الطريق الثاني:
رواه ابن الجوزي في (تلبيس إبليس ٢٨٠) من طريق الحسن بن سفيان، ثنا [عبدالرحمن بن صالح، حدثنا] عبد الرحمن بن محمد بن عُبيد (١) الله العَرْزَمي، عن أبيه، عن أم كلثوم، عن عائشة، به، بلفظ الرواية الثالثة.
وتُوبِع عليه عبدُ الرحمن بن صالح:
فقد علَّقه ابن أبي حاتم في (العلل ٢٤٧٨) قال: "سألت أبي عن حديث رواه محمد بن عبد الرحمن العَرْزَمي، عن أبيه، عن جده، عن أم كلثوم، عن عائشة؛ قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمُرُّ برَكْوَةٍ لَنَا فِيهَا مَاءٌ، فَيَطَّلِعُ فِيهِ، ثُمَّ يُسَوِّي مِنْ لِحْيَتِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: ((لَا بَأْسَ إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى إِخْوَانِهِ أَنْ يُهَيِّئَ مِنْ نَفْسِهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُهَيِّئَ مِنْ نَفْسِي))؟ قال أبي: "هذا حديث منكر".
قلنا: وسنده واهٍ جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: محمد بن عُبيد الله بن أبي سُلَيْمان العَرْزَمي، تركه ابن مَهْدي، وابن المبارك، والقَطَّان، وابن مَعين، وغيرُهم، قال أحمد بن حنبل: "ترك الناس حديثَه"، وقال الحاكم: "متروك الحديث بلا خلافٍ أعرفه بين أئمة النقل فيه" (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٢٣)، ولذا قال الحافظ: "متروك"
стр. 4342
(التقريب ٦١٠٨).
الثانية: عبد الرحمن بن محمد بن عُبيد الله العَرْزَمي، ذُكِر لأبي نُعَيم، فقال: "كان هؤلاء أهلَ بيت يتوارثون الضعف قرنًا بعد قرن" (مسائل محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة عن شيوخه ٥٧)، وقال أبو حاتم: "ليس بقوي" (الجرح والتعديل ٥/ ٢٨٢)، وقال الدارَقُطْني: "متروك" (سؤالات البَرْقاني ٤٤٣)، وقصَّر الذهبي فقال: "ضعَّفه الدارَقُطْني" (الميزان ٢/ ٥٨٥) و (المغني ٣٦٢١)، مع أنه في ترجمة ابنه محمد بن عبد الرحمن من (الميزان ٣/ ٦٢٧) و (المغني ٥٧٣٧) قال: "قال الدارَقُطْني: متروك الحديث هو وأبوه وجده". وأما ابن حِبَّان فذكره في (الثقات ٧/ ٩١) وقال: "يُعتبر حديثُه من غير روايته عن أبيه".
قلنا: وهذا من روايته عن أبيه؛ فلا يُعتبر به إذًا.
وابنه محمد بن عبد الرحمن قد مرَّ قريبًا أنه متروك، ولكن قد تابعه عبد الرحمن بن صالح، وهو العَتَكي، وثَّقه ابن مَعين وغيرُه، وكان شيعيًّا غاليًا (تهذيب التهذيب ٦/ ١٩٧).
الطريق الثالث:
رواه ابن السُّنِّي في (عمل اليوم والليلة ١٧٤)، عن عليِّ بن محمد بن عامر، ثنا محمد بن إسحاقَ بنِ جُوتِي (١)، ثنا أبو عمرو عثمان بن عبد الله بن عثمان بن عمرو بن عبد الرحمن بن الحَكَم بن أبي العاص بن
стр. 4343
أُمَيَّةَ بن عبد شمس، ثنا عيسى بن واقِد الزاهد (١) الإسكندراني، عن عطاء بن السائب، عن مُعاذة العَدَوية، قالت: سمِعتُ عائشة ﵂ تقولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى إِخْوَانِهِ- أَوْ قَالَتْ: إِلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِ- فَنَظَرَ فِي رَكْوَةٍ مِنْ مَاءٍ إِلَى لِمَّتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: بِأَبِي وَأُمِّي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْتَ الْقَائِلُ الْفَاعِلُ حِينَ نَظَرْتَ إِلَى وَجْهِكَ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : ((نَعَمْ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى إِخْوَانِهِ فَلْيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسِهِ)).
ولم يذكر فيه تسوية اللحية؛ ولذا لم نخرِّجه هنا، وسيأتي في باب النظر في المِرآة من هذه الموسوعة إن شاء الله تعالى، وإسناد هذه الرواية تالف؛ وفيه علل:
العلة الأولى: عُثْمَان بن عبد الله الأُمَوي، مختلَف في نسَبه؛ وقد رُمي بالكذب ووضْعِ الحديث وسرِقتِه، قال ابن عَدِي: "يروي الموضوعاتِ عن الثقات"، وقال الدارَقُطْني: "متروك الحديث"، وقال أيضًا: "يضع الأباطيل على الشيوخ الثقات"، وقال الجُورَقاني: "كذاب يسرق الحديث" (اللسان ٥/ ٣٩٤)، وقال الحاكم: "كذاب، قدِمَ خراسان فحدَّث بأحاديثَ أكثرها موضوعة [والحمْل فيها عليه] " (سؤالات السِّجْزي ٤٢ بتصرف) والزيادة من (اللسان ٥١٣٢)، وقال الخطيب: "كان ضعيفًا، والغالب على حديثه المناكير" (تاريخ بغداد ٦٠٠٦)، وقال الذهبي: "متهَمٌ واهٍ، رماه بالوضع ابن عَدِي وغيرُه" (ديوان الضعفاء ٢٧٦٩).
стр. 4344
الثانية: عيسى بن واقِد؛ قال الهيثمي-وتبِعه الألباني-: "لم أجد مَن ذكره" (المجمع ١/ ٢٩٣)، و (الضعيفة ٤٩٠).
قلنا: ذكره ابن عَدِي في أثناء ترجمة الحسن بن عَمرو بن يوسف من (الكامل ٤٦٢)، وقال: "شيخ بصري"، وذكره ابن ناصر الدِّين في (توضيح المشتبه ٤/ ٢٦٠) بلا جَرحٍ أو تعديل، وروى له ابن خُزَيمة في (صحيحه ١٩١٣)، وروى عنه جماعة.
الثالثة: عطاء بن السائب؛ فإنه كان قد اختلط، ولا يُحتج من حديثه إلا بما رواه القدماء من أصحابه، وعيسى بن واقد ليس منهم، (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٠٦).
هذا وقد قال الحافظ العراقي بشأن هذا الحديث: "قد جاء ما يعارضه، روَى الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس: ((لَا يَنْظُرْ أَحَدُكُمْ إِلَى ظِلِّهِ فِي الْمَاءِ))، لكنه من طريق طلحة بن عَمرٍو الحَضْرمي؛ فليس بحجة" (تنزيه الشريعة ٢/ ٢٧٨).
قلنا: كلاهما ليس بحجة، وهذا الحديث الذي أشار إليه ذكره الألباني في (الضعيفة ٦٢٩٢) وقال: "موضوع"، وسيأتي تخريجه في بابه من هذه الموسوعة المباركة إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]:
هذا الحديث أورده السُّيوطي في (الجامع الكبير ١٢/ ٦٤٠/٢٧٣٠٩)، وعزاه لابن السُّنِّي في عمل اليوم والليلة، وقال: "وفيه أيوب بن مُدْرِك، متروك"! ! .
