صوبوها أيضًا من (التحفة)، فقد أشاروا في مقدمة تحقيقهم إلى أنها ستكون المرجع لديهم عند الاختلاف في السند، وإلا فهم لم يعتمدوا في عملهم على نسخ خطية، إنما اعتمدوا على المطبوعات السابقة عليهم، وعلى إجازة لهم بإسنادِ الكتاب!، وهي كما لا يخفى ﴿لا تسمن ولا تغني من جوع﴾ في ضبط الكتاب.
روايةُ: افتَقَدَ عَنَاقًا:
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ افْتَقَدَ عَنَاقًا كَانَتْ عِنْدَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ: ((أَلَا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ)).
[الحكم]: صحيحُ المتن بشواهده، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ معلولٌ.
[التخريج]:
[مب ١٩٢ ((واللفظ له)) / تطبر (مسند ابن عباس ١١٩٨) / حق ١١٦٨/ علقط (٨/ ٤٤٦)].
[السند]:
أخرجه ابن المبارك في (المسند) قال: أنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة، به.
وأخرجه إسحاق في (المسند) عن عثمان بن عمر، وأخرجه الطبري في (تهذيب الآثار) (١) من طريق ابن أبي فديك، كلاهما: عن ابن أبي ذئب،
стр. 1997
به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح، عدا الحارث بن عبد الرحمن، وهو القرشي العامري خال ابن أبي ذئب، قال فيه الحافظ: ((صدوق)) (التقريب ١٠٣١).
وقد خُولِفَ فيه:
فرواه مالك -كما تقدم- عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أمه، عن عائشة، به.
فزاد فيه ابن قسيط أُمَّ محمد بن عبد الرحمن بين محمد وعائشة، وأُمُّ محمد هذه مجهولة، كما تقدم بيانه.
ورجَّح الدارقطني رواية ابن قسيط فقال: ((وقول ابن قسيط أشبه بالصواب))، فقيل له:
(((إِنَّ) (١) حديث ابن أبي ذئب غير حديث مالك؛ فإن حديث ابن أبي ذئب، عن عائشة، عن النبي ﷺ : ((افْتَقَدَ عَنَاقًا كَانَتْ عِنْدَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ: ((أَلَا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ))))، فهذا حكم في
стр. 1998
عين، وذلك حكم مطلق))، فقال: ((إلا أنه في الدباغ، وقد فسَّره)) (العلل ٨/ ٤٤٧).
قلنا: وعلى أية وجه فالإسناد ضعيفٌ؛ إِذ إِنَّ طريق ابن قسيط معلولٌ بجهالة أُمِّ محمد بن عبد الرحمن، وطريق الحارث معلولٌ بالانقطاع؛ فإن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان لا يُعلم له سماع من عائشة ﵂، والله أعلم.
стр. 1999
روايةُ: ((اسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((اسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا هِيَ دُبِغَتْ تُرَابًا كَانَ، أَوْ رَمَادًا، أَوْ مِلْحًا، أَوْ مَا كَانَ، بَعدَ أَنْ يُرَدْ صَلَاحُهُ (١))).
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياق، واستنكره ابن عدي -وأقرَّه البيهقي، وابن القيسراني، والنووي، وابن الملقن-، وضعَّفه الضياء المقدسي، وابن عبد الهادي، والزيلعي، وابن حجر، والعيني، وابن الهمام.
стр. 2000
وأما الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ؛ فصحيحٌ كما تقدم.
[التخريج]: [عد (٩/ ٤٩٦) ((واللفظ له)) / قط ١٢٦/ هق ٦٥].
[السند]:
رواه الدارقطني، وابن عدي -ومن طريقه البيهقي-، قالا -والسياق للدارقطني-: حدثنا أحمد بن محمد بن المغلس قال: حدثنا أحمد بن الأزهر البلخي، قال: حدثنا معروف بن حسان، قال: حدثنا عمر بن ذر، عن معاذة، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ وَاهٍ؛ فيه: معروف بن حسان؛ قال عنه أبو حاتم: ((مجهول)) (الجرح والتعديل ٨/ ٣٢٢). وقال ابن عدي: ((منكر الحديث)) (الكامل ٦/ ٣٢٥). وأنكر حديثه هذا، فقال: ((وهذا منكرٌ بهذا الإسنادٌ، ومعروف هذا؛ قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة، وكلها غير محفوظة)) (الكامل ٦/ ٣٢٥). وأقرَّه البيهقي في (السنن)، وابن طاهر المقدسي في (ذخيرة الحفاظ ١/ ٣٩٩)، والنووي في (خلاصة الأحكام ١/ ٧٩)، وابن الملقن كما سيأتي.
وقال عنه الذهبي: ((وَاهٍ))، وقال عن الحديث: ((لم يصحَّ هذا)) (المهذب ١/ ٢١).
وأعلَّه بمعروف أيضًا: الضياء المقدسي في (السنن والأحكام ٩٠)، والزيلعي في (نصب الراية ١/ ١١٨)، وابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ١١٧)، والعيني في (البناية ١/ ٤٢١)، وابن الهمام في (فتح القدير ١/ ٩٥).
стр. 2001
وقال ابن الملقن: ((رواه الدارقطني وغيره، وضعَّفه ابن عدي، وآخرون، وإن ذكره ابن السكن في (صحاحه)! )) (البدر المنير ١/ ٦٠٦).
وقال ابن حجر: ((وإسناد هذه ضعيف)) (الدراية ١/ ٥٨).
قلنا: وفي إسناده أيضًا: أحمد بن الأزهر البلخي؛ ذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٤٤)، وقال: ((يخطئ ويخالف))، ولذا ذكره الحافظ في (لسان الميزان ١/ ٤٠٤).
[تنبيه]:
نقل العيني في (عمدة القاري ٩/ ٨٨) عن الدارقطني أنه قال: ((في إسناده معروف بن حسان منكر الحديث)) اهـ.
كذا قال، والمشهور بهذا القول هو ابن عدي -كما تقدم-، والحديث خرَّجه الدارقطني في (السنن) ولم يعلق عليه بشيء، ولا نقل عنه ذلك أحد سوى العيني، فلعله سَبْقُ قَلَمٍ، ثم وجدناه ذكر الحديث في (البناية ١/ ٤٢١) ونقل قول ابن عدي فحسب، فتأكد ما ذكرنا، والحمد لله.
стр. 2002
٣٧٤ - حَديثُ جَابِرٍ:
◼ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: ((لَا بَأْسَ بِجُلُودِ السِّبَاعِ إِذَا دُبِغَتْ، وَيَقُولُ: ((قَدْ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وأما الانتفاع بجلود الميتة فصحيحٌ كما تقدم.
[التخريج]: [عب ٢٣٢].
[السند]:
رواه عبد الرزاق: عن حميد، عن الحجاج بن أرطاة، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، به.
