قال الشيخ الألباني - معقبا على قول الهيثمي -: "قلت: وغلطه في هذا الحديث واضح؛ فإن صاحب بني إسرائيل كان ينكر القص ولا يفعله، كما ثبت من حديث عبد الرحمن ابن حسنة" (ضعيف أبي داود ١/ ١٧).
* * *
١١٦ - بَابُ التَّشْدِيدِ فِي الْبَوْلِ
٧٤٩ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «[إِنَّهُمَا لَـ] ١ يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ»، ثُمَّ قَالَ: «بَلَى [إِنَّهُ لَكَبِيرٌ] ٢، كَانَ أَحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ (البَوْلِ) ١، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ [رَطْبَة] ٣، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ (فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ) ٢، فَوَضَعَ عَلَى (فَغَرَزَ فِي) ٣ كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا - أَوْ: إِلَى أَنْ يَيْبَسَا -».
[الحكم]: متفق عليه (خ، م).
[الفوائد]:
قال الخطابي: "قوله وما يعذبان في كبير معناه أنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما أو يشق فعله لو أرادا أَنْ يفعلاه وهو التنزه من البول وترك النميمة ولم يرد أَنَّ المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين وأن الذنب فيهما هين سهل" (معالم السنن ١/ ١٩).
قال النووي ﵀: "روي ثلاث روايات (يَسْتَتِرُ) بتائين مثناتين، وَ (يَسْتَنْزِهُ)
стр. 3539
بالزاي والهاء، و (يَسْتَبْرِئُ) بالباء الموحدة والهمزة، وهذه الثالثة في البخاري وغيره وكلها صحيحة ومعناها لا يتجنبه ويتحرز منه والله أعلم" (شرح مسلم ١/ ٢٠١).
وقال الحافظ ابن حجر: "قوله (لَا يَسْتَتِرُ) كذا في أكثر الروايات بمثناتين من فوق الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وفي رواية ابن عساكر: (يَسْتَبْرِئُ) بموحدة ساكنة من الاستبراء، ولمسلم وأبي داود في حديث الأعمش: (يَسْتَنْزِهُ) بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء.
فعلى رواية الأكثر، معنى الاستتار: أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعني لا يتحفظ منه. فتوافق رواية لا يستنزه؛ لأنها من التنزه وهو الإبعاد، وقد وقع عند أبي نعيم في المستخرج من طريق وكيع عن الأعمش: «كَانَ لَا يَتَوَقَّى»، وهي مفسرة للمراد، وأجراه بعضهم على ظاهره فقال: معناه لا يستر عورته، وضعف بأن التعذيب لو وقع على كشف العورة لاستقل الكشف بالسببية واطرح اعتبار البول، فيترتب العذاب على الكشف سواء وجد البول أم لا، ولا يخفى ما فيه ... ، وأما رواية الاستبراء فهي أبلغ في التوقي" (فتح الباري ١/ ٣١٨).
وقد ثبت حديث الصحيحين: «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ عَذَابَ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» من الاستتار. أي لا يجعل بينه وبين بوله ساترا يمنعه عن الملامسة له، أو: لأنه لا يستبرئ، من الاستبراء، أو: لأنه لا يتوقاه، وكلها ألفاظ واردة في الروايات، والكل مفيد لتحريم ملامسة البول وعدم التحرز منه" (سبل السلام ١/ ١١٩ - ١٢٠).
وذكر ابن بطال هذه الروايات الثلاث، وذكر أَنَّ عبد الرزاق رواه بلفظ:
стр. 3540
(كان لَا يَتَأَذَّى مِنْ بَوْلِهِ) (١)، ثم قال: "هذه الروايات كلها معناها متقارب" (شرح صحيح البخاري ١/ ٣٢٥).
[التخريج]:
[خ ٢١٦ "واللفظ له"، ٢١٨ "والزيادة الأولى والثالثة، والروايات الثلاث له ولغيره"، ١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥ "والزيادة الثانية له" / م ٢٩٢ / د ٢٠، ٢١ / ت ٧١ / كن ٢٩، ٢٤٠١، ٢٤٠٢، ١١٧٢٥ / حم ١٩٨١ / خز ٥٩، ٦٠ / حب ٣١٣٢ مختصرًا / عه ٥٦٧، ٥٦٨ / ش ١٣١٣، ١٢١٧١، ١٢١٧٢ / بز ٤٨٤٦، ٤٨٤٧ / حق (مسند ابن عباس ٧٥٢ - ٧٥٤، ٨٧١) / طوسي ٦١ / هق ٤١٩٤ / هقع ٤٩٥٥، ٤٩٥٦ / هقب ١١٧، ١١٨، ١١٩ / يمند ١٠٧١ / تطبر (مسند عمر ٩٠٠ - ٩٠٢) / زو ٤٤٤ / زهن ١٢١٣ / وصف ٢٩٦ / بغ ١٨٣ / محلى (١/ ١٧٧ - ١٧٨) / غافل ٢١٥ / مخلدي (ق ٢٨٦/أ - ق ٢٨٦/ب)].
[السند]:
قال البخاري (٢١٦): حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
كذا رواه منصور، وخالفه الأعمش، فزاد في إسناده طاوسًا:
فأخرج البخاري (٢١٨) قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن خازم، قال: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، به.
стр. 3541
ثم قال: وقال محمد بن المثنى، وحدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، قال: سمعت مجاهدًا مثله: «يستتر من بوله».
وأخرجه مسلم: عن أبي سعيد الأشج، وأبي كريب محمد بن العلاء، وإسحاق بن إبراهيم: عن وكيع، حدثنا الأعمش، قال: سمعت مجاهدًا، يحدث عن طاوس، عن ابن عباس، به.
[تنبيه]:
اختلف أهل العلم في الترجيح بين رواية الأعمش ومنصور؛
فقال الترمذي: "وروى منصور هذا الحديث، عن مجاهد، عن ابن عباس، ولم يذكر فيه عن طاوس، ورواية الأعمش أصح، وسمعت أبا بكر محمد بن أبان البلخي مستملي وكيع، يقول: سمعت وكيعًا، يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور" (السنن عقب رقم ٧١).
وقال في (العلل): "سألت محمدًا عن حديث مجاهد عن طاوس عن ابن عباس ... فقال: الأعمش يقول عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، ومنصور يقول عن مجاهد عن ابن عباس ولا يذكر فيه طاوس.
قلت: أيهما أصح؟ قال: حديث الأعمش" (العلل الكبير ص ٤٢).
قلنا: ومع هذا فقد أخرج البخاري في (صحيحه ٢١٦) رواية منصور كما سبق، فكأن ترجيحه لرواية الأعمش لا يقتضي أَنَّ رواية منصور مرجوحة، بدليل أنه أخرج الروايتين في "صحيحه".
قال الحافظ: "وإخراجُه - يعني البخاريّ - له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيُحمل على أنَّ مُجاهدًا سمعه من طاوس، عن ابن عباس، ثمَّ سمعه من ابن عباسٍ بلا واسطةٍ، أو العكس، ويؤيدُهُ أنَّ في سياقه عن
стр. 3542
طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباسٍ" (الفتح ١/ ٣١٧).
