وقال ابن شاهين: ((وهذا الحديث فمشهور بعبد الله بن عكيم، وليس له لقاء لهذا الحديث)) (ناسخ الحديث صـ ١٥٣).
وَعَدَّ جماعة من أهل العلم هذا الخلاف على ابن عكيم اضطرابًا يُضعف به الحديث، ويوجب التوقف عن الاحتجاج به:
فثبت عن الإمام أحمد بن حنبل التوقف عن القول بهذا الحديث؛ لأجل هذه العلة، بعدما اشتهر عنه القول بتصحيحه والاحتجاج به (١)؛ قال الترمذي: سمعت أحمد بن الحسن (٢) يقول: ((كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: هذا آخر أمر النبي ﷺ )، ثم ترك أحمد هذا الحديث؛ لما اضطربوا في إسناده، حيث رَوى بعضُهم، فقال: (عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ من جهينة))) (السنن
стр. 2137
عقب رقم ١٨٢٧).
وقال محيي السنة البغوي -حاكيًا عن الإمام أحمد-: ((ترك القول به للاضطراب في إسناده، فإنه يُروى عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ لهم)) (شرح السنة ٢/ ٩٩).
وقال الحازمي في (الاعتبار صـ ٥٧): ((قد حكى الخلال في كتابه: أن أحمد توقف في حديث ابن عكيم لما رأى تزلزل الرواة فيه، وقال بعضُهم: رجع عنه)).
وقال ابن عبد البر -بعد أن حكى هذا الخلاف-: ((وهذا اضطراب كما تَرى يوجب التوقف عن العمل بمثل هذا الخبر)) (التمهيد ٤/ ١٦٤)، وانظر: (الاستذكار ١٥/ ٣٤٥).
وقال ابن العربي المالكي: ((وأما حديث ابن عكيم؛ فرواه جماعة عن عبد الله بن عكيم: أتانا كتاب النبي ﵇، ورويت عنه أخرى عن عبد الله عكيم عن أشياخ من جهينة؛ فصار مضطربًا مجهولًا)) (عارضة الأحوذي ٧/ ٢٣١).
وقال أبو السعادات ابن الأثير: ((ثم الحديث مضطرب الإسناد، فإنه رُوِيَ مرة عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ له من جهينة)) (الشافي في شرح مسند الشافعي ١/ ١٣٠).
وقال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي: ((قد اعتمد الأصحاب على هذا الحديث وهو ضعيفٌ في إسناده، قابلُ التأويل في مراده)). قال ابن دقيق العيد في (شرح الإلمام): ((قوله: (ضعيف في إسناده): لا يحمل على الطعن في الرجال؛ فإنهم ثقات إلى عبد الله بن عكيم، وإنما ينبغي أن
стр. 2138
يحمل على الضعف بسبب الاضطراب، كما نقل عن الإمام أحمد)) (البدر المنير ١/ ٥٩١).
وقد أعلَّه بالاضطراب أيضًا: ابن الجوزي في (ناسخ الحديث ومنسوخه صـ ٨١)، و (إخبار أهل الرسوخ صـ ٣٠ - ٣١)، وبدر الدين العيني في (البناية شرح الهداية ١/ ٤١٣)، و (عمدة القاري ٩/ ٨٨)، والصنعاني في (سبل السلام ١/ ٤٢) (١).
* فإن قيل: قد جمع ابن حبان بين هاتين الروايتين التي فيهما: ((عن ابن عكيم، قال: قرئ علينا أو أتانا كتاب رسول الله ﷺ )، والرواية الأخرى: ((عن عبد الله بن عكيم، قال: حدثنا مشيخة لنا، أن رسول الله ﷺ كتب إليهم)).
فقال: ((هذه اللفظة (حدثنا مشيخة لنا من جهينة)، أوهمت عَالَمًا من الناس أن الخبر ليس بمتصل، وهذا مما نقول في كتبنا: إِنَّ الصحابي قد يشهد النبي ﷺ ويسمع منه شيئًا، ثم يسمع ذلك الشيء عن من هو أعظم خطرًا منه عن النبي ﷺ ، فمرة يخبر عما شاهد، وأخرى يروي عمن سمع، ألا ترى أن ابن عمر شهد سؤال جبريل رسول الله ﷺ عن الإيمان، وسمعه عن عمر بن الخطاب، فمرة أخبر بما شاهد، ومرة روى عن أبيه ما سمع، فكذلك عبد الله بن عكيم شهد كتاب المصطفى ﷺ حيث قرئ عليهم في جهينة، وسمع مشايخ جهينة يقولون ذلك، فأدى مرة ما شهد، وأخرى ما
стр. 2139
سمع، من غير أن يكون في الخبر انقطاع)).
يعني ابن حبان بما ذكره: أن ابن عكيم سمع بنفسه الكتاب يُقرأ، وحدَّثَه بذلك أيضًا مشايخ جهينة، فحدَّث به تارة هكذا، وتارة هكذا.
وهذا الجمع فيه نظر؛ لأَنَّ الذي عليه أئمة الحديث أنه لا يُصار إلى الجمع بين الإسناد الناقص والزائد، إِلَّا إذا صرَّح بالتحديث في موضع النقصان، وأما إِنْ رَواه بصيغة محتملة، فالحكم للزائد.
قال ابن الصلاح: ((قد ألَّفَ الخطيبُ الحافظ في هذا النوع كتابًا سمَّاه ((كتاب تمييز المزيد في متصل الأسانيد))، وفي كثير مما ذكره نظر، لأَنَّ الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إِن كان بلفظة (عن) في ذلك، فينبغي أن يحكم بإرساله، ويجعل معللًا بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد، وإِن كان فيه تصريح بالسماع أو بالإخبار، فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه منه نفسه)) (معرفة أنواع علوم الحديث صـ ٢٨٧ - ٢٨٨).
وقال الحافظ ابن حجر: ((إِن كانت المخالفة بزيادة رَاوٍ في أثناء الإسناد، ومن لم يزدها أتقن ممن زادها، فهذا هو (المزيد في متصل الأسانيد)، وشرطه أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة، وإلا فمتى كان معنعنًا مثلًا، ترجحت الزيادة)) (نزهة النظر صـ ٩٥).
وقوله في الرواية الأولى: (أتانا كتاب، أو قرئ علينا ونحوها) محتمل، وليس صريح في السماع، فمن الجائز في لغة العرب أن يكون مراده: أي: قرئ على قومنا، أو أتى قومنا، وهذا موجود مثله في كثير من الأحاديث. وبنحو هذا قال الطحاوي في (شرح مشكل الآثار ٨/ ٢٨٢ - ٢٨٤)، والألباني في (الإرواء ١/ ٧٨)، إِلَّا أَنَّ الشيخ الألباني -رحمة الله عليه-
стр. 2140
جزم أن قوم ابن عكيم الذين أخبروه بهذا الخبر من الصحابة، واعتمد على ذلك في تصحيح الحديث.
ولا يخفى ما في ذلك من نظر، فلو ثبت أنهم من الصحابة ما تردد أحد من الأئمة في تصحيحه، ولكن هذا مجرد احتمال، ولا تصحح الأحاديث عن رسول الله ﷺ بالظنِّ والاحتمال، بل الأصل فيه الاحتياط، ولهذا جزم أئمة الحديث ونقاده، بإعلال الحديث بمجرد وقوفهم على هذه الرواية التي زاد فيها ذكر المشيخة، فها هو الإمام أحمد بعد أَنِ اشتهر عنه القول بتصحيح هذا الحديث والاحتجاج به؛ توقف فيه ورجع عن القول به؛ لما روى بعضُهم عن ابن عكيم أنه قال: (حدثنا الأشياخ)، وقد تقدم تصريح ابن معين وغيره من الأئمة بتضعيف الحديث لهذه العلة.
