١/ ١٦٨).
والحديث ذكره السُّيوطي في (الجامع الصغير ٧٠١٩)، وعزاه لابن عساكرَ، ورمز لضعفه، إلا أنه وهِمَ فجعله من حديث واثِلَةَ بدلًا من ثَوْبانَ! وتبِعَه على ذلك المُتَّقي الهندي في (كَنز العمال ١٨٣١٧)، والمُناوي في (فيض القدير ٥/ ٢١٢)، وقال: "سند ضعيف جدًّا، بل واهٍ بالمَرَّة". وبنحوه في (التيسير ٢/ ٢٧٤).
стр. 4447
١٠٠٤ - حَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ:
◼ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁، قَالَ: ((لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، جُعِلَتْ له مَأْدُبَةٌ، فَأَكَلَ مُتَّكِئًا، وَاطَّلَى [بِالنُّورَةِ]، فَأَصَابَتْهُ الشَّمْسُ، فَلَبِسَ الظُّلَّةَ (البُرْطُلَةَ))).
[الحكم]: باطل، قاله أبو حاتم الرازي، وضعَّفه ابنُ المُلَقِّن، وقال الألباني: موضوع.
[اللغة]:
البُرْطُلَة: المِظلَّة الصيفيَّة، نبَطيَّة، وقد استُعملتْ في لفظ العربية. والبُرْطُل - بالضم-: قَلَنْسُوة. (لسان العرب ١١/ ٥١).
[التخريج]:
[طب (٢٢/ ٦٢/ ١٤٩) "واللفظ له" / طش ٣٣٩٨ / علحا ٢٣٧٨ "معلقًا والزيادة والرواية له" / كر (٤٥/ ٧٨)].
[السند]:
أخرجه الطبراني في (الكبير) وفي (مسند الشاميين)، قال: حدثنا الحسين بن إسحاق، ثنا داود بن رُشَيد، (ح) وحدثنا أحمد بن النَّضْر العسكري، ثنا أبو تَقِيٍّ، قالا: ثنا بَقِيَّةُ بن الوليد، عن عُمر الدِّمَشْقي، عن مَكْحول، عن واثِلَة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناده ساقط؛ عُمر الدمشقي هو عُمر بن موسى الوَجِيهي، كذَّبه ابنُ مَعين، وقال مرة: "ليس بثقة"، وقال البخاري: "منكر الحديث"، وقال
стр. 4448
النَّسائي والدارَقُطْني وغيرُهما: "متروك"، ورماه أبو حاتم وابنُ عَدِي بوضع الحديث، انظر (اللسان ٥٦٩٨).
وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديثٍ رواه بَقِيَّة، عن عُمر الدِّمَشقي ... " فذكر هذا الحديثَ، فقال أبو حاتم: "هو عُمر بن موسى الوَجِيهي، وهذا حديث باطلٌ" (العلل ٢٣٧٨).
وقال ابن المُلَقِّن: "ضعيف جدًّا"، ونقل كلامَ أبي حاتم وأقرَّه (البدر المنير ٧/ ٤٤٥).
وقال الهيثمي: "رواه الطبراني من رواية بَقِيَّة، عن عَمرو الشامي، وبَقِيَّةُ ثقةٌ، ولكنه مدلِّس، وعَمرو لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" (المجمع ٧٩١٧).
كذا قال، وقد تحرَّف عليه الاسمُ؛ فلم يَعرفْه.
وقال الألباني: "موضوع"، وأعلَّه بعُمرَ، وعنعنةِ بَقِيَّةَ (الضعيفة ٦٢٠١).
هذا، وقد رواه ابن عساكر في (تاريخه) من طريق أبي القاسم اليافوني، عن أحمدَ بن عبد الرحمن العَسْقلاني، نا موسى بن أيوبَ، نا بَقِيَّة، عن عُمر بن سُلَيمان الدمشقي، به.
