أبي رباح، سمعت أبا سعيد، به، بلفظ: ((لَا يَأْخُذِ الرَّجُلُ ... )).
ورواه الخطيب فجمع في روايته بين المُخَرِّمي والبلدي:
فرواه في ترجمة المُخَرِّمي من (تاريخ بغداد ٢٦٤١) -ومن طريقه ابن الجوزي في (الموضوعات ٣/ ٢٢٥) - من طريق محمد بن مَخْلَد العطَّار، حدثنا أحمد بن الوليد وإبراهيم بن الهيثم البلدي، قالا: حدثنا أبو اليمان، حدثنا عُفَير ... به.
فالحديث مداره عندهم على أبي اليمان، عن عُفَير بن مَعْدان، به.
قال أبو نُعَيم: "غريب من حديث عطاء، لا أعلم عنه راويًا غيرَ عُفَير بن مَعْدان" (الحلية ٣/ ٣٢٤).
[التحقيق]:
هذا سند واهٍ جدًّا؛ فيه عُفَيْر بن مَعْدان؛ قال عنه أحمد: "ضعيف، منكر الحديث"، وقال يحيى: "ليس بشيء"، وقال مرة: "ليس بثقة"، وسُئل: "تضمُّه إلى أبي مَهدي؟ قال: "هو قريب منه"، وأبو مهدي هذا متروك رُمِيَ بالوضع. وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، يكثر الرواية ... بالمناكير ما لا أصل له، لا يُشتغل بروايته"، وقال النَّسائي: "ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه". انظر (تهذيب الكمال ٢٠/ ١٧٧ - ١٧٨)؛ ولذا قال الذهبي: "ضعَّفوه" (الكاشف ٣٨٢٨)، وقال الحافظ: "ضعيف" (التقريب ٤٦٢٦).
وتفرُّد مثْلِ هذا عن مثل عطاء يُعدُّ منكَرًا.
وبه أعلَّ الحديثَ ابنُ عَدِي، فرواه- مع غيره- في ترجمة عُفَيْر من (الكامل)، ثم قال: "وعامة رواياته غيرُ محفوظة" (الكامل ٨/ ٥٤٨).
وتبعه ابن القَيْسَراني، فقال: "رواه عُفَير بن مَعْدان ... وعُفير ليس بشيء"
стр. 4307
(ذخيرة الحفاظ ٦٢٦٠).
وقال الذهبي: "فيه عُفير بن مَعْدان، واهٍ" (تلخيص الموضوعات ٧٠٧).
ولمَّا رواه الخطيب في ترجمة أحمد بن الوليد المُخَرِّمي قال عقبه: "قال أبو عبد الله ابن مَخْلَد: "أحمد بن الوليد المُخَرِّمي [لا] يسوي فَلْسًا" (تاريخ بغداد ٦/ ٤١٨).
وبهذا أعلَّه ابن الجوزي في (الموضوعات)، وزاد عليه فقال: "وقال ابن عَدِي: إبراهيم بن الهيثم كذَّبه الناسُ".
وتعقَّبه السُّيوطي، فقال: "أما إبراهيم بن الهيثم فقال في الميزان: وثَّقه الدارَقُطْني، وذكره ابن عَدِي في الكامل وقال: حديثه مستقيم سوى حديثِ الغار؛ فإنه كذَّبه فيه الناس ... وأحاديثه جيدة، وقد فتَّشْت حديثه الكثيرَ فلم أجد له حديثًا منكرًا يكون من جهته"، قال الذهبي: وقد تابعه على حديث الغار ثقتان"، وقال في اللسان: وقد ذكره ابن حِبَّان في الثقات"، وقال الخطيب: ... وإبراهيم عندنا ثقة ثبْتٌ لا يَختلف شيوخُنا فيه، ... " انتهى، وأما أحمد بن الوليد فذكره ابن حِبَّان في الثقات، والله أعلم" (اللآلئ ٢/ ٢٢٦، ٢٢٧).
وتبِعه ابن عِرَاق في (تنزيه الشريعة ٢/ ٢٧٤)، والفَتَّنِي في (تذكرة الموضوعات ص ١٦٠)، والشوكاني في (الفوائد ص ١٩٨)، غير أن الأخيرين اختصرا الكلام عليه.
وقد غفلوا جميعًا عن علة الحديث الحقيقيةِ التي بيَّنَّاها آنِفًا.
والحديث تكلَّم عليه الألباني في موضعين، قال في الأول: "موضوع" (الضعيفة ٣٩٩٠)، وقال في الثاني: "ضعيف جدًّا" (الضعيفة ٥٤٥٣).
стр. 4308
٩٥٨ - حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ:
◼ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مُجْفِلَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَقَالَ: ((عَلَامَ يُشَوِّهُ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ (١)؟ )) قَالَ: وَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ، يَقُولُ: ((خُذْ مِنْ لِحْيَتِكَ وَرَأْسِكَ)).
[اللغة]:
قولُه: (مُجْفِل الرأس واللحية)، يقال: جفَل الشَّعرُ: أي: شعِث وانتصب. (المعجم الوسيط (١/ ١٢٧).
[الحكم]: منكَر بهذا اللفظ، وإسناده ضعيف جدًّا، وضعَّفه البَيْهَقي والألباني.
[التخريج]:
[أصبهان (٢/ ٢٤٤) "واللفظ له" / شعب ٦٠٢٠ / خطج ٨٦٦ مختصرًا].
[السند]:
قال أبو نُعَيم في "تاريخ أصبهان": حدثنا أحمد بن عُبيد الله بن أحمد بن سعيد القَصَّار، ثنا أبو عبد الله محمد بن سعيد، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا شَبَابَة بن سَوَّار، عن أبي مالك النَّخَعي، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر، به.
ومداره- عندهم- على أبي مالك النَّخَعي، به.
стр. 4309
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه أبو مالك النَّخَعي؛ وهو "متروك" كما في (التقريب ٨٣٣٧).
وبه ضعَّفه البَيْهَقي في (الشُّعَب)، والألباني في (الصحيحة ٤٩٣). وقال: "واعلم أنه لم يثبت في حديث صحيح عن النبي ﷺ الأخذُ من اللحية، لا قولًا - كهذا-، ولا فعلًا" (الضعيفة ٢٣٥٥).
ثم إنه منكر بهذا اللفظ؛ فالمحفوظ عن ابن المُنْكَدِر في هذا الحديثِ ما رواه الجماعة عنه مرسلًا: ((أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ اتَّخَذَ شَعَرًا ... )) الحديثَ.
وانظر تفصيل الكلام على هذه العلة، مع بقية روايات هذا الحديث، في باب: "إكرام الشعر".
стр. 4310
٩٥٩ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((خُذُوا مِنْ عَرْضِ لِحَاكُمْ، وَاعْفُوا طُولَهَا)).
[الحكم]: منكر، وإسناده ضعيف جدًّا، وضعَّفه السُّيوطي.
[التخريج]:
[عطار (حديث ق ١٠٧/ ب)].
[السند]:
أخرجه أبو عبد الله محمد بن مَخْلَد العطار في (جزء له) (١) قال: حدثنا طاهر (وهو ابن خالد بن نِزار الأَيْلي)، حدثني أبي، (٢) أخبرني عُمر بن قَيس، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه عُمر بن قيس المكي المعروف بسَنْدل، وهو "متروك" كما في (التقريب)، وقال ابن عَدِي: "عامة ما يرويه لا يُتابَع عليه، وخالد بن نِزار يحدِّث عنه بنسخة وفيها عجائب. وعُمر ضعيف بالإجماع لم يشُكَّ أحد فيه " (الكامل ٥/ ٨).
قلنا: وهذا الحديث من العجائب التي رواها خالد بن نِزار عنه، ولعل
стр. 4311
لأجل رواية خالد بن نِزار لهذه المناكير عن عُمر بن قيس؛ قال فيه ابن حِبَّان: "يُغرب ويخطيء" (الثقات ٨/ ٢٢٤)، وقال الحافظ: "صدوق يخطيء" (التقريب ١٦٨٢). هذا مع أن خالدًا هذا وثَّقه الدارَقُطْني وغيرُه.