هذا فضلًا عن مخالفة ظاهره للأحاديث الصحاح المتقدمة في إباحة الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ، ولهذا قدمها جماعة عليه، وغمزوه بها، ومنهم من جمع بينهما:
ولهذا سُئِلَ ابن معين: أيما أعجب إليك من هذين الحديثين ((لَا يُنْتَفَعُ مِنَ الْمَيْتَةِ بِإهَابٍ وَلَا عَصَبٍ))، أو هذا الحديث ((دِبَاغُهَا طَهُورُهَا))؟ فقال: ((((دِبَاغُهَا طَهُورُهَا)) أعجبُّ إليَّ)) (تاريخ ابن معين - رواية الدوري ٣/ ٢٥٠).
وقال النسائي -عقب حديث ابن عكيم-: ((أصحُّ ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دُبغت؛ حديث الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، والله تعالى أعلم)) (المجتبى عقب حديث ٤٢٨٩).
وقال ابن المنذر: ((ابن عكيم لم يسمع ذلك من النبي ﷺ وليست له صحبة، إنما روى ذلك عن مشيخة من جهينة لم يسمهم وما يدر مَنْ هم،
стр. 2141
ولا يجوز دفع خبر -وقد صحَّ عن النبي ﷺ بخبر مشيخة لا يعرفون)) (الأوسط ٢/ ٤٠١).
وقال الطحاوي: ((فحقق ما في هذا الحديث أن ابن عكيم لم يكن شهد ذلك من كتاب رسول الله ﷺ ، ولا حضر قراءته، وكان هؤلاء الأشياخ من جهينة لم يُسَمّوا لنا فنعرفهم، ونعلم أنهم ممن يُؤخذ مثل هذا عنهم لصحبتهم لرسول الله ﷺ ، أو لأحوال فيهم سوى ذلك توجب قبول رواياتهم، ولما لم نجد ذلك لهم؛ لم تقم بهذا الحديث عندنا حجة، وكان حديث ابن عباس عن ميمونة الذي قد ذكرناه فيما تقدم منا في كتابنا هذا في أمره إيَّاهم بدباغ جلد الشاة التي ماتت لهم، وقوله لهم عند ذلك: ((إِنَّمَا حُرِّمَ لَحْمُهَا))؛ أولى منه لصحة مجيئه، واستقامة طريقه، وعدل رواته)) (مشكل الآثار ٨/ ٢٨٤).
وقال الخطابي: ((ومذهب عامة العلماء على جواز الدباغ والحكم بطهارة الإهاب إذا دبغ، وَوَهَّنُوا هذا الحديث؛ لأَنَّ عبد الله بن عكيم لم يَلْقَ النبي ﷺ ، وإنما هو حكاية عن كتاب أتاهم، فقد يحتمل -لو ثبت الحديث- أن يكون النهي إنما جاء عن الانتفاع به قبل الدباغ، ولا يجوز أن يترك به الأخبار الصحيحة التي قد جاءت في الدباغ، وأن يحمل على النسخ، والله أعلم)) (معالم السنن ٤/ ٢٠٣).
وقال البيهقي: ((وهو محمول عندنا على ما قبل الدبغ بدليل ما هو أصح منه في الأبواب التي تليه)) (السنن الكبرى ١/ ٢٣)، ثم ذكر حديث ميمونة في الدباغ، وانظر: (نصب الراية ١/ ١٢١).
وقال الحازمي -عند الكلام على وجوه الترجيحات-: ((أن يكون أحد الحديثين سماعًا أو عرضًا، والثاني يكون كتابة، أو وجادة، أو مناولة،
стр. 2142
فيكون الأول أولى بالترجيح لما يتخلل هذه الأقسام من شبهة الانقطاع لعدم المشافهة؛ ولهذا رُجِّحَ حديث ابن عباس في الدباغ ... على حديث عبد الله بن عكيم)) (الاعتبار صـ ١١).
وقال أيضًا: ((المصير إلى حديث ابن عباس أولى؛ لوجوه الترجيحات، ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ)) (الاعتبار صـ ٥٧، ٥٨). ومال إلى هذا القول ابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٦٠٠).
وقال عبد الحق الإشبيلي -عقب ذكره لحديث ابن عكيم-: ((قد صحَّ الخبر في الانتفاع بجلود الميتة إذا دبغت)) (الأحكام الوسطي ٤/ ١٨٩). إشارة منه إلى إعلاله، والله أعلم.
وقال ابن حجر: ((وأقوى ما تمسك به من لم يأخذ بظاهره؛ معارضة الأحاديث الصحيحة له، وأنها عن سماع، وهذا عن كتابة، وأنها أصح مخارج.
وأقوى من ذلك: الجمع بين الحديثين بحمل الإهاب على الجلد قبل الدباغ، وأنه بعد الدباغ لا يُسمَّى إهابًا إنما يُسمَّى قربة، وغير ذلك، وقد نقل ذلك عن أئمة اللغة كالنضر بن شميل، وهذه طريقة ابن شاهين، وابن عبد البر، والبيهقي)) (فتح الباري ٩/ ٦٥٩).
وقد أعلَّ بعض أهل العلم الطريق الأول بالإرسال؛ لأَنَّ ابن عكيم، تابعي، لا يثبت له صحبة ولا سماع من النبي ﷺ ، إنما هو حكاية عن كتاب أتاهم (١).
стр. 2143
قال الخطابي: ((ومذهب عامة العلماء على جواز الدباغ والحكم بطهارة الإهاب إذا دبغ، وَوَهَّنُوا هذا الحديث؛ لأَنَّ عبد الله بن عكيم لم يلقَ النبي ﷺ ، وإنما هو حكاية عن كتاب أتاهم)) (معالم السنن ٤/ ٢٠٣).
وقال البيهقي: ((وفي الحديث إرسال)) (معرفة السنن ١/ ٢٤٨).
وقال أبو السعادات ابن الأثير: ((وهو حديث متروك؛ لأَنَّ ابن عكيم قد وَهَّنَ حديثَه العلماءُ، فإنه لم يلقَ النبي ﷺ ، وإنما قوله حكاية عن كتاب أتاهم)) (الشافي في شرح مسند الشافعي ١/ ١٢٩).
وكذا أعلَّه بالإرسال: التوربشتي كما في (شرح المشكاة للطيبي ٣/ ٨٤١)، و (مرقاة المفاتيح ٢/ ٤٦٩)، وبدر الدين العيني في (عمدة القاري ٩/ ٨٨)،
стр. 2144
و (البناية شرح الهداية ١/ ٤١٣)، والمناوي في (فيض القدير ٤/ ٢٧٣)، والصنعاني في (سبل السلام ١/ ٤٢).
ولكن لقائل أن يقول: إنه لا يَروي هذا الحديث عن النبي ﷺ ، حتى يُعَلَّ بالإرسال، وكونه كتابًا ليس بعلة؛ فالذي عليه أهل الحديث: العمل بالكتاب إذا ثبتت نسبته لصاحبه، أما الكتابة في أصلها فهي حجة، بل من أهل العلم من احتجَّ بهذا الحديث على الاحتجاج بالكتابة والإجازة، كما فعل أبو نعيم، نقله عنه الخطيب في (الكفاية صـ ٣١٣) -وأقرَّه-، والقاضي عياض في (الإلماع ١/ ٨٤)، وابن خير الإشبيلي في (فهرسته صـ ١٥ - ١٦).
ولهذا قال ابن حجر: ((وأعلَّه بعضهم بكونه كتابًا، وليس بعلة قادحة)) (فتح الباري ٩/ ٦٥٩).
وإنما وجه إعلال الحديث، أن الذي أخبر بهذا الكتاب مشيخة مجهولون، فلم يثبت الكتاب، ولولا هذه العلة لكان صحيحًا، كما صححه أحمد وغيره، قبل أن يقف على رواية الأشياخ، وهذا ظاهر كلام ابن معين أيضًا، والله أعلم.