قلنا: ولعل ذلك لرواية شعبة له عن الأعمش أيضًا بإسقاط (طاوس)، كما قال مغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ٢٢٨).
كذلك رواه أبو داود الطيالسي في (مسنده ٢٧٦٨) ومن طريقه أبو موسى المديني في (الترغيب) - كما في (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٢٢٨) -.
وابن حبان في (صحيحه ٣١٣٢)، والطبري في (تهذيب الآثار ٩٠٠ مسند عمر) من طريق ابن أبي عدي.
كلاهما: عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
قال مغلطاي: "وفي (حديث الأعمش) عند الإسماعيلي، من طريق شعبة عنه: (ثنا مجاهد)، قال شعبة: وأخبرني منصور مثلَ إسناد سليمان وحديثه. فلم أنكره منه، فهذا الأعمش
رواه كما رواه منصور؛ فظهر بذلك ترجيح حديثه على غيره" (شرح ابن ماجه ١/ ٢٢٨). ثم مال إلى تصحيح الوجهين، وقد سبقه لذلك فريق من أهل العلم، منهم:
ابن خزيمة حيث روى الطريقين في صحيحه.
وجزم به ابن حبان فقال: "سمع هذا الخبر مجاهد عن ابن عباس وسمعه عن طاوس عن ابن عباس فالطريقان جميعًا محفوظان" (الصحيح عقب رقم ٣١٢٩).
وقال ابنُ حزمٍ: "وأمَّا روايةُ هذا الخبر مرة عن مجاهد، عن ابن عباسٍ، ومرةً عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباسٍ، فهذا قوةٌ للحديث، ولا يتعلل بهذا إلَّا جاهلٌ أو مكابرٌ للحقائق؛ لأنَّ كليهما إمامٌ، وكلاهما صحب ابن عباس الصحبة الطويلة. فسمعه مجاهد من ابن عباسٍ، وسمعهُ أيضًا من
стр. 3543
طاوس، عن ابن عباسٍ، فرواه كذلك" (المحلى ١/ ١٧٩).
وأما قول الدارقطني في (التتبع): "وأخرجا جميعًا حديث الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس (في قصة القبرين وأن أحدهما كان يستبرئ من بوله). وقد خالفه منصور فأسقط طاوسًا.
وأخرج البخاري وحده حديث منصور وحده على إسقاطه طاوسًا" (الإلزامات والتتبع ١٧٨).
فقد أجاب عنه الحافظ، فقال: "وهذا في التحقيق ليس بعلة؛ لأن مجاهدًا لم يوصف بالتدليس وسماعه من ابن عباس صحيح في جملة من الأحاديث، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش مع أَنَّ الأعمش أيضًا من الحفاظ فالحديث كيفما دار دار على ثقة والإسناد كيفما دار كان متصلًا فمثل هذا لا يقدح في صحة الحديث إذا لم يكن راويه مدلسًا وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا ولم يستوعب الدارقطني انتقاده والله الموفق" (هدي الساري ص ٣٥٠).
* * *
رِوَايَةُ: يَسْتَبْرِئُ:
• وَفِي رِوَايَةٍ بلفظ: « ... كَانَ لا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ، ... ».
[الحكم]: رواية صحيحة، وصححها النووي.
[التخريج]:
[خ (رواية ابن عساكر - الفتح ١/ ٣١٨)، (شرح مسلم للنووي ١/ ٢٠١) (١) / ن ٢٠٦٨، ٢٠٦٩ / ش ١٢١٦٤ "واللفظ له" / جا ١٣١ / منذ ٦٨٥ / تطبر (مسند عمر ٨٩٨، ٨٩٩) / فة (٣/ ١٤٩) / زهن ٣٦٠ / مشكل ٥١٩٠ / مسخ ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٣٨ / سمع ٢٥١ / شيو ٢٦٣ / تحقيق (١/ ١١٧) / فوائد ابن صخر (وهم ٢/ ١٣٦) / جوهري (أربع ق ١٢٣/أ)].
[السند]:
رواه ابن أبي شيبة في (المصنف ١٢١٦٤) قال: حدثنا وكيع وأبو معاوية، عن الأعمش، قال: سمعت مجاهدا يحدث عن طاووس، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وكذا رواه غير واحد من طريق وكيع وأبي معاوية عن الأعمش به بهذا اللفظ.
بل وقع كذلك في صحيح البخاري - في رواية ابن عساكر - قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
стр. 3546
وقال البخاري: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن خازم، قال: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، به.
وكذا رواه النسائي في (المجتبى ٢٠٦٨) قال: أخبرنا محمد بن قدامة، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
ورواه النسائي (٢٠٦٩) قال: أخبرنا هناد بن السري، في حديثه، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، به.
وهذه الرواية لا تعدو كونها رواية بالمعنى، قال النووي: "روي ثلاث روايات (يَسْتَتِرُ) بتائين مثناتين، و (يَسْتَنْزِهُ) بالزاي والهاء، و (يَسْتَبْرِئُ) بالباء الموحدة والهمزة، وهذه الثالثة في البخاري وغيره، وكلها صحيحة، ومعناها: لا يتجنبه ويتحرز منه والله أعلم" (شرح مسلم ١/ ٢٠١).
وقال الحافظ ابن حجر: "قوله (لَا يَسْتَتِرُ) كذا في أكثر الروايات بمثناتين من فوق الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وفي رواية ابن عساكر: (يَسْتَبْرِئُ) بموحدة ساكنة من الاستبراء، ولمسلم وأبي داود في حديث الأعمش: (يَسْتَنْزِهُ) بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء.
فعلى رواية الأكثر، معنى الاستتار: أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعني لا يتحفظ منه. فتوافق رواية لا يستنزه لأنها من التنزه وهو الإبعاد ... ، وأما رواية الاستبراء فهي أبلغ في التوقي" (فتح الباري ١/ ٣١٨).
* * *
стр. 3547
رِوَايَةُ: جَدِيدَيْنِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ زاد: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرَيْنِ جَدِيدَيْنِ ... ».
[الحكم]: صحيح المتن دون قوله: "جديدين" فشاذة.
[التخريج]:
[جه ٣٥١ / طيل ٣٤٧].
[السند]:
قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات، إِلَّا أَنَّ قوله: "جديدين" غير محفوظ في الحديث.
فقد رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في ثلاث مواضع في (مصنفه ١٣١٣، ١٢١٧١، ١٢١٧٢)، بدونها.
وكذا رواه ابن أبي عاصم - كما عند أبي الشيخ في (التوبيخ ٢٠٦) -، وجعفر بن محمد الفريابي - كما عند الآجري في (الشريعة ٨٥٠)، وأبي نعيم في (المستخرج ٦٧٤) -، كلاهما عن ابن أبي شيبة، به.
وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل في (مسنده ١٩٨٠).