وقال ابن عَدِي في طاهر بن خالد بن نِزار الأَيْلي: "له عن أبيه إفرادات وغرائب". وقال الذهبي: "صدوق، وله ما يُنكر" (الميزان ٣٩٧٧)، مع أن طاهرًا هذا وثَّقه الدارَقُطْني، والخطيب، وقال ابن أبي حاتم: "كتبت عنه مع أبي بسامَرَّاءَ، وهو صدوق"، انظر (اللسان ٣٩٨١).
والمتن منكَر؛ لمخالفته الثابتَ عن النبي ﷺ من الأمر بإعفاء اللحية وتوفيرها، دون التعرُّض لعَرضها، أو تقييدٍ بطولها، والله أعلم.
والحديث رمز لضعفه السُّيوطي في (الجامع الصغير ٣٨٩٨).
[تنبيه]:
الحديث ذكره الدَّيْلمي في (الفردوس ٢٨٣٣)، ولم نقف على كتاب "مسند الفردوس". لكن قال المُناوي في (فيض القدير ٣/ ٤٣٦): "ورواه الدَّيْلمي في الفردوس عنها، وبيَّض لسنده". يعني: لم يذكر سندًا له. وانظر (المداوي ٣/ ٤٧٦).
стр. 4312
١٤٥ - بَابُ مَا رُوِيَ أَنَّ قَصَّ اللِّحْيَةِ وَطُولَ الشَّارِبِ مِنْ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ
٩٦٠ - حَدِيثُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((عَشْرُ خِصَالٍ عَمِلَتْهَا قَوْمُ لُوطٍ بِهَا أُهْلِكُوا، وَتَزِيدُهَا أُمَّتِي بِخَلَّةٍ: إِتْيَانُ الرِّجَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَرَمْيُهُمْ بَالْجُلَّاهِقِ وَالْخَذْفِ، وَلَعِبُهُمْ بِالْحَمَامِ، وَضَرْبُ الدُّفُوفِ، وَشُرْبُ الْخُمُورِ، وَقَصُّ اللِّحْيَةِ، وَطُولُ الشَّارِبِ، وَالصَّفِيرُ، وَالتَّصْفِيقُ، وَلِباسُ الْحَرِيرِ، وَتَزِيدُهَا أُمَّتِي بَخَلَّةٍ: إِتْيَانِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا)).
[الحكم]: باطلٌ موضوع، وحكم عليه الألباني بالوضع.
[اللغة]:
الجُلَّاهِق: الذي يلعب به الصبيان، وهو البُنْدُق، وهو فارسي معرب، وهو بالفارسية جلاهة، وهي البندقة من طين يُرمَى بها عن قوس، (جمهرة اللغة لابن دريد ١١٤٠).
[التخريج]:
[كر (٥٠/ ٣٢٢) / الخطيب (در ١٠/ ٣١٧) / مبتدأ (در ١٠/ ٣١٧)]
[السند]:
أخرجه ابن عساكر في (تاريخه)، قال: أخبرنا أبو الفضل الكُلابي وأبو تُراب
стр. 4313
المقرئ وأبو الحسن الخُشُوعي إذنًا، قالوا: أنبأنا أبو بكر الخطيب لفظًا، أنبأنا أبو الحسن بن رَزْقويه، أنبأنا عثمان بن أحمد بن عبد الله وأحمد بن سِنْدي، قالا: حدثنا الحسن بن عليٍّ، حدثنا إسماعيل بن عيسى، أنبأنا إسحاق بن بِشْر، أخبرني سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد تالف؛ ففيه- مع إرساله- إسحاق بن بِشر، وهو أبو حذيفة البخاري، صاحب كتاب المبتدأ، وهو كذاب وضَّاع، كذَّبه ابن المَدِيني والدارَقُطْني وغيرهما، ورماه ابن حِبَّان وغيرُه بالوضع، انظر (لسان الميزان ١٠٠٦).
ولذا حكم عليه الألباني بالوضع في (ضعيف الجامع ٣٧١١) و (الضعيفة)، ثم قال: "وإسحاق هذا كذاب، سواء كان هو البخاريَّ صاحب "كتاب المبتدأ" أو الكاهلي الكوفي؛ فكلاهما كذاب وضاع" (الضعيفة ١٢٣٣).
قلنا: هو الأول؛ فقد رواه عنه إسماعيل بن عيسى، وهو العطار، قال الخطيب في ترجمته: "روى عن أبي حذيفة إسحاق بن بِشر البخاري كتاب المبتدأ والفُتوح" (تاريخ بغداد ٣٢٩٣).
والظاهر أن هذا الحديث مما رواه إسحاق في كتابه هذا؛ فقد قال السُّيوطي: "وأخرج إسحاق بن بِشر، والخطيب، وابن عساكر، عن الحسن .. " فذكر هذا الحديث، (الدر المنثور ١٠/ ٣١٧)، ولا نعلم أيَّ كتب الخطيب أراد، ولم نقف عليه فيما بين أيدينا من كتبه.
وقصَّر السُّيوطي، والمُناوي؛ فلم يذكرا له علة سوى الإرسال، انظر (الجامع الصغير (٥٤٣٣)، و (الفيض ٤/ ٣١٦) مع (التيسير ٢/ ١٣٢).
стр. 4314
قال الألباني: "والعجب من السُّيوطي كيف يخفى عليه هذا؟ فأورد الحديث في (الجامع) من رواية ابن عساكر هذه، وبيَّض له المُناوي فلم يتعقَّبه بشيء! " (الضعيفة ١٢٣٣).
وأما بقية رجال الإسناد، فابن رَزْقويه شيخ الخطيب محدِّث متقنٌ مُعَمَّر (السير ١٧/ ٢٥٨)، وشيخه الأول عثمان هو ابن السَّمَّاك، ثقة ثبَت (السير ١٥/ ٤٤٥) وشيخه الثاني ابن سِنْدي، أبو بكر الحداد، ثقة (تاريخ بغداد ٢١٤٤)، وشيخهما الحسن هو ابن عَلُّويه، ثقة (السير ١٣/ ٥٥٩)، وابن أبي عَرُوبة وقتادة والحسن البصري ثلاثتهم أئمة ثقات، تقدَّم ذِكرُهم مرارًا.
* * *
стр. 4315
١٤٦ - بَابُ مَا رُوِيَ فِي تَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ
٩٦١ - حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ:
◼ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي حُجْرَتِهِ، وَمَعَهُ مِدْرًى لِيُسَرِّحَ (يُسَرِّحُ) بِهِ لِحْيَتَهُ، إِذْ جَاءَ إنسانٌ فَاطَّلَعَ مِنْ [جُحْرٍ فِي] حُجْرَتِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي (١)، لَقُمْتُ بِهَذَا الْمِدْرَى فَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ (لَفَقَأْتُ بِهَذَا الْمِدْرَى عَيْنَكَ)، إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ)).
[الحكم]: صحيح المتن دون قوله: "يسرح به لحيته"، فمنكر، والمحفوظ بلفظ: "يَحُكُّ - أو: يُرَجِّلُ- بِهِ رَأْسَهُ" كما في الصحيحين وغيرهما، وهذه السياقة سندها ضعيف.
[اللغة]:
المِدْرَى والمِدْراة: شيء يُعمل من حديد أو خشب على شكل سنٍّ من أسنان المشط وأطول منه يسرَّح به الشعر المتلبِّد، ويستعمله مَن لا مشط له. (النهاية ٢/ ١١٥).
стр. 4316
[التخريج]:
[غر ١٨٩ "واللفظ له" / طب (٦/ ١١١/ ٥٦٦٨) "والزيادة والروايتان له" / حل (٧/ ٩٦)]
[السند]:
رواه النَّسائي في (الإغراب)، قال: أخبرنا عيسى بن عثمان بن عيسى ابن أخي يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن أبي سلمة- وهو محمد بن أبي حفصة- عن الزُّهْري، عن سَهْل بن سعد، به.
كذا وقع الإسناد في المطبوع من (الإغراب)، وفيه سقط لعله من الناسخ؛
فقد رواه الطبراني في (الكبير) قال: حدثنا القاسم بن زكريا، ومحمد بن يحيى بن مَنْدَه الأصبهاني، قالا: ثنا عيسى بن عثمان الكِسَائي، حدثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن أبي سلمة، عن الزُّهْري، عن سَهْل بن سعد، به.
