رِوَايَةٌ بزيادة: "أَوْ عَقَدَ كَفَّيْهِ فِي الصَّلاةِ":
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَكُنْتُ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّهُ يَطُولُ بِكَ الْعُمْرُ فَأَخْبِرِ النَّاسَ مَنِ اسْتَجْمَرَ بِرَوْثِ دَابَّةٍ، أَوْ عَقَدَ كَفَّيْهِ فِي الصَّلاةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ».
[الحكم]: إسنادُه ضعيف.
[التخريج]:
[مظفر (ق ٢٤٩/ب)].
[التحقيق]:
مدار هذا الحديث على عياش بن عباس القتباني، عن شييم بن بيتان، وقد اضطرب فيه على عدة أوجه:
الوجه الأول:
أخرجه النسائي في (المجتبى ٥١١١)، وفي (السنن الكبرى ٩٤٨١) - ومن طريقه ابن الأثير في (أسد الغابة ٢/ ٢٩٨) -، عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، وذكر آخر قبله (١)، كلاهما: عن عياش بن عباس، عن شييم بن بيتان، أنه سمع رويفع بن الحارث يقول ... فذكره بلفظ الرواية الأولى.
ورواه الطحاوي في (معاني الآثار ١/ ١٢٣) من طريق أصبغ بن الفرج،
стр. 4062
عن عبد الله بن وهب، عن حيوة بن شريح، عن عياش، به.
وقد توبع حيوة بن شريح، تابعه: عبد الله بن لهيعة. كذا أخرجه أحمد (١٦٩٩٥، ١٦٩٩٦)، والبغوي في (معجم الصحابة ١٠٥٢) من طرق عن ابن لهيعة، به؛ بلفظ الرواية الثانية، عدا رواية البغوي فبلفظ الأولى.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح، عدا ابن لهيعة وشييم بن بيتان:
فأما ابن لهيعة: فهو ضعيف، ولكنه متابع من حيوة؛ كما تقدم.
وأما شييم بن بيتان: فقال عنه البزار: "غير مشهور" (المسند عقب رقم ٢٣١٦). ولكن وثقه ابن معين، كما في (رواية الدارمي ٤١٢) و (الجرح والتعديل ٤/ ٣٨٥)، وذكره ابن حبان في (الثقات ٤/ ٣٦٩)، ووثقه أيضًا عبد الحق الإشبيلي في (الأحكام الوسطى ٤/ ٢٠٤)، وذكره ابن خلفون في (الثقات)، كما في (إكمال مغلطاي ٦/ ٣١٤). وقال الحافظان الذهبي وابن حجر: "ثقة" (الكاشف ٢٣٢٢)، و (التقريب ٢٨٤١).
ولذا جوّد إسناده النووي في (المجموع ١/ ٢٩٢)، وحسنه في (الإيجاز في شرح سنن أبي داود ص ١٨٤). وجوده أيضًا: ابن مفلح في (الآداب الشرعية ٣/ ١٤١).
وقال العيني: "إسناده حسن جَيّد، ورجاله ثقات" (نخب الأفكار ٢/ ٥١٧)، وحسنه علي القاري في (مرقاة المفاتيح ١/ ٣٨٢).
وفي هذا كله نظر، فلم يسمع شييم هذا الحديث من رويفع - وإن صرح بالتحديث، فهو محض وهم -، بينهما شيبان القتباني، كما في:
стр. 4063
الوجه الثاني:
أخرجه ابن أبي شيبة في (المسند ٧٣٦) (١) - وعنه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٢١٩٦) - عن معلى بن منصور.
وأخرجه أحمد (١٧٠٠٠) عن يحيى بن غيلان.
وأخرجه أبو داود (٣٦) - ومن طريقه الخطابي في (غريب الحديث ١/ ٤٢٢)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٥٣٤)، والبغوي في (شرح السنة ٢٦٨٠) - عن يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب.
وأخرجه البزار في (مسنده ٢٣١٧). والبغوي في (الصحابة ١٠٥١) - ومن طريقه المزي في (تهذيب الكمال ١٢/ ٥٩١ - ٥٩٢) -. وأبو نعيم في (الصحابة ٢٧٠٤): من طريق موسى بن هارون والحسن بن سفيان. أربعتهم: عن عبد الأعلى بن حماد (٢).
وأخرجه ابن عبد الحكم في (فتوح مصر ص ٨٥، ٣١٠) عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار.
وأخرجه الطبراني في (الكبير ٤٤٩١)، وأبو نعيم في (الصحابة ٢٧٠٤)
стр. 4064
من طريق سعيد بن أبي مريم.
جميعهم: عن المفضل بن فضالة القتباني المصري.
وأخرجه ابن عبد الحكم في (فتوح مصر ص ٣١٠)، وأبو الحسين ابن المظفر في (جزء له ق ٢٤٩/ب) من طريق عبد الله بن عياش بن عباس.
كلاهما (المفضل وابن عياش) عن عياش بن عباس، عن شييم بن بيتان، عن شيبان بن أمية القتباني، عن رويفع بن ثابت، به. بعضهم بلفظ الرواية الأولى، وبعضهم بلفظ الرواية المطولة، إِلَّا البزار فقد انفرد بلفظ الرواية الثالثة.
وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة شيبان بن أمية، ويقال شيبان بن قيس، قال الحافظ: "مجهول" (التقريب ٢٨٣٢).
وأما عبد الله بن عياش: فقال فيه الحافظ: "صدوق يغلط" (التقريب ٣٥٢٢)، ولكن تابعه المفضل بن فضالة، وهو ثقة من رجال الشيخين؛ كما في (التقريب ٦٨٥٨).
وقد توبعا- أي: المفضل وابن عياش- أيضًا على ذكر شيبان القتباني، تابعهما: ابن لهيعة؛ لكنه زاد في إسناده "أبا سالم سفيان بن هانئ الجيشاني" بين شييم وشيبان، كما في:
الوجه الثالث:
أخرجه أحمد (١٦٩٩٤) عن يحيى بن إسحاق عن ابن لهيعة عياش بن عباس عن شييم بن بيتان عن أبي سالم عن شيبان بن أمية عن رويفع بن ثابت به مقتصرًا على الموقوف.
стр. 4065
وهذا وهم من ابن لهيعة فهو ضعيف كما تقدم، وقد توبع على ذكر أبي سالم في إسناده؛ لكن خُولف في صاحب الحديث؛ فرُوِي من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وذلك كما في:
الوجه الرابع:
أخرجه أبو داود (٣٧) عن يزيد بن خالد بن موهب. وابن عبد الحكم في (فتوح مصر ص ٨٥، ٣١٠) عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار. كلاهما: عن مفضل بن فضالة عن عياش بن عباس عن شييم بن بيتان عن أبي سالم الجيشاني، أنه سمع عبد الله بن عمرو وهو مرابط حصن بابليون، يُحَدِّث عن رسول الله ﷺ بهذا الحديث.
وهذا إسناد رجاله ثقات.
فهذا الوجه مع الوجه الأول والثاني، صحاح إلى عياش بن عباس القتباني، وهو وإِنْ كان ثقة كما في (التقريب ٥٢٦٩)، إِلَّا أَنَّ مثله لا يحتمل هذا الخلاف عليه، وكذا شيخه شييم بن بيتان.
فيترجح الحكم على الحديث بالاضطراب، والله أعلم.
وذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح هذه الأوجه جميعًا، فقال ابن مفلح - بعد ذكره هذه الأوجه الثلاثة -: "ومتن هذا الحديث صحيح، وهذه الأسانيد الثلاثة جيدة" (الآداب الشرعية ٣/ ١٤١).