وقد أعلَّه بعضهم بجهالة حامل الكتاب إلى جهينة؛
قال ابن المنذر: ((خبر ابن عكيم غير ثابت؛ لأنه لم يُخبر مَنْ حامل الكتاب إليهم، ولا مَنْ قرأ الكتاب عليهم)) (الأوسط ٢/ ٤٠٣).
وقال أبو محمد ابن زكريا الأنصاري -ردًّا على من احتجَّ بحديث ابن عكيم-: ((قيل له: قالت الأئمة كل حديث نسب إلى كتاب ولم يذكر حامله فهو مرسل)) (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب ١/ ٧٦).
стр. 2145
وأجاب عن هذه العلة: ابن قدامة؛ فقال: ((كتاب النبي ﷺ كلفظه، ولولا ذلك لم يكتب النبي ﷺ إلى أحد، وقد كتب إلى ملوك الأطراف، وإلى غيرهم، فلزمتهم الحجة به، وحصل له البلاغ، ولو لم يكن حجة لم تلزمهم الإجابة، ولا حصل به بلاغ، ولكان لهم عذر في ترك الإجابة؛ لجهلهم بحامل الكتاب وعدالته)) (المغني ١/ ٩١).
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وأما حديث ابن عكيم فقد طعن بعضُ الناس فيه بكون حامله مجهولًا ونحو ذلك مما لا يسوغ ردُّ الحديث به)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٩٣).
والحديث: صححه ابن حبان كما تقدم، وابن حزم في (المحلى ١/ ١٢١)، والألباني في (إرواء الغليل ١/ ٧٦).
وهو ظاهر صنيع: الأثرم، والحاكم كما في (البدر المنير ١/ ٥٩٥ - ٥٩٦)، وأبو نعيم، والخطيب، وابن خير الإشبيلي، وابن قدامة، وابن تيمية -كما تقدم-، وكذا ابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ٦٤)، وابن القيم في (حاشيته على سنن أبي داود ١١/ ١٢٣ - ١٢٥)، وابن حجر في (فتح الباري ٩/ ٦٥٩) خلافًا لقوله في (إتحاف المهرة ٨/ ٢٥٩)، حيث قال -متعقبًا ابن حبان -: ((بل الخبر معلول من جهات أُخرى شتى)).
وحسَّنه الترمذي -مع أنه أشار إلى علته- فقال: ((هذا حديث حسن، ويُروى عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ له هذا الحديث)). ثم ذكر توقف أحمد عن القول به، لهذه العلة.
وكذا حسَّنه الحازمي في (الاعتبار صـ ٥٦) في أول كلامه على هذا الحديث، حيث قال: ((هذا حديث حسن، على شرط أبي داود، والنسوي؛
стр. 2146
أخرجاه في كتابيهما))، ثم بيَّن بَعْدُ أنه معلولٌ؛ فقال: ((ولو اشتهر حديث ابن عكيم بلا مقال فيه، كحديث ابن عباس في الرخصة، لكان حديثًا أولى أن يؤخذ به، ولكن في إسناده اختلاف، ولولا هذه العلل لكان أولى الحديثين أن يؤخذ به حديث ابن عكيم))، وقال أيضًا: ((وطريق الإنصاف فيه أن يقال: إِنَّ حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ -لو صحَّ- ولكنه كثير الاضطراب، ثم لا يُقَاوِمُ حديثَ ميمونةَ في الصحة)) (الاعتبار صـ ٥٦ - ٥٧). كأنه يقول: ظاهره الحسن لكنه معلولٌ، والله أعلم.
وقال الشوكاني: ((حديث حسن، ولم يعلَّ بما يوجب سقوط الاحتجاج به)) (السيل الجرار صـ ٢٨). مع أنه مال إلى إعلاله في (نيل الأوطار ١/ ٨٤، ٨٧ - ٨٨).
وقال البوصيري: ((رواته ثقات)) (الإتحاف ٥/ ٣٠٨).
[تنبيهان]:
الأول: اشتهر عند الكلام على هذا الحديث مناظرة وقعت بين: الشافعي، وإسحاق بن راهويه، في حضور أحمد بن حنبل، أخرجها الرامهرمزي في (المحدث الفاصل صـ ٤٥٣) -ومن طريقه السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٩١)، والرشيد العطار في (غرر الفوائد المجموعة صـ ٣٢٥ - ٣٢٧) - قال: ((حدثنا زكريا الساجي، حدثني جماعة من أصحابنا: أن إسحاق بن راهويه، ناظر الشافعي -وأحمد بن حنبل حاضر- في جلود الميتة إذا دبغت.
فقال الشافعي: دباغها طهورها. فقال إسحاق: ما الدليل؟ فقال: حديث الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: أَنَّ
стр. 2147
النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِشَاةِ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: ((هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا)).
فقال إسحاق: حديثُ ابنِ عكيم كَتَبَ إِليْنَا النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ: ((لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإهَابٍ وَلَا عَصَبٍ)) أشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر.
فقال الشافعي: هذا كتابٌ وذاك سماع.
فقال إسحاق: إِنَّ النبي ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر، وكان حجة عليهم عند الله. فسكت الشافعي، فلمَّا سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن عكيم، وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي، فأفتى بحديث ميمونة)).
وسندها ضعيفٌ كما هو ظاهر، لإبهام من حدَّث بها الساجي، وقد أخرجها الحازمي في (الاعتبار صـ ٥٧) بسنده إلى أبي الشيخ الحافظ قال: ((حُكِيَ أن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعي ... القصة. وهذا أيضًا ضعيف؛ لإبهام من حَكَى هذا القصة، ولعلها تعود إلى السند الأول)).
قال السبكي: ((وهذه المناظرة حكاها البيهقي وغيره، وقد يظن قاصر الفهم أن الشافعي انقطع فيها مع إسحاق، وليس الأمر كذلك، ويكفيه مع قصور فهمه أن يتأمل رجوع إسحاق إلى قول الشافعي، فلو كانت حجته قد نهضت على الشافعي لما رجع إليه.
ثم تحقيق هذا: أن اعتراض إسحاق فاسد الوضع لا يقابل بغير السكوت، بيانه: أن كتاب عبد الله بن عكيم كتاب عارضه سماع، ولم يتيقن أنه مسبوق بالسماع، وإنما ظنَّ ذلك ظنًّا لقرب التاريخ، ومجرد هذا لا ينهض بالنسخ، أما كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر فلم يعارضها شيء، بل عضدتها
стр. 2148
القرائن وساعدها التواتر الدال على أن هذا النبي ﷺ جاء بالدعوة إلى ما في هذا الكتاب، فَلَاحَ بهذا أن السكوت من الشافعي تسجيل على إسحاق بأن اعتراضه فاسد الوضع، فلم يستحق عنده جوابًا، وهذا شأن الخارج عن المبحث عند الجدليين فإنه لا يقابل بغير السكوت، ورُبَّ سكوتٍ أبلغ من نطق، ومِنْ ثَّمَ رجع إليه إسحاق، ولو كان السكوت لقيام الحجة؛ لأكد ذلك ما عند إسحاق، فافهم ما يلقى إليك)) (طبقات الشافعية ٢/ ٩٢).
وقال ابن دقيق العيد: ((كان والدي يَحكي عن الحافظ أبي الحسن المقدسي -وكان من أئمة المالكية - أنه كان يرى أن حجة الشافعي باقية، يريد؛ لأَنَّ الكلام في الترجيح بالسماع والكتاب، لا في إبطال الاستدلال بالكتاب)) (الحاوي للفتاوي للسيوطي ١/ ١٧).