стр. 4345
قلنا: وهذا وهَمٌ؛ فقد سبق أن الحديث عند ابن السُّنِّي ليس من رواية أيوب بن مُدْرِك؛ وإنما رواية أيوبَ عند ابن عَدِي وابنِ لَالٍ وابنِ الجوزي كما بيَّنَّاه آنِفًا.
стр. 4346
٩٦٧ - حَدِيثُ عَطَاءٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ: أَنِ اخْرُجْ- كَأَنَّهُ يَعْنِي: إِصْلَاحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ- فَفَعَلَ الرَّجُلُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ؟ ! )).
[الحكم]: إسناده ضعيف؛ لإرساله، وأشار إلى هذه العلةِ البَيْهَقيُّ وابن عبد البر وابن حجر والألباني، ولكن قال البَيْهَقي: إنه مرسَلٌ جيِّدٌ.
[الفوائد]:
قال ابن عبد البر: "وفيه: إباحة اتخاذ الشعَرِ والوَفَراتِ والجُمَم؛ لأنه لم يأمرْه بحَلْقه. وفيه: الحضُّ على ترجيل شعرِ الرأس واللحية، وكراهيةُ إهمالِ ذلك والغفلةِ عنه، حتى يتشعَّثَ ويَسمُجَ، وهذا عندي أصلٌ في إباحة التزيُّن والتنظُّفِ كلِّه ما لم يتشبَّهِ الرجلُ في ذلك بالنساء.
وأما قوله في الحديث: ((كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ)) فهو محمول على المعروف من كلام العرب؛ لأنها كانت تُشبِّه ما استقبحَتْ بالشيطان، وإن كان لا يُرى؛ لِما أوقع الله في نفوسهم من كراهية طلْعتِه، ومن هذا المعنى قولُه في شجرة الزَّقْوم: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] " (التمهيد ٥/ ٥٠ - ٥١).
[التخريج]:
[طا ٢٧٣٢ / شعب ٦٠٤٣ / هقد ٦٩٦]
стр. 4347
[السند]:
أخرجه مالك في "الموطأ"- ومن طريقه البَيْهَقي في (الشُّعب) و (الآداب) -: عن زيد بن أسلمَ، أن عطاء بن يَسارٍ أخبره، قال: ... فذكره.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقات، إلا أنه مرسَل.
ولكنه مرسل قويٌّ؛ فعطاء بن يسار من كبار التابعين، جُلُّ رواياته عن الصحابة، لا يَكاد يَروي عن غيرهم.
ولهذا قال البَيْهَقي: "هذا مرسَل جيِّدٌ" (الآداب ٦٩٦).
وقال الألباني: "أخرجه مالك في "الموطأ" بسند صحيح، ولكنه مرسَل" (الصحيحة ١/ ٨٩٢).
قال ابن عبد البر: "ولا خلاف عن مالك أن هذا الحديث مرسل، وقد يتصل معناه من حديث جابر وغيرِه" (التمهيد ٥/ ٥٠). ويعني بحديث جابر، ما رواه الأوزاعي قال: حدثني حسَّان بن عطية قال: حدثني محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَائِرًا فِي مَنْزِلِنَا، فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا، فَقَالَ: ((أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ رَأْسَهُ))، وَرَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ، فَقَالَ: ((أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ)) " (الاستذكار ٨/ ٤٣٦).
وأشار إلى هذا الشاهدِ أيضًا الحافظُ، فقال: "وهو مرسل صحيحُ السند، وله شاهد من حديث جابر، أخرجه أبو داودَ والنَّسائيُّ بسند حسن" (فتح الباري ١٠/ ٣٦٧).
لكن حديث جابرٍ هذا ليس فيه ذِكرُ اللحية، ثم إنه معلول، أعلَّه الإمام أحمدُ والنَّسائي وغيرُهما، كما سيأتي بيانُه في باب: "إكرام الشعر".
стр. 4348
٩٦٨ - حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:
◼ عَنْ أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ سَرَّحَ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ بِالْمُشْطِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ؛ عُوفِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، وَزِيدَ فِي عُمُرِهِ)).
[الحكم]: باطل موضوع، حَكمَ بوضعِه ابنُ حِبَّان والدارَقُطْني وابنُ الجوزي- وأقرَّه الذهبي وابن حجر والشوكاني-، وقال أبو نُعَيم: "منكَرٌ بمَرَّة"، وأقرَّه السُّيوطي وابن عِرَاق.
[التخريج]:
[مجر (١/ ٣٣٥) / أصبهان (٢/ ٢٦٥) "واللفظ له" / تمام ١٦٦٣ / قطغ (لسان ٣/ ١٨) / كر (٥٤/ ٨٥) / سمأ (ص ٣١) / ضو ١٤٥٢].
[السند]:
أخرجه ابن حِبَّان في (المجروحين)، قال: أخبرناه محمد بن المسيِّب، ثنا الفتح بن نُصَير الفارسي، ثنا حسان بن غالب، أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شِهاب، عن سعيد بن المسيِّب، عن أُبَيِّ بن كعب، به.
ورواه الدارَقُطْني في (غرائب مالك) كما في (اللسان)، وأبو نُعَيم في (تاريخ أصبهان) -ومن طريقه ابنُ عساكر في (تاريخ دمشق) -، وتمَّام في (الفوائد)، والسَّمْعاني في (أدب الإملاء)، وابن الجوزي في (الموضوعات): من طُرق، عن الفتح بن نُصَير (١)، عن حسَّان بن غالب، ... به.
стр. 4349
[التحقيق]:
هذا إسناد ساقط؛ فيه علتان:
الأولى: حسَّان بن غالب، قال فيه ابن حِبَّان: "شيخ من أهل مِصرَ، يَقْلب الأخبارَ على الثقات، ويروى عن الأثبات المُلزَقاتِ، لا يحلُّ الاحتجاجُ به بحال، ولا الروايةُ عنه إلا على سبيل الاعتبار"، ثم روى له هذا الحديثَ، (المجروحين ١/ ٢٧١).
وقال الحاكم: "له عن مالك أحاديثُ موضوعة"، وقال أبو نُعَيم: "حدَّث عن مالك بالمناكير"، وقال الدارَقُطْني: "ضعيف متروك"، وشذَّ ابنُ يونسَ فوثَّقه! ! (اللسان ٣/ ١٨).
وقد رُمِي حسانُ بوضعَ هذا الحديث، أشار إلى ذلك ابن حِبَّان فيما نقلْناه آنِفًا؛ ولذا قال السُّيوطي: "قال ابن حِبَّان: موضوع؛ آفتُه حسَّان شيخُ أهل مصر، كان يروي عن الثقات المَلزوقات" (اللآلئ ٢/ ٢٢٧)، وقال ابن الجوزي: "موضوع، والبلاء فيه من حسان بن غالب المصري" (الموضوعات ٣/ ٥٤)، وقال ابن طاهر: "رواه حسان ... وحسان هذا من أهل مِصرَ، يَقْلب، ويروي عن الثقات المقلوباتِ" (التذكرة ٨٣١) وقال الذهبي: "وضعه حسان بنُ غالب" (تلخيص الموضوعات ٧٠٩).
الثانية: الفتح بن نُصير أو نَصر الفارسي، المصري، قال ابن أبي حاتم: "تكلَّموا فيه، وضعَّفوه؛ فلم نسمع منه" (الجرح والتعديل ٧/ ٩١)، وقال الدارَقُطْني: "ضعيف متروك" (لسان الميزان ٦/ ٣١٧). والحديث أورده
стр. 4350
الدارَقُطْني مع آخَرَ في غرائب مالك، وقال: "هذا لا يصحُّ عن مالك، وفتْحٌ وحسان ضعيفان، وهذا الحديث وحديثُ المُشْطِ موضوعان" (اللسان ٣/ ١٨)، (الفوائد المجموعة ص ١٩٨).
