١١١ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْكَلَامِ وَقْتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ
٧١٦ - حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:
◼ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ، كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تعالى يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ».
• وَفِي رِوَايَةٍ ١ مُخْتَصَرَةٍ بِلَفْظِ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى الْمُتَغَوِّطَيْنِ أَنْ يَتَحَدَّثَا [على طوفهما]؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ».
• وَفِي رِوَايَةٍ ٢: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَيْنِ أَنْ يَقْعُدَا جَمِيعًا يَتَبَرَّزَا يَنْظُرُ أَحَدُهُمَا إِلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ يَمْقُتُ عَلَى هَذَا».
[الحكم]: ضعيف معلول، وأعله أبو حاتم الرازي، وأبو داود، وعبد الحق الإشبيلي، وابن القطان، وابن التركماني، وابن حجر.
[اللغة]:
قوله: (على طوفهما) أي على حاجتهما، قال ابن دقيق: "الطواف: الحدث من الطعام، يقال: أطاف، يطاف، أطيافا: إذا قضى حاجته" (الإمام ٢/ ٤٨٤)، وانظر: (النهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٢٣).
стр. 3432
[التخريج]:
[د ١٥ "واللفظ له" / كن ٤٠ "والرواية الأولى له"، ٤١ / جه ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٦ / حم ١١٣١٠ / خز ٧٥ / حب ١٤١٨/ ك ٥٦٧ - ٥٦٩ / منذ ٢٥٥ "والرواية الثانية له"، ٢٨٩ / هق ٤٨٨، ٤٨٩ / هقغ ٧٠ / كما (١١/ ٢١٣) / حل (٩/ ٤٦) / خط (١٣/ ٦١٥) / ضح (٢/ ٣١٠) / بغ ١٩٠ / مقرئ (الأربعون ١٠) / أَبُو بشر الدولابي (وهم ٥/ ٢٥٩) / نهي (إمام ٢/ ٤٨٤)]
[التحقيق]:
هذا الحديث مداره على يحيى بن أبي كثير، واختلف عليه:
فرواه عكرمة بن عمار عنه، واختلف عليه على عدة أوجه:
الوجه الأول: عن عكرمة عن يحيى عن هلال بن عياض عن أبي سعيد:
كذا أخرجه أحمد (١١٣١٠). وأبو داود (١٥) - ومن طريقه البيهقي في (الكبرى ٤٨٨)، والبغوي في (شرح السنة ١٩٠) -: عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة. والنسائي في الكبرى (٤١): عن عمرو بن علي. وابن خزيمة (٧٥) - وعنه ابن المنذر في (الأوسط ٢٨٩)، وعن ابن المنذر: ابن المقرئ في (الأربعون ١٠) -: عن محمد بن المثنى. وأبو نعيم في (الحلية ٩/ ٤٦): من طريق أبي عبيد. كلهم: عن عبد الرحمن بن مهدي.
ورواه ابن ماجه (٣٤٤): عن الذهلي، عن عبد الله بن رجاء.
ورواه ابن المنذر في (الأوسط ٢٥٥)، والخطيب في (موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٣١٠): من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود.
والخطيب في (تاريخه ١٣/ ٦١٥): من طريق عبد الملك بن الصباح.
стр. 3433
والخطيب في (موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٣١٠): من طريق عمر بن يونس اليمامي.
خمستهم (ابن مهدي، وابن رجاء، وأبو حذيفة، وابن الصباح، وعمر): عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، عن أبي سعيد، به.
وتابع عكرمة على هذا الوجه: الأوزاعي، أخرجه الخطيب في (تاريخه ١٣/ ٦١٥) من طريق موسى بن محمد بن جعفر بن عرفة السمسار، عن علي بن يحيى بن الخليل العطار، عن أبي العباس الفضل بن موسى عن عبد الملك بن الصباح، عن الأوزاعي، به.
وحكاه أيضًا عن الأوزاعي، موسى بن هارون الحافظ، كما في (المستدرك للحاكم ٥٧٠).
لكن موسى بن محمد بن جعفر السمسار، قال عنه ابن الفراء: "تكلموا فيه" (اللسان ٨٠٣٥). وشيخه علي بن يحيى بن الخليل، ترجم له الخطيب في (تاريخ بغداد ١٣/ ٦١٤) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
ثم إن المحفوظ عن الأوزاعي الإرسال، كما سيأتي.
الوجه الثاني: عن عكرمة، عن يحيى، عن عياض بن هلال، عن أبي سعيد:
رواه النسائي في (الكبرى ٤٠)، وأَبُو بشر الدولابي - كما في (بيان الوهم ٥/ ٢٥٩) -، والحاكم في (المستدرك ٥٦٧): من طريق القاسم بن يزيد الجرمي.
ورواه الحاكم أيضًا (٥٦٧): من طريق موسى بن هارون، عن علي بن حرب، عن القاسم بن يزيد الجرمي، وزيد بن أبي الزرقاء.
стр. 3434
ورواه الحاكم (٥٦٨): من طريق عبد الصمد بن حسان المروذي.
ثلاثتهم: عن سفيان الثوري.
ورواه ابن ماجه (٣٤٥)، والحاكم في (المستدرك ٥٦٩) - وعنه البيهقي في (الكبرى ٤٨٩)، و (الصغرى ٧٠)، والمزي في (تهذيب الكمال ١١/ ٢١٣) -: من طريق سلم بن إبراهيم الوراق.
ورواه ابن حبان (١٤١٨): من طريق إسماعيل بن سنان.
وحكاه الدارقطني في (العلل ٢٢٩٤) عن عبد الملك بن الصباح.
أربعتهم: (الثوري، وإسماعيل، وسلم، وابن الصباح): عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هلال، عن أبي سعيد الخدري، به.
الوجه الثالث: عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد:
أخرجه ابن ماجه (٣٤٦) قال: حدثنا محمد بن حميد.
وأخرجه القاضي أبو بكر محمد بن بدر (١) في كتاب "النهي" - كما في (الإمام لابن دقيق ٢/ ٤٨٤) -: عن عبد الصمد بن موسى القطان.
كلاهما: عن علي بن أبي بكر الأسفذني، عن سفيان الثوري، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن عبد الله [زاد عبد الصمد: ابن أبي سرح]، عن أبي سعيد الخدري، به. بلفظ: «لا
стр. 3435
يتحدث المتغوطان على طوفهما، فإن الله تعالى يمقت على ذلك».
وعلي بن أبي بكر، وثقه أبو حاتم وغيره، ولكن خالف رواية الجماعة عن الثوري.
ولذا قال محمد بن يحيى الذهلى: "الصواب عياض بن هلال" (سنن ابن ماجه ٣٤٥).
وقال أبو حاتم: "عياض بن هلال الأنصاري، ويقال: هلال بن عياض، وعياض بن هلال أشبه" (الجرح والتعديل ٢٢٨٠).
وقال ابن حبان: "عياض بن هلال الأنصاري. يروي عن أبي سعيد الخدري. روى عنه يحيى بن أبي كثير، ومن زعم أنه هلال بن عياض فقد وهم" (الثقات ٥/ ٢٦٥).