الثاني:
الحديث عزاه ابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٥٨٧) للدارقطني في (السنن)، ولم نقف عليه في النسخ المطبوعة، ولا في (إتحاف المهرة ٩٣٣٥)، وقد عزاه للدارقطني أيضًا ابن كثير، والزركشي، ولكن بلفظ آخر -سيأتي قريبًا-، ولم نقف عليه أيضًا، فالله أعلم.
стр. 2149
رِوَايَاتُ التَّوْقِيتِ بِشَهْرٍ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: (( ... كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوتِهِ بِشَهْرٍ ... )).
[الحكم]: الحديث ضعيفٌ كما تقدم، وذكر التوقيت فيه شاذٌّ أو منكرٌ، وقال الشوكاني: ((معلٌّ)).
[التخريج]:
[د ٤٠٨٠ ((واللفظ له)) / حم ١٨٧٨٢/ حب ١٢٧٢/ طس ٨٢٢/ هق ٤٣/ عتب (ص ٥٦) / صحا ٤٤١٨/ تطبر (مسند ابن عباس ١٢٢٣، ١٢٢٤) / هقع ٥٤٣/ حرملة (هقع ٥٤٢) / تمهيد (٤/ ١٦٣) / ناسخ ١٥٥/ طولون (صـ ٨٧)].
[التحقيق]: انظر الكلام عليه فيما يأتي.
стр. 2150
روايةُ: ((قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرَيْنِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: (( ... قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرَيْنِ ... )).
[الحكم]: الحديث ضعيفٌ كما تقدم، وذكر التوقيت فيه شاذٌّ أو منكرٌ، وقال الشوكاني: ((معلٌّ)).
[التخريج]: [طس ٢٤٠٧، ٧٦٦٨/ ناسخ ١٥٦/ مشكل ٣٢٤٠].
[التحقيق]: انظر الكلام عليه فيما يأتي.
روايةٌ بالشك: ((بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ بِالشَّكِ: (( ... قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ ... )).
[الحكم]: الحديث ضعيفٌ كما تقدم، وذكر التوقيت فيه شاذٌّ أو منكرٌ، وقال الشوكاني: ((مُعَلٌّ)).
[التخريج]: [حم ١٨٧٨٣ ((واللفظ له)) / تحقيق ٦٨/ طولون (صـ ٨٧)].
[التحقيق]:
رُوِيَ التوقيت في هذا الحديث من عدة طرق عن ابنِ عُكيم:
الطريق الأول: عن الحكم بن عتبة به، وقد رواه عن الحكم جماعة:
стр. 2151
أشهرهم: خالد الحذاء عن الحكم، وقد اختُلف عليه في متنه وسنده على وجوه:
الوجه الأول: عن خالد، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن ابن عكيم:
أخرجه أحمد (١٨٧٨٣) قال: ((حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا عباد -يعني: ابن عباد-، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم الجهني، قال: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ، قالَ: وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ، قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ ... )) الحديث.
وأخرجه ابن شاهين في (ناسخ الحديث ١٥٦) من طريق يحيى بن أيوب المقابري، عن عباد، به، بلفظ: (شَهْرَيْنِ)) من غير شك.
وهذا إسنادٌ رجاله كلهم ثقات، إِلَّا أَنَّ عباد بن عباد قد تفرَّد عن خالد بذكر: (شَهْرَيْنِ) أو بالتردد بينهما، وقد خالفه عبد الوهب الثقفي، وعبد الوارث بن سعيد، والمعتمر بن سليمان، ثلاثتهم: عن خالد بلفظ (شَهْر) بلا تردد، فيترجح. وسيأتي تخريج رواياتهم، على خلاف بينهم في سنده.
الوجه الثاني: عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن عكيم به، بإسقاط ابن أبي ليلى.
أخرجه الشافعي -كما في (سنن حرملة/ معرفة السنن والآثار ٥٤٢) -، وأحمد (١٨٧٨٢)، كلاهما: عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي.
والطبري في (التهذيب/ مسند ابن عباس ١٢٢٣)، من طريق عبد الوارث بن سعيد.
стр. 2152
كلاهما: عن خالد الحذاء، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن عكيم، قال: ((كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ)). ولم يذكر ابن أبي ليلى في إسناده.
وهذا إسنادٌ رجاله كلهم ثقات، لكن في هذا الإسناد انقطاع بين الحكم وابن عكيم، بينهما ابن أبي ليلى، كما رواه الجماعة (كشعبة، ومنصور، والأعمش، والشيباني، وغيرهم كثير)، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن ابن عكيم، به. بدون ذكر التوقيت، كما سيأتي بيانه.
الوجه الثالث: عن خالد، عن الحكم، عن أناس، عن ابن عكيم:
أخرجه أبو داود (٤٠٨٠) -ومن طريقه البيهقي في (الكبرى ٤٣)، و (المعرفة ٥٤٣)، وابن عبد البر في (التمهيد ٤/ ١٦٣) - قال: حدثنا محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم، حدثنا الثقفي.
وأخرجه الطبري في (تهذيبه/ مسند ابن عباس ١٢٢٤) عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن سليمان.
كلاهما (عبد الوهاب الثقفي، والمعتمر): عَنْ خَالدٍ، عنِ الحَكَمِ بن عُتَيبَةَ: ((أَنَّهُ انطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ مَعَهُ إِلَى عَبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قَالَ الحَكَمُ: فَدَخَلُوا وَقَعَدتُ عَلَى البَابِ، فَخَرَجُوا إلَيَّ فَأَخبَرُوني، أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُكَيمٍ، أَخبَرَهُم، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوتِهِ بِشَهْرٍ ... )) الحديث.
ورواه نعيم بن حماد -كما عند الطحاوي في (المشكل ٣٢٤٠) - عن المعتمر به بلفظ: ((شَهْرَيْنِ)).
ونعيم بن حماد، قال فيه الحافظ: ((صدوق يخطئ كثيرًا)) (التقريب ٧١٦٦).
стр. 2153
وفي هذه الرواية أن الحكم أخذ الحديث عن أناس مبهمين عن ابن عكيم، خلافًا لرواية الجماعة عن الحكم أنه أخذه عن ابن أبي ليلى عن ابن عكيم.
ولا ريب أن رواية الجماعة أولى بالصواب، لا سيَّما مع هذا الاختلاف على خالد الحذاء فيه، لكن يمكن الجمع بينها وبين رواية الجماعة، بأن يقال: إن ابن أبي ليلى كان مع هؤلاء الناس وهو الذي أخبر الحكم به، وإلا فقد صرَّح الحكم بسماعه من ابن أبي ليلى، كما عند أحمد وغيره من طريق شعبة عن الحكم.
ولهذا قال الشيخ الألباني: ((فهذا إِنْ صحَّ يجب أن يفسر بالرواية الأخرى فيقال: إِنَّ من الذين أخبروه بالحديث عن ابن عكيم: عبد الرحمن بن أبي ليلى)) (الإرواء ١/ ٧٧).
قلنا: وقد صرَّح خالد بذلك في رواية عباد بن عباد عنه، كما في الوجه الأول.
الوجه الرابع: عن خالد، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن أناس، عن ابن عكيم:
أخرجه ابن شاهين في (ناسخه ١٥٥) من طريق المعتمر بن سليمان.
وأخرجه الحازمي في (الاعتبار صـ ٥٦) من طريق أبي داود السجستاني، عن محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي.
كلاهما (المعتمر، والثقفي): عن خالد الحذاء، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((أَنهُ انطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ مَعَهُ إِلَى عَبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قَالَ الحَكَمُ: فَدَخَلُوا وَقَعَدتُ عَلَى البَاب، فَخَرَجُوا إلَيَّ فَأَخبَرُوني، أَنَّ
стр. 2154
عَبدَ اللهِ بنَ عُكَيمٍ، أَخبَرَهُم، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوتِهِ بِشَهْرٍ ... )) الحديث.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، وفيه: أن ابن أبي ليلى لم يسمعه من ابن عكيم، إنما حدَّثه عنه أناس مُبهمون، ولكن هذه الرواية لا تصحُّ، الصواب فيها بدون ذكر ابن أبي ليلى كما في الرواية السابقة، وهاك بيانه.