وقال أبو نُعَيم بعد أن أخرجه في (تاريخ أصبهان): "منكَرٌ بمَرَّة"، نقله السُّيوطي في (اللآلئ ٢/ ٢٢٧)، وابن عِرَاق في (تنزيه الشريعة ٢/ ٢٧٤) (١).
ونقل الحافظ في (لسان الميزان ٦/ ٣١٧)، عن الدارَقُطْني أنه قال في الفتح: "ضعيف متروك"، ثم قال: "وأورد له هذا الباطلَ عن حسان بن غالب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة ... وقد تقدَّم في ترجمة حسان بن غالب، وأن الدارَقُطْني ضعَّفه". وكذا ذكر ابن عِرَاق في (تنزيه الشريعة ٢/ ٢٧٤) أن الدارَقُطْني أخرج هذا الحديث في الغرائب من حديث أبي هريرة، من طريق الفتح بن نصر، بإسناد حديث أُبيٍّ نفْسِه.
والذي في (اللسان ٣/ ١٨) في ترجمة حسانَ ظاهرُه أنه خرَّجه من حديث أُبَيِّ بن كعب؛ لأنه أحاله على سند ابن حِبَّان، وهو الموافق لما في سائر المراجع، وإلا فإن لم يكن ما ذكراه سبْقَ قلمٍ، فيكونُ قد اختُلف على الفتح في سنده، وكلاهما موضوع كما قاله الدارَقُطْني وغيرُه، والله أعلم.
стр. 4351
٩٦٩ - حَدِيثُ الْحَكَمِ مُرْسَلًا:
◼ عَنِ الْحَكَمِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِالْمُشْطِ)).
[الحكم]: مرسَل ضعيف الإسناد، وأعلَّه العراقي.
[التخريج]:
[خطج ٩٠٩ / سمأ (ص ٣١)]
[السند]:
رواه الخطيب في (الجامع) - ومن طريقه السَّمْعاني في (أدب الإملاء) - قال: أنا محمد بن الحُسين القَطَّان، أنا دَعْلَجُ بن أحمدَ، أنا أحمد بن عليٍّ الأَبَّارُ، أنا أبو ذَرٍّ الحَدَّادُ الصقر بن حسين، بصري، نا أبو بكر الحنَفي، عن مِسْعَر بن كِدَام، عن لَيْث، عن الحَكَم، به.
[التحقيق]:
هذا إسناده ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: الإرسال؛ فالحَكَم- وهو ابن عُتَيْبة- تابعيٌّ من صغار التابعين.
الثانية: لَيْث، وهو ابن أبي سُلَيْم، ضعَّفه أحمد وأبو زُرعة وأبو حاتم وغيرُهم (تهذيب التهذيب ٨/ ٤٦٨) وقال الحافظ: "صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثُه؛ فتُرِك" (التقريب ٥٦٨٥).
الثالثة: الصقر بن حسين، لم نجد له ترجمة.
وبقية رجال الإسناد ثقاتٌ مشاهيرُ، والحديث ذكره العراقي في (المغني ص ٨٧)، وأعلَّه بالإرسال فقط.
[تنبيه]:
تصحَّفَ الحَكَم في (الحاوي للسيوطي ١/ ٤٦٣) إلى (الحسن).
стр. 4352
٩٧٠ - حَدِيثُ عليٍّ: ((عَلَيْكُمْ بِالْمُشْطِ)):
◼ عَنْ عَليٍّ ﵁ مرفوعًا: ((عَلَيْكُمْ بِالْمُشْطِ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الْفَقْرَ، وَمَنْ سَرَّحَ لِحْيَتَهُ (حِينَ) (١) يُصْبِحَ كَانَ لَهُ أَمَانًا حَتَّى يُمْسِيَ؛ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ زَيْنُ الرِّجَالِ، وَجَمَالُ الْوَجْهِ)).
[الحكم]: باطل موضوع، قاله السُّيوطي، وابن حجرٍ الهَيْتمي، والعَجْلُوني.
[التحقيق]:
لم نجدْه مسنَدًا، وإنما ذكره السُّيوطي في (الحاوي ٢/ ٤٦) عن عليٍّ ﵁ مرفوعًا، ثم بيَّن بعد ذلك أنه حديث مقطوعٌ ببطلانه (الحاوي ٢/ ٦٤).
بينما ذكره عبد الرحمن الصَّفُّوري في (نزهة المجالس ومنتخب النفائس ٢/ ٣٠٩) عن عليٍّ ﵁ موقوفًا، بلفظ: "مَنْ سَرَّحَ لِحْيَتَهُ ... ". دُون أوَّلِه.
وسُئِل عنه ابنُ حجر الهيتمي مع عدة أحاديثَ أخرى، فقال: "هذه الأحاديث كلُّها كذِبٌ موضوعة، لا يحلُّ روايةُ شيء منها إلا لبيان أنها كذِبٌ مُفترَى على النبي ﷺ ، كما أفاد ذلك الحافظ السُّيوطيُّ شكر الله سعْيَه" (الفتاوى الحديثية ص ١٢٤).
وذكره العَجْلُوني في (كشف الخفاء ٢/ ٣١٥) وقال: "موضوع كحديث: "مَنْ أَمَرَّ الْمُشْطَ عَلَى حَاجِبَيْهِ؛ عُوفِيَ مِنَ الْوَبَاءِ"، وكحديث: "عَلَيْكُمْ بِالْمُشْطِ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الْفَقْرَ"، جميعًا موضوع كذِبٌ، كما نَقل ذلك ابنُ حجر المكيُّ عن الحافظ السُّيوطي".
ولم يبيِّنْ واحدٌ منهم مَن أخرجه! ! .
стр. 4353
١٤٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِحْفَاءِ الشَّارِبِ وَقَصِّهِ ونحو ذلك
٩٧١ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ((أَحْفُوا (انْهَكُوا) الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى)).
[الحكم]: متفق عليه (خ، م).
[اللغة]:
(أَحْفُوا): من الإحفاء، وهو المبالغة في القصِّ، انظر ما تقدَّم في باب: "إعفاء اللحية".
[التخريج]:
[خ ٥٨٩٣ "والرواية له" / م (٢٥٩/ ٥٢) "واللفظ له" / ت ٢٩٦٥ / ... ]
سبق برواياته وشواهدِه في باب: "إعفاء اللحية".
стр. 4354
٩٧٢ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: ((الْفِطْرَةُ خَمْسٌ (خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ): الْخِتَانُ (الِاخْتِتَانُ)، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْآبَاطِ)).
[الحكم]: متفق عليه (خ، م) عدا الروايةِ الثانية فلمُسْلم.
[التخريج]:
[خ ٥٨٨٩ "والرواية له ولمسلم"، ٥٨٩١ "واللفظ له"، ٦٢٩٧ / م (٢٥٧/ ٤٩)، (٢٥٧/ ٥٠) "والرواية الثانية له" / د ٤١٤٩ / ....... ]
سبق برواياته وشواهدِه في باب: "خصال الفطرة".
[التحقيق]: انظر الكلامَ عليه فيما يأتي.
رِوَايَة: ((فَأَخَذَ بِشَارِبِي))
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: ((ضِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةً، فَأَخَذَ بِشَارِبِي (مِنْ شَارِبِي) عَلَى سِوَاكٍ)).
[الحكم]: إسناده جيد.
[التخريج]:
[حرملة (هقع ١٢٧٤) "واللفظ له" / هقع ١٢٧٥ "والرواية له"].