ومحمد بن المثني عند البخاري في (صحيحه ٢١٨).
وإسحاق بن راهويه في (مسنده ٧٥٢) - ومن طريقه مسلم في (صحيحه ٢٩٢) -.
стр. 3548
وأبو كريب محمد بن العلاء وأبو سعيد الأشج عند مسلم في (صحيحه ٢٩٢).
وهناد بن السري في (الزهد ١٢١٣) - ومن طريقه أبو داود (٢٠)، والترمذي (٧١)، وغيرهما -.
وقُتَيْبَة عند الترمذي (٧١)، وكيع.
خامسًا: أَنَّ وكيعًا قد توبع من أبي معاوية الضرير كما عند البخاري في (صحيحه ٢١٨)، وغيره، وعبد الواحد بن زياد عند مسلم في (صحيحه ٢٩٢)، وغيره، وجرير بن عبد الحميد عند البخاري في (صحيحه ١٣٧٨)، وابن حبان في (صحيحه ٣١٣١)، وغيرهما، وكذا رواه شعبة عن الأعمش كما عند ابن حبان في (صحيحه ٣١٣٢)، وغيره فلم يذكرها ولا من تابعه.
سادسًا: أَنَّ الحديث رواه منصور بن المعتمر من وجه آخر عن مجاهد فلم يذكرها، كما عند البخاري في (صحيحه ٢١٦)، وغيره.
فكل هذه قرائن تدل على أنها غير محفوظة في حديث ابن عباس، ويعطي للناقد قوة في أَنَّ ما ينفرد به ابن ماجه لابد من سبره والوقوف عنده لينظر هل وافق غيره أم لا.
نعم قد رُوِيت هذه الزيادة من وجه آخر كما عند الجورقاني في (الأباطيل ٣٤٧) قال: أخبرنا إسماعيل بن حمد بن عبد الملك النيسابوري، أخبرنا أبو بكر أحمد بن منصور بن خلف، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن يونس السلمي، ومحمد بن حيويه، ومحمد بن الحسين بن طرخان، قالوا: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا
стр. 3549
عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا سليمان الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، به.
غير أن ذكرها في الأباطيل خطأ من أحد النساخ فقد وضع عليها محقق الكتاب ترقيمًا وقال: "من (س)، وقوله: "جديدين" في الأصل مطموس" (الأباطيل ١/ ٥٣٩ حاشية ١).
فلا ندري إذا كانت في الأصل مطموس لماذا أثبتها، وقد روى الحديث مسلم في (صحيحه ٢٩٢) عن شيخه أحمد بن يوسف عن المعلى بن أسد بسنده، وليس فيه هذا الزيادة.
وكذا رواه أبو عوانة في (مستخرجه ٥٦٨) من طريق السلمي، والبيهقي في (الكبير ٤١٣٩)، و (إثبات عذاب القبر ١١٩) من طريق أبي قلابة، كلاهما عن معلى فلم يذكروها.
أضف إلى ذلك أَنَّ الحافظ قد عزى هذه الزيادة لابن ماجه ولم يذكر غيره، فلو كانت عند غيره لذكرها، فقال في (الفتح ١/ ٣٢١): "ففي رواية بن مَاجَهْ: مَرَّ بِقَبْرَيْنِ جَدِيدَيْنِ ... "، فلو كانت ثابتة عند غيره لأشار إلى ذلك حيث إِنَّ المقام يقتضي ذلك، والله أعلم.
стр. 3550
رِوَايَةُ: يَغْتَابُ النَّاسَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَغْتَابُ النَّاسَ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَتَوَقَّى مِنْ بَوْلِهِ».
[الحكم]: شاذ بهذا السياق.
[التخريج]:
[تبخ ٢٠٢]
[السند]:
أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في (التوبيخ) قال: أخبرنا ابن أبي عاصم، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، غير أَنَّ الحديث عند ابن أبي شيبة في (مصنفه ١٣١٣) عن وكيع، به باللفظ المحفوظ: «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَترُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ».
وكذا رواه ابن ماجه (٣٥١)، وجعفر بن محمد الفريابي - كما عند الآجري في (الشريعة ٨٥٠)، وأبي نعيم في (المسند المستخرج ٦٧٤) - كلاهما عن ابن أبي شيبة، به.
فيحتمل أَنَّ ابن أبي عاصم أو أبا الشيخ رواه بالمعنى، سواء في قوله: «لَا يَتَوَقَّى مِنْ بَوْلِهِ».
أو قوله: «فَكَانَ يَغْتَابُ النَّاسَ»، وذلك أَنَّ النميمة تتضمن معنى الغيبة،
стр. 3551
ولذا بوب البخاري على الحديث في (صحيحه ٢/ ٩٩) فقال: "بَابُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْغِيبَةِ وَالْبَوْلِ"، ثم أورد الحديث من طريق جرير عن الأعمش بسنده بلفظ: "النميمة".
قال الحافظ: "أَوْرَدَ المُصَنّف حَدِيث ابن عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْقَبْرَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِ لِلْغِيبَةِ ذِكْرٌ، وَإِنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظِ: «النَّمِيمَةِ» ... ، وقيل مراد المصنف أن الغيبة تلازم النميمة؛ لأن النميمة مشتملة على ضربين نقل كلام المغتاب إلى الذي اغتابه والحديث عن المنقول عنه بما لا يريده، قال ابن رشيد: لكن لا يلزم من الوعيد على النميمة ثبوته على الغيبة وحدها؛ لأن مفسدة النميمة أعظم، وإذا لم تساوها لم يصح الإلحاق إذ لا يلزم من التعذيب على الأشد التعذيب على الأخف، لكن يجوز أن يكون ورد على معنى التوقع والحذر فيكون قصد التحذير من المغتاب لئلا يكون له في ذلك نصيب انتهى. وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ (الْغِيبَةِ) كما بيناه في الطهارة فالظاهر أن البخاري جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، والله أعلم" (الفتح ٣/ ٢٤٢).
* * *
стр. 3552
رِوَايَةُ: لا يَتَّقِي:
• وَفِي رِوَايَةٍ: « ... وَالْآخَرُ لَا يَتَّقِي (لَا يَتَوَقَّى) الْبَوْلَ».
[الحكم]: غير محفوظ بهذا اللفظ.
[التخريج]:
[حميد ٦٢٠ / نعيم (خ - الفتح ١/ ٣١٨)].
[السند]:
قال (عبد بن حميد): حدثني فهد بن عوف ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا، رجاله ثقات غير فهد بن عوف، قال عنه ابن المديني: كذاب، وتركه مسلم والفلاس، وقال أبو زرعة: اتهم بسرقة حديثين. انظر: (ميزان الاعتدال ٦٧٨٤).
وقد ذكر الحافظ في (الفتح ١/ ٣١٨) أنه: "وقع عند أبي نعيم في المستخرج - يعني على البخاري - من طريق وكيع عن الأعمش: «كَانَ لَا يَتَوَقَّى» ".