وقال الحاكم: "وقد حكم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل في (التاريخ) (١) أنه عياض بن هلال الأنصاري، سمع أبا سعيد، سمع منه يحيى بن أبي كثير، قاله هشام ومَعْمَر وعلي بن المبارك وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير"، ونقل أيضًا عن موسى بن هارون الحافظ أنه قال: "وقد كان عبد الرحمن بن مهدي يحدث به عياض بن هلال ثم شك فيه، فقال: أو هلال بن عياض. رواه عن عبد الرحمن بن مهدي، علي ابن المديني وعبيد الله بن عمر القواريري ومحمد بن المثنى، فاتفقوا على عياض بن هلال، وهو الصواب" (المستدرك ١/ ٥١٤ - ٥١٥).
стр. 3436
وقال الخطيب - بعد ذكر رواية من رواه عن عكرمة فقال (هلال بن عياض) -: "وهكذا رواه ابن العطار عن يحيى بن أبي كثير، وروى حرب بن شداد وعلي بن المبارك وهشام الدستوائي عن يحيى (عن عياض بن هلال) وهو أصح، والله أعلم" (موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٣١٠).
وقال ابن خزيمة: "هذا الشيخ هو عياض بن هلال روى عنه يحيى بن أبي كثير غير حديث، وأحسب الوهم من عكرمة بن عمار حين قال: عن هلال بن عياض" (الصحيح).
وتعقبه الحافظ فقال: "وقول ابن خزيمة أَنَّ الوهم فيه من عكرمة، فيه نظر؛ لأن الأوزاعي سماه أيضًا في روايته عن يحيى بن أبي كثير عياض بن هلال مرة، وهلال بن عياض مرة، وكذا اختلف فيه بقية أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال حرب وهشام وغيرهما: عياض، وقال ابن العطار: هلال، فالظاهر أَنَّ الاضطراب فيه من يحيى بن أبي كثير. وأما قول من قال فيه عياض بن عبد الله وابن أبي زهير فهذا خلاف آخر وقد جعل الإمام علي ابن المديني عياض بن أبي زهير غير عياض بن هلال فإنه قال عياض بن أبي زهير الفهري مجهول لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير وزيد بن أسلم. قلت: وهذا عندي الصواب؛ لأن عياض بن هلال أو هلال بن عياض أنصاري، وأما هذا فإنه فهري فأني يجتمعان" (التهذيب ٨/ ٢٠٣).
وقال في (التقريب ٥٢٨١): "عياض بن هلال وقيل ابن أبي زهير الأنصاري وقال بعضهم هلال بن عياض وهو مرجوح".اهـ.
قلنا: وهذا الطريق ضعيف معلول بعدة علل:
الأولى: جهالة عياض بن هلال أو هلال بن عياض هذا، قال عنه الحافظ:
стр. 3437
"مجهول" (التقريب ٥٢٨١). وقال الذهبي: "لا يعرف، ما علمت روى عنه سوى يحيى بن أبي كثير" (الميزان ٣/ ٣٠٧).
الثانية: أَنَّ عكرمة بن عمار متكلم في روايته عن يحيى بن أبي كثير خاصة؛
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: "أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف ليس بصحاح" قلت له: من عكرمة أو من يحيى؟ قال: "لا إِلَّا من عكرمة" (العلل - رواية عبد الله ٣٢٥٥). وقال في موضع آخر: "عكرمة بن عمار مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير" (العلل - رواية عبد الله ٤٤٩٢).
وقال علي ابن المديني: سألت يحيى القطان عن أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، فضعفها، وقال: "ليست بصحاح" (علل أحاديث صحيح مسلم لابن عمار الشهيد ص ٨٣)، و (الكامل لابن عدي ٨/ ٩٢٠).
وقال البخاري: "عكرمة بن عمار يغلط الكثير في أحاديث يحيى بن أبي كثير" (العلل الكبير للترمذي ص ٢٤١).
وقال أبو داود: "في حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب" (سؤالات الآجري ١/ ٣٧٩).
ولذا قال الحافظ: "صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب" (التقريب ٤٦٧٢).
وقد خولف في سنده؛ وهذه هي:
العلة الثالثة: المخالفة؛ فقد رواه أبو داود - في رواية ابن الأعرابي وغيره، كما في (تحفة الأشراف ٣/ ٤٧٧/ ٤٣٩٧)، و (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٢١٨) -: عن أبي سلمة التبوذكي، عن أبان بن يزيد العطار، عن
стр. 3438
يحيى بن أبي كثير، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا بنحو حديث عكرمة.
وكذا رواه الأوزاعي مرسلًا؛ أخرجه الحاكم في (المستدرك ٥٧٠) - وعنه البيهقي في (الكبرى ٤٩٠) - قال: سمعت علي بن حمشاذ، يقول: سمعت موسى بن هارون، يقول: حدثناه محمد بن الصباح، ثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن رسول الله ﷺ مرسلًا.
وكذا أخرجه عبد الملك بن حبيب في "كتاب الواضحة" (ق ٢٣/أ): عن صعصعة بن سلام الفقيه، عن الأوزاعي به مرسلًا.
ولذا رجح أبو حاتم المرسل، فقال - بعد ذكر رواية عكرمة الموصولة -: "ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن النبي ﷺ مرسلًا". قال: "الصحيح في هذا المعنى حديث الأوزاعي، وحديث عكرمة وهم" (علل الحديث ٨٨).
وقال أبو داود: "هذا لم يسنده إِلَّا عكرمة بن عمار، [وهو مرسل عندهم، وعكرمة في يحيى ليس بذاك] " (السنن عقب رقم ١٥)، وما بين المعقوفين استدركناه من (التحفة ٣/ ٤٧٧/٤٣٩٧)، و (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٢١٨). ثم أسند رواية أبان المرسلة، كما تقدم.
وتبعه عبد الحق الإشبيلي فقال: "لم يسنده هذا الحديث غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه" (الأحكام الوسطى ١/ ١٣٢).
وتعقبه ابن القطان قائلا: "لم يزد على هذا، وقد ترك ما هو علة في الحقيقة، وهو الجهل براويه عن أبي سعيد، وهو عياض بن بلال، أو هلال بن عياض" (بيان الوهم والإيهام ٣/ ٢٧١)، وبنحوه في (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٥٧ - ٢٦٠) ولكن زاد علة أخرى، وهي الاضطراب على يحيى بن أبي كثير في سنده ومتنه؛ فقال: "وللحديث مع ذلك - يعني مع اضطراب
стр. 3439
إسناده - علة أخرى وهي اضطراب متنه، وبيان ذلك: هو أَنَّ ابن مهدي رواه عن عكرمة بن عمار، فقال في لفظه ما تقدم من جعل الْمَقْت على التكشف والتحدث في حال قضاء الحاجة، ورواه بعضهم أيضًا فجعل المقت على التحدث فقط، ورواه بعضهم فجعل المقت على التكشف والنظر وفي نظري أَنَّ هذا قد كان يتكلف جمعه لو كان راوية معتمدًا، ... واضطرابه دليل سوء حال راويه وقلة تحصيله فكيف وهو من لا يعرف" (بيان الوهم ٥/ ٢٥٩ بتصرف يسير)، وفي المطبوع سقط استدركناه من (الإمام لابن دقيق ٢/ ٤٨٧).
