٥٤٩ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمُ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: «أُرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوهَا اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي الْقِبْلَةَ».
• وَفِي رِوَايةٍ ٢: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِخَلائِهِ فَحُوِّلَ قِبَلَ الْقِبْلةِ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ كَرِهُوا ذَلِكَ».
• وَفِي رِوَايَةٍ ٣: «أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ لِحَاجَتِهِ بَعْدَ النَّهْي».
[الحكم]: منكر، وضعفه أحمد، وأبو ثور، والبخاري، وأبوحاتم، وابن مفوز، وابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن حجر. وحكم بنكارته الذهبي، والمعلمي اليماني، والمباركفوري، والألباني.
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [جه ٣٢٦ "واللفظ له"، (زوائد أبي الحسن القطان عقب رقم ٣٢٤ دار إحياء الكتب العربية) (١) / حم ٢٥٠٦٣، ٢٥٥١١، ٢٥٨٣٧، ٢٥٨٩٩، ٢٦٠٢٧ / طي ١٦٤٥ / ش ١٦٢٣ / حق ١٠٩٥ / تخ (٣/ ١٥٦) / منذ ٢٥٩ / طح (٤/ ٢٣٤) ٦٥٩٥ / قط ١٦٤ - ١٦٧ / هق ٤٤٦ / هقخ ٣٥٠ - ٣٥٢ / تمهيد (١/ ٣١٠ - ٣١١) / عتب (ص ٣٧) /
стр. 2802
كر (١٦/ ١١٧) / محت ٦٠٦ / كما (٨/ ٩٢ - ٩٣)]
تخريج السياق الثاني: [حم ٢٥٥٠٠ / ش ١٦٢٢ "واللفظ له" / قط ١٦٣، ١٦٨ / حق ١٠٩٤، ١٠٩٦ / علت ٦ / هقخ ٣٥٤، ٣٥٥ / معز ٩٥ / تقتب (ص ١٤٨) / كر (١٦/ ١١٨)].
تخريج السياق الثالث: [ناسخ ٨٣]
[التحقيق]:
هذا الحديث مداره برواياته كلها على عِرَاك بن مالك وهو مروي عنه من طريقين؛
الطريق الأول: يرويه خالد الحَذَّاء، واختُلف عليه على عدة أوجه:
الوجه الأول - وهو أصحها -: عن خالد الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عِرَاك، عن عائشة:
أخرجه أبو داود الطيالسي في (مسنده ١٦٤٥).
وأبو بكر بن أبي شيبة في (مصنفه ١٦٢٣) - وعنه ابن ماجه (٣٢٦) وقرنه بعلي بن محمد الطنافسي -. وأحمد (٢٥٠٦٣)، ثلاثتهم: عن وكيع.
وأخرجه إسحاق في (مسنده ١٠٩٥) عن الوليد بن عقبة.
وأخرجه أحمد (٢٥٨٣٧، ٢٥٨٩٩، ٢٦٠٢٧) - على الترتيب -: عن بهز بن أسد، وأبي كامل، ويزيد بن هارون.
وأخرجه البخاري في (التاريخ ٣/ ١٥٦) عن موسى بن إسماعيل.
وأخرجه ابن المنذر في (الأوسط ٢٥٩) من طريق حجاج بن محمد.
وأخرجه الطحاوي في (شرح معاني الآثار ٦٥٩٥) من طريق أسد بن
стр. 2803
موسى.
وأخرجه الدارقطني في (السنن ١٦٧) من طريق يحيى بن إسحاق.
جميعهم: عن حماد بن سلمة.
وأخرجه إسحاق بن راهويه (١٠٩٦)، وأحمد (٢٥٥١١): عن علي بن عاصم.
وأخرجه أبو الحسن القطان في (زوائده على سنن ابن ماجه): عن يحيى بن (عبدك) (١)، عن عبد العزيز بن المغيرة.
وأخرجه الخلال - كما في (الإمام لابن دقيق العيد ٢/ ٥٢٢) -، وابن شاهين في (ناسخ الحديث ٨٣): من طريق سريج بن يونس، عن هشيم.
وأخرجه البيهقي في (الخلافيات ٣٥٤): من طريق خالد بن يحيى السدوسي.
خمستهم: (حماد، وعلي بن عاصم، وعبد العزيز، وهشيم، والسدوسي): عن خالد الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عِرَاك بن مالك، عن عائشة به مرفوعًا.
وتابعهم عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحَذَّاء به كذلك، إِلَّا أنه أبهم (خالد بن أبي الصلت) فقال: (عن خالد الحَذَّاء عن رجل عن عِرَاك ... ).
стр. 2804
أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف ١٦٢٢)، وأحمد (٢٥٥٠٠) كلاهما عن عبد الوهاب الثقفي به (١).
الوجه الثاني: عن خالد الحَذَّاء، عن عِرَاك، عن عائشة، به (بإسقاط خالد بن أبي الصلت):
أخرجه إسحاق في (مسنده ١٠٩٤)، والترمذي في (العلل ٦)، والدارقطني في (السنن ١٦٣) من طريق عيسى بن يونس عن أبي عوانة (٢).
وأخرجه الدارقطني في (السنن ١٦٤) من طريق حجاج بن نصير (وهو ضعيف)، عن القاسم بن مطيب (وفيه لين).
وأخرجه الدارقطني في (السنن ١٦٥) من طريق يحيى بن مطر (وهو
стр. 2805
مجهول، وفي السند إليه مجاهيل).
ثلاثتهم: عن خالد الحَذَّاء، عن عِرَاك، عن عائشة، به.
الوجه الثالث: عن خالد الحَذَّاء، عن رجل، عن عِرَاك، عن عمرة، عن عائشة، به مرفوعًا.
أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير ٣/ ١٥٦) عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب بن خالد، عن خالد الحَذَّاء، به.
الوجه الرابع: عن خالد الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عروة، عن عائشة:
أخرجه الطحاوي في (شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٤/ ٦٥٩٨): عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن خالد الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، به، مرفوعًا.
وعلي بن شيبة، قال عنه الخطيب البغدادي: "روى عنه عبد العزيز بن أحمد الغافقي، وغيره من المصريين أحاديث مستقيمة" (تاريخ بغداد ١٣/ ٣٩٣).
لكن خالفه جبل الحفظ والإتقان الإمام أحمد، فرواه في (مسنده ٢٦٠٢٧) عن يزيد عن حماد به بدون ذكر (عروة)، كرواية الجماعة عن حماد.
وقد تابع حمادًا على ذلك جماعة، فهي أصح من رواية أبي عوانة حيث قصر في سنده وأسقط منه (خالد بن أبي الصلت)، وزاده جماعة، فهي زيادة يجب قبولها.
стр. 2806
ولا يصح فيه ذكر (عمرة) أيضًا؛ فقد تفرد بذكرها وهيب بن خالد، وخالفه الجماعة عن خالد الحَذَّاء.
فخلاصة ما سبق: أَنَّ أرجح أسانيد هذا الحديث عن خالد الحَذَّاء: ما رواه حماد بن سلمة وغيره عن خالد الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عِرَاك بن مالك، عن عائشة، به، مرفوعًا.
قال الدارقطني: "والصحيح قول حماد بن سلمة ومن تابعه" (العلل ٣٧٣٣)، وانظر: (سنن الدارقطني - ط المعرفة ١/ ٥٩)، و (ط الرسالة عقب رقم ١٦٥).
وكذا أشار إلى ترجيح هذا الوجه البيهقي؛ حيث قال - بعد أَنْ رواه من رواية على بن عاصم -: "تابعه حماد بن سلمة عن خالد الحَذَّاء في إقامة إسناده" (السنن عقب رقم ٤٤٦).
وكذا رجحه المعلمي اليماني في (رسالة قضاء الحاجة - المطبوعة ضمن آثار الشيخ المعلمي ١٦/ ٤٣).