وقد تقدمت هذه الرواية من طريق ابن أبي عاصم عن ابن أبي شيبة عن وكيع، به. كما في الرواية السابقة عند أبي الشيخ في (التوبيخ).
ولكن الصواب أَنَّ هذه الرواية إنما هي تفسير من وكيع لقوله (لا يستتر) أو (لا يستنزه)، وليست رواية في الحديث؛ كذا رواه البيهقي في (السنن الكبرى ٥١٣)، و (المعرفة ٣/ ٣٦٨)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر
стр. 3553
١١٧) - واللفظ للكبرى -: من طريق إبراهيم بن عبد الله العبسي، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، قال: سمعت مجاهدا يحدث عن طاووس، عن ابن عباس، قال: مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال: «إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ». قَالَ وَكِيعٌ: لا يَتَوَقَّى ... الحديث.
وصرح بذلك البيهقي في (السنن الصغرى ١/ ٥٦) فقال: "وفي رواية وكيع عن الأعمش: «لَا يَسْتَتِرُ» يَعْنِي: لَا يَتَوَقَّى".اهـ.
فلعل من رواه عنه ظنها من الحديث، أو رواه بالمعنى، على قول الجمهور بجواز الرواية بالمعنى، والله أعلم.
* * *
стр. 3554
رِوَايَةُ: لُحُومَ النَّاسِ:
•وفي رواية، بلفظ: « ... أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَكَانَ صَاحِبَ نَمِيمَةٍ».
[الحكم]: شاذ بهذا السياق.
[التخريج]:
[طي ٢٧٦٨ / مديني (ترغيب - مغلطاي ١/ ٢٢٨)].
[السند]:
أخرجه أبو داود الطيالسي في (مسنده ٢٧٦٨) - ومن طريقه أبو موسى المديني في (الترغيب)، كما في (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٢٢٨) - قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات، غير أَنَّ الحديث محفوظ بلفظ: "البول والنميمة"، كما تقدم في الصحيحين وغيرهما.
وكذا رواه ابن حبان في (صحيحه ٣١٣٢)، والطبري في (تهذيب الآثار / مسند عمر ٩٠٠) من طريق ابن أبي عدي عن شعبة، عن سليمان (الأعمش)، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
وكذا رواه بذكر البول والنميمة، وكيع وأبو معاوية وجرير وغيرهم عن الأعمش به إِلَّا أنهم زادوا في سنده (طاوسًا) بين مجاهد وابن عباس.
وهذا هو المشهور عن الأعمش، خلافًا لمنصور بن المعتمر، حيث رواه عن مجاهد عن ابن عباس بدون ذكر (طاوس)، كما عند البخاري في
стр. 3555
(صحيحه ٢١٦، ٦٠٥٥)، وغيره.
ولذا قال أبو موسى المديني عقبه: "كذا قال (عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس)، والمحفوظ من حديث الأعمش (عن مجاهد عن طاوس) " (شرح ابن ماجه لمغلطاي ١/ ٢٢٨).
ويظهر أَنَّ الوجهين محفوظان عن مجاهد، كما هو ظاهر صنيع البخاري وابن خزيمة وغيرهما، وقد تقدم تفصيل الكلام في ذلك عند أول روايات هذا الحديث.
[تنبيه]:
قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: "وروى النسائي من حديث أبي رافع بسند ضعيف ... ". عن أبي رافع ﵁: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةٍ إِذْ سَمِعَ شَيْئًا فِي قَبْرٍ فَقَالَ لِبِلَالٍ ائْتِنِي بِجَرِيدَةٍ خَضْرَاءَ ... الْحَدِيث» " (فتح الباري ١/ ٣١٩).
كذا، ولم نقف عليه في شيء من كتب النسائي، ولا وجدنا الحديث في شيء من الكتب سوى عند الذهبي في (الميزان) حيث أسنده من طريق عبد الله بن جعفر النحوي، حدثنا يعقوب الحافظ، حدثنا أبو الخير عبد المنعم بن بشير، حدثنا أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان، عن رافع بن أبي رافع، عن أبيه، قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة إذ سمع شيئًا في قبر، فقال لبلال: ائتني بجريدة خضراء، فكسرها باثنين، وترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رجله، فقال له عمر: لم يا رسول الله فعلت هذا به؟ قال: إنه مسه شيء من عذاب القبر، فقال لي: يا محمد، فشفعت إلى ربي أَنْ يخفف عنه إلى أَنْ تجف هاتان الجريدتان.
стр. 3556
قال الذهبي: "هذا حديث منكر جدًّا، لا نعلمه رواه غير أبي الخير، ..... قال الختلى: سمعت ابن معين يقول: أتيت عبد المنعم، فأخرج إلى أحاديث أبي مودود نحوا من مائتي حديث كذب. فقلت: يا شيخ، أنت سمعت هذه من أبي مودود؟ قال: نعم.
قلت: اتق الله، فإن هذه كذب. وقمت، ولم أكتب عنه شيئًا" (ميزان الاعتدال ٢/ ٦٦٩).
قلنا: وهذا الحديث ليس فيه ذكر سبب العذاب، وسيأتي بمشيئة الله في أبواب: "عذاب القبر".
* * *
رِوَايَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﵌ فِي بَعْضِ حَوَائِطِ الْغَابَةِ، فَإِذَا بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ صَاحِبَيْ هَذَيْنِ الْقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي غَيْرِ كَبِيرٍ، ... الحديث».
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا بهذا السياق.
[التخريج]:
[شجر ٢٩٦١]
[السند]:
أخرجه الشجري في (الأمالي) قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن
стр. 3557
محمد بن عبد الرحيم بقراءتي عليه، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن زنبور، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن سهيل، عن حبيب بن حسان الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ علته: حبيب بن حسان الكوفي وهو حبيب بن أبي الأشرس، وهو حبيب بن أبي هلال، قال أحمد والنسائي: "متروك"، وقال أبُو داود: "ليس حديثه بشيء"، وقال النَّسَائي أيضًا: "ليس بثقة"، وقال أبو أحمد الحاكم: "ذاهب الحديث"، وقال ابن حبان: "منكر الحديث جدًّا، وكان قد عشق نصرانية فقيل إنه تنصر وتزوج بها، فأما اختلافه إلى البيعة من أجلها فصحيح"، انظر: (لسان الميزان ٢١٠٩).
وقد تقدم الحديث في الصحيحين عن مجاهد، دون قوله (حوائط الغابة)، ودون ذكر التسبيح.
* * *
стр. 3558
٧٥٠ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: كُنَّا نَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَرَرْنَا عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَامَ فَقُمْنَا مَعَهُ فَجَعَلَ لَوْنُهُ يَتَغَيَّرُ حَتَّى رَعَدَ كُمُّ قَمِيصِهِ، فَقُلْنَا: مَا لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ » قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَذَانَ رَجُلَانِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا عَذَابًا شَدِيدًا فِي ذَنْبٍ هَيِّنٍ» قُلْنَا: مِمَّ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: «كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَكَانَ الْآخَرُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ»، فَدَعَا بِجَرِيدَتَيْنِ مِنْ جَرَائِدِ النَّخْلِ فَجَعَلَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قُلْنَا: وَهَلْ يَنْفَعُهُمَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَا رَطْبَتَيْنِ».