وكذا صححها كلها الشيخ الألباني، ولكنه أعلّ الوجه الثاني لجهالة شيبان بن أمية، وصحح الوجهين الآخرين (صحيح أبي داود ١/ ٦٦ - ٦٧).
فكأنهم جعلوه من باب من روى الحديث على أكثر من وجه، أو من روى الحديث عن أكثر من شيخ.
стр. 4066
وفي صنيعهما نظر؛ لأن الذي يدخل تحت هذا الباب هو الراوي الثقة واسع الحفظ كثير الرواية كثير الشيوخ كالزُّهْرِيّ وأبي إسحاق السبيعي ونحوهمًا.
قال ابن حجر: "الزُّهْرِيّ صاحب حديث؛ فيكون الحديث عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختُلف عليه في شيخه إِلَّا أَنْ يكون مثل الزُّهْرِيّ في كثرة الحديث والشيوخ" (فتح الباري ١٣/ ١٥).
وسبقه أبو حاتم الرازي فقال - في حديثٍ اختُلِف فيه على أبي إسحاق السبيعي على أوجه-: "كان أبو إسحاق واسع الحديث؛ يحتمل أَنْ يكون سمع من أبي بصير، وسمع من ابن أبي بصير عن أبي بصير، وسمع من العيزار عن أبي بصير" (العلل لابن أبي حاتم ٢/ ١٥٠ - ١٥١).
وقال في (الجرح والتعديل ٦/ ٢٤٣): "أبو إسحاق السَّبيعي ثقة ... ، ويُشبَّه بالزُّهْرِيّ في كثرة الرواية، واتساعِهِ في الرجال".
أما في حديثنا فعياش بن عباس وشيخه شُيَيْم لا يحتملان هذا الخلاف، لاسيما مع نكارة المتن، فالأحاديث السابقة في الباب كلها متفقة على النهي عن الاستنجاء بالعظم والرجيع، دون ذكر براءة النبي ﷺ ممن يفعل ذلك.
ولذا قال البزار عقبه: "وهذا الحديث قد رَوَى نحو كلامه غَيْرُ واحد، وأما هذا اللفظ فلا يُحْفَظُ عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد غير رُوَيْفِعٍ، وإسناده حسن غير شيبان فإنه لا نعلم روى عنه غير شُيَيْمِ بن بَيْتَانَ، وعياش بن عباس مشهور" (المسند ٦/ ٣٠١). هذا والله أعلم.
* * *
стр. 4067
٩٠٥ - حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو:
◼ عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو - وَهُوَ مُرَابِطٌ حِصْنَ بَابِلْيونَ- يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ- وَأَحَالَ عَلَى حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ السابق-.
[الحكم]: إسناده ضعيف.
[التخريج]: [د ٣٧ / مصر (ص ٨٥) "والسياق له"، (ص ٣١٠)].
[السند]:
قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد، حدثنا مُفَضَّلٌ، عن عَيَّاشٍ، أن شِيَيْمَ بن بَيْتَانَ، أخبره بهذا الحديث أيضًا، عن أبي سالم الجَيْشَانِيِّ، عن عبد الله بن عمرو، به
ورواه ابن عبد الحكم عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبّار، عن المفضّل بن فضالة، به.
[التحقيق]:
وهذا إسناد ضعيف؛ لاضطراب سنده، كما قد تقدم بيانه في الحديث السابق.
* * *
стр. 4068
١٣٤ - بَاب: ما رُوِي أنَّ الرَّوْثَ وَالْعَظْمَ لَا يُطَهِّرَانِ
٩٠٦ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسول الله ﷺ نَهَى أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثٍ، وَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ».
[الحكم]: صحيح المتن، دون قولَه: «إنهما لا يطهران» فمنكر، وإسنادُه ضعيفٌ، وضعفه ابن عدي وابن طاهر المقدسي والذهبي ومغلطاي وابن الملقن.
[التخريج]:
[عد (٥/ ٣٨٥) "واللفظ له" / قط ١٥٢ / علقط ١٥٤٧ / عيل (٢/ ٦٦٩) / تحقيق ١١٠].
[السند]:
رواه ابن عدي في (الكامل) قال: حدثنا علي بن سعيد، والقاسم بن مهدي، قالا: حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، به.
ومداره عند الجميع على يعقوب بن حميد بن كاسب، عن سلمة بن رجاء، عن الحسن بن فرات القَزَّازُ، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، به.
стр. 4069
قال ابن عدي (عقب الحديث): "لا أعلم رواه عن فرات القزاز غير ابنه الحسن، وعن الحسن: سلمة بن رجاء، وعن سلمة: ابن كاسب".
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: يعقوب بن حميد بن كاسب، وهو مختلف فيه؛ فضعفه ابن معين - في أكثر الروايات عنه وأصحها - وأبو حاتم وأبو زرعة وأبو داود والنسائي والأزدي، وذكره العقيلي في (الضعفاء ٤/ ٢٩٥)، وغير واحد في الضعفاء.
وقال البخاري: "لم نر إِلَّا خيرًا، هو في الأصل صدوق"، وقال ابن عدي: "لا بأس به وبرواياته، وهو كثير الحديث كثير الغرائب"، وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: "كان يحفظ ممن جمع وصنف، ربما أخطأ في الشيء بعد الشيء"، ووثقه مسلمة بن قاسم ومصعب الزبيري، ولخص الحافظ حاله فقال: "صدوق ربما وهم" (التقريب ٨٧١٥)، وانظر: (تهذيب التهذيب ١١/ ٣٨٤).
وقد أعلّ الحديث به الذهبي وابن الملقن، كما سيأتي.
العلة الثانية: سلمة بن رجاء التميمي، وهو مختلف فيه أيضًا؛ فضعفه ابن معين والنسائي، وقال ابن عدي: "أحاديثه أفراد وغرائب، حدث بأحاديث لا يتابع عليها"، وقال الدارقطني: "ينفرد عن الثقات بأحاديث"، وذكره العقيلي في (الضعفاء ٢/ ١٧٤)، وكذا ابن شاهين (ص ١٠٢)، وابن الجوزي (٢/ ١١)، والذهبي (ص ١٦٨).
وقال أبو حاتم: "ما بحديثه بأس"، وقال أبو زرعة: "صدوق"، وذكره
стр. 4070
ابن حبان في (الثقات)، وأخرج له البخاري حديثًا واحدًا في الفضائل، ولخص الحافظ حاله فقال: "صدوق يُغرِب" (التقريب ٢٤٩٠). وانظر: (تهذيب التهذيب ٤/ ١٤٥)، (مقدمة فتح الباري ص ٤٠٧).
وقد أعلّ الحديث به ابن عدي؛ فقال (عَقِبَه): "ولسلمة بن رجاء غيرُ ما ذكرت من الحديث، وأحاديثه أفراد وغرائب، ويحدث عن قوم بأحاديثَ لا يُتابَع عليها (١) " وانظر: (نصب الراية للزيلعي ١/ ٢٢٠).
وأعلّه به كذلك ابن طاهر المقدسي في (ذخيرة الحفاظ ٢/ ٨٨٩).
ورغم ذلك صحح إسناده الدارقطني (عقب الحديث)، وحسنه ابن حجر في (الدراية ١/ ٩٧).
وقد تعقب الذهبي تصحيح الدارقطني؛ فقال: "ابن كاسب ذو مناكير، وسلمة ضعفه النسائي، وَمَشَّاهُ غيره" (تنقيح التحقيق ١/ ٤٢).
وتعقبه أيضًا بنحو ذلك ابن الملقن في (البدر المنير ٢/ ٣٥٠).
وقال مغلطاي: "فيه نظر؛ لأن في إسناده سلمة بن رجاء، وقد أساء عليه الثناء غير واحد" (شرح ابن ماجه ١/ ١٦٢).