وبنحوه قال ابن التركماني في (الجوهر النقي ١/ ١٠٠)، والألباني في (ضعيف أبي داود ٣) إِلَّا أنه هو وابن القطان صححا الحديث من حديث جابر، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.
وأما الدارقطني فقال - بعد ذكر الخلاف فيه على يحيى -: "وأشبهها بالصواب حديث عياض بن هلال عن أبي سعيد" (العلل ٢٢٩٤)!.
كذا قال، وهو غريب؛ لأن هذا الوجه تفرد به عكرمة بن عمار، وهو ضعيف في يحيى، كما تقدم. والمرسل أصح وأقوى، فالأوزاعي وأبان من أصحاب يحيى الأثبات.
* ومع ما تقدم بيانه من علل هذا الحديث، قال الحاكم: "هذا حديث صحيح من حديث يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هلال الأنصاري، وإنما أهملاه لخلاف بين أصحاب يحيى بن أبي كثير فيه، فقال بعضهم: هلال بن عياض"!!.
وحسنه النووي في (المجموع ٢/ ٨٨)، و (خلاصة الأحكام ٣٥٦)، و (الإيجاز ص ١٣٢)!!.
* * *
стр. 3440
٧١٧ - حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:
◼ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلَانِ، فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا [يجلسان] يَتَحَدَّثَانِ عَلَى طَوْفِهِمَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ».
[الحكم]: إسناده ضعيف معلول، وأعله أبو حاتم، والدارقطني، ومغلطاي، وابن حجر.
[اللغة]:
على طوفِهِما: أي على حاجتهما أي عند الغَائِط، طاف الرَّجلُ طوفًا إذا أحدث (الفائق ٢/ ٣٣٠)، (النهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٢٣).
[التخريج]:
[ابن السكن (وهم ٥/ ٢٦٠)، (إتحاف ٣١٢٢) "واللفظ له" / عيل (كثير - إمام ٢/ ٤٩٠) "والزيادة له"]
[السند]:
أخرجه أبو علي ابن السكن - كما في (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٦٠)، و (إتحاف المهرة ٣١٢٢) - قال: حدثني يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن - بن ثوبان -، عن جابر بن عبد الله، به.
وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في "مجموع حديث يحيى بن أبي كثير" - كما في (الإمام لابن دقيق ٢/ ٤٩٠) -: عن أبي محمد الهيثم بن خلف
стр. 3441
الدوري، ومحمد بن محمد، والقاسم بن زكريا، قالوا: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد منكر؛ فيه يحيى بن أبي كثير وهو مدلس وقد عنعن.
والراوي عن الأوزاعي: مسكين بن بكير، أثنى عليه أحمد وابن معين وغيرهما، لكن قال أحمد: "في حديثه خطأ"، وقال أبو أحمد: "كان كثير الوهم والخطأ" (تهذيب التهذيب ١٠/ ١٢٠). وقال فيه الحافظ: "صدوق يخطئ" (التقريب ٦٦١٥).
وقد أخطأ في وصل هذا الحديث من هذا الوجه، والمحفوظ عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير به مرسلًا. وتابعه أبان بن يزيد العطار عن يحيى على الإرسال. وقد تقدم بيان ذلك في الرواية السابقة.
ولذا رجح الطريق المرسل: أبو حاتم الرازي في (العلل ٨٨)، وأبو داود، كما في (تحفة الأشراف ٣/ ٤٧٧/ ٤٣٩٧).
وأما الدارقطني فقال - بعد ذكر طريق مسكين هذا -: "وقال غير مسكين: عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، مرسلًا. وأشبهها بالصواب حديث عياض بن هلال عن أبي سعيد" (العلل ٢٢٩٤)! .
ومع ذلك قال ابن السكن: "رواه أيضًا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ، وأرجو أَنْ يكونا صحيحين"! ! (الوهم والإيهام ٥/ ٢٥٨).
وقال ابن القطان: "وليس فيه تصحيح حديث أبي سعيد الذي فَرغْنَا من تعليله، وإنما يعني أَنَّ القولين عن يحيى بن أبي كثير صحيحان، وصدق في
стр. 3442
ذلك؛ صح عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر، وأنه قال: عن عياض أو هلال بن عياض، عن أبي سعيد الخدري. ولا يمكن أَنْ يصحح ابن السكن حديث أبي سعيد أصلًا، ولو فعل، كان ذلك خطأ من القول وَإِنَّمَا يَصح من حَدِيث جَابر، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان ثِقَة، وَقد صَحَّ سَمَاعه من جَابر" (الوهم والإيهام ٥/ ٢٥٨).
وتبعه الشيخ الألباني فقال: "والآن وقد أوقفنا ابن القطان - جزاه الله خيرًا - على هذا السند الجيد من غير طريق عكرمة بن عمار، فقد وجب نقله من "ضعيف أبي داود"، إلى "صحيح أبي داود" ومن "ضعيف الجامع" إلى "صحيح الجامع"، و"ضعيف الترغيب" إلى "صحيح الترغيب"، و"ضعيف ابن ماجه" إلى "صحيح ابن ماجه"، ولفظه ولفظ أبي داود وغيرهما من طريق عكرمة نحو حديث الترجمة" (الصحيحة ٣١٢٠).
قلنا: قد بينا أنه ليس بجيد، بل هو طريق منكر، لأجل عنعنة يحيى بن أبي كثير وهو مشهور بالتدليس، ومخالفة مسكين بن بكير للمحفوظ عن الأوزاعي وكذا عن يحيى بن أبي كثير.
ولذا قال مغلطاي - متعقبا ابن القطان -: "في تصحيحه هذا الحديث نظر؛ وذلك أَنَّ الدارقطني الذي نقل أبو الحسن كلامه ذكر طريق مسكين هذه ولم يصححها، وزعم أَنَّ أشبه الأقوال بالصواب حديث عياض بن هلال، فعلى هذا لا يُكتفى بجودة الطريق إذا ثبت عند الدارقطني تعليله، اللهم إلَّا لو لم تكن مذكورة عنده، كان يقال: أنه لم يرها، فأما عند الرواية فلا، والله أعلم" (شرح ابن ماجه ١/ ٢٢١).
وقال الحافظ - متعقبا ابن السكن وابن القطان -: "يحيى بن أبي كثير
стр. 3443
مدلس، وقد اختلف عليه فيه مع ذلك" (إتحاف المهرة ٣/ ٣٢٥/ ٣١٢٢).
وقال أيضًا: "وصححه ابن السكن، وابن القطان، وهو معلول" (بلوغ المرام ص ٣٠).
* * *
стр. 3444
٧١٨ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَخْرُجِ اثْنَانِ إِلَى الْغَائِطِ فَيَجْلِسَانِ [يَتَحَدَّثَانِ] كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ».
[الحكم]: معلول، وأعله الدارقطني، وأشار إلى إعلاله الطبراني.
