وقد خولف همام في هذا الحديث سندًا ومتنًا؛ فقد رواه:
١ - روح بن عبادة، كما عند مسلم (٢٠٩٣)، وأحمد (١٣١٤١) وغيرهما.
٢ - وأبو عاصم النبيل، كما عند مسلم (٢٠٩٣)، والبزار (٦٣٢٤)، وغيرهما.
٣ - وعبد الله بن الحارث المخزومي، كما عند أحمد (١٣١٤١) وغيره.
٤ - وحجاج بن محمد، كما عند أبي عوانة في (المستخرج ٩٠٧٧).
٥ - وهشام بن سليمان، كما عند أبي الشيخ في (أخلاق النبي ﷺ ٣٦٤)، وأبي محمد الفاكهي في (فوائده ٢٣٧).
٦ - وموسى بن طارق، ذكره الدارقطني في (العلل ٢٥٨٦).
كلهم: عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني زياد، أَنَّ ابن شهاب أخبره، أَنَّ أنس بن مالك، أخبره: «أنه رأى في يد رسول الله ﷺ خاتما من ورق يوما واحدًا، ثم إن الناس اضطربوا الخواتم من ورق فلبسوها، فطرح النبي ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتمهم». واللفظ لمسلم.
وكذا رواه الثقات الأثبات من أصحاب الزُّهْرِيّ؛ كيونس بن يزيد، كما عند البخاري (٥٨٦٨)، وإبراهيم بن سعد، كما عند مسلم (٢٠٩٣/ ٥٩)، وشعيب بن أبي حمزة، كما عند أحمد (١٣٣٥٢).
ولذا أعل رواية همام هذه غير واحد من أهل العلم:
* قال أبو داود: "هذا حديث منكر؛ وإنما يعرف عن ابن جُرَيْجٍ عن زياد بن سعد عن الزُّهْرِيِّ عن أنس: «أَنَّ النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق، ثم ألقاه». والوهم فيه من همام، ولم يروه إِلَّا همام" (السنن ١٩). وبنحوه في
стр. 3187
(سؤالات الآجري لأبي داود ١٢٢٠). وأقره ابن ناصر الدين في (جامع الآثار ٧/ ٣٧٨).
وقال أبو داود في كتاب (التفرد): "نخاف أَنْ يكون هذا الحديث ليس بمحفوظ" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ١٤٢).
* وقال النسائي: "هذا الحديث غير محفوظ (١) " (السنن الكبرى).
* وقال الدارقطني: "ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي، وحجاج، وأبو عاصم، وهشام بن سليمان، وموسى بن طارق، عن ابن جُرَيْجٍ، عن زياد بن سعد، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس «أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتما من ذهب، فاضطرب الناس الخواتيم، فرمى به النبي ﷺ ، وقال: لا ألبسه أبدا»، وهو المحفوظ، وهو الصحيح، عن ابن جُرَيْجٍ" (العلل ٢٥٨٦).
* وذكره ابن السكن في «سننه الصحاح» وقال: "هو وهم" (البدر المنير ٢/ ٣٣٧).
* وقال البيهقي - بعد أَنْ أخرج حديث ابن جُرَيْجٍ، عن زياد بن سعد -: " هذا هو المشهور عن ابن جُرَيْجٍ دون حديث همام" (السنن الكبرى ٤٥٠).
* وقال الحازمي: "لم يرو هذا الحديث بهذا السياق إِلَّا همام. ووهم في ذلك" (البدر المنير ٢/ ٣٣٧).
* وضعفه النووي في (الخلاصة ٣٢٩، ٣٣٠)، وقال: "ضعفه أبو داود، والنسائي، والبيهقي، والجمهور، وقول الترمذي إنه: حسن، مردود
стр. 3188
عليه".
* وقال ابن القيم: "الحديث شاذ أو منكر كما قال أبو داود، وغريب كما قال الترمذي" (تهذيب السنن ١/ ٢٦).
وقال - بعد ذكره بعض روايات حديث الزُّهْرِيّ في اتخاذ الخاتم وطرحه -: "هذه الروايات كلها تدل على غلط همام فإنها مجمعة على أَنَّ الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولبسه وليس في شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء. فهذا هو الذي حكم لأجله هؤلاء الحفاظ بنكارة الحديث وشذوذه. والمصحح له لما لم يمكنه دفع هذه العلة حكم بغرابته لأجلها فلو لم يكن مخالفًا لرواية من ذكر فما وجه غرابته ولعل الترمذي موافق للجماعة فإنه صححه من جهة السند لثقة الرواة واستغربه لهذه العلة وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه فلا يكون بينهما اختلاف بل هو صحيح السند لكنه معلول. والله أعلم" (تهذيب السنن ١/ ٢٧).
* وقال ابن رجب: "وله علة قد ذكرها حذاق الحفاظ كأبي داود والنسائي والدارقطني وهي أَنَّ هماما تفرد به عن ابن جُرَيْجٍ هكذا، ولم يتابعه غير يحيى بن المتوكل ويحيى بن الضريس ورواه بقية الثقات: عبد الله بن الحارث المخزومي، وحجاج، وأبوعاصم، وهشام بن سليمان وموسى بن طارق عن ابن جُرَيْجٍ عن زياد بن سعد عن الزُّهْرِيِّ عن أنس: أنه رأى في يد النبي خاتما من ذهب) ... الحديث
وهذا هو المحفوظ عن ابن جُرَيْجٍ دون الأول وقد جاء في رواية هدبة عن همام عن ابن جُرَيْجٍ، ولا أعلمه إِلَّا عن الزُّهْرِيِّ عن أنس، وهذه تشعر بعدم تيقن فإن كانت من همام؛ فقد قوي الظن بوهمه، وإن كانت من هدبة فلا تؤثر؛ لأن غيره ضبطه عن همام كما ان بعض الرواة وقفه عن همام على
стр. 3189
أنس، ولم يضر ذلك لاتفاق سائر الرواة عنه على الرفع.
وروى ابن عدي أَنَّ هماما إنما وهم في إدراج قوله: (كان إذا دخل الخلاء وضعه) فإن هذا من قول الزُّهْرِيّ، وأما أول الحديث وهو أَنَّ النبي ﷺ اتخذ خاتما ولبسه فهو مرفوع وقد جاء هذا مبينا في رواية عمر بن شبة ثنا حبان بن هلال ثنا همام عن ابن جُرَيْجٍ عن الزُّهْرِيِّ: (أَنَّ رسول الله ﷺ حيث لبس خاتمه كان إذا دخل الخلاء وضعه) " (أحكام الخواتيم / من مجموع رسائل ابن رجب ٢/ ٦٩٩، ٧٠٠).
* وقال ابن حجر: "وعلته أنه من رواية همام، عن ابن جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس، ورواته ثقات، لكن لم يخرج الشيخان رواية همام، عن ابن جُرَيْجٍ، وابن جُرَيْجٍ قيل لم يسمعه من الزُّهْرِيّ وإنما رواه عن زياد بن سعد، عن الزُّهْرِيِّ بلفظ آخر" (التلخيص الحبير ١/ ١٩٠).
وقال في (بلوغ المرام ٨٦): "معلول".
وقال أيضًا: "وجزم الدارقطني وجماعة بأنه وهم في هذا إسنادًا ومتنًا، وأن الحديث إنما هو حديثه عن زياد بن سعد عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس «أَنَّ النبي ﷺ اتخذ خاتما» ". (الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة ص ٥١).
* ومع ما ذكرناه من إعلال هذا الحديث، فقد ذهب إلى تصحيحه بعض أهل العلم، جريًا على ظاهر إسناده.
فقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
وقال المنذري: "وهذا هو الصواب عندي؛ فإن رواته كلهم ثقات أثبات" (البدر المنير ٢/ ٣٣٨).