قال عبد الرزاق: وسمعت أنا إبراهيم وغيره، يذكر، عن أبي الزبير، عن جابر، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: حميد، شيخ عبد الرزاق، وهو ابن رويمان، وهو مجهولٌ؛ فقد ترجم له ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٣/ ٢٢٢) برواية عبد الرزاق عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
الثانية: حجاج بن أرطاة، قال فيه الحافظ: ((صدوقٌ كثير الخطأ والتدليس)) (التقريب ١١١٩).
وقد تُوبِع من إبراهيم، وهو اثنان في هذه الطبقة ممن روى عنه عبد الرزاق، وروى عن أبي الزبير:
стр. 2003
الأول: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو الأشهر في رواية عبد الرزاق عنه في (المصنف)، وهو متروك، كما في (التقريب ٢٤١)، بل كذَّبه غير واحد كما سبق مرارًا.
الثاني: إبراهيم بن يزيد الخوزى، وهو متروك الحديث أيضًا، كما في (التقريب ٢٧٢).
стр. 2004
٣٧٥ - حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ فِي مَسْكٍ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِهِ وَهِيَ مَيْتَةٌ، وَقَالَ: ((أَلَيْسَ فِي الدِّبَاغِ وَالْقَرَظِ وَالْمَاءِ طَهُورٌ؟ ! ))
[الحكم]: مرسلٌ ضعيفٌ جدًّا بهذا السياق، وأما الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ فصحيحٌ، كما تقدم.
[التخريج]: [تطبر (مسند ابن عباس ١٢٤٥)].
[السند]:
قال الطبري في (تهذيب الآثار): حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا عمرو، عن سعيد: عن الميتة يستنفع بجلدها؟ ، قال: قال الزُّهري: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ فِي مَسْكٍ ... الحديث.
وعمرو هو ابن أبي سلمة التنيسي، وسعيد هو ابن عبد العزيز التنوخي.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لإرساله، بل -على التحقيق- لإعضاله؛ فالزهري تابعي صغير.
ومراسيله وَاهِيَةٌ كما قال يحيى القطان، وابن معين، وغيرهما، وقد تقدم تقرير ذلك في باب: ((الدم يصيب الثَّوب)).
وفيه أيضًا: عمرو بن أبي سلمة التنيسي، وهو مختلف فيه؛ فقد ضعَّفه: ابن معين، وأبو حاتم، والعقيلي، والساجي، ووثقه ابن يونس، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وأخرج له الشيخان، انظر: (تهذيب التهذيب ٨/
стр. 2005
٤٤)، ولخص الحافظ حاله؛ فقال: ((صدوقٌ له أوهام)) (التقريب ٥٠٤٣).
والمحفوظ عن الزُّهري في هذا الحديث كما رواه مالك، ويونس، ومعمر، وابن عيينة، وغيرهم، عنه، عن عبيد الله، عن ابن عباس، بدون ذكر: (الماء والقرظ)، وقد رُويت هذه اللفظة عن الزُّهري بالإسناد المتصل، كما تقدم في حديث ابن عباس، لكنها شاذة كما بينَّاه هناك، ورويت أيضًا من حديث ميمونة، ولكن سندها ضعيف، كما تقدم بيانه، والله أعلم.
* * *
روايةُ الزُّهْرِيِّ فِي جُلُودِ النُّمُورِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ مَعْمَرٍ، سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: عَنْ جُلُودِ النُّمُورِ؟ فَرَخَّصَ فِيهَا (فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ)، وَقَالَ: ((قَدْ رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ)).
[الحكم]: المرفوع صحيحُ المتن بما تقدم، وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ لإرساله.
[التخريج]: [عب ٢٣١ ((واللفظ له)) / عبص ١١٠ ((والرواية له))].
[السند]:
رواه عبد الرزاق في (المصنف)، و (الأمالي): عن مَعْمَرٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، إِلَّا أنه مرسل، وتقدم أن مراسيل
стр. 2006
الزُّهري من أَوْهَى المراسيل.
وفي الباب أحاديث أخرى، انظرها في الأبواب التالية.
стр. 2007
٦٠ - بَابُ إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ
٣٧٦ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ)).
[الحكم]: صحيح (م).
[الفوائد]:
قال الترمذي -عقب الحديث-: ((والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم؛ قالوا في جلود الميتة: إذا دبغت فقد طهرت، قال الشافعي: أيما إهاب ميتة دبغ فقد طهر، إِلَّا الكلب والخنزير، واحتجَّ بهذا الحديث. وقال بعضُ أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: إنهم كرهوا جلود السباع وإن دُبِغَ، وهو قول عبد الله بن المبارك، وأحمد، وإسحاق، والحميدي، وشددوا في لُبْسِهَا والصلاة فيها؛ قال إسحاق بن إبراهيم: إنما معنى قول رسول الله ﷺ : ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ))، جلدُ ما يؤكل لحمه، هكذا فسره النضر بن شميل. وقال إسحاق: قال النضر بن شميل: إنما يقال الإهاب لجلد ما يؤكل لحمه)) (السنن ط. شاكر ٤/ ٢٢١) (١).
стр. 2008
وقال ابن عبد البر: ((والذي عليه أكثر أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم من أئمة الفتوى: أن جلد الميتة؛ دباغه طهور كامل له، تجوز بذلك الصلاة عليه، والوضوء، والاستقاء، والبيع، وسائر وجوه الانتفاع.
وهو قول سفيان الثوري، وأبي حنيفة، والكوفيين، وقول الأوزاعي في جماعة أهل الشام، وقول الشافعي وأصحابه، وابن المبارك، وإسحاق، وهو قول عبيد الله بن الحسن، والبصريين، وقول داود، والطبري.
وهو قول جمهور أهل المدينة، إلا أن مالكًا كان يرخص في الانتفاع بها بعد الدباغ، ولا يرى الصلاة فيها، ويكره بيعها، وشراءها.
وعلى ذلك أصحابه، إلا ابن وهب، فإنه يذهب إلى أن دباغ الإهاب طهور كامل له في الصلاة، والوضوء، والبيع، وكل شيء)) (الاستذكار ١٥/ ٣٤٣).
[التخريج]:
[م ٣٦٦ ((واللفظ له)) / د ٤٠٧٥/ طا ١٤٣٧/ أم ٣٢/ شف ٥٨/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٩٢) / منذ ٨٤٠/ طح (١/ ٤٦٩/ ٢٧٠١) / مشكل ٣٢٤٤/ قط ١١٤/ مسن ٨٠٥/ بشن ٤٨٩/ بغ ٣٠٣/ بغز ١٥٠/ هق ٦٧/ هقع ٥٣٣/ هقخ ٥٢، ٥٣/ عط (حاكم ٧٤) / كر (٣٤/ ٢٠٧
стр. 2009
- ٢٠٩) / مطغ ٣٥٧/ إمام (١/ ٣٠٣) / ذهبي (١/ ٢٦١)].
[السند]:
قال مسلم (٣٦٦/ ١٠٥): حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم أن عبد الرحمن بن وعلة أخبره، عن عبد الله بن عباس، به.