[السند]:
أخرجه أحمد في (المسند)، قال: حدثنا وَكِيع، حدثنا مِسْعَر، عن أبي صَخرةَ جامِع بن شَدَّاد، عن مُغيرة بن عبد الله، عن المُغيرة بن شُعْبة، به. بلفظ السياقة الأولى.
وأخرجه الشافعي- كما في (سنن حرملة/ معرفة السنن والآثار) -، قال: أخبرنا سفيان، عن مِسْعَر، عن أبي صخرة، عن المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل، عن المُغيرة بن شُعْبة، به. بلفظ السياقة الثانية.
ومداره عند الجميع على مِسْعَر بن كِدَام، عن أبي صخرة جامِع بن شَدَّاد، عن المُغيرة بن عبد الله، عن المُغيرة بن شُعْبة، به.
وقال الدارَقُطْني: "تفرَّد به جامع أبو صخرة، عن المغيرة عن المغيرة"
стр. 4357
(أطراف الغرائب والأفراد ٤٣٨٤).
[التحقيق]:
هذا إسناد جيد؛ رجاله كلُّهم ثقاتٌ رجال الصحيحين، غيرَ المغيرة بن عبد الله اليَشْكُري؛ فمِن رجال مسلم فقط، روَى عنه جمْعٌ من الثقات، ووثَّقه العِجْلي وابن حِبَّان، كما في (تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٦٣)، وقال الحافظ: "ثقة" (التقريب ٦٨٤٢).
ولذا قال الدارَقُطْني: "وهو صحيح من حديث مِسْعَر" (أطراف الغرائب ٤٣٨٤).
وذكره عبد الحق الإشْبيلي في (الأحكام الوسطى ١/ ٢٤٢)، وسكتَ عنه مصحِّحًا له.
وقال الحافظ العراقي: "إسناده صحيح، رجالهم محتَجٌّ بهم في الصحيح" (مسألة في قص الشارب ص ٣٩).
وقال الألباني: "هذا إسناد صحيح على شرط مسلم" (صحيح سنن أبي داود ١٨٣).
стр. 4358
رِوَايَةُ: ((تَسَحَّرْتُ مَعَ ... )):
• وَفِي رِوَايَةٍ، بِلَفْظ: تَسَحَّرْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِجَنْبٍ مَشْوِيٍّ، وَكَانَ يَقْطَعُ بِالْمُدْيَةِ، فَقَالَ: ((لَقَدْ وَفَى شَارِبُكَ يَا مُغِيرَةُ))، فَقَصَّهُ عَلَى سِوَاكٍ بِالشَّفْرَةِ.
[الحكم]: صحيح لغيره.
[التخريج]:
[طب (٢٠/ ٤٣٥ - ٤٣٦/ ١٠٦٠) "واللفظ له" / مث ١٥٥١ مختصرًا / جعفر ٣٩٣ / شعب ٦٠٢٦ / فقط (أطراف ٤٣٨٣)].
[السند]:
قال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عَمرو الوَكِيعي، حدثني أبي، (ح)
وحدثنا (عَلَّان) (١) بن عبد الصمد (ماغَمَّهُ) (٢)، ثنا القاسم بن دينار، قالا: ثنا إسحاق بن منصور السَّلُولي، عن غالب بن نَجِيح، عن جامِع بن شَدَّاد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المُغيرة بن (شُعْبة) (٣) به.
стр. 4359
ومداره- عند الجميع- على إسحاقَ بن منصورٍ السَّلُولي ... به.
قال الدارَقُطْني في "الأفراد": "تفرَّدَ به إسحاق بن منصور، عن غالب بن نَجيح، عن جامِع بن شَدَّاد، عن المغيرة" (الأطراف ٤٣٨٣).
[التحقيق]:
هذا إسناد حسن؛ إسحاق بن منصور السَّلُوليُّ، قال فيه الحافظ: "صدوق" (التقريب ٣٨٥).
وغالب بن نَجيحٍ: وثَّقه يحيى بنُ مَعين، كما في (سؤالات ابن الجُنَيد ٨٧٧)، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٧/ ٣٠٩). وقال فيه الحافظ: "مقبول" (التقريب ٥٣٤٩)، ولعله لم يقفْ على توثيق ابن مَعينٍ له.
وقد تابعه مِسْعَر، كما في الرواية السابقة.
стр. 4360
رِوَايَةُ: ((ضِفْتُ بِآلِ رَسُولِ اللهِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: ضِفْت بِآلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَزَّ لِي رَسُولُ اللهِ مِنْ جَنْبِ شَاةٍ بِالشَّفْرَةِ, فَأَذَّنَ بِلَالٌ بِالْفَجْرِ، فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ، وَقَالَ: ((مَا لَهُ, تَرِبَتْ يَدَاهُ؟)) وَكَانَ شَارِبِي طَوِيلًا قَدْ وَفَي، فَقَالَ: ((أَقُصُّهُ لَكَ؟))، فَقَصَّهُ عَلَى سِوَاكٍ.
[الحكم]: صحيح المتن، وإسناده غريب.
[التخريج]:
[طب (نسخة الظاهرية ١٠/ ق ٣٢٥/ أ) (١)]
[السند]:
أخرجه الطبراني في (الكبير) - كما في (نسخة الظاهرية) -، قال: حدثنا عبد الله بن أحمدَ بنِ حنبل، حدثني أبي، ثنا أبو أسامة، ثنا مِسْعَر بن كِدَام، عن زِياد بن عِلاقَة، عن المغيرة بن عبد الله، عن المُغيرة بن شُعْبة، به. بلفظ السياقة الثالثة.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجالُه ثقات، إلا أن ذكر زِياد بن عِلاقَةَ في هذا السندِ غريبٌ، والمحفوظ عن مِسْعَر عن جامِع بن شَدَّاد، كذا رواه وكيعٌ وسفيانُ بن عُيَيْنة عن مِسْعر، كما تقدَّم، والله أعلم.
стр. 4361
رِوَايَةُ: رَأَى رَجُلًا طَوِيلَ الشَّارِبِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا طَوِيلَ الشَّارِبِ, فَدَعَا [النَّبِيُّ ﷺ ] بِسِوَاكٍ وَشَفْرَةٍ , فَقَصَّ شَارِبَ الرَّجُلِ عَلَى عُودِ السِّوَاكِ (فَوَضَعَ السِّوَاكَ تَحْتَ الشَّارِبِ فَقَصَّ عَلَيْهِ))).
[الحكم]: حسن لغيره، وإسناد ضعيف؛ لانقطاعه، وصحَّحه الألباني.
[التخريج]:
[طي ٧٣٣ "والرواية له ولغيره" / طح (٤/ ٢٢٩/ ٦٥٥٤ "واللفظ له"، ٦٥٥٥ "والزيادة له") / هق ٧٠٣ / هقغ ٩١ / شعب ٦٠٢٥].
[السند]:
أخرجه أبو داودَ الطيالسيُّ في (المسند)، قال: حدثنا المَسْعُودي، قال: أخبرني أبو عَوْنٍ الثقفيُّ محمد بن عُبيد الله، عن المُغيرة بن شُعْبة، به.
وأخرجه الطَّحاوي في (شرح معاني الآثار ٦٥٥٥) من طريق عبد الله بن رجاء، عن المَسْعُودي، به.
ومداره- عند الجميع- على المَسْعُودي، عن أبي عَوْنٍ الثقفي، عن المُغيرة بن شُعْبة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقات، إلا أن المَسْعُودي اختلط قبل موته، وضابِطُه: أن مَنْ سَمِع منه ببغدادَ فبَعْد الاختلاط، كما في (التقريب ٣٩١٩)، وعبد الله بن رجاء ممن سَمِع منه قبل الاختلاط، كما قال الحافظ العراقي في (التقييد والإيضاح ص ٤٥٤).