وللحديث شواهد كثيرة عن جابر وابن مسعود وغيرهما كما تقدم، ولكن دون قوله: «إنهما لا يطهران»، فهي زيادة منكرة.
وقد نسب الدارقطني في ذكر هذه الزيادة إلى الحسن بن فرات القزاز، قال فيه الحافظ: "صدوق يهم" (التقريب ١٢٧٧)، وانظر: (علل الدارقطني ٤/ ١٨٨).
* * *
стр. 4071
١٣٥ - بَابُ تَنْظِيفِ الْيَدَيْنِ بَعْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ
٩٠٧ - حَدِيثُ أَبو هُرَيْرَةَ:
◼ عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَضِّئْني»، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوءٍ فَاسْتَنْجَى، ثمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في التُّرَابِ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رِجْلاكَ لَمْ تَغْسِلْهُمَا؟ ! قَالَ: «إِني أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَان».
[الحكم]: إسناده ضعيف، وضعفه ابن عبد الهادي، والهيثمي، والألباني.
وقد ضعَّفَ أحمدُ، ومسلم، والدارقطني؛ كلَّ أحاديث أبي هريرة في المسح على الخفين.
[التخريج]:
[حم ٨٦٩٥ "واللفظ له" / هق ٥٢٧ / مي ٦٩٦"مختصرا" / ........ ]
سبق تخريجه وتحقيقه في باب: "الاستنجاء بالماء"، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ).
* * *
١٣٦ - بَابُ مَنْ بَالَ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً
٩٠٩ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عُمَرُ؟ » فَقَالَ: هَذَا مَاءٌ تَتَوَضَّأُ بِهِ [يَا رَسُولَ اللَّهِ]. قَالَ: «مَا أُمِرْتُ كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً».
[الحكم]: منكر سندًا ومتنًا، وضعفه ابن معين، والعقيلي، وابن عدي، وابن طاهر المقدسي، والنووي، والمنذري، ومغلطاي، وابن الملقن، والألباني. وأشار إلى إعلاله الإمام مسلم.
[الفوائد]:
اختلف أهل العلم في مفهوم هذا الحديث، فمنهم من حمل الوضوء فيه على ظاهره بمعناه الشرعي، ومنهم من حمله على الاستنجاء، ولذا ذكره أبو داود في: "بَاب الِاسْتِبْرَاءِ"، وابن ماجه تحت بَاب: "مَنْ بَالَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً"، وابن أبي شيبة تحت باب: "مَنْ كَانَ إذَا بَالَ لَمْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِالْمَاءِ". وذكره الهيثمي في المجمع تحت باب: "فِيمَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ بَعْدَ الْحَدَثِ".
وقال مغلطاي: "الحديث يدل على أَنَّ إتيان عمر بالماء كان لقصد أَنْ يستعمله النبي ﷺ مع الحجارة علما من عمر بمطلوبية ذلك، وإنما يتم كون هذا المعنى مرادًا في الخبر لحمل الوضوء منه على الغسل لغة، وعلى هذا
стр. 4074
يكون الخبر دليلا على استحباب الجمع بين الماء والحجر" (شرح مغلطاي ١/ ١٩٢).
وقال العظيم آبادي - مُعَلِّقًا على قول عمرَ: (تَتَوَضَّأُ بِهِ) -: "أي تتوضأ بالماء بعد البول الوضوء الشرعي، أو المراد به: الوضوء اللغوي، وهو الاستنجاء بالماء، وعليه حمله المؤلف - يعني أبا داود - وابن ماجه، ولذا أورده في: بَابِ الِاسْتِبْرَاء" (عون المعبود ١/ ٤٢).
وقال السندي: "يحتمل أن المراد به الوضوء اللغوي أي: مَا أُمِرْتُ أَنْ أَغْسِلَ مَحَلَّ البول بل جُوِّزَ في الاكتفاء بالأحجار أيضًا.
ويحتمل أن المراد: الوضوء المتعارف وظهر له ﷺ أن مراد عمر ذلك الوضوء دون الاستنجاء بالماء فرد عليه بذلك. قلت (السندي): بل هو الظاهر ففي رواية أبي داود: (فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا يَا عُمَرُ فَقَالَ مَاءٌ تَوَضَّأُ بِهِ فَقَالَ مَا أُمِرْتُ) إلخ (وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً) قيل: معناه لو وَاظَبْتُ على الوضوء بعد الحَدَثِ لكان طريقة واجبة" (حاشية السندي على سنن ابن ماجه ١/ ١٣٧).
وقد ذكره الداودي بلفظ: «لو استنجيت كلما أتيت الخلاء لكان سنة» (التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٤/ ١٠٠). كأنه حكاه على فهمه من معناه، وإلا فلم نقف على هذه الرواية.
هذا والله أعلم بالصواب من ذلك، والحديث منكر، لا حجة فيه لهذا ولا لذاك.
[التخريج]: [د ٤٢ "واللفظ له" / جه ٣٢٩ / حم ٢٤٦٤٣ "والزيادة له" / ش ٥٩٧
стр. 4075
/ عل ٤٨٥٠ / حق ١٢٦٢، ١٢٦٣ / لا ٢٠٣٢ / عق (٢/ ٤٣٣) / عد (١٠/ ٥٨٢) / قط ١٧٣ / هق ٥٥٦ / ثحب (٥/ ٤٦٥ - ٤٦٦) / خط (٢/ ٤٨) / ضح (٢/ ١٩٤)].
[السند]:
قال أبو داود: حدثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد وخلف بن هشام المقرئ، قالا: حدثنا عبد الله بن يحيى التَّوْأَم (ح).
وحدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا أبو يعقوب التوأم، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أُمِّهِ، عن عائشة، به.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة - وعنه ابن ماجه -: عن أبي أسامة، عن عبد الله بن يحيى التوأم، به.
ورواه أحمد: عن عَفَّان بن مسلم، عن عبد الله بن يحيى، به.
ومداره عندهم على أبي يعقوب عبد الله بن يحيى التوأم عن ابن أبي مليكة عن أمه - عدا رواية أبي يعلى والدولابي؛ فعندهما عن أبيه - عن عائشة، به.
قال الدارقطني - عقبه -: "تفرد به أبو يعقوب التوأم، عن ابن أبي مليكة، حَدَّثَ به عنه جماعة من الرفعاء" (السنن ١٧٣).
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علل ثلاث:
الأولى: عبد الله بن يحيى بن سلمان أبو يعقوب التوأم: قال ابن حجر: "ضعيف" (التقريب ٣٦٩٨).
стр. 4076
وبه أعل يحيى بن معين هذا الحديث؛ فقال: " التوأم عن ابن أبي مليكة ضعيف"، وقال العقيلي بعد أَنْ ذكر كلام ابن معين: "وهذا الحديث حدثناه محمد بن إسماعيل" ... به، فأَوْرَدَهُ له في (الضعفاء ٢/ ٤٣٣).
وكذا أورده ابن عدي في ترجمته، مع قول ابن معين (الكامل ١٠/ ٥٨٢).
وبه أيضًا: ضعَّفه ابن القيسراني في (ذخيرة الحفاظ ٢/ ٧٠٤)، والنووي في (الإيجاز في شرح سنن أبي داود ص ٢٠٠)، ومغلطاي في (شرح سنن ابن ماجه ١/ ١٩١).
ورغم ذلك قال الدارقطني - عقبه -: "لا بأس به" (السنن ط المعرفة ١/) (١).
ومع ضعف أبي يعقوب التوأم، قد خولف في إسناده ومتنه، وهذه هي:
العلة الثانية: المخالفة؛ فقد روى هذا الحديث أيوب السختياني عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الخَلَاءِ، فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالُوا: أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ».