[التخريج]:
[كن ٣٩ "واللفظ له" / طس ١٢٦٤ "والزيادة له"]
[السند]:
قال النسائي في (الكبرى ٣٩): أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عَقِيْلٍ، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.
ورواه الطبراني في (المعجم الأوسط ١٢٦٤): عن أحمد بن محمد بن صدقة، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عَقِيْلٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله موثقون، كما قال الهيثمي في (المجمع ١٠٢١).
فعبيد بن عَقِيْلٍ: "صدوق" كما في (التقريب ٤٣٨٤). ولكن خالفه (الثوري وابن مهدي وعبد الله بن رجاء، وسلم الوراق، وإسماعيل بن سنان، وأبو حذيفة، وعمر بن يونس اليمامي، وغيرهم) فرووه عن عكرمة عن يحيى عن عياض بن هلال أو هلال بن عياض عن أبي سعيد.
فركب عبيد بن عَقِيْلٍ الجادة، فجعله عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
стр. 3445
وأشار لذلك الطبراني فقال - عقبه -: "لم يرو هذا الحديث عن عكرمة، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة إِلَّا عبيد، ورواه سفيان الثوري وغيره: عن عكرمة بن عمار، عن عياض بن هلال، عن أبي سعيد الخدري".
ثم إن المحفوظ عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا، كذا رواه أبان بن يزيد والأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير. ورجح الإرسال أبو حاتم وأبو داود وغيرهما، كما تقدم.
فالعجب من مغلطاي؛ إذ يقول: "قد وجدنا لهذا الحديث (طريقا) جيّدة لا يُطعن فيها، ذكرها أبو القاسم الطبراني في (الأوسط) ... " فذكره، وقال: "ولم أر أحدًا من الأئمة تعرض لتعليلها، والله أعلم".
قلنا: قد ذكرها الدارقطني في (العلل ٢٢٩٤)، ثم قال: "وأَشبَهُها بالصَّواب حَديث عياض بن هِلال، عَن أَبي سعيد".
هذا فضلًا عن إشارة الطبراني ﵀.
* * *
стр. 3446
٧١٩ - حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ:
◼ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَحَدَّثَ الرَّجُلَانِ عَلَى طَوْفِهِمَا».
[الحكم]: ضعيف معلول، وضعفه ابن عدي، وابن طاهر المقدسي.
[التخريج]:
[عد (٩/ ٣٥٩)].
[السند]:
قال (ابن عدي): حدثنا ابن صاعد، حدثنا علي بن إبراهيم وأبو يحيى بن الهيثم قالا: حدثنا محمد بن أبي نعيم الواسطي، حدثنا أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ الْوَاسِطِيُّ؛ وهو مختلف فيه، وثقه أحمد بن سنان، وابن حبان، وقال أبو حاتم: "صدوق". وأما ابن معين فقال: "ليس بشيء"، وقال مرة: "أكذب الناس عفر من الأعفار". وقال الحافظ: "صدوق لكن طرحه ابن معين" (التقريب ٦٣٣٧).
والحديث ذكره ابن عدي في ترجمته مع جملة من حديثه، ثم قال: "ولمحمد بن أبي نعيم غير ما ذكرت، وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات" (الكامل ٩/ ٣٥٩).
قلنا: وقد خالفه أبوسلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي فرواه عن أبان عن يحيى مرسلًا. كذا رواه أبو داود، عن أبي سلمة، كما تقدم مرارًا، وسيأتي
стр. 3447
هذا الوجه المرسل مفردًا.
وقال محمد بن طاهر المقدسي: "رواه محمد بن أبي نعيم الواسطي عن أبان عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه. ومحمد كذاب" (ذخيرة الحفاظ ٥٧٧٧).
* * *
стр. 3448
٧٢٠ - حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَغَوَّطَ الرُّجُلانِ فَلْيَتَوَارَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يَجْلِسَانِ يَتَحَدَّثَانِ عَنْ (١) طَوْفَيْهِمَا فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ».
[الحكم]: ضعيف جدًّا؛ لإرساله.
[التخريج]:
[د (تحفة ٤٣٩٧) (مغلطاي ١/ ٢١٨) / ك ٥٧٠ / هق ٤٩٠ / ضحة (ق ٢٣/ أ) "واللفظ له"]
[السند]:
رواه أبو داود - في رواية ابن الأعرابي وغيره، كما (تحفة الأشراف ٣/ ٤٧٧/ ٤٣٩٧)، و (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٢١٨) -: عن أبي سلمة التبوذكي، حدثنا أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن النبي ﷺ ، نحو حديث عكرمة المتقدم.
ورواه الحاكم في (المستدرك ٥٧٠) - وعنه البيهقي في (الكبرى ٤٩٠) - قال: سمعت علي بن حمشاذ، يقول: سمعت موسى بن هارون، يقول: حدثناه محمد بن الصباح، ثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن رسول الله ﷺ مرسلًا. ولم يسق متنه.
ورواه عبد الملك بن حبيب في "كتاب الواضحة" (ق ٢٣/أ): عن صعصعة بن سلام الفقيه، عن الأوزاعي، به.
стр. 3449
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات؛ إِلَّا أنه مرسل؛ فيحيى بن أبي كثير؛ من الخامسة، من صغار التابعين؛ ومراسيله من أوهى المراسيل، قال يحيى بن سعيد وعلي ابن المديني: "مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح" (تهذيب الكمال ٦/ ١٢٤، ٣١/ ٥٠٩).
* * *
١١٢ - بَابُ ما رُوِي في الرخصة في ذلك للنساءِ
٧٢٢ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَجْتِمِعَ الرَّجُلَانِ عَلَى طَوْفِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، وَرَخَّصَ لِلْنِّسَاءِ، وَقَالَ: «إِنَّ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ؛ فَإِذَا دَخَلَتْ إِحْدَاكُنَّ؛ فَلْيَكُنْ مَعَهَا مُؤْنِسًا».
[الحكم]: ضعيف جدًّا.
[اللغة]:
قال ابن الأثير: "الحديث «إِنَّ هذه الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ»؛ أي يحضرها الجن والشياطين" (النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٩٩).
وقوله: ((عَلَى طَوْفِهِمَا)): قال ابن الأثير: "أي عند الغائط" (النهاية ٣/ ١٤٣).
[التخريج]:
[فوائد ابن قيراط (إمام ٢/ ٤٩٠)]
[السند]:
رواه أبو عليّ العُذْريُّ إسماعيل بن محمد بن قيراط في "فوائده" - كما في (الإمام لابن دقيق ٢/ ٤٩٠) -: عن سليمان (وهو ابن عبد الرحمن ابن بنت شُرَحْبِيل)، حدثنا عبد الله بن مروان، عن عوانة مولاة سليمان بن علي، عن سليمان بن علي، عن أبيه، عن جده، به.
стр. 3452
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ مسلسل بالعلل:
الأولى: عبد الله بن مروان وهو أبو علي الدمشقي - وقيل: أبو شيخ الخراساني -، وثقه سليمان بن عبد الرحمن الراوي عنه، ولكن ذكره ابن عدي في (الكامل) وقال: "حدث عنه سليمان بن عَبد الرحمن بأحاديث مناكير، ولا أعلم حدث عنه غير سليمان بن عَبد الرحمن". ثم ختم ترجمته بقوله: "وقد روى سُلَيْمَان بن عَبد الرَّحْمَنِ عَن عَبد الله بن مروان غير ما ذكرت وأحاديثه فيها نظر" (الكامل ٧/ ٦٦).