ورواه أبو نُعَيم في (الحلية) قال: حدثنا أبو بكر الطلَّحْي، حدثنا الحَضْرمي، (ح)
وحدثنا سُلَيْمان بن أحمد، حدثني محمد بن يحيى الأصبهاني، قالا: حدثنا عيسى بن عثمان الكِسائي ابن أخي يحيى بن عيسى، ثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن أبي سلَمة، عن الزُّهْري، عن سَهل، به.
قال الطبراني وأبو نُعَيم: "أبو سلمة هو محمد بن أبي حفصة"، زاد أبو نُعَيم: "واسم أبي حفصةَ مَيْسَرةُ، والحديث تفرَّد به يحيى عن الثوري".
стр. 4317
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: تفرُّد محمد بن أبي حفصة به عن الزُّهْري، وابن أبي حفصة مختلَف فيه عامَّة، وضعيف في الزُّهْري خاصَّة، وإليك البيان:
المجرِّحون:
قال يحيى بن سعيد: "كتبت حديثه كلَّه، ثم رَميتُ به بعد ذلك"، ثم قال: هو نحو صالح بن أبي الأخضر"، وقال معاذ بن معاذ: "كتبت عنه عن الزُّهْري ثم رغِبت عنه" قيل لمعاذ: لِمَ؟ قال: "رأيته يأتي أشعث بن عبد الملك، فإذا قمنا جلس إلى صبيان فأملَوْها عليه"، ولهذا ذكره العُقَيلي في (الضعفاء ١٧٠٩)، وذكره أحمد فلم يَرْضه (١)، قال المرُّوذي: "وأراه ذكر أن له رأيَ سوء"، وقال النَّسائي: "ضعيف"، وقال ابن عَدِي: "هو من الضعفاء الذين يُكتب حديثهم"، وقال الدارَقُطْني: "صالح، يُعتبر به"، وقال الفَسَوي: "هو ليِّن، إلا أنه فوق صالح بن أبي الأخضر" (علل أحمد برواية المروذي ١٢٦)، (المعرفة للفسوي ٣/ ٥١)، (سؤالات البَرْقاني ٤٣٤)، (تهذيب التهذيب ٩/ ١٢٣).
стр. 4318
المعدِّلون:
قال ابن المَدِيني: "ليس به بأس"، ووثَّقه أبو داود، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٧/ ٤٠٧) وقال: "يخطئ" (تهذيب التهذيب ٩/ ١٢٣).
واختلفت الرواية عن ابن مَعين، فوثَّقه مرة، وقال مرة ثانية: "صالح"، وقال أخرى: "ليس بالقوى"، وقال مرة: "ضعيف"، (الميزان ٣/ ٥٢٥)، (مقدمة الفتح /ص ٤٣٨).
قلنا: الظاهر أنه وثَّقه في غير الزُّهْري، فأما في الزُّهْري فضعَّفه، فقد قال ابن الجُنَيد: "سُئل يحيى بن مَعين-وأنا أسمع-: مَن أثبت الناس في الزُّهْري؟ . قال: "مالك، ثم مَعْمَر، ثم عُقَيْل، ثم يونس ... قال: "ومحمد بن أبي حفصة ضعيف الحديث" (شرح علل التِّرْمذي ٢/ ٦٧٣)، فظاهر السياق يعطي أنه ضعيف في الزُّهْري، وقد جاء ذلك صريحًا فيما نقله ابن أبي حاتم عن الدارمي، قال: قلت ليحيى بن مَعين: محمد بن أبي حفصة-يعني: في الزُّهْري-؟ فقال: "صُوَيلح، ليس بالقوي" (الجرح والتعديل ٧/ ٢٤١)، وهذه العبارة قد نقلها الدارمي عن ابن مَعين في (التاريخ ١٢) ضمن كلامه عن جماعة ضعَّفهم في الزُّهْري، وقد نَقل بعد ذلك في الكتاب نفْسِه عن ابن مَعين أنه وثَّقه (٢٢٨)، وهذا يؤيد ما ذكرناه بشأن تعارض أقواله فيه، وهو ما اعتمده ابن القَطَّان، حيث قال: "والرجل ثقة، ولكنه يُضعَّف في الزُّهْري خاصة، كأنه لم يحفظ حديثه كما يجب، فصار يجيء فيه بخلاف ما يجيء به غيرُه" (الوهم والإيهام ٢/ ٣٦١).
وعلى هذا؛ فلا يصح التمسُّك هنا بتوثيق ابن مَعين؛ لأن هذا الحديث من رواية ابن أبي حفصة عن الزُّهْري، وقد ضعَّفه ابن مَعين فيه.
فإن قيل: وكيف بإخراج الشيخين لحديثه عن الزُّهْري؟ .
стр. 4319
قلنا: قال الذهبي: "روى له الشيخان في المتابعات، ما أظن أن واحدًا منهما جعله حُجَّة" (السير ٧/ ٥٩)، وقال ابن حجر: "أخرج له البخاري حديثين من روايته عن الزُّهْري، تُوبِع فيهما، وعلَّق له غيرَهما" (المقدمة ص ٤٣٨).
وقد قال الذهبي: "بالجَهْد أن يُعَدَّ حديثُه حسَنًا، وليس هو بالمُكْثر" (السير ٧/ ٥٩)، وقال أيضًا: "فيه شيء" (الميزان ٣/ ٥٢٥)، وقال: "فيه لِين" (مَن تُكلِّم فيه وهو موثَّق ٣١٨)، ومع ذلك قال في (الديوان ٣٦٧٥): "ثقة، ضعَّفه النَّسائي وحدَه"! ! ، وقال أيضًا: "ثقة مشهور، غيره أثبتُ منه" (تاريخ الإسلام ٣/ ٩٥٧).
وقال الحافظ: "صدوق يخطئ" (التقريب ٥٨٢٦).
قلنا: ومما سبق يترجح أنه ليس بحُجَّة فيما انفرد به، لاسيما في حديثه عن الزُّهْري، فإنه كما قال ابن القطان: "لم يَحفظ حديثه كما يجب، فصار يجيء فيه بخلاف ما يجيء به غيرُه"، وكذلك الشأن في هذا الحديث، وهذه هي:
العلة الثانية: المخالفة؛ فقد روَى هذا الحديث ابن عُيَيْنة، والليْث بن سعد، وابن أبي ذِئْب، ويونس بن يزيد، وصالح بن كَيْسان، وعُقَيل بن خالد، وغيرُهم من أصحاب الزُّهْري الثقات، عن الزُّهْري، عن سَهْل، به، وقالوا فيه: ((وَمَعَهُ مِدْرَى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ))، ولفظ يونس ((يُرَجِّلُ بِهِ رَأْسَهُ))، انظر: [مسند أحمد ٢٢٨٠٢ / صحيح البخاري ٥٩٢٤، ٦٢٤١، ٦٩٠١ / صحيح مسلم ٢١٥٦ / صحيح ابن حِبَّان ٥٨٤٥/ المعجم الكبير للطبراني ٥٦٦٠ - ٥٦٧٣].
فجاء ابن أبي حفصة وحدَه! وقال فيه عن الزُّهْري: ((وَمَعْهُ مِدْرَى، يُسَرِّحُ بِهِ
стр. 4320
لِحْيَتَهُ))، فهو لم ينفرد وفقط، بل خُولف أيضًا؛ فروايته تُعدُّ منكَرة، والمحفوظ هو ما رواه الثقات من أصحاب الزُّهْري.
العلة الثالثة: يحيى بن عيسى الرَّمْلي، مختلَف فيه أيضًا، فقال أبو معاوية: "اكتبوا عنه؛ فطالما رأيته عند الأعمش"، وقال أحمد: "ما أقرب حديثَه"، وقال أبو داود: "بلغني عن أحمد بن حنبل أنه أحسن الثناء عليه"، ووثَّقه العِجْلي (تهذيب التهذيب ١١/ ٢٦٣).