أخرجه أبو داود (٣٧٦٠)، والترمذي (١٩٥٥)، وغيرهما من طريق إسماعيل ابن عُلَيَّةَ.
وأخرجه أحمد (٢٥٤٩) من طريق وهيب بن خالد.
وأخرجه عبد بن حميد (٦٩٠) من طريق مَعْمَر.
стр. 4077
ثلاثتهم عن أيوب السختياني عن ابن أبي مليكة، به.
وقد توبع ابن أبي مليكة من سعيد بن الحويرث كما عند مسلم (٣٧٤).
وقد أشار إلى هذه العلة الإمام مسلم في (المنفردات والوحدان ص ١١٦)، وسيأتي نص كلامه.
وقال العقيلي: "وقد رُوِيَ عن ابن عباس، عن النبي صلي الله عليه وسلم نحو هذا بخلاف هذا اللفظ، وإسناده أصلح من هذا الإسناد" (الضعفاء الكبير ٢/ ٤٣٤).
وبهذه العلة أعلّه الألباني أيضًا في (تعليقه على المشكاة ١/ ١١٨).
العلة الثالثة: أم عبد الله بن أبي مليكة، واسمها ميمونة بنت الوليد بن الحارث، لم يرو عنها غير ابنها هذا الحديث الواحد، وقد أشار إلى ذلك الإمام مسلم في (الوحدان)؛ فقال - تحت باب: مِمَّنْ تفرد عَنهُ ابن أبي مليكَة بالرواية -: "وابْن أبي مليكَة عَن (أَمه) (١) عَن عبد الله بن يحيى التوءام وَخَالفهُ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ"، وانظر: (شرح ابن ماجه ١/ ١٩١).
ومع هذا ذكرها ابن حبان في (الثقات ٥/ ٤٦٥) على عادته في توثيق المجاهيل، وساق بسنده هذا الحديث.
وبهذه العلة ضعفه المنذري فقال: "التي روته عن عائشة مجهولة" (مختصر سنن أبي داود ١/ ٣٨).
وتعقبه مغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ١٩١).؛ بذكر ابن حبان لها في الثقات، ولا يخفى ما فيه.
стр. 4078
وقال الهيثمي: "رواه أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن أمه، ولم أر من ترجمها" (مجمع الزوائد ١٢٤٤).
ومع هذا قال عنها ابن حجر: "ثقة"! (التقريب ٨٦٩١)، وذلك - والله أعلم - لأن الحافظ استظهر في (الإصابة ١١/ ٣٣٨، ١٤/ ٢٣٣) أَنْ يكون لها رؤية من النبي ﷺ ، فيثبت لها بذلك شرف الصحبة، فإن لم تكن، فلا أقل من أَنْ تكون ثقة.
وفيه نظر، حيث إِنَّ ما استظهره الحافظ لا دليل عليه، والله أعلم.
والحديث ضعفه النووي في (خلاصة الأحكام ١/ ١٦٧)، و (المجموع ٢/ ٩٩)، والمنذري فيما حكاه عنه المناوي في (التيسير ٢/ ٣٤٣)، وابن الملقن في (التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٤/ ١٠٠)، والألباني - متراجعًا عن تحسينه - في (ضعيف أبي داود ١/ ٢٦)، وانظر: (تعليقه على المشكاة ١/ ١١٨).
ورغم ما ذكرناه من عللٍ؛ فقد حسن الحديث الولي العراقي فيما حكاه عنه المناوي في (فيض القدير ٥/ ٤٢٧)، و (التيسير ٢/ ٣٤٣).
وحسنه أيضًا السيوطي في (الجامع الصغير ٧٨٣٦)، والقاري في (مرقاة المفاتيح ١/ ٣٩١).
[تنبيه]:
روى هذا الحديث أبو يعلى في (المسند ٤٨٥٠) - وعنه ابن عدي في (الكامل ٧/ ٢٢٢) -، والدولابي في (الكنى ٢٠٣٢) من طريق ابن أبي مليكة عن أبيه - بدلا من أمه - عن عائشة.
وكذا ذكره مسلم في (الوحدان ص ١١٦)، والهيثمي في (المجمع ١٢٢٤).
стр. 4079
والظاهر - والله أعلم - أَنَّ هذا تحريف قديم، وقد وقع كذلك في سنن الدارقطني، فقال ابن حجر- عقب ذكره لطريق الدارقطني في (الإتحاف) -: "وفي نسخة: عن أبيه، بدل أمه" (إتحاف المهرة ١٧/ ٨١٨).
ومما يؤكد أنه تحريف: مجيء الحديث في جميع مصادره - عدا ما ذكرنا - بذكر الأم.
وهي المعروفة برواية هذا الحديث، كذا ذكره كل من ترجم لها، كالإمام مسلم وابن حبان وغيرهما، وقد تقدم أَنَّ الصواب في الوحدان لمسلم: "عن أمه"، كما نقله مغلطاي في (شرحه).
ثم إننا لم نقف على ترجمة لوالد ابن أبي مليكة، مما يؤكد أَنَّ الحديث لأمه، وليس لأبيه فيه ناقة ولا جمل، والله أعلم.
* * *
стр. 4080
رِوَايَةٌ بزيادة: "أَوَ كُلَمَا أَحْدَثْنَا أَرَدْتَ أَنْ أَتَوَضَّأَ؟! ":
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَتْ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي الْحَاجَةَ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، فَأَتْبَعَهُ عُمَرُ بِمَاءٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوَ كُلَمَا أَحْدَثْنَا أَرَدْتَ أَنْ أَتَوَضَّأَ؟».
[الحكم]: منكر، وضعفه ابن عدي وتبعه ابن طاهر المقدسي.
[التخريج]: [عد (٩/ ٢٧٣، ٢٧٤)].
[السند]:
قال ابن عدي: حدثنا محمد بن خريم القزاز، ثنا هشام بن خالد، ثنا مروان (وهو ابن معاوية الفزاري)، عن محمد بن حسان، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: محمد بن حسان، وهو مجهول كما قال الحافظ في (التقريب ٥٨١٠).
وبه أعل الحديث ابن عدي؛ فقال: "محمد بن حسان، يروي عنه مروان الفزاري، أحاديثه لا يوافق عليها". ثم ذكر هذا الحديث وغيره، ثم قال: "وهذان الحديثان لمحمد بن حسان هذا وليس بمعروف ومروان الفزاري يروي عن مشايخ غير معروفين منهم هذا محمد بن حسان فالحديث الأول يرويه، عن ابن أبي مليكة عبد الله بن يحيى".
стр. 4081
وتبعه ابن طاهر المقدسي في (ذخيرة الحفاظ ١/ ٥١٠).
الثانية: المخالفة في متنه وسنده؛ فقد خولف محمد بن حسان من أيوب السختياني كما تقدم بيانه في الرواية السابقة.
* * *
ديوان السنَّة
موسوعة شاملة لكل ما ورد عن سيد المرسلين من أقوال وأفعال وتقريرات
الطهارة
المجلد الثامن
كتاب سنن الفطرة
إعداد
مجموعة من الباحثين
إشراف
عدنان بن محمد العرعور
стр. 4084
كِتَابُ: سُنَنِ الْفِطْرَةِ
стр. 4085
١٣٧ - بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ
٩١١ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: ((الْفِطْرَةُ خَمْسٌ (خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ): الْخِتَانُ (الِاخْتِتَانُ)، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْآبَاطِ)).
[الحكم]: متفق عليه (خ، م) عدا الرواية الثانية فلمسلم.