فسمَّاه عُمرَ بن سُلَيمان، وليس عُمرَ بنَ موسى، وهكذا ترجم له ابنُ عساكر، فقال: "عُمر بن سُلَيمان من أهل دمشق، من أصحاب مَكْحول. روَى عن مَكْحولٍ وشَهْرِ بن حَوْشَب، وسعد بن سِنَان. روى عنه بَقِيَّةُ، وعَبَّاد بن كَثير، ومَيْسَرة بن عبد الله" (تاريخ مدينة دمشق ٤٥/ ٧٨). وتبِعَه الذهبي في (تاريخ الإسلام ٣/ ٧١٢)، ولم يَذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وأحمد بن عبد الرحمن العَسْقَلاني؛ قال ابن عساكر: "كذا فيه، وهو أحمد بن أبي عبد الرحمن، سمَّاه اليافونيُّ كذلك في غير موضع" (تاريخ
стр. 4449
دمشق ٤٥/ ٧٨).
قلنا: ولم نجد له ترجمةً، فلعلَّه هو الواهمُ في نسَب الوَجِيهي، فتَبِعَه ابنُ عساكرَ وترجمَ له، والله أعلم.
ثم إن متْن الحديث منكَرٌ؛ ففي صحيح البخاري (٥٣٩٨) أن النبي ﷺ قال: ((لَا آكُلُ مُتَّكِئًا)). وفي رواية عند البخاريِّ أيضًا (٥٣٩٩): ((لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ)).
ولذا قال الألباني: "ومِن نكارة الحديثِ أنه مخالِفٌ لقوله ﷺ : ((إِنِّي لَا آكُلُ مُتَّكِئًا))، رواه البخاري. بل ثبَتَ عنه النهيُ عن الأكل متكِئًا" (الضعيفة ١٣/ ٤٣٦).
стр. 4450
١٠٠٥ - حَدِيثُ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: ((لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، أَكَلَ مُتَّكِئًا، وَتَنَوَّرَ)).
[الحكم]: مرسل ضعيف جدًّا.
[التخريج]:
[ص (حاوي ١/ ٤٠٥)].
[السند]:
قال سعيد بن منصور في (سننه) - كما في "الحاوي" للسُّيوطي-: حدثنا الصُّغْدي بن سِنَان العُقَيلي، عن محمد بن الزُّبَير الحَنْظلي، عن مَكْحول، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه- مع إرساله- علتان:
الأولى: محمد بن الزُّبير الحَنْظلي؛ وهو "متروك"، كما في (التقريب ٥٨٨٥).
الثاني: صُغْدي بن سِنَان البصري، قال فيه أبو حاتم: "ضعيف الحديث". وروى عباسٌ، عن ابن مَعين: "ليس بشيء"، وذكرَ له ابن عَدِي حديثًا من روايته عن جعفر بن الزبير، قال: "يتبيَّنُ على حديث صُغْدي الضعفُ". وقال السَّاجي: "ضعيف". وقال الدارَقُطْني: "متروك". وذكره العُقَيلي، وابنُ الجارود، وابن شاهين في "الضعفاء". انظر (لسان الميزان ٣٩٢٨).
وقال السُّيوطي: "هذا الحديثُ فات ابنَ كثير فلم يذكرْه، وهو مرسل" (الحاوي للفتاوي ١/ ٤٠٥).
стр. 4451
١٠٠٦ - حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اطَّلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنُّورَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، عَلَيْكُمْ بِالنُّورَةِ؛ فَإِنَّهَا طَيِّبَةٌ وَطُهُورٌ، وَإِنَّ اللهَ يُذْهِبُ بِهَا عَنْكُمْ أَوْسَاخَكُمْ وَأَشْقَاءَكُمْ)).
[الحكم]: باطل موضوع، وهو ظاهر صَنيعِ ابنِ عَدِي، وابن طاهر المَقْدسي.