وفي المقابل، قال ابن مَعين: "ليس بشيء"، وقال أيضًا: "ضعيف"، وقال: "لا يُكتب حديثُه"، وقال الدارمي: "هو كما قال يحيي، هو ضعيف"، وقال النَّسائي: "ليس بالقوي"، وقال مَسْلَمة: "لا بأس به، وفيه ضعْف"، وذكره العُقَيلي في (الضعفاء ٢٠٥٢)، وكذلك ابن عَدِي، وقال: "عامة رواياته مما لا يُتابع عليه"، وقال الجُوزَجاني: "يروي أحاديثَ يُنكرها الناس"، وقال ابن حِبَّان: "كان ممن ساء حفظه، وكثُر وهَمُه، حتى جعل يخالف الأثبات فيما يروي عن الثقات، فلما كثُر ذلك في روايته؛ بطَل الاحتجاجُ به"، وأقرَّه السَّمْعاني، انظر: (الكامل ٢١٢٠) و (المجروحين ٢/ ٤٧٩)، و (أحوال الرجال ٦٢) و (الأنساب ٥/ ١١٣) و (تهذيب التهذيب ١١/ ٢٦٣).
وقال الذهبي: "صُوَيلح، ضعَّفه ابن مَعين ... خرَّج له مسلم في الشواهد لا في الأصول" (مَن تُكلِّم فيه وهو موثَّق ٣٧٦)، وفي موضع آخَرَ: "صدوق يَهِم" (الديوان ٤٦٧١)، وفي موضع ثالث قال: "حسن الحديث"! (العبر ١/ ٢٦٣)، وفي (التقريب ٧٦١٩): "صدوق يخطئ".
قلنا: وقد تفرَّد يحيى بهذا الحديث عن سُفْيان الثَّوْري- كما قال أبو نُعَيم-، وتفرُّد مَن هذه حالُه بمثل هذا الحديثِ عن مثل الثوري تفرُّد فيه نظر، فأين
стр. 4321
أصحاب الثوري الكبار عن هذا الحديث؟ ! بل لو كان الحديث عند الثوري فكيف قَنِعَ بروايته عن ابن أبي حفصة وحدَه عن الزُّهْري، وتركَ روايته عن أصحاب الزُّهْري الكبار؟ ، لاسيما وفيهم مَعْمَر الذي رحل إليه الثوري، وقال: "قد كفانا مَعْمَرٌ الزُّهْري" (مقدمة الجرح والتعديل ص ٧٦) بسند صحيح.
فمِن المحتمل- إن لم يكن الغالب- أن يكون يحيى بن عيسى قد أخطأ في هذا الحديث، ووهِمَ فيه كغيره من الأحاديث التي وهِمَ فيها، والله أعلم.
لطيفة تتعلق بهذا الحديث:
قال الخليلي في ترجمة شيخه الحاكم: "سألني في اليوم الثاني لمَّا دخلت عليه ويُقرأ عليه في فوائد العراقيِّين: سُفْيان الثَّوْري، عن أبي سلَمة، عن الزُّهْري، عن سهْل بن سعد، حديثَ الاستئذان، فقال لي: مَن أبو سلَمة هذا؟ فقلت من وقته: هو المغيرة بن سلَمة السَّرَّاج، فقال لي: كيف يروي المغيرة عن الزُّهْري؟ ، فبَقِيت، ثم قال: قد أمهلْتُك أسبوعًا حتى تتفكرَّ فيه، فمن ليلته تفكرُّت في أصحاب الزُّهْري مِرارًا حتى بقيت فيه أكرِّر التفكُّر، فلما وقعت إلى أصحاب الجزيرة من أصحابه تذكرت محمد بن أبي حفصة، فإذا كُنيتُه أبو سلَمة، فلما أصبحت حضرت مجلسه ولم أذكر شيئًا حتى قرأت عليه مما انتخبْتُ قريبًا من مائة حديث، قال لي: هل تفكَّرْت فيما جرى؟ فقلت: نعم، هو محمد بن أبي حفصة، فتعجَّب، وقال لي: نظرت في حديث سفيان لأبي عمرٍو البَحيري؟ قلت: والله ما لقيت أبا عمرو، ولا رأيتُه، فذكرت له مما أَمَّمْتُ في ذلك، فتحيَّر، وأثنى عليَّ" (الإرشاد ٣/ ٨٥٢ - ٨٥٣).
стр. 4322
٩٦٢ - حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
◼ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ [بِالْمَاءِ]، وَيُكْثِرُ الْقِنَاعَ [بِثَوْبِهِ]، حَتَّى كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ [أَوْ دَهَّانٍ])).
[الحكم]: ضعيف، وضعَّفه الحافظ أبو الفضل العراقي، وابنه أبو زُرعة، وابن الجَزَري، والسُّيوطي، وابن حجر الهيتمي، والعظيم آبادي، والألباني.
[اللغة]:
قال البَغَوي: " (الْقِنَاعُ): الْخِرْقَةُ الَّتِي تُجْعَلُ عَلَى الرَّأْسِ مِنَ الدُّهْنِ" (شرح السنة ١٢/ ٨٣).
[التخريج]:
[شما ٣٣ "واللفظ له"، ١٢٧ "مقتصرًا على آخره" / سعد (١/ ٤١٦)، (١/ ٤١٦) "والزيادة الأولى له ولغيره" / خل ٥٣٤ "مختصرًا"، ٥٣٥ / تي ١٤٥ "والزيادة الأولى له ولغيره" / شعب ٦٠٤٤، ٦٠٤٥ / طاهر (تصوف ٥٤٠) / بغ ٣١٦٤ / نبغ ١٠٧٣، ١٠٧٤ / لقب (إتمام الدراية ص ١٦١)].
[التحقيق]: انظر الكلام عليه فيما يأتي.
стр. 4323
رواية: "يُكْثِرُ التَّقَنُّعَ":
• وَفِي رِوَايَةٍ، قال: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ التَّقَنُّعَ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى حَاشِيَتَيْ إِزَارِهِ كَأَنَّه زَيَّاتٌ)).
[الحكم]: ضعيف.
[التخريج]:
[تي ١٤٦]
[السند]:
أخرجه التِّرْمذي في (الشمائل ٣٣، ١٢٧)، قال: حدثنا يوسف بن عيسى، قال: حدثنا وَكيع، قال: حدثنا الرَّبيع بن صَبِيح، عن يَزيدَ بن أَبان- هو الرَّقَاشي-، عن أنس بن مالك، به.
وأخرجه ابن سعد في (الطبقات ١/ ٤١٦)، والدُّوري في (تاريخ ابن مَعين ١٤٥): عن قَبيصة بن عُقبة، عن سُفْيان الثَّوْري، عن الرَّبيع بن صَبِيح، به.
وأخرجه الدُّوري في (تاريخ ابن مَعين ١٤٦)، قال: حدثنا أبو نُعَيم الفضْل بن دُكَين، قال: حدثنا الرَّبيع بن صَبِيح، به. بلفظ السياقة الثانية.
ومدار الحديث عند الجميع- عدا روايةِ ابن سعد (١/ ٤١٦)، وأبي الشيخ (٥٣٤) - على الرَّبيع بن صَبِيح، عن يَزيدَ بن أبان الرَّقَاشي، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه يزيد بن أبان الرَّقَاشي، وهو "ضعيف" كما في (التقريب ٧٦٨٣). بل قال عنه ابن حِبَّان: "كان يقلب كلام الحسن فيجعله
стр. 4324
عن أنس عن النبي ﷺ وهو لا يعلم، فلما كثُر في روايته ما ليس من حديث أنس وغيرِه من الثقات، بطَلَ الاحتجاجُ به، فلا تحل الرواية عنه إلا على سبيل التعجب" (المجروحين ٢/ ٤٤٨).
وبه ضعَّفه ابن حجر الهيتمي؛ فقال: "يَزيدُ ضعَّفوه؛ فالحديث معلول" (أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل ص ٩٩).
وقال الألباني: "ضعيف جدًّا"، وأعلَّه بيزيدَ، فنقل عن النَّسائي وغيره أنه متروك (الضعيفة ٢٤٥٦).
وفيه أيضًا: الرَّبيع بن صَبِيح؛ "صدوق سيء الحفظ" كما في (التقريب ١٨٩٥).
وبه ضعَّف الحديثَ ابنُ الجَزَري فقال: "الرَّبيع بن صَبِيح له مناكيرُ، منها هذا الخبر؛ فإنه ﷺ كان أنظف الناس ثوبًا، وأحسنَهم هيئةً" (شرح المواهب اللدنية للزُّرْقاني ٥/ ٥٠٥).