وتابع سليمان بن بلال، مالك بن أنس، وعبد العزيز الدراوردي:
فأخرجه مالك في (الموطأ) -وعنه الشافعي في (المسند) -: عن زيد بن أسلم، به، مثله.
وأخرجه الدارقطني في (السنن ١١٤) من طريق ابن أبي مذعور، وأخرجه أبو نعيم في (المستخرج ٨٠٥) من طريق قتيبة بن سعيد، كلاهما: عن عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، به.
[تنبيهان]:
الأول: قال ابن عبد الهادي: ((زعم بعضهم أن حديث ابن وعلة متفقٌ عليه، وليس كذلك، بل انفرد بإخراجه مسلم)) (تنقيح التحقيق ١/ ١٠٩).
الثاني: غمز الإمام أحمد في هذا الحديث لأجل عبد الرحمن بن وعلة؛ حيث ذكر له حديث ابن وعلة هذا، فقال: ((ومن ابن وعلة؟ )) (الميزان ٢/ ٥٩٦)، و (البدر المنير ١/ ٥٨٦). فكأنه لم يعرفه، وهذا لا يضر؛ فعبد الرحمن بن وعلة؛ احتجَّ به مسلم، ووثقه ابن معين، والنسائي، والعجلي، ويعقوب بن سفيان، كما في (تهذيب التهذيب ٦/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٥/ ١٠٥)، وقال في (مشاهير علماء الأمصار ٩٣٧): ((من ثقات أهل مصر ممن صحب ابن عباس زمانًا وكان
стр. 2010
متقنًا يتعبد)). وهذا من توثيق ابن حبان المقبول الذي لا مغمز فيه.
قال ابن الملقن: ((هذا وقد ذكر الحافظ أبو سعيد بن يونس في (تاريخ مصر): أنه كان شريفًا بمصر في أيامه، وله وفادة على معاوية، وصار إلى إفريقية، وبها مسجده، ومواليه، وهذه شهرة شهيرة، على رواية الجماعة عنه، مع تخريج مالك لحديثه في (الموطأ))) (البدر المنير ١/ ٥٨٥).
وقال أبو حاتم: ((شيخ)) (الجرح والتعديل ٥/ ٢٩٦)، فكون أحمد لم يعرفه لا يضره مع توثيق هؤلاء الأئمة له، ولذا اعتمد الذهبي في (الكاشف ٣٣٣٩) توثيق ابن معين، والنسائي له، فليس في كلام أحمد ما يدلُّ على تضعيفه له، لا جَرَمَ أن قال ابن دقيق العيد: ((وليس يُعْلَمُ في ابنِ وَعْلَةَ مَطْعَن)) (البدر المنير ١/ ٥٨٥).
فقول الحافظ في (التهذيب): ((وذكره أحمد فضعَّفه في حديث الدباغ))، فيه نظر ظاهر، وكذا قوله في (التقريب ٤٠٣٩): ((صدوق))! .
* وأعله الأثرم بالاضطراب، حيث إِنَّ ابن وعلة رواه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ مصرحًا بالسماع منه، ورواه عبيد الله بن عبد الله عنه، عن ميمونة، عن النبي ﷺ ، ورواه عكرمة عنه، عن سودة، كما تقدم.
قال الأثرم: ((فهذا حديث ابن عباس قد اضطربوا فيه: مرة يجعلونه سماعًا لابن عباس من النبي ﷺ ، ومرة عن ميمونة، ومرة عن سودة، فاضطرب الحديث لاختلافه)) (الإمام لابن دقيق العيد ١/ ٣٠١).
وقد تقدم في حديث ميمونة دفع هذه العلة، وأن هذا الخلاف لا يضر، وأن كل هذه الوجوه محفوظة عن ابن عباس، ولا تعارض بينها، كما ذهب إلى ذلك البخاري، وابن المنذر، وغيرهما، لا سيَّما ومتونها متغايرة، مما يدل على أنها ثلاثة أحاديث وليست حديثًا واحدًا.
стр. 2011
رواية: ((دِبَاغُهُ طَهُورُهُ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فَرْوًا، فَمَسِسْتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ (نَغْزُو) ١ بِالْمَغْرِبِ، وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ (وَإِنَّهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ) ٢، نُؤْتَى بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ، وَنَحْنُ لا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَأْتُونَا بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ [الَّلبَنَ وَ] ١ [الْمَاءَ وَ] ٢ الْوَدَكَ، [فَقَالَ [ابْنُ عَبَّاسٍ] ٤: اشْرَبْ، فَقُلْتُ: أَرَأْيٌ تَرَاهُ؟] ٣ [أَوْ شَيءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟] ٥ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: ((دِبَاغُهُ طَهُورُهُ)).
[الحكم]: صحيح (م)، عدا الروايات، والزيادة الأولى، والرابعة، والخامسة، وهي صحيحةٌ.
[الفوائد]:
قال النووي: ((وفي حديث ابن وعلة عن ابن عباس دلالة لمذهب الأكثرين أنه -يعني: جلد الميتة- يطهر ظاهره وباطنه، فيجوز استعماله في المائعات، فإن جلود ما ذكَّاه المجوس نجسة، وقد نصَّ على طهارتها بالدباغ، واستعمالها في الماء والودك)) (شرح مسلم ٤/ ٥٤).
[التخريج]:
[م (٣٦٦/ ١٠٦) ((واللفظ له))، (٣٦٦/ ١٠٧) ((والزيادة الثانية والثالثة له)) / ن ٤٢٨٠ ((والزيادة الأولى، والرابعة، والخامسة، والرواية الأولى والثانية له ولغيره)) / كن ٤٧٦٤/ مي ٢٠١١ ((مختصرًا))، ٢٦٠١ ((مطولًا)) / عه ٦٣٣، ٦٣٤/ طب (١٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥/ ١٢٩٧٨،
стр. 2012
١٢٩٧٩) / طس ٣٢٠٣/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٩٥ - ١١٩٧) / منذ ٨٤١/ طح (١/ ٤٧٠) / مشكل ٣٢٤٦/ مسن ٨٠٧، ٨٠٨/ حداد ٣٨٥، ٣٨٦/ هقغ ٢١٠/ هق ٥٣، ٨٥، ٤١٩١/ سراج (نخب ٧/ ١٨٣) / تمهيد (٤/ ١٧٤) / كما (٢٢/ ٢٥) / دمياط (السابع ١)].
[السند]:
قال مسلم: حدثني إسحاق بن منصور، وأبو بكر بن إسحاق -قال أبو بكر: حدثنا، وقال ابن منصور: أخبرنا- عمرو بن الربيع، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدَّثه قال: رأيت على ابن وعلة السبئي فروًا فمسسته ... الحديث.
ثم قال مسلم أيضًا: وحدثني إسحاق بن منصور، وأبو بكر بن إسحاق، عن عمرو بن الربيع، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن جعفر بن ربيعة، عن أبي الخير حدثه قال: حدثني ابن وعلة السبئي، قال: سألت عبد الله بن عباس ... فذكره بنحوه.