وقال ابن حبان: "يروي عن ابن أبي ذئب روى عنه سليمان بن عبد الرحمن، يلزق المتون الصحاح التي لا يعرف لها إِلَّا طريق واحد بطريق آخر يشتبه على من الحديث صناعته، لا يحل الاحتجاج به" (المجروحين ١/ ٥٣٠).
وقال البيهقي: "عبد الله بن مروان هذا مجهول" (السنن الكبرى عقب رقم ٤٥٨). وانظر: (لسان الميزان ٤٤٥٦).
الثانية: عوانة مولاة سليمان بن علي، مجهولة لا تعرف.
وبها ضعف الحديث ابن دقيق العيد، فقال: "هذه المرأة مجهولة" (الإمام ٢/ ٤٩٠).
الثالثة: سليمان بن علي وهو سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ذكره ابن حبان في (الثقات ٦/ ٣٨١) على قاعدته في توثيق المجاهيل، وقال ابن القطان: "غير مَعْرُوف الْحَال فِي الحَدِيث" (بيان الوهم والإيهام ٣/ ١٨٣)، وقال الحافظ: "مقبول" (التقريب ٢٥٩٦) أي إذا توبع وإلا فلين، ولا متابعة.
* * *
стр. 3453
١١٣ - بَابُ ترك رَدِّ السَّلَامِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ
٧٢٣ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ [السَّلَامَ]».
[الحكم]: صحيح (م).
[الفوائد]:
قال الترمذي عقب الحديث: "وإنما يكره هذا - يعني رد السلام - عندنا إذا كان على الغائط والبول، وقد فسر بعض أهل العلم ذلك".
وقال ابن خزيمة: "قد يجوز أَنْ يكون إنما كره ذلك إذ الذكر على طهر أفضل، لا أَنَّ ذكر الله على غير طهر محرم؛ إذ النبي ﷺ قد كان يقرأ القرآن على غير طهر، والقرآن أفضل الذكر، وقد كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه على ما روينا عن عائشة ﵂، وقد يجوز أَنْ تكون كراهته لذكر الله إِلَّا على طهر ذكر الله الذي هو فرض على المرء دون ما هو متطوع به، فإذا كان ذكر الله فرضًا لم يؤد الفرض على غير طهر حتى يتطهر ثم يؤدي ذلك الفرض على طهارة؛ لأن رد السلام فرض عند أكثر العلماء فلم يرد ﷺ وهو على غير طهر حتى تطهر ثم رد السلام، فأما ما كان المرء متطوعًا به من ذكر الله ولو تركه في حالة هو فيها غير طاهر لم يكن عليه إعادته فله أَنْ يذكر الله
стр. 3454
متطوعًا بالذكر وإن كان غير متطهر" (صحيح ابن خزيمة عقب حديث رقم ٢٢١).
وقال النووي: "قوله (يبول فسلم فلم يرد عليه): فيه أَنَّ المسلم في هذا الحال لا يستحق جوابًا، وهذا متفق عليه، قال أصحابنا: ويكره أَنْ يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط فإن سلم عليه كره له رد السلام، قالوا: ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أَنْ يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار" (شرح مسلم ٤/ ٦٥).
[التخريج]:
[م ٣٧٠ "واللفظ له"/ د ١٦ / ت ٩١، ٢٩١٤ / ن ٣٧ / جه ٣٥٧ / خز ٧٨/ عه ٦٤٤ / ش ٢٦٢٥٠ / بز ٥٩٨٥/ طوسي ٧٣ / جا ٣٧ / هق ٤٨٧ / هقع ٧٩٠ / تجر (ص ١٤٩) / سراج ١٨ / مسخ ٨٦٨ / دمياط (الثالث ٧) / عصم ٩٧ / فكر (١/ ٢٠٢)].
[السند]:
قال مسلم: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، به.
سفيان: هو الثوري، وقد رواه عنه جماعة:
فرواه أبو داود (١٦) من طريق عمر بن سعد، عن سفيان، به بنحو رواية مسلم.
وأما الزيادة:
فرواها الترمذي (٢٩١٤) وابن خزيمة (٧٨): من طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، به.
стр. 3455
وتوبع الزبيري عليها:
فرواها النسائي في (الصغرى ٣٧) من طريق زيد بن الحباب وقبيصة، عن سفيان، به.
قال الترمذي عقب الحديث: "هذا حديث حسن صحيح، ... وهذا أحسن شيء رُوِي في هذا الباب".
وقال ابن مَنْدَهْ: "هذا إسناد صحيح، (خرج) الجماعة إِلَّا البخاري للضحاك بن عثمان" (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٢٤١).
* * *
رِوَايَةُ: أَوْ يَتَوَضَّأُ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ أَوْ يَتَوَضَّأُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ».
[الحكم]: شاذٌّ بهذا اللفظ، والصحيحُ: «وهو يبول»؛ مِن غير شك.
[التخريج]:
[عه ٦٤٥ "واللفظ له" / حما ١٥٢ / هقع (١/ ٣٢٧ / ٧٨٩، ٧٩١)]
[السند]:
أخرجه أبو عوانة في (مستخرجه ٦٤٥) قال: وحدثنا أحمد بن عصام قال: ثنا أبو أحمد الزبيري [(ح) وحدثنا الحسن ابن عفان أيضًا، حدثنا زيد بن حباب] (١)، قالا: ثنا سفيان، عن الضحاك بن عثمان من ولد
стр. 3456
حكيم بن حزام، عن نافع، عن ابن عمر، به.
ورواه أبو الحسن الحمامي، كما في (مجموع مصنفاته ١٥٢)، والبيهقي في (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٢٧): من طريق علي بن محمد بن الزبير القرشي قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا زيد بن حباب قال: حدثنا سفيان، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات، عدا الضحاك بن عثمان فـ"صدوق يهم" كما في (التقريب ٢٩٧٢).
إِلَّا أَنَّ قوله: (أو يتوضأ) غير محفوظ، فقد رواه الثقات الأثبات عن الثوري بلفظ: (يبول) بدون شك، كما سبق عند مسلم وغيره.
وخالفهم أبو أحمد الزبيري، وزيد بن الحباب؛ فروياه عن الثوري بالشك.
وكلاهما متكلم في روايته عن الثوري، انظر: (التقريب ٦٠١٧، ٢١٢٤).
قلنا: وقد رواه النسائي (٣٧) عن محمود بن غيلان عن زيد بن الحباب، به بذكر البول فقط بلا شك.
وكذا رواه محمد بن بشار ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، كما عند الترمذي (٩١).
ومحمد بن يحيى الذهلي، كما عند البزار (٥٩٨٥)، ثلاثتهم: عن أبي أحمد الزبيري به بذكر البول فقط بلا شك، فالله أعلم.