[اللغة]:
* الفِطرة: فطَر الشيءَ يفطُره فَطْرًا فانفطر، وفطَّره: شقَّه. وتفطَّر الشيءُ: تشقَّق. والفَطر: الشَّقُّ، وجمعُه فطور. وفي التنزيل العزيز: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]. وأصل الفطر: الشَّقُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، أي: انشقَّت. وفي الحديث: ((قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ))، أي: انشقَّتا. يقال: تفطَّرَت وانفطرَت بمعنًى، ومنه أُخذ فِطْرُ الصائم؛ لأنه يفتح فاه. (لسان العرب ٥/ ٥٥).
وقيل: معناها: الابتداءُ والاختراع، تقول: فطر الشيءَ، أي: شقَّه، وفطر اللهُ الخَلقَ، أي: خلقَهم وبدأهم. وفي التنزيل: ﴿الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. قال ابنُ عباس ﵄: "ما كنتُ أدري ما فاطرُ السمواتِ والأرضِ حتى أتاني أعرابيَّان يَختصمان في بئرٍ، فقال أحدُهما: أنا فطرْتُها"،
стр. 4086
أي: أنا ابتدأْتُ حفْرَها. (لسان العرب ٥/ ٥٦).
وقيل: الفِطرة - بالكسر-: الخِلْقة، نسبَه ابنُ عبد البَرِّ إلى جماعة من أهل الفقه، وقال: "هذا القولُ أصحُّ ما قيل في معنى الفطرة التي يُولد الناسُ عليها، والله أعلم" (التمهيد ١٨/ ٦٨ - ٧٠). قال القُرطبي: "وإلى ما اختاره أبو عُمرَ واحتجَّ له، ذهب غيرُ واحد من المحققين، منهم ابنُ عطية في تفسيره في معنى الفِطرة، وشيخُنا أبو العباس" (الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٩).
وقيل: المراد بها هنا: السُّنَّة: يعني سُننَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي أُمِرْنا أن نقتديَ بهم فيها، قال الخطَّابي: "فسَّر أكثرُ العلماء الفِطرةَ في هذا الحديث بالسُّنَّة؛ وتأويلُه: أن هذه الخِصالَ مِن سنن الأنبياء الذين أُمِرْنا أن نقتديَ بهم؛ لقوله سبحانه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] " (معالم السنن ١/ ٣١). قال الحافظ: "وكذا قاله غيرُه، قالوا: والمعنى: أنها مِن سنن الأنبياءِ" (الفتح ١٠/ ٣٣٩)، وانظر (النهاية ٣/ ٨٨٢)، و (لسان العرب ٥/ ٥٥).
قال الحافظُ: "واستَشكَل ابنُ الصلاح ما ذكره الخطَّابي، وقال: معنى الفِطرةِ بعيدٌ من معنى السُّنَّة، لكنْ لعل المراد أنه على حذْفِ مضافٍ، أي: سُنَّة الفِطرة، وتعقَّبه النَّوويُّ بأن الذي نقله الخطَّابي هو الصواب؛ فإنَّ في صحيح البخاري عن ابن عُمر عن النبي ﷺ قال: ((مِنَ السُّنَّةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ)). قال: وأصحُّ ما فُسِّر الحديثُ بما جاء في رواية أخرى لا سيَّما في البخاري. اهـ. وقد تبِعه شيخُنا ابن المُلَقِّن على هذا، ولم أرَ الذي قاله في شيء من نُسَخ البخاري، بل الذي فيه من حديث ابن عُمرَ بلفظ: ((الفِطْرَة))، وكذا من حديث أبي هريرةَ. نَعَمْ، وقع التعبيرُ بالسُّنَّة
стр. 4087
موضعَ الفِطرةِ في حديث عائشةَ عند أبي عَوانة في روايةٍ، وفي أخرى بلفظ: ((الفِطْرَة)) كما في رواية مسلم والنَّسائي وغيرِهما" (الفتح ١٠/ ٣٣٩).
وقيل: المُرادُ بها: الإسلامُ، قال ابنُ عبد البر: وهو المعروف عند عامَّة السلف من أهل العلم بالتَّأْويل، قد أجمعوا في قول الله : ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، على أنْ قالوا: فِطرةُ الله: دينُ الله الإسلامُ؛ واحتجُّوا بقول أبي هريرةَ في هذا الحديث: "اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ". وذكروا عن عِكرمة ومجاهدٍ والحسن وإبراهيمَ والضَّحاك وقتادةَ في قول الله : ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، قالوا: دِينُ الله الإسلامُ ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ قالوا: لدِين الله" (التمهيد ١٨/ ٧٢).
ونسبَ القُرْطبي هذا القولَ إلى أبي هريرةَ وابنِ شِهابٍ وغيرِهما (الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٥).
وإلى هذا القولِ ذهب الخليلُ بنُ أحمدَ وأبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ والماوَرْدي، وأبو نُعَيم الأصبهانيُّ وغيرُهم. انظر (العين للخليل ٧/ ٤١٨)، و (المستخرج لأبي نُعَيم عقب رقم ٥٩٧)، و (المجموع ١/ ٢٨٤).
وقيل غيرُ ذلك، انظر (طرح التثريب ٧/ ٢٢٥ - ٢٢٩)، (الفتح ١٠/ ٣٣٩)، (الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٢٥)، (التمهيد ١٨/ ٦٨ - ٧٢).
* الخِتان: خَتَنَ الغلامَ والجاريةَ يَختِنُهما ويختُنهما خَتْنًا، والاسم: الخِتان والخِتانة، وهو مختونٌ، وقيل: الخَتْنُ للرجال، والخَفْضُ للنساء. والخَتين: المَخْتون، الذَّكر والأنثى في ذلك سواءٌ. والخِتانةُ: صناعة الخاتن. والخَتْنُ: فِعْل الخاتن الغلام، والخِتانُ ذلك الأمرُ كلُّه وعلاجُه.
стр. 4088
والخِتان: موضع الختنِ من الذَّكر، وموضعُ القطعِ من نواة الجارية.
قال أبو منصور: هو موضع القطْع من الذكر والأنثى؛ ومنه الحديثُ المرويُّ: ((إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ؛ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)).
وأصل الختْن: القطعُ. ويقال: أُطحِرَتْ خِتانتُه، إذا استُقصِيَتْ في القطع، وتُسمَّى الدعوةُ لذلك خِتانًا. (اللسان ١٣/ ١٣٧ - ١٣٨).
قال الحافظ: قال النَّوَوي: ويُسمَّى ختانُ الرجل إعذارًا بذالٍ معجمة، وختانُ المرأةِ خفضًا بخاءٍ وضادٍ معجمتين.
وقال أبو شامةَ: كلام أهل اللُّغة يقتضي تسميةَ الكلِّ إعذارًا، والخفضُ يختصُّ بالأنثى.
قال أبو عُبَيد: عَذَرْت الجاريةَ والغلامَ وأعذَرْتهما: ختنْتهما وأختنْتهما وزنًا ومعنًى.
قال الجوهريُّ: والأكثرُ: خفضْت الجارية. (الفتح ١٠/ ٣٤٠).
* الاستحداد: قال أبو عُبَيد: نرى أن أصل الاستحداد- والله أعلم- إنما هو الاستفعال من الحديدة، يعني: الاستحلاقَ بها، وذلك أن القوم لم يكونوا يعرفون النُّورَةَ. (غريب الحديث ٢/ ٣٧).
وقال النَّوَوي: "الاستحداد: إزالة شعَرِ العانةِ وهو الذي حولَ الفرْجِ، سواء إزالته بنتْفٍ أو نُورةٍ أو حَلْقٍ، مأخوذٌ من الحديدة، وهي المُوسَى التي يحلق بها" (تحرير ألفاظ التنبيه ١/ ٢٥٣).