ورواه النسائي، والطحاوي: عن الربيع بن سليمان بن داود، عن إسحاق بن بكر بن مضر قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، به.
ورواه أحمد: عن بهز، وعفان، عن حماد بن سلمة، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، بنحوه.
ورواه الدارمي: من طريق القعقاع بن حكيم، عن عبد الرحمن بن وعلة، به.
تحقيق الروايات والزيادات:
أما الزيادة الأولى، والرابعة، والخامسة، والرواية الأولى: فأخرجها النسائي في
стр. 2013
(المجتبى ٤٢٨٠)، وفي (السنن الكبرى ٤٧٦٤)، والطحاوي في (المشكل ٣٢٤٦) عن الربيع بن سليمان بن داود، عن إسحاق بن بكر بن مضر، عن أبيه، عن جعفر بن ربيعة، عن أبي الخير، عن ابن وعلة، عن ابن عباس، به.
وهذا إسنادٌ رجاله كلهم ثقات، فالربيع بن سليمان هو الجيزي المصري: ((ثقة))، (التقريب ١٨٩٣).
وإسحاق بن بكر بن مضر: وثقه ابن يونس، وابن حبان، وقال أبو حاتم: ((لا بأس به))، (تهذيب التهذيب ١/ ٢٢٨)، وكذا وثقه الخليلي (الإرشاد ١/ ٢٢٣)، والذهبي في (الكاشف ٢٨٨).
وأبوه بكر بن مضر: ثقةٌ ثبت من رجال الشيخين (التقريب ٧٥١).
وجعفر بن ربيعة، هو أبو شرحبيل المصري: ثقةٌ من رجال الشيخين (التقريب ٩٣٨).
وأبو الخير: هو مرثد بن عبد الله اليزني: عالم الديار المصرية، ومفتيها، ثقة من رجال الشيخين (التقريب ٦٥٤٧) وانظر: (السير ٤/ ٢٨٤).
وابن وعلة تقدمت ترجمته وأنه ثقة.
стр. 2014
روايةُ: ((وَأَكْثَرُ أَسْقِيَتِهِمْ جُلُودُ الْمَيْتَةِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرَةٌ: ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: إِنَّا نَغْزُو هَذَا الْمَغْرِبَ، وَأَكْثَرُ أَسْقِيَتِهِمْ جُلُودُ الْمَيْتَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: ((دِبَاغُهَا طَهُورُهَا)).
[الحكم]: إسناده صحيحٌ.
[التخريج]: [حم ٢٥٢٢، ٢٥٣٨ ((واللفظ له)) / عف (خلال ٢٣٢) / جش ١٤].
[السند]:
أخرجه أحمد في (المسند ٢٥٢٢، ٢٥٣٨) عن عفان بن مسلم، وبهز بن أسد -فرَّقهما-: عن حماد بن سلمة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]: هذا إسنادٌ صحيحٌ رجاله كلهم ثقات.
стр. 2015
روايةُ: ((أَيُّمَا إِهَابٍ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)).
[الحكم]: صحيحٌ، وهو عند مسلم ولكن لم يذكر متنه، وصححه الترمذي، والطحاوي، وابن عبد البر، والبغوي، وأبو العباس القرطبي، والنووي، وابن الملقن، وابن حجر، والألباني.
[الفوائد]:
قال ابن عبد البر: ((وأما قوله ﷺ : ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ))؛ فإنه يقتضي عمومه جميع الأهب، وهي الجلود كلها، لأَنَّ اللفظ جاء في ذلك مجيء عموم لم يخص شيئًا منها. وهذا أيضًا موضع اختلاف وتنازع بين العلماء: فأما مالك وأكثر أصحابه فالمشهور من مذهبهم أن جلد الخنزير لا يدخل في عموم قوله ﷺ : ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ))؛ لأنه محرم العين حيًّا وميتًا، جلده مثل لحمه لا يعمل فيه الدباغ، كما لا تعمل في لحمه الذكاة، ولهم في هذا الأصل اضطراب)) (التمهيد ٤/ ١٧٦).
ثم ذكر عن سحنون جواز الانتفاع بلحم الخنزير، وقال: ((قول سحنون هذا هو قول محمد بن عبد الحكم، وقول داود بن علي وأصحابه، وحجتهم ((ما حدثناه .... عن عبد الرحمن بن وعلة أنه قال لابن عباس: إِنَّا قَوْمٌ نَغْزُو أَرْضَ الْمَغْرِبَ، وَإِنَّمَا أَسْقِيَتُنَا جُلُودَ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَيُّمَا مَسْكٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)). حملوه على العموم في كل جلد، قال أبو عمر: يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلود المعهود الانتفاع بها، وأما جلد الخنزير فلم يدخل في هذا المعنى؛ لأنه لم يدخل في السؤال؛ لأنه غير معهود الانتفاع بجلده إذ لا تعمل الذكاة فيه.
стр. 2016
وإنما دخل في هذا العموم -والله أعلم- من الجلود: ما لو ذكي لاستغني عن الدباغ. يحتمل أن يكون جلد الخنزير غير داخل في عموم هذا الخبر؛ لأنه إنما حرم على عموم المسوك كالتي إذا ذكيت استغنت عن الدباغ، وأما جلد الخنزير فالذكاة فيه والميتة سواء؛ لأنه لا تعمل فيه الذكاة)) (التمهيد ٤/ ١٧٨).
[التخريج]:
[م ٣٦٦ ((ولم يسق متنه)) / ت ١٨٢٦/ ن ٤٢٧٩/ كن ٤٧٦٣/ جه ٣٦٣٤/ حم ١٨٩٥ ((واللفظ له))، ٢٤٣٥، ٣١٩٨/ مي ٢٠١٠/ حب ١٢٨٢، ١٢٨٣/ عه ٦٣١، ٦٣١، ٦٣٢/ عب ١٩٠/ ش ٢٥٢٦٦/ عل ٢٣٨٥/ حمد ٤٩٢/ طس ٧٢٨٩/ طص ٦٦٨/ شف ٥٧/ أم ٣١/ غحر (٣/ ١١٣٩) ((والرواية له)) / منذ ٨٣٩/ مشكل ٣٢٤٣/ طح (١/ ٤٦٩/ ٢٦٩٩) / مسن ٨٠٤، ٨٠٦/ أقران ٢٥٢/ سمرقندي (فوائد ١٧) / جا ٦١، ٨٧٤/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٩١، ١١٩٣، ١١٩٤) / هق ٤٩/ هقع ٥٣٢، ٥٠٣٥/ هقغ ٢٠٩/ سعدان ٧٤/ فة (٢/ ٤٨٤)، (٢/ ٥٣٠) / حل (١٠/ ٢١٨) / خط (٢/ ٢٩٤)، (١٠/ ٣٣٧) / أصبهان (٢/ ٢٠٩) / تمهيد (٤/ ١٧٥) / تحقيق ٧٢، ٧٣/ محلى (١/ ١١٨ - ١١٩) / تمام ١٧٦٣/ بغ ٣٠٣/ شخل (٣/ ٨٦٥) / كما (١٧/ ٤٧٩) / عد (٣/ ٩١) / حنف (حارثي ٤١١) / خبر (١/ ٤٩١)].