وأما قول ابن أبي الفوارس - في تعليقه على أحاديثه الحمامي -: "هذا
стр. 3457
حديث صحيح من حديث سفيان الثوري، عن الضحاك بن عثمان. أخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، عن سفيان".
فلم يُردْ هذه اللفظة وإنما أراد أصل الحديث، ولهذا عزاه إلى مسلم. والله أعلم.
* * *
رِوَايَةُ: حَتَّى أَتَى حَائِطًا فَتَيَمَّمَ:
•وَفِي رِوَايَةٍ زَادَ فِي آخِرِهِ: «فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى أَتَى حَائِطًا فَتَيَمَّمَ».
[الحكم]: شاذ بهذه الزيادة.
[التخريج]:
[طح (١/ ٨٥/ ٥٤٦)]
[السند]:
قال الطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ٨٥/ ٥٤٦): حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات، إِلَّا أَنَّ رواية أبي أحمد الزبيري عن الثوري فيها مقال، قال الإمام أحمد: "كثير الخطأ في حديث سفيان" (الميزان ٣/ ٥٩٥)، ولذا قال الحافظ: "ثقة ثبت، إِلَّا أنه قد يخطئ في حديث الثوري" (التقريب ٦٠١٧).
стр. 3458
وقد تفرد بذكر التيمم في هذا الحديث، وقد خالفه: ابن نمير وعمر بن سعد وزيد بن الحباب وأبو داود الحفري والفريابي وغيرهم فرووه عن الثوري به بدون هذه الزيادة.
وعليه: فهي زيادة شاذة، والله أعلم.
* * *
رِوَايَةُ: حَتَّى مَسَّ الْحَائِطَ
•وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى مَسَّ الْحَائِطَ».
[الحكم]: منكر بهذه الزيادة.
[التخريج]:
[مسن ٨١٥ / حداد ٣٤١ / دمياط (الثالث ٨) / فكر (١/ ٢٠٢)]
[السند]:
أخرجه أَبُو نُعَيْمٍ في (المستخرج على مسلم ٨١٥) - ومن طريقه أبو نعيم الحداد في (جامع الصحيحين ٣٤١)، والدمياطي في الجزء الثالث من (معجم شيوخه)، وابن حجر في (النتائج) - قال: أخبرنا سليمان بن أحمد ثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ثنا الفريابي (١) محمد بن يوسف، ثنا سفيان. (ح)
стр. 3459
وحدثنا أبو بكر الطلحي ثنا عبد الله بن محمد بن حفص ثنا أبو عبيدة ابن أبي السفر ثنا يزيد بن هارون أنبأ سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ رواه أبو نعيم من طريقين عن سفيان؛
أما الطريق الأول؛ ففيه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم؛ قال عنه ابن عدي: "يحدث عن الفريابي وغيره بالبواطيل"، ثم ذكر له جملة من الأحاديث، وقال: "وعبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم هذا إما أَنْ يكون مغفلًا لا يدري ما يخرج من رأسه، أو متعمدًا، فإني رأيت له غير حديث مما لم أذكره أيضًا ههنا غير محفوظ" (الكامل ٧/ ٧٧ - ٧٩).
قلنا: وهذا من روايته عن الفريابي، وقد خالفه الإمام الحافظ محمد بن يحيى الذهلي، فرواه عن الفريابي بدون ذكر مس الحائط. كذا أخرجه الترمذي (٢٩١٥) وابن الجارود (٣٧) عن الذهلي، به.
بل رواه البيهقي في (الكبرى ٤٨٧) عن علي بن أحمد بن عبدان، عن سليمان بن أحمد (الطبراني)، به دون هذه الزيادة، فيظهر أَنَّ العمدة فيها الطريق الثاني، عن يزيد بن هارون، والسند إليه ضعيف أيضًا؛ فيه علتان:
الأولى: عبد الله بن محمد بن حفص؛ ترجم له الحازمي في (مشتبه النسبة ١٠٢٢)، والحافظ في (تبصير المنتبه ٢/ ٤٩٢) وقال: "شيخ لأبي بكر الطلحي"، ولم نقف على من وثقه، والله أعلم.
الثاني: أبو عبيدة ابن أبي السَّفر واسمه أحمد بن عبد الله، قال عنه النسائي: "ليس بالقوي"، وقال أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في (الثقات). (تهذيب
стр. 3460
التهذيب ١/ ٤٩). وقال الحافظ: "صدوق يهم" (التقريب ٦٠).
وذكر ابن حجر في (النتائج) أَنَّ الترمذي وابن الجارود رويا الحديث عن محمد بن يحيى الذهلي، عن محمد بن يوسف الفريابي، قال: "ولم يقع في رواية واحد منهم الزيادة التي نقلتها من رواية أبي نعيم، ولم يبين أبو نعيم هل هي من زيادة يزيد أو الفريابي" (نتائج الأفكار ١/ ٢٠٣).
* * *
رِوَايَةُ: فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلامَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَن رَجُلا مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وهُو يُهْرِيقُ الْمَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلامَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا رَدَدْتُ عَلَيْكَ السَّلامَ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ: سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ [السَّلامَ]، فَإِذَا رَأَيْتَنِي هَكَذَا فَلا تُسَلِّمْ عَلَيَّ؛ [فَإِنَّكَ إِنْ تَفْعَلْ] فَإِنِّي لا أَرُدُّ عَلَيْكَ السلام».
[الحكم]: شاذ بهذا السياق، وأشار لذلك البيهقي، وعبد الحق الإشبيلي، وابن الأثير، وغيرهم. وقال الذهبي: "منكر".
[التخريج]:
[بز ٥٩٨٤ "واللفظ له" / سراج ٢١ "والزيادتان له ولغيره" / جا ٣٦ / شف ٣٧ / أم ١٠٥ / هقع ٧٨٨ / خط (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤) / بشن ٢٥٦ / هلال (ديوان ٢/ ٢١٦) / فكر (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤) / شذا (قانع ق ١٦٠/ب - ١٦١/أ)]
стр. 3461
[السند]:
قال البزار: حدثنا عبد الله بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا أبو بكر رجل من ولد عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به.
ورواه السراج في (مسنده ٢١) - ومن طريقه الحافظ في (النتائج) -: عن (أبي حاتم الرازي) محمد بن إدريس الحنظلي حدثنا عبد الله بن رجاء قثنا سعيد بن سلمة قال: حدثني أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن نافع عن عبد الله بن عمر، به.
ورواه ابن الجارود في (المنتقى ٣٧) قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: حدثنا سعيد - يعني ابن سلمة -، قال: حدثني أبو بكر - هو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب -، عن نافع، به.
وكذا رواه ابن بشران في (الأمالي)، وأبو هلال العسكري في (ديوان المعاني): من طريق عبد الله بن رجاء، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، عدا عبد الله بن رجاء وسعيد بن سلمة؛
فأما عبد الله بن رجاء؛ فقال فيه الحافظ: "صدوق يهم قليلًا" (التقريب ٣٣١٢).
وأما سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، قال عنه الحافظ: "صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ من حفظه" (التقريب ٢٣٢٦).