قلنا: وهذا الإسناد منكر؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: جهالة حال خالد بن أبي الصلت؛ فقد روى عنه جماعة من الثقات، وقال عنه الإمام أحمد: "ليس معروفا" (تهذيب التهذيب ٣/ ٩٨)، وبه ضعف الحديث، فقد قال ابن عبد البر: "وردَّ أحمد بن حنبل حديثَ جابر وحديث عائشة الوَارِدَيْن عن النبي ﷺ بالرخصة في هذا الباب وضعف حديث جابر، وتكلم في حديث عائشة بأنه انفرد به خالد بن أبي الصلت عن عِرَاك بن مالك عن عائشة" (التمهيد ١/ ٣٠٩).
стр. 2807
وبه ضعف الحديث أيضًا أبو ثور الفقيه (١)، فقال: "خالد بن أبي الصلت ليس بمعروف" (الأوسط لابن المنذر ١/ ٤٤٤).
وقال ابن حزم: "وأما حديث عائشة فهو ساقط؛ لأنه من رواية خالد الحَذَّاء - وهو ثقة -، عن خالد بن أبي الصلت وهو مجهول لا يدرى من هو" (المحلى ١/ ١٩٦).
وقال عبد الحق الإشبيلي: "هذا يسند من حديث (خالد) (٢) الحَذَّاء عن خالد بن أبي الصلت عن عِرَاك عن عائشة، وخالد بن أبي الصلت ضعيف" (الأحكام الوسطى ١/ ١٢٩).
ولذا قال الذهبي: "خالد بن أبي الصلت عن عِرَاك بن مالك، عن عائشة بحديث: «حَوِّلُوا مِقْعَدَتِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ، أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا؟ »، لا يكاد يعرف تفرد عنه خالد الحَذَّاء، وهذا منكر، وذكره ابن حبان في الثقات، وما علمت أحد تعرض إلى لينه، ولكن الخبر منكر" (الميزان ٢٤٣٢)، وقال ابن حجر:
стр. 2808
"مقبول" (التقريب ١٦٤٣). أي حيث يتابع، ولم يتابع، بل خولف كما سيأتي.
وقال ابن القيم: "وله علة أخرى، وهي ضعف خالد بن أبي الصلت" (زاد المعاد ٢/ ٣٥١).
وفي المقابل:
ذكره ابن حبان في (الثقات ٦/ ٢٥٢)، إِلَّا أنه قال: "خالد بن الصلت"، وقال في (مشاهير علماء الأمصار ١٠٣٢): "خالد بن أبي الصلت من متقني أهل المدينة وكان عامل عمر بن عبد العزيز عليها".
وقال ابن المنذر: "وقال غير أحمد: خالد معروف، قد روى عنه خالد الحَذَّاء، والمبارك بن فضالة، وواصل مولى أبي عُيَيْنَةَ" (الأوسط ١/ ٤٤٤).
وقال ابن مفوز - متعقبًا ابن حزم في تجهيله -: "مشهور بالرواية معروف بحمل العلم، ولكن حديثه معلول" (تهذيب التهذيب ٣/ ٩٨).
قلنا: وكونه معروفًا بحمل العلم، وكان عامل عمر بن عبد العزيز، فإنما ينفعه في رفع جهالة العين عنه، وإثبات العدالة له، قال ابن كثير: "وقد صرح كثير من الأئمة بأن كل من استعمله عمر بن عبد العزيز ثقة" (البداية والنهاية ١٢/ ٧١٠). أي في دينه، أما الضبط فلا، وأما توثيق ابن حبان له ووصف إياه بالإتقان، فلم يوافق عليه، وهو معروف بالتساهل في التوثيق والتجريح أيضًا.
وهذا الحديث حجة على ابن حبان، فقد أخطأ خالد بن أبي الصلت في رفعه، كما سيأتي، خاصة أَنَّ هذا الحديث هو رأس ماله، فليس له سوى
стр. 2809
أحرف يسيرة غيره.
ولذا قال العلامة المعلمي: "ولا ينفعه ذكر ابن حبان له في "الثقات"، فإن معنى الثقة عنده كما صرح به: أَنْ يروي الرجل عن ثقة، ويروي عنه ثقة، ولا يكون حديثه منكرًا.
وهذا خلاف ما عليه الجمهور، ومع ذلك فإنه لا يراعي هذا الشرط كما ينبغي، بل قد عرفت بالتتبع أنه ربما ذكر الرجل، ولا يدري عمن روى، ولا من روى عنه، ولا ما روى، وربما كان ينظر في "تاريخ البخاري" ثم يلخصه في "الثقات"، ووجدت تراجم كثيرة في "تاريخ البخاري" لا يصرح فيها البخاري بقوله: "روى عن فلان، وروى عنه فلان". ووجدت ابن حبان يذكرهم في الثقات قائلا: "يروي المراسيل، روى عنه أهل بلده"، أو نحو ذلك. فهذا ظاهر جدًّا أنه إنما وجد التراجم في تاريخ البخاري، فذكرهم في الثقات، مع الجهل بهم البتة، ... وأوضح من ذلك أَنَّ حديث خالد هذا منكر كما يأتي، فلم يتحقق فيه شرط أَنْ لا يكون حديثه منكرًا" (رسالة قضاء الحاجة / المطبوعة ضمن آثار الشيخ المعلمي ١٦/ ٤٥ - ٤٦).
العلة الثانية: الانقطاع بين عِرَاك بن مالك وبين عائشة، قال أحمد بن محمد بن هانيء: سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن الصلت عن عِرَاك بن مالك عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «حَوِّلُوا مِقْعَدِي إِلَى الْقِبْلَةِ»؟ فقال: "مرسل"، فقلت له: عِرَاك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂، فأنكره وقال: "عِرَاك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ! ماله ولعائشة؟ ! إنما يروي عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحَذَّاء، فقال: رواه غير واحد عن خالد الحَذَّاء ليس فيه سمعت، وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت" (المراسيل ٦٠٦).
стр. 2810
وقال ابن دقيق العيد: "وقد ذكر عن موسى بن هارون مثل ما حكم به الإمام أحمد بن حنبل ﵁ من الإرسال بين عِرَاك وعائشة" (الإمام ٢/ ٥٢٣).
وأشار لذلك الإمام البخاري في ترجمة خالد بن أبي الصلت بقوله: " خالد بن أبي الصلت، عامل عمر بن عبد العزيز، عن عمر بن عبد العزيز، وعِرَاك، مرسل" (التاريخ الكبير ٣/ ١٥٥). أي أنه روى عن عِرَاك خبرًا مرسلًا بين عِرَاك وعائشة، ولا يعني أبدًا أنه مرسل بينه وبين عِرَاك، كيف وقد صرح خالد بن أبي الصلت في الحديث أَنَّ عِرَاكًا حَدَّثَ به عند عمر بن عبد العزيز وهو حاضر.
* وقال الإمام أحمد أيضًا: "أحسن ما في الرخصة: حديث عائشة ﵂، وإن كان مرسلًا، فإن مخرجه حسن" (الإمام لابن دقيق العيد ٢/ ٥٢٢).
قال ضياء الدين المقدسي: "سماه مرسلًا؛ لأن عِرَاكًا لم يسمع من عائشة" (شرح الترمذي لابن سيد الناس ٢/ ٦٨٥).
وقال ابن سيد الناس: "وقول الإمام أحمد، في حديث عِرَاك عن عائشة: (إنه أحسن ما رُوِي في الرخصة)، لعله يريد: أحسن في الاستدلال، وأصرح في الرخصة، وإلا فحديث ابن عمر مخرج في الكتب الستة، ولا علة تلحقه فيما نعلم.
وفي حديث عِرَاك ما تقدمت الإشارة إليه من الخلاف في الاتصال، والراجح عدمه" (شرح الترمذي ٢/ ٦٩١ - ٦٩٢).