وتعقَّبه الزُّرْقاني: بأن الربيع لم ينفرد به، بل تابعه عُمر بن حَفص العَبْدي، عن يَزيدَ، كما عند ابن سعد في (الطبقات ١/ ٤١٦).
قلنا: لكن هذه المتابعة واهية؛ فعُمر بن حفص العَبْديُّ متروك. انظر ترجمته في (الميزان ٣/ ١٨٩/ ٦٠٧٥).
وأَولى منها متابعةُ يحيى بنِ أبي كثير له؛ فقد أخرجه أبو الشيخ في (أخلاق النبي ﷺ ٥٣٤) قال: حدثنا محمد بن أحمد بن راشد، نا أحمد بن إبراهيم بن خِلاص (١)، نا أبو عبد الرحمن المُقري، قال: سمعت
стр. 4325
أبا النضر، يحدِّث عن يحيى بن أبي كثير، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس، به، مقتصرًا على ذِكر دَهن الرأس.
ولكن يحيى بن أبي كثير وإن كان ثقة إلا أنه مدلِّس، فيُحتمل أن يكون أخَذه من الربيع ودلَّسه، لاسيما ولم نجد ليحيى روايةً عن يزيدَ سوى هذا الحديث.
وفي الإسناد إليه أحمد بن إبراهيم بن خِلاس أو ابن خلاص؛ لم نقف له على ترجمة.
ولهذا ضعَّف سنده الحافظ أبو الفضل العراقي في (المغنى في حمل الأسفار ص ٨٦، ١١١١)، وابنُه الحافظ أبو زُرعة في (طرح التثريب ٤/ ١٧٥)، والعظيم آبادي في (عون المعبود ١/ ٣٣)، والألباني في (مختصر الشمائل ٢٦).
وقال السُّيوطي: "وروى الشيرازي في الألقاب بسند واهٍ من حديث أنس مرفوعًا" (إتمام الدراية لقراء النقاية ص ١٦١). ومع هذا رمز لحسنه في (الجامع الصغير ٧١٤٠)! . ولعله أراد أنه حسَن لغيره، فحسَّنه بما له من شواهدَ، كما سيأتي.
وقد قال الحافظ العراقي في "شرح التِّرْمذي": "هذا الحديث إسناده ضعيف، لكن له شواهد, منها في الخِلَعيَّات عن سَهْل بن سعد: ((كَانَ ﷺ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ، وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ بِالْمَاءِ))، ومنها: في سنن البَيْهَقي، عن أبي سعيد: ((كَانَ لَا يُفَارِقُ مُصَلَّاهُ سِوَاكُهُ وَمُشْطُهُ، وَكَانَ يُكْثِرُ تَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ)). وإسناده ضعيف" (شرح المواهب اللدنية للزُّرْقاني ٥/ ٥٠٥).
стр. 4326
وسيأتي الكلام على هذه الشواهد، والذي يظهر لنا أنها لا تتقوَّى ببعضها، والله أعلم.
[تنبيه]:
عزا الحديث الزُّرْقاني في (شرح المواهب اللدنية ٥/ ٥٠٥) للترمذي في "الجامع"، والحديث ليس في الجامع، إنما أخرجه في الشمائل فقط. وانظر (التحفة ١/ ٤٣٣/ ١٦٧٩).
стр. 4327
٩٦٣ - حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
◼ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ الْقِنَاعَ، وَيُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهُ، وَيُسَرِّحُ لِحْيَتَهِ بِالْمَاءِ)).
[الحكم]: ضعيف، وضعَّفه: العِراقي، والمُناوي.
[التخريج]:
[معر ٦١٦ / شعب ٦٠٤٦ "واللفظ له"]
[السند]:
أخرجه ابن الأعرابي في (معجمه): عن محمد بن هارون الأَزْدي (١)، قال: نا مسلم بن إبراهيم، نا مُبَشِّر بن مكسّر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، به.
وأخرجه البَيْهَقي في (الشُّعَب) من طريق أحمد بن عبيد، حدثنا أبو بكر محمد بن هارون بن عيسى الأَزْدي ... به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجالُه ثقات؛ عدا محمد بن هارون بن عيسى الأَزْدي؛ فمختلَفٌ فيه؛ قال عنه الخطيب: "روَى عنه أبو العباس ابن عُقْدة وأبو عُمر حمزة بن القاسم الهاشمي وأبو بكر الشافعي، أحاديثَ مستقيمة" (تاريخ بغداد ٤/ ٥٦٢). وقال الدارَقُطْني: "ليس بالقوي" (سؤالات الحاكم ٢١٠)، فتفرُّد مثْلِه مما لا يُعتمد عليه.
стр. 4328
ومُبَشِّر بن مكسّر؛ قال عنه ابن مَعين: "ليس به بأس" (التاريخ- رواية الدُّوري ٣٣٢١)، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن مَعين: "صُوَيلح"، وقال أبو حاتم الرازي: "لا بأس به" (الجرح والتعديل ٨/ ٣٤٣)، وقال يعقوب بن سفيان: "لا بأس به" (المعرفة والتاريخ ٢/ ١٢٤)، وقال ابن شاهين: "ليس به بأس" (الثقات ١٤٦٨).
ومع هذا لم يخرِّجوا له شيئًا لا في الكتب التسعة، ولا في صحيح ابن خزيمة، ولا في صحيح ابن حِبَّان؛ ولهذا قال الذهبي: "لم يخرِّجوا لذا شيئًا" (تاريخ الإسلام ٤/ ٤٩٠).
وتفرُّد مثْلِ هذا الراوي عن بقية أصحاب أبي حازم- كالثوري وابن عُيَيْنة وحماد بن زيد- لا يُطمئن له، والله أعلم.
ولذا قال الحافظ العراقي: "إسناده ضعيف" (فيض القدير ٥/ ٢٤١)، وكذا ضعَّفه المُناوي في (التيسير ٢/ ٢٨٢).
ومع ذلك قد رمز لحُسنه السُّيوطي في (الجامع الصغير ٧١٤١).
وساقه الألباني في (الصحيحة ٧٢٠) من عند ابن الأعرابي وحسَّن إسناده.
وساقه أيضًا في (الضعيفة ٢٣٥٦) لكن من طريق البَيْهَقي في "الشُّعَب"، وتصحَّف عليه (مُبَشِّر بن مكسر) إلى (بِشر بن مُبَشِّر)؛ فضعَّفه لأجله.
[تنبيهان]:
الأول: الحديث عزاه المُناوي في (فيض القدير ٥/ ٢٤١)، و (التيسير ٢/ ٢٨٢) للترمذي في الشمائل. وهو وهْمٌ؛ لأن التِّرْمذي إنما أخرج حديث أنس فقط. وانظر (السلسلة الضعيفة ٥/ ٣٨٠).
стр. 4329
الثاني: عزاه الحافظ العراقي في "شرح التِّرْمذي": للخِلَعيات، كما في (شرح المواهب اللدنية للزُّرْقاني ٥/ ٥٠٥). ولم نقف عليه فيما لدينا من أجزاء الخِلَعيات الخطية، ولم نعثر عليه كذلك في فهرس النسخة المطبوعة بتحقيق صالح اللحام/ ط الدار العثمانية.
* * *
стр. 4330
٩٦٤ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: ((كَانَ لَا يُفَارِقُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِوَاكُهُ وَمُشْطُهُ، وَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ إِذَا سَرَّحَ لِحْيَتَهُ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((كَانَ لَا يُفَارِقُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَسْجِدَ بَيْتِهِ-: سِوَاكُهُ، وَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ أَحْيَانًا، وَيُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ أَحْيَانًا، وَيَأْمُرُ بِهِ)).
[الحكم]: ضعيفٌ جدًّا، وضعَّفه ابن عَدِي، والبَيْهَقي، والعراقي، والهيثمي، وابن حجر.
[التخريج]:
[طس ٦٣٦٧ "واللفظ له" / عد (٥/ ١٩٩) "والرواية له" / شعب ٦٠٧١]
[السند]:
قال الطبراني في (الأوسط): حدثنا محمد بن عَمرو، ثنا أبي، حدثنا محمد بن سلَمة، عن سُلَيْمان بن أَرْقَم، عن الزُّهْري، عن عروة، عن عائشة، به.
ومداره- عندهم- على محمد بن سلَمة، عن سُلَيْمان بن أرْقَم ... به.
قال الطبراني: "لم يروِ هذا الحديثَ عن الزُّهْري إلا سُلَيمانُ بن أرقمَ، تفرَّد به محمد بن سلَمة".
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ آفته سُلَيمان بن أَرْقم؛ قال فيه البخاري: "تركوه"
стр. 4331
(التاريخ الكبير ٤/ ٢)، وقال الذهبي: "متروك" (الكاشف ٢٠٦٨).
وذكر ابن عَدِي هذا الحديث في ترجمته وقال: "ولسُلَيمانَ بنِ أَرْقَمَ غيرُ ما ذكرتُ من الحديث أحاديث صالحة، وعامة ما يرويه لا يُتابعه أحد عليه " (الكامل ٥/ ٢٠٨).
وبه ضعَّفه البَيْهَقي في (الشُّعَب)، والهيثمي في (المجمع ٨٨٧٦)، وابن حجر في (الفتح ١٠/ ٣٦٧).
وضعَّفه أيضًا العراقي في (المغني عن حمل الأسفار ١/ ١٦٢).
* * *
стр. 4332
٩٦٥ - حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
◼ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُفَارِقُ مُصَلَّاهُ سِوَاكُهُ وَمُشْطُهُ، وَكَانَ يُكْثِرُ تَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ)).
[الحكم]: إسناده تالف، وضعَّفه ابن المُلَقِّن، والحافظُ أبو الفضل العراقي، وابنه أبو زُرعة.
[التخريج]:
[منده (أمالي ق ٤٤/ أ) / طاهر (تصوف ٥٤١)].
[السند]:
أخرجه ابن مَنْدَه في مجالسَ من "أماليه"- ومن طريقه ابن طاهر المَقْدسي في (صَفْوة التصوف) والسياق له- قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شعيب النيسابوري، قال: أنا سَهْل بن عمار العَتَكي، قال: أنا عُمر بن عبد الله بن رَزِين، قال: أنا خارجة بن مصعب، عن يَزيدَ بن عمير المَدِيني, عن عِياض بن عبد الله ابن أبي سَرْح، عن أبي سعيد الخُدْري، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد تالف؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: خارجة بن مصعب، قال عنه الحافظ: "متروك، وكان يدلِّس عن الكذابين، ويقال: إن ابن مَعين كذَّبه" (التقريب ١٦١٢).
وبه أعلَّه ابن المُلَقِّن، فقال: "رواه ابن طاهر في ((صَفوة التصوف))، وفيه خارجة بن مصعب، وقد ضعَّفوه" (البدر المنير ٢/ ١٣).
стр. 4333
الثانية: سهل بن عمار العَتَكي؛ كذَّبه غير واحد؛ ولذا قال عنه الذهبي: "متَّهم" (الميزان ٢/ ٢٤٠)، وانظر (لسان الميزان ٣٧١١).
الثالثة: يَزيد بن عُمير المَدِيني؛ قال عنه الخطيب: "أحد المجهولين" (تالي تلخيص المتشابه ٢/ ٥٠١). وأقرَّه العراقي في (ذيل ميزان الاعتدال ٧٤٤)، وابن حجر في (اللسان ٨٥٨٥).
ولذا ضعَّفه العراقي في (المغني عن حمل الأسفار ص ٨٧)، وتبِعَه ابنُه أبو زُرعة في (طرح التثريب ٤/ ١٧٤).
[تنبيهان]:
الأول: جاء هذا الحديث في المطبوع من (تاريخ الإسلام للذهبي ١/ ٧٨٨) وبإِثره: "إسناده واهٍ".
وقال محققه في الحاشية: "كُتبت هذه الفقرةُ على هامش الأصل"ا. هـ.
فلا ندري أهذا من كلام الذهبي أم هو لغيره من العلماء؟ والله أعلم، وقد سقط الحديث برُمَّته من طبعة (دار الكتاب العربي ١/ ٥٠٩).
الثاني: قال الحافظ العراقي في "شرح التِّرْمذي": "في سنن البَيْهَقي، عن أبي سعيد: ((كَانَ لَا يُفَارِقُ مُصَلَّاهُ سِوَاكُهُ وَمُشْطُهُ، وَكَانَ يُكْثِرُ تَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ)). وإسناده ضعيف" (شرح المواهب اللدنية للزُّرْقاني ٥/ ٥٠٥).
كذا قال، ولم نقف عليه في سنن البَيْهَقي ولا في غيره من كتبه، فالله أعلم.
السياقة حَكَم بنكارته أبو حاتم الرازيُّ، وابن عَدِي، وأقرَّه ابن طاهر القَيْسَراني، وابن الجوزي وتبِعَه ابن عِرَاق. وحكَم السُّيوطي بوضعه، وتبِعَه الفَتَّنِي. وقال الألباني: "ضعيف جدًّا". وقولُه: "إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ" له شاهد من حديث ابن مسعود عند مسلم وغيرِه.
[التخريج]:
[عد (٢/ ١٩٥) "واللفظ له" / لال (ملتقطة ٤/ ق ٣٢٥)، (ذيل اللآلئ ٦٩١) "والروايات والزيادتان له" / علج ١١٤٤ / خطج ٩١٤].
[التخريج]:
[حكيم ١٦١١ / عتلال ٣٥٢ "واللفظ له" / سمأ (ص ٣٢) / جوزي (تلبيس ٢٧٩)].
[التخريج]:
[جوزي (تلبيس ٢٨٠) "واللفظ له" / علحا ٢٤٧٨ معلقًا]
[التحقيق]:
رُويَ هذا الحديثُ عن عائشة برواياته الثلاثِ من طرق كلها واهية، وإليك البيان:
الطريق الأول:
رواه ابن عَدِي في (الكامل ٢/ ١٩٥/١٨٠) -ومن طريقه ابن الجوزي في (العلل ١١٤٤) - قال: حدثنا ابن قُتَيْبة، حدثنا محمد بن آدم، حدثنا أبو المُحَيَّاة، عن أيوب بن مُدْرِك، عن مَكْحول، عن عائشة، به، بلفظ السياقة الأولى.
ورواه ابن لَالٍ في "مكارم الأخلاق"- كما في (الغرائب الملتقطة) و (ذيل
стр. 4336
اللآلئ ٦٩١) - من طريق أحمد بن سعيد بن نجدة، حدثنا محمد بن آدم المِصِّيصي، حدثنا أبو المُحَيَّاة، عن أيوب بن مُدْرِك، عن مَكْحول، عن عائشة، أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِرِكْوَةٍ مِنْ مَاءٍ ... " نحوه.
وهذا إسناد واهٍ جدًّا؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: أيوب بن مُدْرِك، قال ابن مَعين: "ليس بشيء، كذاب"، وقال أبو حاتم والنَّسائي والدارَقُطْني: "متروك"، وضعَّفه أبو زُرعة والفَسَوي وابن عَدِي وغيرُهم (اللسان ١/ ٤٨٨)، ولذا قال الذهبي: "تركوه" (الديوان ٥٣٠).
الثانية: انقطاعه بين مَكْحول وعائشةَ؛ فهو لم يسمع منها كما في (السير ٥/ ١٥٦) و (جامع التحصيل ٧٩٦).
وبهاتين العلتين أعلَّه ابن عَدِي، فنَقل جرْح ابن مَعين والنَّسائي لأيوبَ، ثم روَى له حديث الصلاة على أصحاب العمائم يوم الجمعة، ثم حديثَنا هذا، وقال عقبه: "ولأيوبَ بنِ مُدْرِك أحاديث، وعامة حديثِه عن مكحول، وإذا روى عن مكحول، فيكون مكحول عن صحابة، ولم يدركْهم، مثل مَن ذكرته: أبو الدَّرْداء، وعائشة ... (وكل ذلك) مراسيلُ، وأيوب بن مُدْرِك فيما يرويه عن مكحول وغيرِه يتبيَّن على رواياته أنه ضعيف"، ثم قال ابن عَدِي: "وهذان الحديثان منكران عن مكحول، وروى أيوب هذا غيرَ هذين الحديثين عن مكحول مناكير" (الكامل ٢/ ١٩٥ - ١٩٦).
وتبِعه ابن طاهر، فقال: "رواه أيوب بن مدْرِك الحنفي، عن مكحول، عن عائشة. وأيوبُ متروك الحديث، ومكحول عن عائشة منقطع؛ لأنه لم يُدْرِكْها" (ذخيرة الحفاظ ٢٧٥٤).
стр. 4337
وأقرَّه أيضًا ابن الجوزي في حُكمه عليه بالنكارة، غير أنه لم يُعِلَّه إلا بأيوبَ (العلل المتناهية ١١٤٤)، ومع ذلك قال ابن عِرَاق: "أورده ابن الجوزي في الواهيات وأعلَّه بأيوبَ، وقال: تركوه، وبأنه من رواية مكحول عن عائشة ولم يُدركها" (تنزيه الشريعة ٢/ ٢٧٨).
قلنا: وفيه علةٌ أخرى، وهي:
الثالثة: انقطاعه بين أيوب بن مُدْرِك ومكحول؛ قال البخاري في (التاريخ الكبير ١/ ٤٢٣): "أيوب بن مُدْرِك، عن مكحول؛ مرسَل".- أي: منقطع-، وقال ابن حِبَّان: "يروي المناكير عن المشاهير، ويدَّعي شيوخًا لم يَرَهم، ويزعم أنه سمِع منهم، روى عن مكحول نسخةً موضوعة، ولم يَرَه" (المجروحين ١/ ١٨٥ - ١٨٦).
ولذا، ذكره السُّيوطي في (الزيادات على الموضوعات ٦٩١) - وهو (الذيل) -، ثم قال: "أورده في (الميزان) في ترجمة أيوب بن مُدْرك، وقال: قال ابن مَعين: ليس بشيء، وقال مرة: كذاب، وقال أبو حاتم والنَّسائي: متروك، وقال ابن حِبَّان: روى عن مكحول نسخة موضوعة ولم يَرَه".
وتبعه الفَتَّنِي في (تذكرة الموضوعات ص ١٥٩).
وقال الألباني: "ضعيف جدًّا ... ومقتضَى إيراده إياه في (الذيل) أنه حديث موضوع، وما هو عن الصواب ببعيد، لكن الجملة الأخيرة منه: "إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ" قد ثبتت في جملة من الأحاديث الصحيحة، وقد خرَّجت طائفة طيبةً منها في (الصحيحة ١٦٢٦) " (الضعيفة ٦٢٩١).
قلنا: وقد رواه عن مكحول: العلاء بنُ كثير، وأبو سعيد الشامي، فلعل
стр. 4338
أيوب قد أخذه من أحدهما.
فأما رواية العلاء:
فأخرجها الخرائطي في (اعتلال القلوب ٣٥٢) -ومن طريقه السَّمْعاني في (أدب الاملاء والاستملاء ص ٣٢)، وابن الجوزي في (تلبيس إبليس ٢٧٩) - قال: حدثنا أبو سهلٍ بُنَان بن سُلَيْمان الدَّقَّاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن هانئ النَّخَعي، عن العلاء بن كثير، عن مكحول، به، بلفظ الرواية الثانية.
وأخرجها أيضًا الحكيم التِّرْمذي في (نوادر الأصول ١٦١١) قال: حدثنا بذلك أبي ﵀: ثنا أبو نُعَيم النَّخَعي، عن العلاء بن كثير، به، مختصرًا.
وهذا أشدُّ وَهاءً من الذي قبله، وفيه ثلاث علل أيضًا:
الأولى: انقطاعه بين مكحول وعائشةَ؛ كما سبق.
الثانية: العلاء بن كثير، هو الدمشقي؛ قال فيه ابن حجر: "متروك، رماه ابن حِبَّان بالوضع" (التقريب ٥٢٥٤).
الثالثة: عبد الرحمن بن هانئ النَّخَعي مختلَف فيه، والراجح أنه واهٍ، وإليك البيان:
* المجرِّحون: قال فيه أحمد بن حنبل: "ليس بشيء"، وقال ابن مَعين: "كذاب"، وقال أبو داود والنَّسائي: "ضعيف"، وقال العُقَيْلي: "ضعَّفه أبو نُعَيم الفضْل بن دُكَين"، وقال ابن عَدِي: "عامة ما له لا يتابِعه عليه الثقات" (تهذيب التهذيب ٦/ ٢٩٠)، وضعَّفه أبو زُرعة الرازي كما في (الضعفاء ٢٧٣)،
стр. 4339
وقال الدارَقُطْني: "متروك" (العلل ١٤/ ٢٢٤).
ويلحق بهذا الرأي قول البخاري: "فيه نظر، وهو في الأصل صدوق"، قال المُعَلِّمي اليماني: "وكلمة "فيه نظر" معدودة من أشدِّ الجَرْح في اصطلاح البخاري، لكن تعقيبه هنا بقوله: (وهو في الأصل صدوق) يخفِّف من وَطْأتها" (التنكيل ١/ ٢٧٨)، وقال الألباني: "وكأنه يعني: أنه صدوق في نفسه، شديدُ الضعف في حفظه" (الضعيفة ١٢/ ٤٧٢).
* المعدِّلون: قال فيه أبو حاتم: "لا بأس به، يُكتب حديثُه"، وقال العِجْلي: "ثقة"، (تهذيب التهذيب ٦/ ٢٩٠)، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٨/ ٣٧٧)، وقال: "ربما أخطأ، في القلب منه"، وذكره ابن خَلْفُون في (الثقات) وقال: "اختلفوا فيه" (الإكمال لمُغْلَطاي ٣٢٦٤).
والرأي الأول القاضي بوَهائه هو الذي اعتمده الذهبي في (الميزان ٢/ ٥٩٥) و (الديوان ٢٤٩٨) و (المغني ٣٦٤٨)، فلم يَحْكِ غيرَه، ومع ذلك قال ابن حجر: "صدوق له أغلاط، أفرط ابن مَعين فكذَّبه، وقال البخاري: هو في الأصل صدوق"! ! (التقريب ٤٠٣٢).
وأما رواية أبي سعيد الشامي:
فرواها الخطيب في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٩١٤) قال: أنا أبو الحسن محمد بن عُبيد الله بن محمد الحِنَّائي، نا أحمد بن سُلَيْمان النَّجَّادِ إملاءً، نا محمد بن عبد الله بن سُلَيْمان، نا هارون بن إدريس، نا أبو يحيى الحِمَّاني، عن أبي سعيد الشامي، عن مَكْحُول، عن عائشة، قالت: أَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَكْوَةً فِيهَا مَاءٌ، فَاطَّلَعَ فِيهَا، فَرَأَى رَأْسَهُ وَلِمَّتَهُ
стр. 4340
وَوَجْهَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ((إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى إِخْوَانِهِ فَلْيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسِهِ ... )) الحديثَ، لم يذكر فيه اللحية، وهذا إسناد واهٍ كالذي قبله، وفيه ثلاث علل أيضًا:
الأولى: انقطاعه بين مكحول وعائشة؛ كما سبق.
الثانية: أبو سعيد الشامي الذي يروي عن مكحول؛ قال الدارَقُطْني: "مجهول"، وأقرَّه الذهبي في (الميزان ٤/ ٥٣٠)، واعتمده ابن حجر في (التقريب ٨١٣١)، ويحتمل أن يكون هو عبدَ القُدُّوس بن حبيب؛ فإنه شامي، ويُكْنَى بأبي سعيد، ويَروي عن مكحول، فإن كان هو؛ فقد كذَّبه ابن المبارك، وقال الفَلَّاس: "أجمعوا على ترك حديثه" (الميزان ٢/ ٦٤٣)، وهذا الذي ذكرناه احتمالًا قد جزم به الألباني في حديث آخَرَ من رواية الحِمَّاني عن أبي سعيد الشامي عن مكحول (الضعيفة ٣٨٥٧)، ثم ذكر أنه لا يَستبعد أن يكون الذي حكم عليه الحافظ بالجهالة هو وعبدُ القُدُّوس واحدًا، وكيفما كان، فهو علة في الإسناد، والله أعلم.
الثالثة: هارون بن إدريس، لم نجد مَن تَرجم له بعد طول بحث وعناء، وانظر (معجم شيوخ الطبري ٣٥٥).