[الحكم]: إسنادُه حسنٌ، وصححه ابن حبان، والألباني.
[الفوائد]:
قال المنذري: " (فِي ذَنْب هَين) يَعْنِي هَين عِنْدهمَا وَفِي ظنهما أَو هَين عَلَيْهِمَا اجتنابه لَا إِنَّه هَين فِي نفس الْأَمر لِأَن النميمة مُحرمَة اتِّفَاقًا" (الترغيب والترهيب ١/ ٨٥).
[التخريج]:
[حب ٨١٨]
[السند]:
قال (ابن حبان): أخبرنا أبو عروبة، قال: حدثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، قال: حدثني زيد بن أبي أُنَيْسَةَ، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث،
стр. 3559
عن أبي هريرة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد حسن؛ رجاله ثقات، غير المنهال بن عمرو: فـ"صدوق ربما وهم" كما قال ابن حجر في (التقريب ٦٩١٨).
ومحمد بن وهب بن أبي كريمة: "صدوق" (التقريب ٦٣٧٩).
وقد صححه الألباني في (التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ٢/ ٢٠٨)، و (صحيح الترغيب والترهيب ١٦٣).
[تنبيه]:
عزاه ابن رجب الحنبلي في (أهوال القبور ص ٨٦): للخلال وغيره، من حديثِ أبي هريرةَ، بلفظ: ((وأمَّا الآخرُ فكان يهْمِزُ الناسَ بلسَانِه، ويمشِي بينَهُم بالنميمةِ)).
ولم نقف عليه، فهو من المفقود من كتب الخلال.
* * *
стр. 3560
رِوَايَةُ: لَا يَتَّقِي مِنَ الْبَوْلِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ، فَأَخَذَ سَعَفَةً أَوْ جَرِيدَةً فَشَقَّهَا فَجَعَلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَحَدِ الْقَبْرَيْنِ، وَالشِّقَّةَ الْأُخْرَى عَلَى الْقَبْرِ الْآخَرِ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَرَى [أنه] سُئِلَ عَنْ فَعْلَتِهِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَجُلٌ كَانَ لَا يَتَّقِي مِنَ الْبَوْلِ، وَامْرَأَةٌ كَانَتْ تَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، فَانْتَظَرَ بِهِمَا الْعَذَابُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
• وَفِي رِوَايَةٍ، قال: «إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ؛ رَجلٌ لا يتطهرُ مِنَ الْبَوْلِ، أو امرأةٌ كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، فاستنظرتُ لهما الْعَذَابَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
[الحكم]: منكر بهذا السياق.
[التخريج]:
[هقب ١٢٢ "واللفظ له" / كك (٤/ ٣٨٤) "والرواية له"].
[السند]:
أخرجه أبو أحمد الحاكم في (الكنى) قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، حَدَّثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وَهب، حَدَّثنا عمي، قال: حَدَّثني عَمْرو - وَهُو ابن الحارث - عن عبد العزيز بن صالح، أَنَّ أبا خنساء، أنه سمع أبا هريرة، به.
وأخرجه البيهقي في (إثبات عذاب القبر) من طريق محمد بن (بكير) (١) الحضرمي، ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبد العزيز بن
стр. 3561
صالح، (أن الحسناء حدثته)، عن أبي هريرة، به.
كذا وقع عند البيهقي، والصواب: (أَنَّ أبا الخَنْساء)، كما عند أبي الحاكم، وكذا ترجم له غير واحد بهذا الحديث، كما سيأتي بيانه في التحقيق (١).
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: جهالة حال وعين أبي الخَنْساء راويه عن أبي هريرة؛ فلم يرو عنه سوى عبد العزيز بن صالح، بل ولا يعرف سوى بهذا الحديث، قال أبو زرعة: " لا أعرف أبا الخنساء؛ إِلَّا في هذا الحديث، ولا أعرف اسمه" (الجرح والتعديل ٩/ ٣٦٧). وذكره أبو أحمد الحاكم في الكنى، ولم يزد على أَنْ قال: "حديثه في المصريين" (الكنى ٢٠٩٧). وذكره الذهبي في (الميزان ٤/ ٥٢١) وقال: "ما حدث عنه سوى عبد العزيز بن صالح"، وبنحوه في (المغني ٧٤٤٠). وأقره الحافظ في (اللسان ٨٨٣٦).
الثانية: عبد العزيز بن صالح، ترجم له البخاري في (التاريخ الكبير ٦/ ١٧)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٥/ ٣٨٥)، ولم يذكرا فيه جرحًا
стр. 3562
ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات ٧/ ١١٢)، على قاعدته. وقال الأزدي: "ضعيف مجهول" (لسان الميزان ٤٨١٤).
وقد انفردا في ذكر أَنَّ المعذب من النميمة امرأة، وكذا تحديد مدة التخفيف إلى يوم القيامة، والمحفوظ في الأحاديث الصحاح المتقدمة في الباب، أنهما رجلان، وبتحديد مدة التخفيف عنهما إلى أَنْ تيبس الجريدة، وليس إلى يوم القيامة.
فالحديث بهذا السياق منكر؛ والله أعلم.
[تنبيه]:
عزاه ابن الملقن في (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ١/ ٥١٣) لأبي موسى المديني في (الترغيب) من حديث أبي هريرة بلفظ: «قبرين: رجل لا يتطهر من البول، وامرأة تمشي بالنميمة».
ولم نقف عليه، فالكتاب مازال في عداد المفقود. والله المستعان.
* * *
стр. 3563
رِوَايَةُ: عَذَابَ الْقَبْرِ مِنْ ثَلَاثَةٍ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ مِنْ ثَلَاثَةٍ: مِنَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْبَوْلِ، وَإِيَّاكُمْ وَذَلِكَ».
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا، وأعله البيهقي.
[التخريج]: [هقب ٢٣٩]
[السند]:
قال (البيهقي): حدثنا أبو حازم عمر بن أحمد العبادي الحافظ أنا أبو حامد أحمد بن محمد بن حسنويه الفقيه بهراة ثنا أبو نعيم عبد الرحمن بن محمد بن قريش الهروي ثنا مالك بن وابص الطالقاني ثنا أبو مطيع ثنا مقاتل بن حيان عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد تالف؛ مسلسل بالعلل:
الأولى: أبو مطيع وهو البلخي: الحكم بن عبد الله بن مسلم صاحب أبي حنيفة، كذبه أبو حاتم، وضعفه ابن معين والبخاري والنسائي، وقال أحمد: "لا ينبغي أَنْ يُرْوى عنه شيئًا"، وقال أبو داود: "تركوا حديثه، وكان جهميًا"، وقال ابن عدي: "هو بين الضعف، عامة ما يرويه لا يتابع عليه"، وقال السَّاجِي: "ترك لرأيه واتهم"، انظر: (لسان الميزان ٣/ ٢٤٦).
