر المنير ١/ ٦٠٤).
وكذلك حسَّنه ابن حجر في (التلخيص ١/ ٧٩)، والسيوطي في (الحاوي للفتاوي ١/ ١٥)، وقال الألباني: ((إسناده صحيحٌ على شرط الشيخين! )) (الصحيحة ٢١٦٣).
قلنا: ولكن لهذا الحديث علة -بغض النظر عما قيل في يحيى-:
فقد تفرَّد يحيى بزيادة: (الماء والقرظ) في هذا الحديث، وقد رواه مالك، ويونس بن يزيد، ومعمر، وغيرهم من الثقات الحفاظ من أصحاب الزُّهري، عن الزُّهري، عن عبيد الله، به، ولم يذكروا هذه الزيادة مطلقًا، بل وجزم أبو داود في (السنن عقب رقم ٤٠٧٤) أن عقيلًا لم يذكر (الدباغ) في روايته عن الزُّهري (١).
стр. 1929
قلنا: وكذا لم يذكرها سفيان بن عيينة، والزبيدي، وسليمان بن كثير، وإِن كان في حديثهم ذكر (الدباغ)، كما تقدم.
وعليه فرواية يحيى هذه شاذة؛ وقال الحافظ محمد بن يحيى الذهلي: ((وأما ذكر (الدباغ) فيه، فلا يوجد إِلَّا من رواية يحيى بن أيوب، عن عقيل، ومن رواية بقية، عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، ... )) (التمهيد ٩/ ٥٠).
قلنا: وفي كلامه عن رواية ابن عيينة، وبقية، بشأن ذكر (الدباغ) نظر، وقد تقدم بيانه، أما عن هذا اللفظ الذي ذكره الغافقي عن عقيل، فلم يذكره أحد ممن روى الحديث عن ابن عباس؛ كعطاء، وسعيد بن جبير، وابن وعلة، ولذا أعله به الذهبي فقال: ((هذا مما انفرد به يحيى وقد لُيِّنَ)) (التنقيح ١/ ٢٩ - ٣٠).
نعم، لهذا اللفظ شاهد من حديث العالية بنت سبيع، عن ميمونة، ولكن إسنادُهُ ضعيفٌ، وآخر من مرسل الزُّهري، وهو ضعيفٌ جدًّا، وسيأتي الكلام عليهما.
[تنبيه]:
الحديث ذكره ابن الأثير في (النهاية ٢/ ٤٤٤) بلفظ: ((أَلَيْسَ فِي الشَّثِّ
стр. 1930
وَالقَرَظِ مَا يُطَهَّرُهُ؟)). وقال: ((الشث: شجر طيب الريح مُرُّ الطعم، ينبت في جبال الغور ونجد. والقرظ: ورق السِّلَم، وهما نبتان يدبغ بهما. هكذا يروى هذا الحديث بالثاء المثلثة، وكذا يتداوله الفقهاء في كتبهم وألفاظهم. وقال الأزهري في كتاب (لغة الفقه): إِنَّ الشب -يعني: بالباء الموحدة- هو من الجواهر التي أنبتها الله في الأرض يدبغ به، شبه الزاج. قال: والسماع الشب بالباء، وقد صحفه بعضهم فقال الشث)) اهـ.
قلنا: كذا قال!، ولم نقف على رواية بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث، وقد سبق ابن الأثير في ذكر الحديث بهذا اللفظ: الرافعي في (الشرح الكبير ١/ ٢٩٣)، والماوردي في (الحاوي ١/ ٦٢) وغيرهم من الفقهاء.
قال النووي: ((واعلم أنه ليس للشب ولا الشث ذكر في حديث (الدباغ)، وإنما هو من كلام الإمام الشافعي ﵀ فإنه قال: والدباغ بما كانت العرب تدبغ به وهو الشث والقرظ هذا هو الصواب. وقد قال صاحب (الحاوي) وغيره: ((جاء في الحديث النص على الشث والقرظ))، كذا نقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب؛ فإنه قال في تعليقه: الذي وردت به السنة ثم ذكر حديث ميمونة الذي قدمته، وقال: هذا هو الذي أعرفه مرويًّا، قال: وأصحابنا يروون: ((يُطَهِّرُهُ الشَّثُّ وَالْقَرَظُ))، وهذا ليس بشيء)) (المجموع ١/ ٢٢٣).
وقال النووي في (الخُلَاصَة): ((وقولهم في كتب الفقه: (الشَّثُّ وَالْقَرَظُ)، باطلٌ لا أصل له)) (خلاصة الأحكام ١/ ٧٧).
وقال ابن الملقن: ((هذا الحديث غريب بذكر (الشب) فيه، لا أعلم من خرَّجه به، ... )) (البدر المنير ١/ ٦٠٣ - ٦٠٤). وكذا استغربه الحافظ في (التلخيص ١/ ٧٩).
* * *