وشيخه أبو يحيى الحِمَّاني اسمه: عبد الحميد بن عبد الرحمن، وهو مختلَف فيه، وذَكر ابن حجر هذا الاختلافَ في مقدمة الفتح، ثم قال: "إنما روَى له البخاري حديثًا واحدًا في فضائل القرآن ... وهذا الحديث قد رواه مسلم من طريق أخرى ... فلم يخرِّج له إلا ما له أصل" (المقدمة ٤١٦)، وفي (التقريب) قال: "صدوق يخطئ، ورُمي بالإرجاء".
стр. 4341
الطريق الثاني:
رواه ابن الجوزي في (تلبيس إبليس ٢٨٠) من طريق الحسن بن سفيان، ثنا [عبدالرحمن بن صالح، حدثنا] عبد الرحمن بن محمد بن عُبيد (١) الله العَرْزَمي، عن أبيه، عن أم كلثوم، عن عائشة، به، بلفظ الرواية الثالثة.
وتُوبِع عليه عبدُ الرحمن بن صالح:
فقد علَّقه ابن أبي حاتم في (العلل ٢٤٧٨) قال: "سألت أبي عن حديث رواه محمد بن عبد الرحمن العَرْزَمي، عن أبيه، عن جده، عن أم كلثوم، عن عائشة؛ قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ برَكْوَةٍ لَنَا فِيهَا مَاءٌ، فَيَطَّلِعُ فِيهِ، ثُمَّ يُسَوِّي مِنْ لِحْيَتِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: ((لَا بَأْسَ إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى إِخْوَانِهِ أَنْ يُهَيِّئَ مِنْ نَفْسِهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُهَيِّئَ مِنْ نَفْسِي))؟ قال أبي: "هذا حديث منكر".
قلنا: وسنده واهٍ جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: محمد بن عُبيد الله بن أبي سُلَيْمان العَرْزَمي، تركه ابن مَهْدي، وابن المبارك، والقَطَّان، وابن مَعين، وغيرُهم، قال أحمد بن حنبل: "ترك الناس حديثَه"، وقال الحاكم: "متروك الحديث بلا خلافٍ أعرفه بين أئمة النقل فيه" (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٢٣)، ولذا قال الحافظ: "متروك"
стр. 4342
(التقريب ٦١٠٨).
الثانية: عبد الرحمن بن محمد بن عُبيد الله العَرْزَمي، ذُكِر لأبي نُعَيم، فقال: "كان هؤلاء أهلَ بيت يتوارثون الضعف قرنًا بعد قرن" (مسائل محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة عن شيوخه ٥٧)، وقال أبو حاتم: "ليس بقوي" (الجرح والتعديل ٥/ ٢٨٢)، وقال الدارَقُطْني: "متروك" (سؤالات البَرْقاني ٤٤٣)، وقصَّر الذهبي فقال: "ضعَّفه الدارَقُطْني" (الميزان ٢/ ٥٨٥) و (المغني ٣٦٢١)، مع أنه في ترجمة ابنه محمد بن عبد الرحمن من (الميزان ٣/ ٦٢٧) و (المغني ٥٧٣٧) قال: "قال الدارَقُطْني: متروك الحديث هو وأبوه وجده". وأما ابن حِبَّان فذكره في (الثقات ٧/ ٩١) وقال: "يُعتبر حديثُه من غير روايته عن أبيه".
قلنا: وهذا من روايته عن أبيه؛ فلا يُعتبر به إذًا.
وابنه محمد بن عبد الرحمن قد مرَّ قريبًا أنه متروك، ولكن قد تابعه عبد الرحمن بن صالح، وهو العَتَكي، وثَّقه ابن مَعين وغيرُه، وكان شيعيًّا غاليًا (تهذيب التهذيب ٦/ ١٩٧).
الطريق الثالث:
رواه ابن السُّنِّي في (عمل اليوم والليلة ١٧٤)، عن عليِّ بن محمد بن عامر، ثنا محمد بن إسحاقَ بنِ جُوتِي (١)، ثنا أبو عمرو عثمان بن عبد الله بن عثمان بن عمرو بن عبد الرحمن بن الحَكَم بن أبي العاص بن
стр. 4343
أُمَيَّةَ بن عبد شمس، ثنا عيسى بن واقِد الزاهد (١) الإسكندراني، عن عطاء بن السائب، عن مُعاذة العَدَوية، قالت: سمِعتُ عائشة ﵂ تقولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى إِخْوَانِهِ- أَوْ قَالَتْ: إِلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِ- فَنَظَرَ فِي رَكْوَةٍ مِنْ مَاءٍ إِلَى لِمَّتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: بِأَبِي وَأُمِّي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْتَ الْقَائِلُ الْفَاعِلُ حِينَ نَظَرْتَ إِلَى وَجْهِكَ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : ((نَعَمْ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى إِخْوَانِهِ فَلْيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسِهِ)).
ولم يذكر فيه تسوية اللحية؛ ولذا لم نخرِّجه هنا، وسيأتي في باب النظر في المِرآة من هذه الموسوعة إن شاء الله تعالى، وإسناد هذه الرواية تالف؛ وفيه علل:
العلة الأولى: عُثْمَان بن عبد الله الأُمَوي، مختلَف في نسَبه؛ وقد رُمي بالكذب ووضْعِ الحديث وسرِقتِه، قال ابن عَدِي: "يروي الموضوعاتِ عن الثقات"، وقال الدارَقُطْني: "متروك الحديث"، وقال أيضًا: "يضع الأباطيل على الشيوخ الثقات"، وقال الجُورَقاني: "كذاب يسرق الحديث" (اللسان ٥/ ٣٩٤)، وقال الحاكم: "كذاب، قدِمَ خراسان فحدَّث بأحاديثَ أكثرها موضوعة [والحمْل فيها عليه] " (سؤالات السِّجْزي ٤٢ بتصرف) والزيادة من (اللسان ٥١٣٢)، وقال الخطيب: "كان ضعيفًا، والغالب على حديثه المناكير" (تاريخ بغداد ٦٠٠٦)، وقال الذهبي: "متهَمٌ واهٍ، رماه بالوضع ابن عَدِي وغيرُه" (ديوان الضعفاء ٢٧٦٩).
стр. 4344
الثانية: عيسى بن واقِد؛ قال الهيثمي-وتبِعه الألباني-: "لم أجد مَن ذكره" (المجمع ١/ ٢٩٣)، و (الضعيفة ٤٩٠).
قلنا: ذكره ابن عَدِي في أثناء ترجمة الحسن بن عَمرو بن يوسف من (الكامل ٤٦٢)، وقال: "شيخ بصري"، وذكره ابن ناصر الدِّين في (توضيح المشتبه ٤/ ٢٦٠) بلا جَرحٍ أو تعديل، وروى له ابن خُزَيمة في (صحيحه ١٩١٣)، وروى عنه جماعة.
الثالثة: عطاء بن السائب؛ فإنه كان قد اختلط، ولا يُحتج من حديثه إلا بما رواه القدماء من أصحابه، وعيسى بن واقد ليس منهم، (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٠٦).
هذا وقد قال الحافظ العراقي بشأن هذا الحديث: "قد جاء ما يعارضه، روَى الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس: ((لَا يَنْظُرْ أَحَدُكُمْ إِلَى ظِلِّهِ فِي الْمَاءِ))، لكنه من طريق طلحة بن عَمرٍو الحَضْرمي؛ فليس بحجة" (تنزيه الشريعة ٢/ ٢٧٨).
قلنا: كلاهما ليس بحجة، وهذا الحديث الذي أشار إليه ذكره الألباني في (الضعيفة ٦٢٩٢) وقال: "موضوع"، وسيأتي تخريجه في بابه من هذه الموسوعة المباركة إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]:
هذا الحديث أورده السُّيوطي في (الجامع الكبير ١٢/ ٦٤٠/٢٧٣٠٩)، وعزاه لابن السُّنِّي في عمل اليوم والليلة، وقال: "وفيه أيوب بن مُدْرِك، متروك"! ! .
стр. 4345
قلنا: وهذا وهَمٌ؛ فقد سبق أن الحديث عند ابن السُّنِّي ليس من رواية أيوب بن مُدْرِك؛ وإنما رواية أيوبَ عند ابن عَدِي وابنِ لَالٍ وابنِ الجوزي كما بيَّنَّاه آنِفًا.