[السند]:
أخرجه أحمد (١٨٩٥)، والشافعي في (الأم ٣١)، و (المسند ٥٧)، وابن أبي شيبة في (المصنف ٢٥٢٦٦) -وعنه مسلم في (الصحيح) مقرونًا بعمرو الناقد-، والحميدي في (مسنده ٤٩٢) أربعتهم: عن سفيان بن
стр. 2017
عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، به. ولم يذكر مسلم متنه.
وأخرجه الترمذي: عن قتيبة، عن ابن عيينة -وقرنه بعبد العزيز بن محمد الدراوردي (١) -: عن زيد بن أسلم، به.
وأخرجه النسائي (٤٢٧٩) عن قتيبة، وعلي بن حجر، عن سفيان بن عيينة، به.
وكذا رواه غير واحد عن ابن عيينة، وقد تابعه على هذا اللفظ: سفيان الثوري؛
قال مسلم أيضًا: وحدثنا أبو كريب، وإسحاق بن إبراهيم، جميعًا: عن وكيع، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، به. ولكنه لم يذكر متنه.
وقد أخرجه إسحاق في (مسنده) -كما في (موافقة الخبر ١/ ٤٩٢) -ومن طريقه أبو نعيم في (المستخرج ٨٠٦) -: عن وكيع به بهذا اللفظ.
وأخرجه أبو نعيم في (المستخرج ٨٠٦) أيضًا من طريق أبي كريب، عن وكيع به بهذا اللفظ.
وكذا أخرجه عبد الرزاق (١٩٠) -وعنه أحمد (٢٤٣٥) -: عن الثوري، عن زيد بن أسلم قال: حدثني عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، قال: قُلْتُ لَهُ: إِنَّا نَغْزُو أَهْلَ الْمَشْرِقِ فَنُؤْتَى بِالأُهُبِ بِالأَسْقِيَةِ، قَالَ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَد طَهُرَ)).
وأخرجه أحمد (٣١٩٨): عن ابن مهدي.
стр. 2018
والدارمي (٢٠١٠): عن محمد بن يوسف (الفريابي).
وأبو عوانة في (مستخرجه ٥٦١) من طريق الفريابي، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وعبيد الله بن موسى.
وكذا، رواه أبو نعيم في (المستخرج على مسلم ٨٠٦) من طريق أبي نعيم.
كلهم: عن الثوري، عن زيد بن أسلم، عن ابن وعلة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيحين، عدا ابن وعلة فمن رجال مسلم وهو ثقة، كما تقدم.
ولذا قال الترمذي -عقبه-: ((حديث ابن عباس حسن صحيحٌ، وقد رُوِيَ من غير وجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ نحو هذا)).
وصححه أيضًا الطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٩)، وابن عبد البر في (التمهيد ٤/ ١٦٨)، والبغوي في (شرح السنة ٢/ ٩٧)، وأبو العباس القرطبي في (المفهم ٤/ ٤٦٣)، والنووي في (المجموع ١/ ٢١٧)، وابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٥٨٤)، وابن حجر في (موافقة الخبر ١/ ٤٩١)، والألباني في (غاية المرام ٢٨).
وكذا رواه إبراهيم الحربي في (غريب الحديث ٣/ ١١٣٩) عن مسدد، عن يحيى القطان، عن مالك، عن زيد بن أسلم، به بهذا اللفظ.
وقد تابع زيد بن أسلم على هذا اللفظ، يحيى بن سعيد الأنصاري.
أخرجه أبو عوانة في (مستخرجه ٦٣٥) قال: ((حدثنا أحمد بن عثمان
стр. 2019
الأودي، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا جعفر بن زياد، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِه المُسُوكِ المَيْتَةِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَد طَهُرَ)).
وهذا إسنادٌ حسنٌ، فرجاله كلهم ثقات، عدا جعفر بن زياد الأحمر فـ ((صدوق))، كما في (التقريب ٩٤٠).
وأبو غسان هو مالك بن إسماعيل: ((ثقة متقن)) من رجال الشيخين (التقريب ٦٤٢٤).
[تنبيه]:
تقدم أن مسلمًا ﵀ لم يصرح بلفظ هذه الرواية في (صحيحه)، وإنما اكتفى بذكر سندها مع الإشارة إليها، وقد عزاه بعضهم بهذا اللفظ لمسلم، كالبيهقي في (الكبرى ٤٩)، وابن الجوزي في (التحقيق ٧٢)، والمزي في (تحفة الأشراف ٥٨٢٢).
وقد انتقد ذلك الزيلعي فقال: ((واعلم أن كثيرًا من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين عزوا هذا الحديث في كتبهم إلى مسلم، وهو وَهْمٌ، وممن فعل ذلك البيهقي في (سننه)، وإنما رواه مسلم بلفظ: ((إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ))، واعتذر عنه الشيخ تقي الدين في (كتاب الإمام) فقال: والبيهقي وقع له مِثْلٌ في (كتابه) كثيرًا، ويريد به أصل الحديث، لا كل لفظة منه، قال: وذلك عندنا معيب جدًّا إذا قصد الاحتجاج بلفظة معينة، لأَنَّ فيه إيهام أن اللفظ المذكور أخرجه مسلم، مع أن المحدثين أعذر في هذا من الفقهاء؛ لأَنَّ مقصود المحدثين الإسناد ومعرفة المخرج، وعلى هذا الأسلوب ألفوا كتب الأطراف، فأما الفقيه الذي يختلف نظره باختلاف اللفظ فلا ينبغي له أن
стр. 2020
يحتج بأحد المخرجين، إِلَّا إذا كانت اللفظة فيه)) (نصب الراية ١/ ١١٤).
وقال الحافظ في (النكت الظراف ٥/ ٥٣) -متعقبًا المزي-: ((قلت: لفظه -يعني: مسلمًا-: ((إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ)) ساقه عن سليمان الذي صدَّر به المزي، وأحال بقية الطرق عليه، مع أن لفظ أكثرهم: ((أَيُّمَا إِهَابٍ))، كما في رواية أصحاب السنن)).
وقد أخرجه الحافظ بهذا اللفظ في (موافقة الخبر الخبر)، ثم قال: ((هذا حديثٌ صحيحٌ؛ أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، فوافقناه فيه بعلو، ولكن لم يسق مسلم لفظه، فإنه أورده أولًا من رواية سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم، بلفظ: ((إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ))، ثم ساقه من رواية عبد العزيز بن محمد، ومن رواية سفيان بن عيينة، ومن رواية غيرهما، كلهم عن زيد بن أسلم، قال بمثله. ورواية عبد العزيز بن محمد أخرجها الترمذي عن قتيبة عنه، بلفظ: ((أَيُّمَا))، وأخرجه مسلم أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم، وأبي كُريب، كلاهما: عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، كذلك.