[التخريج]:
[عد (٤/ ١٦)]
[السند]:
قال ابن عَدِي: حدثنا عبد الله بن خالد بن يَزيدَ المؤذِّنُ- وكان صالحًا-، حدثنا عمَّار بن رَجاءٍ، حدثنا الحُسين بن عَلْوان، حدثنا هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد تالِفٌ؛ فيه الحُسين بن عَلْوان الكَلْبي؛ كذَّبه ابنُ مَعِين وغيرُه، ورماه صالح جَزَرة وابنُ حِبَّان وغيرُهما بوضع الحديث، انظر (لسان الميزان: ٣/ ١٩٠ - ١٩١).
وقال ابن عَدِي- بعد أن ذكر للحسين هذا الحديثَ وغيرَه-: "وللحسين بن عَلْوان أحاديثُ كثيرة، وعامَّتُها موضوعة، وهو في عِداد مَن يضَع الحديث" (الكامل ٤/ ١٩).
وقال ابن طاهر المقدسي: "رواه حسين بن عَلْوان ... وحسينٌ كذاب" (ذخيرة الحفاظ ١/ ٤١٣).
стр. 4452
[تنبيه]:
ذكر السُّيوطي في (الحاوي ١/ ٤٠٣)، وتبِعَه أبو الفرج الحَلَبي في (السيرة الحلبية ٢/ ٧٥٤)، والشوكانيُّ في (نيل الأوطار ١/ ١٦٧)، أن هذا الحديثَ أخرجه الإمام أحمدُ، وهذا خطأٌ مَحْض؛ فلم يخرِّج أحمدُ هذا الحديثَ الباطل، وحاشاه من ذلك. ولعله أراد (أبو أحمدَ) يعني: ابنَ عَدِي، فسقطتْ لفظةُ (أبو)، والله أعلم.
* * *
١٥١ - بَابُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَتَنَوَّرُ
١٠٠٨ - حَدِيثُ أَنَسٍ:
◼ عَنْ أنَسٍ ﵁: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَتَنَوَّرُ، فَإِذَا كَثُرَ شَعْرُهُ حَلَقَهُ)).
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا، وضعَّفه البَيْهَقي- وأقرَّه ابنُ دقيقِ العيدِ والشوكانيُّ-، والحافظ ابن حجر- وأقرَّه المُناوي-، والسُّيوطي، وأبو الفرج الحَلَبي، وعليٌّ القاري، والزُّرْقاني.
[التخريج]:
[خل ٨١٣ "واللفظ له" / أصبهان (١/ ٣٧٧) / هق ٧١٦ / بغ ٣١٩٩ / نبغ ١١٠٨]
[السند]:
رواه أبو الشيخ الأصبهاني في (أخلاق النبي) - ومن طريقه البَغَوي في (شرح السُّنة) و (الشمائل) - قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، نا أبو عمار الحسين بن حُرَيْث، نا عليُّ بن الحسن بن شَقِيق، عن أبي حمزة، عن مسلِمٍ المُلَائِي، عن أنس، به.
ومدارُه عندهم على عليِّ بن الحسن بن شقيق، به.
[التحقيق]:
هذا إسناده ضعيف جدًّا؛ فيه مسلمٌ المُلَائي وهو مسلم بن كَيْسانَ الضَّبِّي
стр. 4455
المُلَائي، قال ابن مَعين: "لا شيء"، وقال مَرَّة: "ليس بثقة"، وقال أحمدُ: "لا يُكتب حديثُه"، وقال عَمرو بن عليٍّ الفَلَّاسُ: "منكر الحديث جدًّا"، وقال الفَلَّاس أيضًا والنَّسائيُّ وابن الجُنَيد والدارَقُطْني: "متروك"، وقال البخاري: "ضعيف، ذاهبُ الحديثِ، لا أَروي عنه"، وقال الجُوزَجاني: "غيرُ ثقة". وضعَّفه أيضًا ابنُ المَدِيني، والعِجْلي، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، وغيرُهم. انظر (ميزان الاعتدال ٨٥٠٦)، و (تهذيب التهذيب ١٠/ ١٣٥ - ١٣٦)، ولذا قال الذهبي: "واهٍ" (الكاشف ٥٤٢٦)، وقال في (ديوان الضعفاء ٤١٠٩): "تركوه". ومع هذا اكتفى الحافظُ في (التقريب ٦٦٤١) بقوله فيه: "ضعيف"! .
