[التحقيق]:
هذا إسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات. وأما عنعنة الأعمش فمحمولة على السماع؛ فممن رواه عنه شعبة بن الحجاج، وقد كفانا تدليسه.
وقد صحَّحه ابن رجب، فقال: «وقد صحَّ عن ابن عباس ... وذكره» (فتح الباري ١/ ٢٨٣).
[تنبيه]:
وقع في طبعات مصنف عبد الرزاق (الثلاث): (عن الأعمش عن ابن عمر قال سُئل ابن عباس)
وقال محقق (طبعة المكتب الإسلامي ١١٤٤): «كذا في الأصل، والصواب (ابن عبيد) وهو يحيى بن عبيد».
قلنا: وهو كما قال، وهذا إِنْ لم يكن خطأ من النساخ، فهو من يحيى بن العلاء روايه عن الأعمش، فإنه متهم بالوضع. والله أعلم.
стр. 422
٣٣ - حَدِيثُ آخر عن ابْنِ عَبَّاسٍ موقوفًا:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «[أَرْبَعٌ] لا يُجْنِبْـ[ـنَ] (لا تنْجُسْ): الْمَاءُ، وَلا الثَّوْبُ، وَلَا الأَرْضُ، وَلَا الإِنْسَانُ».
[الحكم]: موقوف صحيح، وصحَّحه ابن حزم.
[الفوائد]:
قال إسحاق بن راهويه: «إنما معنى قول ابن عباس: (ليس على الثوب جنابة) يقول: ما أصابه من الأقذار فلا يجب عليه الغسل؛ لأنَّ غسل الثياب ليس بفرض في القرآن، وكذلك يرى أصحابه عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وفي قولهم بيان تفسير ابن عباس ﵄.
وأما قوله: (ليس على الأرض جنابة) يقول هي: محتملة للأقذار إذا يبست حتى يذهب أثرها.
وأما أمر الماء حيث قال: (لا يجنب) فهو بين به يقول الماء يطهر ولا يطهر.
وأما قوله: (لا يجنب الإنسان) فيقول: إذا أصابته الجنابة فله أن يتمسح به أو يأخذ بيده أو يصافحه، أو أدخلت يدك في إناء أو انصب عليك ماء فأصاب ثوبك منه وما أشبه ذلك» (مسائل أحمد وإسحاق للكوسج ٢/ ٣١٨ - ٣٢١).
وقال البغوي: «يريد: الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب، ولا الثوب إذا لبسه الجنب، ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب، ولا الماء ينجس إذا غمس الجنب فيه يده» (شرح السنة ٢/ ٣١).
стр. 423
[التخريج]:
[ش ١٨٣٨ واللفظ له/ تطبر (مسند ابن عباس ١٠٤٣، ١٠٤٤) / قط ٤٠١/ هق ١٢٧٩ والرواية له، ١٢٨٠/ هقع ١٩٢٥، ١٩٢٦/ شيباني ٢٥].
[السند]:
قال (ابن أبي شيبة): حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، قال: سمعت عامرًا يذكر، عن ابن عباس، به.
ورواه البيهقي من طريق سفيان، عن زكريا، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات، رجال الشيخين.
وصحَّحه ابن حزم في (المحلى ١/ ١٣٦)، و (١/ ١٩٠).
وقال الألباني عن سند الدارقطني: «رجاله ثقات، غير أنَّ زكريا كان يُدلس» (الضعيفة ١٤/ ٢٠٩).
قلنا: ولكنه صرَّح بالسماع عند ابن أبي شيبة فزالت شبهة تدليسه.
* * *
стр. 424
٣٤ - حَدِيثُ عَائِشَةَ مَوقوفًا:
◼ عَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَتْ: «إِنَّ الْمَاءَ [طَهُورٌ] لَا يُجَنِّبُهُ (لَا يُنَجِّسُهُ) شَيْءٌ، قَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ».
[الحكم]: صحيح، وصححه ابن خزيمة، والنووي، وابن رجب، وابن حجر، والألباني.
[التخريج]:
[حم ٢٥٣٨٩ واللفظ له/ خز ٢٥١ والزيادة له/ حق ١٣٨٣ والرواية له، ١٥٧٢/ بقي (رجب ١/ ٢٨٣) / جعد ١٥١٥/ سرج ١٤٣٤/ هق ٩٠١، ١٢٨١].
[السند]:
قال (أحمد): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد صحيح؛ رجاله كلُّهم ثقات، رجال الشيخين.
فمعاذة هي بنت عبد الله العدوية: «ثقة، احتجَّ بها الشيخان» (التقريب ٨٦٨٤).
ويزيد هو ابن أبي يزيد المعروف بالرشك، قال الحافظ: «ثقة عابد، وهم من لينه» (التقريب ٧٧٩٣).
ولذا صحَّحه ابن خزيمة في صحيحه، وابن رجب في (فتح الباري ١/
стр. 425
٢٨٣)، وابن حجر في (التلخيص الحبير ١/ ١٣٠).
وقال الهيثمي: «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح» (مجمع الزوائد ١٠٦٧).
وقال الألباني: «وإسناده صحيح على شرط الشيخين. والحديث صحَّحه النووي أيضًا» (صحيح أبي داود ١/ ١٢٠).
* * *
стр. 426
٣ - بابُ مِقْدَارِ ما يَنْجُسُ مِنَ الْمَاءِ .
٣٥ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ مِنَ الْأَرْضِ (الْحِيَاضِ الَّتِي بِالْبَادِيَةِ)، وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ الْمَاءُ [قَدْرَ] قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ».
[الحكم]: مختلف فيه: فصحَّحه أكثر أهل العلم؛ قال ابن معين، والمنذري: «إسناده جيد». وصحَّحه الطبري، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، والخطابي، وابن منده، والحاكم، والبيهقي، وابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي، وابن الجوزي، وابن دقيق العيد، والنووي، وابن الأثير، وابن سيد الناس، والعلائي، ومغلطاي، وتاج الدين السبكي، وابن الملقن، والعراقي، وابن حجر، والسيوطي، والقسطلاني، والمعلمي اليماني، وأحمد شاكر، والمباركفوري، والألباني.
وحسَّنه الجورقاني (١). وقال ابن الصلاح: «حسن ثابت».
واحتجَّ به: الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
стр. 427
بينما ضعَّفه ابن المبارك - وتبعه ابن المنذر -، وإسماعيل القاضي، وأبو بكر الجصاص، وأبو بكر الأبهري المالكي، وابن عبد البر، وابن العربي، وأبو عبد الله القرطبي، والدبوسي، وعمر بن بدر الموصلي، والفيروزآبادي، والعيني.
وحُكِيَ تضعيفه أيضًا: عن علي بن المديني، وأبي داود السجستاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
والراجح - لدينا -: أنه صحيح، وما أُعِلَّ به غير قادح، كما سنبينه إِنْ شاء الله تعالى.
[الفوائد]:
قال الترمذي بإثره: «قال محمد بن إسحاق: القُلَّة هي الجرار، والقُلَّة التي يستقى فيها. وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ما لم يتغير ريحه أو طعمه، وقالوا: يكون نحوًا من خمس قرب».
قال البغوي: «في هذا الحديث بيان أنَّ الماء إذا بلغ قلتين، ووقعت فيه نجاسة لم تغيره، أنه لا ينجس.
وقوله: «ليس يحمل الخبث» أي: يدفع عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحتمل الضيم، أي: يأباه ويدفعه عن نفسه» (شرح السنة ٢/ ٥٨).
قلنا: ظاهر هذا الحديث يخالف حديثَ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» السابق.