أما سند الحازمي: فقد رواه من طريق أبي داود، والحديث بهذا الإسناد في (السنن ٤٠٨٠) -كما تقدم-: (عَنِ الحَكَمِ بنِ عُتَيبَةَ: أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ مَعَهُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ، ... )، كذا بدون ذكر (عبد الرحمن بن أبي ليلى)، في كل نسخ (السنن) المطبوعة، وفي (تحفة الأشراف ٥/ ٣١٧)، وفي (مختصر السنن للمنذري ٦/ ٦٨ - ٦٩)، وكذا رواه البيهقي، وابن عبد البر، من طريق أبي داود، وكذا عزاه (للسنن) ابن عبد الهادي في (تعليقه على العلل لابن أبي حاتم صـ ١٣٥)، وأبو زرعة العراقي في (المبهمات ٤٩).
وكذا رواه الشافعي، وأحمد، عن الثقفي به، بدون ذكر عبد الرحمن.
فلعل ذكر (عبد الرحمن) وقع في نسخة الحازمي خطأ من أحد النساخ، أو عمدًا، سالكًا فيه الجادة؛ حيثُ إِنَّ المشهور عن الحكم في هذا الحديث (عن ابن أبي ليلى، عن ابن عكيم)، فظنها الناسخ ساقطة من الأصل فزادها اجتهادًا منه فأخطأ.
ولا يقال: إن جماعة من الأئمة نقلوه من (السنن) بإثبات (عبد الرحمن) موافقًا لرواية الحازمي، كابن دقيق العيد، والزيلعي، وابن الملقن، وابن حجر، فالظاهر أن ابن دقيق العيد في (الإمام ١/ ٣١٧)، اعتمد في
стр. 2155
ذلك على رواية الحازمي، ومنه نقل -صراحة- الزيلعي في (نصب الراية ١/ ١٢١)، وابن الملقن (البدر المنير ١/ ٥٩٢)، وتبعه الحافظ في (التلخيص ١/ ٧٨)، و (الفتح ٩/ ٦٥٩)، وقلَّده العيني في (عمدة القاري ٢١/ ١٣٣) كعادته. وقد تعقب الألباني الحافظ في ذلك، فقال: ((ووقع للحافظ هنا وَهْمٌ عجيب! ؛ فإنه أدخل فى هذه الرواية بين الحكم وابن عكيم (عبد الرحمن) سالكًا فى ذلك على الجادة! )) (الإرواء ١/ ٧٧).
وأما سند ابن شاهين؛ فنقول فيه مثل ما قلنا في طريق الحازمي، فإن المحفوظ عن المعتمر، ما تقدم في الوجه السابق، بدون ذكر عبد الرحمن، وقد جاء في سياق الرواية ما يشير إلى ذلك، حيث جاء فيها: (عَنِ الحَكَمِ بنِ عُتَيبَةَ، عَنْ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبي لَيلَى: أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ مَعَهُ إِلَى عَبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قَالَ الحَكَمُ: فَدَخَلُوا وَقَعَدتُ عَلَى البَاب، فَخَرَجُوا إِلَيَّ فَأَخبَرُوني، أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُكَيمٍ أَخبَرَهُم ... ). كذا عند ابن شاهين: (قَالَ الحَكَمُ: فَدَخَلُوا وَقَعَدتُ)، مع أن الصواب في السياق أن يكون القائل هو عبد الرحمن بن أبي ليلى.
وقد اعتمد على هذه الرواية غير واحد من أهل العلم في الحكم على رواية ابن أبي ليلى عن ابن عكيم بالانقطاع! ، وعدَّوها من أوجه اضطراب سند الحديث، وقد ظهر ما في ذلك من نظر.
فقال الحازمي: ((لم يسمعه -أي: ابن أبي ليلى- من ابن عكيم، ولكن من أناس دخلوا عليه ثم خرجوا فأخبروه به، ولولا هذه العلل لكان أولى الحديثين أن يُؤخذ به حديث ابن عكيم)) (الاعتبار صـ ٥٦ - ٥٧).
وقال ابن دقيق العيد: ((في هذه الرواية أنه سمعه من الناس الداخلين عليه، عنه، وهم مجهولون)) (الإمام ١/ ٣١٧)، وبنحوه قال العيني في (البناية
стр. 2156
شرح الهداية ١/ ٤١٣ - ٤١٤)، وابن الهمام في (فتح القدير ١/ ٩٤ - ٩٥)، وابن نجيم في (البحر الرائق ١/ ١١١).
وقال ابن حجر: ((ومحصل ما أجاب به الشافعية وغيرهم عنه التعليل بـ ... الانقطاع بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه من عبد الله بن عكيم)) (التلخيص الحبير ١/ ٧٨)، وتبعه الصنعاني في (سبل السلام ١/ ٤٢)، والشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٨٨)، والعظيم آبادي في (عون المعبود ١١/ ١٢٤ - ١٢٥).
وخلاصة ما سبق عن خالد الحذاء:
أولًا: من جهة السند؛ الأوجه الثلاثة الأولى، يمكن الجمع بينها بحيث ترجع إلى رواية الجماعة عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن ابن عكيم، وأما الوجه الرابع فَوَهْمٌ كما بينَّاه.
ثانيًا: من جهة المتن؛ الصواب عن خالد بلفظ: (شَهْر) دون شك أو تردد، ثم إنها شاذة؛ لمخالفتها رواية الجماعة عن الحكم، بدون ذكر التاريخ، وهم:
١ - شعبة بن الحجاج، كما عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، وغيرهم.
٢ - منصور بن المعتمر، كما عند ابن أبي شيبة، والترمذي، والنسائي، وغيرهم.
٣ - الأعمش، كما عند ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم.
٤ - سليمان الشيباني، كما عند ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن ماجه،
стр. 2157
وغيرهم (١).
٥ - الأجلح، كما عند ابن سعد في (الطبقات ٨/ ٢٣٣)، وعبد بن حميد في (المنتخب ٤٨٨).
٦ - عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، كما عند الطحاوي في (المشكل ٣٢٣٧).
٧ - خالد بن كثير، كما عند الطبراني في (الأوسط ٢١٠٠).
٨ - حمزة الزيات، كما عند الطبراني في (الصغير ١٠٥٠).
٩ - المسعودي، كما في (جزء من حديث أبي القاسم ابن الحامض ١٣).
١٠ و ١١ - محمد بن جحادة ومطر الوراق، كما عند الطبراني في (الصغير ٦١٨).
١٢ - معاوية بن ميسرة، كما عند كما عند ابن شاهين في (الناسخ والمنسوخ ١٥٣).
١٣ - مسعر بن كدام، كما عند الخطيب في (المتفق والمفترق ٤٩٩).
١٤ - أبان بن تغلب -على الراجح عنه-، كما عند ابن المقرئ في (معجمه ٢٣)، والطبراني في (الأوسط ٧٦٤٢).
جميعهم: عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عكيم، به، بدون ذكر التاريخ.
стр. 2158
خلافًا لرواية خالد الحذاء -ومن تابعه من الضعفاء كما سيأتي-، فلا شكَّ حينئذٍ في شذوذها، فضلًا عن ضعف أصل الحديث كما تقدم بيانه.
ولهذا قال الشوكاني في الجواب عن الاحتجاج بهذا الحديث: ((وأجيب بأنه قد أُعِلَّ بالاضطراب والإرسال كما سيأتي فلا ينتهض لنسخ الأحاديث الصحيحة، وأيضًا التاريخ بشهر أو شهرين كما سيأتي معل؛ لأنه من رواية خالد الحذاء، قد خالفه شعبة وهو أحفظ منه وشيخهما واحد، ومع إعلال التاريخ يكون معارضًا للأحاديث الصحيحة وهي أرجح منه بكلِّ حالٍ، فإنه قد رُوِيَ في ذلك -أعني: تطهير- الدباغ للأديم)) (نيل الأوطار ١/ ٨٤).