والحديث المذكور في مسند إسحاق، بلفظ: ((أَيُّمَا)) أيضًا، ولهذا الحديث نظائر في (كتاب مسلم)، يسوق الحديث على لفظ، ثم يورده من روايات أخرى مُحيلًا على الأول، وإنما كان بينهما تفاوت في اللفظ، وفي المعنى أيضًا، والله أعلم)) (موافقة الخبر ١/ ٤٩١ - ٤٩٢).
وقال في (الفتح): ((أخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: ((إِذَا دُبِغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهُرَ))، ولفظ الشافعي، والترمذي، وغيرهما، من هذا الوجه: ((إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ))، وأخرج مسلم إسنادها ولم يسق لفظها، فأخرجه أبو نعيم في (المستخرج) من هذا الوجه باللفظ المذكور)) (فتح الباري ٩/
стр. 2021
٦٥٨).
وقال الألباني: ((وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه لكنه لم يسق لفظه ... )) (غاية المرام ٢٨).
روايةُ: ((أَيُّمَا مَسْكٍ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّا نَغْزُو أَرْضَ الْمَغْرِبِ، وَإِنَّمَا أَسْقِيَتُنَا جُلُودُ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَيُّمَا مَسْكٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)).
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ.
[اللغة]:
المسك: هو الجلد، كما تقدم.
[التخريج]: [مشكل ٣٢٤٥ ((واللفظ له)) / طح (١/ ٤٧٠/ ٢٧٠١) / تمهيد (٤/ ١٧٨)].
[السند]:
أخرجه الطحاوي في (كتابيه)، قال: حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، به.
من طريق أبي غسان، عن زيد بن أسلم، به.
стр. 2022
وأخرجه ابن عبد البر في (التمهيد ٤/ ١٧٨) من طريق إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، قال: حدثنا زيد بن أسلم، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين غير ابن وعلة؛ فمن رجال مسلم، وهو ثقة، كما تقدم، وشيخ الطحاوي -وهو الربيع بن سليمان الجيزي-؛ فمن رجال أبي داود، والنسائي، وهو ثقة (التقريب ١٨٩٣)، وهو متابع.
والمتن يشهد له ما تقدم، فهو بمعناه.
روايةُ: ((كُلُّ إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهَرَ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّا نَغْزُو الْمَشْرِقَ فَنُؤْتَى بِأَسْقِيَةٍ لا نَدْرِي مَا هِيَ، قَالَ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((كُلُّ إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهَرَ)).
[الحكم]: صحيحٌ.
[التخريج]: [طي ٢٨٨٤/ نبلا (٧/ ٣٢٨)].
[السند]:
أخرجه أبو داود الطيالسي في (مسنده)، قال: حدثنا حماد بن سلمة،
стр. 2023
وخارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، به.
وأخرجه الذهبي في (سير أعلام النبلاء)، من طريق يحيى بن يحيى، عن خارجة، عن زيد بن أسلم، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه ثقاتٌ، عدا خارجة بن مصعب فمتروك، ولكنه مُتابع بحماد بن سلمة. ويشهد لهذه الرواية الروايات السابقة، فهي بنفس المعنى.
رِوَايةُ: ((دِبَاغِ كُلِّ إِهَابٍ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((دِبَاغُ كُلِّ إِهَابٍ طَهُورُهُ)).
[الحكم]: صحيحُ المتن بما سبق، وإسنادُهُ حسنٌ في المتابعات.
[التخريج]: [قط ١١٣/ ناسخ ١٦٢/ تحقيق (١/ ٨٧) / كر (٣٤/ ٢٠٩)].
[السند]:
أخرجه الدارقطني في (السنن) -وعنه ابن الجوزي-، وأخرجه ابن شاهين في (ناسخ الحديث)، كلاهما: عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، نا محمد بن بكار، نا فليح بن سليمان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة المصري، عن ابن عباس، به.
стр. 2024
وأخرجه ابن عساكر في (تاريخه)، من طريق أبي الحسن ابن الجندي، عن أبي القاسم البغوي، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا فليح بن سليمان، فمختلف فيه، لخصه الحافظ بقوله: ((صدوقٌ كثير الخطأ)) (التقريب ٥٤٤٣).
ويشهد لحديثه الروايات السابقة.
стр. 2025
رِوَايةُ: ((دِبَاغُهُا طَهُورُهَا)):
• وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ؟ فَقَالَ: ((دِبَاغُهُا طَهُورُهَا)).
[الحكم]: صحيحُ المتن كما تقدم، وإسناده منكرٌ.
[التخريج]: [كر (٣٤/ ٣٣)].
[السند]:
قال ابن عساكر: أخبرنا أبو الحسين بن أبي الحديد، أنا جدي أبو عبد الله، أنا أبو المعمر المسدد بن علي بن عبيد الله بن أبي السجيس الحمصي، نا أبو بكر محمد بن سليمان بن يوسف الربعي البندار بدمشق، أنا أبو بكر محمد بن تمام قراءة عليه، نا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي، نا الوليد بن مسلم، نا أخي عبد الجبار بن مسلم، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ منكرٌ؛ فيه: محمد بن تمام، وهو البهراني، قال ابن منده: ((حدَّث عن محمد بن آدم المصيصى بمناكير)) (ميزان الاعتدال ٣/ ٤٩٤).
قلنا: وهذا منها، فالمحفوظ في هذا الحديث عن محمد بن آدم وغيره، عن الوليد بن مسلم، عن أخيه عبد الجبار بن مسلم، به، عن ابن عباس قال: ((إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ لَحْمُهَا ... )).
ولذا قال ابن عساكر: ((كذا رواه ابن تمام وهو غير محفوظ، والمحفوظ ما
стр. 2026
أخبرنا أبو طالب علي بن عبد الرحمن ... )) وساق بسنده عن الوليد بن مسلم، عن أخيه، به، عن ابن عباس قال: ((إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ لَحْمُهَا فَأَمَّا الْجِلْدُ وَالْعَظْمُ وَالشَّعْرُ فَلَا بَأْسَ بِهِ)))) (تاريخ دمشق ٣٤/ ٣٤).
قلنا: وهذا ضعيفٌ أيضًا، وإِن كان هو المحفوظ عن الوليد؛ لضعف عبد الجبار بن مسلم، وسيأتي الكلام عليه في باب: ((ما جاء في شعر الميتة وصوفها وعظمها)).
روايةُ: ((ذَكَاةُ كُلِّ مَسْكٍ دِبَاغُهُ))، وَفِيهَا زِيَادَاتٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: قُلتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الْفِرَاءُ تُصْنَعُ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((ذَكَاةُ كُلِّ مَسْكٍ دِبَاغُهُ)) [فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا نُسَافِرُ مَعَ هَذِهِ الْأَعَاجِمِ وَمَعَهُمْ قُدُورٌ يَطْبُخُونَ فِيهَا الْمَيْتَةَ، وَلَحْمَ الْخَنَازِيرِ، فَقَالَ: مَا كَانَ مِنْ فَخَّارٍ فَاغْلُوا فِيهَا الْمَاءَ، ثُمَّ اغْسِلُوهَا، وَمَا كَانَ مِنَ النُّحَاسِ فَاغْسِلُوهُ، فَالْمَاءُ طَهُورٌ لِكُلِّ شَيْءٍ].