стр. 4362
لكنْ في السند انقطاعٌ؛ بين أبي عونٍ محمد بنِ عُبيد الله الثقفيِّ وبين المُغيرة بن شُعْبة؛ فبيْن وفاتيْهما ما يَزيدُ على سبعين عامًا، ولم يذكر أحدٌ ممن ترجم لأبي عَوْنٍ المغيرةَ في شيوخه، وإنما يروي أبو عَونٍ عن المغيرة بواسطة أبيه تارة، وبواسطة وَرَّادٍ الثقفيِّ كاتبِ المغيرة تارةً أخرى، وقد قال أبو زُرعة: "محمد بن عُبيد الله الثقفيُّ عن سعدٍ مرسَلٌ" (المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٨٤)، ومات سعدٌ (سنة ٥٥ هـ)؛ فنفْيُ سماعِه من المغيرة وقد مات (سنة ٥٠ هـ) من باب أَوْلى، والله أعلم.
ومع هذا قال الألباني: "وهذا إسناد صحيح؛ فإن المَسْعُودي ثقةٌ؛ إنما تكلَّموا فيه من أجل
حِفْظِه"! ! (صحيح سنن أبي داود ١٨٣).
كذا، ولعله أراد من أجل اختلاطِه، وهي منتفيةٌ هنا، لكن يبقى النظرُ في سماع أبي عَوْنٍ من المغيرة.
وعلى كلٍّ: يَشهَدُ لمتْنِه ما تقدَّم من رواية المغيرة بن عبد الله عن المُغيرة بن شُعْبة، وإن كان ظاهرُ رواية أبي عَوْنٍ هذه يخالفُ روايةَ المغيرة بن عبد الله، ففي رواية المغيرة: أن صاحب الحكاية هو المُغيرة نفْسُه، وفي رواية أبي عونٍ هذه: المغيرةُ يحكيها عن رجل آخَرَ.
ولكن هذا ليس بعلة؛ فربما أبهم الراوي نفْسَه لأسباب كثيرة. والله أعلم.
стр. 4363
٩٧٤ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَبْصَرَ رَجُلًا وَشَارِبُهُ طَوِيلٌ، فَقَالَ: ((ائْتُونِي بِمِقَصٍّ وَسِوَاكٍ))، فَجَعَلَ السِّوَاكَ عَلَى طَرْفِهِ، ثُمَّ أَخَذَ مَا جَاوَزَ.
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا، وضعَّفه البزَّار، وعبد الحق الإشْبيلي، والعراقي، والهيثمي، وابن حجر.
[التخريج]:
[بز (كشف ٢٩٦٩)].
[السند]:
قال البزَّار: حدثنا أيوب بن منصور، حدثنا عبد الرحمن بن مُسْهِر، حدثنا هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه عبد الرحمن بن مُسْهِرٍ أخو علي بن مُسْهِر، وهو ضعيف جدًّا؛ أسقطه أحمدُ وابن مَعين وأبو خَيْثَمة، وتركه أبو حاتم وأبو زُرعة والنَّسائي، وقال البخاري: "فيه نظر" (لسان الميزان ٥/ ١٣٨ - ١٤٠).
وبه ضعَّفه البزَّار، فقال- عقبه-: "لا نعلم رواه عن هشامٍ إلا ابنُ مُسْهِر، ولم يتابَع عليه، وليس بالحافظ".
وقال عبد الحق الإشْبيلي: "ولم يتابَع عبدُ الرحمن على هذا، وهو متروك" (الأحكام الوسطي ١/ ٢٤٢).
وقال الهَيْثَمي: "رواه البزَّار، وفيه عبد الرحمن بن مُسْهِر، وهو كذاب"
стр. 4364
(المجمع ٨٨٤٨، ٨٨٥٩).
وتبِعه الحافظ ابن حجر فقال- متعقبًا البزَّارَ-: "بل هو كذاب" (مختصر زوائد البزَّار ١٢٢٤).
وبه ضعَّفه أيضًا الحافظُ العِراقي، ثم قال: "وهذا المتن ضعيف لا يصلُحُ للاستشهاد به، وإنما ذكرته لأُنبِّهَ على ضعفه، والحجة قائمةٌ بحديث المُغيرة بن شُعْبَة" (مسألة في قص الشارب ص ٤٠).
стр. 4365
٩٧٥ - حَدِيثٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحْفِي شَارِبَهُ)).
[الحكم]: منكَر، وأعلَّه الألباني.
[التخريج]:
[بز ٥٣٩٩ "واللفظ له" / طس ٦٤٢٦ مطولا / سعد (١/ ٣٨٦) / كك (٢/ ٢٥٧) / رقة ٢٤٤].
[التحقيق]:
هذا الحديث له ثلاثةُ طرق عن ابن عُمر:
الطريق الأول:
أخرجه البزَّار في (مسنده ٥٣٩٩)، قال: حدثنا سُلَيْمان بن سَيْف، حدثنا محمد بن سُلَيْمان بن أبي داود، حدثنا أبو بكر بن بَدْر، قال: سمعت مَيْمون بن مِهْران يحدِّث، قال: سمعت ابن عُمر، به.
وأخرجه أبو علي القُشَيْري في (تاريخ الرَّقَّة ٢٢٤) - وعنه أبو أحمد الحاكم في (الكنى ٢/ ٢٥٧) - من طريق محمد بن سُلَيْمان، عن أبي بكر بن بدر الأَسَدِي، عن ميمون، به.
وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: أبو بكر بن بَدْر الأَسَدي، ترجم له أبو علي القُشَيْري في (تاريخ الرَّقَّة ٣٧)، وأبو أحمد الحاكم في (الكنى ٢/ ٢٥٧)، وابن مَنْدَه في (فتح الباب ١٠٦٦)، والذهبي في (المقتنى ٨٩٧) بروايته عن ميمون بن مِهران، ولم يذكروا راويًا عنه غيرَ محمد بنِ سُلَيْمان بن أبي داود؛ فهو مجهول
стр. 4366
الحال والعينِ معًا.
بل وأورد أبو عليٍّ القُشَيْريُّ في (تاريخ الرَّقَّة ٢٢٥) - ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخه ١/ ٣٦٧) - حكايةً عنه تدُلُّ على خفة عقلِه؛ حيث قال: "سألت أبا عُمر هلالًا- يعني: ابنَ العلاء- عن أبي بكر بن بدر؟ فقال: ذَكروا أنه خرج يوم خميسٍ قد لبِسَ ثيابَه، يريد الجمعةَ، فمر بمَيْمون بن مِهْران، فقال له: أين تريد؟ قال: الجمعة. فقال له ميمون: قد أخَّروها إلى غدٍ! فرجَع إلى أهله، فقال لهم: قال لي ميمون بنُ مِهْران: إنهم قد أخَّروا الجمعةَ إلى غد"! .
الثانية: المخالَفة؛ فقد أخرجه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٧٤٢) عن أبي سفيان عبد الرَّحيم بن مُطَرِّف، قال: حدثنا أبو الْمَلِيح، عن ميمون بن مِهران: ((أَنَّهُ كَانَ يُحْفِي شَارِبَهُ، وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُهُ)).
وهذا إسناد صحيح رجالُه كلُّهم ثقات، فأبو الْمَلِيح- وهو الحسن بن عُمر الرَّقِّيُّ- وثَّقه أحمد وابنُ مَعينٍ وأبو زُرعة والدارَقُطْني وغيرُهم، انظر (تهذيب التهذيب ٢/ ٣١٠).
فلا ريب أن روايتَه أَوْلى بالصواب من رواية ابنِ بدْرٍ المجهول.