وبه ضعَّفه البَيْهَقي، فقال- عَقِبَ إخراجِه له-: "مسلمٌ المُلَائي ضعيفٌ في الحديث، فإنْ كان حفِظَه فيحتمل أن يكون قتادةُ أخَذه أيضًا عن أنس، والله أعلم"، يعني: مرسَلَ قتادةَ الآتي، (السنن الكبرى عقب حديث ٧١٦)، وأقرَّه ابنُ دقيقِ العيدِ في (الإمام ١/ ٤٠٩)، والشوكانيُّ في (النيل ١/ ١٦٧).
وقال الحافظ: "سنده ضعيف جدًّا" (فتح الباري ١٠/ ٣٤٤)، وأقرَّه المُناويُّ في (فيض القدير ٥/ ١٠٦).
وضعَّفه السُّيوطي في (الدر المنثور ١/ ٥٩٥)، وأبو الفرَج الحَلَبي في (السيرة الحلبية ٣/ ٦٩)، والمُلَّا عليٌّ القاري في (المِرْقاة ٧/ ٢٨٤٢)، والزُّرْقانيُّ في (شرح الموطأ ٤/ ٤٥٠).
стр. 4456
١٠٠٩ - حَدِيثُ قَتَادَةَ:
◼ عَنْ قَتَادَةَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَنَوَّرْ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ، وَلَا عُثْمَانُ [وَلَا الْخُلَفَاءُ (وَلَا الْحَسَنُ)])).
[الحكم]: ضعيف؛ لإرساله.
[التخريج]:
[سعد (١/ ٣٨٠ - ٣٨١) "والزيادة والرواية له" / مد ٤٧٠ "واللفظ له" / هق ٧١٢، ٧١٥ / الخَلَّال (مفلح ٣/ ٣٢٤)].
[السند]:
قال ابن سعد: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قَتادةَ، به.
ورواه أبو داودَ في (المراسيل) - ومن طريقه البَيْهَقي (٧١٥) -: عن عبد الله بن محمد بن إسحاقَ الأَدْرَمي، عن عبد الوهاب بن عطاء، به.
ورواه ابن سعد أيضًا: من طريق هَمَّام، عن قَتادةَ, به. وذكر الزيادة والرواية.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجالُه ثقاتٌ رجالُ الصحيح إلا أنه ضعيف جدًّا؛ لإرساله، بل- على التحقيق- لإعضاله؛ فقَتادةُ تابعيٌّ صغير. وكان يحيى بنُ سعيد القَطَّان لا يَرى إرسالَ الزُّهْريِّ وقتادةَ شيئًا، ويقول: "هو بمنزلة الريح"، ويقول: "هؤلاء قومٌ حُفَّاظ، كانوا إذا سمِعوا الشيءَ علِقوه" (المراسيل لابن أبي حاتم ١)، و (الجرح والتعديل ١/ ٢٤٦).
وقال الذهبي: "ومِن أَوْهَى المراسيلِ عندهم: مراسيلُ الحسن. وأوْهَى من
стр. 4457
ذلك: مراسيلُ الزُّهْريِّ، وقتادةَ، وحُمَيدٍ الطَّويل، من صغار التابعين. وغالب المحقِّقين يعُدُّون مراسيلَ هؤلاءِ معضلاتٍ ومنقطعاتٍ؛ فإن غالب رواياتِ هؤلاء عن تابعيٍّ كبير، عن صحابي. فالظنُّ بمرسِله أنه أسقط من إسنادِه اثنين" (الموقظة ص ٤٠).