[الحكم]: ضعيفٌ جدًّا بهذا السياق، وضعَّفه الحافظ عبد الغني بن سعيد، وابن حجر.
[التخريج]: [ك ٧٣٤٩ ((والزيادة له)) / ضح (٢/ ٣٥٨) ((واللفظ له)) / لا ٥٦٧].
[السند]:
أخرجه الحاكم في (المستدرك)، قال: أخبرني محمد بن المؤمل بن
стр. 2027
الحسن، ثنا الفضل بن محمد الشعراني، ثنا نعيم بن حماد، ثنا أبو أسامةَ، حدثنا حماد بن السائب، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن الحارث، قال: سمعت ابن عباس ... فذكره.
ومداره عندهم على حماد بن السائب، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: حماد بن السائب، وهو محمد بن السائب الكلبي، كان أبو أسامة يسميه حمادًا، كما قال الدارقطني، وقد رواه عيسى بن يونس عن الكلبي -مصرحًا به غير مخفيه- عن إسحاق، به. كما سيأتي.
والكلبي هذا ((متهم بالكذب، ورمي بالرفض)) (التقريب ٥٩٠١)، فهو علة الحديث.
ولم يفطن لذلك الحاكم فقال: ((هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))! .
وتعقبه الحافظ ابن حجر، فقال: ((بل حماد بن السائب -هو ابن الكلبي- كذَّبوه وتركوه، وكان أبو أسامة يدلسه)) (إتحاف المهرة ٧/ ١٠).
وكذلك وَهِمَ فيه الحافظ حمزة بن محمد الكناني؛ قال الحافظ عبد الغني بن سعيد: ((قال لنا حمزة بن محمد لما أملى علينا هذا الحديث: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن حماد بن السائب غير أبي أسامة، وحماد هذا ثقة كوفي)) (موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٣٥٨)، وانظر: (فتح المغيث ٣/ ٢٠٩).
قال الحافظ عبد الغني: ((ثم قدم علينا أبو الحسن علي بن عمر -يعني:
стр. 2028
الدارقطني- بعد ذلك بسنين، فسألته عن هذا الحديث وعن هذا الرجل حماد بن السائب، فقال لي: الذي روى عنه أبو أسامة هو محمد بن السائب الكلبي إِلَّا أَنَّ أبا أسامة كان يسميه حمادًا)) اهـ.
قال عبد الغني: ((فتبين لي أن حمزة قد وَهِمَ من وجهين: أحدهما: أن جعل الرجلين واحدًا، والآخر: أن وَثَّقَ من ليس بثقة؛ لأَنَّ الكلبي عند العلماء غير ثقة)).
قال عبد الغني: ((ثم إني نظرت في كتاب (الكنى) لأبي عبد الرحمن النسوي، فوجدته قد وَهِمَ فيه، وهما أقبح من وَهْمِ حمزة بن محمد؛ رأيته قد أخرج هذا الحديث عن أحمد بن علي، عن أبي معمر، عن أبي أسامة حماد بن السائب، وإنما هو عن حماد بن السائب، فأسقط قوله: (عن)، وخفي عليه أن الصواب: عن أبي أسامة حماد بن أسامة، وأن حماد بن السائب هو الكلبي، والدليل على صحة قول شيخنا أبي الحسن علي بن عمر: أن عيسى بن يونس رواه عن الكلبي مصرحًا به غير مخفيه عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، قال: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الفِرَاءِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((دِبَاغُ كُلِّ أَدِيمٍ ذَكَاتُهُ)) (موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩)، وانظر: (الإمام ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
قلنا: وهذا الوَهْمُ الذي نسبه الحافظ عبد الغني لأبي عبد الرحمن النسائي؛ قد وقع فيه تلميذ النسائي أبو بشر الدولابي، فذكر في كتابه (الكنى والأسماء ١/ ٣٢٠) ممن كنيته أبو أسامة: ((أبو أسامة حماد بن السائب))، وقال: ((يُحَدِّثُ عنه أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم القطيعي، ثم ذكر له هذا الحديث، فلعله أخذه عن شيخه ﵀، والله أعلم.
стр. 2029
[تنبيه]:
لحديث ابن عباس روايات أخرى فيها ذكر الانتفاع بجلود الميتة، وأن دباغها طهورها، سبق تخريجها وتحقيقها في باب ((الانتفاع بجلود الميتة))، فانظرها هناك، وانظر الحديث التالي:
стр. 2030
٣٧٧ - حَدِيثٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((دِبَاغَهُ يُذْهِبُ خَبَثَهُ):
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ سِقَاءٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ مَيْتَةٌ، -[أَوْ لَيْسَتْ بِذَكِيَّةٍ]-؛ فَقَالَ: (([إِنَّ] دِبَاغَهُ يُذْهِبُ خَبَثَهُ، أَوْ رِجْسَهُ، أَوْ نَجَسَهُ)).
[الحكم]: ضعيفٌ بهذا اللفظ، كما قال الألباني، ومعناه صحيحٌ، يشهد له الأحاديث السابقة، وقد صححه: ابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي.
[التخريج]:
[حم ٢١١٧ ((والزيادة الثانية له))، ٢٨٧٨ ((واللفظ له)) / خز ١١٤/ ك ٥٧٤/ جعفر ٢٤٤/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٨٨ ((والزيادة الأولى له))، ١١٨٩، ١١٩٠) / ناسخ ١٦٣/ حاكم (معرفة ١/ ١٦٢) / حل (٥/ ٩٩) / أصبهان (٢/ ١٧٩) / هق ٥٠، ٥٣٥/ تمهيد (٤/ ١٦١) / فر (ملتقطة ٢/ ق ٧٧)].
[السند]:
رواه أحمد (٢٨٧٨) قال: حدثنا يحيى بن آدم.
ورواه أحمد أيضًا (٢١١٧): عن يزيد بن هارون.
ورواه الطبري في (تهذيب الآثار ١١٨٨): عن أبي كريب، عن وكيع.
ثلاثتهم: عن مسعر، عن عمرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أخيه، عن ابن عباس، به.
ومداره عندهم على مسعر بن كدام، به، كذلك (١).
стр. 2031
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لإبهام أخي سالم بن أبي الجعد، وقد قال الحافظ: ((سالم بن أبي الجعد عن أخيه؛ له خمسة إخوة: عبد الله، وعبيد، وزياد، وعمران، ومسلم)) (التقريب صـ ٧٣٢).
ولا ندري أيهم المراد، فلم يُسَّمَ في أيٍّ من طرق الحديث، ثم إنهم جميعًا لم يوثقهم معتبر، وإنما ذكر بعضهم ابن حبان في (الثقات).