ومما يؤكِّد ذلك، أنه قد رواه جماعةٌ أيضًا عن ابن عُمر موقوفًا، انظر (مصنف ابن أبي شَيْبة ٢٦٠٠٥)، و (الآحاد والمثاني ٧٤٣)، و (شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣١ / ٦٥٦٦ - ٦٥٧٢)، وغيرها من المصادر.
الطريق الثاني:
أخرجه ابن سعد في (الطبقات)، قال: حدثنا عفَّان بن مُسْلِم، أخبرنا حمَّاد بن سلمة، قال: أخبرنا عُبيد الله بن عُمر، عن سعيد بن أبي سعيد
стр. 4367
المَقْبُري، عن ابن جُرَيج: أنه قال لابن عُمر: رَأَيْتُكَ تُحْفِي شَارِبَكَ؟ قَالَ: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُحْفِي شَارِبَهُ)).
وهذا إسنادٌ ظاهرُه الصحة؛ رجاله كلُّهم ثقات رجال مسلم، ولكنه معلول؛ فقد خُولِف فيه حمَّادُ بن سلمة:
خالفه يحيى بن سعيد القَطَّان، كما عند أحمدَ في (المسند ٤٦٧٢).
وأبو أسامة حمادُ بن أسامة، كما عند ابن أبي شَيْبة في (المصنف ٢٥٥٥٣) - وعنه ابن ماجه في (السنن ٣٦٢٦) -.
وأبو داودَ الطيالسيُّ في (مسنده ٢٠٤٠).
ثلاثتُهم: عن عُبيد الله بن عُمر، عن سعيد بن أبي سعيد، أن عُبَيد بنَ جُرَيج، سأل ابنَ عُمر، قال: رَأَيْتُكَ تُصَفِّرُ لِحْيَتَكَ بِالْوَرْسِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ((أَمَّا تَصْفِيرِي لِحْيَتِي فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ)). ولم يذكروا إحفاءَ الشارب.
وكذا رواه مالك في (الموطأ/ كتاب الحج ٣١) - ومن طريقه البخاري (١٦٦، ٥٨٥١)، ومسلم (١١٨٧)، وأحمد (٥٣٣٨) -، ومحمد بن عَجْلان- كما عند الحميدي في (مسنده ٦٦٦) -، كلاهما عن سعيدٍ المَقْبُري، به، في تصفير اللحية كرواية الجماعة، عن عُبيد الله بن عُمر.
وهذا كلُّه مما يؤكِّد خطأَ حمَّادِ بن سلَمة في ذِكرِ إحفاءِ الشارب.
وقد ذكر الشيخ الألباني طريقَ أحمدَ وحدَه، وقال: "ويحيى: هو ابن سعيد القَطَّانُ الإمام؛ قال الحافظ: "ثقة متقِنٌ حافظ، إمام قدوة"، قلت: فهذا هو الحديث؛ ساقه هذا الحافظ المتقن عن عُبيد الله بن عُمر بتمامه؛ فأخطأ عليه حمادُ بن سلمة، فلم يسُقْه بتمامه، وذكر مكانَ
стр. 4368
(اللِّحية) (١): إحفاءَ الشارب" (الضعيفة ١١/ ٧٩٤).
الطريق الثالث:
قال الطبراني في (الأوسط ٦٤٢٦): حدثنا محمد بن عبد الغني، ثنا أبي، ثنا مُؤَمَّل، عن أبي أُمَيَّة بنِ يَعْلَى، عن نافع، قال: جاء رجل إلى ابن عُمر يقال له ابن جُرَيج، وكان رجلًا ممارِيًا، فقال: يا أبا عبد الرحمن، رأيتُك تصنعُ شيئًا لم أرَ أحدًا يصنعُه ... قال: رأيتُك لا تُهِلُّ حتى تستويَ بك راحلتُك، ورأيتُك تُحْفِي شاربَك ... ؟ قال: أَمَّا إِهْلَالِي حِينَ تَسْتَقِلَّ بِي رَاحِلَتَى، فَإِنِّي ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَا يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَقِلَّ بِهِ رَاحِلَتُهُ))، وَأَمَّا إِحْفَائِي شَارِبِي، ((فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحْفِي شَارِبَهُ)) ... الحديثَ.
قال الطبراني: "لم يروِ هذا الحديثَ عن نافع إلا أبو أُمَيَّةَ، تفرَّد به مُؤَمَّل بن عبد الرحمن، والمشهور عند الناس مِن حديث سعيدٍ المَقْبُري، عن عُبَيد بن جُرَيج".
وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: أبو أُمَية بنُ يَعْلَى وهو إسماعيل بن يَعْلَى الثقفي؛ قال عنه يحيى بن مَعين والنَّسائيُّ والدارَقُطْني: "متروك". وقال البخاري: "سكتوا عنه"، وضعَّفه أبو حاتم وأبو زُرعة والسَّاجي وغيرُهم، انظر (لسان الميزان ١٢٦٦).
الثانية: مُؤَمَّل بن عبد الرحمن الثَّقَفي؛ قال عنه أبو حاتم: "ليِّن الحديث، ضعيف الحديث"، وساق له ابن عَدِي عدةَ أحاديثَ واهيةٍ، وقال: "عامة
стр. 4369
حديثِه غيرُ محفوظ" (تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٨٣). وشذَّ ابن حِبَّان فذكره في (الثقات ٩/ ١٨٧) وقال: "ربما أخطأ"، وقال الحافظ: "ضعيف" (التقريب ٧٠٣١).
الثالثة: المخالفة؛ فقد رواه مالك، وعُبيد الله بن عُمر، ومحمد بن عَجْلان- كما تقدَّم-، عن سعيد المَقْبُري، عن عُبيد بن جُرَيج، أنه سأل ابنَ عُمر، قال: رأيتُك تُصَفِّر لحيتَك بالوَرْس؟ فقال ابن عُمر: ((أَمَّا تَصْفِيرِي لِحْيَتِي فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ)). ولم يذكروا إحفاءَ الشارب.
وسيأتي تخريجُ حديثِ ابنِ عُمرَ هذا في باب "ما يُصبَغ به"، إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 4370
٩٧٦ - حَدِيثُ أُمِّ عَيَّاشٍ:
◼ عَنْ أُمِّ عَيَّاشٍ، قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحْفِي شَارِبَهُ)).
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا، وضعَّفه الهيثمي، والمُناوي، والألباني.
[التخريج]:
[طب (مجمع ٨٨٤٢) / صمند (إصا ١٤/ ٤٦٦)]
[السند]:
أخرجه ابن مَنْدَه في "معرفة الصحابة"- كما في (الإصابة) -: من طريق عبد الكريم بن رَوْح بن عَنْبَسَة بن سعيد بن أبي عَيَّاش، عن أبيه رَوْح، عن أبيه عَنْبَسَة، عن جدته أمِّ أبيه أمِّ عَيَّاش، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ مسلسَل بالعِلل:
الأولى: عبد الكريم بن رَوْح؛ قال ابن أبي حاتم: "رآه عَمرُو بن رافع، وقال: دخلت بالبصرة، ولم أسمع منه، وهو مجهول، ويقال: إنه متروك الحديث؛ فلم أسمع منه، سمعت أبي يقول ذلك (١) " (الجرح والتعديل ٦/ ٦١)، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٨/ ٤٢٣) وقال: "يخطيء ويخالف"،
стр. 4371
وضعَّفه الدارَقُطْني، كما في (تهذيب التهذيب ٦/ ٣٧٣). وقال الحافظ: "ضعيف" (التقريب ٤١٥٠).
وبه ضعَّفه الهَيْثَمي، فقال: "رواه الطبراني (١)، وفيه عبد الكريم بن رَوْح وهو متروك" (المجمع ٨٨٤٢).