وقال في (مختصر سنن أبي داود ١/ ٢٦): "وهمام هذا ... ، وإن كان قد
стр. 3190
تكلم فيه بعضهم، فقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه ... "، وذكر ثناء العلماء عليه، ثم قال: "وإذا كان حال همام كذلك فيترجح ما قاله الترمذي، وتفرده به لا يوهن الحديث، وإنما يكون غريبًا، كما قال الترمذي. والله أعلم".
وقال ابن دقيق العيد: "ويرجح ما قاله الترمذي أيضًا: ضعف القرينة الدالة أيضًا على وهم همام، فإن انتقال الذهن من قولنا: «اتخذ خاتما من ورق، ثم ألقاه» إلى قوله: «كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» لا يكون إِلَّا عن غفلة شديدة لا يحتمل مثل همام مثلها. نعم في روايته هذه عن هدبة بن خالد، عن همام: "ولا أعلمه إِلَّا عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس"، وهذه عبارة تشعر بعدم تيقن، فإن كان قائل هذا الكلام هو هدبة فلا يضر لذلك؛ لثبت غيره الرواية عن همام وبثقته، وإن كان هو همام فقد يضم ذلك إلى مخالفة الجمهور له، فيوقع شيئًا في الوهم، وعلى الجملة فالجاري على قواعد الفقه والأصول قبول رواية الثقة في مثل هذا، والله أعلم" (الإمام ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥).
وأبي ذلك آخرون؛ فقال النووي: "وقول الترمذي إنه: حسن، مردود عليه" (الخلاصة ٣٣٠).
وقال الحافظ العراقي: "وأما قول الترمذي بعد تخريجه له هذا حديث حسن صحيح غريب؛ فإنه أجرى حكمه على ظاهر الإسناد، وقول أبي داود والنسائي أولي بالصواب" (التقييد والإيضاح ص ١٠٨).
وقال أيضًا: "فهمام بن يحيى ثقة، احتج به أهل الصحيح، ولكنه خالف الناس، فروى عن ابن جُرَيْجٍ هذا المتن بهذا السند وإنما روى الناس عن ابن جُرَيْجٍ الحديث الذي أشار إليه أبو داود، ولهذا حكم عليه أبو داود
стр. 3191
بالنكارة" (شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٢٥٦).
وقال السخاوي: "وقول الترمذي: إنه حسن صحيح غريب، فيه نظر" (فتح المغيث ١/ ٢٥٤).
وصححه أيضًا: ابن حبان؛ حيث أخرجه في صحيحه.
وقال السخاوي: "وقال موسى بن هارون: لا أدفع أَنْ يكونا حديثين (١). ومال إليه ابن حبان، فصححهما معا" (فتح المغيث ١/ ٢٥٤).
وقال الحافظ - بعد إعلاله بالمخالفة -: "على أَنَّ للنظر مجالا في تصحيح حديث همام، أنه مبني على أَنَّ أصله حديث الزُّهْرِيّ، عن أنس ﵁ في اتخاذ الخاتم.
ولا مانع أَنْ يكون هذا متن آخر غير ذلك المتن، وقد مال إلى ذلك ابن حبان فصححهما جميعًا، ولا علة له عندي إِلَّا تدليس ابن جُرَيْجٍ، فإن وجد عنه التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي. والله أعلم" (النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦٧٨).
وصححه ابن دقيق العيد في (الإمام ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٥)، ومغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ١٤٣)، وابن الملقن في (البدر المنير ٢/ ٣٣٦ - ٣٤٣)، والعيني في (شرح أبي داود ١/ ٧٩)، وابن التركماني في (الجوهر النقي ١/ ٩٥)، والسيوطي في (الجامع الصغير ٦٦٦٢)، والمناوي في (التيسير ٢/ ٢٤٧).
стр. 3192
وقال الشوكاني: "لم يأت فيه من ضعفه بما تقوم به الحجة في التضعيف" (الدراري المضية ١/ ٣٨).
قلنا: أقلها عنعنة ابن جُرَيْجٍ، وهو فاحش التدليس، وهذا ما لم يجب عنه أحد ممن صحح الحديث.
الوجه الثاني: عن همام عن ابن جُرَيْجٍ عن الزُّهْرِيِّ مرسلًا:
فقد رواه عمر بن شبة عن حبان بن هلال عن همام عن ابن جُرَيْجٍ عن الزُّهْرِيِّ - مرسلًا - قال: «أَنَّ رسول الله ﷺ حيث لبس خاتمه كان إذا دخل الخلاء وضعه». نقله ابن رجب عن ابن شبة في رسالة (أحكام الخواتيم / المطبوعة ضمن مجموع رسائل ابن رجب ٢/ ٧٠٠).
وحبان بن هلال: "ثقة ثبت" من رجال الجماعة، (التقريب ١٠٦٩).
ولهذا ذكر ابن رجب - كما تقدم - أَنَّ هماما وهم، فأدرج رواية الزُّهْرِيّ المرسلة هذه، في الرواية المتصلة، التي ليس فيها ذكر الخلاء.
الوجه الثالث: عن همام، عن ابن جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس به موقوفًا:
أخرجه ابن سعد في (الطبقات ٥/ ٣٤٢، ٩/ ٢٢) - قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: حدثنا همام بن يحيى، عن ابن جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِيِّ: «أَنَّ أنس بن مالك نقش في خاتمه: محمد رسول الله ﷺ . قال: فكان إذا دخل الخلاء نزعه (وضعه)».
وعمرو بن عاصم الكلابي، قال عنه الحافظ: "صدوق في حفظه شيء" (التقريب ٥٠٥٥).
ولهذا ذكر هذا الوجه الدارقطني في (العلل ٢٥٨٦) وغمزه بقوله: "ولم
стр. 3193
يتابع على ذلك".
الوجه الرابع: عن همام عن قتادة، عن ابن جُرَيْجٍ به مرفوعًا:
رواه تمام في (الفوائد ١١٩٩)، وفي (إسلام زيد بن حارثة ٢٧) - ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٦١/ ٢٣٢) - قال: حدثنا أبو موسى هارون بن محمد بن هارون بن أحمد الموصلي، ثنا أبو عمران موسى بن هشام الدينوري الوراق قال: سمعت أبا علي الحسن الموصلي مذاكرة، ثنا سهل بن صالح الأنطاكي، ثنا عامر بن سيار، عن همام، عن قتادة، عن ابن جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس، به.
وعامر بن سيار، قال أبو حاتم: "مجهول" (الجرح والتعديل ٦/ ٣٢٢)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٥٠٢)، وقال: "ربما أغرب".
والمحفوظ عن همام عن ابن جُرَيْجٍ بلا واسطة كما تقدم، ثم إن قتادة في طبقة شيوخ ابن جُرَيْجٍ، فالأصل أَنْ يروي ابن جُرَيْجٍ عن قتادة لا العكس.
ولذا قال ابن عساكر - عقبه -: "غريب جدًّا".
الطريق الثاني: عن يحيى بن المتوكل عن ابن جُرَيْجٍ:
أخرجه الحاكم في (المستدرك ٦٨٣) - ومن طريقه البيهقي في (الكبرى ٤٥٦) - قال: حدثنا علي بن حمشاذ، حدثنا عبيد بن عبد الواحد، حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، حدثنا يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس (١): «أَنَّ رسول الله ﷺ لبس خاتما؛ نقشه:
стр. 3194
محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء وضعه».
ورواه ابن الأعرابي في (معجمه ٩١١): عن أحمد بن سعد الزُّهْرِيّ، عن يعقوب بن كعب.
وأبو القاسم الحامض في (جزء له ٤): عن محمد بن عمرو ابن أبي مذعور.
وتمام في (فوائده ٤٩٥)، والبغوي في (شرح السنة ١٨٩): من طريق إسحاق بن الأخيل الحلبي.
ثلاثتهم: عن يحيى بن المتوكل، عن ابن جُرَيْجٍ، به.
وهذا إسناد ضعيف أيضًا؛ فيه علتان:
الأولى: عنعنة ابن جُرَيْجٍ، فهو مدلس فاحش التدليس، كما تقدم مرارًا.