وقد قال الحاكم عقبه: ((عبد الله بن عباس هاشمي، وعبيد الله بن أبي الجعد وأخوه سالم غطفانيان، وعمرو بن مرة جهني، ... )) (معرفة علوم الحديث صـ ١٦٢).
كذا أثبته محقق كتاب المعرفة في الأصل (عبيد الله)، وذكر أنه في ثلاث نسخ: (عبيد بن أبي الجعد)، ولعل الأخير هذا الأصوب، فهو المنصوص عليه في إخوة سالم، نصَّ عليه الإمام أحمد في (العلل - رواية عبد الله ٤٠٥)، وترجم له المزي في (تهذيب الكمال ١٩/ ١٩٥). أما عبيد الله، فلم نجد من ذكره أو ترجم له.
وقال البيهقي عقبه: ((هذا إسنادٌ صحيحٌ، وسألت أحمد بن علي الأصبهاني عن أخي سالم هذا؛ فقال اسمه عبد الله بن أبي الجعد)) (السنن الكبرى عقب رقم ٥٠).
قلنا: وهذا كلُّه ظنٌّ محضٌ، لا دليل على هذا ولا ذاك، وتصحيح الأحاديث بالظن والاحتمال لا يجوز، وقد سبق البيهقيَّ بتصحيح الحديث: ابنُ خزيمة؛ حيث أخرجه في (صحيحه).
стр. 2032
وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيحٌ، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه)).
قلنا: كذا قال، وعلته ظاهره وهي إبهام أخي سالم، فهو مجهولٌ لا يعرف.
وقد ضعَّفه الألباني فقال: ((ضعيف بهذا اللفظ))، ثم ذكر كلام البيهقي الذي فيه عبد الله بن أبي الجعد، فقال متعقبًا: ((لم يوثقه غير ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول الحال، وقال الذهبي في (الميزان): وعبد الله هذا وإن كان قد وُثِّقَ ففيه جهالة))، ثم تعقب الذهبي في موافقة الحاكم على تصحيحه في (تلخيص المستدرك) (غاية المرام صـ ٣٤ - ٣٥).
قلنا: وكلامه في عبد الله موفق، وهو على فرض صحة أن المراد هنا هو عبد الله، وأما تعقبه للذهبي، فلا نوافقه عليه، فالذهبي يلخص كتاب الحاكم وحسب، فربما نشط وتعقبه، وربما لخص كلامه -كما هو- وسكت، وهذا دأب الذهبي في كل الكتب التي لخصها، كـ (المهذب في اختصار السنن الكبير للبيهقي) و (تلخيص العلل المتناهية) وغير ذلك.
والقاعدة: أنه لا ينسب لساكت قول، إلا إذا نقله في معرض الاحتجاج، أو نصَّ هو نصًّا صريحًا، أنه إذا نقل كلام فلان أو فلان من العلماء وسكت عنه، فأنا مقرٌ له، كما نصَّ ابن الملقن في (مقدمة البدر المنير) على ذلك مع الحاكم؛ حيث قال: ((واعلم أيُّها الناظر في هذا الكتاب إذا رأيتَنَا نقلنا عن الحاكم تصحيحًا لحديث، وسكتنا عليه، فشُدَّ على ذلك يديك، فإنا سبرنا إسناده، ويكون الأمر كما قاله. وما لم يكن كذلك، فإنا نشفعه بالاعتراض عليه -إن شاء الله تعالى-)) (البدر المنير ١/ ٣١٦) ـ.
стр. 2033
[تنبيه]:
روى الطبري هذا الحديث في (تهذيب الآثار ١١٩٠) عن سفيان بن وكيع، عن جرير، عن مسعر، عن عمرو، عن سالم، عن ابن عباس، به.
فجعله من حديث سالم عن ابن عباس، ولم يذكر فيه: (عن أخيه)، وهذا إِنْ لم يكن سقطًا في المطبوع، فهو وَهْمٌ من سفيان بن وكيع، والكلام فيه معروف، وقد رواه الثقات عن مسعر وقالوا فيه: عن (سالم عن أخيه) كما سبق.
стр. 2034
٣٧٨ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)).
[الحكم]: صحيح المتن بما سبق، وإسنادُهُ مُختلَفٌ فيه: فحسَّنه الدارقطني -وأقرَّه ابن الجوزي، وابن دقيق العيد، وابن عبد الهادي، والزيلعي، وابن الملقن-، وصححه ابن حجر، والسيوطي.
وأنكره أبو أحمد الحاكم، والذهبي، وغيرهما، وهو أقرب.
[التخريج]:
[قط ١٢١ ((واللفظ له)) / علقط (١٢/ ٣٦٥) / حرف (رواية الأنصاري ٥٣) / مزكي ١٩/ محد (٤/ ٤٢، ٥٠ مكررًا) / خط (١٤/ ٤٩٨) / متشابه (١/ ١١٤) / تحقيق ٧٥/ كما (٢٣/ ٦١٢ - ٦١٣)].
[التحقيق]:
مدار هذا الحديث على حفص بن عبد الله السلمي، عن إبراهيم بن طهمان، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر، به.
وقد رُوِيَ من طريقين عن حفص:
الأول:
أخرجه الدارقطني في (السنن)، و (العلل)، قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا محمد بن عقيل بن خويلد، حدثنا حفص بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، به.
ورواه أبو الشيخ في (طبقات المحدثين): عن عبد الله بن الحسين
стр. 2035
النيسابوري.
ورواه أبو القاسم الحرفي في (فوائده) من طريق أحمد بن عمرو الجرجاني.
ورواه الخطيب في (تلخيص المتشابه) من طريق أبي حامد النيسابوري (المعروف بابن الشرقي).
ورواه في (تاريخ بغداد) من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن سليمان بن فارس.
جميعهم: عن محمد بن عقيل بن خويلد، عن حفص بن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، رجال الصحيح، عدا حفص بن عبد الله السلمي، ومحمد بن عقيل، فأما حفص بن عبد الله: فهو صدوقٌ، كما في (التقريب ١٤٠٨).
وأما محمد بن عقيل بن خويلد: فقد وثقه النسائي، وقال أبو أحمد الحاكم: ((حدَّث عن حفص بن عبد الله بحديثين لم يتابع عليهما، ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبلاء)) (التهذيب ٢٦/ ١٢٨)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٩/ ١٣٩)، وقال: ((ربما أخطأ؛ حدَّث بالعراق بمقدار عشرة أحاديث مقلوبة)). ولخص حاله الحافظ، فقال: ((صدوقٌ، حدَّث من حفظه بأحاديث فأخطأ في بعضِها)) (التقريب ٦١٤٦).
وقد تفرَّد بهذا الحديث عن حفص بن عبد الله، كما قال الدارقطني في تخريجه لحديث أبي إسحاق المزكي في (المزكيات ص ٨٧)، وكذا قال الذهبي في (الميزان ٣/ ٦٤٩).