فقال الطبراني: (العجلي)، وقال العقيلي: (التميمي)، ورواه ابن عدي عن رجل آخر عنه، فقال: (العجلي)، موافقًا لقول الطبراني، ولهذا قال الحافظ في ترجمة العجلي: "والظاهر أَنَّ هذا العجلي هو التميمي المذكور قبله" (اللسان ٣/ ١٨٤).
* * *
стр. 3117
٦٤٢ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْخَلَاءِ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ».
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا، واستنكره ابن عدي.
[التخريج]:
[عد (٨/ ٣٢٤)]
[السند]:
قال ابن عدي: حدثنا محمد بن منير، ثنا سعدان بن يزيد، ثنا الهيثم بن جميل، ثنا عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: عبد الكريم بن أبي المخارق؛ "ضعيف" (التقريب ٤١٥٦).
الثانية: عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان؛ وهو واه، ضعفه ابن معين والبخاري وأبو حاتم وغيرهم، وقال عبد الله بن علي ابن المديني، عن أبيه: "روى عنه معن، وغيره بلاء من البلاء، وضعفه جدًّا"، وقال مسلم: "ذاهب الحديث"، وقال أبو داود: "متروك الحديث"، وقال النسائي: "ليس بثقة، ولا يكتب حديثه". (لسان الميزان ٤٨٠٦).
وذكره ابن عدي في ترجمته وقال: "وهذا منكر بهذا الإسناد وإن كان عبد الكريم ضعيفا"، ثم ختم الترجمة بقوله: "وعبد العزيز بن الحصين بين الضعف فيما يرويه" (الكامل ٨/ ٣٢٤).
* * *
стр. 3118
٦٤٣ - حَدِيثٌ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقْدَ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ [ذَلِكَ] ١ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَكَلَ [طَعَامًا] ٢ [فَلْيَتَخَلَّلْ، ] ٣ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظ، وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ (الْخَلَاءَ) ١ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ (فَلْيَمْدُدْهُ عَلَيْه) ٢ (فَلْيَسْتَتِرْ بِهِ) ٣؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ».
[الحكم]: ضعيف، وضعفه ابن حزم، والبيهقي، وابن عبد البر، وعبد الحق الإشبيلي، وابن سيد الناس، وابن مفلح، وابن كثير، والصنعاني، والألباني.
[التخريج]:
[د ٣٥ "واللفظ له" / جه ٣٣٩ "والزيادة الأولى والرواية الأولى والثانية له"، ٣٤٠، ٣٥٢٢ مختصرًا / حم ٨٨٣٨ / مي ٦٨٠، ٢١١٤"والزيادة الثالثة له" / حب ١٤٠٦/ ك ٧٤٠٣ / طش ٤٨١ / تخ (٣/ ٦) / طح (١/ ١٢١ - ١٢٢/ ٧٤٢ "والرواية الثالثة له"، ٧٤٣) / مشكل ١٣٨ "والزيادة الثانية له" / تطبر (مسند ابن عباس ٧٦٠) / مستغفط (ق ٤٥) / هق ٤٥٤، ٥١١ / هقغ ٦٥ / هقخ ٣٦٧ / هقد ٥٥٧ / شعب ٥٦٥٢ / تمهيد (١١/ ١٧) / بغ ٣٢٠٤ / كر (٤٣/ ٢٩٠)]
[السند]:
قال أبوداود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا عيسى بن يونس،
стр. 3119
عن ثور، عن الحصين الحبراني، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة، به.
ورواه أحمد: عن سريج بن النعمان، عن عيسى بن يونس، به. إِلَّا قال: (عن أبي سعد الخير - وكان من أصحاب عمر -).
ورواه الطحاوي في (شرح معاني الآثار ٧٤٢): عن يونس بن عبد الأعلى، عن يحيى بن حسان، عن عيسى بن يونس، به.
ورواه ابن ماجه (٣٣٩، ٣٤٠، ٣٥٢٢): عن محمد بن بشار، وعبد الرحمن بن عمر (رسته)، كلاهما: عن عبد الملك بن الصباح. والدارمي (٦٨٠) قال: أخبرنا أبو عاصم، كلاهما: عن ثور بن يزيد، به.
ومدار عند الجميع على ثور بن يزيد، به. إِلَّا أنه وقع في بعض المصادر (الحصين الحبراني) وفي أخرى (الحصين الحميري)، وفي بعضها (عن أبي سعيد) وفي أخرى: (عن أبي سعد).
قال الدارقطني: "الصحيح عن أبي سعيد" (العلل ١٥٧٠).
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ حصين الحميري، ويقال: الحبراني؛ لم يرو عنه إِلَّا ثور بن يزيد، وسئل عنه أبو زرعة الرازي فقال: "شيخ" (الجرح ٣/ ٢٠٠)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٦/ ٢١١)، على قاعدته في توثيق المجاهيل. ولذا لم يلتفت إليه الذهبي فقال: "لا يعرف" (الميزان ٢١٠٥)، وقال في (ديوان الضعفاء ١٠٣٩)، وكذا الحافظ في (التقريب ١٣٩٣): "مجهول" (١).
стр. 3120
أما شيخه أبو سعيد، أو أبو سعد؛ فقيل: هو الأنماري الصحابي، ولهذا قال أبو داود - عقب الحديث -: "أبو سعيد الخير: هو من أصحاب النبي ﷺ ".
وقيل: بل هو أبو سعيد الحبراني تابعي مجهول غير أبي سعيد الخير الصحابي، ولهذا
قال ابن أبي حاتم: أبو سعيد الحبراني سألت أبا زرعة عنه فقال: "لا أعرفه"، فقلت: ألقي أبا هريرة؟ قال: "على هذا يوضع" (الجرح ٩/ ٣٧٨)، وقال العجلي (٢١٥٦): "أبو سعيد الحبراني شامي تابعي ثقة"، وذكره ابن حبان في التابعين من (الثقات ٥/ ٥٦٨).
وقال الذهبي: "أبو سعيد الحبراني، حمصي. ويقال أبو سعد الأنماري، والظاهر أنهما اثنان" (الميزان ١٠٢٣٣)، وأعاده برقم (١٠٢٣٩) فقال: "أبو سعيد الحبراني، عن أبي هريرة في وتر الاستجمار والكحل، وعنه حصين الحميرى الحبراني، وعند ابن ماجة أبو سعد الخير، وكذا سماه في ثقاته ابن حبان. ولا يدري من ذا ولا من حصين"ا. هـ.
وقال الحافظ: "الصواب التفريق بينهما، فقد نص على كون أبي سعد
стр. 3121
الخير صحابيا: البخاري وأبو حاتم وابن حبان والبغوي وابن قانع وجماعة. وأما أبو سعيد الحبراني فتابعي قطعا، وإنما وهم بعض الرواة، فقال في حديثه: عن أبي سعد الخير، ولعله تصحيف وحذف، والله تعالى أعلم" (تهذيب التهذيب ١٢/ ١٠٩).
ويشهد لهذا قوله في رواية أحمد (وكان من أصحاب عمر)، فلو كان صحابيا، ما عدل الراوي عن تعريفه بذلك إلى قوله هذا.
وأما عن توثيق العجلي وابن حبان، فلا يعتبران، فهما متساهلان في توثيق المجاهيل، وهذا شاهد على ذلك، ولذا لين توثيقهما الذهبي بقوله في (الكاشف ٦٦٤٨): "وثق"، وقال الحافظ: "مجهول" (التقريب ٨١٢٦).
وبهما أعل الحديث غير واحد:
فقال ابن حزم: " (الحصين) (١) مجهول وأبو سعيد - أو أبو سعد - الخير كذلك" (المحلى ١/ ٩٩).
وقال البيهقي: "ليس بالقوي، وهو محمول إن صح على وتر يكون بعد الثلاث" (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٤٨)، وقال أيضًا: "ليس هذا بمشهور ولا يعارض حديث سلمان المخرج في الصحيح ولم يحتج بهذا الإسناد أحد منهما" (الخلافيات ٢/ ٨٧).
وقال ابن عبد البر: "وهو حديث ليس بالقوي؛ لأن إسناده ليس بالقائم فيه مجهولون" (التمهيد ١١/ ٢١).
стр. 3122
وقال عبد الحق الإشبيلي: "في إسناده الحصين الحبراني، وليس بقوي" (الأحكام الوسطى ١/ ١٣٦)، ونحوه في (الأحكام الكبرى ١/ ٣٨١).
وقال ابن مفلح: "وفي إسناده حصين بن الحميري الحبراني عن أبي سعيد الخير ويقال أبو سعد، وهما مجهولان؛ فلهذا ضعفه غير واحد وصححه ابن حبان وغيره وضعفه أولى" (الآداب الشرعية ٣/ ١٦٩).
وقال ابن كثير: "ليس إسناده بذاك" (إرشاد الفقيه ١/ ٣٣، ٥٥).
وقال ابن حجر: "مداره على أبي سعد الحبراني الحمصي، وقيل: إنه صحابي ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول، وقال أبو زرعة شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل" (التلخيص ١/ ١٨٠). ومع هذا حسن إسناده في (فتح الباري ١/ ٢٥٧)! .
وضعفه أيضًا: ابن سيد الناس في (النفح الشذي ١/ ١٧٣، ١٩٢)، والصنعاني في (سبل السلام ١/ ١١٦)، والألباني في (الضعيفة ١٠٢٨)، وفي (ضعيف أبي داود ٨)، و (الإرواء ١٩٧٦).
* ومع ما ذكرناه من علة إسناد هذا الحديث فقد صححه ابن حبان.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وصححه النووي في (شرح مسلم (٣/ ١٢٦). وحسنه في (المجموع ٢/ ٧٧)، و (الخلاصة ٣١٢)، و (الإيجاز ص ١٧٧).
وكذا حسنه المنذري كما في (البدر المنير ٢/ ٣٠٣)، والعراقي في (تقريب الأسانيد ص ٩)، وابن الهمام في (فتح القدير ١/ ٢١٣)، والسيوطي في (الحاوي ١/ ٤٠٣).
стр. 3123
وابن حجر الهيتمي في (الفتاوى الفقهية ١/ ٥٢)، والزرقاني في (شرح الموطأ ١/ ٧٢).
وصححه مغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ٢١١)، وابن الملقن في (البدر المنير ٢/ ٣٠٢)، والعيني في (عمدة القاري ٢/ ٣٠٠)، و (نخب الأفكار ٢/ ٥٠٠).
والصواب ما تقدم، لجهالة راوييه، والله أعلم.
[تنبيه]:
ذكره ابن حجر في (بلوغ المرام ٩٨)، مقتصرًا على قوله: «من أتى الغائط فليستتر»، وعزاه لأبي داود عن عائشة، وهو سبق قلم، الصواب (عن أبي هريرة).
* * *
• وفي رِوَايَةٍ: عَنْ يَعْلَى بْنِ سِيَابَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا وَدِيَّتَانِ، فَأَمَرَهُمَا أَنْ تَجْتَمِعَا، فَاجْتَمَعَتَا، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاجَتَهُ، وَاسْتَتَرَ بِهِمَا، ثُمَّ قَالَ: «ارْجِعَا إِلَى مَا كُنْتُمَا». فَأَتَيْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، قَالَ: «انْطَلِقْ إِلَى الْبَقِيعِ»، فَأَتَى عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ» ... ، الحديث.
[الحكم]: قصة الوَدِيَّتَيْنِ صح نحوها من حديث جابر عند مسلم وغيره، وقصة القبرين صح نحوها من حديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما، وهذا الحديث إسناده ضعيف، وله طرق وشواهد كثيرة، ولكن بين متونها اختلاف كثير.
[التخريج]:
تخريج السياقة الأولى: [حم ١٧٥٥٩ واللفظ له / قا (٣/ ٢٢١) والزيادة الأولى والرواية الأولى والثانية له / ضح (١/ ٢٨٢) وبقية الزيادات له]
تخريج السياقة الثانية: [طب (٢٢/ ٢٧٥/٧٠٥)]
تخريج السياقة الثالثة: [كر (٧٤/ ٢٠٠) معلقا]
[السند]:
رواه أحمد في المسند (١٧٥٥٩) قال: حدثنا أبو سلمة الخزاعي.
ورواه ابن قانع في (المعجم ٣/ ٢٢١) من طريق أبي هشام المخزومي.
ورواه الخطيب في (الموضح ١/ ٢٨٢) من طريق موسى بن إسماعيل.
ثلاثتهم عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن حبيب بن أبي جبيرة عن يعلى بن سيابة به بلفظ السياقة الأولى غير أَنَّ ابن قانع اختصره مقتصرًا
стр. 3126
على قصة الوديتين.
ورواه الطبراني في (الكبير ٢٢/ ٢٧٥/٧٠٥) من طريق عفان، وسليمان بن حرب (١)، وحجاج بن المنهال، وأبي عمر الضرير (٢)، قالوا: ثنا حماد به بلفظ السياقة الثانية.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه حبيب بن أبي جبيرة، ترجم له البخاري في (التاريخ الكبير ٢/ ٣١٤)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٣/ ٩٧)، بلا جرح ولا تعديل، وذكره ابن حبان في (الثقات ٤/ ١٤٠، ٦/ ١٧٨)! ! .
قلنا: لم يذكروا فيمن روى عنه سوى ابن بهدلة، ولذا قال الحسيني: "مجهول" (الإكمال ١٣٤)، وفي (التعجيل ١٧٥): "لا يعرف"، وبهذا أعله الهيثمي، فذكر منه قصة القبر فقط، ثم قال: "رواه أحمد، وفيه حبيب بن أبي جبيرة قال الحسيني: مجهول" (المجمع)، وهذا هو المعتمد.
وقد تناقض الهيثمي، فذكره في موضع آخر مطولًا، وقال: "رواه أحمد والطبراني بنحوه، -إِلَّا أنه قال: "ثم أتى على قبرين"- وإسناده حسن"! (المجمع).
وقال البوصيري: "إسناد لا بأس به"! (الزوائد ١/ ٥٠).
وقال الصالحي: "سنده جيد"! (سبل الهدى والرشاد ٨/ ١٢).
стр. 3127
ويظهر أنهم اعتمدوا على صنيع ابن حبان، يدل على ذلك قول البوصيري: "هذا إسناد رجاله ثقات، حبيب بن أبي جبيرة ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات" (الإتحاف ١/ ٢٨١).
وتعلقهم بصنيع ابن حبان لا يجدي، ثم إن قول البوصيري: "وباقي رجال الإسناد ثقات" فيه نظر، فعاصم بن بهدلة قد رمي بسوء الحفظ، رماه به ابن عُلَيَّةَ والعقيلي والدارقطني وغيرهم، واختلف عليه في تسمية شيخه أيضًا:
فعلقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٧٤/ ٢٠٠) عن موسى بن إسماعيل التبوذكي قال: حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن محمد بن أبي جبيرة عن يعلى به بلفظ السياقة الثالثة.
وكذا علقه ابن أبي حاتم في (العلل / س ٢٦٩٥)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر /ص ٨٩) عن أبان، ولم يذكرا سياقة حديثه.
وأبان: هو ابن يزيد العطار، وقد خالف حماد بن سلمة في تسمية شيخ عاصم، فسماه "محمد" لا "حبيب"، وذكر هذا الاختلاف البخاري في (التاريخ الكبير ٢/ ٣١٥)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٣/ ٩٧)، وسئل عنه أبو زرعة فقال: "حماد عندي أحفظ وأكبر من أبان، وقال: "حبيب" (العلل لابن أبي حاتم/ س ٢٦٩٥).
قال ابن حجر: "ومحمد بن أبي جبيرة هذا لم يفرده البخاري بترجمة، ولا ابن أبي حاتم ولا من بعدهما" (التعجيل ١٧٥)، فكيفما كان فهو مجهول.
قلنا: وأما المتن فلبعض فقراته شواهد؛ فقصة الوديتين صح نحوها من حديث جابر عند مسلم وغيره، إِلَّا أنه ذكر أنهما كانتا شَجَرَتَيْنِ بِشَاطِئِ
стр. 3128
الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: ((انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللهِ))، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ ... الحديث، وقد سبق تخريجه في أول الباب.
وقصة القبرين صح نحوها أيضًا عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس قال: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ؛ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدِةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». وسيأتي تخريجه قريبًا في باب: "الاستنزاه من البول".
فأما قصة الجمل، فلها طرق كثيرة (١) وشواهد، لكنها لم تتفق على سياقة واحدة، فبين كثير منها اختلاف، مع ما فيها من نكارة سنبينها قريبًا، فانظر: بقية الروايات والشواهد.
[تنبيه]:
قال ابن معين: "يعلى بن مرة: هو يعلى بن سيابة، يقولون: سيابة أمه" (تاريخ ابن معين برواية الدوري ٢). وخالف في ذلك يعقوب الفسوي، فذكر أَنَّ يعلى بن سيابة: هو يعلى بن أمية الثقفي (المعرفة ٢/ ١٥٩).
قال الخطيب: "أخطأ يعقوب في قوله: "أَنَّ يعلى بن سيابة: هو يعلى ابن أمية"؛ لأنهما اثنان، كل واحد منهما غير صاحبه، فيعلى بن سيابة ثقفي
стр. 3129
كما قال يعقوب، ويعلى بن أمية تميمي، وهما جميعًا صحابيان، ولهما رواية عن النبي صلى الله عليه، ويقال: إن سيابة أم يعلى، واسم أبيه مرة" (موضح أوهام الجمع والتفريق ١/ ٢٨١).
وهذا هو الذي اعتمده المزي وتبعه ابن حجر في (تهذيب التهذيب ١١/ ٤٠٤)، أَنَّ ابن سيابة: هو يعلى بن مرة الثقفي، بينما قال ابن حبان: "يعلى بن مرة ... من قال إنه يعلى بن سيابة فقد وهم" (الثقات ٣/ ٤٤٠).
* * *
رِوَايَةٌ فيها قصة المرأة والصبي:
• وفي رواية عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا، مَا رَآهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلَا يَرَاهَا أَحَدٌ بَعْدِي، لَقَدْ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي سَفَرٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ مَرَرْنَا بِامْرَأَةٍ جَالِسَةٍ، مَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا صَبِيٌّ، أَصَابَهُ بَلَاءٌ، وَأَصَابَنَا مِنْهُ بَلَاءٌ، يُؤْخَذُ فِي الْيَوْمِ مَا أَدْرِي كَمْ مَرَّةً، قَالَ: «نَاوِلِينِيهِ» فَرَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَجَعَلتْهُ بَيْنَهُ وَبَينَ وَاسِطَةِ الرَّحْلِ، ثمَّ فَغَرَ فَاهُ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ» ثُمَّ نَاوَلَهَا إِيَّاهُ، فَقَالَ: «الْقَيْنَا فِي الرَّجْعَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَأَخْبِرِينَا مَا فَعَلَ» قَالَ: فَذَهَبْنَا وَرَجَعْنَا، فَوَجَدْنَاهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، مَعَهَا شِيَاهٌ ثَلَاثٌ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ صَبِيُّكِ؟» فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا حَسَسْنَا مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى السَّاعَةِ، فَاجْتَرِرْ هَذِهِ الْغَنَمَ. قَالَ: «انْزِلْ فَخُذْ مِنْهَا وَاحِدَةً، وَرُدَّ الْبَقِيَّةَ».
قال: وَخَرَجْنَا ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْجَبَّانَةِ، حَتَّى إِذَا بَرَزْنَا، قَالَ: «انْظُرْ
٦٤٧١/ ٢)]
[السند]:
رواه أحمد (١٧٥٤٨)، وابن أبي شيبة في المسند (الإتحاف ٦٤٧١/ ٢) وفي (المصنف ٣٢٤١٢) (١) عن عبد الله بن نمير، عن عثمان بن حكيم، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن يعلى بن مرة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه: عبد الرحمن بن عبد العزيز الراوي عن يعلى، قال فيه ابن معين: "شيخ مجهول" (التاريخ برواية الدارمي ٤٦٣)، وأقره ابن عدي فقال: "وليس هو بذلك المعروف كما قال ابن معين" (الكامل ١١١٤)، وقال الحسيني: "ليس بمشهور" (الإكمال ٥٢٠)، وانظر: التنبيه المذكور عقب التحقيق.
ومع ذلك قال المنذري: "وإسناده جيد"! ! (الترغيب ٣/ ١٤٤).
فتعقبه الألباني قائلا: "عبد الرحمن هذا أورده ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، ولم
يحك فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الحسيني: "ليس بالمشهور"، وبقية رجاله ثقات رجال مسلم" (الصحيحة ١/ ٨٧٦). وقد فاته كلام ابن معين وابن عدي في عبد الرحمن.
وبين رواية عبد الرحمن بن عبد العزيز هذه ورواية حبيب بن أبي جبيرة (المجهول أيضًا)، اختلاف كثير، ففي رواية حبيب ذكر قصة صاحب أو
стр. 3132
صاحبي القبر، بدلا من قصة المرأة وصبيها، وفي رواية حبيب ترك النبي ﷺ للرجل جمله، إذ لم يرض الرجل بأن يهبه له! ، بينما في رواية عبد الرحمن نهاه عن نحره، واستوهبه منه، فوهبه له الرجل، فأخذه النبي ﷺ وجعله في إبل الصدقة! ، وسيأتي في رواية أخرى أنه نهاه عن نحره! ، وأمره بتركه في الإبل والإحسان إليه، وكل ذلك منكر كما سيأتي.
ثم قال الألباني: "وقد تابعه عبد الله بن حفص عن يعلى بن مرة الثقفي به نحوه. أخرجه أحمد (٤/ ١٧٣) من طريق عطاء بن السائب عنه. وعطاء كان اختلط. وعبد الله بن حفص مجهول كما قال الحافظ وغيره، وبالجملة فالحديث بهذه المتابعات جيد. والله أعلم (الصحيحة ١/ ٨٧٦ - ٨٧٧ /ح ٤٨٥).
قلنا: ما ذكره الشيخ قبل هذين الطريقين - (طريق عبدالرحمن بن عبد العزيز وطريق عبد الله بن حفص) - هو ثلاث روايات كلها من طريق المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة، وأعلها بالانقطاع بين المنهال ويعلى، وهو كذلك كما سيأتي قريبًا، وعليه فلا يصح إذا تقوية طريق عبد الرحمن المجهول بطريق المنهال المشار إليه، إذ يحتمل أَنْ يكون هذا المجهول هنا هو نفسه الواسطة المفقودة في حديث المنهال! .
فأما طريق عبد الله بن حفص فمع وهائه لا يصح أيضًا أَنْ ننظر إليه كمتابعة، إذ إنَّ سياقته في الواقع مخالفة تماما لسائر الروايات الأخرى! ، فمن ذلك:
أولًا: أنه ذكر أَنَّ شكاية الجمل إنما هي كثرة العمل، وقلة العلف، بينما شكايته في رواية عبدالرحمن وغيره: أَنَّ صاحبه يريد نحره! ، فنهاه النبي ﷺ ، وأمره في رواية المنهال الآتية بتركه في الإبل! ، والأول هو الذي
стр. 3133
ثبت في غير هذا الحديث؛ فقد روى أحمد وأبو داود وغيرهما بسند صحيح عن عبد الله بن جعفر أَنَّ النبي ﷺ «دخل حَائِطًا لِرَجُلٍ من الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ، فَسَكَتَ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ »، فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ ، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ». فهذا يؤيد ما في رواية عبد الله بن حفص على وهاء سندها، فأما ما في الروايات الأخرى من حديث يعلى، وبعض شواهده، من إنكاره على الرجل نحر الجمل، وأمره له بعدم نحره، فهذا -والله أعلم- يعدّ منكرًا؛ لمخالفته ما تقرر في أصل الشريعة من حِلّ ذلك لنا، ولذا لم نلجأ إلى القول بتعدد الواقعة -إذ التعدد إنما نلجأ إليه بعد ثبوت الرواية-، خلافًا لصنيع البيهقي حيث قال عن رواية عبد الله بن حفص: "ولما روينا في حديث يعلى بن مرة في أمر البعير الذي شكى إلى النبي ﷺ حاله، [شاهد] بإسناد صحيح، وكأنه غير البعير الذي أرادوا نحره، والله أعلم" (دلائل النبوة ٦/ ٢٤).
قلنا: لم ترد قصة البعير الذي أرادوا نحره من وجه معتبر، وانظر: تحقيقنا لحديث ابن مسعود.
ثانيًا: أنه ذكر أَنَّ شجرة واحدة إنما استأذنت ربها أَنْ تسلم على رسول الله ﷺ ، فأذن لها (١)، بينما في رواية عبد الرحمن وغيره أَنَّ شجرتين اجتمعتا لقضاء حاجته ﷺ ، قال البيهقي: "الرواية الأولى عن يعلى بن مرة في أمر
стр. 3134
الشجرتين أصح، لموافقتها رواية جابر بن عبد الله الأنصاري، إِلَّا أَنْ يكون أمر الشجرة في هذه الرواية حكاية عن واقعة أخرى" (دلائل النبوة ٦/ ٢٣).
قلنا: سياقة عبد الله بن حفص تدل على أنها نفس الواقعة التي ذكرها عبدالرحمن وغيره، غير أنهم اختلفوا في سياقتها، فقد ذكر عبد الله في أوله أَنَّ يعلى قال: "ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله ﷺ "، فذكرهن، فهو يتكلم عن نفس الثلاث المذكورة في حديث عبد الرحمن وغيره، بدليل اتفاقه معهم في أصل قصة الصبي والبعير، والله أعلم.
ثالثًا: أنه ذكر أَنَّ المرأة إنما أتته بجزر ولبن! فأمرها أَنْ ترد الجزر، وأمر أصحابه، فشربوا من اللبن! ، بينما في رواية عبد الرحمن أنها أتته بثلاث شياه، فقال ليعلى: "خذ منها واحدة، ورد البقية"، فثمة اختلاف في كل فقرة من فقرات الحديث! .
نعم، الشواهد الكثيرة لقصة المرأة والصبي تدل على أَنَّ لها أصلا، وإن اختلفت هذه الشواهد في تعيين هدية المرأة، وانظر: بقية الروايات والشواهد.
[تنبيهان]:
الأول: في ترجمة عبد الرحمن بن عبد العزيز، قال ابن عدي: "أظنه هو ابن عبد الله بن عثمان بن حنيف"، ثم نقل قول ابن معين أنه: "شيخ مجهول"، وأقره فقال: "وليس هو بذلك المعروف كما قال ابن معين" (الكامل ١١١٤)، فلم يعمل بذاك الظن؛ لأن ابن حنيف معروف كما سيأتي، ولما ذكر ابن حجر قول الحسيني: "ليس بمشهور" تعقبه قائلا: "قد ذكره البخاري، وذكر بعده: عبد الرحمن بن عبد العزيز الأمامي الأنصاري
стр. 3135
من ذرية أبي أمامة بن سهل، ويغلب على ظني أنهما واحد" (التعجيل ٦٣٦).
أي أَنَّ البخاري قد فرق (١) بين الراوي عن يعلى وبين الأمامي - وهو ابن حنيف -، ويراهما ابن حجر رجلًا واحدًا، مع أنه قد فرق بينهما أيضًا أبو حاتم الرازي، وأقره ابنه عبد الرحمن في (الجرح والتعديل ٥/ ٢٦٠)، ومع ذلك فقد عمل ابن حجر بظنه ذاك في ترجمة الأمامي من (تهذيب التهذيب ٦/ ٢٢٠)، فذكر كلام ابن معين ضمن كلام النقاد في ابن حنيف الأمامي، وكذا خلط بينهما الذهبي في (الميزان ٢/ ٥٧٧).
والصواب التفرقة بينهما كما ذهب إليه البخاري وأبو حاتم وابنه، ويؤيده عدة أمور:
أولها: أنهم لم يذكروا يعلى بن مرة في شيوخ ابن حنيف، ولا ذكروا عثمان بن حكيم في تلاميذه، ومن عادتهم أنهم يحرصون على أَنْ يذكروا في شيوخ الرجل أقدمهم وأجلهم، ولاسيما الصحابة، وكذا يذكرون في من روى عنه من هو أكبر منه، وليس في من ذكر من شيوخ ابن حنيف من هو أقدم وأجل من يعلى، فلو كان صاحبنا هو ابن حنيف لحرصوا على ذكر يعلى في شيوخه، وكذلك لحرصوا على ذكر عثمان في تلاميذه، لكونه أعلى من ابن حنيف كما سيأتي.
الثاني: أَنَّ صاحبنا قال فيه ابن معين: "مجهول"، وأقره ابن عدي،
стр. 3136
وابن حنيف الأمامي مشهور معروف، وإن اختلف فيه النقاد، فقد روى له مسلم، ووثقه يعقوب بن شيبة.
وقال ابن سعد: "كان عالما بالسيرة وغيرها، وكان كثير الحديث" (الطبقات الكبرى ٧/ ٥٨٧)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٧/ ٧٥) وقال: "من جلة أهل المدينة" (المشاهير ١٠١١)، وقال أبو حاتم: "شيخ مضطرب الحديث"، وقال الأزدي: "ليس بالقوي عندهم" (تهذيب التهذيب ٦/ ٢٢٠).
الثالث: أَنَّ صاحبنا إنما روى عنه عثمان بن حكيم المتوفي (١٣٨ هـ)، وهو من الطبقة الخامسة، فهو أعلى من ابن حنيف المتوفي (١٦٢ هـ)، وهو من الطبقة الثامنة، فلو كان صاحبنا هو ابن حنيف، فيكون عثمان قد روى عمن هو أصغر منه بطبقتين، والأصل خلافه، حتى يثبت العكس، ولا دليل عليه، ولا حاجة إليه، وعلى فرض صحة ما ظنه
ابن حجر، فيكون الإسناد منقطعًا بين ابن حنيف ويعلى، إذ لا سماع لهذه الطبقة من الصحابة بل ولا إدراك، فالإسناد معلول على أية حال.
التنبيه الثاني:
قول ابن معين في عبد الرحمن بن عبد العزيز: "شيخ مجهول"، قد جاء في سياق أحدث اختلافًا في فهمه، حيث قال الدارمي سائلا ابن معين: "فعثمان بن حكيم عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، من هذا؟ فقال: "شيخ مجهول"، قال: فقلت: فعبد الله بن حفص الذي يروي عنه؟ قال: "شيخ لا أعرفه" (التاريخ ٤٦٣، ٤٦٤).
ففهم الحافظ ابن عدي أَنَّ قول ابن معين: "شيخ مجهول"، إنما هو في
стр. 3137
عبد الرحمن بن عبد العزيز، وهو الصواب، فذكره في ترجمته من (الكامل)، وأقره كما سبق.
بينما فهم ابن أبي حاتم من ذلك أَنَّ قوله: "شيخ مجهول" إنما هو في عثمان، فترجم لعثمان بن حكيم أبي سهل الأنصاري الثقة، ثم ترجم لعثمان بن حكيم الأودي، ثم ترجم لثالث، فقال: "عثمان بن حكيم روى عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، روى عنه عبد الله بن حفص"! ، ثم أسند عن الدارمي ما ذكرناه آنفًا (الجرح والتعديل ٦/ ١٤٧).
وتبعه على ذلك الذهبي في (المغني ٤٠١٤) و (الميزان ٣/ ٣٢)، ولم يعلق عليه ابن حجر في (اللسان ٥١٠٧)، مع أنه قد ذكر كلام ابن معين نقلا عن الدارمي في ترجمة عبد الرحمن بن عبد العزيز الأمامي! كما سبق، وكذا ذكره الذهبي مع كلام ابن عدي أيضًا في ترجمة الأمامي! (الميزان ٢/ ٥٧٧).
وصنيع ابن أبي حاتم مجانب للصواب، لعدة أمور:
الأول: أَنَّ عبد الله بن حفص الذي سأل عنه الدارمي لا يروي عن عثمان بن حكيم أصلا، وإنما يروي عن يعلى بن مرة كما تراه في ترجمته من كتب التراجم، ولا تعرف له رواية عن غيره، فهو أعلى طبقة من عثمان الذي يروي عن رجل عن يعلى! .
الثاني: أَنَّ عثمان بن حكيم المذكور في كلام الدارمي بأنه يروي عن عبد الرحمن بن عبد العزيز هو نفسه أبو سهل الأنصاري الثقة، وليس آخرًا مجهولًا كما زعم ابن أبي حاتم، فقد روى عنه عبد الله بن نمير، وهو معدود في تلاميذ أبي سهل الأنصاري.
стр. 3138
الثالث: أنه قبل هذه الترجمة -التي اختلف في فهمها- بأربع تراجم سأل الدارمي ابن معين عن عثمان بن حكيم، فقال: "ثقة" (التاريخ ٤٥٨)، فلو كان المراد من الموضع الثاني: هو ما فهمه ابن أبي حاتم؛ لكان الأنسب والأولى أَنْ يذكر عقب هذه الترجمة مباشرة دون فصل للتمييز بينهما.
إذن فالسؤال في قول الدارمي: "من هذا" إنما هو عن عبدالرحمن بن عبدالعزيز كما فهم ابن عدي، وليس عن عثمان بن حكيم كما فهم ابن أبي حاتم، فأما عن سبب هذا الإشكال وهو الضمير في قوله: "فعبد الله بن حفص الذي يروي عنه"، فله احتمالان:
أولهما: أَنْ يكون صواب العبارة: "الذي يُرْوى عنه" بالبناء للمجهول.
الثاني: أَنَّ الضمير في قوله: "عنه" يعود على يعلى بن مرة، وإن لم يسبق له ذكر؛ لأن رواية عثمان بن حكيم عن عبد الرحمن بن عبد العزيز إنما هي لحديث يعلى هذا فقط، ونفس هذا الحديث قد رواه عبد الله بن حفص عن يعلى وإن خالف في متنه، فطالب العلم الذي يعرف المتن المروي عن عثمان عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، وأن كلا من عبد الرحمن وعبد الله بن حفص قد رويا هذا المتن عن يعلى، يعرف مرجع الضمير دون عناء، والله أعلم.
* * *
أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا يَعْلَى خُذِ الْأقِطَ وَالسَّمْنَ، وَأَحَدَ الْكَبْشَيْنِ، وَرُدَّ عَلَيْهَا الْآخَرَ» [قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا رَأَيْتُ مِنْهُ ذَاكَ].
• وفي رواية ٢: عَنْ يَعْلَى، قَالَ: مَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ رَأَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا دُونَ مَا رَأَيْتُ، فَذَكَرَ أَمْرَ الصَّبِيِّ، وَالنَّخْلَتَيْنِ، وَأَمْرَ الْبَعِيرِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «مَا لِبَعِيرِكَ يَشْكُوكَ، زَعَمَ أَنَّكَ سَنأتهِ، حَتَّى إِذَا كَبُرَ تُرِيدُ أَنْ تَنْحَرَهُ» قَالَ: صَدَقْتَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، قَدْ أَرَدْتُ ذَلِكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَفْعَلُ.
[الحكم]: إسناده ضعيف، وله طرق كثيرة بين متونها اختلاف كثير، ولبعض فقراته شواهد.
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [زو ٥٠٨ واللفظ له / زهن (ص ٦٢١) / سعد (١/ ١٤٤) مختصرًا / مش (خيرة ٦٤٧١/ ١) / مث ١٦١٢، ١٦١٤ / طب (٢٢/ ٢٦٤/ ٦٧٩ "وله الزيادات والروايات سوى الرواية الأولى"، ٦٨٠) / نبق ٣٠٤ مختصرًا والرواية الأولى له / كر (٤/ ٣٦٦، ٣٦٧)]
تخريج السياق الثاني: [حم ١٧٥٦٧]
[التحقيق]:
رواه وكيع في (الزهد) - وعنه هناد في (الزهد)، وابن سعد في (الطبقات)، وابن أبي شيبة في (المسند)، وعنه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ١٦١٢) - قال: حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة به مطولًا غير أَنَّ ابن سعد اختصره.
стр. 3141
ورواه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ١٦١٤) وأبو نعيم في (الدلائل ٢٩٢) عن محمد بن عبد الله بن نمير، ورواه البيهقي في (الدلائل ٦/ ٢٢) من طريق إبراهيم بن عبد الله، ورواه ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٤/ ٣٦٦، ٣٦٧) من طريق عبد الله بن هاشم بن حيان العبدي، ثلاثتهم عن وكيع به، واقتصر البيهقي على قصة الصبي فقط.
وتوبع وكيع على هذا الوجه (١):
فرواه الطبراني في (الكبير ٢٢/ ٢٦٤/٦٨٠) قال: حدثنا عبيد بن غنام، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا محاضر، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرة، قال: "رأيت من النبي ﷺ ثلاثة أشياء"، فذكر نحوه (٢).
ومحاضر: هو ابن المورع الهمداني، من رجال الصحيح، قال ابن حجر: "صدوق له أوهام".
وقد توبع عليه الأعمش أيضًا:
فرواه أحمد (١٧٥٦٧) عن أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حبيب بن أبي عمرة، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى قال: «ما أظن أَنَّ أحدًا من الناس رأى من رسول الله ﷺ إِلَّا دون ما رأيت»، فذكر أمر الصبي، والنخلتين، وأمر البعير، إِلَّا أنه قال: «ما لبعيرك يشكوك ... »
стр. 3142
الحديث.
وأسود وحبيب ثقتان، وكذلك أبو بكر بن عياش ثقة غير أنه تكلم في حفظه، وهذا لا يضر هنا لكونه متابعًا.
فالحديث من رواية الأعمش وحبيب مداره على المنهال بن عمرو عن يعلى، وهو ضعيف؛ لانقطاعه، فرواية المنهال عن يعلى مرسلة كما قال المزي في (التهذيب ٢٨/ ٥٦٩، ٣٢/ ٣٩٩)، وأبو زرعة العراقي في (تحفة التحصيل ص ٣١٨).
ومع ذلك قال الهيثمي مشيرًا إلى رواية حبيب بن أبي عمرة: "وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح" (المجمع ١٤١٥٨).
قلنا: نعم، ولكن هذا لا يعني صحة الإسناد، لفقده شرط الاتصال، ولذا بعدما صححه الألباني لثقة رجاله، استدرك على نفسه قائلا: "إنه منقطع"، ثم قواه بطريق عبد الرحمن بن عبد العزيز وعبد الله بن حفص، كلاهما عن يعلى (الصحيحة ٤٨٥).
وقد سبق أنه لا يصح تقوية هذا الطريق برواية عبد الله بن حفص؛ لاختلاف السياقتين اختلافًا كبيرا، ولا برواية عبد الرحمن بن عبد العزيز (المجهول)، إذ يحتمل أَنْ يكون ذاك المجهول هو نفسه الواسطة المفقودة في هذه الرواية المنقطعة الإسناد.
فإن قيل: قد رواه الطبراني في (الكبير ٢٢/ ٢٦٤/٦٧٩) قال: حدثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، قال: حدثني ابن يعلى بن مرة، عن أبيه، به.
أفلا يدل ذلك على أَنَّ الواسطة هو أحد أبناء يعلى؟ وهم ما بين مجهول
стр. 3143
كعثمان، وضعيف كعبد الله، وموثق عند ابن حبان كعبد الرحمن، فيعتبر به أيًّا كان، وحينئذ يتقوى بمتابعة كل من عبد الرحمن بن عبد العزيز وحبيب بن أبي جبيرة، إذ يصير عندنا ثلاثة مجاهيل! قد رووه عن يعلى، أو مجهولان وضعيف، أو وموثق؟ ! .
قلنا: قد رواه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ١٦١١) قال: حدثنا ابن مصفى ثنا يحيى بن عيسى ثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة عن أبيه به، بنحو رواية أسد عن يحيى بن عيسى إِلَّا أنه قال فيه: "إن هذا يصرع في الشهر ثلاث مرات"، وفي رواية أسد: "سبع مرات"! .
ورواية ابن أبي عاصم هذه أصح سندًا من رواية الطبراني، إذ المقدام شيخ الطبراني واه، وابن مصفى وإن كان ممن يدلس ويسوي، فقد صرح بالسماع من شيخه وبسماع شيخه يحيى من الأعمش، فلا موضع للتسوية هنا.
فقد تبين بهذه الرواية أَنَّ كلمة "ابن" قبل "يعلى" في سند الطبراني مقحمة أو وهم من أحد الرواة، وأن يحيى بن عيسى إنما يرويه عن الأعمش عن المنهال عن يعلى بن مرة عن أبيه، وكذلك ذكره ابن الأثير في (أسد الغابة ٥/ ١٤٢)، وانظر: الكلام على زيادة "عن أبيه" تحت حديث مرة.
ومثله ما وقع عند إسماعيل الأصبهاني في (دلائل النبوة ٣٠٤) من طريق ابن أبي حاتم ثنا أبو سعيد الأشج ثنا وكيع عن الأعمش عن المنهال عن ابن يعلى بن مرة عن أبيه، به.
فقد رواه البيهقي في (الدلائل ٦/ ٢١، ٢٢)، وتاج الدين السبكي في (المعجم ٤/ ٧٨) من طريق ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج، -زاد
стр. 3144
البيهقي: "وعمرو الأودي"- حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرة، عن أبيه، به (١).
إذن، فالمحفوظ عن المنهال أنه يرويه عن يعلى لا عن ابن يعلى، ويؤيده أنه لم يذكر أحد أحدًا من أبناء يعلى في شيوخ المنهال، وبهذا يبقي الاحتمال المذكور آنفًا بشأن الواسطة كما هو، هذا فضلًا عن الاختلاف بين السياقتين في بعض المواضع خاصة قصة البعير، فأما طريق حبيب بن أبي جبيرة المجهول أيضًا! ، فقد سبق أنه لم يذكر في سياقته قصة الصبي أصلا، وذكر بدلا منها قصة صاحبي القبرين، فضلًا عن بعض الاختلافات الأخرى بين روايته ورواية عبد الرحمن بن عبد العزيز كما بيناه فيما سبق.
وانظر: بقية الروايات التالية:
[التخريج]:
[مع (خيرة ٦٤٧١/ ٣)، (مغلطاي ١/ ٢١١، ٢١٢) والروايات والزيادات له / نبق ٢٤٠ واللفظ له / علحا ٢٦٩٥ معلقا]
[السند]:
رواه ابن منيع في (مسنده) - كما في (الإتحاف ٦٤٧١) و (شرح ابن ماجه ١/ ٢١١) -: عن الحسين بن محمد (١) ثنا المسعودي عن يونس بن خباب عن ابن يعلى بن مرة عن يعلى بن مرة، به.
ورواه إسماعيل الأصبهاني في (دلائل النبوة ٢٤٠) من طريق حجاج ثنا المسعودي، به.
وحجاج: هو ابن محمد المصيصي، والمسعودي: هو عبدالرحمن بن عبد الله بن عتبة.
وعلقه ابن أبي حاتم في (العلل ٢٦٩٥) عن عبدالرحمن بن زياد الرصاصي عن المسعودي، به.
فمداره عندهم على المسعودي.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه أربع علل:
الأولى: ابن يعلى بن مرة، لا يعرف من هو، وقد ذكروا ليعلى ثلاثة أبناء، أولهم: عثمان، وهو مجهول (التقريب ٤٥٢٩)، والثاني: عبد الله، وهو
стр. 3147
ضعيف (الميزان ٢/ ٥٢٨)، والثالث: عبد الرحمن، انفرد بذكره ابن حبان! وقال: "روى عنه أهل الحجاز"، ولم يسم منهم أحدا! (الثقات ٥/ ٨٤)، ونخشى أَنْ يكون وهمًا.
الثانية: يونس بن خباب، رافضي خبيث، تكلم فيه أحمد، ولم يرضه، وقال: "هذا كان يقع في عثمان" (سؤالات المروذي ١٠٨)، وقال فيه ابن معين: "رجل سوء، كان يشتم عثمان"، وقال البخاري: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "مضطرب الحديث، ليس بالقوي"، وقال الحاكم أبو أحمد: "تركه يحيى وعبد الرحمن، وأحسنا في ذلك؛ لأنه كان يشتم عثمان، ومن سب أحدًا من الصحابة فهو أهل أَنْ لا يُرْوى عنه" (تهذيب التهذيب ١١/ ٤٣٨).
الثالثة: المسعودي عبدالرحمن بن عبد الله، كان قد اختلط، قال ابن سعد: "اختلط في آخر عمره، ورواية المتقدمين عنه صحيحة" (تهذيب التهذيب ٦/ ٢١١).
قال ابن حجر: "وضابطه أَنَّ من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط" (التقريب ٣٩١٩).
قلنا: ومن هؤلاء: حجاج بن محمد المصيصي، فقد قال أحمد: "وأما يزيد بن هارون، وحجاج، ومن سمع منه ببغداد فهو في الاختلاط" (العلل ٤١١٤).
وكذلك الحسين بن محمد المروذي، فإنه كان قد سكن بغداد، وليس هو من قدماء أصحاب المسعودي، فالظاهر أنه ممن سمع منه بعد الاختلاط أيضًا، ومثله -والله أعلم- الرصاصي، فإنه عراقي الأصل، ولم يذكره أحد
стр. 3148
في قدماء أصحاب المسعودي، فهذا الحديث مما حَدَّثَ به المسعودي بعد الاختلاط، والله أعلم.
الرابعة: أنه قد خولف فيه المسعودي، فرواه غيره عن يونس عن المنهال عن ابن يعلى عن أبيه، قاله أبو حاتم الرازي كما في (العلل ٢/ ١٩)، وانظر: النكت الظراف (١١٨٥٢).
فعاد الحديث إلى المنهال بن عمرو!، وهو إنما يرويه عن يعلى مرسلًا كما سبق من رواية حبيب بن أبي عمرة وغيره عن المنهال، وانظر: شاهد ابن مسعود.
وقد سبق أَنَّ قصة الشجرتين صح نحوها من حديث جابر عند مسلم وغيره، بينما قصة الجمل منكرة بهذه السياقة، والصحيح أَنَّ الجمل إنما شكا كثرة العمل وقلة العلف كما في رواية عبد الله بن حفص، وهي وإن كان سندها واهيا إِلَّا أنه قد صح نحوها من حديث عبد الله بن جعفر.
* * *
стр. 3149
رِوَايَةٌ: مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ:
• وفي رواية عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ قَالَ: رَأَيْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ مَا رَآهَا أَحَدٌ قَبْلِي، كُنْتُ مِنْهُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ مَعَهَا ابْنٌ لَهَا، بِهِ لَمَمٌ مَا رَأَيْتُ لَمَمًا أَشَدَّ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنِي هَذَا كَمَا تَرَى، قَالَ: «إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ لَهُ» فَدَعَا لَهُ ثُمَّ مَضَى، فَمَرَّ عَلَيْهِ بَعِيرٌ مَادٌّ (١) جرَانَهُ يَرْغُو، فَقَالَ: «عَلَيَّ بِصَاحِبِ هَذَا» فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ: «هَذَا يَقُولُ: نَتَجْتُ عِنْدَكُمْ، وَاسْتَعْمَلُونِي حَتَّى إِذَا كَبِرْتُ أَرَادُوا أَنْ يَنْحَرُونِي»، ثُمَّ مَضَى فَرَأَى شَجَرَتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَمُرْهُمَا فَلْتَجْتَمِعَا [لي]» فَاجْتَمَعَتَا فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لِي: «اذْهَبْ فَقُلْ لَهُمَا تَفْتَرِقَانِ» فَقُلْتُ لَهُمَا فَتَفَرَّقَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ مَرَّ ﷺ عَلَى الصَّبِيِّ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ وَقَدْ هَيَّأَتْ أُمُّهُ سِتَّةَ أَكْبُشٍ فَأَهْدَتْ لَهُ كَبْشَيْنِ وَقَالَتْ: مَا عَادَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّمَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا كَفَرَةُ [أَوْ فَسَقَةُ] الْجِنِّ وَالْإِنْسِ».
[الحكم]: إسناده ضعيف، وله طرق كثيرة بين متونها اختلاف كثير، وقصة الشجرتَيْنِ صح نحوها من حديث جابر عند مسلم وغيره.
[التخريج]:
[طوال ٥٤ واللفظ له / هقل (٦/ ٢٢، ٢٣) والزيادتان له]
[السند]:
رواه الطبراني في (الأحاديث الطوال ٥٤) قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، ثنا شريك، عن عمر بن
стр. 3150
عبد الله بن يعلى بن مُرَّةَ، عن أبيه، عن جده، به.
ورواه البيهقي في (الدلائل ٦/ ٢٢) من طريق العباس الدوري، عن حمدان بن الأصبهاني، حدثنا شريك، عن عمر، به.
وحمدان ابن الأصبهاني: هو نفسه محمد بن سعيد الأصبهاني، وحمدان لقبه.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: عمر بن عبد الله بن يعلى واهٍ، فقد ضعفه جماهير النقاد وعلى رأسهم أحمد وابن معين، وقال الدارقطني: "متروك"، وقد رمي بشرب الخمر (تهذيب التهذيب ٧/ ٤٧١).
ومع ضعفه فقد اختلف عليه فيه أيضًا، فرواه الخطابي في (غريب الحديث ١/ ١٢٥) من طريق مطلب بن زياد عن عمر بن عبد الله عن حكيمة امرأة يعلى عن يعلى بقصة الشجرتين فقط مختصرًا جدًّا. وعلقه أبو نعيم في (الدلائل ٢٨٤) عن المطلب بسنده مقتصرًا على قصة الجمل، وفيها بعض الزيادات، وحكيمة هذه مجهولة كما سيأتي قريبًا.
الثانية: عبد الله بن يعلى، ضعيف؛ ضعفه غير واحد.
وقال البخاري: "فيه نظر" (الميزان ٢/ ٥٢٨)، وفي ترجمته روى العقيلي بعض هذا الحديث، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عنه قال: حدثني أبي «أنه كان مع رسول الله ﷺ فمر على امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني به لمم قد منع من الرقاد فادع الله له» وذكر الحديث" اهـ.
ثم قال العقيلي: "يُرْوى من طريق أصلح من هذا" (الضعفاء ٩٠٨).
стр. 3151
قلنا: لعله يشير إلى الطريق المنقطعة، فهي أصلح طرقه، وعبد الرحمن بن إسحاق الراوي عن عبد الله: هو أبو شيبة الواسطي، وهو واه أيضًا، ضعفه جمهور النقاد كما في (تهذيب التهذيب ٦/ ١٣٧)، ولم يذكر العقيلي بقية المتن لنرى هل اتفق أبو شيبة مع عمر؟ أم اختلف معه كغيره؟ ! ، ففي سياقة عمر من المخالفة لما سبق من الروايات:
١ - أنه قال في قصة الصبي: "هَيَّأَتْ أُمُّهُ سِتَّةَ أَكْبُشٍ فَأَهْدَتْ لَهُ كَبْشَيْنِ"! ، بينما في رواية عبد الرحمن بن عبد العزيز عن يعلى: أنها أتت بـ "شِيَاه ثَلَاث"، وقَالَت: «فَاجْتَرِرْ هَذِهِ الْغَنَمَ» فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «انْزِلْ فَخُذْ مِنْهَا وَاحِدَةً، وَرُدَّ الْبَقِيَّةَ». وفي رواية المنهال عن يعلى: «أَهْدَتْ لَنَا كَبْشَيْنِ وَشَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَ ﷺ : «يَا يَعْلَى خُذِ الْأقِطَ وَالسَّمْنَ، وَأَحَدَ الْكَبْشَيْنِ، وَرُدَّ عَلَيْهَا الْآخَرَ». وفي رواية عبد الله بن حفص أنها إنما أتته بجزر ولبن! فأمرها أَنْ ترد الجزر، وأمر أصحابه، فشربوا من اللبن! ، وهكذا جاء في بعض الشواهد! .
٢ - أنه قال في قصة الصبي: "فَدَعَا لَهُ ثُمَّ مَضَى"، ولم يذكر مخاطبته ﷺ للجان، بينما في بقية الروايات أنه نَفَثَ في فِيهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ».
٣ - أنه لم يذكر مصير الجمل! بينما ذكر غيره أنه جُعل في إبل الصدقة، وذكر آخر أنه تُرك لصاحبه مع الوصاية بعدم نحره! ! واتفق هؤلاء على أَنَّ شكاية الجمل: أَنَّ صاحبه يريد نحره! وخالفهم عبد الله بن حفص فذكر أَنَّ الجمل إنما شكا كثرة العمل، وقلة العلف، وهذا هو الذي ثبت في غير هذا الحديث، وما سواه منكر كما سبق بيانه.
٤ - أنه انفرد بذكر قوله ﷺ في آخر الحديث: «مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي
стр. 3152
رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا كَفَرَةُ [أَوْ فَسَقَةُ] الْجِنِّ وَالْإِنْسِ»، فهذه الجملة لم تذكر في أي من طرق الحديث! ، ومع ذلك ذكرها السيوطي في (الجامع الصغير ٨٠٤٩)، ورمز لصحتها، فتعقبه المناوي قائلا: "رمز المصنف لصحته، وهو زلل، كيف وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى ... قال في الكاشف: "ضعفوه"؟ ! ، وفيه علي بن عبد العزيز فإن كان البغوي فقد كان يطلب على التحديث ... " (الفيض ٥/ ٤٨٤).
هكذا أعله المناوي بـ (علي بن عبد العزيز) أيضًا، وهو غير مقبول منه، ولذا تعقبه الألباني قائلا: "هذه جعجعة لا طحن فيها، فهو الحافظ البغوي دون ريب؛ فإنه شيخ الطبراني فيه، وطلبه على التحديث عيب لا يجرح به، ولذلك كان حجة عند جميع المحدثين كما لا يخفى على أهل العلم، على أنه قد توبع عند البيهقي والحاكم. وأما إنكاره على السيوطي تصحيحه للحديث؛ فغير وارد إِلَّا على إسناده، ... لكن الحديث صحيح بطرقه وشاهده الآتي الإشارة إليه، وقد ألمح إلى تقويته العقيلي كما تقدم" (الصحيحة ٧/ ٩١١).
قلنا: فأما طرقه - مع ما فيها من اختلافات - فقد خلت من هذه الجملة كما بيناه آنفًا، وأما شاهده، فهو حديث جابر بن عبد الله، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من سفر، حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بني النجار، إذا فيه جمل لا يدخل الحائط أحد إِلَّا شد عليه، قال: فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فَجَاءَ حَتَّى أَتَى الْحَائِطَ، فَدَعَا الْبَعِيرَ، فَجَاءَ وَاضِعًا مِشْفَرَهُ إِلَى الْأَرْضِ، حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَاتُوا خِطَامَهُ»، فَخَطَمَهُ، وَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِهِ، قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ، قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا عَاصِيَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» رواه أحمد (١٤٣٣٣) وغيره،
стр. 3153
وحسنه الألباني في (الصحيحة ١٧١٨)، وعليه اعتمد الألباني في تصحيح هذه الجملة من حديث يعلى في (الصحيحة ٣٣١١).
وبقية رجال الإسناد ثقات سوى شَرِيك، وهو النخعي، ساء حفظه بعد توليه القضاء كما سبق ذكره مرارًا، وقد توبع على بعض هذا الحديث كما في الرواية التالية:
رِوَايَةٌ مُخْتَصَرَةٍ: انْظُرْ شَيْئًا أَسْتَتِرُ بِهِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرَةٍ عَنْ يَعْلَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «انْظُرْ شَيْئًا أَسْتَتِرُ بِهِ»، فَذَهَبْتُ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا إِلَّا أَشَاءَتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ، فَقَالَ: «مُرْهُمَا فَلْيَجْتَمِعَا».
[الحكم]: صحيح المتن، وسنده ضعيف جدًّا.
[التخريج]:
[غحر (٢/ ٦١٦)]
[السند]:
رواه الحربي في (غريب الحديث) قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا ابن فضيل، عن عمر بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، به.
وعبيد الله بن عمر: هو القواريري، وابن فضيل: هو محمد.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:
стр. 3154
الأولى: عمر بن عبد الله بن يعلى.
والثانية: عبد الله بن يعلى، فإنهما واهيان كما سبق بيانه آنفًا.
وقد قيل: عن عمر عن حكيمة امرأة يعلى عن يعلى به، مقتصرًا على قصة الشجرتين أيضًا كما في الرواية التالية، وحكيمة هذه مجهولة كما سيأتي.
هذا ولما ذكر ابن كثير تلك الطرق السابقة كلها، قال: "فهذه طرق جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحر أَنَّ يعلى بن مرة حَدَّثَ بهذه القصة في الجملة، وقد تفرد بهذا كله الإمام أحمد دون أصحاب الكتب الستة" ثم قال: "قد أسلفنا عن جابر بن عبد الله نحو قصة الشجرتين، وذكرنا آنفًا عن غير واحد من الصحابة نحوا من حديث الجمل لكن بسياق يشبه أَنْ يكون [غير] هذا فالله أعلم وسيأتي حديث الصبي الذي كان يصرع ودعاؤه ﵇ له وبرؤه في الحال من طرق أخرى" (البداية والنهاية ٤/ ١٤٠، ٦/ ١٤٠).
قلنا: تقدم أَنَّ طرق هذا الحديث هي: (طريق عبد الله بن حفص، وطريق حبيب بن أبي جبيرة، وطريق عبدالرحمن بن عبدالعزيز، وطريق المنهال بن عمرو، وطريق يونس بن خباب، وطريق عمر بن عبد الله بن يعلى)، فأما طريق ابن حفص فقد بينا أنه -بغض النظر عن وهائه- لا يتقوى بغيره ولا يقوي غيره؛ لأن سياقته مختلفة تماما عن سائر السياقات الأخرى، وكذلك طريق حبيب بشأن قصة الصبي خاصة؛ لأنه لم يذكرها أصلا في روايته وذكر بدلا منها قصة صاحبي القبرين، وهذه ثابتة في الصحيح من حديث ابن عباس.
وأما طريق يونس فهو ضعيف جدًّا، ثم هو معلول، ومرده إلى طريق
стр. 3155
المنهال بن عمرو، والمنهال إنما يرويه عن يعلى، ولم يسمع منه، ويحتمل أَنْ يكون الساقط هو عبد الرحمن بن عبد العزيز المجهول، إذ إنَّ سياقته هي الأقرب لسياقة المنهال، فهذه الطرق الثلاث تعد طريقًا واحدًا، فلم يبق لنا سوى طريق عمر بن عبد الله، وهو وحده -مع وهائه والاختلاف عليه في سنده ومتنه- لا ينهض لتقوية طريق المنهال! .
أضف إلى ذلك كله أَنَّ هذه الطرق لم تتفق على سياقة واحدة، وكأنه لذلك قال ابن كثير: "في الجملة"! ، نعم، قد اتفق أكثرها على سياقة قصة الشجرتين، وإن جعلهما بعضهم نخلتين، فالنخل من الشجر، وقد ثبت عند مسلم نحوها من حديث جابر بلفظ "شجرتين"، فأما قصة الجمل فلا نرى هذه الطرق -مع ضعفها واختلافها فيما بينها- ترقى لإثباتها، لاسيما وفي متنها بعض النكرة كما بيناه، وليس لها من الشواهد ما يعضدها، بل الشواهد التي أشار إليها ابن كثير مغايرة لها، فأما قصة الصبي، فكثرة شواهدها تدل على أَنَّ لها أصلا، وإن اختلفت هذه الشواهد في تعيين هديتها للنبي ﷺ ، والله أعلى وأعلم.