والنُّورة: من الحَجَر الذي يُحرق ويُسوَّى منه الكِلْسُ ويحلق به شعر العانة. (اللسان ٥/ ٢٤٤).
стр. 4089
*النتف: نزعُ الشعر والريشِ وما أشبهها، والنُّتافة: ما انْتُتِفَ من ذلك. وأنتفَ الشيءُ: أمكنَ نتْفُه. (العين ٨/ ١٢٧).
*الإبْط: ما تحت الجَناح، يُذكَّرُ ويؤنث، والجمع آباط. وحكَى الفرّاءُ عن بعض الأعراب: "فرفع السَّوْط حتى بَرَقَتْ إبْطُه". وتأبَّطَ الشيْءَ، أي: جعَلَه تحتَ إبْطِه. والتأبُّط: الاضطباع، وهو أنْ يُدخِلَ رداءَه تحت يدِه اليمنى ثم يُلقيه على عاتقه الأيسر. وكان أبو هريرة ﵁ رِدْيَتُه التّأبُّط. (الصحاح ٣/ ١١١٤).
وقال الزَّبيديُّ: الإبْط: إِبْطُ الرجُلِ والدوابِ، قال ابن سِيدَه: هو باطن المَنْكِب، وقيل: باطن الجَناح، كما في الصحاح والمصباح، وتُكسر الباء، لغة، فيلحق بإبلٍ. (تاج العروس ١٩/ ١٢٠).
وتعقَّبه أبو العباس الحَمَويُّ، فقال: ويزعم بعضُ المتأخرين أن كسْر الباءِ لغةٌ، وهو غير ثابتٍ؛ لما يأتي في إبل. (المصباح ١/ ١).
وتبِعَه الصَّفَديُّ قائلًا: يقول بعض المتحذلقين: الإبِط بكسر الباء! والصواب: الإبْط، بسكون الباء. ولم يأتِ في الكلام على فِعِل إلا: إِبِل، وإِطِل حِبِر، وهي صفرة الأسنان، وفي الصفات: امرأةٌ بِلِز: وهي السمينة، وأَتانٌ إِبِد، تَلِدُ كلَّ عام، وقيل: التي أتى عليها الدهرُ. (تصحيح التصحيف ١/ ٧٣).
*التقليم: هو تفعيلٌ من القَلْمِ، وهو: القطع (الفتح ١٠/ ٣٤٤).
*الأظفار: الظُّفْر والظفُر: معروف، وجمعه أظفارٌ وأظفور وأظافيرُ، يكون للإنسان وغيره، وأما قراءة مَن قرأ: (كل ذي ظِفر)، بالكسر، فشاذٌ غيرُ مأْنُوسٍ به؛ إذ لا يُعرَفُ ظِفرٌ بالكسر. وقالوا: الظُّفر لِما لا يَصيد، والمِخْلَب
стр. 4090
لِما يَصيد؛ كلُّه مذكَّرٌ، صرَّح به اللِّحياني، والجمعُ: أظفارٌ، وهو الأُظْفور، وعلى هذا قولُهم: "أظافيرُ" لا على أنه جمعُ أظفارٍ الذي هو جمع ظُفر؛ لأنه ليس كلُّ جمعٍ يُجمع (لسان العرب ٤/ ٥١٧).
وقال الليث: الظُّفر: ظُفر الإصبعِ، وظفر الطائرِ، والجميعُ: الأظفارُ، وجمع الأظفارِ: أظافيرُ؛ لأن أظفارًا بوزن إعصار، تقول: أظافيرُ وأعاصيرُ. قال: وإنْ جاء ذلك في الشِّعر جاز، كقوله: حتى تَغامَزَ رَبّاتُ الأخاديرِ. (تهذيب اللغة ١٤/ ٢٦٨).
* القص: أخْذ الشعر بالمِقَصّ (تهذيب اللغة ٨/ ٢١٠).
* الشارب: المراد به الشعر الذي ينبت أو يسيل على الشفَة العليا من الفم. ويقال له: السَّبَلَة، انظر (العين ٧/ ٢٦٣)، و (لسان العرب ١/ ٤٨٧).
[الفوائد]:
١ - قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وقد سبق بيانُ معنى الفِطرة، وسواء كانت بمعنى الخِلقة، أو الدِّين الإسلام- كما في هذه الآيةِ-، فالأشياء المذكورة في الحديث هي من فطرة الله التي فطر الناسَ عليها. والمقصود أن مخالفتها مخالفةٌ لخِلْقة الإنسانِ التي خلقه الله عليها، فمَن أطال أظفارَه أو ترك شعرَ إبْطِه وعانتِه أو لم يأخذ من شاربه؛ كان شاذًّا في طبْعِه، منكَرًا في تصرُّفِه، يشابه بذلك غيرَ الإنسان ممن لا يستطيعُ تقليمَ أظفارِه أو نتْفَ إبْطِه ...
قال القُرْطبي: "وهذه الخصال مجتمعةٌ في أنها محافظةٌ على حُسْن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصُلُ به البقاءُ على أصل كمالِ الخِلْقة التي خُلِقَ
стр. 4091
الإنسانُ عليها. وبقاءُ هذه الأمورِ وترْكُ إزالتِها؛ يُشَوِّهُ الإنسانَ ويقبحه، بحيث يُستقذَر ويُجتنب، فيخرج عما تقتضيه الفِطرةُ الأُولى، فسُمِّيَت هذه الخصالُ فِطْرةً لهذا المعنى، والله أعلم" (المفهم ١/ ٥١١ - ٥١٢).
٢ - للعلماء في قص الشاربِ وجهان:
الأول: القصُّ، أي تقصيره فقط، بأخْذِ حوافِّه، وبخاصةٍ حافتُه السُّفلى.
وهو مذهب مالكٍ، وقال عن الحَلْق: "مُثْلَة" وقال أيضًا: "يؤدَّب فاعلُه".
الثاني: الحلق، أي حفُّه، وحلْقُه بالكلية.
وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمدَ، ولكلٍّ أدلَّتُه.
* وانتصر الطَّحاوي لمذهب الحنفيَّة؛ بالقياس على الرأس في الحج، فرجَّحَ الحَلْقَ على القص بتفضيله ﷺ الحلقَ على التقصير في النُّسُك.
* ووهَّى ابن التِّينِ الحلقَ؛ بقوله ﷺ : ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ)).
وكلاهما احتجاجٌ بالخبر في غير ما ورد فيه، ولا سيما الثاني (فتح الباري ١٠/ ٣٤٧).
* وانتصر ابن عبد البر لمذهب مالك، فقال: "في هذا البابِ أصلانِ:
أحدهما: ((أَحْفُوا الشَّوَارِبَ))، وهو لفظٌ مجمَلٌ محتمِلٌ للتأويل.
والثاني: ((قَصُّ الشَّارِبِ))، وهو مفسَّرٌ، والمفسّر يقضي على المجمل، مع ما رُوِيَ فيه أن إبراهيم أوَّلُ مَن قصَّ شاربه. وقال رسول الله ﷺ : ((قَصُّ الشَّارِبِ مِنَ الْفِطْرَةِ)) يعني: فطرةَ الإسلام، وهو عمَلُ أهلِ المدينة، وهو أوْلَى ما قيل به في هذا الباب" (التمهيد ٢١/ ٦٦).
وذهب الطبريُّ إلى التخيير في ذلك، فقال: "دَلَّتِ السُّنَّةُ على الأمرين،
стр. 4092
ولا تعارضَ؛ فإن القص يَدُلُّ على أخذ البعض، والإحفاء يدل على أخذ الكل، وكلاهما ثابت، فيَتخير فيما شاء" (فتح الباري ١٠/ ٣٤٧).