стр. 3462
وقد توبع؛
* فرواه الشافعي في (الأم ١٠٥)، و (المسند ٣٧) - ومن طريقه البيهقي في (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٢٧): عن إبراهيم بن محمد عن أبي بكر بن عمر، به.
ورواه الخطيب في (تاريخه ٤/ ٢٣٣) من طريق ابن المبارك، عن إبراهيم بن محمد، به.
ولكن إبراهيم هذا هو ابن أبي يحيى الأسلمي: متروك متهم، كما تقدم مرارًا.
* ورواه أبو علي ابن شاذان في "جزء من حديث ابن قانع وغيره" (ق ١٦٠/ب): عن ابن قانع، عن محمد بن أحمد البراء، عن المعافى بن سليمان الجزري، عن عيسى بن يونس، عن ( ..... )، عن نافع، عن ابن عمر، به.
وشيخ عيسى غير واضح بالنسخة الخطية، وهذه صورته:
وعلى كلِّ حالٍ فالسند إلى عيسى، فيه ابن قانع، وقد تُكُلِّم فيه من جهة حفظه، انظر: (لسان الميزان ٤٥٣٨).
* وظاهر هذه الرواية يخالف الرواية المتقدمة عند مسلم وغيره: من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع، عن ابن عمر، وفيه: أَنَّ النبي ﷺ لم يرد
стр. 3463
عليه السلام.
وفي هذا الرواية أنه رد ﵇.
ولهذا قال البيهقي - عقبها -: "كذا في هذه الرواية، والصحيح: عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر .... "، فذكره، ثم قال: "ويحتمل أَنْ يكون المراد به: فلم يرد عليه حتى تيمم، ثم رد عليه" (معرفة السنن والآثار ١/ ٣٢٧).
وقال عبد الحق الإشبيلي: "وأبو بكر فيما أعلم هو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، روى عنه مالك وغيره لا بأس به، ولكن حديث مسلم أصح؛ لأنه من حديث الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر، والضحاك أوثق من أبي بكر، ولعل ذلك كان في موطنين (١) " (الأحكام الوسطى ١/ ١٣١ - ١٣٢).
وقال ابن الأثير: "هكذا جاء في الحديث؛ في هذه الرواية، والصحيح أنه سلم عليه فلم يرد عليه، ويحتمل أَنْ يكون المراد به: فلم يرد عليه حتى تَيَمَّمَ ثم رد عليه" (شرح مسند الشافعي ١/ ١٨٢).
وقال مغلطاي - معلقًا على سند الشافعي -: "وهذا لو صح إسناده، وسلم من إبراهيم لكان مخالفًا للأول - يعني رواية الضحاك -، ولكنه عُدِمَ الصحة، وقد وقع لنا من طريقٍ سالمة من إبراهيم، ذكرها البزار في مسنده ... " فساقه ثم قال: "فصح الحديث والمخالفة"، وأجاب عن هذه المخالفة فقال: "وأما المعارضة فيحتمل أَنْ يكون الرد كان بعد التيمم، كما جاء في رواية غير أبي بكر عن نافع" (شرح ابن ماجه ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
стр. 3464
وقال الحافظ ابن حجر: "هذا حديث حسن، أخرجه البزار عن عبد الله بن إسحاق.
وابن الجارود في المنتقى عن محمد بن يحيى، كلاهما عن عبد الله بن رجاء.
ولم ينسب أبو بكر إلى أبيه في رواية البزار، بل وقع عنده: حدثني أبو بكر رجل من ولد ابن عمر، فقال عبد الحق في (الأحكام): أبو بكر هذا أظنه ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، فإن يكن هو فالحديث صحيح، لكن حديث الضحاك أصح. ثم قال: يمكن أَنْ يحمل على واقعتين.
وتعقب ابن القطان تصحيحه بأن أبا بكر لا يُعرف (١)، وسكتا جميعًا عن سعيد بن سلمة الراوي عنه، وهو المعروف بابن أبي الحسام، وهو صدوق فيه مقال، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم مستشهدًا، وقد تابعه إبراهيم بن يحيى عن أبي بكر بن عمر.
أخرجه الشافعي عن إبراهيم، فقويت رواية أبي بكر، وصدق ظن عبد الحق في نسبة أبي بكر، وتعين الحمل على ما أشار إليه من تعدد الواقعة، ويحتمل الجمع بتأويل لا يخلو عن تكلف، والله أعلم" (نتائج الأفكار ١/ ٢٠٤).
أما الذهبي فقال في (الميزان): "أبو بكر العمري. لا يدري من ذا. وله خبر منكر في مسند البزار من رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن أبي بكر هذا، عن نافع، عن ابن عمر: ((أَنَّ رَجُلًا سَلَّم عَلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ وَهُوَ
стр. 3465
يُصَلِّي فَرَدَّ))، وَقَالَ: ((خَشِيتُ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ)).
فهذا يخالفه ما روى الضحاك بن عثمان - وهو صدوق - عن نافع عن ابن عمر أنه ما رد عليه كما أخرجه مسلم" (ميزان الاعتدال ١٠٠٣١).
وتعقبه الحافظ فقال: "وهذا الرجل معروف ثقة مشهور وهو: أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، فقد جزم بذلك عبد الحق في الأحكام وتعقبه ابن القطان ومنه أخذ الذهبي. وما قاله عبد الحق هو الصواب فقد جاء مصرحًا به في الحديث المذكور بعينه ... ، ولا معارضة بين الحديث المذكور وبين الحديث الذي في صحيح مسلم لاحتمال أَنْ يكونا واقعتين وحتى لو تعذر الجمع لكان تعليله بسعيد بن سلمة بن أبي الحسام أولى فإن فيه مقالًا.
وأبو بكر بن عمر المذكور أخرج له الشيخان وغيرهما، وليس من شرط هذا الكتاب ولولا أَنَّ كلام الذهبي يوهم أنه غيره لم أذكره".
قلنا: وما ذهب إليه الحافظ وغيره من حمل الحديث على تعدد الواقعة بعيدٌ، لاسيما مع اتحاد المخرج، فمدار الروايتين على نافع عن ابن عمر.
فلعل هذه الرواية مما رواه سعيد بن سلمة من حفظه فأخطأ، وأما ما ذكر من متابعات فهي واهية، لا تغني ولا تسمن من جوع، والله أعلم.
* * *
стр. 3466
٧٢٤ - حَدِيثُ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ:
◼ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، [فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ]، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ: عَلَى طَهَارَةٍ».
[الحكم]: إسناده صحيح، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وعبد الحق الإشبيلي، والنووي، وابن حجر، والعيني، والألباني. وجوّده ابن مفلح الحنبلي، وأبو زرعة العراقي.
[الفوائد]:
قال الشيرازي في (المهذب) فيما يكره عند قضاء الحاجة: "ويكره أَنْ يرد السلام أو يحمد الله إذا عطس أو يقول مثل ما يقول المؤذن؛ لأن النبي ﷺ : سلم عليه رجل فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم قال: «كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تعالى إِلَّا عَلَى طُهْرٍ» " (المهذب ص ٥٦).
قال النووي: "وهذا الذي ذكره المصنف من كراهة رد السلام وما بعده متفق عليه عندنا، وكذا التسبيح وسائر الأذكار، ... ثم هذه الكراهة التي ذكرها المصنف والأصحاب كراهة تنزيه لا تحريم بالاتفاق" (المجموع شرح المهذب ٢/ ٨٨ - ٨٩).
[التخريج]:
[د ١٧ "واللفظ له" / ن ٣٨ "والزيادة له" / كن ٣٨ / مي ٢٦٧١/ حب ٧٩٩/ ك ٦٠٢ / ش ٢٦٢٤٩ / طب (٢٠/ ٣٢٩/ ٧٨٠) / سراج ١٩ مختصرًا / تخث (السفر الثاني ٢٢٨٣) مختصرًا / حسن (فكر ١/ ٢٠٧) / تطبر (كبير ٢٢/ ١٨٥)، (كنز ٢٥٧٣٧) / منذ ١٩، ٢٩٢ / قا (٣/
стр. 3467
٥٩) / سخ (ص ١٢١) / خل ١٦١ / صحا ٦٢١٤، ٦٢١٥ / قطر (الثالث والعشرون ٦٩) / أسد (٥/ ٢٦٧) / بغ ٣١٢ / نبغ ٢٤٢ / كما (٢٨/ ٥٧٨ - ٥٧٩) / مسخ ٨٧١ / مض ١٩ / ضياء (منتقى ق ١٣٥/أ، ١٣٦/ ب) / دمياط (الثالث ٩) / فكر (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦)]
[التحقيق]:
هذا الحديث مداره على الحسن البصري، واختلف عليه؛
فرواه هشام الدستوائي وشعبة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن الحضين بن المنذر عن المهاجر، به.
أما رواية هشام؛ فأخرجها الدارمي (٢٦٧١). والحسن بن سفيان في "مسنده" - كما في (نتائج الأفكار ١/ ٢٠٧)، ومن طريقه أبو نعيم في (الصحابة ٦٢١٤) -. وابن المنذر في (الأوسط ١٩، ٢٩٢): عن علي بن الحسن.
ثلاثتهم: عن إسحاق بن إبراهيم (ابن راهويه).
والطبراني في (الكبير ٢٠/ ٧٨٠) عن عبد الله بن أحمد عن عبيد الله بن عمر القواريري.
وأبو نعيم في (الصحابة ٦٢١٤): من طريق محمد بن عبد الله المخرمي.
كلهم: عن معاذ بن هشام، عن أبيه.
وأما رواية شعبة؛ فأخرجها الحاكم في (المستدرك ٦٠٢): حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا عبد الله بن خيران، حدثنا
стр. 3468
شعبة (١).
وأما رواية سعيد بن أبي عروبة؛ فأخرجه (النسائي ٣٨) عن محمد بن بشار عن معاذ بن معاذ. وأبو داود (١٧): عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى.
كلاهما: عن سعيد بن أبي عروبة.
ثلاثتهم: (هشام وشعبة وسعيد) عن قتادة، عن الحسن، عن الحضين، عن المهاجر، به.
وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رجال الصحيح عدا صحابي الحديث.
إِلَّا أَنَّ قتادة قد خولف فيه؛
فرواه حميد الطويل، كما في (مسند ابن أبي شيبة ٦٧١).
وجرير بن حازم، كما في (مصنف ابن أبي شيبة ٢٦٢٤٩).
стр. 3469
وزياد الأعلم، كما في (معجم ابن الأعرابي ١٧٥٧).
ويونس بن عبيد، كما في (مساوئ الأخلاق للخرائطي ٨٠٨).
وعبد الله بن المختار، كما في (معرفة الصحابة لأبي نعيم ٦٢١٥).
كلهم عن الحسن عن المهاجر بن قنفذ به، بدون ذكر حضين بن المنذر.
ولكن قتادة أتقن وأحفظ من كل من خالفه، وقد زاد في سنده راوٍ، فهي زيادة من ثقة حافظ، يجب قبولها، ولذا قال الدارقطني - بعد ذكر الخلاف -: "حديث قتادة أصحها" (العلل ٣٤٣١).
ولهذا قال ابن أبي خيثمة - عقب رواية حميد -: "ولم يسمعه الحسن من المهاجر" (التاريخ - السفر الثاني عقب رقم ٢٢٨٢).
وقال ابن أبي حاتم: "مهاجر بن قنفذ، روى عنه الحسن، مرسل" (الجرح والتعديل ٨/ ٢٥٩).
وقال أبو نعيم: "رواه عن الحسن، عن المهاجر جماعة، منهم: حميد الطويل، ويونس بن عبيد، وزياد الأعلم، وجوده هشام، عن قتادة، عن الحسن، فأدخل حصين بن المنذر بينه وبين المهاجر" (معرفة الصحابة ٥/ ٢٥٧٧).
وقال ابن دقيق: "وقد روى هذا الحديث حماد بن سلمة عن حميد وغيره، عن الحسن، عن المهاجر، وهو منقطع ما بين الحسن والمهاجر، يتبين برواية قتادة عن الحسن" (الإمام ٢/ ٤٣٤).
وقال الحافظ: "ورواه حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن المهاجر بدون ذكر أبي ساسان، وهكذا رواه زياد الأعلم ويونس بن عبيد وعبد الله بن
стр. 3470
المختار كلهم عن الحسن، وليست هذه العلة بقادحة، فإن قتادة أحفظهم، وقد جوده وصوب روايته ابن السكن وغيره.
لكن في السند علة أخرى، وهي أَنَّ سعيدًا وشيخه وشيخ شيخه وصفوا بالتدليس في الإسناد وقد عنعنوه، ولم أره في شيء من الطرق تصريحًا من واحد منهم بالتحديث، وقد انجبر رواية سعيد برواية هشام" (نتائج الأفكار ١/ ٢٠٧).
قلنا: وقد انجبرت عنعنة قتادة برواية شعبة عنه كذلك، وعنعنة الحسن عن التابعين يغض الطرف عنها.
قال الشيخ الألباني عن تدليس الحسن: "الظاهر أَنَّ المراد من تدليسه إنما هو ما كان من روايته عن الصحابة دون غيرهم؛ لأن الحافظ في "التهذيب" أكثر من ذكر النقول عن العلماء في روايته عمن لم يلقهم وكلهم من الصحابة، فلم يذكروا ولا رجلًا واحدًا من التابعين روى عنه الحسن ولم يلقه، ويشهد لذلك إطباق العلماء جميعًا على الاحتجاج برواية الحسن عن غيره من التابعين بحيث إني لا أذكر أَنَّ أحدًا أعلَّ حديثًا ما، من روايته عن تابعي لم يصرح بسماعه منه" (الصحيحة ٢/ ٤٨٨).
ولذا صححه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين".
وقال الحافظ: "هذا حديث حسن صحيح" (نتائج الأفكار ١/ ٢٠٥). وقال متعقبا الحاكم: "وتعقب بأنهما لم يخرجا للمهاجر ولا خرج البخاري لأبي ساسان، وعذر من صحح الحديث كثرة شواهده، وإلا فغاية إسناده أَنْ يكون حسنًا" (نتائج الأفكار ١/ ٢٠٨).