الثانية: أبو نعيم عبد الرحمن بن محمد بن قريش الهروي، قال عنه الخطيب: "في حديثه غرائب وأفراد ولم أسمع فيه إِلَّا خيرًا" (تاريخ بغداد
стр. 3564
١١/ ٥٧٤).
واتهمه السليماني بوضع الحديث (لسان الميزان ٥/ ١١٩).
الثالثة: مالك بن وابص الطالقاني لم نجد له ترجمة.
الرابعة: أَنَّ المحفوظ عن قتادة الوقف، أخرجه ابن أبي الدنيا في (الصمت ١٨٩، وذم الغيبة ٥٢) قال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: "ذكر لنا أَنَّ عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من البول، وثلث من النميمة".
ورواه البيهقي في (إثبات عذاب القبر ٢٣٨) من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بنحوه ولم يقل فيه ذكر لنا.
وهذه الرواية أصح فإن سعيد بن أبي عروبة من أثبت الناس في قتادة وأحفظهم لحديثه، قاله ابن معين وأبو داود الطيالسي وغيرهما، انظر: (تهذيب الكمال ١١/ ٩).
ولذا قال البيهقي بعد ذكر الحديث المخرج: "الصحيح رواية ابن أبي عروبة، عن قتادة من قوله، وقد روينا معناه في الأحاديث الثابتة فيما تقدم" (إثبات عذاب القبر ١/ ١٣٦).
* * *
стр. 3565
٧٥١ - حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي وَرَجُلٌ عَنْ يَسَارِهِ، فَإِذَا نَحْنُ بِقَبْرَيْنِ أَمَامَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، وَبَلَى، فَأَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِجَرِيدَةٍ»، فَاسْتَبَقْنَا فَسَبَقْتُهُ فَأَتَيْتُهُ بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا نِصْفَيْنِ، فَأَلْقَى عَلَى ذَا الْقَبْرِ قِطْعَةً، وَعَلَى ذَا الْقَبْرِ قِطْعَةً، وَقَالَ: «إِنَّهُ يُهَوَّنُ عَلَيْهِمَا مَا كَانَتَا رَطْبَتَيْنِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ إِلَّا فِي الْبَوْلِ وَالْغِيبَةِ».
• وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ صاحِبَيِ القَبرَينِ يُعذَّبانِ بِلا كَبِيرٍ: الغَيبَة، والبَول».
[الحكم]: صحيح المتن بما تقدم من شواهد، دون لفظة: "والغيبة" فلم تأت من وجه صحيح. وإسناده ضعيف، وضعفه العقيلي، وابن القيسراني، والبوصيري.
[التخريج]:
[جه ٣٥٣ مختصرًا / حم ٢٠٣٧٣ "واللفظ له"، ٢٠٤١١ / طي ٩٠٨ / ش ١٣١٧، ١٢١٦٩ / مش (خيرة ٤٤٩/ ٢) / بز ٣٦٣٦ / طس ٣٧٤٧ / تخ (٢/ ١٢٧) "والرواية له" / قا (٣/ ١٤٢، ١٤٣) / عد (٢/ ٢٩٦) / عق (١/ ٢٤٠) / مشكل ٥١٩١ / هقب ١٢٤، ١٢٥ / غحر (٢/ ٦١٠)]
[التحقيق]:
هذا الحديث مداره على الأسود بن شيبان عن بَحْر بن مَرَّارٍ، واختلف عليه في سنده:
فأخرجه أحمد في (المسند ٢٠٤١١)، وابن أبي شيبة في (المصنف
стр. 3566
١٣٠٨، ١٢٠٤٣)، وعنه ابن ماجه في (السنن ٣٤٩) -: عن وكيع.
وأبو داود الطيالسي في (مسنده ٩٠٨) - ومن طريقه البخاري في (التاريخ الكبير ٢/ ١٢٧)، والطحاوي في (مشكل الآثار ٥١٩١)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر ١٢٤) -.
كلاهما (وكيع والطيالسي): عن الأسود بن شيبان قال: حدثني بحر بن مرار (البكراوي)، عن جده أبي بكرة، قال: «مر النبي ﷺ ، بقبرين ... الحديث».
ورواية بحر عن أبي بكرة منقطعة، فإنه لم يدركه، كما قال المنذري في (الترغيب والترهيب ٢٥٩)، وقال المزي لما ذكره روايته عن أبي بكرة: "مرسل" (تهذيب الكمال ٤/ ١٥).
ولذا أعله مغلطاي بالانقطاع بين بحر وجدِّ أبيه، فقال: "إنه لم يسمع منه شيئًا ولا أدركه إنّما يروي عن جدّه عبد الرحمن بن أبي بكرة، كذا ذكره البزار وغيره" (شرح ابن ماجه ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
ولكن خالف أبا داود ووكيعًا جماعة فوصلوه:
فأخرجه أحمد (٢٠٣٧٣) عن أبي سعيد مولى بني هاشم.
والبخاري في (التاريخ الكبير ٢/ ١٢٧)، والبزار في (المسند ٣٦٣٦)، والعقيلي في (الضعفاء ١/ ٤٣٠)، والطبراني في (الأوسط ٣٧٤٧)، وغيرهم: من طريق مسلم بن إبراهيم.
والبخاري في (التاريخ الكبير ٢/ ١٢٧): من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث.
стр. 3567
والحربي في (غريب الحديث ٢/ ٦١٠)، وابن عدي في (الكامل ٢/ ٢٩٦): من طريق عبد الله بن أبي بكر العتكي.
وحكاه ابن أبي حاتم في (العلل ٣/ ٥٧٥): عن سليمان بن حرب.
خمستهم: (أبو سعيد، ومسلم، وعبد الصمد، والعتكي، وسليمان): عن الأسود بن شيبان، حدثنا بحر بن مرار، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: حدثنا أبو بكرة، به.
كذا موصولًا بذكر عبد الرحمن بن أبي بكرة في السند.
ولا ريب أَنَّ رواية الجماعة أصح، لاسيما وقد زادوا في سنده رجلًا، فهي زيادة يجب قبولها.
ولذا رجح هذا الوجه فريق من أهل العلم:
فقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه وكيع، وأبو داود الطيالسي، عن الأسود بن شيبان، عن بحر بن مرار، عن جده أبي بكرة ..... ، ورواه سليمان بن حرب، ومسلم بن إبراهيم، وعبد الله بن أبي بكر العتكي، عن الأسود بن شيبان، عن بحر بن مرار، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ . فسمعت أبي يقول: "هذا أصح من حديث وكيع" (العلل ١٠٩٩).
وقال الدارقطني: "والصواب: قول من قال: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة" (العلل ١٢٦٧).