وأجاب عن ذلك ابن قتيبة؛ فقال: «إنما قال رسول الله ﷺ : «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» على الأغلب والأكثر؛ لأنَّ الأغلب على الآبار والغدران أن يكثر ماؤها، فأخرج الكلام مخرج الخصوص. وهذا كما يقول: (السَّيْلُ لَا
стр. 428
يَرُدُّهُ شَيْءٌ)، ومنه ما يرُدُّه الجِدَار، وإنما يريد الكثير منه لا القليل. وكما يقول: (النَّارُ لَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ)، ولا يريد بذلك نار المصباح الذي يطفئه النفخ ولا الشرارة، وإنما يريد نار الحريق. ثم بين لنا بعد هذا بالقلتين، مقدار ما تقوى عليه النجاسة من الماء الكثير، الذي لا ينجسه شيء» (تأويل مختلف الحديث ص ٤٧٠).
وقال ابن حبان: «قوله ﷺ : «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». لفظة أطلقت على العموم تستعمل في بعض الأحوال، وهو المياه الكثيرة التي لا تحتمل النجاسة، فتطهر فيها، وتخصُّ هذه اللفظة التي أطلقت على العموم وُرُود سنةٍ؛ وهو قوله ﷺ : «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ»، ويخصُّ هذين الخبرين الإجماعُ على أنَّ الماء قليلًا كان أو كثيرًا فغيّر طعمه أو لونه أو ريحه نجاسة وقعت فيه - أنَّ ذلك الماء نجس بهذا الإجماع الذي يخصُّ عموم تلك اللفظة المطلقة التي ذكرناها» (الصحيح ٢/ ٣٥٢).
[التخريج]:
[د ٦٢، ٦٣/ ت ٦٨ واللفظ له/ ن ٥٢، ٣٣٢/ كن ٥٩/ حم ٤٦٠٥ والزيادة له ولغيره، ٤٩٦١/ مي ٧٥٠/ خز ٩٨/ ك ٤٦٤ - ٤٦٧/ عل ٥٥٩٠/ ش ١٥٣٣، ١٥٣٤، ٣٧٢٤٧/ جا ٤٣، ٤٤/ شف ٤/ أم ٥/ خشف ٩٠/ حميد ٨١٧/ طح (١/ ١٥) / مشكل ٢٦٤٤ - ٢٦٤٦ والرواية له ولغيره/ قط ١ - ٤، ٧ - ١٩/ هق ١٢٤٥ - ١٢٥٥/ هقغ ١٩٨، ١٩٩/ هقع ١٨٥٠، ١٨٥٤، ١٨٥٥، ١٨٦١، ١٨٦٧، ١٨٦٩، ١٨٧٠/ هقخ ٩٣٥، ٩٤٦/ ثحب (٨/ ٤٧٦ - ٤٧٧) / معر ٦٥، ١٤٠٨، ١٤٠٩/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٠٧ - ١١١١) / طوسي ٥٦/ سمويه ٢١/ بغ ٢٨٢/ بغت (٦/ ٨٨) / طيل ٣٢١/ تحقيق ٦، ٧/ كتاب
стр. 429
إسماعيل بن سعيد الكسائي (١) (هقع ١٨٦٧)].
[التحقيق]: انظر الكلام عليه فيما يأتي.
• وفي رِوايةٍ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ (لَم يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ)».
[الحكم]: صحيح، وصحَّح هذا الرواية ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي - وأقرَّه النووي -، والألباني. وقال ابن معين: «إسناده جيد».
[التخريج]:
[د ٦٤ واللفظ له/ جه ٥٢١ والرواية له ولغيره، ٥٢٢/ حم ٤٨٠٣/ مي ٧٤٩/ خز ٩٨/ حب ١٢٤٤، ١٢٤٨/ ك ٤٦٣/ هق ١٢٥٦، ١٢٥٨/ هقع ١٨٧٦، ١٨٨٠، ١٨٨٢، ١٨٨٥/ هقخ ٩٤٩، ٩٥١/ قط ١، ٥ - ٦، ٢٦ - ٢٩/ منذ ١٨٧/ تطبر (مسند ابن عباس ١١٠٦، ١١١٥) / سمويه ٢٢، ٢٣/ تحقيق ٨/ مزني ١٥/ مخلص ٢٢٢٢/ نظام ٧].
[التحقيق]: انظر الكلام عليه فيما يأتي.
стр. 430
• وفي رِوايةٍ - في أوله قصة -: عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنٍ لِابْنِ عُمَرَ فِي الْبُسْتَانِ (بُسْتَانٍ لَنَا أَوْ لِعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) [فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَقَامَ عُبَيْدُ اللهِ إِلَى مَقْرَى الْبُسْتَانِ]، وَثَمَّ جِلْدُ بَعِيرٍ [مَيِّتٍ] فِي الْمَاءِ، فـ[أَخَذَ يَـ]ـتَوَضَّأُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟ (أَتَتَوَضَّأُ مِنْ هَذَا؟ ) [وَفِيهِ هَذَا الْجِلْدُ]، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ (فَإِنَّهُ لا يَنْجُسُ)».
[الحكم]: صحيح.
[التخريج]:
[طي ٢٠٦٦ واللفظ له/ قط ٢٥ والزيادة الثانية له ولغيره/ جا ٤٥ والروايات والزيادة الأولى والثالثة له ولغيره/ طح (١/ ١٦) / هقخ ٩٤٨ / هقغ ٢٠٠].
[التحقيق]:
هذا الحديث يرويه ابن إسحاق، والوليد بن كثير، وعاصم بن المنذر، وليث بن أبي سليم:
أولًا: طريق ابن إسحاق:
رواه (أبو داود ٦٣): عن أبي سلمة التبوذكي، عن حماد بن سلمة، وعن أبي كامل، عن يزيد بن زُرَيْعٍ.
ورواه (الترمذي ٦٨): عن هناد، عن عَبْدَةَ.
ثلاثتهم: (حماد، ويزيد، وعَبْدَة) عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن
стр. 431
جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر به فذكره بلفظ الرواية الأولى.
ورواه (ابن ماجه ٥٢١): عن أبي بكر بن خلَّاد الباهلي حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن إسحاق به فذكره بلفظ الرواية الثانية.
وهذا إسناد حسن؛ رجاله ثقات غير ابن إسحاق فهو صدوق يدلس، وقد صرَّح بالتحديث عند الطبري في (تهذيب الآثار ١١١١) وغيره، فأمِنَّا من شبهة تدليسه.
وهذا الوجه عن ابن إسحاق هو الصحيح المحفوظ عنه، وقد رواه المغيرة بن سقلاب وابن عياش وعبد الوهاب بن عطاء، عن ابن إسحاق، وأخطئوا فيه:
فأما رواية المغيرة وابن عياش فسيأتي الكلام عليهما في محله.
وأما رواية عبد الوهاب:
فأخرجها ابن حبان في (الثقات ٨/ ٤٧٦ - ٤٧٧)، والدارقطني في (السنن ١/ ١٩) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن إسحاق، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه، به.
كذا قال عبد الوهاب، وهو وهم كما نصَّ عليه الدارقطني في (العلل ٦/ ٣٧٣).
وقال ابن حبان: «وهذا خطأ فاحش، إنما هو محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه» (الثقات ٨/ ٤٧٧).
стр. 432
ثانيًا: طريق الوليد بن كثير، وقد اختلف عليه على وجوه:
فرواه جماعة، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به. منهم:
١ - أبو بكر بن أبي شيبة، كما في (المصنف ١٥٣٤).
٢ - وعبد بن حميد، كما في (المنتخب ٨١٧).
٣ - وأبو كريب محمد بن العلاء، كما عند أبي داود (٦٢).
٤، ٥ - وهناد بن السري، والحسين بن حريث، كما عند النسائي في (الصغرى ٥٢) و (الكبرى ٥٩).