ورُوِيَ التخييرُ في ذلك أيضًا عن أحمدَ وغيرِه، انظر (تحفة الأحوذي ٨/ ٣٥).
[التخريج]:
[خ ٥٨٨٩ "والرواية الأولى له ولمسلم"، ٥٨٩١ "واللفظ له"، ٦٢٩٧ / م (٢٥٧/ ٤٩)، (٢٥٧/ ٥٠) "والرواية الثانية له" / د ٤١٤٩ / ت ٢٧٥٦ / ن ٩ - ١٠، ٥٢٦٩/ كن ١١، (تحفة ١٣١٢٦) / جه ٢٩٣ / حم ٧١٣٩، ٧٢٦١، ٧٨١٣، ٩٣٢١، ١٠٣٣٨ / حب ٥٥١٤ - ٥٥١٧/ عه ٥٤٢، ٥٤٣ / عب ٢١١٦٣/ ش ٢٠٥٩، ٢٦٩٩٩ / شد ١٨٧ / عل ٥٨٧٢، ٦٥٩٥ / بز ٧٦٧٧، ٨٤٦٧ / حمد ٩٦٥ / طش ٢٩٠٥ / طح (٤/ ٢٢٩) ٦٥٥٣ / مشكل ٦٨٣ / بخ ١٢٩٢ / هق ٦٩٤، ٦٠٣٠، ١٧٦١٩/ هقغ ٨٦، ٨٧، ٣٤٦٤ / هقع ١٢٧٨ / شعب ٢٥٠٣، ٢٥٠٤، ٦٠٢٢، ٨٢٦٩ / هقد ٦٩٣ / غبز ٧٩، ٨٠ / بشن ٤٤٥ / عُيَيْنة ١١ / تمام ٢٦٥ / عيبة (ص ٣٢٥ - ٣٢٦) / جهلي (ق ٣٧ / أ) / مقرئ (الفوائد ١٢٤) / شيو ٥٣ / عيال ٥٧٧ / مهتد (الأول ق ١٨٤ / أ) / صالح ١٦٤٣/ تحقيق ١٨٧٠ / عساكر (اختتان ١ - ٣) / كر (١٤/ ٩٨ - ٩٩) / معكر ٤١٨، ٦٣٤، ١٦١٣ / تمهيد (٢١/ ٥٦ - ٥٧) / بغ ٣١٩٥ / مسن ٥٩٧، ٥٩٨ / منذ ١٤٣ / قناع ١٢٩ / محلى (٢/ ٢١٩) / ذهبي (٢/ ٣٤٢) / خلا (ترجل ١٧٥) / مخرزي ٥٦ / إمام (١/ ٤٠٠ - ٤٠١)].
[السند]:
أخرجه البخاري (٥٨٩١) قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا إبراهيم بن
стр. 4093
سعد، حدثنا ابن شِهاب، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ... فذكره.
وأخرجه البخاري (٦٢٩٧) قال: حدثنا يحيى بن قَزَعَةَ، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ به.
وأخرجه البخاري (٥٨٨٩) قال: حدثنا عليٌّ، حدثنا سُفْيان، قال: الزُّهْري حدثَنا، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، روايةً: ((الفِطْرَةُ خَمْسٌ، - أَوْ: خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ-: ... )) الحديثَ.
سفيان هو ابن عُيَيْنة؛ الإمام المشهور، وعليٌّ هو ابن المَدِيني؛ الإمام العلَم.
وأخرجه مسلم (٢٥٧)، قال: حدثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبة، وعمرٌو الناقد، وزُهَير بن حرْب، جميعًا عن سفيان- قال أبو بكر: حدثنا ابن عُيَيْنة-، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ به. بالشكِّ أيضًا.
قلنا: والشكُّ فيه من ابن عُيَيْنة، كذا رواه عنه غيرُ واحد، وقد رواه أصحاب الزُّهْري عنه بأحد اللفظين من غير شك.
وقوله في رواية البخاري: "روايةً"، قال الحافظ: "هي كنايةٌ عن قول الراوي: (قال رسول الله ﷺ أو نحوها. وقد وقع في رواية مُسَدَّد: (يَبْلُغُ به النبيَّ ﷺ ، وفي رواية أبي بكر بن أبي شَيْبة: (قال رسول الله ﷺ . وبيَّنَ أحمدُ في روايته أن سفيان كان تارةً يُكَنِّي وتارة يصرِّح، وقد تقرر في علوم الحديث أن قول الراوي: (روايةً) أو: (يرويه) أو: (يَبْلُغُ به) ونحو ذلك،
стр. 4094
محمولٌ على الرفع، وسيأتي في الباب الذي يليه من طريق إبراهيم بن سعد عن الزُّهْري بلفظ: (سمعت رسولَ الله ﷺ " (فتح الباري ١٠/ ٣٣٦).
رِوَايَة: (وَنَتْفُ الضَّبْعِ):
• وَفِي رِوَايَةٍ، بِلَفْظِ: ((وَنَتْفُ الضَّبْعِ)) بَدَلَ: ((وَنَتْفُ الْإِبْطِ)).
[الحكم]: غير محفوظ بهذا اللفظ، وقال الألباني: شاذٌّ.
[اللغة]:
((الضَّبْع)) - بفتح الضاد المعجمة وسكون الباء-: وسَطُ العَضُد بلحمه، يكون للإنسان وغيره، والجمع: أضْبَاعٌ، مِثل: فَرْخ وأفراخ. وقيل: العَضُدُ كُلُّها. وقيل: الإبْط. وقال الجوهريُّ: يقال للإبْط: الضَّبْعُ؛ للمجاورة. وقيل: ما بين الإبْط إلى نصف العَضُد من أعلاه، تقول: أَخَذَ بضَبْعَيْه: أي بعَضُدَيْه. وفي الحديث: ((أَنَّهُ مَرَّ فِي حَجِّهِ عَلَى امْرَأَةٍ مَعَهَا ابْنٌ صَغِيرٌ، فأَخَذَتْ بِضَبْعَيْهِ، وَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ)) " (لسان العرب ٨/ ٢١٦). وانظر (النهاية ٣/ ٧٣)، و (شرح السُّيوطي لسنن النَّسائي ٨/ ١٢٩).
[التخريج]:
[بخ ١٢٩٣ "واللفظ له" / ن ٥٠٨٧ / كن ٩٤٤١]
[السند]:
قال البخاري في "الأدب المفرد": حدثنا مُسَدَّد، قال: حدثنا يزيد بن
стр. 4095
زُرَيْع، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاقَ، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة، مرفوعًا به.
ورواه النَّسائي: من طريق بِشر بن المُفَضَّل، عن عبد الرحمن بن إسحاق ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجالُ الشيخين، عدا عبدِ الرحمن بن إسحاق- وهو المدني-؛ فمختلَف فيه، ولخَّص الحافظُ حالَه بقوله: "صدوق" (التقريب ٣٨٠٠). لكن قال البخاري: "ليس ممن يُعتمد على حفظه إذا خالف مَن ليس بدونه" (تهذيب الكمال ١٦/ ٥٢٤).
قلنا: وقد خالف عبدُ الرحمن بنُ إسحاقَ جبلَ الحفظِ والإتقانِ الإمامَ مالكًا، في سنده ومتْنِه:
أما السند؛ فخالف مالكًا في موضعين:
الأول: إسقاط أبي سعيد المَقْبُري، والآخَر: رفْع الحديث.
فقد رواه مالك في (الموطأ/ صفة النبي ﷺ ٣): عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا.
وقد أشار النَّسائي لهذه العلةِ بقوله- عَقِبَ روايةِ عبد الرحمن بن إسحاقَ-: "وقَفه مالك"، ثم أسنده موقوفًا من طريق مالك، وسيأتي تخريجُ هذه الرواية قريبًا.