وفي عبد الوهاب كلامٌ يسير، ولكنه عالِمٌ بسعيد بن أبي عَرُوبة، وممن سَمِع منه قديمًا، وقد تُوبِع عليه متابعةً قاصرة، كما تقدَّم في السند.
ورواه ابن سعد في (الطبقات ٣/ ٢٧١): من طريق أبي هلال الرَّاسِبي، عن قتادةَ، قال: ((كان الخلفاءُ لا يَتَنَوَّرُونَ: أبو بكر، وعُمرُ، وعثمانُ)). فلم يذكرِ النبيَّ ﷺ . ولكنَّ أبا هلالٍ الراسِبي هذا، قال فيه الحافظ: "صدوق فيه لِين" (التقريب ٥٩٢٣).
وأسند البَيْهَقي عن عبد الله بن المبارَك أنه قال: "ما أدري مَن أخبرنى عن قتادة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَنَوَّرْ". قال عبد الله: "وهو أَشبَهُ الأمرين أن لا يكونَ"، وذَكرَ الحديثَ الآخَر: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَلِىَ عَانَتَهُ"، فقال: "هذا ضعيف" (السنن الكبرى عَقِبَ حديث ٧١٢).
فرجَّح ابنُ المبارك مرسَلَ قتادةَ على ما سبق من أحاديثَ ضعيفةٍ في تنوُّرِ النبيِّ ﷺ ، وكذا الإمام أحمدُ، كما سبَق نقلُه في حديث أمِّ سلَمةَ، مع أنَّ كليْهما ضعيفٌ جدًّا؛ وذلك لأن النبي ﷺ لو فَعَل لنُقِل ذلك عنه واشتهرَ من رواية الثقات، ولذا كان مرسَلُ قتادةَ هذا- على شدة ضعْفِه- أَشْبهَ بالصواب، والله أعلم.
стр. 4458
١٠١٠ - حَدِيثُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ:
◼ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، لَا يَطَّلُونَ)).
[الحكم]: ضعيف؛ لإرساله.
[التخريج]:
[ش ١١٨٦].
[السند]:
قال ابن أبي شَيْبة في (المصنف): حدثنا حُسين بن عليٍّ، عن زائِدَة، عن هشام، عن الحَسَن، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجالُه ثقاتٌ رجالُ الشيخين إلا أنه ضعيف؛ لإرساله، فالحسَن تابعيٌّ مشهور.
ومراسيلُ الحسن، قوَّاها يحيى القَطَّانُ، وابنُ المَدِيني، وغيرُهما، لكن قال ابنُ سِيرِين: "كان ههنا ثلاثةٌ يُصدِّقون كلَّ مَن حدَّثهم، وذَكرَ الحسنَ، وأبا العالِيَة، ورجلًا آخَرَ"؛ ولذا قال الإمام أحمدُ: "وليس في المرسَلات أضعفُ مِن مراسيلِ الحسن، وعطاءِ بن أبي رباح؛ فإنهما يأْخُذان عن كلٍّ". انظر (شرح علل التِّرْمذي ١/ ٥٣٦ - ٥٣٩). وقال الذهبي: "ومِن أَوْهَى المراسيلِ عندَهم: مراسيلُ الحسَن" (الموقظة ص ٤٠)، وقال العراقي: "مراسيلُ الحسَنِ عندَهم شِبْهُ الرِّيح" (شرح التبصرة والتذكرة ص ٣١٥).
وزائِدَة هو ابن قُدَامة، وهِشام هو ابن حسان، وفي حديثه عن الحسن
стр. 4459
مقالٌ؛ لأنه قيل: "كان يُرسِل عنه" (التقريب ٧٢٨٩). لكن احتجَّ الجماعةُ بحديثه عن الحسن، وجزَمَ البخاري في (التاريخ الكبير ٨/ ١٩٧) بسماعه من الحسن.
وقد علمْتَ أن مراسيلَ الحسنِ واهيةٌ عند فريق من الأئمة، وأَوْهَى منها مراسيلُ قَتادةَ؛ فلا يُقوِّي أحدُهما الآخَرَ، والله أعلم.