الثانية: يحيى بن المتوكل وهو أبو بكر الباهلي البصري، ترجم له البخاري في (التاريخ الكبير ٨/ ٣٠٦)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٩/ ١٩٠)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وسئل عنه ابن معين فقال: "لا أعرفه" (سؤالات ابن الجنيد ٩٢٦)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٧/ ٦١٢) وقال: "كان يخطئ، وليس هذا يحيى بن المتوكل الذي يقال له: أبو عَقِيْلٍ صاحب بهية، ذاك ضعيف". وذكره الحافظ العراقي في (ذيل ميزان الاعتدال ص ٢٠٧) وقال: "وأشار البيهقي في سننه إلى تضعيفه؛ فإنه روى حديث همام في نزع الخاتم عند دخول الخلاء ثم رواه من رواية يحيى بن المتوكل هذا متابعًا لهمام وقال إنه شاهد ضعيف".اهـ.
وقال الذهبي: "ما علمت به بأسا" (تاريخ الإسلام ٤/ ١٢٥٣). وقال في (المغني ٧٠٣٩): "صدوق"! .
стр. 3195
كذا قال، ولا ندري على أي شيء اعتمد في قوله: "صدوق"، ولم يوثقه معتبر، بل إن ابن حبان لما ذكره في (الثقات) مع تساهله في ذلك، قال: "كان يخطئ"، فكيف يكون صدوقا، وتوسط فيه الحافظ فقال: "صدوق يخطئ" (التقريب ٧٦٣٤).
وعلى كلِّ حالٍ فمثله لا يحتج بما ينفرد به، فكيف إذا خولف، فقد تقدم أَنَّ الثقات الأثبات من أصحاب ابن جُرَيْجٍ، قد رووه عنه، فزادوا في سنده (زياد بن سعد) بين ابن جُرَيْجٍ والزُّهْرِيّ، وبدون ذكر نزع الخاتم عند دخول الخلاء.
فلا جرم أَنْ يقول البيهقي عن متابعة يحيى هذا: "شاهد ضعيف".
وقال البغوي - عقبه -: "هذا حديث غريب" (شرح السنة ١٨٩).
وقال ابن حجر: "وأما متابعة يحيى بن المتوكل له - أي لهمام - عن ابن جُرَيْجٍ، فقد تفيد، لكن قول يحيى بن معين: لا أعرفه، أراد به جهالة عدالته لا جهالة عينه، فلا يعترض عليه بكونه روى عنه جماعة، فإن مجرد روايتهم عنه لا تستلزم معرفة حاله.
وأما ذكر ابن حبان له في (الثقات)، فإنه قال فيه مع ذلك: كان يخطئ. وذلك مما يتوقف به عن قبول أفراده" (النكت على كتاب ابن الصلاح ٢/ ٦٧٨).
وقد تعقب قول البيهقي المتقدم جماعة:
فقال الذهبي بإثره: "يحيى هذا بصري ما علمت أحدًا وهاه" (المهذب ١/ ١٠٣).
وقال ابن التركماني: "وقول البيهقى (هذا شاهد ضعيف) فيه نظر؛ إذ ليس
стр. 3196
في سنده من تكلم فيه فيما علمت ويحيى بن المتوكل بصرى أخرج له الحاكم في المستدرك وقال ابن حبان يخطئ وليس هذا يحيى بن المتوكل الذي يقال له أبو عَقِيْلٍ ذاك ضعيف" (الجوهر النقي ١/ ٩٥).
قلنا: وليس فيما ذكره الذهبي وابن التركماني ما يفيد توثيقه، فيصح به الاعتراض على البيهقي.
وأما ابن القيم فقال: "وإنما ضعفه لأن يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد واهي الحديث وقال بن معين ليس بشيء وضعفه الجماعة كلهم" (تهذيب السنن ١/ ٢٥، ٢٦).
كذا قال، ووهم في ذلك، فإن ما نقله عن أحمد وابن معين والجماعة، إنما هو في يحيى بن المتوكل المدني صاحب بهية (١)، وليس هذا.
وقال العراقي: "وكأن البيهقي ظن أَنَّ يحيى بن المتوكل: هو أبو عَقِيْلٍ صاحب بهية، وهو ضعيف عندهم، وليس هو به، وإنما هو باهليٌّ، يكنى أبا بكر؛ ذكره ابن حبان في الثقات، ولا يقدح فيه قول ابن معين: لا أعرفه فقد عرفه غيره، وروى عنه نحو من عشرين نفسًا؛ إِلَّا أنه اشتهر تفرُّد همام به عن ابن جُرَيْجٍ" (التقييد والإيضاح ص ١٠٨).
كذا قال، وهو الذي نقل قول البيهقي في ترجمة الباهلي، كما تقدم آنفًا، وحمل كلام البيهقي على ذلك أولى من توهيمه بغير دليل، وأما ذكر ابن حبان له في (الثقات) فغير معتبر، لتساهله في توثيق المجاهيل، كما تقدم تأصيله مرارًا.
* ومع ما تقدم، قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين
стр. 3197
ولم يخرجاه، إنما خرجا حديث نقش الخاتم فقط".
وفيه نظر ظاهر؛ فإن يحيى بن المتوكل، فضلًا عما ذكرناه في ترجمته، فلم يخرجا له شيئًا، ولا خرجا ليعقوب بن كعب، ولا لابن جُرَيْجٍ عن الزُّهْرِيِّ أيضًا.
الطريق الثالث: عن يحيى بن الضريس، عن ابن جُرَيْجٍ:
أخرجه أبو نعيم في (تاريخ أصبهان ٢/ ١١٠)، قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن عيسى الخشاب، فيما أجاز، ثنا أبو بشر عبد الرحمن بن أحمد الولادي، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى، عن ابن جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس، به.
ويحيى - فيما يظهر -: هو ابن الضريس، فهو المذكور في شيوخ عثمان وتلاميذ ابن جُرَيْجٍ، وقد نص الدارقطني في (العلل ٢٥٨٦) أنه رواه عن ابن جُرَيْجٍ متابعًا لهمام.
ولكن الإسناد إليه لا يثبت؛ فيه مجهولان:
الأول: أبو بشر عبد الرحمن بن أحمد الولادي، ترجم له أبو الشيخ في (طبقات المحدثين بأصبهان ٣٩٣)، وأبو نعيم في (تاريخ أصبهان ١١٢٧)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق ٣٤/ ١٢١). ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، سوى أَنَّ أبا نعيم قال عنه: "من كبار المتعبدين". وهذا لا ينفع في قبول روايته.
الثاني: عبد الله بن محمد بن عيسى الخشاب، ترجم له أبو نعيم في (تاريخ أصبهان ١٠٤٢)، والذهبي في (تاريخ الإسلام ٧/ ٨٢١) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
هذا بالإضافة إلى عنعنة ابن جُرَيْجٍ، فإنه مدلس، كما تقدم.
* * *
стр. 3198
٦٥٣ - حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ الزُّهْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَيْثُ لَبِسَ خَاتَمَهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَهُ».
[الحكم]: مرسل ضعيف.
[التخريج]:
[عمر بن شبة (أحكام الخواتيم / المطبوعة ضمن مجموع رسائل ابن رجب ٢/ ٧٠٠)]
[السند]:
رواه عمر بن شبة: عن حبان بن هلال عن همام عن ابن جُرَيْجٍ عن الزُّهْرِيِّ، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات؛ لكنه مُعَلٌّ بعلتين:
الأولى: الإرسال، فالزُّهْرِيّ تابعي مشهور، ومراسيله واهية، كما قال يحيى القطان وابن معين وغيرهما، انظر: تفصيل ذلك في باب: "الدم يصيب الثوب"، من فصل النجاسات.
الثانية: عنعنة ابن جُرَيْجٍ، فإنه مدلس.
ثم إن المحفوظ عن ابن جُرَيْجٍ عن زياد بن سعد عن الزُّهْرِيِّ عن أنس، بغير هذا اللفظ، كما تقدم بيانه.
* * *
стр. 3199
٦٥٤ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ((أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ)).
[الحكم]: منكر، وإسناده واهٍ، وضعفه ابن حجر.
[التخريج]:
[طيل ٣٤٤].
[السند]:
قال الجورقاني في (الأباطيل): أخبرنا زيد بن سعيد بن أحمد بن علي الحسين، أخبرني عبدوس بن عبد الله بن عبدوس، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن الحسين بن فنجويه، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الرازي، قال: حدثنا عبد الله بن عمران، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد واهٍ؛ فيه: محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي، ضعفه أبو أحمد الحاكم وقال: لو "اقتصر على سماعه"، وقال أيضًا: "حدث عن شيوخ لم يدركهم"، وقال الدارقطني: "متروك". وقال أيضًا: "دجال يضع الحديث". انظر: (لسان الميزان ٦٣٣٣).
وبه ضعف الحديث ابن حجر فقال: "رجاله ثقات، إِلَّا محمد بن إبراهيم الرازي فإنه متروك" (التلخيص الحبير ١/ ١٩١).
стр. 3200
ثم إن المحفوظ عن أبي معاوية بهذا الإسناد عن ابن عباس، قال: «كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ، نَزَعَ خَاتَمَهُ فَأَعْطَاهُ امْرَأَتَهُ». كذا أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف ١٢١٤) عن أبي معاوية، وهو التالي:
* * *
стр. 3201
٦٥٥ - حَدِيثٌ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ، نَزَعَ خَاتَمَهُ فَأَعْطَاهُ امْرَأَتَهُ».
[الحكم]: إسناده صحيح.
[التخريج]:
[ش ١٢١٤]
[السند]:
قال ابن أبي شيبة في (المصنف ١٢١٤): حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير؛ عن ابن عباس، به.
المنهال: هو ابن عمرو.
[التحقيق]:
هذا إسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات.
* * *
стр. 3202
١٠٠ - باب ما رُوِي في تحويل الخاتم عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ
٦٥٦ - حَدِيثُ عَلِيٍّ:
◼ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ حَوَّلَ خَاتَمَهُ فِي يَمِينِهِ، وَإِذَا خَرَجَ وَتَوَضَّأَ حَوَّلَهُ فِي يَسَارِهِ».
[الحكم]: باطلٌ، راويه كذاب وضاع، فلعله من وضعه، كما أشار لذلك ابن عدي وتبعه ابن القيسراني، وقال الجورقاني: منكر، وأقرّه ابن رجب، وقال ابن الجوزي: لا يصح، وقال ابن الملقن: واهٍ، وقال ابن ناصر الدين: مطروح.
[التخريج]:
[عد (٧/ ٥٦٣) "واللفظ له" / طيل ٣٤٢]
[السند]:
قال ابن عدي: حدثنا أحمد بن عمرو بن خالد الحمصي، قال ثنا أبي، قال حدثني عكرمة بن يزيد الألهاني، قال حدثني الأبيض بن الأغر، عن أبي خالد الواسطي، عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي، به.
ورواه ابن عدي أيضًا - ومن طريقه الجورقاني في (الأباطيل) - قال:
стр. 3203
حدثنا ابن أبي داود (١)، قال: حدثنا أيوب الوزان (٢)، قال: حدثنا فهر بن بشر، عن أبي الأغر - يعني الأبيض بن الأغر -، عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ساقط؛ آفته أبو خالد الواسطي، وهو عمرو بن خالد، كذاب وضاع تالف، رماه بالكذب ووضع الحديث: وكيع وأحمد وابن معين وإسحاق وأبو زرعة وأبو داود وغيرهم. انظر: (تهذيب التهذيب ٨/ ٢٦ - ٢٧). ولذا قال الذهبي: "كذبوه" (الكاشف ٤١٥٠). وقال الحافظ: "متروك ورماه وكيع بالكذب" (التقريب ٥٠٢١).
والحديث ذكره ابن عدي في ترجمته مع جملة من حديثه، ثم قال: "ولعمرو بن خالد غير ما ذكرت من الحديث، وعامة ما يرويه موضوعات" (الكامل ٥/ ١٢٦).
وقال ابن القيسراني: "رواه أبو خالد الواسطي - واسمه عمرو بن خالد -: عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي. وعمرو هذا كذاب" (ذخيرة الحفاظ ١٥٦٧).
стр. 3204
وقال الجورقاني: "هذا حديث منكر"، وذكر بعض أقوال الأئمة في تكذيبه (الأباطيل ١/ ١٨٦). وأقره ابن رجب (أحكام الخواتيم/ ضمن مجموع رسائله ٢/ ٧٠١).
وعلقه ابن الجوزي في (العلل المتناهية ٥٣٧) فقال: "روى عمرو بن خالد الو اسطي عن زيد بن علي ... الحديث"، ثم قال: "هذا حديث لا يصح، قال يحيى ابن معين: عمرو كذاب لا يساوي شيئًا، وقال ابن راهويه: يضع الحديث".
وقال ابن الملقن: "ومن الأحاديث الواهية في هذا الباب ... "، وذكره (البدر المنير ٢/ ٣٤٣).
وقال ابن ناصر الدين: "هذا حديث مطروح، آفته أبو خالد الواسطي هذا؛ لأنه من النسخة الموضوعة التي رواها عن زيد بن علي، عن آبائه" (جامع الآثار ٧/ ٣٧٧).
[تنبيه]:
قال الجورقاني - عقب حديث علي هذا -: "وقد روى هذا الحديث أيضًا، الحكم بن مروان، عن فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر ﵁، وفرات بن السائب، قال أبو زرعة: هو ضعيف الحديث" (الأباطيل ١/ ٥٣٤).
قلنا: لم نقف علي رواية فرات هذه، والله المستعان.
وفرات هذا ليس ضعيفًا فحسب، بل واه جدًّا، قال البخاري: "تركوه، منكر الحديث" (التاريخ الكبير ٧/ ١٣٠)، وأحاديثه عن ميمون بن مهران خاصة مناكير، قاله ابن عدي في (الكامل ٨/ ٥٩٢/ ١٥٧٥)، وقد تقدمت ترجمته بتوسع في باب: "النهي عن التخلي في الطرق والظلال ... ".
* * *
стр. 3205
٦٥٧ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼عنِ ابْنِ عُمَر ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَتَّمُ فِي خِنْصَرِهِ الأَيْمَنِ، فَإِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ جَعَلَ الْكِتَابَةَ مِمَّا يَلِي كَفَّيْهِ».
[الحكم]: منكر، وسنده ضعيف جدًّا، أنكره ابن عدي، وتبعه ابن طاهر القيسراني، وابن دقيق وابن الملقن، وقال ابن رجب: باطل. وقد صح تختمه في اليمنى واليسرى، وأنه كان يجعل فص خاتمه مما يلي كفه مطلقا.
[التخريج]:
[عد (٩/ ٢٦)]
[السند]:
قال ابن عدي: حدثنا عبد الله بن أبان بن شداد، حدثنا أحمد بن الفضل بن عبيد الله، حدثنا رواد بن الجراح، عن العرزمي، عن نافع، عن ابن عمر، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد واهٍ جدًّا؛ مسلسل بالعلل:
الأولى: العرزمي: هو محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان، تركه ابن مهدى وابن المبارك والقطان وابن معين، وغيرهم، قال أحمد: "ترك الناس حديثه"، وقال الحاكم: "متروك الحديث بلا خلاف أعرفه بين أئمة النقل فيه" (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٢٣)، ولذا قال الحافظ: "متروك" (التقريب ٦١٠٨).
الثانية: رواد بن الجراح الشامي، قال ابن حجر: "صدوق اختلط بأخرة
стр. 3206
فترك" (التقريب ١٩٥٨).
الثالثة: أحمد بن الفضل: هو العسقلاني أبو جعفر الصائغ، قال ابن أبي حاتم: "كتبنا عنه"، ولم يذكر فيه جرحًا، وأما ابن حزم فقال: "مجهول" (اللسان ٧٠٨).
الرابعة: عبد الله بن أبان بن شداد شيخ ابن عدي، لم نجد له ترجمة.
والحديث عدّه ابن عدي من مناكير العرزمي، فرواه في ترجمته من (الكامل) ثم قال عقبه: "وهذا المتن غريب بهذا الإسناد"، ثم قال: "ولمحمد بن عبيد الله غير ما ذكرت من الحديث .. وعامة رواياته غير محفوظة".
وأقره ابن طاهر القيسراني في (الذخيرة ٤٠٣٠)، فقال: "رواه محمد بن عبيدالله العرزمي ... وهذا المتن غريب بهذا الإسناد، والعرزمي متروك الحديث".
وبهذا أعله ابن دقيق في (الإمام ٢/ ٤٥٥) وابن الملقن في (البدر المنير ٢/ ٣٤٣).
وقال ابن رجب: "ولم يرد عن النبي ﷺ أنه جعله إلى ظاهر كفه إِلَّا في حديث باطل لا يثبت «أنه كان إذا دخل الخلاء جعل الكتابة مما يلي كفه» " (أحكام الخواتيم/ ضمن مجموع رسائله ٢/ ٦٩٧). وذكره أيضًا فقال: "وروى ابن عدي من حديث محمد بن عبيد الله العرزمي، ... والعرزمي متروك" (أحكام الخواتيم/ مجموع رسائل ابن رجب ٢/ ٧٠١).
هذا وقد صح تختمه ﷺ في خنصر اليسرى عند مسلم (٢٠٩٥).
كما صح تختمه ﷺ في اليمنى، وأنه كان يجعل فص خاتمه مما يلي كفه، ولم يقيد بدخوله الخلاء، فقد أخرج مسلم (٢٠٩٤) عن أنس بن
стр. 3207
مالك، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ».
وروى البخاري (٦٦٥١) ومسلم (٢٠٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَانَ يَلْبَسُهُ، فَيَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ، فَصَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَنَزَعَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الخَاتمَ وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ» فَرَمَى بِهِ ثمَّ قَالَ: ((وَاللَّهِ لا أَلْبَسُهُ أَبَدًا))، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ، وزاد في رواية عند البخاري (٥٨٦٦): "ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الفِضَّةِ"، وفي رواية عند مسلم (٢٠٩١) "ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، ... وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ".
قال الحكيم الترمذي: "وأما قوله: «جعل فصه مما يلي بطن كفيه»، فذلك عندنا بمعنى دخول الخلاء" (المنهيات ص ٢١٤).
[تنبيه]:
ذكر مغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ١٤٣ - ١٤٤) حديث ابن عمر هذا، ثم نقل عن الجورقاني أنه ضعفه.
وفي نقله عن الجورقاني نظر؛ فإنما ضعف الجورقاني رواية أخرى من طريق آخر، فإنه لما ذكر حديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ حَوَّلَ خَاتَمَهُ فِي يَمِينِهِ، فَإِذَا خَرَجَ وَتَوَضَّأَ، حَوَّلَهُ فِي يَسَارِهِ»، أنكره وبين ضعفه، ثم قال: "وقد روى هذا الحديث أيضًا: الحكم بن مروان، عن فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر ﵁، وفرات بن السائب، قال أبو زرعة: هو ضعيف الحديث" (الأباطيل ١/ ٥٣٤).
وقد تقدم الكلام عليه.
* * *
стр. 3208
١٠١ - بَابُ ما رُوِي في تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ
٦٥٨ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ غَطَّى رَأْسَهُ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ».
[الحكم]: منكر، وضعفه ابن عدي والبيهقي وابن القيسراني وابن دقيق والنووي والصالحي والمناوي، والألباني.
[التخريج]:
[عد (٩/ ٤٣٠) واللفظ له / متشابه (٢/ ٦٧٠/١١٢٢) / معر ١٠٨٥ مختصرًا / نعا (ق ٤٩/ ب) / حل (٢/ ١٨٢)، (٧/ ١٣٨، ١٣٩) / هق ٤٦٠]
[التحقيق]:
هذا الحديث له طريقان:
الأول:
رواه ابن عدي في (الكامل ٩/ ٤٣٠) قال: حدثنا محمد بن منير حدثنا محمد بن يونس، حدثنا خالد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا سفيان الثوري عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، به.
стр. 3209
ورواه أبو نعيم في (الحلية ٢/ ١٨٢، ٧/ ١٣٨)، وأبو الحسن النعالي في (جزء من حديثه)، والبيهقي في (الكبرى) والخطيب في (التلخيص)، من طرق عن محمد بن يونس، به.
وهذا إسناد ساقط، فيه علتان:
الأولى: محمد بن يونس: هو أبو العباس الكديمي البصري، رماه غير واحد بالوضع، ولذا قال ابن عدي: "اتهم بوضع الحديث وبسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم .. ، وترك عامة مشايخنا الرواية عنه" (الكامل ١٧٨٦).
وقال أيضًا بعد أَنْ روى له هذا الحديث: "وهذا لا أعلمه رواه غير الكديمي بهذا الإسناد، والكديمي أظهر أمرًا من أَنْ يحتاج أَنْ يتبين ضعفه" (الكامل ٩/ ٤٣١). وأقره ابن طاهر في (الذخيرة ٣٩٤٧).
وقال البيهقي: "وهذا الحديث أحد ما أنكر على محمد بن يونس الكديمي"، ثم ذكر كلام ابن عدي السابق، (السنن الكبرى). وأقره ابن دقيق في (الإمام ٢/ ٤٦٩).
وقال المناوي بعد أَنْ استدركه على السيوطي: "لكن الظاهر أَنَّ المصنف [أي: السيوطي] لم يغفل هذا الموصول عن ذهول، بل لعلمه أَنَّ فيه: محمد بن يونس الكديمي، متهم بالوضع" (فيض القدير ٥/ ١٢٨).
قلنا: وقد توبع الكديمي بما لا يفرح به:
فرواه ابن الأعرابي في (المعجم ١٠٨٥) عن إبراهيم بن فهد نا أبو خالد يزيد العمي، نا خالد بن عبدالرحمن، بسنده مقتصرًا على الشطر الثاني: "كان إذا أراد أهله غطى رأسه".
فهذه متابعة لا يعتد بها، فأما إبراهيم بن فهد، فقد قال فيه أبو الشيخ:
стр. 3210
"كان مشايخنا يضعفوه، قال البرذعي: ما رأيت أكذب منه" (طبقات المحدثين ٢٩٣).
وقال ابن عدي: "كان ابن صاعد إذا حدثنا عنه يقول: إبراهيم بن حكيم، ينسبه إلى جده لضعفه ... ، وسائر أحاديث إبراهيم بن فهد مناكير، وهو مظلم الأمر" (الكامل ١٠٩).
وقال أبو نعيم: "ذهبت كتبه وكثر خطؤه لرداءة حفظه" (أخبار أصبهان ٣٤٧)، مع (اللسان ٢٤٠).
وأما أبو خالد، يزيد العمي، فلم نجد من ترجم له.
العلة الثانية: خالد بن عبد الرحمن المخزومي، فإنه متروك كما في (التقريب ١٦٥٢).
قلنا: وقد توبع المخزومي بما لا يفرح به أيضًا كما تراه في:
الطريق الثاني:
رواه أبو نعيم في (الحلية ٧/ ١٣٩)، قال: حدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا الحسن بن علي الطوسي، (ح) وحدثنا محمد بن المظفر، ثنا القاسم بن إسماعيل، قالا: ثنا إبراهيم بن راشد، ثنا علي بن حيان الجزري، ثنا سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ، وَإِذَا دَخَلَ الْمُتَوَضَّأَ غَطَّى رَأْسَهُ».
وهذا سند ضعيف، فيه: علي بن حيان الجزري، لم نجد من ترجم له، وكذا قال الألباني: "لم أجد من ذكره"، ثم قال: "وبالجملة؛ فالحديث لم يتفرد به الكديمي فهو بريء العهدة منه، والعلة من شيخه المتروك، وعلي بن حيان المجهول" (الضعيفة ٤١٩٢).
стр. 3211
وكذا قال أبو نعيم: "تفرد به عن الثوري، خالد وعلي بن حيان".
قلنا: ومثل هذين يعد تفردهما عن مثل الثوري منكرًا، فأين أصحاب الثوري عن هذا الحديث، حتى ينفرد به عنه متروك ومجهول؟ ! هذا إن لم تكن متابعة ذاك المتروك من مسروقات الكديمي! .
والحديث ضعفه النووي في (المجموع ٢/ ٩٤) و (الخلاصة ١/ ١٤٩)، والصالحي في (سبل الهدى ٨/ ١١)، والألباني في (الضعيفة ٤١٩٢)، و (ضعيف الجامع ٤٣٩٣).
هذا والشطر الثاني: "كان إذا أراد أهله غطى رأسه"، قد رُوِي نحوه عن ابن عباس، قال: قالت عائشة ﵂: ما أتى رسول الله ﷺ أحدًا من نسائه إِلَّا متقنعا، يرخي الثوب على رأسه، " الحديث، وسنده تالف كما تراه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى.
[تنبيهات]:
الأول: وقع وهم عجيب في (سبل الهدى والرشاد للصالحي ٨/ ١٩)، حيث جاء فيه: "روى البيهقي بسند ضعيف، والترمذي -وقال: حسن صحيح غريب- عن عائشة .. "، وساق الحديث، وهو لم يخرجه الترمذي أصلا، ولا هكذا قال الصالحي فيما نرى، فذكر الترمذي وكلامه هذا إنما هو خاص بالحديث المذكور قبل هذا عند الصالحي، حيث قال: "وروى الأربعة وابن حبان والحاكم وصححه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه".
فهذا هو الذي رواه الترمذي وقال فيه ما ذكر، فالظاهر -والله أعلم- أَنَّ هذه العبارة أقحمت خطأ في غير موضعها، وإلا فكيف يبدأ الصالحي بذكر
стр. 3212
البيهقي قبل الترمذي؟! وكيف يضعفه وقد صححه الترمذي؟!، لا سيما وهو تابع له في أحكامه كما يعلم من تتبع كتابه، والله أعلى وأعلم.
الثاني: قال المناوي: "ورواه أبو داود موصولًا مسندًا عن عائشة" (فيض القدير ٥/ ١٢٨).
وهذا خطأ بلا شك، فلم يروه أبو داود قط!.
الثالث: وقع في الموضع الأول من (الحلية ٢/ ١٨٢): "حدثنا أحمد بن القاسم بن الزيات"، وفي الموضع الثاني (٧/ ١٣٨): "أحمد بن القاسم بن الريان"، وهذا هو الصواب، ومن طريقه رواه الخطيب في (تلخيص المتشابه).
* * *
стр. 3213
٦٥٩ - حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمِرْفَقَ (الْخَلَاءَ) لَبِسَ حِذَاءَهُ، وَغَطَّى رَأْسَهُ».
[الحكم]: معضل ضعيف، أعله البيهقي وابن دقيق بالإرسال، وضعفه النووي والسيوطي والمناوي والألباني.
[التخريج]:
[سعد (١/ ٣٣٠) واللفظ له / نوادر ١٤١١ "والرواية له ولغيره" / هق ٤٦١]
[السند]:
رواه ابن سعد في (الطبقات ١/ ٣٣٠) قال: أخبرنا هاشم بن القاسم، وخلف بن الوليد قالا: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن حبيب، به.
ورواه الحكيم الترمذي في (النوادر) من طريق علي بن الحسن الشقيقي عن ابن المبارك، به.
ورواه البيهقي في (الكبرى) من طريق إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله، عن حبيب بن صالح، به.
[التحقيق]:
إسناده ضعيف جدًّا، فيه علتان:
الأولى: الإعضال، فحبيب بن صالح: هو أبو موسى الطائي، ثقة من الطبقة السابعة، وهي طبقة أتباع التابعين، انظر: (التقريب ١٠٩٨).
стр. 3214
الثانية: أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، فهو "ضعيف وكان قد سرق بيته فاختلط" (التقريب ٧٩٧٤).
ولذا رمز السيوطي لضعفه في (الجامع الصغير ٦٦٦٧)، ومع ذلك تعقبه المناوي قائلا: "ظاهر صنيعه أنه لا علة له غير الإرسال، والأمر بخلافه، فقد قال الذهبي: أبو بكر ضعيف" (الفيض ٥/ ١٢٨). وقال في (التيسير ٢/ ٢٤٧): "إسناده ضعيف".
فأما البيهقي، فلم يذكر له علة سوى الإرسال كما في (السنن الكبرى)، وتبعه ابن دقيق في (الإمام ٢/ ٤٦٨)، والنووي في (المجموع ٢/ ٩٣)، ثم قال النووي: "وقد اتفق العلماء على أَنَّ الحديث المرسل والضعيف والموقوف يتسامح به في فضائل الأعمال ويعمل بمقتضاه"!! (المجموع ٢/ ٩٤).
وضعفه النووي أيضًا في (خلاصة الإحكام ١/ ١٥٠).
وقال الألباني: "هذا إسناد ضعيف؛ فإنه مع إعضاله، فيه أبو بكر بن أبي مريم؛ وكان ضعيفا، لاختلاطه" (الضعيفة ٤١٩١).
هذا، وقد صح في الباب أثر موقوف، وهو الأثر التالي:
* * *
стр. 3215
٦٦٠ - حَدِيثُ أبي بَكْرٍ:
◼ عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵁ أنه قَالَ - وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ -: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ [ ]، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَظَلُّ حِين أَذْهَبُ إلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ، مُغَطّيًا رَأْسِي (مُتَقَنِّعًا بِثَوْبِي) اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي [ ]».
[الحكم]: موقوف صحيح، صححه البيهقي وأقره النووي وابن دقيق.
[التخريج]:
[ش ١١٣٣ "واللفظ له" / زحم ١١٦٨ / زمب (زوائد المروزي ٣١٦) "والرواية له ولغيره" / زهن (٢/ ٦٢٧) مختصرًا / مكيا ٩٢ / تعظ ٨٢٨ / مكخ ٣٢١ / حل (١/ ٣٤) / شعب ٧٣٣٧]
[السند]:
رواه ابن أبي شيبة في (المصنف ١١٣٣) - وعنه عبد الله بن أحمد في زوائده على (الزهد ١١٦٨) - قال: حدثنا ابن المبارك عن يونس عن الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني عروة، عن أبيه، به.
ورواه الحسين المروزي في زوائده على (الزهد لابن المبارك ٣١٦) -ومن طريقه البيهقي في (الشعب ٧٣٣٧) -، وابن أبي الدنيا في (المكارم ٩٢) عن أحمد بن جميل، وابن نصر المروزي في (تعظيم قدر الصلاة ٨٢٨) من طريق أبي داود الطيالسي، والخرائطي في (المكارم ٣٢١) من طريق أبي إسحاق الطالقاني، أربعتهم عن ابن المبارك، به.
ويونس: هو ابن يزيد الأيلي، وقد توبع كما سنذكره فيما بعد.
стр. 3216
[التحقيق]:
هذا حديث موقوف إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير أنه قد اختلف في سماع عروة من أبيه الزبير:
فنفاه الدارقطني كما في (الإكمال لمغلطاي ٣٦٩٠) و (التهذيب لابن حجر ٧/ ١٨٤)، والحاكم كما في (سؤالات السجزي ١٤٣)، وابن خراش كما في (تاريخ دمشق ٤٠/ ٢٤٨)، وهذا هو الذي اعتمده ابن كثير في (التفسير ٢/ ٣٥٠)، والزيلعي في (تخريج أحاديث الكشاف ١/ ٣٣٢).
وأثبته البخاري في (الكبير ٧/ ٣١) و (الأوسط ١١١٠)، ومسلم في (الكنى ١٨٢٠)، وأبو أحمد الحاكم كما في (تاريخ دمشق ٤٠/ ٢٤٣)، وهو في كتابه (الكنى/ ق ٣٠٧ ب)، وأبو نصر الكلاباذي في (الهداية والإرشاد ٩٢٠)، وهذا هو الذي اعتمده ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام ٢/ ٥٩٨)، وابن التركماني في (الجوهر ٢/ ٣٢٧)، وابن حجر في (الفتح ١/ ٣٦٠).
وهو ظاهر صنيع البيهقي، فإنه قد صحح هذا الأثر الموقوف في (الكبرى ١/ ٢٩١)، وأقره النووي في (الخلاصة ٣٢٥)، و (المجموع ٢/ ٩٤)، وابن دقيق في (الإمام ٢/ ٤٦٩).
وقيل لابن معين: سمع عروة بن الزبير من أبيه شيئًا؟ قال: قال عروة: كنت صغيرًا فربما استمسكت بالشيء من شعر أبي" (التاريخ برواية الدوري ١١٠٤).
قلنا: وإذا كان قد حفظ عنه الشعر، فما يمنع حفظه عنه الأحاديث؟ وقد خرج الشيخان عنه أنه قال: "حججت مع أبي الزبير بن العوام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت"، (صحيح البخاري ١٦٤١)، (صحيح مسلم
стр. 3217
١٢٣٥).
وروى ابن أبي خيثمة في (التاريخ/ السفر الثاني ١٥٩٣، ٢٩٠٨) عن عروة قال: قال لي الزبير: يا بني أدنني من هذا اليماني؛ يعني: أبا هريرة .. "، الحديث.
فتبين بذلك صحة قول من أثبت له السماع، والله أعلم.
هذا، وقد سئل الدارقطني عن هذا الأثر الموقوف فقال: "هو حديث يرويه يونس بن يزيد، عن الزُّهْرِيِّ، عن عروة بن الزبير، عن أبيه؛ أَنَّ أبا بكر قال: استحيوا من الله ...
وخالفه مَعْمَر، فرواه عن الزُّهْرِيِّ، عن عروة عن عائشة أَنَّ أبا بكر قال ذلك.
ورواه عُقَيْلٌ، عن الزُّهْرِيِّ مرسلًا، عن أبي بكر" (العلل ١/ ١٨).
قلنا: قد رواه أبو نعيم في (الحلية ١/ ٣٤) من طريق عُقَيْلٍ عن الزُّهْرِيِّ موصولًا بمثل رواية يونس، ولم نقف على روايته المرسلة، ولا على حديث مَعْمَر.
نعم، رواه أبو محمد الجوهري في (فوائد لأبي شعيب الحراني ٥٤) عن أبي سعيد الحسن بن جعفر الحرفي ثنا أبو شعيب ثنا يحيى ثنا الأوزاعي حدثني الزُّهْرِيّ أَنَّ أبا بكر ﵁ قال: «إني لأخرج إلى الحاجة في أحضان البقيع استحياء من ربي ».
ويحيى: هو ابن عبد الله البابلتي، ضعيف (التقريب ٧٥٨٥)، وطعن في سماعه من الأوزاعي، (تهذيب التهذيب ١١/ ٢٤١)، وأبو سعيد الحرفي كان فيه تساهل، (السير ١٦/ ٣٦٩).
стр. 3218
وقد رواه علي بن حرب الطائي في (الثاني من حديث ابن عيينة ٩٢) - وعنه الخرائطي في (المكارم ٣٢٤) - عن ابن عُيَيْنَةَ عن عمرو بن دينار، قال: قال أبو بكر «استحوا من الله فإني لأدخل الكنيف فأغطي عورتي حياء من الله [ ]».
هكذا قال: " فأغطي عورتي"! وهو منقطع بين عمرو وأبي بكر ﵁.
وقد رواه هناد في (الزهد ٢/ ٦٢٧) عن ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو: أَنَّ أبا بكر قال: «استحيوا من الله؛ فإني لأدخل الكنف فأغطي رأسي حياء من الله».
* * *
стр. 3219
١٠٢ - باب: مَا يَقُولُ إِذَا دخل الْخَلَاءِ
٦٦١ - حَدِيثُ أَنَسٍ:
◼عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ (إِذَا أَتَى الخَلاءَ) ١، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ».
•وَفِي رِوَايَةٍ ٢، بلفظ: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ».
[الحكم]: متفق عليه (خ، م)، دون الرواية الأولى فلأحمد وغيره وعلقها البخاري، والرواية الثانية لمسلم.
[اللغة والفوائد]:
* (الْخَلَاء) - بفتح الخاء المعجمة وبالمد -: موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف، والحش، والمرفق، والمرحاض أيضًا، وأصله: المكان الخالي، ثمَّ كثر استعماله حتَّى تجوز به عن ذلك" (التوضيح ٤/ ٩١).
* قوله (إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ): رواه قاسم السرقسطي في (الدلائل ١/ ١٢٧) - كما رواه مسلم (٣٧٥) -: من طريق هشيم بن بشير، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، به، بلفظ: «أنه كان إذا دخل الكنيف ... ». ونقل موسى بن هارون الحافظ أنه قال: "قوله: «إذا دخل الكنيف» يعني به إذا
стр. 3220
أراد أَنْ يدخل الكنيف"، ثم قال: "قال هذا القول لأن الحش لا ينبغي لأحد أَنْ يذكر الله تعالى فيه بلسانه، وهذا كما ذكر موسى؛ لأنه جائز في كلام العرب أَنْ يقول: إذا فعل، ومعناه: إذا كاد يفعل".اهـ.
قلنا: ويدل على هذا المعني رواية غندر عن شعبة به بلفظ: (إذا أتى الخلاء).
قال القاضي عياض: "قد ذكر البخاري في بعض طرق هذا الحديث: (كان إذا أراد أَنْ يدخل) ويجمع بين اللفظين برد أحدهما إلى الآخر، ومن جهة المعنى أنه إذا كان متصلًا بالدخول قيل فيه: إذا دخل.
وقد اختلف السلف والعلماء في هذا الحديث، فذهب بعضهم إلى جواز ذكر الله في الكنيف وعلى كل حال، ويحتج قائله بهذا وبحديث ذكر النبي ﷺ على كل أحيانه، وبقوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ وهو قول النخعى والشعبي وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن سيرين ومالك بن أنس، وروى كراهية ذلك عن ابن عباس وعطاء والشعبي وغيرهم، وكذلك اختلفوا في دخول الكنيف بالخاتم فيه ذكر الله" (إكمال المعلم ٢/ ٢٣٠).
وقال ابن سيد الناس: "وقوله: (إذا دخل الخلاء) يحتمل أَنْ يراد به إذا أراد الدخول نحو قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي إذا أردتم القيام، ﴿وإذا قرأت القرآن﴾ أي إذا أردت القراءة، وكذلك وقع في "صحيح البخاري".
ويحتمل أَنْ يراد به ابتداء الدخول وينبني عليه من دخل ونسي التعوذ فهل يتعوذ أم لا؟ كرهه جماعة من السلف منهم ابن عباس وعطاء والشعبي فيحمل الحديث عندهم على المعنى الأول.
واختار جماعة منهم ابن عمر وابن سيرين والنخعي أخذا بقول عائشة ﵂:
стр. 3221
كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه ولم يحتج هؤلاء إلى حمل الحديث على مجازه من العبارة: بالدخول عن إرادته.
وقد نقل القولان معًا عن مالك، هذا كله في الكنف المتخذة في البيوت لا في الصحراء وهو ظاهر في لفظة: «دخل» " (النفح الشذي ١/ ٧٩). وبنحوه قال مغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ١٣٥).
وقد بوب عليه البخاري: "باب ما يقول عند الخلاء"، قال الحافظ: "أي عند إرادة الدخول في الخلاء إن كان معدًّا لذلك وإلا فلا تقدير" (الفتح ١/ ٢٤٢).
* قوله (الخبث)، قال النووي: "الخبث فبضم الباء وإسكانها وهما وجهان مشهوران في رواية هذا الحديث. ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى أَنَّ أكثر روايات الشيوخ الإسكان. وقد قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: الخبث بضم الباء جماعة الخبيث والخبائث جمع الخبيثة قال يريد ذكران الشياطين وإناثهم قال وعامة المحدثين يقولون الخبث بإسكان الباء وهو غلط والصواب الضم هذا كلام الخطابي. وهذا الذي غلطهم فيه ليس بغلط ولا يصح إنكاره جواز الإسكان؛ فإن الإسكان جائز على سبيل التخفيف، كما يقال: كتب ورسل وعنق وأذن ونظائره، فكل هذا وما أشبهه جائز تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية، وهو باب معروف من أبواب التصريف لايمكن إنكاره، ولعل الخطابي أراد الإنكار على من يقول أصله الإسكان فإن كان أراد هذا فعبارته موهمة، وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة منهم الإمام أبوعبيد إمام هذا الفن والعمدة فيه.
واختلفوا في معناه؛ فقيل: هو الشر وقيل: الكفر وقيل: الخبث الشياطين والخبائث المعاصي. قال ابن الأعرابي: الخبث في كلام العرب
стр. 3222
المكروه؛ فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار والله أعلم.
وهذا الأدب مجمع على استحبابه ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء والله أعلم" (شرح مسلم ٤/ ٧١). وانظر: (غريب الحديث للخطابي ٣/ ٢٢٠ - ٢٢١)، و (النهاية لابن الأثير ٢/ ٦)، و (شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي ١/ ١٣٤).
وقال البغوي: "وخص الخلاء به؛ لأن الشياطين تحضر الأخلية، لأنه يهجر فيها ذكر الله " (شرح السنة ١/ ٣٧٧).
[التخريج]:
[خ ١٤٢، ٦٣٢٢ "واللفظ له" / م ٣٧٥ "والرواية له" / د ٤، ٥ / ت ٤، ٥/ ن ١٩ / كن ١٩، ٧٨١٥، ١٠٠١٢ / جه ٣٠٠ / حم ١١٩٤٧، ١١٩٨٣، ١٣٩٩٩ / مي ٦٨٧/ حب ١٤٠٣/ عه ٦٤٦، ٦٤٧ / ش ١، ٣٠٥١٨ / عل ٣٩٠٢، ٣٩١٤، ٣٩١٥، ٣٩٣١، ٣٩٤٠ / بز ٦٣٨٢، ٦٤٠٩ / بخ ٦٩٢ / جا ٢٧ / سراج ٢٦، ٢٧ / طوسي ٤، ٥، ٦ / طص ٨٨٨ / طع ٣٥٩ / جعد ١٤٢٦، ٢٤٦٧، ٣٣١٨ / منذ ٢٥٦ / مسن ٨٢٤ - ٨٢٦ / هق ٤٥٧، ٤٥٨ / هقغ ٧٣ / هقت ٥٥ / معكر ١٩ / هروي (١/ ٤١٦) / سني ١٧/ حيد ١٧٨ / بغ ١٨٦ / نبغ ٥٠٤ / مقرئ (الأربعون ١٢) / تد (٣/ ٢٢٣) / نسير (ص ٤٩ - ٥٠) / نبلا (١١/ ٤٦٧) / حنابلذ (٢/ ٥١٤ - ٥١٥) / دلائل ٥٩ / سرج ٤٦٦، ١٨٩٦ / عد (٦/ ٥٣٠) / مخلص ١٢٩٧، ٢٤٥٢، ٢٤٥٣ / قطان ١٦/ تمام ١٧٢١ / حداد ٢٤٢ / زاهر (سباعيات ق ٣ / ب) / سلفي (الجزء الحادي والعشرون ٢٩) /
стр. 3223
جوزي (مشيخة ص ٩٠، ٩١) / داعين ١٥٨، ١٥٩ / نجار (١٧/ ٦٠)، (١٩/ ٤٦) / ذهبي (٢/ ٤٠٦) / تذ (٢/ ٧٠)، (٤/ ٩٥، ٩٦) / سبكي (ص ٤٢) / فكر (١/ ١٩٢ - ١٩٥)]
[السند]:
قال البخاري (١٤٢): حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، قال: سمعت أنسًا يقول: ... الحديث.
آدم: هو ابن أبي إياس. وقال البخاري عقبه: "تابعه ابن عرعرة، عن شعبة".
ووصله البخاري (٦٣٢٢) قال: حدثنا محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، به.
تحقيق الروايتين:
أما الرواية الأولى: إِذَا أَتَى الخَلاءَ:
فعلقها البخاري (عقب رقم ١٤٢) فقال: "وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: «إِذَا أَتَى الخَلاءَ»، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: «إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ» ".
قلنا: رواية غندر: وصلها أحمد (١٣٩٩٩) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ، قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ ... » (١).
стр. 3224
ورواه البزار في (مسنده ٦٤٠٩) عن محمد بن بشار، عن غندر، به.
وهذا إسناد صحيح غاية.
وأما رواية سعيد بن زيد؛ فوصلها البخاري في (الأدب المفرد ٦٩٢) - ومن طريقه ابن حجر في (نتائج الأفكار ١/ ١٩٥) - قال: حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا سعيد بن زيد قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: حدثني أَنَسٌ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ».
وسعيد بن زيد (وهو أخو حماد بن زيد)، قال عنه الحافظ: "صدوق له أوهام" (التقريب ٢٣١٢).
وبه غمزه ابن حجر فقال: "وسعيد هذا: هو أخو حماد بن زيد، وهو صدوق لكن فيه لين" (نتائج الأفكار ١/ ١٩٥).
قلنا: لكنه لم ينفرد بهذا اللفظ؛ فقد رواه بهذا اللفظ أَيْضا مسدد في (مسنده) - كما في (تغليق التعليق ٢/ ١٠٠)، ومن طريقه البيهقي في (الكبرى ٤٥٨) -: عن عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز، ولفظه: (وكان إذا أراد الخلاء).
ولذا قال الحافظ: "سعيد بن زيد الذي أتى بالرواية المبينة صدوق تكلم بعضهم في حفظه وليس له في البخاري غير هذا الموضع المعلق، لكن لم ينفرد بهذا اللفظ؛ فقد رواه مسدد عن عبد الوارث عن عبد العزيز مثله،
стр. 3225
وأخرجه البيهقي من طريقه، وهو على شرط البخاري" (فتح الباري ١/ ٢٤٤).
قلنا: ويشهد لها رواية غندر عن شعبة، والله أعلم.
وأما الرواية الثانية بلفظ: «أَعُوذُ بِاللهِ ... »:
فأخرجها مسلم (٣٧٥) قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، قالا: حدثنا إسماعيل - وهو ابن عُلَيَّةَ -، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، به.
وكذا رواه أحمد (١١٩٨٣)، وابن ماجه (٣٠٠) عن عمرو بن رافع (الحافظ)، كلاهما: عن ابن عُلَيَّةَ، به.
وتابع ابن عُلَيَّةَ على هذا اللفظ عبد الوارث بن سعيد وشعبة:
رواه أبو داود (٤) قال: حدثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، به.
وكذا رواه البيهقي من طريق مسدد، كما تقدم.
ورواه النسائي في (الكبرى ٧٨١٥، ١٠٠١٢) عن عمران بن موسى، عن عبد الوارث، به.
ورواه أبو داود (٥)، والترمذي (٥): من طريق وكيع، عن شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، به بلفظ: «اللهم إني أعوذ بك» قال شعبة: وقد قال مرة أخرى: «أعوذ بالله».
وهذا يدل على أَنَّ كلا اللفظين محفوظان عن عبد العزيز بن صهيب.
نعم الرواية الأولى التي اتفق عليها الشيخان، ورواها أكثر الرواة أولى