قلنا: لم يخالفه شعبة فحسب، بل خالفه أيضًا جماعة من الحفاظ.
وقد تُوبع خالد على ذكر التوقيت عن الحكم من: أبان بن تغلب، وأشعث بن سوار، وأبي شيبة إبراهيم بن عثمان، وإليك بيانها:
أولًا: متابعة أبان بن تغلب:
أخرجها ابن حبان (١٢٧٢) قال: أخبرنا عبد الكبير بن عمر الخطابي بالبصرة بخبر غريب، قال: حدثنا بشر بن علي الكرماني، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم، قال: حدثنا أبان بن تغلب، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ ... الحديث.
وعبد الكبير هذا لم نجد له ترجمة، وقد خُولف؛ فقد أخرجه الطبراني في (الأوسط ٧٦٤١) من طريق بشر الكرماني به، بدونه.
وكذا أخرجه ابن المقرئ في (معجمه ٢٣) من طريق محمد بن أبي يعقوب الكرماني، عن حسان بن إبراهيم، عن أبان بن تغلب، به،
стр. 2159
بدونه أيضًا.
وعليه: فيكون ذكر التوقيت في رواية أبان بن تغلب منكرٌ، ولعل لذلك استغربه ابن حبان.
ثانيًا: متابعة أشعث بن سوار:
أخرجها الطبراني في (الأوسط ٨٢٢) قال: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: نا عمرو بن محمد الناقد قال: نا عبد الله بن إدريس الأودي، قال: نا أشعث بن سوار والأجلح، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قال: جَاءَنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ مَوتِهِ بِشَهْرٍ ... الحديث.
كذا رواه عبد الله بن إدريس، عن أشعث والأجلح، ورواية الأجلح عند عبد بن حميد في (المنتخب ٤٨٨)، وابن سعد في (الطبقات ٨/ ٢٣٣) كلاهما: عن يعلى بن عبيد، عن الأجلح به، بدون ذكر التوقيت، وهذا يعني: أن ذكر التوقيت في هذه الرواية إنما تفرد به أشعث بن سوار وهو ((ضعيف)) كما في (التقريب ٥٢٤).
ثالثًا: متابعة أبي شيبة إبراهيم بن عثمان:
أخرجها الطبراني في (الأوسط ٢٤٠٧) قال: حدثنا أبو مسلم، قال: نا أبو عمر الضرير قال: نا أبو شيبة إبراهيم بن عثمان، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، قال: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ إِلَى أَرْضِ جُهَيْنَةَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرِيَنِ ... الحديث.
وأبو شيبة إبراهيم بن عثمان: ((متروك))، كما في (التقريب ٢١٥).
وعليه: فالمحفوظ عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن ابن عكيم في هذا
стр. 2160
الحديث؛ بدون ذكر التوقيت، كذا رواه الجماعة عن الحكم، وما دون ذلك فشاذٌّ أو منكرٌ، والله أعلم.
الطريق الثاني: عن القاسم بن مخيمرة، عن ابن عكيم:
أخرجه أبو نعيم في (الصحابة ٤٤١٨) قال: حدثنا محمد بن حميد، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا أبو همام (الوليد بن شجاع)، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا يزيد بن أبي مريم، وثَبَّتَنِيه صدقة بن خالد، عن القاسم بن مخيمرة، عن عبد الله بن عكيم الجهني، أنه حدَّثهم قال: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ ... الحديث.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا محمد بن حميد شيخ أبي نعيم، وهو ابن سهيل المخرمي، ضعَّفه البرقاني، وابن الجوزي، وتكلَّم فيه ابن أبي الفوارس وغيره، ووثقه أبو نعيم الأصبهاني، انظر: (لسان الميزان ٧/ ١٠٨)، و (الدليل المغني لشيوخ الدارقطني ٤٣٠).
وقد وَهِمَ في سنده ومتنه: فإن الحديث محفوظ عن صدقة بن خالد وغيره، عن يزيد بن أبي مريم، عن القاسم، عن ابن عكيم، عن مشيخةٍ له، به، بدون ذكر التوقيت، كما تقدم.
الطريق الثالث: عن أبي فروة، عن ابن عكيم:
أخرجه الطبراني في (الأوسط ٧٦٦٨) قال: حدثنا محمد بن موسى، نا إبراهيم بن إسماعيل الطلحي، نا طلق بن غنام، ثنا قيس بن الربيع، عن أبي فروة (مسلم بن سالم النهدي)، عن عبد الله بن عكيم، قال: جَاءَنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِشَهْرَيْنِ ... الحديث.
وقال الطبراني: ((لم يَرْوِ هذا الحديث عن أبي فروة إِلَّا قيس، ولا عن قيس
стр. 2161
إِلَّا طلق بن غنام، تفرَّد به: إبراهيم بن إسماعيل)).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: قيس بن الربيع، قال فيه الحافظ: ((صدوق تغيَّر لما كبر، وأدخل عليه ابنُه ما ليس من حديثه فحدَّثَ به)) (التقريب ٥٥٧٣).
ومحمد بن موسى بن إبراهيم الإصطخري، ضعَّفه الدارقطني كما في (السنن عقب رقم ٢٠١٩)، وأقرَّه البيهقي في (الكبرى عقب رقم ٧٤١٩)، وقال فيه الحافظ: ((شيخ مجهول، روى عن شعيب بن عمران العسكري خبرًا موضوعًا)) (اللسان ٧/ ٥٤١).
стр. 2162
روايةُ: ((رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: كَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي أَرْضِ جُهَيْنَةَ: ((إِنِّي كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ (إِهَابِ) ١ الْمَيْتَةِ [وَعَصَبِهَا]، فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِجِلْدٍ (إِهَابٍ) ٢، وَلَا عَصَبٍ)).
[الحكم]: منكرٌ بهذا اللفظ؛ وأنكره ابن القيسراني، وأشار إليه ابن عدي، وضعَّفَه: ابن الجوزي، وابن القيم، والألباني.
[التخريج]:
[طس ١٠٤ ((واللفظ له)) / عد (٦/ ١٥٥) ((والروايتان والزيادة له)) / ضح (٢/ ١٦٨) / متشابه (١/ ٣٥١)].
[التحقيق]:
رُوِيَ الحديث بهذا اللفظ من طريقين، عن عبد الله بن عكيم:
الطريق الأول: مداره على يحيى بن أيوب، عن أبي سعيد البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، به.
أخرجه الطبراني في (الأوسط ١٠٤) -ومن طريقه الخطيب في (الموضح ٢/ ١٧١) - عن فضالة بن مفضل بن فضالة، عن أبيه.
وأخرجه ابن عدي في (الكامل ٦/ ١٥٥) من طريق ياسين بن عبد الأحد، عن أبيه.
كلاهما (مفضل بن فضالة، وعبد الأحد بن أبي زرارة): عن يحيى بن أيوب الغافقي، به.
стр. 2163
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لأجل يحيى بن أيوب الغافقي المصري، والكلام فيه معروف مشهور، وقد تفرَّد بهذا اللفظ عن شبيب بن سعيد عن شعبة، والحديث محفوظ عن شعبة بسنده عن عبد الله بن عكيم، أنه قال: ((قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فِي أَرْضِ جُهَيْنَةَ -وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ-: ((أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ)). كذا رواه أحمد وغيره، عن غندر، عن شعبة، وكذا رواه غير واحد من الثقات الحفاظ عن شعبة.