وقال الطبراني: "لَا يُرْوى هذا الحديث عن أبي بَكَرَةَ، إِلَّا من حديث الأسود بن شيبان، ولم يُجَوِّدْهُ عن الأسود بن شيبان، إِلَّا مسلم بن
стр. 3568
إبراهيم (١). ورواه أبو داود الطيالسي، عن الأسود بن شيبان، عن بحر بن مَرَّارٍ، عن أبي بَكَرَةَ" (المعجم الأوسط ٤/ ١١٣).
وقال البوصيري - عقب ذكره رواية وكيع -: "كذا وقع في مسندي الطيالسي وأبي بكر بن أبي شيبة، وكذا رواه ابن ماجه في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة بالإسناد والمتن. وكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وهو وهم. قال المزي في الأطراف (٢): رواه أبو سعد مولى بني هاشم ومسلم بن إبراهيم، عن الأسود بن شيبان، عن بحر بن مرار، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، [عن أبي بكرة، وهو الصواب] " (إتحاف الخيرة ١/ ٢٧٩)، وبنحوه في (مصباح الزجاجة ١/ ٥٢).
قلنا: وهذا الوجه الموصول رجاله ثقات غير بَحر بن مَرَّار، فمختلف فيه؛ أثنى عليه خيرًا يحيى بن سعيد القطان - في رواية -، ووثقه يحيى بن معين (الجرح والتعديل ٢/ ٤١٩)، وأحمد بن حنبل، كما في (المؤتلف والمختلف للدارقطني ٤/ ٢١٢٦)، وقال النسائي في رواية: "ليس به بأس" (تهذيب الكمال ٤/ ١٥)، وقال البزار: "بصري معروف" (المسند ٩/ ٨٩).
بينما قال يحيى القطان في رواية أخرى: "رأيته قد خلط" (التاريخ الكبير للبخاري ١/ ١٢٦)، زاد الذهبي في (الميزان ١/ ٢٩٨): "فلم أكتب عنه"، وقال علي ابن المديني: سمعت يحيى يقول: أخذت أطراف بحر بن مرار عن عبد الرحمن بن أبي بكرة فسألته عنها فلم يصحح منها شيئا" (الضعفاء للعقيلي ١/ ٣٤٠)، و (الجرح والتعديل ١/ ٢٤١).
стр. 3569
وضعفه النسائي في (الضعفاء والمتروكين ٨٣) وزاد: "تغير"، وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالقوي عندهم" (تهذيب التهذيب ١/ ٤٢٠)، وقال ابن حبان: "اختلط بأخرة حتى كان لا يدري ما يحدث، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميز، تركه يحيى القطان" (المجروحين ١/ ١٢١، ١٢٢). وذكره العقيلي في (الضعفاء ١/ ٣٤٠)، والذهبي في (المغني في الضعفاء ٨٥٠)، و (ديوان الضعفاء ٥٤٧)، وانظر: (إكمال تهذيب الكمال ٢/ ٣٥١).
وخلاصة ما تقدم: أَنَّ بحر بن مرار كان مستقيم الحال حتى تغير واختلط، وعلى ذلك يحمل توثيق من وثقه، أي قبل أَنْ يختلط، ولذا قال ابن خلفون: "كان ثقة قبل أَنْ يختلط" (إكمال تهذيب الكمال ٢/ ٣٥٢).
ولا يقبل من حديث المختلط إِلَّا ما كان قبل اختلاطه، ولكن بحرًا لم يتميز حديثه القديم من حديثه الأخير، كما قال ابن حبان، فوجب التوقف في حديثه كله، لاسيما أحاديثه عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، فقد ضعفها كلها يحيى القطان، كما تقدم.
ولهذا قال العقيلي عقب كلام يحيى هذا: "ومنها ... " وذكر هذا الحديث، ثم قال: "وليس بمحفوظ من حديث أبي بكرة إلا عن بحر بن مرار هذا، وقد صح من غير هذا الوجه" (الضعفاء ١/ ٣٤٠).
وذكره أيضًا ابن عدي في ترجمته، ثم قال: "ولبحر بن مرار هذا غير ما ذكرت من الحديث شيء يسير ولا أعرف له حديثًا منكرًا فأذكره ولم أر أحدًا من المتقدمين ممن تكلم في الرجال ضعفه إِلَّا يحيى القطان ذكر أنه كان قد خولط، ومقدار ما له من الحديث لم أر فيه حديثًا منكرًا" (الكامل ٢/ ٤٩٧). وذلك أَنَّ أصل المتون محفوظة، ولهذا قال الذهبي: "ساق له
стр. 3570
ابن عدي أحاديث حسنة المتن" (الميزان ١/ ٢٩٩).
وقال ابن القيسراني: "رواه بحر بن مرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة: عن أبيه، عن جده، وبحر هذا ضعيف" (ذخيرة الحفاظ ٢/ ١١٢٠).
وبه ضعفه أيضًا مغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
ولذا قال البوصيري: "وهو إسناد فيه مقالٌ"، ثم ذكر الكلام في بحر (إتحاف الخيرة ١/ ٢٧٩).
* ومع هذا تمسك فريق من أهل العلم بتوثيق من وثق بحرًا، ولم يلتفوا إلى علة الاختلاط، فقووا الحديث:
فقال العراقي: "إسناد جيد" (تخريج أحاديث الإحياء ٢/ ٨١٨)، وتبعه العيني في (عمدة القاري ٣/ ١١٧)، وقال المنذري: "رجاله ثقات" (الترغيب والترهيب ٤٣٠١)، وقال الهيثمي: "رجاله موثقون" (المجمع ١٠٢٧)، وقال في موضع آخر: "ورجاله رجال الصحيح غير بحر بن مرار وهو ثقة"! (المجمع ١٣١٣٥).
وقال ابن الملقن: "على شرط الصحيح" (البدر المنير ٢/ ٣٤٧).
وقال ابن حجر: "إسناد صحيح" (فتح الباري ١/ ٣٢١).
وقال الألباني: "حسن صحيح" (صحيح ابن ماجه ٢٨٤)، وقال في (صحيح الترغيب والترهيب ١٦٠): "حسن لغيره".
وهو كما قال، فالمتن يشهد له حديث ابن عباس في الصحيحين، وحديث أبي هريرة، ولكن بلفظ: "النميمة"، وليس بلفظ: "الغيبة"، فلم ترد من وجه صحيح خال من الإعلال، لا في حديث ابن عباس، ولا في حديث
стр. 3571
غيره، كما تقدم، وكما سيأتي في الباب مفصلا.
[تنبيه]:
تحرف (بحر بن مرار البكراوي) عند البيهقي في (إثبات عذاب القبر ١٢٤ ط دار الفرقان) إلى (محمد بن صفوان البكري). وقد رواه من طريق أبي داود الطيالسي، والحديث في مسند الطيالسي على الصواب، وكذا رواه من طريقه على الصواب غير واحد.
وقد جاء على الصواب في (ط مكتبة التراث الإسلامي ١٣٧)، وعلق عليه محققوه (حاشية ١٦٧): بأنه "وقع في الأصل (بحر بن صفوان البكري)، وصوابه بحر بن مرار البكري، وهو تحريف واقع في النسخ".