٦ - وإسحاق بن راهويه، كما عند الحاكم في (المستدرك ٤٦٣).
٧ - والحسن بن علي بن عفان، كما عند ابن الأعرابي في (المعجم ٢/ ٦٩٥) والحاكم (٤٥٨).
٨، ٩ - ومحمد بن سليمان القيراطي، وعبد الله بن محمد بن شاكر، كما عند ابن الجارود في (المنتقى ٤٤).
١٠ - وأبو عبيدة بن أبي السفر، كما عند الدارقطني في (السنن ١).
١١ - وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، كما عند البيهقي في (السنن الكبرى ١٢٥٢)، و (الصغرى ١٩٨)، و (المعرفة ١٨٥٤).
وغيرهم كثير، وخالفهم جماعة فرووه، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، منهم:
١ - أبو بكر بن أبي شيبة، كما في (المصنف: ط دار الفاروق ٣٧١٠٨،
стр. 433
وط كنوز إشبيليا ٣٨٨٤٦، وط الحوت ٣٦٠٩٤) (١)، وكذا رواه عنه ابن سمويه في (الفوائد ٥٤).
٢ - ويحيى بن حسان، كما في (سنن الدارمي ٧٢٣).
٣ - والحسين بن حريث، كما عند النسائي في (الصغرى ٣٣٢).
٤ - وحاجب بن سليمان، كما في (الزيادات على كتاب المزني للنيسابوري ١٥).
٥ - وحوثرة بن محمد البصري، كما عند ابن خزيمة في (صحيحه ٩٨).
ورواه جماعة، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، منهم:
١، ٢ - عثمان بن أبي شيبة، والحسن بن علي بن عفان، كما عند (أبي داود ٦٢).
٣، ٤، ٥ - وحجَّاج بن حمزة، ومحمد بن عثمان الوراق، ومحمد بن سعيد القطان، كما عند ابن الجارود في (المنتقى ٤٣).
٦، ٧، ٨، ٩ - والحميدي، ويعيش بن الجهم، وأحمد بن زكريا، وشعيب بن أيوب، كما عند الدارقطني في (السنن ١/ ٩ - ١٠).
١٠ - وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، كما عند الدارقطني في (السنن
стр. 434
٩)، والبيهقي في (السنن الكبرى ١٢٥٣)، وفي (المعرفة ١٨٥٥).
وغيرهم كثير، وخالفهم جماعة فرووه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، منهم:
١ - أبو بكر بن أبي شيبة، كما عند ابن حبان في (صحيحه ١٢٤٨) عن الحسن بن سفيان عنه.
٢ - ومحمد بن سعيد بن غالب، كما عند ابن الأعرابي في (المعجم ١/ ٥٦).
حاصل ما سبق: أنه اختلف على أبي أسامة، في شيخ الوليد بن كثير، هل هو محمد بن جعفر بن الزبير أم محمد بن عباد بن جعفر؟
واختلف أيضًا في شيخهما، هل هو عبيد الله بن عبد الله بن عمر أم عبد الله بن عبد الله بن عمر؟
فاختلف أهل العلم في هذا الاختلاف، فمنهم من عدَّه اضطرابًا يُعَلُّ به الحديث، ومنهم من رجَّح، ومنهم من جمع:
فممن رجَّح:
إسحاق ابن راهويه؛ حيث قال: «غلط أبو أسامة في عبد الله بن عبد الله، إنما هو عبيد الله» (معرفة السنن والآثار ٢/ ٨٦). ومال إليه البيهقي في (المعرفة ٢/ ٨٨، ٩٠).
وقال أبو داود السجستاني: «وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن
стр. 435
عباد بن جعفر، [قال أبو داود: وهذا هو الصواب] (١)» (السنن عقب رقم ٦٢).
وخالفه أبو حاتم الرازي، فقال: «محمد بن عباد بن جعفر ثقة، ومحمد بن جعفر بن الزبير ثقة، والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه» (العلل ١/ ٥٤٤/ رقم ٩٦).
ووافق أبا حاتم على هذا الترجيح ابن منده، حيث قال: «واختلف على أبي أسامة، فروى عنه، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، وقال: مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير، - وهو الصواب -؛ لأنَّ عيسى بن يونس، رواه عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنَّ النبي ﷺ » (الإمام لابن دقيق العيد ١/ ٢٠٢).
وهو ظاهر قول الخطابي، حيث قال: «وذكروا أنَّ الرواة قد اضطربوا فيه، فقالوا مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير ومرة عن محمد بن عباد بن جعفر، وهذا اختلاف من قبل أبي أسامة حماد بن أسامة القرشي.
ورواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن محمد بن جعفر بن الزبير، فالخطأ من إحدى روايتيه متروك والصواب معمول به وليس في ذلك ما يوجب توهين الحديث» (معالم السنن ١/ ٣٦).
وقال ابن منده: «واختلف على أبي أسامة، ومحمد بن جعفر هو الصواب» (شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي ٢/ ١٣٩).
стр. 436
وجمع بينهما: الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي، وعبد الحق الإشبيلي، والنووي، والعلائي، وابن الملقن، وغيرهم؛ فقالوا: بصحة الجميع، وأنه لا مانع أن يكون سمعه الوليد بن كثير من محمد بن جعفر، ومن محمد بن عباد، ولا مانع أيضًا أن يكونا قد سمعاه من عبيد الله وعبد الله ابني عبد الله بن عمر.
ثم إنَّ هذا الاختلاف مما لا يضر؛ لأنه أينما دار دار على ثقة، فأربعتهم: ثقات من رجال الشيخين.
والأقرب عندنا أنَّ كلا الطريقين محفوظان، فقد رواه عن أبي أسامة حماد بن أسامة جمع من الثقات الحفاظ وقالوا فيه: «عن الوليد عن محمد بن جعفر»، ورواه عنه جمع من الثقات الحفاظ وقالوا فيه: «عن الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر»، ومن هؤلاء الثقات الحفاظ من رُوِيَ عنه الوجهين؛ كأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، والحسن بن علي بن عفان، وأحمد بن عبد الحميد الحارثي، وغيرهم، قال البيهقي: «وفي كل ذلك دلالة على صحة الروايتين جميعًا» (السنن الكبرى عقب رقم ١٢٤٩).
ومما يقطع أنَّ كلا الوجهين محفوظان:
أنه قد رواه الحاكم - وعنه البيهقي في (السنن) - من طريق شعيب بن أيوب، ثنا أبو أسامة، ثنا الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به.
وكذا رواه الدارقطني في (سننه) من طريق شعيب به، إلَّا أنه ذكر كل طريق على حده.
قال الدارقطني: «فلمَّا اختلف علي أبي أسامة في إسناده أحببنا أن نعلم من
стр. 437
أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر؛ فصحَّ القولان جميعًا عن أبي أسامة. وصحَّ أنَّ الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعًا، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، فكان أبو أسامة مرة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرَّة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر، والله أعلم» (سنن الدارقطني ١/ ١٣)، وبنحوه في (العلل ٦/ ٤٣٥).
وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بجميع رواته ولم يخرجاه، وأظنُّهما - والله أعلم - لم يخرجاه لخلاف فيه على أبي أسامة على الوليد بن كثير». ثم ذكر رواية الوليد عن محمد بن جعفر، وروايته، عن محمد بن عباد، وقال: «هذا خلاف لا يوهن هذا الحديث، فقد احتجَّ الشيخان جميعا بالوليد بن كثير [ومحمد بن جعفر بن الزبير، فأما محمد بن عباد فغير محتجٍّ به] (١)، وإنما قرَنه أبو أسامة إلى
стр. 438
محمد بن جعفر، ثم حدَّث به مرة عن هذا ومرة عن ذاك».
وساق بسنده رواية شعيب بن أيوب، التي قرَن فيها محمد بن جعفر بمحمد بن عباد، ثم قال: «قد صحَّ وثبت بهذه الرواية صحة الحديث وظهر أنَّ أبا أسامة ساق الحديث عن الوليد بن كثير عنهما جميعًا؛ فإنَّ شعيب بن أيوب الصريفيني ثقة مأمون وكذلك الطريق إليه» (المستدرك ١/ ٤٦٣).
قلنا: وكذا الأمر في شيخهما، فالصواب أيضًا أَنَّ كلًّا منهما روى الحديث عن عبيد الله بن عبد الله - المصغر -، وعبد الله بن عبد الله - المكبر - كلاهما عن أبيهما.
قال البيهقي: «فالحديث محفوظ عنهما جميعًا، إلَّا أنَّ غير أبي أسامة يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وكان شيخنا أبو عبد الله الحافظ يقول: الحديث محفوظ عنهما جميعًا، وكلاهما رواه عن أبيه، وإليه ذهب كثير من أهل الرواية، وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ﵀ يقول: غلط أبو أسامة في عبد الله بن عبد الله، إنما هو عبيد الله، واستدل بما رواه عن عيسى بن يونس، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: سُئل النبي ﷺ فذكره» (معرفة السنن والآثار ٢/ ٨٦ - ٨٧).
وقال الخطابي: «وقد تَكلَّم بعض أهل العلم في إسناده من قِبَلِ أنَّ بعضَ رُواته قال: عن عبد الله بن عبد الله، وقال بعضهم: عبيد الله بن عبد الله، وليس هذا باختلاف يوجب توهينه؛ لأنَّ الحديث قد رواه عبيد الله وعبد الله معًا» (معالم السنن ١/ ٣٦).
стр. 439
وقال ابن الأثير: ((فلهذا الاختلاف تركاه؛ لأنَّه على خلاف شرطهما، لا لطعن في متن الحديث، فإنَّه في نفسه حديث مشهور معمول به، ورجاله ثقات معدلون، وليس هذا الاختلاف مما يوهنه؛ لأنه يكون قد رواه عبد الله وعبيد الله أبناء عبد الله بن عمر معًا، ورواه محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر معًا)) (الشافي في شرح مسند الشافعي ١/ ٨٠ - ٨١).
وما ذهبوا إليه هو الصواب، خلافًا للحافظ ابن حجر، حيث قال: ((والجواب أنَّ هذا ليس اضطرابًا قادحًا فإنَّه على تقدير أن يكون الجميع محفوظًا انتقال من ثقة إلى ثقة، وعند التحقيق الصواب أنَّه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم)) (التلخيص ١/ ١٧).
وقد تعقبه العلامة أحمد شاكر، فقال: ((وما قاله الحافظ من التحقيق غير جيد، والذي يظهر من تتبع الروايات أن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن محمد بن عباد بن جعفر، وأنَّ كلاهما روياه عن عبد الله وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما)). انظر: (تعليق الشيخ على سنن الترمذي ١/ ٩٩).
قلنا: وهو كما قال الشيخ أحمد شاكر، فقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة - وهو ثقة ثبت حافظ -، ومحمد بن سعيد بن غالب - وهو ثقة -، كلاهما عن أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن عباد عن عبيد الله بن عبد الله، به. وقد سبق ذكر هذا الوجه.
стр. 440
وممن قال بصحة هذه الوجوه جميعًا، غير من ذكرنا:
١ - عبد الحق الإشبيلي في (الأحكام الوسطى ١/ ١٥٤ - ١٥٥) و (الصغرى ١/ ١١٣).
٢ - وابن الجوزي في (التحقيق ١/ ٣٥ - ٣٦).
٣ - والضياء المقدسي، كما في (تصحيح حديث القلتين للعلائي ص ٤٣).
٤ - والنووي في (المجموع ١/ ١١٢ - ١١٤).
٥ - والعلائي في (تصحيح حديث القلتين ص ٤٣).
٦ - وابن الملقن في (البدر المنير ١/ ٤٠٨).
٧ - والمعلمي اليماني في (التنكيل ٢/ ٧٥٨ - ٧٥٩).
وأعله ابن عبد البر وابن العربي وغيرهما بالاضطراب وغيره، وسيأتي الجواب عليهم إن شاء الله.
ثالثًا: طريق عاصم بن المنذر:
رواه الطيالسي في (مسنده ٢٠٦٦) قال: قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، قال: كُنَّا مَعَ ابنٍ لابنِ عُمَرَ فِي البُسْتَانِ، وثَمَّ جِلْدُ بَعِيرٍ فِي المَاءِ، فَتَوضَّأَ مِنْهُ، فَقُلتُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟ ! فقال: حَدَّثَني أَبي، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: ... فذكره بلفظ الرواية الثالثة.
ورواه (أبو داود ٦٤) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: حدثني أبي، ... فذكره بلفظ الرواية الثانية.
ورواه ابن الجارود في (المنتقى ٤٥)، قال: حدثنا محمد بن يحيى،
стр. 441
قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرني عاصم بن المنذر، قال: كُنَّا فِي بُسْتَانٍ لنَا أَوْ لعُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فذكره.
قلنا: وهذا سند جيد، رجاله ثقات رجال مسلم، غير عاصم بن المنذر، فقد روى له أبو داود وابن ماجه، وقال عنه أبو زُرْعَةَ: ((هو صدوق))، وقال أبو حاتم: ((صالح الحديث)) (الجرح والتعديل ٦/ ٣٥٠)، وقال البزار: ((ليس به بأس)) (تهذيب التهذيب ٥/ ٥٧)، وذكره ابن حبان فى (الثقات ٧/ ٢٥٦). وقال ابن حجر: ((صدوق)) (التقريب ٣٠٧٩).
ولذا جوّده ابن معين، كما سيأتي.
وقال البيهقي: ((هذا إسناد صحيح موصول)) (معرفة السنن والآثار ٢/ ٨٩)، وأقرَّه النووي في (المجموع ١/ ١١٢).
وقال الألباني: ((إسناده صحيح)) (صحيح أبي داود ١/ ١٠٨).
وقد أُعلَّ هذا الطريق بمخالفة حماد بن زيد وابن علية لحماد بن سلمة؛ حيث رواه حماد بن زيد، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه موقوفًا. ذكره الدارقطني في (السنن ١/ ١٩) وغيره معلقًا.
وقيل: عن حماد بن زيد، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله، عن النبي ﷺ مرسلًا. ذكره العلائي في (جزء في حديث القلتين ص ٤٨).
ورواه إسماعيل بن علية - كما في (مصنف ابن أبي شيبة ١٥٣٧)، و (تهذيب الآثار للطبري (مسند ابن عباس) ١١٠٤) - عن عاصم بن المنذر،
стр. 442
عن رجل - لم يسمه -، عن ابن عمر موقوفًا أيضًا.
وقد أشار أبو داود إلى هذه العلة بقوله - بإثر رواية حماد بن سلمة -: ((حماد بن زيد وقفه، عن عاصم)).
وقد ردَّ هذه العلة يحيى بن معين، حيث سُئل عن حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر بن الزبير؟ فقال: ((هذا خير الإسناد، أو قال يحيى: هذا جيد الإسناد)). قيل له: فإنَّ ابن علية، لم يرفعه. قال يحيى: ((وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث جيد الإسناد، وهو أحسن من حديث الوليد بن كثير)). قال الدوري: ((يعني يحيى: في قصة الماء لا ينجسه شيء)) (تاريخ ابن معين - رواية الدوري ٤/ ٢٤٠/ رقم ٤١٥٢).
وأقرَّ ابنَ معين، ابنُ الملقن في (تحفة المحتاج ١١).
وقد ردَّ العلائي - أيضًا - هذه العلة من وجهين:
الأول: أنَّ حماد بن سلمة ثقة إمام فلا يضره وقف الحديث من حماد بن زيد وابن علية على طريقة الفقهاء والأصوليين إذِ الرفع زيادة من ثقة.
قلنا: وهذا فيه نظر على طريقة جمهور المحدثين، إذْ ليس لديهم قانونًا عامًا لقبول الزيادة أو ردِّها، وإنما لكلِّ زيادة حكم خاص بها بحسب القرائن المحتفة بها، كما هو الحال هنا كما في:
الوجه الثاني: أنَّ الرواية الموقوفة لا تُعِلُّ المرفوعة لكونهما متغايرين في السند، فحماد بن سلمة إنما رواه عن عاصم عن عبيد الله بن عبد الله، أما
стр. 443
حماد بن زيد وابن علية فإنَّما روياه عن عاصم عن أبي بكر بن عبيد الله، فاختلف شيخا عاصم فيه، فكان عنده متصلًا عن عبيد الله، وموقوفًا أو مرسلًا عن أبي بكر بن عبيد الله)). اهـ ملخصًا، من (جزء في تصحيح حديث القلتين ص ٤٩).
رابعًا: طريق الليث بن أبي سليم:
رواه (الدارقطني) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي، نا عبد الله بن الحسين بن جابر، نا محمد بن كثير المصيصين، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر به مرفوعًا.
وهذا إسناد تالف؛ فيه عبد الله بن الحسين بن جابر المصيصي، قال ابن حبان: ((يقلب الأخبار ويسرقها، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد)) (المجروحين ٢/ ١٠)، واعتمّده الذهبي في (الميزان ٤٢٦٩)، وتبعه الحافظ في (اللسان ٤١٩٩).
وقد قلب هذا الإسناد فرفعه، والمحفوظ فيه الوقف، فقد رواه الدارقطني في (السنن ٣٠) من طريق معاوية بن عمرو (وهو ثقة من رجال الشيخين)، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، موقوفًا.
ولذا قال الدارقطني: ((رفعه هذا الشيخ عن محمد بن كثير عن زائدة، ورواه معاوية بن عمرو عن زائدة موقوفًا وهو الصواب)).
وقد توبع زائدة على الوقف، فرواه ابن المنذر في (الأوسط ١٧٧) عن علي بن عبد العزيز، عن أبي نعيم، عن عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، به موقوفًا.
وهذا الموقوف ضعيف أيضًا؛ لضعف ليث بن أبي سليم، وقد خولف في
стр. 444
هذا الحديث، فرواه أبو إسحاق السبيعي وغيره عن مجاهد من قوله، فمثل هذا لا يُعَلُّ به المرفوع، ولو سلَّمنا جدلًا بصحة الموقوف من طريق مجاهد، وكان لا بدَّ من الترجيح بينه وبين المرفوع من طريق عبيد الله، لرجحنا المرفوع؛ لأنَّ عبيد الله أولى في أبيه وأخص به من مجاهد، فكيف وقد تابعه أخوه عبد الله؟ راجع (بذل الإحسان ٢/ ٤٢).
خلاصة ما سبق: أن حديث القلتين ثابت صحيح من ثلاثة طرق عن ابن عمر، وقد احتجَّ به وصحَّحه أئمة الحديث:
فاحتجَّ به أحمد، كما في مسائله (رواية أبي داود ص ٦)، و (رواية صالح بن أحمد ٨٥، ٨٦، ٢٤٩)، و (رواية عبد الله بن أحمد ٨)، وكذا في (سنن الأثرم ٥٢).
وكذا احتجَّ به الشافعي في (اختلاف الحديث ص ٨٥ وما بعدها) وألزم به مخالفه (ص ٨٩).
وكذا إسحاق بن راهويه، كما في (مسائل الكوسج ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٧).
وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما.
والطبري في (تهذيب الآثار / مسند ابن عباس ٢/ ٧٣٦).
والطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ١٦)، ونقل النووي تصحيحَه للحديث في (المجموع ١/ ١١٤)، وابن عبد الهادي في (تنقيح التحقيق ١/ ٢١).
وصحَّحه أيضًا: ابن حزم في (المحلى ١/ ١٥١).
وقال ابن منده: ((فهذا إسناد صحيح، على شرط مسلم في عبيد الله بن
стр. 445
عبد الله، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، والوليد بن كثير)). نقله ابن دقيق العيد في (الإمام ١/ ٢٠٤) ثم قال: ((وكأنَّ أبا عبد الله ابن منده حكم بالصحة على شرط مسلم من جهة الرواة، وأعرض عن جهة الرواية وكثرة الاختلاف فيه والاضطراب، ولعل مسلمًا تركه لذلك)) (الإمام ١/ ٢٠٦).
قلنا: لم يعرض ابن منده عن الاختلاف فيه، بل رجَّح أحد الأوجه، وسبق نقل قوله.
وقال الجورقاني: ((هذا حديث حسن)) (الأباطيل والصحاح ١/ ٥١١).
وقال ابن الصلاح: ((حسن ثابت)) (النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي ١/ ٣٨٥).
وقال المنذري: ((إسناده جيد لا غبار عليه)) (فيض القدير ١/ ٣١٣).
وقال ابن دقيق العيد: ((هذا الحديث قد صحَّحه بعضهم وهو صحيح، على طريقة الفقهاء؛ لأنه وإِنْ كان مضطرب الإسناد مختلفًا في بعض ألفاظه فإنَّه يجاب عنها بجواب صحيح بأن يمكن الجمع بين الرِّوايات، ولكني تركته؛ لأنَّه لم يثبت عندنا بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعًا تعيين مقدار القلتين)) (التلخيص الحبير ١/ ١٣٧). ولذا قال تاج الدين السبكي: ((صحَّح الشيخ تقي الدين حديث القلتين واختار ترك العمل به لا لمعارض أرجح بل لأنَّه لم يثبت عنده بطريق يجب الرجوع إليه شرعًا تعيين لمقدار القلتين)) (طبقات الشافعية ٩/ ٢٤٥).
وقال النووي: ((رواه الثلاثة، وهو صحيح صحَّحه الحفاظ. قال يحيى بن معين: إسناده جيد. وقال الحاكم: صحيح)) (خلاصة الأحكام ١/ ٦٦).
وقال ابن الملقن: ((هذا الحديث صحيح ثابت)) (البدر المنير ١/ ٤٠٤).
стр. 446
ونحوه في (تذكرة المحتاج ١٦).
وقال الحافظ أبو الفضل العراقي في (أماليه): ((قد صحَّح هذا الحديث الجَمُّ الغفير من أئمة الحفاظ: الشافعي، وأبو عبيد، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والدارقطني، وابن منده، والحاكم، والخطابي، والبيهقي، وابن حزم، وآخرون)) (قوت المغتذي على جامع الترمذي ١/ ٧٠).
وقال ابن حجر: ((وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في إسناده لكن رواته ثقات وصحَّحه جماعة من الأئمة)) (فتح الباري ١/ ٣٤٢). وقال أيضًا: ((وقد تقدَّم قول من لا يعتبر إلَّا التغيّر وعدمه وهو قوي لكن الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه)) (الفتح ١/ ٣٤٨).
ورمز لصحته السيوطي في (الجامع الصغير ٥١٢).
وصحَّحه القسطلاني في (إرشاد الساري ١/ ٣٠١).
وقال صاحب عون المعبود: ((حديث القلتين صحيح ثابت، عن رسول الله ﷺ ومعمول به)) (عون المعبود ١/ ٧٤).
وقال الشيخ أحمد شاكر: ((لم يتكلم الترمذي على هذا الحديث، وإنما ذكر أقوال العلماء الذين أخذوا به، وهذا يشير إلى صحته عندهم وعنده. وهو حديث صحيح، أطال العلماء القول في تعليله، لاختلاف طرقه ورُواته، وليس الاختلاف فيه مما يؤثر في صحته)). اهـ انظر تعليق الشيخ على (سنن الترمذي ١/ ٩٨).
وقال المباركفوري: ((والحاصل أن حديث الباب صحيح قابل للاحتجاج وكل ما اعتذروا به عن العمل والقول به فهو مدفوع)) (تحفة
стр. 447
الأحوذي ١/ ١٨٤).
وصحَّحه المعلمي اليماني وأجاب عمّا أُعلَّ به وأطال النفس جدًّا، فأحسن وأجاد. انظر: (التنكيل ٢/ ٧٥٤ - ٧٦٩). وسيأتي نتف من كلامه.
وصحَّحه الألباني في (الإرواء ٢٣)، وفي (صحيح أبي داود ١/ ١٠٤) وقال عن سند أبي داود: ((إسناده صحيح على شرط الشيخين)).
ومع هذا ضعفه جماعة من أهل العلم، وأعلَّوه بعدة أمور:
الأول: اضطراب سنده ومتنه:
قال أبو بكر الجصاص: ((هذا حديث لا يجوز إثبات أصل من أصول الشريعة بمثله؛ لضعف سنده واضطراب متنه، واختلاف الرواة في رفعه، ولأنَّ مثله لا يجوز أن يكون وروده مورد البيان في إيجاب الحد الفاصل بين القليل والكثير. فأما ضعف سنده، فلأنه مختلف فيه، يقول بعضهم: محمد بن عباد بن جعفر. وبعضهم يقول: محمد بن جعفر. ثم يقول بعضهم: عبيد الله بن عبد الله، وآخرون يقولون: عبد الله بن عبد الله. وهذا يدل على أن الحديث غير مضبوط الإسناد.
ثم يقفه بعضهم على ابن عمر ﵄، وبعضهم يرفعه إلى النبي ﷺ ) (شرح مختصر الطحاوي ١/ ٢٥٥).
وقال ابن عبد البر: ((وهو حديث يرويه محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير جميعًا عن محمد بن جعفر بن الزبير. وبعض رواة الوليد بن كثير يقول فيه عنه، عن محمد بن عباد بن جعفر.
ولم يختلف عن الوليد بن كثير أنه قال فيه: عن عبد الله بن عبد الله بن
стр. 448
عمر، عن أبيه يرفعه.
ومحمد بن إسحاق يقول فيه: عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
وعاصم أيضًا فالوليد يجعله عن عبد الله بن عبد الله. ومحمد بن إسحاق يجعله عن عبيد الله بن عبد الله.
ورواه عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه فاختلف فيه عليه أيضًا:
فقال حماد بن سلمة: عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
وقال فيه حماد بن زيد: عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر ابن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر.
وقال حماد بن سلمة فيه: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ)). وبعضهم يقول فيه: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ (١) الْخَبَثَ)). وهذا اللفظ محتمل للتأويل.
ومثل هذا الاضطراب في الإسناد يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث إلى أنَّ القلتين غير معروفتين، ومحال أن يتعبد الله عباده بما لا يعرفونه)) (التمهيد ١/ ٣٢٩).
стр. 449
وقال أبو عبد الله القرطبي: ((وقال الشافعي بحديث القلتين، وهو حديث مطعون فيه، اختلف في إسناده ومتنه)) (تفسير القرطبي ١٣/ ٤٢).
وقال ابن العربي: ((وحديث القلتين مداره على مطعون عليه، أو مضطرب في الرواية، أو موقوف. وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو إباضي. واختلفت رواياته فقيل: ((قُلَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا))، رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة. ورُوِيَ: ((أَرْبَعُونَ قُلَّةٍ)). ورُوِيَ: ((أَرْبَعُونَ غَرْبًا))، ووقف على عبد الله بن عمرو، وعلى أبي هريرة. ولقد رام الدارقطني أن يتخلص من رواية هذا الحديث بجريعة الذقن، فاغتص بها، وعلى كثرة طرقه لم يخرجه من شَرَطَ الصحة)) (عارضة الأحوذي ١/ ٨٤).
وقال الزيلعي: ((وقد أجاد الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في كتاب الإمام جمع طرق هذا الحديث ورواياته واختلاف ألفاظه، وأطال في ذلك إطالة تلخص منها تضعيفه له فلذلك أضرب عن ذكره في كتاب الإلمام مع شدة احتياجه إليه)) (نصب الراية ١/ ١٠٥).
وقال بدر الدين العيني: ((وأما حديث القلتين ففيه اضطراب لفظًا ومعنى، أما اضطرابه في اللفظ فمن جهة الإسناد والمتن ... )) وذكر نحوًا مما سبق. (شرح أبي داود ١/ ١٩١)، وبنحوه في (عمدة القاري ٣/ ١٦٨)، و (نخب الأفكار ١/ ٩٩، ١٠٠، ١١٤).
وأجيب على ذلك بأنَّ:
((مثل هذا الاضطراب لا يقدح فيه، إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له من محمد بن عباد ومحمد بن جعفر، كما قال الدارقطني: قد صح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعًا، فحدَّث به أبو أسامة عن الوليد على
стр. 450
الوجهين، وكذلك لا مانع من رواية عبيد الله وعبد الله له جميعًا عن أبيهما، فرواه المحمدان عن هذا تارة، وعن هذا تارة)) (تهذيب سنن أبي داود لابن القيم ١/ ٧٦).
وقال ذهبي العصر المعلمي اليماني: ((فالاضطراب الضَّار أن يكون الحديث حجة على أحد الوجهين مثلًا دون الآخر، ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتدُّ بحيث يدل أنَّ الراوي المضطرب الذي مدار الحديث عليه لم يضبط، وليس الأمر في هذا الحديث كذلك، كما يعلم من مراجعة (سنن الدارقطني)، و (المستدرك)، و (سنن البيهقي))) (التنكيل ٢/ ٧٥٨).
وقد سبق تقرير ذلك، بما لا يدع مجالًا لمزيد من الكلام، وانظر: (النفح الشذي لابن سيد الناس ٢/ ١٣٣ - ١٣٤).
الأمر الثاني: أنَّ رَاويه محمد بن جعفر بن الزبير وعاصم بن المنذر ليسا بحجة فيما انفردا به:
قال ابن عبد البر أيضًا: ((وأما الحديث الذي ذهب إليه الشافعي في هذا الباب - حديث القلتين -؛ فإنه حديث يدور على محمد بن جعفر بن الزبير؛ وهو شيخ ليس بحجة فيما انفرد به، ... وعاصم بن المنذر عندهم: ليّن ليس بحجة)) (التمهيد ٢٤/ ١٨).
وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في (أحكام القرآن): ((هذان شيخان يعني محمد بن جعفر بن الزبير وعاصم بن المنذر لا يحتملان التفرُّد بمثل هذا الحكم الجليل ولا يكونان حجة فيه)) (التمهيد ٢٤/ ١٩). وانظر: (الاستذكار ٢/ ١٠٢).
стр. 451
قلنا: وهذا فيه نظر، فمحمد بن جعفر ومحمد بن عباد ثقتان من رجال الصحيحين، فتفردهما - إِنْ تفردا - حجة، كيف ولم يتفردا به؟ ! .
وعاصم بن المنذر: وثقه أبو زُرْعَة وابن حبان، وقال أبو حاتم: ((صالح الحديث))، وقال البزار: ((ليس به بأس))، انظر (تهذيب التهذيب ٥/ ٥٧). ثم إنه لم يتفرد، به.
الأمر الثالث: أن الوليد بن كثير، ومحمد بن إسحاق متكلم فيهما:
قال أبو بكر الأبهري: ((هو خبر ليس بصحيح عند أكثر أهل النقل، لاسيّما عند علماء أهل المدينة، ... رواه الوليد بن كثير، وهو كثير الغلط، ورواه محمد بن إسحاق وهو ضعيف الحديث؛ تَكلَّم فيه مالك وهشام بن عروة، ويحيى القطان وغيرهم)) (الجامع لمسائل المدونة ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
وتبعه تلميذه أبو الحسن بن القصار المالكي (١) فقال -جوابًا عن العمل بالحديث-: "إنه ليس بثابت عند أهل النقل؛ لأن ابن إسحاق قد رواه، وقد تكلم فيه الأئمة مثل: مالك وهشام بن عروة ويحيى القطان.
وقال غير مالك: إنما يأخذ عنه ما رواه من المغازي دون غيرها، وهو ضعيف عندهم.
وأما الوليد بن كثير فكثير الغلط مضطرب الرواية، طعن عليه أحمد بن حنبل وغيره"، ثم قال: "وجملته أن الوليد مطعون عليه كثير الغلط". (عيون
стр. 452
الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار ٢/ ٨٦٩ - ٨٧٢).
وقال ابن العربي: ((وقال الشافعي بحديث القلتين، ورواه عن الوليد بن كثير؛ حُسْنَ ظَنٍّ بِهِ وَهُوَ مَطْعُونٌ فِيهِ. والحديث ضعيف. وقد رَام الدارقطني - على إمامته - أن يصحَّح حديث القلتين فلم يستطع، واغتص بجريعة الذقن فيها، فلا تعويل عليه، ... وقد فاوضت الطوسي الأكبر في هذه المسألة مرارًا، فقال: إنَّ أخلص المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك، فإن الماء طهور ما لم يتغير أحد أوصافه، إذ لا حديث في الباب يعول عليه، وإنما المعول على ظاهر القرآن)) (أحكام القرآن ٣/ ٤٣٩).
وقال في عارضته: ((وحسبك أنَّ الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو إباضي)) (عارضة الأحوذي ١/ ٨٤).
وقال القدوري الحنفي: ((هذا الخبر مداره على الوليد بن كثير ... وقد ضعَّفه الساجي)) (التجريد ١/ ٢٩٩).
قلنا: والجواب على هذا: بأنَّ مجرد تلبس الراوي برأي من آراء أهل البدع لا يخرجه عن حيّز القبول والاحتجاج بخبره، إذا كان صدوقًا ضابطًا لحديثه، وهذا هو حال الوليد بن كثير، فقد اتفقت كلمة الأئمة النقاد على توثيقه، واتفقا الشيخان على الاحتجاج به في صحيحيهما. وانظر ترجمته في (التهذيب) وأصوله وفروعه.
وفي (تهذيب التهذيب ١١/ ١٤٨): ((قال الساجي: ((صدوق ثبتٌ يحتجُّ به)))). فقول القدوري: ((ضعَّفه الساجي)) وهم، والله أعلم.
وأما ابن إسحاق، فالجمهور على توثيقه، وكلام مالك وغيره فيه، قد أجاب عليه أهل العلم، انظر: (القراءة خلف الإمام للبخاري ص ٣٨ -
стр. 453
٤٠)، و (تهذيب التهذيب ٩/ ٤٠ - ٤٥).
الأمر الرابع: أنَّ الحكم في الحديث علق على مجهول (يعني تقدير القلتين)، ولو علَّق الشرع عليه الحكم، لَعلَّقَه على معلوم؛
قال ابن العربي: ((أَلا ترى أنَّ الشافعي تعلَّقَ بحديث القلتين، وجعله تقديرًا، وخفي عليه أنَّ الحديث ليس بصحيح، بدليل أنَّ الحديث بأنَّ النبي ﷺ علَّق عليه الحكم، وهو مجهول ساقط، إذ لو كان النبي ﷺ علَّق عليه الحكم لعلَّقه على معلوم، كما علم الصاع والوسق، حتى كان الحكم المعلَّق عليه شرعًا، المقدّر به صحيحًا)) (أحكام القرآن ٣/ ٤٤٦).
وأجاب عن ذلك المعلمي اليماني، فقال: ((أقول: قال الله : ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾، ومن المساكين: الصغير والكبير والطويل الجسيم والقصير القضيف، ومن المماليك الصغير والكبير، وقد يقال نحو ذلك في الإطعام والكسوة إذ يصدقان بتمرة تمرة وقلنسوة، وأمثال هذا في النصوص كثير، وفيها ذكر المقادير كالصاع والرطل والمثقال والميل والفرسخ وغير ذلك مما وقع فيه الاشتباه والاختلاف، ولم يقل أحد في شيء من ذلك أنه مجمل، بل منهم من يقول بمقتضى الإطلاق، ومنهم من يذهب إلى الغالب أو الأوسط، ومنهم من يختار الأكمل فيمكن الأخذ بمعنى الإطلاق في القلتين فيؤول ذلك إلى تحقيق المقدار بما يملأ قلتين أصغر ما يكون من القلال ولا يخدش في ذلك أنه قد يكون مقدار قلة كبيرة أو نصفها مثلًا كما قد يأتي نحو ذلك في كسوة المساكين على القول بأنه يكفى ما يسمّى كسوة المساكين. ويمكن الأخذ بالأحوط كما فعل الشافعي وغيره، ولا ريب أن ما بلغ قلتين من أكبر القلال المعهودة حينئذٍ وزاد على ذلك داخل في الحكم
стр. 454
منطوق الحديث حتمًا على كل تقدير، وهو أنه لا ينجس، وأن ما لم يبلغ قلتين من أصغر القلال المعهود حينئذ داخل في الحكم مفهوم الحديث حتمًا، وهو أنه ينجس، فلا يتوهم في الحديث إجمال بالنظر إلى هذين المقدارين وإنما يبقى الشك في ما بينهما فيؤخذ فيه بالاحتياط ...
أما الاختلاف في تفسير القلة بمقتضى اللغة فمن تأمل كلام أهل اللغة وموارد الاستعمال وتفسير المحدثين السابقين ظهر له أن القلة هي الجرة ... )) (التنكيل ٢/ ٧٥٩ - ٧٦١).
الأمر الخامس: أنه معلول بالوقف:
قال ابن العربي في عارضته: ((وحديث القلتين مداره على مطعون عليه، أو مضطرب في الرواية، أو موقوف ... واختلفت رواياته فقيل: ((قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا))، رواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة. وروي: ((أَرْبَعُونَ قُلَّةً)). ورُوِيَ: ((أَرْبَعُونَ غَرْبًا))، ووقف على عبد الله بن عمرو وعلى أبي هريرة)) (عارضة الأحوذي ١/ ٨٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((حديث القلتين فيه كلام قد بسط في غير هذا الموضع؛ وبيّن أنه من كلام ابن عمر لا من كلام النبي ﷺ ) (مجموع الفتاوى ٢١/ ٣٥).
وقد نقل ابن القيم في (تهذيب سنن أبي داود ١/ ٧٨)، وابن أبي العز الحنفي في (التنبيه على مشكلات الهداية ١/ ٣٣٤): عنه وعن الحافظ المزي أنهما رجحا وقفه (١).
стр. 455
قلنا: إنما وقفه مجاهد على ابن عمر، فإذا كان مجاهد قد سمعه منه موقوفًا لم يمنع ذلك سماع عبيد الله وعبد الله له من ابن عمر مرفوعًا.
فإن قلنا: الرفع زيادة، وقد أتى بها ثقة، فلا كلام.
وإن قلنا: هي اختلاف وتعارض، فعبيد الله أولى في أبيه من مجاهد، لملازمته له وعلمه بحديثه، ومتابعة أخيه عبد الله له. انظر: (تهذيب سنن أبي داود لابن القيم ١/ ٧٥ - ٧٦).
وقال ابن سيد الناس: ((وأما تعليل مرفوعه بموقوفه؛ فليس بمستقيم أيضًا من وجهين:
أحدهما: ما يقتضيه النظر من أن الرافع إذا كان ثقة لا يضر الحديث المرفوع عنه تقصير من قصَّر به فلم يرفعه إذ هي زيادة من ثقة فسبيلها أن تقبل ومن رفعه ثقة، فتوجه الحكم لمرفوعه على موقوفه.
الثاني: ما هو قياس في تصرف أئمة هذا الشأن غالبًا من اعتبار الترجيح بالأحفظ والأكثر والحكم للأكثر والأحفظ، على ما هو دونه فيهما أو في أحدهما رفعًا كان أو وقفًا.
وقد تبيّن بما ذكرناه من طرق هذا الحديث أنَّ من رفعه أكثر وأحفظ ممن وقفه بكثير فالحكم على هذا الوجه أيضًا للمرفوع لا للموقوف)) (النفح الشذي ٢/ ١٣٣ - ١٣٤).
стр. 456
الأمر السادس: أن الصحابة والتابعين لم يعملوا به:
قال الدبوسي: ((هو خبرٌ ضعيفٌ ومُعلٌّ بمَن لم يَقْبَلْهُ؛ لأنَّ الصحابة والتابعين لم يعملوا به)).
وتعقبه مغلطاي فقال: ((ولم يصنع شيئًا ﵀ لما أسلفناه من بيان صحته وزوال علته، والله تعالى أعلم)) (شرح ابن ماجه ٢/ ١٤٢).
قلنا: وقد صحَّ عن ابن عمر القول به كما سبق.
وقد أطلق بعضهم ضعفه:
فقال ابن المنذر: ((حديث القلتين يدفعه ابن المبارك، ويقول: ليس بالقوي، ولو ثبت حديث القلتين لوجب أن يكون على قول من يقول بعموم الأخبار على كُلِّ قُلْةٍ صغرت أو كبرت)) (الأوسط ١/ ٣٧٩).
ونقل الكاساني الحنفي، عن علي بن المديني أنه قال: ((لا يثبت هذا الحديث عن النبي ﷺ )، ونقل أيضًا عن أبي داود السجستاني أنه قال: ((لا يكاد يصحُّ لواحد من الفريقين حديث عن النبي ﷺ في تقدير الماء (١))) (بدائع الصنائع ١/ ٧٢). وتبعه على هذا النقل غير واحد من الحنفية، كابن مازة الحنفي في (المحيط البرهاني ١/ ٩٣)، والعيني في (عمدة القاري ٣/ ١٦٩)، وغيرهما.
وقال المرغيناني الحنفي في (الهداية ١/ ٢١): ((ضعَّفه أبو داود)) (٢).
стр. 457
وقال عمر بن بدر الموصلي: ((باب (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا) لم يصحَّ في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء، وفي الصحيحين ضد ذلك)) (المغني عن الحفظ والكتاب ١٧). وتبعه الفيروزآبادي في (رسالة في بيان ما لم يثبت فيه حديث صحيح ١٤).
وقال ابن نجيم الحنفي: ((وقد بالغ الحافظ عالم العرب أبو العباس ابن تيمية في تضعيفه، وقال: يشبه أن يكون الوليد بن كثير غلط في رفع الحديث وعزوه إلى ابن عمر فإنه دائمًا يفتي الناس ويحدثهم عن النبي ﷺ ، والذي رواه معروف عند أهل المدينة وغيرهم لا سيّما عند سالم ابنه ونافع مولاه وهذا لم يروه عنه لا سالم ولا نافع ولا عمل به أحد من علماء المدينة، وذكر عن التابعين ما يخالف هذا الحديث ثم قال: فكيف تكون
стр. 458
هذه سنة رسول الله ﷺ مع عموم البلوى فيها ولا ينقلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان إلَّا رواية مختلفة مضطربة عن ابن عمر لم يعمل بها أحد من أهل المدينة ولا أهل البصرة ولا أهل الشام ولا أهل الكوفة)) (البحر الرائق ١/ ١٥٠).
قلنا: والذي نراه أن الحديث صحيح؛ لصحة أسانيده، وضعف ما أُعِلَّ به، لا جرم قد صحَّحه أكثر أئمة الحديث وجهابذته. والله تعالى أعلم (١).
* * *
رِوَايةُ: لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ:
• وفي رواية: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِالْفَلَاةِ تَرِدُهُ السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ؟ فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ)).
[الحكم]: صحيح المتن، دون قوله: (وَالكِلَابُ) فغريب، كما قال البيهقي، والتبريزي.
[التخريج]:
[سمويه ٢١ واللفظ له/ هق ١٢٥٥/ هقخ ٩٤٧].
[السند]:
قال (سمويه): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه،
стр. 459
به.
ورواه البيهقي في (السنن والخلافيات) من طريق عبيد الله بن محمد بن عائشة، عن حماد بن سلمة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات غير ابن إسحاق فصدوق مدلس، إلَّا أنَّه قد سمعه من ابن جعفر كما سبق بيانه في الروايات السابقة.
ولكن قوله: ((وَالْكِلَابُ)) غير محفوظ في هذا الحديث؛ والمحفوظ: ((الدَّوَابُ والسِّبَاعُ))، ولذا قال البيهقي: ((كذا قال: ((الْكِلَابُ وَالسِّبَاعُ)) وهو غريب)) (السنن ٢/ ٢٨٢).
وكذا استغربه التبريزي في (الأحاديث الضعيفة على الأبواب ٢٦).
قلنا: ووجه غرابته أنه قد رواه عن ابن إسحاق جمع من الثقات الحفاظ - سبق ذكر بعضهم -، وليس في رواياتهم ذكر الكلاب.
وكذلك رواه الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر، به.
وكذلك رواه عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله، فالله أعلى وأعلم.
стр. 460
رِوَايةُ: قُلَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا
• وفي رِوايةٍ: (( ... إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ)).
[الحكم]: صحيح دون قوله: ((أَوْ ثَلَاثًا)) فشاذ، وقال بشذوذها النووي، وابن الملقن - وأقرَّه الشوكاني -، والألباني.
[التخريج]:
[جه ٥٢٣ واللفظ له، (زيادات أبي الحسن القطان عقبه) / حم ٤٧٥٣، ٥٨٥٥/ طهور ١٦٦/ تطبر (مسند ابن عباس ١١١٢، ١١١٣، ١١١٤) / قط ٢٢ - ٢٤/ ك ٤٦٨/ هق ١٢٥٧/ هقع ٣٩٨/ حميد ٨١٨/ تحقيق ٨، ٩/ جص (١/ ٢٥٥)].
[السند]:
رواه (ابن ماجه) قال: حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، به.
ورواه (أحمد) عن وكيع، به.
ورواه (عبد بن حميد)، عن أبي الوليد الطيالسي، عن حماد، به.
[التحقيق]:
قال الحاكم: وقد رواه عفان بن مسلم وغيره من الحفاظ، عن حماد بن سلمة، ولم يذكروا فيه: ((أَوْ ثَلَاثًا)).
قال الدارقطني: ((وكذلك رواه إبراهيم بن الحجاج وهدبة بن خالد وكامل بن طلحة، عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد قالوا فيه: ((إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، أَوْ