الثانية: أبوه رَوْح بن عَنْبَسَة؛ "مجهول" كما في (التقريب ١٩٦٤).
الثالثة: جدُّه عَنْبَسَة بن سعيد؛ "مجهول" أيضًا كما في (التقريب ٥٢٠٢).
ومع ذلك رمز له السُّيوطي بالحُسن في (الجامع الصغير ٧٠٠٩)! .
وتعقَّبه المُناوي، فقال: "إسناد ضعيف، وقول المؤلف: "حسَنٌ"، غيرُ حسَنٍ" (التيسير ٢/ ٢٧٣).
وقال الألباني: "ضعيف جدًّا" (الضعيفة ١١/ ٧٩٠ / ٥٤٥٥).
стр. 4372
٩٧٧ - حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ:
◼ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁، قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُرُّ شَارِبَهُ طَرًّا)).
[الحكم]: منكَر، والصواب فيه الوقف، وضعَّفه الهَيْثَمي، واستغربه أبو نُعَيم.
[اللغة]:
يَطُرُّ شاربَه: "أي: يَقُصُّه" (النهاية لابن الأثير ٣/ ١١٨).
[التخريج]:
[طب (مجمع ٨٨٥١) / طش ٩٢٢، ١٠٤٨، ١٤٤٧ "واللفظ له" / عد (٢/ ٤٦٤) / تمام ١٩٥ / حل (٦/ ٨٩) / ضيا (٩/ ٥٢ - ٥٣/ ٢٩ - ٣١)].
[السند]:
أخرجه الطبراني في (مسند الشاميين ١٠٤٨)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحَضْرمي، ثنا محمد بن عبد الرحمن بن المتوكل القَرْقَساني، ثنا أبي، ثنا منصور بن إسماعيلَ الحَرَّاني، عن أبي بكر بن أبي مريم، وصفوانَ بنِ عمرو، وحَرِيز بن عثمان، عن عبد الله بن بُسْر، به.
ومدارُه عند الجميع على منصور بن إسماعيلَ الحَرَّاني، به.
قال أبو نُعَيم الأصبهاني: "تفرَّد به منصورٌ الحَرَّاني" (الحلية ٦/ ٨٩).
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: منصور بن إسماعيل الحَرَّاني؛ ترجم له ابن أبي حاتم في (الجرح
стр. 4373
والتعديل ٨/ ١٧٠)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره العُقَيلي في (الضعفاء ٣/ ٦٢٠ - ٦٢١)، وقال: "عن ابن جُرَيج، لا يتابَع عليه"، ثم ذكر له حديثًا عن ابن جُرَيج، وقال: "ليس بمحفوظ من حديث ابن جُرَيج, وإنما يُعرَف بطلحةَ بنِ عَمرو, وتابعه قومٌ نحوُه في الضعف".
وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٩/ ١٧٢) وقال: "يُغرِب". وانظر (لسان الميزان ٧٩١٨).
وقال أبو نُعَيم عَقِبَ الحديث: "غريب من حديث أبي بكر، تفرَّد به منصورٌ الحَرَّاني" (الحلية ٦/ ٨٩).
وقال الهَيْثَمي: "رواه الطبراني، وفيه يعقوب بن محمد الزُّهْري، وهو ضعيف وقد وُثِّق، ومنصور بن إسماعيل ضعَّفه العُقَيلي، وبقية رجاله ثقات" (المجمع ٨٨٥١).
قلنا: ورواية يعقوبَ بنِ محمد الزُّهْري لم نقف عليها في معجم الطبراني الكبير، الذي أراده الهيثمي بإطلاق العزو إليه؛ لأن مسند عبد الله بن بُسْر من الأجزاء المفقودة حتى الآن، وقد رواها الضياء في (المختارة ٣١) من طريق الطبراني، ولكنه متابَع؛ وإنما العلة في منصور.
وفيه علة أخرى، وهي:
الثانية: المخالفة؛ فقد رواه ابن أبي عاصم (الآحاد والمثاني ١٣٣٨): عن عبد الوهاب بن نَجْدَة الحَوْطي، ثنا أبو المُغيرة، ثنا حَرِيز (١) بن عثمان، [قال] (٢): ((رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ ﵁ يَقُمُّ شَارِبَهُ وَلَا يَحُفُّهُ)).
стр. 4374
ورواه أبو القاسم البَغَوي في (معجم الصحابة له ٢٣٤٤) - ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخه ٢٧/ ١٤٩) -: عن زياد بن أيوبَ (الطُّوسي الحافظ)، عن مُبَشِّر بن إسماعيلَ الحَلَبي، عن حَرِيز بن عثمان، قال: ((رأيت عبد الله بنَ بُسْرٍ وثيابُه متشمّرةٌ، ورِداؤُه فوقَ القميص، وشعَرُه مَفْرُوق يغطِّي أذنيه، وشاربُه مقصوصٌ مع الشَّفَة)).
هكذا رواه أبو المُغيرة وهو عبد القُدُّوس بن الحَجَّاج، ومُبَشِّر بن إسماعيل الحَلَبيُّ- وهما من رجال الشيخين (التقريب ٤١٤٥، ٦٤٦٥) - عن حَرِيز، موقوفًا على عبد الله بن بُسْر، ولم يَرفعاه.
وعليه؛ فروايةُ منصورٍ الحَرَّانيِّ هذه منكَرةٌ، والله أعلم.
رِوَايَة: ((حِيَال شَفَتِهِ))
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: ((رَأَيْتُ شَارِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوْقَ (بِحِيَالِ) شَفَتِهِ)).
[الحكم]: منكَر، والصواب فيه الوقف، وأشار إلى نكارته أبو حاتمٍ الرازيُّ- وأقرَّه الذهبي وابنُ حجر والألباني-.
[التخريج]:
[طش ١٠٤٧ "واللفظ له" / تمهيد (٢٤/ ١٤٤) "والرواية له" / مديني (عوالي ٧٣)].
[السند]:
أخرجه الطبراني في (مسند الشاميين) - ومن طريقه أبو موسى المَدِيني
стр. 4375
في (عواليه) -، قال: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدَة، قال: ثنا جُنَادةُ بن مَرْوان، ثنا حَرِيز بن عثمان، عن عبد الله بن بُسْر، به.
ورواه ابن عبد البر من طريق محمد بن عَوْف، عن جُنَادة بن مَرْوان، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: جُنَادة بن مَرْوانَ الأَزْديُّ؛ قال أبو حاتم: "ليس بقوي، أخشى أن يكون كَذَبَ في حديث عبد الله بن بُسْر: أَنَّهُ رَأَى فِي شَارِبِ النَّبِيِّ ﷺ بَيَاضًا بِحِيَالِ شَفَتَيْهِ" (الجرح والتعديل ٢/ ٥١٦). وأقرَّه ابن الجوزي في (الضعفاء ٦٩٣).
وقال الذهبي: "اتَّهمه أبو حاتم" (ميزان الاعتدال ١٥٧٣).
وقال ابن حجر: " أراد أبو حاتم بقوله: كذَبَ: أخطأ. وقد ذكره ابن حِبَّان في الثقات.
وأخرج له هو والحاكمُ في الصحيح. وأما قول ابن الجوزي، عن أبي حاتم أنه قال: (أخشى أن يكون كذَبَ في الحديث) فاختصارٌ مُفْضٍ إلى ردِّ حديثِ الرجل جميعِه، وليس كذلك إن شاء الله تعالى" (لسان الميزان ٢/ ٤٩٥).