* * *
стр. 3572
٧٥٢ - حَدِيثُ جَابِرٍ:
◼ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّه ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرَةٍ، فَأَتَى عَلَى قَبْرَيْنِ يُعَذَّبُ صَاحِبَاهُمَا، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُمَا لَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، [وبَلَى]؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَغْتَابُ النَّاسَ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَتَأَذَّى مِنْ بَوْلِهِ»، فَدَعَا بِجَرِيدَةٍ رَطْبَةٍ أَوْ جَرِيدَتَيْنِ فَكَسَرَهُمَا، ثُمَّ أَمَرَ بِكُلِّ كِسْرَةٍ فَغُرِسَتْ عَلَى قَبْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا إِنَّهُ سَيُهَوَّنُ مِنْ عَذَابِهِمَا مَا كَانَتَا رَطْبَتَيْنِ - أَوْ مَا لَمْ تَيْبَسَا -».
• وَفِي رِوَايَةٍ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَتَى عَلَى قَبرَينِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ فِي غَيْرِ كَبِيرٍ الْغِيبَةِ وَالبَولِ»، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا قِطعَةً، وَقَالَ: «أَرجُو أَن يُخَفَّفَ عَنهُمَا مَا لَم تَيبَسَا».
[الحكم]: صحيح المتن لشواهده، دون قوله (يَغْتَابُ النَّاسَ)، وقد صححه ابن حجر، والبوصيري، وجوّده العراقي، وصححه الألباني لغيره، وهذا إسناد ضعيف، وضعفه النخشبي.
[الفوائد]:
قوله (لَا يَتَأَذَّى مِنْ بَوْلِهِ) أي لا يرى منه أذى فيتوقاه ويتنزه منه، وقد ذكر هذه الرواية ابن بطال مع روايات حديث ابن عباس المشهورة: (لا يستتر) و (لا يستنزه) و (لا يستبرئ)، ثم قال: "هذه الروايات كلها معناها متقارب" (شرح صحيح البخاري ١/ ٣٢٥).
وقد تصحفت في (المطالب) إلى: "لَا يَتَأَدَّى".
стр. 3573
[التخريج]:
[حق (مط ١٦)، (خيرة ٤٥٠) / بخ ٧٣٥ "والزيادة له" / عل ٢٠٥٠ "واللفظ له"، ٢٠٥٥ "والرواية له"، ٢٠٦٦ / صمت ١٧٦ / حنائي ١١٧ / غيب ٢٢٣٢ / كما (١٨/ ١٣٠) / مغلطاي (١/ ٢٣٤) / الآداب لأبي العباس الدغولي (تخريج الإحياء ٢/ ٨١٨)]
[السند]:
أخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" - كما في (المطالب ١٦) - قال: أخبرنا النضر بن شميل، ثنا أبو العوام الباهلي، عبد العزيز بن الربيع، أنا أبو الزبير، عن جابر، به.
وأخرجه البخاري في (الأدب المفرد ٧٣٥): عن محمد بن يوسف.
وأَبُو يَعْلَى في (مسنده ٢٠٥٠): عن خَلَّاد بْن أَسْلَمَ.
وابن أبي الدنيا في (الصمت): عن محمد بن علي.
كلهم: عن النضر، أخبرنا أبو العوام عبد العزيز بن الربيع الباهلي - وكان منزله في دار زياد - قال: سمعت أبا الزبير واسمه محمد عن جابر بن عبد الله، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات ألا أَنَّ فيه عنعنة أبي الزبير عن جابر وهو مدلس.
وعبد العزيز بن الربيع الباهلي، وإن وثقه يحيى بن معين، كما في (الجرح والتعديل ٥/ ٣٨٢)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٧/ ١٠٩)، وقال الحافظ: "ثقة" (التقريب ٤٠٩٢).
стр. 3574
لكن لم يُروَ له شيء في الكتب الستة، فانفراده بهذا الحديث عن أبي الزبير، غير مطمئن، لاسيما والمحفوظ عن أبي الزبير في هذا الباب، ما أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه ٦٧٤٢) - وعنه أحمد في (مسنده ١٤١٥٢)، وغيره -: عن ابن جُرَيْجٍ قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّارِ، فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رِجَالٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».
ورواه أبو يعلى في (مسنده ٢١٤٩)، وابن عدي في (الكامل ٩/ ٧٤)، وابن أبي داود في (البعث ١٣)، والبيهقي في (إثبات عذاب القبر ٢٠٤)، وغيرهم من طريق سفيان الثوري عن أبي الزبير، به.
وكذا رواه البزار في مسنده - كما في (كشف الأستار ٨٧١) -: من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزبير بنحوه.
وتابعهم ابن لهيعة، كما عند الشجري في (أماليه ٢٩٦٢).
فخالفت رواية عبد العزيز بن الربيع رواية الثقات عن أبي الزبير، في أمور:
الأول: أَنَّ رواية عبد العزيز سياقها يدل على أنها حدثت في السفر، بينما رواية ابن جُرَيْجٍ سياقها يدل على أنها وقعت في المدينة، وذلك أَنَّ بني النجار من الأنصار.
الثاني: أنه لا يوجد في رواية عبد العزيز ما يدل على كون المعذبين كانوا مسلمين أو كفارًا، وذلك بخلاف رواية ابن جُرَيْجٍ ومن تابعه فقد نصوا فيها على أنهم ماتوا في الجاهلية.
الثالث: أَنَّ عبد العزيز زاد فيه سبب التعذيب، وقصته هذه تتشابه في لفظها
стр. 3575
مع حديث ابن عباس المتقدم في الصحيحين، فنخشى أَنْ يكون عبد العزيز اشتبه عليه حديث ابن عباس مع حديث جابر، ولذا قال أبو محمد عبد العزيز بن محمد النخشبي: "هذا حديث غريب من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ لا نعرفه إِلَّا من حديث أبي العوام عبد العزيز بن الربيع البصري ... ، والحديث محفوظ من غير حديث جابر والله أعلم" (الحنائيات ١/ ٦٦٥) بتصرف يسير.
فإن قيل: قد رُوِي نحوه من حديث جابر أيضًا؛ وهو ما أخرجه مسلم (٣٠١٢) من طريق عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عن جابر، فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: "فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ وَقْفَةً، فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا - وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا - ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ قَالَ: «يَا جَابِرُ هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟ » قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي فَأَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يَمِينِكَ وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ»، قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ، فَانْذَلَقَ لِي، فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِي وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ».
قلنا: فهذه تشهد لرواية عبد العزيز في أصل القصة، وزاد عبد العزيز سبب التعذيب وهو: "الغيبة، وعدم التأذي من البول".
فإذا حملنا روايته على رواية مسلم، تكون زيادته شاذة.
وثمَّ شيء آخر يدل على وهم عبد العزيز بن الربيع في هذا الحديث، وهو