ثم إِنَّ الإسناد إليه لا يخلو من مقالٍ أيضًا:
ففي سند الطبراني: فضالة بن مفضل بن فضالة بن عبيد الرعيني، وقد تكلَّم فيه أبو حاتم والعقيلي، انظر: (ميزان الاعتدال ٣/ ٣٤٩)، و (اللسان ٦/ ٣٣٣).
وبه أعل الحديث ابن عبد الهادي في (التنقيح ١/ ١٠٤)، والزيلعي في (نصب الراية ١/ ١٢١).
وفي سند ابن عدي: عبد الأحد بن أبي زرارة والد ياسين، ترجم له ابن يونس في (تاريخه ١/ ٢٥٨)، برواية ابنه عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٤٢٤) على قاعدته، فهو مجهولٌ.
وقد عدَّ هذه الرواية ابن عدي وغيره من مناكير شبيب بن سعيد، فهو وإِن كان من رجال البخاري، إِلَّا أَنَّ روايةَ ابن وهب وغيره من المصريين عنه فيها مقال.
فذكرها ابن عدي في ترجمة شبيب مع جملة من حديثه، ثم قال: ((ولشبيب بن سعيد نسخة الزُّهري عنده عن يونس عن الزُّهري، وهي أحاديث مستقيمة، وحدَّث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير، ... وكأن شبيب إذا روى عنه ابنه
стр. 2164
أحمد بن شبيب نسخة يونس عن الزُّهري، -إذ هي أحاديث مستقيمة- ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدِّث عنه ابن وهب بالمناكير الذي يرويها عنه، ولعل شبيب بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويَهِمْ، وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب)) (الكامل ٦/ ١٥٦).
وقال ابن القيسراني: ((وحدَّث بهذا الحديث عنه يحيى بن أيوب، وهو منكر. وشبيب هذا كان يتجر إلى مصر، فسمع منه عبد الله بن وهب، وأهل البلد. ولعله حدَّث من حفظه؛ فغلط، أو وَهِمَ)) (ذخيرة الحفاظ ٢/ ١٢٢٢).
وعدَّها ابن دقيق العيد من تفرداته؛ فقال: ((لقائل يقول: إذا ثبت توثيقه بقول علي بن المديني، فلتعد هذه تفردات ثقة)) (الإمام ١/ ٣٢٢).
وقد ذكر ابن حجر هذه الرواية، وعزاها لابن عدي، والطبراني، ثم قال: ((إسناده ثقات)) (التلخيص ١/ ٧٧ - ٧٨).
الطريق الثاني:
أخرجه الخطيب في (تلخيص المتشابه ١/ ٣٥١) قال: أنا علي بن أبي علي المعدل، أنا علي بن عمر السكري، نا محمد بن محمد بن سليمان، نا عبد الله بن سنان، نا بشر بن عبد الملك البصري، نا قُرَّة بن سليمان الجهضمي، نا هشام بن حسان، عن مطر الوراق، عن الحكم، عن عبد الله بن عكيم، به.
وهذا إسنادٌ تالفٌ؛ مسلسل بالعلل:
الأولى: عبد الله بن سنان هو عبد الله بن محمد بن سنان الروحي، وهو متروكٌ تالفٌ يضع الحديث؛ قال الدارقطني وعبد الغني الأزدي: ((متروكٌ))،
стр. 2165
وقال ابن عدي: ((رَوى عن روح بن القاسم بواطيل، وكان يسرق الحديث))، وقال ابن حبان: ((كان يضع الحديث))، وقال أبو الشيخ: ((حدَّث عندنا بأحاديث لم يتابع عليها وازدحم الناس عليه، ولم يزالوا يسمعون منه حتى ظهر أمره ووقفوا على كذبه، تركوا حديثه وأجمعوا أنه كذاب ذاهب))، وقال أبو نعيم الأصبهاني: ((كثير الوضع حدَّث بنسخة لروح بن القاسم لم يتابع عليها))، انظر: (لسان الميزان ٤٤٠٠).
الثانية: محمد بن محمد بن سليمان هو ابن الباغندي، وفيه كلام معروف مشهور، وكان يدلس مع ذكر صيغة الإخبار، انظر: (اللسان ٧٣٥٦).
الثالثة: قُرَّة بن سليمان، قال أبو حاتم: ((ضعيف الحديث)) (الجرح والتعديل ٧/ ١٣١)، واعتمدَ تضعيفه: الذهبيُّ في (الميزان ٦٨٨٤)، وابنُ حجر في (اللسان ٦١٦٠).
الرابعة: مطر بن طهمان الوراق، وهو ((صدوق كثير الخطأ)) (التقريب ٦٦٩٩).
الخامسة: بشر بن عبد الملك البصري، سُئِلَ عنه أبو زُرْعَةَ، فقال: ((شيخ)) (الجرح والتعديل ٢/ ٣٦٢).
السادسة: المخالفة، فالمحفوظ عن الحكم في سند هذا الحديث: عن ابن أبي ليلى عن ابن عكيم، وبغير هذا اللفظ، كما تقدم بيانه.
وقد ضعَّف هذه الرواية غير واحد من أهل العلم:
فقال ابن الجوزي: ((رُوِيَ في بعض ألفاظه ((كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ)) ... وهذه اللفظة بعيدة الثبوت)) (ناسخ الحديث ومنسوخه صـ ٨١)
وقال ابن القيم: ((هذه الزيادة لم يذكرها أحد من أهل السنن في هذا
стр. 2166
الحديث، وإنما ذكروا قوله ﷺ : ((لا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ)) الحديث، وإنما ذكرها الدارقطني، وقد رواه خالد الحذاء وشعبة عن الحكم فلم يذكرا: ((كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ))، فهذه اللفظة في ثبوتها شيء)) (حاشية ابن القيم على سنن أبي داود ١١/ ١٢٥).
قال الألباني: ((هو بهذا اللفظ ضعيف)) (إرواء الغليل ١/ ٧٩).
[تنبيه]:
عزاه الزركشي في (شرح مختصر الخرقي ١/ ١٥٢)، وابن كثير في (تحفة الطالب صـ ١٦٩)، بهذا اللفظ للدارقطني، ولم نقف عليه بهذا اللفظ في شيء من كتب الدارقطني المطبوعة بين أيدينا، والذي وقفنا عليه عنده بلفظ الرواية الأولى في كتابه (الأفراد) من حديث كعب بن عجرة، كما في (الأطراف ٢/ ١٢١).
وقد أشار الألباني إلى ذلك أيضًا؛ فقال: ((وعزاه بهذا اللفظ فى حاشية (المقنع) نقلًا عن (المبدع) للدارقطني أيضًا، ولم أرَه فى سننه)) (الإرواء ١/ ٧٩).
стр. 2167
روايةُ ((كَتَبَ إِلَيْنَا رَسَولُ اللهِ ﷺ فِي آخِرِ أَمْرِهِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((كَتَبَ إِلَيْنَا رَسَولُ اللهِ ﷺ فِي آخِرِ أَمْرِهِ ... )) الحديث.
[الحكم]: منكرٌ بهذا اللفظ.
[التخريج]: [أصبهان (٢/ ١٦٩) / حما ٦٨].
[السند]:
أخرجه أبو نعيم في (تاريخ أصبهان)، عن أبيه، ثنا محمد بن يحيى بن منده، ثنا محمد بن نصر، ثنا محمد بن نصر بن سعيد الكرماني، ثنا حسان بن إبراهيم، ثنا أبان بن تغلب، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، به.
وأخرجه أبو الحسن الحمامي في (جزء الإعتكاف)، عن أحمد بن محمد، عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن بطة، عن محمد بن نصر، به، لكن زاد في إسناده: (عن مجاهد) بين الحكم وابن أبي ليلى.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه: محمد بن نصر بن سعيد الكرماني، ولم نقف له على ترجمة، غير أن المزي ذكره في شيوخ حسان بن إبراهيم في (التهذيب ٦/ ٨ - ٧).
وقد سبق أن المحفوظ عن أبان بن تغلب، كرواية الجماعة عن الحكم بدون ذكر التوقيت.
стр. 2168
ولعل لهذا قال ابن أبي الفوارس -في تعليقه على أحاديثه الحمامي-: ((غريب من حديث أبان بن تغلب، وهو غريب من حديث حسان بن إبراهيم)).
هذا بالإضافة إلى ما تقدم بيانه من علل، ولكن الحديث بهذا اللفظ أشدُّ ضعفًا، والله أعلم.
стр. 2169
رِوَايةُ: ((أَنْ لَا يُنْتَفَعُ بِعَقِبِهَا)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((كَتَبَ إلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَيْتَةِ: ((أَنْ لَا يُنْتَفَعُ بِعَقِبِهَا، وَلَا بَعَصَبِهَا، وَلَا جُلُودِهَا)).
[الحكم]: منكرٌ بهذا اللفظ.
[التخريج]: [تطبر (مسند ابن عباس ١٢٢٩)].
[السند]:
قال الطبري: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، قال: حدثنا يحيى بن صالح، قال: حدثنا علي بن سليمان الكلبي، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن عبد الله بن عكيم الجهني، مرفوعًا، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: أبو إسحاق السبيعي، وهو وإِن كان ثقة، إِلَّا أنه مدلس، واختلط بأخرة، كما في (التقريب ٥٠٦٥)، و (مراتب المدلسين صـ ٤٢).
فأما التدليس، فقد عنعن في إسناده، وهو مدلس مشهور خاصة أننا لم نقف له على رواية عن ابن عكيم غير هذه فاحتمال التدليس قوي.
وأما الاختلاط، فقد روى عنه علي بن سليمان الكلبي الكوفي، ولم يذكر ممن روى عن أبي إسحاق قبل الاختلاط.
ثم إِنَّ متنه مخالف لباقي روايات هذا الحديث المشهورة التي ذكرت الإهاب ولم تذكر الجلود، ولا العقب.
стр. 2170
٤١٠ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: ((نَهَى أَنْ يُنْتَفَعَ)):
◼ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُنْتَفَعَ مِنَ الْمَيْتَةِ بِعَصَبٍ أَوْ إِهَابٍ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ، وضعَّفه ابن عبد البر، وبدر الدين العيني.
[التخريج]:
[تطبر (مسند ابن عباس ١٢٢٢) ((واللفظ له)) / ناسخ ١٥٧/ ضيا (تنقيح ١/ ١٠٥)].
[السند]:
أخرجه الطبري في (تهذيب الآثار) قال: حدثنا صالح بن مسمار المروزي، قال: حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي، قال: حدثنا عياض بن يزيد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن نباتة، قال: سمعت ابن عمر، به.
ورواه ابن شاهين في (ناسخ الحديث ١٥٧) من طريق أبي أمية الطرسوسي، وعيسى بن غيلان.
ورواه الضياء في (المختارة)، كما في (تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي).
جميعهم: عن يحيى بن صالح الوحاظي، عن عياض، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: عياض بن يزيد الكلبي، وهو مجهول؛ فقد ترجم له البخاري في (التاريخ ٧/ ٢٥)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٦/ ٤٠٩)، برواية يحيى بن صالح الوحاظي عنه، ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات ٧/ ٢٨٤)، على قاعدته في توثيق
стр. 2171
المجاهيل.
وشيخه عبد الرحمن بن نباتة؛ لم نقف له على ترجمة؛ إِلَّا مجرد ذكره في شيوخ عياض بن يزيد.
ولذا قال ابن عبد البر: ((ورُوي من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ ؛ مثل حديث ابن عكيم وإسناده ليس بالقوي)) (التمهيد ٤/ ١٦٥).
وقال العيني: ((وفي عامة إسناد حديث ابن عمر مجاهيلٌ لا يعرفون)) (عمدة القاري ٢١/ ١٣٣)، (البناية شرح الهداية ١/ ٤١٤).
[تنبيه]:
عزاه ابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٥٩٣ - ٥٩٤) لابن الجوزي في (ناسخ الحديث)، والذي في المطبوع معلق بلا إسناد.
стр. 2172
روايةُ: ((لَا يُنْتَفَعُ مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَا يُنْتَفَعُ مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضعَّفه: ابن الملقن، وابن حجر، والشوكاني.
[التخريج]:
[فقط (أطراف ٣٤٠٥) / إمام (١/ ٣١٧) (١) / فوائد أبي عبد الله الكيساني (تد ٢/ ٣٥٠)، (كنز ٢٦٧٨٧)].
[التحقيق]:
مداره عندهم على نافع، عن ابن عمر، وقد رُوِيَ عنه من طريقين:
الطريق الأول:
أخرجه أبو عبد الله الكيساني في (الفوائد) من طريق أحمد بن محمد بن شاهين.
وأخرجه ابن دقيق العيد في (الإمام) من طريق أبي العباس السراج.
كلاهما (ابن شاهين، والسراج): عن محمد بن بكار، عن عدي (٢) بن الفضل، عن محمد بن عبد العزيز، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: عدي بن الفضل أبو حاتم التيمي البصري، وهو متروكٌ، كما قال الحافظ في (التقريب ٤٥٤٥).
стр. 2173
وبه ضعف الحديث ابن الملقن، فقال: ((فيه عدي بن الفضل، وهو ضعيف جدًّا، ولم يعقبها الشيخ تقي الدين -يعني: ابن دقيق- بشيء، وكأنه ترك التنصيص على ذلك لوضوحه)) (البدر المنير ١/ ٥٩٤).
وبه ضعفه أيضًا ابن حجر في (التلخيص الحبير ١/ ٧٨)، والشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٨٨)، و (السيل الجرار ١/ ٤٠).
الطريق الثاني:
أخرجه الدارقطني في (الأفراد) من طريق عبد الله بن الحسين بن جابر المصيصي، عن محمد بن بكار، عن محمد بن عبد العزيز، عن العلاء بن المسَيِّب، عن نافع، به.
وهذا إسنادٌ واهٍ من أجل عبد الله بن الحسين بن جابر المصيصي، وهو متهم بسرقة الأخبار، ويقلب الأسانيد، كما قال ابن حبان، وابن حجر، انظر: (اللسان ٤/ ٤٥٦).
وقد خالف المحفوظ عن محمد بن بكار -كما تقدم-؛ بذكر عدي بن الفضل، وزاد في الإسناد العلاء بن المسَيِّب.
ولهذا قال الدارقطني: ((غريب من حديثه عن نافع؛ تفرَّد به عبد الله بن الحسين بن جابر المصيصي، عن محمد بن بكار، عن محمد بن عبدالعزيز، عن العلاء)).
رواية: ((بشحم الميتة)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَا تَنْتَفعُوا بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ، أَوْ قَالَ: بِشَيْءٍ مِنَ الْمَيْتَةِ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [تمهيد (٩/ ٤٨)].
[السند]:
أخرجه عبد الله بن وهب في (الموطأ) -ومن طريقه الطحاوي- قال: أخبرني زمعة بن صالح المكي، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله، به.
ومداره عند الجميع على زمعة بن صالح، عن أبي الزبير، عن (وعند بعضهم: سمعت) جابر بن عبد الله، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: زمعة بن صالح، ضعَّفه: أحمد، وابن معين -وفي رواية: صويلح-، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، انظر: (تهذيب التهذيب ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩)، ولذا قال الحافظ: ((ضعيف)) (التقريب ٢٠٣٦). واعتمد الذهبي في (الكاشف ١٦٥٣) تضعيف أحمد.
وبه ضعَّف الحديث: ابن عبد الهادي في (تنقيح التحقيق ١/ ١٠٧)، فقال: ((وزمعة فيه كلام، وللحديث علة ذكرها ابن مفوز وغيره (١))).