وأما المتن؛ ففي قوله: ((وَنَتْفُ الضَّبْعِ))، وقد رواه مالك بلفظ: ((وَنَتْفُ الْإِبْطِ)).
стр. 4096
ولا يقال: إن الإبْط قد يدخلُ في معاني الضَّبْع، كما أشرنا إلى ذلك في اللغة، فهي مجردُ روايةٍ بالمعنى؛ لأن الضَّبْعَ أعمُّ من الإبْط.
ولهذا قال الألبانيُّ: "شاذٌّ بلفظ: ((الضَّبْع)) "، ثم ذكر سندَه، وقال: "وهذا إسنادٌ جيد، لكن عبد الرحمن بن إسحاقَ- وهو الذي يقال له: عَبَّاد المَدَني- وإن كان صدوقًا ومن رجال مسلم؛ فقد ضعَّفه بعضُهم، وقال البخاريُّ: "ليس ممن يُعتمَدُ على حفظه إذا خالف من ليس بدونه، وإن كان ممن يحتمل في بعض". وهذا من دقيق علم البخاريِّ ونقْدِه ﵀. وإذا عرفْتَ هذا؛ سَهُلَ عليك أن تتبيَّنَ صوابَ حُكْمِنا على هذه اللفظة ((الضَّبْع)) بالشذوذ؛ وذلك لأمرين اثنين:
الأول: أنه خالف جبلَ الحفظ، وهو الإمام مالك، فقد رواه في "الموطأ" إلا أنه قال: ((وَنَتْفُ الْإِبْطِ))، وهو المحفوظ، ويؤيِّدُه:
الثاني: أن الحديث رواه الإمام الزُّهْري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة ... مرفوعًا باللفظ المحفوظ، وسائرُه مِثلُه. أخرجه الشيخان وغيرُهما" (السلسلة الضعيفة ٦٣٥٠). ولم يتعرَّضْ ﵀ للمخالفة في السند.
стр. 4097
رِوَايَة: (وَحَلْقُ الشَّارِبِ)
• وَفِي رِوَايَةٍ، بِلَفْظ: ((وحَلْقُ الشَّارِبِ)) (١)
بَدَلَ: ((وَقَصُّ الشَّارِبِ)).
[الحكم]: شاذٌّ بهذا اللفظ، قاله العراقيُّ والألباني. وأشار إلى شذوذِه الحافظُ ابنُ حجر.
[التخريج]:
[ن ١١ / كن ٩]
[السند]:
قال النَّسائي: أخبرنا محمد بن عبد الله بن يَزيدَ المقرئ المكِّي، قال: حدثنا سفيان، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، به مرفوعًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه كلهم ثقاتٌ رجالُ الصحيحين غيرَ محمد بنِ عبد الله المقرئ، وهو ثقةٌ أيضًا كما في (التقريب ٦٠٥٤)؛ ولذا صحَّح ابنُ القطان هذا الإسنادَ في (الوهم والإيهام ٥/ ٥٩٩).
ولكنْ خالفَ الثِّقاتُ الحُفَّاظُ- من أصحاب ابن عُيَيْنة- محمدَ بنَ
стр. 4098
عبد الله المقرئَ، في لفظه؛ فقد رواه:
١ - الإمام أحمدُ، كما في (المسند ٧٢٦١)
٢ - وابنُ أبي شَيْبة، كما في (المصنف ٢٠٥٩)
٣ - والحُمَيديُّ، كما في (مسنده ٩٣٦)
٤ - وعليُّ بن المَدِيني، كما في (صحيح البخاري ٥٨٨٩)
٥ - وزُهَيْر بن حرْب، كما في (صحيح مسلم ٢٥٧)
٦ - وعمرٌو الناقدُ، كما في (صحيح مسلم ٢٥٧)
٧ - ومُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ، كما في (سنن أبي داود ٤١٤٩)
٨ - وإسحاقُ بن راهويه، كما في (صحيح ابن حِبَّان ٥٥١٦)
وغيرُهم: عن سفيان بن عُيَيْنة، عن الزُّهْري، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة به، بلفظ: "وَقَصُّ الشَّارِبِ".
وكذا رواه الثقاتُ الحفاظُ من أصحاب الزُّهْري، بهذا اللفظ، منهم:
١ - إبراهيم بن سعد، كما في (صحيح البخاري ٥٨٩١)
٢ - يونس بن يزيد، كما في (صحيح مسلم ٢٥٧)
٣ - مَعْمَر بن راشد، كما في (مسند أحمد ٧١٣٩)
وعليه؛ فروايةُ (حَلْق الشَّارِبِ) شاذَّةٌ لا تصحُّ؛ لمخالفة المقرئ لرواية الجماعة عن ابن عُيَيْنة، وكذا روايةِ الجماعة عن الزُّهْري.
ولذا قال العِراقي: "وقول الجماعة- يعني عن سفيان- هو الصوابُ؛ لحفْظِهم وإتقانِهم، وروايةُ النَّسائي المسؤولُ عنها شاذَّةُ اللفظِ؛ لمخالفتها
стр. 4099
لرواية الثقات" (مسألة في قص الشارب ص ٢٥).
وقد أشار الحافظُ إلى شذوذها، فقال: "وأما القصُّ فهو الذي في أكثر الأحاديث كما هنا، وفي حديث عائشةَ وحديثِ أنسٍ كذلك، كلاهما عند مسلم، وكذا حديث حَنظَلةَ عن ابن عُمر في أول الباب. وورد الخبر بلفظ (الحَلْق) وهي رواية النَّسائي عن محمد بن عبد الله بن يَزيدَ، عن سفيان بن عُيَيْنة، بسند هذا الباب، ورواه جمهور أصحاب ابن عُيَيْنة بلفظ القصِّ، وكذا سائرُ الروايات عن شيخه الزُّهْري" (الفتح ١٠/ ٣٤٦).
وجزم الألبانيُّ بشذوذها، فقال: "القول في هذا اللفظِ من حيث كونُه شاذًّا، كالقول في اللفظ الذي قبْلَه؛ وذلك أن محمد بنَ عبد الله المقرئ ثقةٌ، إلا أنه قد خالف الحفاظَ الثقاتِ ... الأمر الذي لا يدَعُ شكًّا في شذوذ لفظِ المقرئِ الذي تفرَّدَ به، فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك أنَّ جمْعًا آخرَ من الحفاظ قد تابعوا سفيانَ بن عُيَيْنة على هذا اللفظِ عند الشيخين وغيرهما؟ فثبت يقينًا خطأُ اللفظِ الذي قبلَه" (السلسلة الضعيفة تحت حديث رقم ٦٣٥٠).
стр. 4100
رواية (السواك) بدل ((قص الشارب))
• وَفِي رِوَايَةٍ، قال: ((وَالسِّوَاكُ)) (١) بدلَ: ((قَصّ الشَّارِبِ)).
[الحكم]: منكر بذِكر السواك.
[التخريج]:
[طي ٢٤١٤ / طس ٣٥٥]
[التحقيق]:
له طريقانِ عن أبي هريرة بهذا اللفظِ:
الأول:
أخرجه الطيالسيُّ في "مسنده" قال: حدثنا زَمْعَةُ، عن الزُّهْري، عن سعيد، عن أبي هريرة، به مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف؛ زَمْعة- وهو ابن صالح- "ضعيف" كما في (التقريب ٢٠٣٥).
وقال النَّسائي: "كثير الغلطِ عن الزُّهْري"، وقال أبو زُرعة: "حديثُه عن الزهري كأنه يقول مناكير" (التهذيب ٣/ ٣٣٨).
وقد تفرَّد عن الزُّهْري بذِكر السِّواك، وخالف الثقاتِ من أصحاب