وقال الألباني: "فسَّر الحافظُ في اللسان قولَه: "كذَبَ" بـ: "أخطأ"، وردَّ على الذهبي قولَه: "اتَّهمه أبو حاتم"؛ فأصاب" (الضعيفة ١٤/ ٤٢٧).
الثانية: المخالفة؛ فقد رواه أبو المُغيرة وهو عبد القُدُّوس بن الحجاج، ومُبَشِّر بن إسماعيلَ الحَلَبيُّ- كما تقدَّم في الرواية السابقة- عن حَرِيز، موقوفًا على عبد الله بن بُسْر، ولم يَرفعاه.
стр. 4376
وأبو المُغيرة وهو عبد القُدُّوس بن الحجاج، ومُبَشِّر بن إسماعيلَ الحَلَبيُّ: ثقتان من رجال الشيخين.
وعليه؛ فرواية جُنَادةَ هذه منكَرةٌ، ولعل رفْعَ جُنَادةَ للحديث هو الخطأ الذي أشار إليه أبو حاتم في قوله السابق، والله أعلم.
стр. 4377
٩٧٨ - حَدِيثُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ:
◼ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا هَاشِمِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ كَانَ لَهُ شَارِبٌ يَعْقِدُهُ خَلْفَ قَفَاهُ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ شَارِبِكَ وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِحْفَاءِ الشَّارِبِ مَا جَاءَ؟ ! فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَخَذْتُ شَارِبِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَيَّ، فَقَالَ: ((مَتَى أَخَذْتَ شَارِبَكَ؟ ))، قُلْتُ: السَّاعَةَ، قَالَ: ((فَلَا تَأْخُذْهُ حَتَّى تَلْقَانِي))، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أَلْقَاهُ، فَلَنْ أَجُزَّهُ حَتَّى أَلْقَاهُ.
[الحكم]: موضوع، وهو ظاهر قولِ الهَيْثَمي.
[التخريج]:
[طب (٧/ ٣٠٣/ ٧٢٠٢) "واللفظ له" / كر (٦٧/ ٢٩٤)].
[السند]:
رواه الطبراني في (الكبير) - ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخه) - قال: حدثنا الحسن بن العباس الرازي، ثنا محمد بن هارون الرازي، ثنا الوليد بن سلَمة الأُرْدُنِّي، ثنا يزيد بن حسَّان، عن أبيه، أن أبا هاشم بنَ عتبة بن ربيعة كان له شارب يَعْقِدُهُ ... الحديثَ.
[التحقيق]:
هذا إسناد هالك؛ فيه الوليد بن سلَمة الأُرْدُنِّي، وهو وضَّاع كذاب؛ قال دُحَيْم وأبو مُسْهِر: "كذاب". وقال ابن حِبَّان: "يضع الحديثَ على الثقات"، وقال أبو حاتم والدَّارَقُطْني: "ذاهب الحديث"، وقال أبو زُرعة: "كان ابنُه يحدِّث بأحاديثَ مستقيمةٍ، وكان صدوقًا، فلما أَخذَ في أحاديثِ أبيه جاء بالأوابد". انظر (لسان الميزان ٨٣٥٧). وقال الحاكم: "روَى عن
стр. 4378
عُبيد الله بن عُمر وابنِ أبي ذِئْب أحاديثَ موضوعة" (المدخل إلى الصحيح ٢١٤).
وبه ضعَّفه الهيثمي، فقال: "رواه الطبراني، وفيه الوليد بنُ سلَمة الأُرْدُنِّي، وهو كذاب" (المجمع ٨٨٤١).
ويَزيدُ بن حسَّان وأبوه مجهولان، وقد تَرجم ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٦٥/ ١٥٣) ليزيدَ بنِ حسان، برواية إسماعيلَ بنِ حصن والوليدِ بن سلَمة عنه، ولم يَذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ولم نجدْ لأبيه ترجمة.
стр. 4379
٩٧٩ - حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ:
◼ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ الثُّمَالِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((قُصُّوا الشَّارِبَ (قَصُّ الشَّوَارِبِ) مَعَ الشِّفَاهِ)).
[الحكم]: ضعيف جدًّا، وكذا قال الألباني، وهو ظاهر صنيعِ الهيثمي. وضعَّفه السُّيوطي والمُناوي. وقد أشار أبو حاتم والذهبيُّ وابن حجر إلى نكارة الأحاديث التي تُروَى من هذا الطريق.
[التخريج]:
[طب (٣/ ٢١٩/ ٣١٩٥) "واللفظ له" / مث ٢٤١٥ "والرواية له" / قا (١/ ٢٠٥) / فر (فيض القدير ٤/ ٥١٧)].
[السند]:
قال الطبراني في (الكبير) - ومن طريقه الدَّيْلمي، كما في (فيض القدير) -: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدَة الحَوْطي، حدثني أَبي، ثنا بَقِيَّةُ، ثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حَبيب، عن الحَكَم بن عُمَير الثُّمَالي، به.
ورواه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)، وابن قانِع في (الصحابة): من طريق بَقِيَّةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ مسلسَل بالعِلل:
الأولى: عيسى بن إبراهيم بن طَهْمان، وهو متروك؛ قال عنه يحيى بن مَعين وأحمد وأبُو داود وغيرُهم: "ليس بشيء"، وقال البخاري والنَّسائي
стр. 4380
والساجي: "منكَر الحديث"، وقال أبو حاتم والنَّسائي: "متروك الحديث"، وقال ابن عَدِي: "عامة رواياتِه لا يُتابَع عليها"، وقال الحاكم: "واهي الحديثِ بمَرَّة". انظر (لسان الميزان ٦/ ٢٥٧ - ٢٥٩).
وبه ضعَّفه الهيثمي، فقال: "رواه الطبراني، وفيه عيسى بن إبراهيم بن طَهْمان، وهو متروك" (المجمع ٨٨٥٠).
الثانية: موسى بن أبي حبيب، وهو ضعيف؛ ضعَّفه أبو حاتم كما في (الجرح والتعديل ٨/ ١٤٠)، والدارَقُطْني في (السنن/ مَن تكلَّم فيه الدارَقُطْني لابن زُرَيق ٤٠٤).
الثالثة: عنعنة بَقِيَّةَ فيما بين شيخِه وشيخِ شيخِه، وهو معروف بتدليس التَّسْوِية، كما تقدَّم تقريرُه.
ولذا رمز لضعفِه السُّيوطيُّ في (الجامع الصغير ٦١٢٨)، وضعَّفه المُناوي في (التيسير ٢/ ١٩٧)، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا" (الضعيفة ٩/ ٥٣/ ٤٠٥٦).
وهناك علتان أُخْرَيان، أشار إليهما بعضُ أهل العلم:
الأولى: الانقطاع بين موسى والحَكَمِ بن عُمَير؛ قال الذهبي في ترجمة موسى بن أبي حَبيب: "له عن الحكم بن عُمَير- رجل قيل: له صحبةٌ-، والذي أرَى أنه لم يَلْقَه، وموسى مع ضعفِه متأخِّرٌ عن لُقِيِّ صحابيِّ كبير، وإنما أعرف له روايةً عن عليِّ بن الحُسين" (الميزان ٤/ ٢٠٢).
وهذه العلة فيها نظر؛ فقد صرَّح موسى بالسماع من الحَكَم في غيرِ ما حديث، وقد ذكر أبو حاتم في (الجرح والتعديل ٣/ ١٢٥) أنه ابنُ أخي الحَكَم، فكيف يَبعُدُ لقاؤُه للحَكَم؟ ! ثم إن الذهبي ﵀ قد جزم بأن الحَكَم لا صُحبةَ له، فكيف يكون هنا صحابيًّا كبيرًا؟ ! وهذه هي العلة: