قلنا: لعله يشير إلى الطريق المنقطعة، فهي أصلح طرقه، وعبد الرحمن بن إسحاق الراوي عن عبد الله: هو أبو شيبة الواسطي، وهو واه أيضًا، ضعفه جمهور النقاد كما في (تهذيب التهذيب ٦/ ١٣٧)، ولم يذكر العقيلي بقية المتن لنرى هل اتفق أبو شيبة مع عمر؟ أم اختلف معه كغيره؟ ! ، ففي سياقة عمر من المخالفة لما سبق من الروايات:
١ - أنه قال في قصة الصبي: "هَيَّأَتْ أُمُّهُ سِتَّةَ أَكْبُشٍ فَأَهْدَتْ لَهُ كَبْشَيْنِ"! ، بينما في رواية عبد الرحمن بن عبد العزيز عن يعلى: أنها أتت بـ "شِيَاه ثَلَاث"، وقَالَت: «فَاجْتَرِرْ هَذِهِ الْغَنَمَ» فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «انْزِلْ فَخُذْ مِنْهَا وَاحِدَةً، وَرُدَّ الْبَقِيَّةَ». وفي رواية المنهال عن يعلى: «أَهْدَتْ لَنَا كَبْشَيْنِ وَشَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَ ﷺ : «يَا يَعْلَى خُذِ الْأقِطَ وَالسَّمْنَ، وَأَحَدَ الْكَبْشَيْنِ، وَرُدَّ عَلَيْهَا الْآخَرَ». وفي رواية عبد الله بن حفص أنها إنما أتته بجزر ولبن! فأمرها أَنْ ترد الجزر، وأمر أصحابه، فشربوا من اللبن! ، وهكذا جاء في بعض الشواهد! .
٢ - أنه قال في قصة الصبي: "فَدَعَا لَهُ ثُمَّ مَضَى"، ولم يذكر مخاطبته ﷺ للجان، بينما في بقية الروايات أنه نَفَثَ في فِيهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ، اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ».
٣ - أنه لم يذكر مصير الجمل! بينما ذكر غيره أنه جُعل في إبل الصدقة، وذكر آخر أنه تُرك لصاحبه مع الوصاية بعدم نحره! ! واتفق هؤلاء على أَنَّ شكاية الجمل: أَنَّ صاحبه يريد نحره! وخالفهم عبد الله بن حفص فذكر أَنَّ الجمل إنما شكا كثرة العمل، وقلة العلف، وهذا هو الذي ثبت في غير هذا الحديث، وما سواه منكر كما سبق بيانه.
٤ - أنه انفرد بذكر قوله ﷺ في آخر الحديث: «مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي
стр. 3152
رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا كَفَرَةُ [أَوْ فَسَقَةُ] الْجِنِّ وَالْإِنْسِ»، فهذه الجملة لم تذكر في أي من طرق الحديث! ، ومع ذلك ذكرها السيوطي في (الجامع الصغير ٨٠٤٩)، ورمز لصحتها، فتعقبه المناوي قائلا: "رمز المصنف لصحته، وهو زلل، كيف وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى ... قال في الكاشف: "ضعفوه"؟ ! ، وفيه علي بن عبد العزيز فإن كان البغوي فقد كان يطلب على التحديث ... " (الفيض ٥/ ٤٨٤).
هكذا أعله المناوي بـ (علي بن عبد العزيز) أيضًا، وهو غير مقبول منه، ولذا تعقبه الألباني قائلا: "هذه جعجعة لا طحن فيها، فهو الحافظ البغوي دون ريب؛ فإنه شيخ الطبراني فيه، وطلبه على التحديث عيب لا يجرح به، ولذلك كان حجة عند جميع المحدثين كما لا يخفى على أهل العلم، على أنه قد توبع عند البيهقي والحاكم. وأما إنكاره على السيوطي تصحيحه للحديث؛ فغير وارد إِلَّا على إسناده، ... لكن الحديث صحيح بطرقه وشاهده الآتي الإشارة إليه، وقد ألمح إلى تقويته العقيلي كما تقدم" (الصحيحة ٧/ ٩١١).
قلنا: فأما طرقه - مع ما فيها من اختلافات - فقد خلت من هذه الجملة كما بيناه آنفًا، وأما شاهده، فهو حديث جابر بن عبد الله، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من سفر، حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بني النجار، إذا فيه جمل لا يدخل الحائط أحد إِلَّا شد عليه، قال: فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فَجَاءَ حَتَّى أَتَى الْحَائِطَ، فَدَعَا الْبَعِيرَ، فَجَاءَ وَاضِعًا مِشْفَرَهُ إِلَى الْأَرْضِ، حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَاتُوا خِطَامَهُ»، فَخَطَمَهُ، وَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِهِ، قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ، قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، إِلَّا يَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا عَاصِيَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» رواه أحمد (١٤٣٣٣) وغيره،
стр. 3153
وحسنه الألباني في (الصحيحة ١٧١٨)، وعليه اعتمد الألباني في تصحيح هذه الجملة من حديث يعلى في (الصحيحة ٣٣١١).
وبقية رجال الإسناد ثقات سوى شَرِيك، وهو النخعي، ساء حفظه بعد توليه القضاء كما سبق ذكره مرارًا، وقد توبع على بعض هذا الحديث كما في الرواية التالية:
رِوَايَةٌ مُخْتَصَرَةٍ: انْظُرْ شَيْئًا أَسْتَتِرُ بِهِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرَةٍ عَنْ يَعْلَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «انْظُرْ شَيْئًا أَسْتَتِرُ بِهِ»، فَذَهَبْتُ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا إِلَّا أَشَاءَتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ، فَقَالَ: «مُرْهُمَا فَلْيَجْتَمِعَا».
[الحكم]: صحيح المتن، وسنده ضعيف جدًّا.
[التخريج]:
[غحر (٢/ ٦١٦)]
[السند]:
رواه الحربي في (غريب الحديث) قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا ابن فضيل، عن عمر بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، به.
وعبيد الله بن عمر: هو القواريري، وابن فضيل: هو محمد.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:
стр. 3154
الأولى: عمر بن عبد الله بن يعلى.
والثانية: عبد الله بن يعلى، فإنهما واهيان كما سبق بيانه آنفًا.
وقد قيل: عن عمر عن حكيمة امرأة يعلى عن يعلى به، مقتصرًا على قصة الشجرتين أيضًا كما في الرواية التالية، وحكيمة هذه مجهولة كما سيأتي.
هذا ولما ذكر ابن كثير تلك الطرق السابقة كلها، قال: "فهذه طرق جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحر أَنَّ يعلى بن مرة حَدَّثَ بهذه القصة في الجملة، وقد تفرد بهذا كله الإمام أحمد دون أصحاب الكتب الستة" ثم قال: "قد أسلفنا عن جابر بن عبد الله نحو قصة الشجرتين، وذكرنا آنفًا عن غير واحد من الصحابة نحوا من حديث الجمل لكن بسياق يشبه أَنْ يكون [غير] هذا فالله أعلم وسيأتي حديث الصبي الذي كان يصرع ودعاؤه ﵇ له وبرؤه في الحال من طرق أخرى" (البداية والنهاية ٤/ ١٤٠، ٦/ ١٤٠).
قلنا: تقدم أَنَّ طرق هذا الحديث هي: (طريق عبد الله بن حفص، وطريق حبيب بن أبي جبيرة، وطريق عبدالرحمن بن عبدالعزيز، وطريق المنهال بن عمرو، وطريق يونس بن خباب، وطريق عمر بن عبد الله بن يعلى)، فأما طريق ابن حفص فقد بينا أنه -بغض النظر عن وهائه- لا يتقوى بغيره ولا يقوي غيره؛ لأن سياقته مختلفة تماما عن سائر السياقات الأخرى، وكذلك طريق حبيب بشأن قصة الصبي خاصة؛ لأنه لم يذكرها أصلا في روايته وذكر بدلا منها قصة صاحبي القبرين، وهذه ثابتة في الصحيح من حديث ابن عباس.
وأما طريق يونس فهو ضعيف جدًّا، ثم هو معلول، ومرده إلى طريق
стр. 3155
المنهال بن عمرو، والمنهال إنما يرويه عن يعلى، ولم يسمع منه، ويحتمل أَنْ يكون الساقط هو عبد الرحمن بن عبد العزيز المجهول، إذ إنَّ سياقته هي الأقرب لسياقة المنهال، فهذه الطرق الثلاث تعد طريقًا واحدًا، فلم يبق لنا سوى طريق عمر بن عبد الله، وهو وحده -مع وهائه والاختلاف عليه في سنده ومتنه- لا ينهض لتقوية طريق المنهال! .
أضف إلى ذلك كله أَنَّ هذه الطرق لم تتفق على سياقة واحدة، وكأنه لذلك قال ابن كثير: "في الجملة"! ، نعم، قد اتفق أكثرها على سياقة قصة الشجرتين، وإن جعلهما بعضهم نخلتين، فالنخل من الشجر، وقد ثبت عند مسلم نحوها من حديث جابر بلفظ "شجرتين"، فأما قصة الجمل فلا نرى هذه الطرق -مع ضعفها واختلافها فيما بينها- ترقى لإثباتها، لاسيما وفي متنها بعض النكرة كما بيناه، وليس لها من الشواهد ما يعضدها، بل الشواهد التي أشار إليها ابن كثير مغايرة لها، فأما قصة الصبي، فكثرة شواهدها تدل على أَنَّ لها أصلا، وإن اختلفت هذه الشواهد في تعيين هديتها للنبي ﷺ ، والله أعلى وأعلم.
стр. 3156
رِوَايَةٌ: فَقَالَ لِرَجُلٍ كَانَ مَعَهُ:
• وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرَةٍ: أَنَّهُ انْطَلَقَ لِلْبَرَازِ، فَقَالَ لِرَجُلٍ كَانَ مَعَهُ: «إِيتِ هَاتَيْنِ الأَشَاءَتَيْنِ، فقل لهما حتى تجتمعا»، فَاجْتَمَعَتَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ.
[الحكم]: صحيح المتن، وسنده ضعيف.
[التخريج]:
[غخطا (١/ ١٢٤، ١٢٥)]
[السند]:
رواه الخطابي في (غريب الحديث) قال: حدثنيه محمد بن العباس المكتب، نا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، نا هارون بن إسحاق الهمداني، نا مطلب بن زياد، عن عمر بن عبد الله، عن حُكَيْمَةَ امرأة يعلى، عن يعلى، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: عمر بن عبد الله بن يعلى، فإنه واه كما سبق.
الثانية: حكيمة امرأة يعلى، هكذا وقع في الإسناد، وقد بينا تحت حديث حكيمة بنت غيلان عن زوجها يعلى بن أمية في الأمر بغسل الخلوق، أَنَّ حكيمة التي يروي عنها عمر بن عبد الله بن يعلى إنما هي حكيمة بنت يعلى، وهكذا ترجم لها ابن حبان، والحسيني وابن حجر، قال ابن حبان: حكيمة بنت يعلى بن مرة، تروى عن أبيها" (الثقات ٤/ ١٩٥). هكذا ذكرها ابن حبان في الثقات برواية عمر بن عبد الله بن يعلى أحد الضعفاء عنها!!،
стр. 3157
وقد قال ابن القطان إنها مجهولة (بيان الوهم والإيهام ٣/ ٢٦٣).
وقال ابن حزم: "عمر بن عبد الله مجهول، وحكيمة عن أبيها أنكر وأنكر، ظلمات بعضها فوق بعض" (المحلى ٧/ ١١٩).
وأقر ابن حجر في (التلخيص ٣/ ١٦٢) وفي (لسان الميزان ٢٧١٩) القول بجهالة حكيمة.
قال الألباني: "وهو الظاهر، ... فإنها مع كونها لا تعرف إِلَّا برواية عمر هذا، فإنه -أعني: عمر- متفق على تضعيفه" (الضعيفة ١٣/ ٧٥٧).
والمطلب بن زياد مختلف فيه، وهو من رجال التهذيب (تهذيب التهذيب ١٠/ ١٧٨).
وقد سبق ذكر طرقه، وشاهده عند مسلم من حديث جابر، وستأتي بقية الشواهد.
* * *
стр. 3158
٦٤٥ - حديث مرة والد يعلى:
◼ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَـ[رَأَيْتُ مِنْهُ شَيْئًا عَجَبًا] ١، نَزَلـ[ـنَا] ٢ مَنْزِلًا [بِأَرْضٍ فِيهَا شَجَرٌ كَثِيرٌ] ٣، [فَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ] ٤، فَقَالَ لِيَ: «ائْتِ تِلْكَ الْأَشَاءَتَيْنِ (الشَّجَرَتَيْنِ) ١ - [يَعْنِي: نخلتين] ٥ - فَقُلْ لهما: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكُمَا أَنْ تجْتَمِعَا» فَأَتَيْتُهُمَا، فَقُلْتُ لهمَا ذَلِكَ [فَانْتُزِعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ أَصْلِهَا] ٦ فَوَثَبَتْ إِحْدَاهما إِلَى الْأُخْرَى فَاجْتَمَعَتَا فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَاسْتَتَرَ بهِمَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ [مِنْ وَرَائِهِمَا] ٧ [ثُمَّ قَالَ لِي: «ائْتِهِمَا، فَقُلْ لَهُمَا: لِتَرْجِعْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا إِلَى مَكَانِهَا [فَأَتَيْتُهُمَا] ٩ فَقُلْتُ لَهُمَا] ٨ ثُمَّ وَثَبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَى مَكَانِهَا (فَرَجَعَتَا) ٢».
[الحكم]: قصة الشجرتين صحيحة، صح نحوها من حديث جابر عند مسلم، وهذا الحديث إسناده ضعيف لانقطاعه، ثم هو معلول، وأعله البخاري والبيهقي والمزي: بأن الصواب فيه "عن يعلى" لا "عن أبيه".
[التخريج]:
[جه ٣٤١ والزيادة الرابعة والثامنة والرواية الثانية له / حم ١٧٥٦٤ واللفظ له / ك ٤٢٨٤ والرواية الأولى والزيادة الأولى والثانية والسادسة والسابعة والتاسعة له / مش (خيرة ٦٤٧١/ ١) مطولًا / زهن (ص ٦٢٢) مطولًا / صبغ ٢١٧٠ / مث ١٦١١، ١٦١٣، ١٦١٤ مطولًا / سبك (٤/ ٧٨) والزيادة الخامسة له / نبص ٢٩٢ والزيادة الثالثة له / إسحاق (١/ ٢٧٧) / هقل (٦/ ٢١ - ٢٢) مطولًا / تمهيد (١/ ٢٢١) / كر (٤/ ٣٦٦، ٣٦٧) مطولًا]
стр. 3159
[السند]:
رواه أحمد (١٧٥٦٤) - ومن طريقه أبو نعيم في (الدلائل ٢٩٢) - قال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرة، عن أبيه، به.
ورواه ابن ماجه (٣٤١) عن علي بن محمد الطنافسي.
ورواه ابن أبي عاصم (١٦١٤)، والحسن بن سفيان -ومن طريقه أبو نعيم في (الدلائل ٢٩٢) -، والحربي في (غريب الحديث ١/ ٣١٥ مختصرا) عن محمد بن عبد الله بن نمير.
ورواه أبو يعلى كما في (إتحاف الخيرة ٦٤٧١/ ٥ مختصرا) -ومن طريقه ابن عساكر (٤/ ٣٦٦) مطولًا- عن أبي خيثمة زهير بن حرب.
ورواه البغوي في (الصحابة ٢١٧٠) عن علي بن مسلم الطوسي.
ورواه ابن عبد البر في (التمهيد ١/ ٢٢١) من طريق موسى بن معاوية.
ورواه البيهقي في (الدلائل ٦/ ٢١، ٢٢) والسبكي في (المعجم ٤/ ٧٨) من طريق أبي سعيد الأشج، زاد البيهقي: وعمرو الأودي.
كلهم عن وكيع عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن يعلى (١) بن مرة عن أبيه به، منهم من طوله بذكر قصة الصبي والبعير، ومنهم من اقتصر على قصة الشجرتين.
стр. 3160
ووكيع إمام مشهور، وقد توبع على هذا الوجه:
فرواه هناد في (الزهد /ص: ٦٢٢)، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي في (السير والمغازي لابن إسحاق ١/ ٢٧٧) -ومن طريقه الحاكم في (المستدرك ٤٢٨٤)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق ٤/ ٣٦٧) -، كلاهما عن يونس بن بكير عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة عن أبيه به مطولًا.
ويونس بن بكير وثقه جماعة، وتكلم فيه آخرون، وهو صدوق حسن الحديث كما في (الميزان ٤/ ٤٧٨).
ولهما متابع ثالث:
فرواه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ١٦١١) قال: حدثنا ابن مصفى ثنا يحيى بن عيسى ثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة عن أبيه به مطولًا.
ويحيى بن عيسى: هو الرملي، مختلف فيه، أثنى عليه أحمد ووثقه العجلي وذكره ابن حبان في (الثقات)، وضعفه ابن معين وغيره (تهذيب التهذيب ١١/ ٢٦٣).
وثم متابع رابع:
فرواه البغوي في (الصحابة ٢١٧١) عن هارون بن عبد الله قال: حدثنا محاضر (١) قال: حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن يعلى بن مرة، عن أبيه، به، بقصة البعير فقط.
стр. 3161
فالحديث مداره عندهم على الأعمش، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ لانقطاعه بين المنهال ويعلى كما نقلناه عن المزي وغيره تحت حديث يعلى بنحو هذا السياق.
وبهذا أعله البوصيري فقال: "هذا إسناد ضعيف؛ لأن المنهال بن عمرو لم يسمع من يعلى بن مرة" (الزوائد ١/ ٥٠).
وغفل عن ذلك مغلطاي فقال: "هذا حديث إسناده صحيح"! ! (شرح ابن ماجه ١/ ٢١١).
فإن قيل:
قال أبو نعيم الأصبهاني تحت ترجمة (مرة بن أبي مرة الثقفي أبو يعلى): "ذكره بعض المتأخرين، وأخرج له حديث الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرة، عن أبيه أنه سافر مع النبي ﷺ فأتته امرأة بابن لها به لمم من حديث العطاردي عن يونس بن بكير، عن الأعمش، وهو وهم، وإنما هو الأعمش، عن المنهال، عن ابن يعلى بن مرة، عن أبيه يعلى، والحديث مشهور بـ (يعلى) لا بـ (مرة) " (معرفة الصحابة ص ٢٥٨٢).
فبيَّن أبو نعيم الواسطة بينهما، وأن صوابه في طريق ابن بكير: "عن المنهال، عن ابن يعلى عن أبيه يعلى".
وكذا قال ابن حجر - بشأن نفس الطريق عند الحاكم -: "وأظنه عن ابن يعلى بن مرة، عن أبيه، فيكون من مسند يعلى، ولست أعرف لمرة صحبة" (إتحاف المهرة ١٧٣٥٨).
قلنا: هذا الكلام فيه نظر؛ فرواية ابن بكير في (الزهد ص ٦٢٢) لهناد،
стр. 3162
و (السير والمغازي لابن إسحاق ١/ ٢٧٧) برواية العطاردي - ومن طريقه الحاكم في (المستدرك ٤٢٨٤)، وابن عساكر في تاريخه (٤/ ٣٦٧) -، كلهم من طريق يونس بن بكير، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرة، عن أبيه، به.
فلو جاز وقوع الوهم عند من سماه أبو نعيم بـ (بعض المتأخرين) -ويعني به: ابن مَنْدَهْ-، أو عند الحاكم كما قال ابن حجر أيضًا، فمن المستبعد وقوعه عند هؤلاء كلهم، إِلَّا إن كان المراد الوهم في هذا الطريق جملة، فحينئذ يجب التدليل على قولهما برواية من رواه عن الأعمش غير يونس، أو من رواه عن المنهال غير الأعمش، ونحن قد رأينا أَنَّ المشهور والمحفوظ في رواية المنهال - سواء عند من جعله من حديث يعلى، أو من جعله من حديث مرة - أنهم اتفقوا على أَنَّ المنهال إنما يرويه عن يعلى لا عن ابن يعلى! ، وخلاف ذلك وهم كما بيَّنَّاه تحت حديث يعلى.
فقد رواه جماعة آخرون عن وكيع، وجعلوه من حديث المنهال عن يعلى أيضًا، غير أنهم لم يقولوا فيه: "عن أبيه"، وهذا الاختلاف من وكيع نفسه، فقد رواه أحمد وابن نمير وابن أبي شيبة عنه على الوجهين، ونص أحمد في (المسند ١٧٥٦٤)، وابن أبي شيبة كما في (الآحاد والمثاني ١٦١٣)، و (الإتحاف ٧/ ١٠٢)، وابن نمير في روايته عند ابن أبي عاصم وأبي نعيم أَنَّ وكيعًا كان يرويه مرة عن يعلى، ومرة أخرى عنه عن أبيه.
وكذلك رُوِي عن محاضر على الوجهين أيضًا:
فرواه الطبراني في (الكبير ٢٢/ ٢٦٤/٦٨٠) عن عبيد بن غنام، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا محاضر، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مرة، مطولًا.
стр. 3163
وهذا خلاف رواية هارون السابقة عند البغوي، ومحاضر من رجال الصحيح، قال فيه ابن حجر: "صدوق له أوهام"، وهارون وابن نمير ثقتان، فلا ندري أيهما المحفوظ عن محاضر.
وهذا الوجه الذي فيه "عن أبيه" قد خطأه البخاري وغيره، فقد قال البيهقي عقب حديث يعلى: "هذا أصح، والأول وهم، قاله البخاري، يعني روايته عن أبيه وهم، إنما هو عن يعلى نفسه، وهم فيه وكيع مرة، ورواه على الصحة مرة" (الدلائل ٦/ ٢٢).
ونص كلام البخاري: "قال وكيع مرة: عن يعلى عن أبيه، وهو وهم" اهـ، نقله عنه المزي في (تهذيب الكمال ٢٧/ ٣٨٢)، و (تحفة الأشراف ٨/ ٣٧١)، وأقره جازما بأن الصواب عن يعلى لا عن أبيه، وانظر: (تهذيب الكمال ٣٢/ ٣٩٨).
وتبعه مغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ٢١١)، والبوصيري في (الزوائد ١/ ٥٠)، والسندي في (حاشية سنن ابن ماجه ١/ ١٤١).
ولكن وكيعًا قد توبع على هذا الوجه الذي وهمه البخاري والمزي كما سبق، ولذا مال البيهقي إلى توهيم الأعمش، فقال عقب كلام البخاري: "وقد وافقه -فيما زعم البخاري أنه وهم- يونس بن بكير، فيحتمل أَنْ يكون الوهم من الأعمش" (الدلائل ٦/ ٢٢).
وقد يؤيد هذا الكلام طريق حبيب بن أبي عمرة عند أحمد في المسند (١٧٥٦٥)، فقد رواه حبيب عن المنهال عن يعلى به، ولم يذكر "عن أبيه" كما ذكرناه تحت حديث يعلى.
بينما ذهب ابن حجر إلى دفع الوهم جملة -خلافًا لما ذهب إليه في
стр. 3164
(إتحاف المهرة) -!!، فقال عقب كلام البخاري: "وقد تابع وكيعًا على ذلك محاضر بن المورع ويحيى بن عيسى الرملي، ويونس بن بكير، والله تعالى أعلم، وقد روى البغوي في معجم الصحابة ما يدل على أَنَّ له صحبة بغير هذا الحديث المختلف [فيه]، فروى من طريق أم يحيى بنت يعلى بن مرة عن أبيها قال: جئت بأبي يوم الفتح فقلت: يا رسول الله بايعه على الهجرة، فقال: لا هجرة بعد الفتح ... الحديث، وإسناده جيد"! (تهذيب التهذيب ١٠/ ٨٩، ٩٠).
وقوله عن الحديث المذكور "إسناده جيد"، فيه نظر كما تراه عقب تخريجه في موضعه من الموسوعة، ثم إن هذه المتابعات المذكورة لوكيع لا تعدو أَنْ تكون ترجيحًا لأحد الوجهين الذين قد ذكرهما، ويلزمه الوهم في الوجه الآخر!، ويبقى الاختلاف بين الأعمش وحبيب بن أبي عمرة قائمًا!.
وكيفما كان الأمر فالإسناد منقطع كما بيناه آنفًا.
* * *
[السند]:
رواه ابن قانع في (المعجم ٢/ ٣٢٠) قال: حدثنا يحيى بن صاعد، نا محمد بن عبد الرحيم، نا معلى بن منصور، نا شبيب بن شيبة قال: حدثني بشر بن عاصم، عن غيلان بن سلمة الثقفي، به.
ورواه أبو نعيم في (الدلائل ٢٩٥) من طريق جعفر بن أحمد بن سنان قال: ثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم قال: ثنا معلي بن منصور، به.
ورواه ابن عساكر في (تاريخه ٤٨/ ١٣٤) من طريق حميد بن الربيع حدثنا معلى بن منصور الرازي من كتابه أخبرني شبيب به مع الزيادة.
ولم ينفرد حميد بهذه الزيادة كلها عن معلى، فقد روى أبو نعيم قصة الجمل بطولها في (الدلائل ٢٨٥) بنفس إسناده السابق، كما أَنَّ جملة: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا بِالسُّجُودِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ بِالسُّجُودِ لِبَعْلِهَا»: قد رواها ابن قانع في (المعجم ٢/ ٣٢٠) بنفس إسناده السابق أيضًا، وكذلك رواها أبو نعيم في (معرفة الصحابة ٥٦٣٢) بنفس إسناده السابق في الدلائل. ورواها الطبراني في (الكبير ١٨/ ٢٦٣/٦٦٠) عن أحمد بن زهير التستري، حدثني محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى صاعقة، ثنا معلى بن منصور، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف، فيه علتان:
الأولى: شبيب بن شيبة، ضعيف، قال ابن معين: "ليس بثقة"، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: "ليس بقوي"، وقال أبو داود: "ليس بشيء"، وقال النسائي والدارقطني والبرقاني: "ضعيف"، وقال الدارقطني أيضًا: "متروك"، وقال صالح بن محمد البغدادي: "صالح الحديث"! ، وقال
стр. 3168
الساجي: "صدوق يهم" (تهذيب التهذيب ٤/ ٣٠٨).
وذكره العقيلي، وابن حبان، وابن عدي، وأبو القاسم البلخي، وأبو العرب القيرواني في جملة الضعفاء، ولذا قال الذهبي: "ضعفوه" (الديوان ١٨٦٤) و (الكاشف ٢٢٣٦)، بينما قال ابن حجر: "أخباري صدوق يهم في الحديث"! (التقريب ٢٧٤٠).
الثانية: الانقطاع؛ فإنه منقطع بين بشر وغيلان، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن بشر بن عاصم، هل سمع من غيلان بن سلمة؟ قال: لا، هو مرسل، وذلك أَنَّ غيلان بن سلمة أسلم على عهد رسول الله ﷺ " (المراسيل ٥٣ صـ ١٨).
ويلاحظ أَنَّ هذا الشاهد ذكر فيه الثلاث قصص المذكورة في حديث يعلى بن مرة، غير أَنَّ سياقة قصة الجمل هنا مختلفة عن سياقتها هناك، فلم تشتمل هنا على المعنى الذي استنكرناه هناك، ولذا لم نجعلها شاهدًا لذاك، فتنبه! .
وهي بهذه السياقة لها شواهد كثيرة وإن اختلفت في السياقة أيضًا، وقوله: «لو كنت آمرًا أحدًا بالسجود من هذه الأمة لأمرت المرأة بالسجود لبعلها» صحيح بشواهده، انظر: (الإرواء ٧/ ٥٤).
وكذلك قصة المرأة والصبي له شواهد كثيرة، وهي هنا أشبه بسياقة عبد الله بن حفص، التي أشرنا إليها عند الكلام على حديث يعلى بن مرة.
وقصة الشجرتين، صح نحوها من حديث جابر كما سبق ذكره في الباب.
فَأَخَذْتُهَا، ثُمَّ انْطَلَقْنَا نَمْشِي، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُنَّ سَبَقْتُهُ ﷺ فَوَضَعْتُ الْإِدَاوَةِ (١) ثُمَّ انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَانْصَرَفَ ﷺ حَتَّى قَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ ﵊، وَهُوَ يَحْمِلُ الْإِدَاوَةَ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ ﷺ ، ثُمَّ رَجَعْنَا. فَلَمَّا دَخَلَ ﷺ الْخِبَاءَ قَالَ ﷺ : «يَا أُسَيْمُ انْطَلِقْ إِلَى النَّخَلَاتِ، فَقُلْ لَهُنَّ: يَأْمُرُكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَرْجِعَ كُلُّ نَخْلَةٍ إِلَى مَكَانِهَا، وَقُلْ ذَلِكَ لِلْحِجَارَةِ». فَأَتَيْتُ النَّخَلَاتِ فَقُلْتُ لَهُنَّ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢)، قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تقافزهن (٣) [بعروقهن] ١٢ وَتُرَابِهِنَّ، حَتَّى عَادَتْ كُلُّ نَخْلَةٍ إِلَى مَكَانِهَا.
وَقُلْتُ ذَلِكَ لِلْحِجَارَةِ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تقافزهن (٤) حَجَرًا حَجَرًا حَتَّى عَادَ كُلُّ حَجَرٍ إِلَى مَكَانِهِ. فَأَتَيْتُهُ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ.
[الحكم]:
قصة المرأة والصبي لها شواهد كثيرة تدل على أَنَّ لها أصلا وإن اختلفت الشواهد في تعيين هدية المرأة، وصح عن جابر أنه ﷺ أمر شجرتين فالتأمتا، فاستتر بهما في قضاء حاجته، وهذا الحديث بطوله إسناده ضعيف، قال العقيلي: "حديث غير محفوظ"، وحسنه ابن حجر بشاهد يعلى بن مرة، وفيه قصور.
стр. 3173
[التخريج]:
[عل (مط ٣٨٠٨) واللفظ له، (خيرة ٦٤٧٨) / نبص ٢٩٨ دون قصة الصبي، وله الزيادة (٥، ١٠، ١٢) والرواية (٦، ٨، ١٠) / غخطا (١/ ٤٢٤) مختصرًا جدًّا / عق (٢/ ٥٧٠) مختصرا، والرواية الثانية له ولغيره / هقل (٦/ ٢٤ - ٢٦) وله بقية الروايات والزيادات / كر (٤/ ٣٦٩ - ٣٧٣)]
[التحقيق]:
رواه أبو يعلى في مسنده كما في (المطالب ٣٨٠٨) و (إتحاف الخيرة ٦٤٧٨) -ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (٤/ ٣٦٩ - ٣٧١) - قال: حدثنا محمد بن يزيد بن رفاعة، أبو هشام الرفاعي، ثنا إسحاق بن سليمان، ثنا معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزُّهْرِيِّ، أنا خارجة بن زيد، أَنَّ أسامة بن زيد بن حارثة حدثه، به.
ورواه أبو نعيم في (الدلائل ٢٩٨) عن الطبراني عن مطين عن أبي هشام الرفاعي، به. وأبو هشام الرفاعي متكلم فيه كما في (تهذيب التهذيب ٩/ ٥٢٧)، ولكنه متابع:
فرواه الخطابي في (غريب الحديث ١/ ٤٢٤) من طريق زكريا بن حمدويه.
ورواه ابن عساكر في تاريخه (٤/ ٣٧١ - ٣٧٣) من طريق أبي بكر الباغندي.
كلاهما عن عبد الله بن عمر الجعفي المعروف بـ"مشكدانة" عن إسحاق بن سليمان الرازي نا معاوية بن يحيى الصدفي عن الزُّهْرِيِّ به، طوله ابن عساكر،
стр. 3174
واختصره الخطابي.
ومشكدانة صدوق موثق، وإسحاق بن سليمان الرازي ثقة، غير أَنَّ أحاديثه عن الصدفي منكرة كما سيأتي، وقد توبع عليه إسحاق بن سليمان بما لا يفرح به:
فرواه العقيلي في (الضعفاء ١٠٥٢)، والبيهقي في (الدلائل ٦/ ٢٤) من طريق سليمان بن أحمد قال: حدثنا عبد الرحيم بن حماد عن معاوية بن يحيى الصدفي عن الزُّهْرِيِّ، به.
وسليمان بن أحمد: هو أبو محمد الجرشي الشامي، نزيل واسط، مجروح متهم (اللسان ٣٥٧٧)، وشيخه عبد الرحيم بن حماد قال عنه العقيلي: "مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ حدثناه ... " وذكر حديثنا هذا (الضعفاء ٢/ ٥٦٩).
قلنا: ومعاوية بن يحيى الصدفي، واه جدًّا، قال ابن معين: "هالك ليس بشيء" (تهذيب الكمال ٢٨/ ٢٢٢)، وقال أحمد: "تركناه" (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٠)، وجرحه سائر النقاد، ولذا قال الذهبي: "ضعفوه" (الكاشف ٥٥٣٦).
فهذه هي علة الحديث، وبها أعله ابن كثير في (البداية والنهاية ٦/ ١٤١)، أضف إلى ذلك أَنَّ رواية الصدفي عن الزُّهْرِيِّ خاصة متكلم فيها، قال البخاري والساجي: "اشترى كتابا من السوق للزهري، فجعل يرويه عن الزُّهْرِيِّ" (الضعفاء الصغير ٣٦٦) و (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٠)، فأما ما نقله المزي وغيره عن البخاري أنه قال: "أحاديثه عن الزُّهْرِيِّ مستقيمة كأنها من كتاب، وروى عنه عيسى بن يونس وإسحاق بن سليمان أحاديث مناكير
стр. 3175
كأنها من حفظه"، وأصله ما رواه ابن عدي في (الكامل ١٨٩١) عن الجنيدي، حدثنا البخاري قال: "معاوية بن يحيى دمشقي، وكان على بيت المال بالري، عن الزُّهْرِيِّ أحاديثه مشتبهة (! ) كأنها من كتاب .. "الخ.
فهذه الرواية عن البخاري بها قصور، والذي في المطبوع من (التاريخ الكبير ٧/ ٣٣٦) أنه إنما قال: "روى عنه هقل بن زياد أحاديث مستقيمة، كأنها من كتاب، .. "الخ، وهكذا وردت العبارة في (الضعفاء الصغير للبخاري ٣٥٠)، وهكذا رواها العقيلي في (الضعفاء ١٧٦٣) عن آدم بن موسى عن البخاري، وكذلك قاله أبو حاتم كما في (الجرح والتعديل ٨/ ٣٨٤).
وهذا الحديث ليس من رواية هقل بن زياد عن الصدفي، وإنما يرويه عنه إسحاق بن سليمان، وأحاديثه عن الصدفي مناكير كما سبق، ومتابعة عبد الرحيم بن حماد لا يعتد بها كما بيناه آنفًا.
والخلاصة أَنَّ في الحديث علتين:
الأولى: وهاء معاوية بن يحيى الصدفي، لاسيما حديثه من رواية إسحاق بن سليمان عنه، فإنه منكر.
الثانية: الكلام في رواية الصدفي عن الزُّهْرِيِّ.
ومع ذلك يقول ابن حجر: "هذا إسناد حسن، ومعاوية بن يحيى الصدفي ضعيف. ولكن لحديثه شاهد من طريق يعلى بن مرة" (المطالب ١٥/ ٥٣٣).
ولما أورده السيوطي في (الخصائص الكبرى ٢/ ٦٠) قال: أخرج أبو يعلى، والبيهقي بسند حسنه ابن حجر في المطالب العالية".
стр. 3176
قلنا: إنما حسنه بشاهد يعلى، ولم يشتمل حديث يعلى على قصة الحجارة، ثم هو مع ضعفه مختلف في متنه اختلافًا كثيرًا كما بيناه في موضعه، وليس في رواياته على كثرتها من ذكر أنها أهدت له شاة مصلية أو مشوية.
نعم، الشواهد الكثيرة لقصة المرأة والصبي تدل على أَنَّ لها أصلا، وإن اختلفت هذه الشواهد في تعيين هدية المرأة، وقصة الذراع لها شواهد، منها حديث أبي هريرة عند أحمد في (المسند ١٠٧٠٦)، وسنده حسن.
وكذلك قصة النخلات لها شواهد كثيرة، أصحها حديث جابر عند مسلم، وقد تقدم.
* * *
стр. 3177
٦٤٨ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قال: خرجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فأمعَنَ فِي السَّيْرِ، فَلَمْ يَرَ شيئًا يَسْتُرُهُ، فدعا عبدَاللهِ فَقَالَ: «انْطَلِقْ إِلَى تَيْنِكَ الأَشَاءَتَيْنِ - يَعْنِي: النَّخْلَتَيْنِ- فَقُلْ لَهُمَا: إِنَّ رسولَ الله (ص) يَأْمُرُكُمَا أَنْ تَنْقَلِعَا بِأُصُولِكُمَا وَعُرُوقِكُمَا حَتَّى تَسْتُرَاهُ»، فأتاهُما، فَقَالَ لَهُمَا، ففعَلَتا، فَقَضَى رسولُ الله ﷺ الحاجَةَ، ثُمَّ رجَع، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: «انْطَلِقْ إِلَيْهِما فَقُلْ لَهُما: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ يَأمُرُكُمَا أَنْ تَرْجِعَا إِلَى مَكَانِكُمَا»، ففعَلا.
[الحكم]: صحيح المتن بشواهده، وهذا الحديث إسناده ضعيف جدًّا، وقال أبو حاتم الرازي: "هذا حديث منكر بهذا الإسناد".
[التخريج]:
[علحا ١٨٣ واللفظ له / تجر ١٨٩ مختصرًا جدًّا والزيادة له]
[السند]:
رواه ابن أبي حاتم في (العلل ١٨٣) عن إسحاق بن إبراهيم البغوي، عن داود بن عبدالحميد، عن يونس بن خباب، عن طاوس، عن ابن عباس، به.
ورواه السهمي في (تاريخ جرجان ١٨٩) من طريق ابن صاعد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الجرجاني، حدثنا داود بن عبد الحميد، به مختصرًا بلفظ: "خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرِيدُ الْحَاجَةَ فَأَمْعَنَ فِي الْمَشْي فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَاجَةَ ثُمَّ رَجَعَ"، وهذا اختصار مخل! .
стр. 3178
[التحقيق]:
هذا إسناد واهٍ جدًّا؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: داود بن عبد الحميد، قال أبو حاتم الرازي: "لا أعرفه، وهو ضعيف الحديث، يدل حديثه على ضعفه" (الجرح والتعديل ٣/ ٤١٨)، وانظر: (اللسان ٣٠٣٦).
الثانية: يونس بن خباب، فإنه رافضي خبيث، تكلم فيه أحمد، ولم يرضه، وقال البخاري: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "مضطرب الحديث، ليس بالقوي"، وقد سبق الكلام عنه بأطول من ذلك، وانظر: (تهذيب التهذيب ١١/ ٤٣٨).
الثالثة: أنه اختلف علي يونس في سنده اختلافًا كثيرًا، وأشار إلى ذلك أبو حاتم الرازي، فقد سأله ابنه عن هذا الحديث، فقال أبو حاتم: "هذا حديث منكر بهذا الإسناد؛ إنما روى يونس بن خباب، واختلف عليه ... " ثم ساق الخلاف الذي مر بنا غير مرة (العلل ١٨٣).
وقد بينا تحت حديث يعلى وغيره أَنَّ حديث ابن خباب مرده إلى حديث المنهال، والمنهال إنما يرويه عن يعلى مرسلًا، وانظر: تحقيقنا لروايته.
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا بهذا السياق، وضعفه العقيلي.
وقد صحت قصة الإداوة وخروج الْمَاء مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ عند البخاري وغيره من حديث ابن مسعود، وقصة الشجرتين صح نحوها من حديث جابر عند مسلم وغيره.
[التخريج]:
[بز ١٤٦٣ "واللفظ له" / طب ١٠٠١٦ "والروايات والزيادة له" / عق (١/ ١٧٩)]
سبق تخريجه وتحقيقه في باب: "الإبعاد عند قضاء الحاجة".
* * *
стр. 3181
٦٥٠ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَبُولُ وَرَاءَ أَكَمَةٍ».
[الحكم]: إسناده ضعيف.
[اللغة]:
(الأكمة): الجبيل الصغير، والجمع أكم وأكام وآكام. (جمهرة الأمثال ٢/ ٣٧٨). وقيل: القف من حجارة واحدة، وقيل: هو دون الجبال، وقيل: هو الموضع الذي هو أشد ارتفاعًا مما حوله وهو غليظ لا يبلغ أَنْ يكون حجرا. ويقال: الأكم أشراف في الأرض كالروابي. ويقال: هو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، فربما غلظ وربما لم يغلظ. انظر: (لسان العرب ١٢/ ٢١).
[التخريج]:
[فقط (أطراف ٣٤٥٨)]
[السند]:
رواه الدارقطني في (الأفراد)، وقال: "تفرد به محمد بن أبي السري عن حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر" (أطراف الغرائب والأفراد ٣٤٥٨).
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ محمد بن أبي السري العسقلاني؛ مختلف فيه، وثقه ابن معين، ولينه أبو حاتم، وقال ابن حبان وغيره: "كان من الحفاظ"، وقال ابن عدي وغيره: "كان كثير الغلط"، وقال ابن حجر: "صدوق عارف له أوهام كثيرة" (التقريب ٦٢٦٣)، وانظر: (تهذيب التهذيب ٩/ ٤٢٥).
* * *
стр. 3182
٩٨ - بَابُ كَيْفَ التَّكَشُّفُ عِنْدَ الْحَاجَةِ في الخلاء ؟
٦٥١ - حَدِيثُ أَنَسٍ:
◼ عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ (دَخَلَ الْخَلَاء) ١ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ (يَأْخُذَ مَقْعَدَهُ) ٢ مِنَ الْأَرْضِ».
• وفي رواية ٣، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى الْغَائِطَ لَمْ يَرْفَعْ ثِيَابَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ».
[الحكم]: ضعيف، وضعفه الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والعقيلي، والدارقطني، والبغوي، والنووي، والمنذري، والعراقي.
[التخريج]:
[ت ١٣ "واللفظ له" / مي ٦٨٤/ بز ٧٥٤٩ "والرواية الأولى له" / طس ١٤٣٣ / علت ٨ / سعد (١/ ٣٣٠) "والرواية الثالثة له" / ....... ]
تقدم تخريجه وتحقيقه بشواهده من حديث ابن عمر وجابر وأبي هريرة، في باب: "التستر عند قضاء الحاجة".
* * *
стр. 3183
٩٩ - بابٌ: تَرْكُ مَا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ
٦٥٢ - حَدِيثُ أنس:
◼عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ».
• وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمًا؛ نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَهُ».
[الحكم]: مختلف فيه: فضعفه أبو داود، والنسائي، والدارقطني، وابن السكن، وابن عدي، والبيهقي، والحازمي، والنووي، وابن القيم، وابن رجب، والعراقي، وابن حجر، والبقاعي، والسخاوي، والألباني.
وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والمنذري، وابن دقيق، ومغلطاي، وابن التركماني، وابن الملقن، والعيني، والسيوطي، والمناوي، والشوكاني.
والراجح: أنه ضعيف. والله أعلم.
[الفوائد]:
قَالَ ابن المنذر: "اختلف أهل العلم في الرجل يكون في أصبعه خاتم، فيه ذكر الله يدخل به الخلاء، فرخصت طائفة في ذلك، وممن رُوِي عنه الرخصة: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين.
стр. 3184
واستحبت طائفة أَنْ يجعل ذلك في باطن كفه، قال عكرمة: خل به هكذا في كفك فاقبض عليه. وقال أحمد بن حنبل: إن شاء جعله في باطن كفه. وكذلك قال إسحاق". قال ابن المنذر: "يستحب أَنْ يضع المرء الخاتم الذي فيه ذكر الله عند دخول الخلاء، فإن لم يفعل جعل فصه في باطن كفه" (الأوسط ١/ ٤٦٤).
وقال مغلطاي - في شرح هذا الحديث -: "الحديث أصل في استحباب رفع ما فيه اسم الله تعالى عند الخلاء؛ لأن خاتمه ﵇ كان نقشه محمد رسول اللَّه. وعلى ذلك فقهاء الأمصار، واختلفوا في الاستصحاب؛ فأباحه مالك وأحمد بشرط الستر؛ إن كان خاتما فبإدارة فصه إلى الكف، وإن كان درهما فبصرةٍ ... ، وأبو حنيفة والشافعي قالا بكراهة الاستصحاب تنزيهًا، والله أعلم" (شرح ابن ماجه ١/ ١٤٣ - ١٤٤).
[التخريج]:
[د ١٩ / ت ١٨٤٥ "واللفظ له" / ن ٥٢٥٧ / كن ٩٦٦٧ / جه ٣٠٥ / حب ١٤٠٩/ ك ٦٨٢، ٦٨٣ "والرواية له" / عل ٣٥٤٣ / بز ٦٣٤٨، ٦٣٤٩ / شما ٩٤ / منذ ٢٩٣ / هق ٤٥٥، ٤٥٦ / معر ٩١١، ٩١٢ / أصبهان (٢/ ٧٣) / تمام ٤٩٦، ٤٩٥، ١١٩٩ / تَمامز ٢٧ / بغ ١٨٩ / نبغ ٥٠٧ / كر (٦١/ ٢٣٢) / طيل ٣٤٣ / مض ٤]
[التحقيق]:
هذا الحديث مداره على ابن جُرَيْجٍ عن الزُّهْرِيِّ، وقد رُوِي عنه من عدة طرق:
الطريق الأول - وهو أشهرها -: يرويه همام بن يحيى، وقد اختلف عليه على أربعة أوجه:
الوجه الأول: عن همام بن يحيى عن ابن جُرَيْجٍ عن الزُّهْرِيِّ عن أنس مرفوعًا:
стр. 3185
أخرجه أبو داود (١٩): عن نصر بن علي، عن أبي علي الحنفي (عبيد الله بن عبد المجيد).
والترمذي في (السنن ١٨٤٥)، و (الشمائل ٩٤)، والنسائي في (الصغرى ٥٢٥٧) و (الكبرى ٩٦٦٧)، والبزار (٦٣٤٩): من طريق سعيد بن عامر.
والترمذي في (السنن ١٨٤٥)، و (الشمائل ٩٤)، والبزار (٦٣٤٩)، وابن المنذر (٢٩٣) وغيرهم: من طريق الحجاج بن منهال.
وابن ماجه (٣٠٥): من طريق أبي بكر الحنفي (عبد الكبير بن عبد المجيد).
وأبو يعلى (٣٥٤٣)، والبزار (٦٣٤٨)، وغيرهما: عن هدبة بن خالد (١).
كلهم: عن همام بن يحيى، عن ابن جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس، به.
وهذا إسناد رجاله ثقات، إِلَّا أنه ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: ابن جُرَيْجٍ مدلس، وقد عنعن.
وبهذه العلة أعله ابن حجر في (النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٧٨)، والألباني في (ضعيف أبي داود ٤).
العلة الثانية: أَنَّ رواية همام عن ابن جُرَيْجٍ فيها مقال، قال ابن حجر: "فإن الشيخين لم يخرجا من رواية همام عن ابن جُرَيْجٍ شيئًا؛ لأن أخذه عنه كان لما كان ابن جُرَيْجٍ بالبصرة، والذين سمعوا من ابن جُرَيْجٍ بالبصرة في حديثهم خلل من قبله" (النكت ٢/ ٦٧٧).
стр. 3186
وقد خولف همام في هذا الحديث سندًا ومتنًا؛ فقد رواه:
١ - روح بن عبادة، كما عند مسلم (٢٠٩٣)، وأحمد (١٣١٤١) وغيرهما.
٢ - وأبو عاصم النبيل، كما عند مسلم (٢٠٩٣)، والبزار (٦٣٢٤)، وغيرهما.
٣ - وعبد الله بن الحارث المخزومي، كما عند أحمد (١٣١٤١) وغيره.
٤ - وحجاج بن محمد، كما عند أبي عوانة في (المستخرج ٩٠٧٧).
٥ - وهشام بن سليمان، كما عند أبي الشيخ في (أخلاق النبي ﷺ ٣٦٤)، وأبي محمد الفاكهي في (فوائده ٢٣٧).
٦ - وموسى بن طارق، ذكره الدارقطني في (العلل ٢٥٨٦).
كلهم: عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني زياد، أَنَّ ابن شهاب أخبره، أَنَّ أنس بن مالك، أخبره: «أنه رأى في يد رسول الله ﷺ خاتما من ورق يوما واحدًا، ثم إن الناس اضطربوا الخواتم من ورق فلبسوها، فطرح النبي ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتمهم». واللفظ لمسلم.
وكذا رواه الثقات الأثبات من أصحاب الزُّهْرِيّ؛ كيونس بن يزيد، كما عند البخاري (٥٨٦٨)، وإبراهيم بن سعد، كما عند مسلم (٢٠٩٣/ ٥٩)، وشعيب بن أبي حمزة، كما عند أحمد (١٣٣٥٢).
ولذا أعل رواية همام هذه غير واحد من أهل العلم:
* قال أبو داود: "هذا حديث منكر؛ وإنما يعرف عن ابن جُرَيْجٍ عن زياد بن سعد عن الزُّهْرِيِّ عن أنس: «أَنَّ النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق، ثم ألقاه». والوهم فيه من همام، ولم يروه إِلَّا همام" (السنن ١٩). وبنحوه في
стр. 3187
(سؤالات الآجري لأبي داود ١٢٢٠). وأقره ابن ناصر الدين في (جامع الآثار ٧/ ٣٧٨).
وقال أبو داود في كتاب (التفرد): "نخاف أَنْ يكون هذا الحديث ليس بمحفوظ" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ١٤٢).
* وقال النسائي: "هذا الحديث غير محفوظ (١) " (السنن الكبرى).
* وقال الدارقطني: "ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي، وحجاج، وأبو عاصم، وهشام بن سليمان، وموسى بن طارق، عن ابن جُرَيْجٍ، عن زياد بن سعد، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس «أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتما من ذهب، فاضطرب الناس الخواتيم، فرمى به النبي ﷺ ، وقال: لا ألبسه أبدا»، وهو المحفوظ، وهو الصحيح، عن ابن جُرَيْجٍ" (العلل ٢٥٨٦).
* وذكره ابن السكن في «سننه الصحاح» وقال: "هو وهم" (البدر المنير ٢/ ٣٣٧).
* وقال البيهقي - بعد أَنْ أخرج حديث ابن جُرَيْجٍ، عن زياد بن سعد -: " هذا هو المشهور عن ابن جُرَيْجٍ دون حديث همام" (السنن الكبرى ٤٥٠).
* وقال الحازمي: "لم يرو هذا الحديث بهذا السياق إِلَّا همام. ووهم في ذلك" (البدر المنير ٢/ ٣٣٧).
* وضعفه النووي في (الخلاصة ٣٢٩، ٣٣٠)، وقال: "ضعفه أبو داود، والنسائي، والبيهقي، والجمهور، وقول الترمذي إنه: حسن، مردود
стр. 3188
عليه".
* وقال ابن القيم: "الحديث شاذ أو منكر كما قال أبو داود، وغريب كما قال الترمذي" (تهذيب السنن ١/ ٢٦).
وقال - بعد ذكره بعض روايات حديث الزُّهْرِيّ في اتخاذ الخاتم وطرحه -: "هذه الروايات كلها تدل على غلط همام فإنها مجمعة على أَنَّ الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولبسه وليس في شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء. فهذا هو الذي حكم لأجله هؤلاء الحفاظ بنكارة الحديث وشذوذه. والمصحح له لما لم يمكنه دفع هذه العلة حكم بغرابته لأجلها فلو لم يكن مخالفًا لرواية من ذكر فما وجه غرابته ولعل الترمذي موافق للجماعة فإنه صححه من جهة السند لثقة الرواة واستغربه لهذه العلة وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه فلا يكون بينهما اختلاف بل هو صحيح السند لكنه معلول. والله أعلم" (تهذيب السنن ١/ ٢٧).
* وقال ابن رجب: "وله علة قد ذكرها حذاق الحفاظ كأبي داود والنسائي والدارقطني وهي أَنَّ هماما تفرد به عن ابن جُرَيْجٍ هكذا، ولم يتابعه غير يحيى بن المتوكل ويحيى بن الضريس ورواه بقية الثقات: عبد الله بن الحارث المخزومي، وحجاج، وأبوعاصم، وهشام بن سليمان وموسى بن طارق عن ابن جُرَيْجٍ عن زياد بن سعد عن الزُّهْرِيِّ عن أنس: أنه رأى في يد النبي خاتما من ذهب) ... الحديث
وهذا هو المحفوظ عن ابن جُرَيْجٍ دون الأول وقد جاء في رواية هدبة عن همام عن ابن جُرَيْجٍ، ولا أعلمه إِلَّا عن الزُّهْرِيِّ عن أنس، وهذه تشعر بعدم تيقن فإن كانت من همام؛ فقد قوي الظن بوهمه، وإن كانت من هدبة فلا تؤثر؛ لأن غيره ضبطه عن همام كما ان بعض الرواة وقفه عن همام على
стр. 3189
أنس، ولم يضر ذلك لاتفاق سائر الرواة عنه على الرفع.
وروى ابن عدي أَنَّ هماما إنما وهم في إدراج قوله: (كان إذا دخل الخلاء وضعه) فإن هذا من قول الزُّهْرِيّ، وأما أول الحديث وهو أَنَّ النبي ﷺ اتخذ خاتما ولبسه فهو مرفوع وقد جاء هذا مبينا في رواية عمر بن شبة ثنا حبان بن هلال ثنا همام عن ابن جُرَيْجٍ عن الزُّهْرِيِّ: (أَنَّ رسول الله ﷺ حيث لبس خاتمه كان إذا دخل الخلاء وضعه) " (أحكام الخواتيم / من مجموع رسائل ابن رجب ٢/ ٦٩٩، ٧٠٠).
* وقال ابن حجر: "وعلته أنه من رواية همام، عن ابن جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس، ورواته ثقات، لكن لم يخرج الشيخان رواية همام، عن ابن جُرَيْجٍ، وابن جُرَيْجٍ قيل لم يسمعه من الزُّهْرِيّ وإنما رواه عن زياد بن سعد، عن الزُّهْرِيِّ بلفظ آخر" (التلخيص الحبير ١/ ١٩٠).
وقال في (بلوغ المرام ٨٦): "معلول".
وقال أيضًا: "وجزم الدارقطني وجماعة بأنه وهم في هذا إسنادًا ومتنًا، وأن الحديث إنما هو حديثه عن زياد بن سعد عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس «أَنَّ النبي ﷺ اتخذ خاتما» ". (الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة ص ٥١).
* ومع ما ذكرناه من إعلال هذا الحديث، فقد ذهب إلى تصحيحه بعض أهل العلم، جريًا على ظاهر إسناده.
فقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
وقال المنذري: "وهذا هو الصواب عندي؛ فإن رواته كلهم ثقات أثبات" (البدر المنير ٢/ ٣٣٨).
وقال في (مختصر سنن أبي داود ١/ ٢٦): "وهمام هذا ... ، وإن كان قد
стр. 3190
تكلم فيه بعضهم، فقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه ... "، وذكر ثناء العلماء عليه، ثم قال: "وإذا كان حال همام كذلك فيترجح ما قاله الترمذي، وتفرده به لا يوهن الحديث، وإنما يكون غريبًا، كما قال الترمذي. والله أعلم".
وقال ابن دقيق العيد: "ويرجح ما قاله الترمذي أيضًا: ضعف القرينة الدالة أيضًا على وهم همام، فإن انتقال الذهن من قولنا: «اتخذ خاتما من ورق، ثم ألقاه» إلى قوله: «كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» لا يكون إِلَّا عن غفلة شديدة لا يحتمل مثل همام مثلها. نعم في روايته هذه عن هدبة بن خالد، عن همام: "ولا أعلمه إِلَّا عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس"، وهذه عبارة تشعر بعدم تيقن، فإن كان قائل هذا الكلام هو هدبة فلا يضر لذلك؛ لثبت غيره الرواية عن همام وبثقته، وإن كان هو همام فقد يضم ذلك إلى مخالفة الجمهور له، فيوقع شيئًا في الوهم، وعلى الجملة فالجاري على قواعد الفقه والأصول قبول رواية الثقة في مثل هذا، والله أعلم" (الإمام ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥).
وأبي ذلك آخرون؛ فقال النووي: "وقول الترمذي إنه: حسن، مردود عليه" (الخلاصة ٣٣٠).
وقال الحافظ العراقي: "وأما قول الترمذي بعد تخريجه له هذا حديث حسن صحيح غريب؛ فإنه أجرى حكمه على ظاهر الإسناد، وقول أبي داود والنسائي أولي بالصواب" (التقييد والإيضاح ص ١٠٨).
وقال أيضًا: "فهمام بن يحيى ثقة، احتج به أهل الصحيح، ولكنه خالف الناس، فروى عن ابن جُرَيْجٍ هذا المتن بهذا السند وإنما روى الناس عن ابن جُرَيْجٍ الحديث الذي أشار إليه أبو داود، ولهذا حكم عليه أبو داود