وقال ابن القيم - معقبا على كلام أحمد هذا -: "ولكن هذا الحديث قد طعن فيه البخاري وغيره من أئمة الحديث، ولم يثبتوه، ولا يقتضي كلام الإمام أحمد تثبيته ولا تحسينه ... ، قلت: وله علة أخرى، وهي انقطاعه بين عِرَاك
стр. 2811
وعائشة، فإنه لم يسمع منها" (زاد المعاد ٢/ ٣٥١).
وقال ابن رجب - معلقًا على قول أحمد أيضًا -: "ويعني بإرساله أَنَّ عِرَاكًا لم يسمع من عائشة، وقال: إنما يروي عن عروة عن عائشة. فلعله حسنه؛ لأن عِرَاكًا قد عرف أنه يروي حديث عائشة عن عروة عنها.
وظاهر كلام أحمد أَنَّ المرسل عنده من نوع الضعيف، لكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجيء عن النبي ﷺ أو عن أصحابه خلافه، ... " (شرح علل الترمذي ١/ ٥٥٣).
قلنا: وقد ورد التصريح بسماع عِرَاك من عائشة من وجهين:
الأول: رواه موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن خالد الحَذَّاء، به. أخرجه البخاري في (التاريخ) عن موسى، به.
وقد خالف موسى كل أصحاب حماد فرووه بدون التصريح بالسماع، ومن هنا كانت روايته شاذة، كما أشار لذلك الإمام أحمد، فيما تقدم، وإلى هذا أشار البخاري أيضًا، فجزم بأن الحديث مرسل، ولم يعبأ بتصريح موسى بالسماع فيه.
الوجه الثاني: رواه علي بن عاصم، عن خالد الحَذَّاء، به. أخرجه أحمد (٢٥٥١١)، وغيره: عن علي بن عاصم، به.
وعلي بن عاصم، قال عنه الذهبي: "ضعفوه" (الكاشف ٣٩٣٥).
ولذا قال العلامة المعلمي: "أما تصريح عِرَاك بالسماع، فإنه ثابت عن علي بن عاصم عن خالد الحَذَّاء عن خالد بن أبي الصلت، ولكن علي بن عاصم على يدي عدل ... ، وأما حماد بن سلمة؛ فيتلخص مما تقدم أَنَّ جماعة رووه عنه، وفيه عِرَاك عن عائشة منهم وكيع وبهز ويزيد بن هارون
стр. 2812
وعبد الوهاب الثقفي وأبو كامل، وهؤلاء أئمة أثبات، ورواه موسى بن إسماعيل عن حماد فقال فيه: (عِرَاك بن مالك سمعت عائشة). وموسى ثقة متقن، ولكن أعرف الناس به تلميذاه البخاري وأبو حاتم حكما على روايته بالغلط، وكذلك الإمام أحمد. والذين قالوا: عن حماد عن خالد عن خالد عن عِرَاك عن عائشة؛ أكثر، وبعضهم أثبت من موسى وأكبر منه، فسماعهم من حماد أقدم من سماع موسى، وحماد تغير حفظه بأخرة.
وقولهم موافق لرواية غير حماد عن خالد، ومع ذلك فخالد الحَذَّاء تغير حفظه بأخرة، ولا يبعد أَنْ يكون الاضطراب منه، فقد رواه عنه وهيب فقال: عِرَاك عن عمرة عن عائشة، وفوق هذا كله، فخالد بن أبي الصلت مجهول الحال .. " (رسالة قضاء الحاجة - ضمن آثار الشيخ المعلمي ١٦/ ٤٣ - ٤٥).
وبنحوه قال الشيخ الألباني في (الضعيفة) وختمها بقوله - بعد أَنْ عدد رواية من رواه بالعنعنة -: "فلا يشك كل من وقف عليها أنها هي الصواب، وأن رواية السماع منكرة أو شاذة، ... ثم هي كلها مدارها على خالد بن أبي الصلت الذي لا دليل عندنا على ثقته وضبطه" (الضعيفة ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩).
العلة الثالثة: المخالفة؛ فقد خولف فيه خالد بن أبي الصلت؛ فرواه جعفر بن ربيعة، عن عِرَاك، عن عروة، أَنَّ عائشة كانت تنكر قولهم: «لا تستقبل القبلة». كذا موقوفًا عليها، وزاد "عروة" في إسناده.
رواه البخاري في (التاريخ ٣/ ١٥٦) قال: وقال ابن بكير: حدثني بكر، عن جعفر بن ربيعة، عن عِرَاك، عن عروة، أَنَّ عائشة كانت تنكر قولهم: لا تستقبل القبلة.
стр. 2813
ثم قال البخاري: "وهذا أصح".
وقال أبو حاتم الرازي: "لم أزل أقفو أثر هذا الحديث، حتى كتبت بمصر عن إسحاق بن بكر بن مضر- أو غيره - عن بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عِرَاك بن مالك، عن عروة، عن عائشة، موقوف؛ وهذا أشبه" (العلل ٥٠).
قلنا: جعفر بن ربيعة "ثقة" من رجال الشيخين (التقريب ٩٣٨)، والإسناد إليه ثابت صحيح، فبكر بن مضر: "ثقة ثبت" من رجال الشيخين (التقريب ٧٥١)، وقد رواه عنه ابنه إسحاق بن بكر وهو "صدوق فقيه" من رجال مسلم (التقريب ٣٤٣)، وتابعه يحيى بن عبد الله بن بكير، وهو من رجالهما، وقد أخرج له البخاري عن بكر بن مضر في الصحيح، انظر: (تهذيب الكمال ٣١/ ٤٠٢).
فلا ريب أَنَّ رواية الوقف هذه أصح من رواية خالد بن أبي الصلت، كما قال البخاري وأبو حاتم وغيرهما.
وقال الترمذي في "العلل": سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: "هذا حديث فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولها" (العلل الكبير ٦)، وأقره ابن سيد الناس في (شرح الترمذي ٢/ ٦٩٢).
وقال ابن القيم: "هذا الحديث لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة، حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري، وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يدركها إِلَّا المعتنون بالصناعة المعانون عليها؛ وذلك أَنَّ خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه ولا أقام إسناده، خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عِرَاك بن مالك المختص به الضابط لحديثه جعفر بن ربيعة
стр. 2814
الفقيه، فرواه عن عِرَاك عن عروة عن عائشة أنها كانت تنكر ذلك، فبين أَنَّ الحديث لعِرَاك عن عروة ولم يرفعه ولا يجاوز به عائشة، وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عِرَاك بن مالك" (تهذيب سنن أبي داود ١/ ٢٢).
ولذا قال الذهبي: "هذا حديث منكر" (ميزان الاعتدال ٢٤٣٢).
وقال ابن حجر: "روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في استقبال البائل القبلة وهو معلل"، وقال أيضًا: "وذكر أبو حاتم نحو قول البخاري، وأن الصواب: عِرَاك عن عروة عن عائشة قولها، وأن من قال فيه: عن عِرَاك سمعت عائشة مرفوعًا، وهم فيه سندًا ومتنا" (تهذيب التهذيب ٣/ ٩٧).
وقال المعلمي اليماني: " اتفق البخاري وأبو حاتم وغيرهما على تعليله" (رسالة قضاء الحاجة - المطبوعة ضمن آثار الشيخ المعلمي ١٦/ ١٩). وقال في موضع آخر: "وفي سنده اضطراب كثير، ... " (١٦/ ٣٩). ثم قال - بعد ذكره أقوال الأئمة في تضعيف الحديث -: "أقول: فهذا كلام أئمة الفن: أحمد والبخاري وأبي حاتم، جزموا بأن عِرَاكًا لم يسمع من عائشة، وزاد البخاري وأبو حاتم فحكما بأن المرسل المرفوع خطأ، وأن الصواب موقوف على عائشة" (١٦/ ٤٢).
وحكم عليه بالنكارة أيضًا الشيخ الألباني، وقال: "هذا سند ضعيف وفيه علل كثيرة"، وذكرا نحوا مما ذكرناه، وقال في ترجيح الوقف: "ولا يشك حديثي أَنَّ ترجيح هؤلاء الأئمة الثلاثة وقف الحديث هو الصواب؛ ذلك لأن الذي أوقفه إنما هو جعفر بن عِرَاك (١)، وهو ثقة اتفاقا، وقد احتج به الشيخان، بينما الذي خالفه وهو خالد بن أبي الصلت لم يوثقه أحد من
стр. 2815
الأئمة المعروفين والموثوق بتوثيقهم، ولو سلمنا جدلًا أَنَّ توثيق ابن حبان المتقدم مما يعتد به فهل من المعقول أَنْ ترجح رواية من وثقه هو وحده، وجهله آخرون، على رواية من وثقه الجماعة من الأئمة، واحتج به الشيخان؟ ! "، ثم زاد علة أخرى وهي النكارة في المتن، وقال مبينًا إياها: "من المعلوم أَنَّ النبي ﷺ كان نهى أصحابه عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط نهيًا عامًا لم يقيده بالصحراء، فإذا رُوِي في حديث ما كهذا الذي نحن في صدد الكلام عليه أَنَّ الصحابة كرهو استقبال القبلة، فما يكون ذلك منهم إِلَّا اتباعًا لرسول الله ﷺ اتباعًا يستحقون عليه الأجر والمثوبة، ... فلا يعقل أَنْ ينكر النبي ﷺ على أصحابه طاعتهم إياه فيما كان نهاهم عنه، كيف وهو المعروف بتلطفه مع أصحابه في تأديبهم وتعليمهم، ... وأما في هذا الحديث فهو ينكر عليهم أشد الإنكار عملهم، وما هو؟ كراهيتهم لاستقبال القبلة، التي كانوا تلقوها عنه ﷺ ، فهل يتفق هذا الإنكار مع هديه ﷺ في التلطف في الإنكار؟ كلا ثم كلا، ... "، ثم قال: "واعلم أَنَّ كلامنا هذا إنما هو قائم على أساس ما ذهب إليه بعض العلماء من الاستدلال بالحديث على نسخ النهي عن استقبال القبلة، وأما على افتراض أنه كان قبل النهي عن استقبال القبلة فلا يرد الاستنكار المذكور، وعليه حمل ابن حزم الحديث على فرض صحته ... ،
لكن يرد على هذا الافتراض أنه يبعد أَنْ يكره الصحابة شيئًا دون توقيف من رسول الله ﷺ لهم، وافتراض ثبوت ذلك عنهم فيه إساءة الظن بهم وأنهم يشرعون بآرائهم، وهذا ما لا يجوز أَنْ نظنه بهم، ولذلك فالحديث كيف ما أول، فهو منكر عندي. والله أعلم" (السلسة الضعيفة ٩٤٧).
стр. 2816
* ومع هذا قد صحح هذا الحديث جماعة من أهل العلم، وحسنه آخرون! :
فقال النووي: "إسناده حسن" (شرح مسلم ٣/ ١٥٤)، وزاد في (المجموع ٢/ ٧٨): "لكن أشار البخاري في (تاريخه) في ترجمة خالد بن أبي الصلت إلى أَنَّ فيه علة".
وقال مغلطاي: "إسناده صحيح ظاهره الاتصال"، ثم رجح سماع عِرَاك من عائشة خلافًا لأحمد، انظر: (شرح ابن ماجه ١/ ١٨٢ وما بعدها).
وقال العلائي: "إِنَّ ابن ماجه روى بسند صحيح على شرط مسلم عن عِرَاك ... " (الأربعين المغنية ص ٥٣٠).
وقال ابن الملقن: "وفي سنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن عِرَاك عن عائشة ... " (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ١/ ٤٧٠).
وقال البوصيري: "وهذا الذي علل به البخاري ليس بقادح؛ فالإسناد الأول حسن رجاله ثقات معروفون، وقد أخطأ من زعم أَنَّ خالد بن الصلت مجهول، وأقوى ما علل به هذا الخبر أَنَّ عِرَاك لم يسمع من عائشة؛ نقلوه عن الإمام أحمد، وقد ثبت سماعه منها عند مسلم" (مصباح الزجاجة ١/ ٤٧).
وحسنه الصنعاني في (سبل السلام ١/ ١١٣)، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على (المحلى ١/ ١٩٧).
وتعقبهم جماعة من أهل العلم:
فقال المباركفوري - متعقبا النووي -: "هو حديث ضعيف منكر لا يصلح للاحتجاج" (تحفة الأحوذي ١/ ٤٨).
стр. 2817
وتعقب الألباني كلام البوصيري، وأجاب عنه من خمسة وجوه، معتمدًا على ما تقدم تقريره من علل الحديث، انظر: (السلسلة الضعيفة ٢/ ٣٥٧).
وقال المعلمي: "ورأيت لبعض أجلة العصر كلامًا في تصحيح هذا الحديث، وجزم بأنه صحيح على شرط مسلم. وأقول: في هذا نظر من وجوه:
أظهرها: أَنَّ خالد بن أبي الصلت مجهول الحال كما علمت، وليس من مذهب مسلم الاحتجاج بأمثاله.
الثاني: أَنَّ المعاصرة لم تتحقق، فإنه لا يثبت أَنَّ عِرَاكًا أدرك سن السماع والضبط في حديث عائشة ... " (آثار الشيخ المعلمي اليماني ١٦/ ٤٦).
قلنا: وقد وقفنا للحديث على طريق آخر من غير رواية خالد الحَذَّاء، وهو:
الطريق الثاني: عن الزُّهْرِيِّ عن عِرَاك:
أخرجه البيهقي في (الخلافيات ٣٥٥) قال: أخبرنا (أبو الحسن) (١) بن أبي المعروف، أنا أبو علي مخلد بن جعفر الدقاق، أنا محمد بن (حنيفة) (٢) بن ماهان، حدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا خالد بن يحيى السدوسي، عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهْرِيِّ، عن عِرَاك بن مالك، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، مثله.
стр. 2818
وهذا إسناد منكر؛ فيه علل:
الأولى: محمد بن حنيفة بن ماهان: هو أبو حنيفة القصبي الواسطي، قال الدارقطني: "ليس بالقوي" (سؤالات الحاكم ٢١٩)، وانظر: (تاريخ بغداد ٣/ ١١٥)، و (الميزان ٧٤٦٣)، وقال صاحب (الجواهر المضية في طبقات الحنفية ١٦٨): "تكلموا فيه".
الثانية: محمد بن موسى الحرشي: هو ابن نفيع البصري، قال الحافظ: "لين" (التقريب ٦٣٣٨).
الثالثة: خالد بن يحيى السدوسي، قال عنه ابن عدي: "ولخالد هذا غير ما ذكرت من الحديث إفرادات وغرائب عمن يحدث عنه وليس بالكثير وأرجو أنه لا بأس به؛ لأني لم أر في حديثه متنًا منكرًا" (الكامل ٣/ ٩).
قلنا: وهذا السند غريب جدًّا من حديث الزُّهْرِيّ، والمحفوظ عن محمد بن إسحاق: ما رواه إبراهيم بن سعد وغيره من أصحاب ابن إسحاق الثقات عنه عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر به، كما تقدم.
ولذا قال البيهقي - عقب هذا الطريق -: "تفرد به خالد بن يحيى عن ابن إسحاق، والمحفوظ عن محمد بن إسحاق ما مضى من حديث جابر".
* * *
стр. 2819
٥٥٠ - حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ:
◼ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵄: «أَنَّهُ رَأَى النَبِيَّ ﷺ يَبُول مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ».
[الحكم]: منكر، وأعله الترمذي، والدارقطني، وابن عبد البر، والألباني.
[التخريج]:
[ت ٩ "واللفظ له" / حم ٢٢٥٦٠ / طب (٣/ ٢٤٠/ ٣٢٧٦) / طس ١٧٢ / طح (٤/ ٢٣٤) ٦٥٩٦ / علت ٤ / علقط ١٠٤٧].
[السند]:
أخرجه أحمد: عن حسن بن موسى، وموسى بن داود، وإسحاق بن الطباع
وأخرجه الترمذي في (السنن) و (العلل): عن قُتَيْبَة بن سعيد.
وأخرجه الطحاوي في (شرح معاني الآثار): من طريق أسد بن موسى.
وأخرجه الطبراني في (الكبير)، وفي (الأوسط): من طريق سعيد ابن أبي مريم.
ستتهم [قُتَيْبَة، وحسن، وموسى، وإسحاق، وأسد، وسعيد]: عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة، به.
فمداره عندهم على ابن لهيعة عن أبي الزبير، به.
قال الطبراني بإثره: "لا يُرْوى عن أبي قتادة إِلَّا بهذا الإسناد، تفرد به: ابن لهيعة" (الأوسط).
[التحقيق]:
هذا إسناد منكر؛ فيه ثلاث علل:
стр. 2820
الأولى: ضعف ابن لهيعة، سواء في ذلك رواية العبادلة عنه ورواية غيرهم، كما هو عليه المحققون من أئمة الحديث وجهابذته، كما تقدم تقريره، في باب: "ما رُوِي في أَنَّ بقاء أثر دم الحيض في الثوب لا يضر"، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ).
الثانية: اضطرابه فيه؛ فقد رواه ابن لهيعة هنا عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة في الرخصة في استقبال القبلة.
ورواه تارة أخرى عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي سعيد في النهي عن ذلك، كما تقدم تخريجه في بابه.
الثالثة: المخالفة، فالمحفوظ عن جابر أنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك، دون ذكر أبي قتادة، كما تقدم.
ولذا قال الترمذي - عقبه -: "وحديث جابر عن النبي ﷺ أصح من حديث ابن لهيعة، وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه" (السنن).
وقال في "العلل": "حديث جابر عن أبي قتادة ليس بمحفوظ" (العلل الكبير ص ٢٣).
وسئل عنه الدارقطني فقال: "كذلك يقول ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة، وليس بمحفوظ.
والحديث مشهور، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ، يرويه محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر ... " (العلل ١٠٤٧).
وقال ابن عبد البر: "هو حديث لا يحتج بمثله" (التمهيد ١/ ٣١٢).
وقال الألباني: "ضعيف الإسناد" (ضعيف سنن الترمذي ١).
* * *
стр. 2821
٥٥١ - حَدِيثُ عَبْد اللَّهِ بْن الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ:
◼ عن عَبْد اللَّهِ بْن الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيّ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ»، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَ النَّاسَ بِذَلِكَ.
[الحكم]: منكر، وضعفه ابن رجب، والهيثمي.
[التخريج]:
[حم ١٧٧٠٨]
[السند]:
قال (أحمد): حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، قال: أخبرني عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ لأجل عبد الله بن لهيعة، لاسيما في غير رواية العبادلة عنه، وهذا منها.
وقد قلب ابن لهيعة متن هذا الحديث؛ فقد رواه: الليث بن سعد وعبد الحميد بن جعفر وعمرو بن الحارث ثلاثتهم عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي، يقول: أنا أول من سمع النبي ﷺ يقول: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ»، وأنا أول من حدث الناس بذلك.
بل وكذا رواه ابن وهب عن ابن لهيعة على الصواب، كما في (شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٢/ ٦٥٧٩)، فلعل هذا مما تلقنه ابن لهيعة بعد.
وقد قال الحافظ ابن رجب: "هذا اللفظ خطأ، تفرد به ابن لهيعة، وخالف
стр. 2822
رواية الناس كلهم" (شرح علل الترمذي ١/ ٤٢٣).
وقال الهيثمي: "رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف" (المجمع ١٠١٢).
[تنبيه]:
وقع المتن في الطبعة الميمنية من مسند أحمد باللفظ المحفوظ: «لا يبول أحدكم مستقبل القبلة وأنا أول من حدث الناس بذلك»، تبعًا للنسخ المتأخرة كما أشار لذلك محققو طبعة الرسالة، وكذا ذكره الحافظ في (إتحاف المهرة ٧٠٠١)، و (أطراف المسند ٣١٠٠) ضمن طرق حديث النهي.
وهذا خطأ، والصواب المثبت في طبعة الرسالة، كما ذكره الهيثمي في (المجمع)، وفي (زوائد المسند ٢٨٢)، وأشار إليه ابن رجب في (شرح العلل)، والصالحي الشامي في (سبل الهدى والرشاد ٨/ ١٣)، بهذا اللفظ الذي أوردناه.
وكذا أورده ابن كثير من مسند أحمد، كما في أصل (جامع المسانيد ٦٢٢٩)، إِلَّا أَنَّ محقق ط دار خضر، بدَّل وغَيَّر واستدرك في متنه، ليتوافق مع الطبعة الميمنية!!.
* * *
стр. 2823
٥٥٢ - حَدِيثُ عَمَّارِ:
◼ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بَعْدَ النَّهْيِ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ».
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا، وضعفه ابن عدي، والهيثمي، والصالحي.
[التخريج]:
[طب (مغلطاي ١/ ١٨٧)، (جامع ٧٨٣٧)، (مجمع ١٠١٣) "واللفظ له" / عد (٣/ ٧٩)]
[السند]:
قال (الطبراني): حدثنا محمد بن الفضل الثقفى، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا عيسى بن يونس، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن عمار، به.
وقال (ابن عدي): حدثنا محمد بن علي بن عمرو الحفار، حدثنا أبو همام، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا جعفر، عن القاسم الشامي، عن عمار، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه جعفر بن الزبير، وهو: "متروك الحديث" (التقريب ٩٣٩).
والحديث ذكره ابن عدي في ترجمته مع جملة من حديثه، ثم قال: "ولجعفر بن الزبير هذا أحاديث غير ما ذكرت عن القاسم وعامتها مما لا يتابع عليه والضعف على حديثه بين" (الكامل ٣/ ٧٩).
وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه جعفر بن الزبير، وقد
стр. 2824
أجمعوا على ضعفه" (المجمع ١٠١٣).
وقال محمد بن يوسف الصالحي: "وروى الطبراني بسند ضعيف عن عمار .. " فذكره، (سبل الهدى والرشاد ٨/ ١٤).
* * *
стр. 2825
٥٥٣ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: «بَلَى، إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ».
[الحكم]: إسناده ضعيف، وضعفه المعلمي اليماني، وأشار لضعفه ابن عبد الهادي.
[التخريج]:
[د ١١ "واللفظ له" / خز ٦٤ / ك ٥٥٩ / جا ٣١ / قط ١٦١ / هق ٤٤٣، ٤٤٤ / هقغ ٥٩ / هقع ٨١١، ٨١٢ / ناسخ ٨٤ / عتب (ص ٣٨) / هقخ ٣٤٧، ٣٤٨ / فق ٥٨٦].
[السند]:
رواه أبو داود وابن خزيمة وابن الجارود: عن محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا صفوان بن عيسى، عن الحسن بن ذكوان، عن مروان الأصفر، به.
ومداره عند الجميع على صفوان بن عيسى عن الحسن بن ذكوان، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: ضعف الحسن بن ذكوان، قال أحمد "أحاديثه أباطيل" (الضعفاء العقيلي ١/ ٢٢٣)، وقال مرة: "ليس بذاك" (العلل رواية المروزي ١٧٧، ٢٠٩). وقال يحيى بن معين: "ضعيف" (الجرح والتعديل ٣/ ١٣)، وقال
стр. 2826
مرة: "كان صاحب أوابد، منكر الحديث" (الضعفاء لابن الجوزي ٨١٦). وقال أيضًا: "وكان قدريا" (تهذيب التهذيب ٢/ ٢٧٧).
وقال علي ابن المديني: "حدث يحيى بن سعيد عن الحسن بن ذكوان ولم يكن عنده بالقوي" (الضعفاء للعقيلي ١/ ٤٣٠)، وقال النسائي: "ليس بالقوي" (ميزان الاعتدال ١٨٤٤)، وقال الآجري عن أبي داود: "كان قدريا"، قلت: "زعم قوم أنه كان فاضلا جدًّا"، فقال: "ما بلغني عنه فضل" (سؤالات الآجري ٧٠٨)، وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، ليس بالقوي" (الجرح والتعديل ٣/ ١٣)، (العلل ٦/ ٥١)، وقال أبو زرعة: "ضعيف الحديث" (سؤالات البرذعي ١٥٠)، وقال الساجي: "إنما ضعف لمذهبه وفي حديثه مناكير" (تهذيب التهذيب ٢/ ٢٧٧). وضعفه الدارقطني في (العلل ٢٧١).
وفي المقابل:
قال البزار: "لا بأس به" (المسند ٩/ ٦٠)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٦/ ١٤٣).
وقال ابن عدي: "وللحسن بن ذكوان أحاديث غير ما ذكرت وليس بالكثير وفي بعض ما ذكرت لا يرويه غيره على أَنَّ يحيى القطان وابن المبارك قد رويا عنه كما ذكرته وناهيك للحسن بن ذكوان من الجلالة أَنْ يرويا عنه، أرجو أنه لا بأس به" (الكامل ٣/ ٥٠٤).
وقال ابن شاهين: "ثقة" (الثقات ١٨٩).
وقال الذهبي: "صالح الحديث" (الميزان ١/ ٤٨٩)، كذا قال في الميزان، بينما اعتمد في (ديوان الضعفاء ٩٠٠) قول أحمد: "أحاديثه
стр. 2827
أباطيل"، واعتمد في (الكاشف ١٠٢٨) قول النسائي: "ليس بالقوي".
ولخص الحكم فيه الحافظ ابن حجر بقوله: "صدوق يخطئ ورمي بالقدر وكان يدلس" (التقريب ١٢٤٠).
فمثله لا يحتج بما ينفرد به، لاسيما إذا عنعن، فهو فاحش التدليس، وهذه هي:
العلة الثانية: عنعنة الحسن بن ذكوان فهو كثير التدليس عن المتروكين والهلكى، وقد ذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من (طبقات المدلسين ٧٠)، وكان الأولى أَنْ يوضع في المرتبة الرابعة لضعفه.
قال محمد بن نصر المروزي: "في حديثه عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت فدلسه بإسقاط عمرو بن خالد؛ لأنه منكر الحديث"، وكذلك قال يحيى بن معين: "في كل ما رواه الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت أَنَّ بينه وبين حبيب رجلًا ليس بثقة" (المدلسين لأبي زرعة العراقي ١٠). وكذا قال أحمد بن حنبل، وأبو داود، وابن صاعد، والعقيلي، انظر: (تهذيب التهذيب ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧).
قلنا: وعمرو بن خالد ليس بمنكر الحديث فحسب، بل هو كذاب متهم بالوضع؛ كذبه وكيع وأحمد ويحيى بن معين. وقال إسحاق بن راهويه وأبو زرعة: "يضع الحديث". وهذا مما يدل على أَنَّ تدليس الحسن بن ذكوان كان فاحشًا، فلا يمكن قبوله حديثه بحال مع عنعنته فيه، وهو الحال هنا فلم نقف له في جميع طرق الحديث على تصريح له بالسماع. والله أعلم.
стр. 2828
وبهاتين العلتين أعله المعلمي اليماني في (رسالة قضاء الحاجة / المطبوعة ضمن آثار الشيخ المعلمي ١٦/ ٣٤ - ٣٥)، وسيأتي نص كلامه.
وقد أشار لتضعيفه بالحسن بن ذكوان، ابن عبد الهادي؛ حيث قال: "وفي إسناده الحسن بن ذكوان، وقد تكلم فيه غير واحد، وروى له البخاري، والله أعلم" (تنقيح التحقيق ١/ ١٥٣).
* ومع هذا صححه بعض أهل العلم وحسنه آخرون:
فأخرجه ابن خزيمة في صحيحه.
وقال الدارقطني: "صحيح، كلهم ثقات"، كذا في طبعة المعرفة من (السنن ١/ ٥٨)، ولم يذكرها محققو طبعة الرسالة، وهذا أشبه بالصواب، لتصريحه بضعف الحسن في العلل، كما تقدم.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسن بن ذكوان، ولم يخرجاه"! ! .
وقال الحازمي: "حديث حسن" (الاعتبار ص ٣٨).
وقال النووي: "حديث حسن، وهو على شرط البخاري كما قال الحاكم" (الإيجاز في شرح سنن أبي داود ص ١٢١)، وكذا حسنه في (الخلاصة ١/ ١٥٣).
وقال الحافظ: "رواه أبو داود والحاكم بسند لا بأس به" (الفتح ١/ ٢٤٧).
وقال الألباني: "إسناده حسن، ورجاله رجال الصحيح ... ، والحسن بن ذكوان: ثقة من رجال البخاري، لكن فيه كلام، ولذلك أورده الذهبي في (الميزان)؛ وحكى أقوال الأئمة فيه، واعتمد هو على أنه صالح الحديث.
стр. 2829
وقال الحافظ في (التقريب): "صدوق يخطئ". فمثله حسن الحديث إن شاء الله تعالى؛ ما لم يظهر خطأه" (صحيح أبي داود ٨)، وانظر: (الإرواء ١/ ١٠٠).
قلنا: وهذا الكلام فيه نظر، من وجهين:
الأول: أَنَّ الحسن بن ذكوان؛ ضعفه أئمة هذا الشأن كما سبق، ولم يوثقه أحد يعتمد قوله في مخالفتهم، فأحسن أحواله أنه صالح في المتابعات والشواهد، كما فعل البخاري، فالبخاري لم يحتج به إنما أخرج له حديثًا واحدًا في الشواهد، من رواية يحيى بن سعيد القطان عنه ومعروف تعنته في الرجال، وقد صرح فيه الحسن بالتحديث ممن فوقه.
قال الحافظ ابن حجر في (مقدمة الفتح): "الحسن بن ذكوان، روى له البخاري حديثًا واحدًا في كتاب الرقاق من رواية يحيى بن سعيد القطان عنه عن أبي رجاء العطاردي عن عمران بن حصين يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ الحديث مختصر ولهذا الحديث شواهد كثيرة" (هدي الساري ص ٤٧٤).
وقال الحافظ في (الفتح ١١/ ٤٤١): " تكلم فيه أحمد وبن معين وغيرهما، لكنه ليس له في البخاري سوى هذا الحديث من رواية يحيى القطان عنه مع تعنته في الرجال ومع ذلك فهو متابعة".
الثاني: على فرض أنه ممن يحسن حديثه، فهو كثير التدليس عن الضعفاء والمتروكين؛ ولم نجد في أي من طرق الحديث تصريح منه بالتحديث، فهذه علة أخرى غفل عنها كل من صحح هذا الإسناد أو حسنه.
ولهذا قال العلامة المعلمي - متعقبا ابن حجر في قوله (لا بأس به) -:
стр. 2830
" أقول: بلى وأي بأس؟ فإن الحسن بن ذكوان ضعفه الأئمة: أحمد ويحيى وعلي وأبو حاتم والنسائي وغيرهم. قال أحمد: أحاديثه أباطيل، يروي عن حبيب بن أبي ثابت، ولم يسمع من حبيب، إنما هذه أحاديث عمرو بن خالد الواسطي. وجاء نحو هذا عن يحيى بن معين وأبي داود ... "، ثم قال: "أقول: إن كان الحسن قال: (حدثنا حبيب أو نحو ذلك)، فهذا هو الكذب. وإن كان قال: (قال حبيب أو نحو ذلك)، فهذا تدليس عن الهلكى، فإن عمرو بن خالد تالف، رماه بالكذب ووضع الحديث: وكيع وأحمد وإسحاق ويحيى وأبو زرعة وأبو داود وغيرهم.
فعلى القول بأن التدليس عن مثل هذا يسقط العدالة فظاهر، وأما على القول إنه لا يسقطها إذا كان إذا سئل بين، فالمتفق عليه بين أهل العلم أَنَّ مثل هذا لا يعتد بما رواه غير مصرح بالسماع، وحديثه هذا لم يصرح فيه بالسماع، فسقط إجماعًا"، ثم ذكر حديثه في البخاري وكلام الحافظ في (الهدي) ثم قال: "فالحديث من رواية يحيى القطان، وتثبته معروف، وهو متابعة وصرح الحسن بالسماع، فكيف يقاس عليه حديث هذا الباب؟! لا والله، بل حديثه في الباب ساقط؛ لاحتمال أنه سمعه من أحد الوضاعين. والله أعلم" (رسالة قضاء الحاجة / المطبوعة ضمن آثار الشيخ المعلمي ١٦/ ٣٤ - ٣٥).
* * *
стр. 2831
رِوَايَةٌ: أَلَسْتُمْ تَكْرَهُونَ هَذَا:
• وفي رواية: عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَبْرَكَ بَعِيرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ بَالَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَسْتُمْ تَكْرَهُونَ هَذَا؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مَا يَسْتُرُهَا فَلَا بَأْسَ».
[الحكم]: ضعيف كسابقه.
[التخريج]:
[حق (٢/ ٥١٠ - ٥١١)]
[السند]:
قال إسحاق بن راهويه في (مسنده): أخبرنا سعدان بن سعد الليثي، نا الحسن بن ذكوان، عن مروان الأصفر، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف كسابقه؛ لضعف الحسن بن ذكوان وعنعنته، وفيه علة أخرى وهي:
سعدان بن سعد الليثي، قال عنه أبو حاتم: "هو مجهول" (الجرح والتعديل ٤/ ٢٩٠)، وتبعه الذهبي في (الميزان ٣٠٩٧).
وقد خالف صفوان بن عيسى - وهو "ثقة" (التقريب ٢٩٤٠) -، فرواه بلفظ: «أَلَسْتُمْ تَكْرَهُونَ هَذَا»؛ بينما رواه صفوان بن عيسى بلفظ: «أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا»، وهذا له حكم الرفع، بخلاف رواية سعدان. والله أعلم.
* * *
стр. 2832
٨٠ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّخَلِّي فِي الطُّرُقِ وَالظِّلَالِ النافعة ونحوهما مما ينتفع به الناس
٥٥٤ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ».
[الحكم]: صحيح (م).
[الفوائد]:
أولا: قوله: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»؛ قال ابن الملقن: "الملاعن: موضع اللعن، جمع ملعنة، فإذا مرَّ به الناس لعنوا فاعله. واللعانان: هما صاحبا اللعن الذي يلعنهما الناس كثيرًا. ومعنى رواية أبي داود والحاكم «اتقوا اللاعنين» الأمران الجالبان للعن؛ لأن من فعلهما لعنه الناس في العادة، فلما صارا سبب اللعن أضيف اللعن إليهما، قال الخطابي: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون؛ فالتقدير: اتقوا الملعون فاعلهما" (البدر المنير ٢/ ٣١٥).
ثانيا: بوّب ابن خزيمة على هذا الحديث: "باب النهي عن التغوط على طريق المسلمين وظلهم الذي هو مجالسهم"، فذكر الحديث، ثم قال: "وإنما استدللت على أَنَّ النبي ﷺ أراد بقوله: «أو ظلهم»: الظل الذي يستظلون به
стр. 2833
إذا جلسوا مجالسهم، بخبر عبد الله بن جعفر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ فِي حَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ» (١)؛ إذ الهدف هو الحائط، والحائش من النخل النخلات المجتمعات، وإنما سمي البستان حائشًا لكثرة أشجاره، ولا يكاد الهدف يكون إِلَّا وله ظل إِلَّا وقت استواء الشمس، فأما الحائش من النخل فلا يكون وقت من الأوقات بالنهار إِلَّا ولها ظل، والنبي ﷺ قد كان يستحب أَنْ يستتر الإنسان في الغائط بالهدف والحائش وإن كان لهما ظل".
وقال ابن الملقن: "والمراد بالظل: مستظل الناس الذين اتخذوه مقيلًا ومناخًا ينزلونه ويقعدون تحته، وليس كل ظل يمنع قضاء الحاجة تحته؛ فقد قعد النبي ﷺ لحاجته تحت حائش النخل، ثبت ذلك في «صحيح مسلم» والحائش ظل بلا شك" (البدر المنير ٢/ ٣١٦).
قلنا: ويؤيدهما الرواية الآتية، بلفظ: «أَوْ فِي مَجْلِسِ قَوْمٍ». وهي رواية صحيحة، كما سيأتي بيانه.
[التخريج]:
[م ٢٦٩ "واللفظ له" / د ٢٥ / حم ٨٨٥٣ / خز ٧١ / ك ٦٧٧ / عل ٦٤٨٣ / جع ٢٩٣ / بغ ١٩١ / مسن ٦٢٠ / هق ٤٧٣ / هقغ ٦١ / هقع ٨٣٠ / عد (٩/ ٤٦٨) / كر (٥٥/ ١٦٤)].
[السند]:
قال مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب، وقُتَيْبَة، وابن حجر، جميعًا: عن
стр. 2834
إسماعيل بن جعفر - قال: ابن أيوب، حدثنا إسماعيل -، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.
العلاء: هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب.
وقُتَيْبَة: هو ابن سعيد. وابن حجر: هو علي بن حجر السعدي المروزي.
[تنبيه]:
قال ابن الملقن: "وفي رواية لابن السكن «طريق المسلمين» بدل «الناس» " (البدر المنير ٢/ ٣١١).
ولم نقف عليه، فمازال كتاب السنن لابن السكن في عداد المفقود، والله المستعان.
* * *
رِوَايَةُ: أَوْ فِي مَجْلِسِ قَوْمٍ:
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: «الَّذِي يَتَغَوَّطُ عَلَى طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي مَجْلِسِ قَوْمٍ».
[الحكم]: إسناده حسن، وصححه ابن مَنْدَهْ.
[التخريج]:
[جا ٣٢ / عه ٥٥٨، ٥٥٩ "واللفظ له" / منذ ٢٦٤].
[السند]:
قال ابن الجارود: حدثنا الربيع بن سليمان، أَنَّ ابن وهب، أخبرهم قال: أخبرني سليمان -يعني ابن بلال -، عن العلاء، حدثه عن أبيه، عن
стр. 2835
أبي هريرة، به بلفظ: «الذي يتبرز على طريق الناس أو في مجلس قوم».
وأخرجه أبو عوانة (٥٥٨): عن محمد بن يحيى الذهلي عن يحيى بن صالح عن سليمان بن بلال، به.
وأخرجه أبو عوانة (٥٥٩): عن محمد بن يحيى الذهلي.
وابن المنذر في (الأوسط ٢٦٤) عن علان بن المغيرة، كلاهما: عن سعيد بن الحكم ابن أبي مريم، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن العلاء، به باللفظ المذكور أعلى.
[التحقيق]:
هذا إسناد حسن؛ رجاله ثقات غير العلاء بن عبد الرحمن، فهو "صدوق ربما وهم" كما في (التقريب ٥٢٤٧)، وأصل الحديث عند مسلم كما تقدم.
وقد رواه عن العلاء بهذا اللفظ «أَوْ فِي مَجْلِسِ قَوْمٍ»، سليمان بن بلال وهو ثقة من رجال الشيخين (التقريب ٢٥٣٩).
ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وهو "ثقة" أيضًا من رجالهما (التقريب ٥٧٨٤).
فهذه الرواية تقيد رواية إسماعيل بن جعفر السابقة، بأن المراد بالظل في روايته، الظل الذي يجلسون تحته، وليس كل ظل، كما تقدم عن ابن خزيمة وغيره. والله أعلم.
والحديث عزاه ابن الملقن لابن مَنْدَهْ، بلفظ: «الذي يتخلى في طريق المسلمين أو مجالسهم» ثم نقل عن ابن مَنْدَهْ أنه قال: "إسناده صحيح" (البدر المنير ٢/ ٣١٢)، (تحفة المحتاج ١/ ١٦٣).
* * *
стр. 2836
رِوَايَةُ: وَأَفْنِيَتِهِمْ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طُرُقِ النَّاسِ وَأَفْنِيَتِهِمْ».
[الحكم]: شاذ بلفظ: «أَفْنِيَتِهِمْ»، المحفوظ بلفظ: «ظِلِّهِمْ».
[التخريج]:
[حب ١٤١١].
[السند]:
أخرجه (ابن حبان): أخبرنا محمد بن إسحاق مولى ثقيف، قال: حدثنا الوليد بن شجاع، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات إِلَّا أَنَّ الوليد بن شجاع قد خالفه جماعة من الثقات الأثبات في لفظه؛ وهم:
١، ٢، ٣ - علي بن حجر، وقُتَيْبَة بن سعيد، ويحيى بن أيوب المقابري، كما عند مسلم (٢٦٩) وغيره.
٤ - وسليمان بن داود الهاشمي، كما عند أحمد (٨٨٥٣).
٥ - وأبو الربيع الزهراني، كما عند البيهقي في (الصغرى ٦١)، و (المعرفة ٨٣٠).
خمستهم: رووه عن إسماعيل بن جعفر به بلفظ: «ظِلِّهِمْ» بدل «أَفْنِيَتِهِمْ».
وعليه: فلفظة «أَفْنِيَتِهِمْ» شاذة، لا تثبت، والله أعلم.
* * *
стр. 2837
٥٥٥ - حَدِيثٌ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اتَّقُوا هَذِهِ الْمَلْعَنَةَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْمَلْعَنَةُ؟ قَالَ: «أَنْ تُلْقُوا أَذَاكُمْ عَلَى الطُّرُقَاتِ».
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا بهذا السياق، ومعناه صحيح لما تقدم من حديث أبي هريرة.
[التخريج]:
[زهن ١٠٨٥ "واللفظ له" / مج ١٦٦٠]
[السند]:
قال هناد في (الزهد): حدثنا يعلى، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، به.
وأخرجه أبو بكر الدينوري: من طريق شريك النخعي، عن يحيى بن عبيد الله، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب، وهو "متروك" كما في (التقريب ٧٥٩٩). وقال ابن حبان: "يُرْوى عن أبيه ما لا أصل له" (المجروحين ٢/ ٤٧٣)، وقال الحاكم: "روى عن أبيه عن أبي هريرة نسخة أكثرها مناكير"، وقال في موضع آخر: "يضع الحديث" (تهذيب التهذيب ١١/ ٢٥٤).
وأبوه، عبيد الله بن عبد الله بن موهب، قال أبو داود: قلت لأحمد:
стр. 2838
لأي شيء ترك حديث يحيى بن عبيد الله؟ قال: "أحاديثه مناكير، وأبوه لا يعرف" (سؤالات أبي داود ٥٦٥) وبنحوه في (العلل رواية عبد الله ٣٢٢٢). وقال الإمام الشافعي: "لا نعرفه"، وقال ابن القطان الفاسي: "مجهول الحال". وشذّ ابن حبان فذكره في (الثقات) كعادته، انظر: (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٥)، وقال الحافظ: "مقبول" (التقريب ٤٣١١).
والمتن يشهد لمعناه حديث أبي هريرة عند مسلم المتقدم في أول الباب.
[تنبيه]:
رواه هناد في (الزهد ١٠٨٥) عن يعلى، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، به. ثم قال: حدثنا يعلى، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه مثله. (الزهد ١٠٨٦).
ويظهر - لنا - أَنَّ السند الثاني مرسلًا، وإلا لم يكن هناك معنى لتكرار السند، إِلَّا أَنَّ المحقق أشار إلى أَنَّ هذا السند لم يأت في بعض النسخ، فنخشى أَنَّ يكون هذا التكرار خطأ من بعض النساخ، والله أعلم.
وعلى كل حال، فهو ضعيف جدًّا أيضًا؛ لأجل يحيى.
* * *
стр. 2839
٥٥٦ - حَدِيثٌ ثَالِثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ مُحمدِ بنِ سِيرينَ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِأَبي هُرَيرَةَ ﵁: أَفْتَيتَنا في كُلِّ شَيءٍ حَتَّى يُوشِكَ أَنْ تُفْتِيَنا في الخِراءِ، قالَ: فَقالَ أَبو هُرَيرَةَ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ سَلَّ سَخيمَتَهُ عَلى طَريقٍ عامِرٍ مِن طُرُقِ المُسلمينَ، فَعَليهِ لَعْنةُ اللَّهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ».
[الحكم]: منكر، قاله الذهبي، وهو ظاهر صنيع العقيلي وابن عدي، وضعفه المنذري، وابن حجر - وتبعه الشوكاني -، والألباني.
[اللغة]:
(السَّخِيمةُ): الحقد والضغينة والموجدة في النفس، والمراد بها هنا الغائط والنجو، انظر: (النهاية لابن الأثير ٢/ ٣٥١)، (لسان العرب ١٢/ ٢٨٢)، و (شرح البخاري للسفيري ٢/ ٣١٦)، و (سبل السلام ١/ ١٠٩).
[التخريج]:
[ك ٦٧٨ "واللفظ له" / هق ٤٧٥ / طس ٥٤٢٦ / طص ٨١١ / عد (٩/ ٢٨٩) / عق (٣/ ٥٢٤)].
[السند]:
أخرجه الحاكم - وعنه البيهقي - قال: حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا أبو المثنى، حدثنا كامل بن طلحة، حدثنا محمد بن عمرو الأنصاري، حدثنا محمد بن سيرين، به.
ومداره عند الجميع على كامل بن طلحة، به.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إِلَّا محمد بن
стр. 2840
عمرو أبو سهل الأنصاري، تفرد به: كامل بن طلحة الجحدري".
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ محمد بن عمرو أبو سهل الأنصاري، ضعفه يحيى بن معين، ويعقوب بن سفيان، والنسائي، وابن عدي، وضعفه يحيى القطان جدًّا، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: "ليس يساوي شيئًا"، أما ابن حبان فذكره في (الثقات) وقال: "يخطئ"، ثم أعاده في (المجروحين)، وقال: "هو ممن ينفرد بالمناكير عن المشاهير ; يعتبر حديثه من غير احتجاج به"، انظر: (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٧٨ - ٣٧٩). وقال ابن حجر: "ضعيف" (التقريب ٦١٩٢).
والحديث ذكره العقيلي في ترجمته، وقال: "ولا يتابع عليه" (الضعفاء ٣/ ٥٢٤).
وكذا ذكره ابن عدي في ترجمته، مع جملة من حديثه، ثم قال: "هو عزيز الحديث وله غير ما ذكرت أحاديث أيضًا، وأحاديثه إفرادات، ويكتب حديثه في جملة الضعفاء" (الكامل ٩/ ٢٨٩).
وقال المنذري: "رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي وغيرهما ورواته ثقات إِلَّا محمد بن عمرو الأنصاري" (الترغيب والترهيب ١/ ٨١).
وقال الذهبي: "هذا حديث منكر، والأنصاري ضعيف" (المهذب ١/ ١٠٧).
وضعفه الحافظ في (التلخيص ١/ ١٨٥)، وتبعه الشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٣٤٨)، وضعفه الألباني في (الضعيفة ٥١٥١)، و (الإرواء ١/ ١٠١).
* وصحح إسناده الحاكم، ثم قال: "ومحمد بن عمرو الأنصاري ممن يجمع