وقال ابن كثير: "هذا مِن مراسيلِ الحسن، وقد تَكلَّم بعضُهم فيها، وروَى ابنُ ماجه في سننه بإسنادٍ جيِّد، وعبدُ الرزاق أيضًا عن الثوريِّ بإسنادٍ جيد ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ طَلَى بِالنُّورَةِ))، يعني: في غير الحمام" (آداب دخول الحمام ص ٧٣).
هكذا قال! وقد سبق أن حديث ابنِ ماجَهْ ضعيفٌ جدًّا، وأن مَرَدَّه إلى حديث عبد الرزاق، وهو مرسَلٌ أيضًا؛ فاستوى الأمران.
ورغم ذلك قال السُّيوطي: "والأحاديث السابقةُ - يعني: في إثبات التنَوُّر- أقوى سندًا، وأكثرُ عددًا"، وقال أيضًا: "إن تلك مثبِتةٌ، وهذا نافٍ، والقاعدة الأصوليةُ عند التعارض: تقديمُ المثبِتِ على النافي ... "، وقال جامِعًا بين أحاديثِ النفي والإثباتِ: "إنه على حسَب اختلافِ الأوقات، فتارةً كان يتنَوَّرُ، وتارةً كان يَحلِق ولا يتنَوَّرُ ... فالجمع بين هذا وبين ما تقدَّم: أنه فعَلَ الأمرين معًا، هذا في أوقاتٍ، وهذا في أوقات" (الحاوي للفتاوي ١/ ٤٠٧). كذا قال! ولا يصحُّ هذا ولا ذاك عن النبي ﷺ ، كما تقدَّم بيانُه مفصَّلًا، وانظر ما يأتي.
стр. 4460
١٠١١ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ وَلَا تَكْذِبُوا، فَوَاللهِ، مَا طَلَى نَبِيٌّ قَطُّ)).
[الحكم]: إسناده ضعيف جدًّا.
[اللغة والفوائد]:
قال ابن الأثير: " ((مَا أَطْلَى نَبِيٌّ قَطُّ))، أي: ما مال إلى هواهُ، وأصْلُه مِن: مَيْل الطُّلَى، وهي الأعناق، واحدتُها: طُلَاة" (النهاية ٣/ ١٣٧).
قلنا: وكذا فسَّره غيرُ واحد من أهل اللغة، وأخرجه الخرائطيُّ في باب (ذِكر مَن يُرخص في دخول الحمام)، وذَكرَ فيه أحاديثَ في دخول النبي ﷺ الحمَّامَ، وأنه كان يتنَوَّرُ، وظاهرُ ذلك أنه حمله على أنه من الاطِّلاء، بمعنى: التنَوُّر، وجزَمَ الزَّبِيديُّ بأن هذا الفهمَ خطأٌ مِن صاحبه، فقال: "في الحديث ((مَا أَطْلَى نَبِيٌّ قَطُّ) أي: ما مال إلى هواه، هكذا فسَّره أبو زيد في نوادره ... ورواه بعضٌ بتشديد الطاء، وحمَله على الاطِّلاء بالنُّورة، وهو غلَطٌ" (تاج العروس ٣٨/ ٥٠٥). وانظر (نيل الأوطار ١/ ١٦٧).
[التخريج]:
[مسخ ٨٣٩].
[السند]:
قال الخرائطي في (مساوئ الأخلاق): حدثنا حماد بن الحسن بن عَنْبَسَةَ الورَّاق، حدثنا عبد العزيز بن الخَطَّاب، حدثنا حُمَيد - يعني: ابنَ يعقوبَ
стр. 4461
مولى بني هاشم (١)، وكان ثقةً-، عن العباس بن الفَضْل، عن القاسم، عن أبي حازم، عن ابن عباس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناده ضعيف جدًّا؛ فيه علتان:
الأولى: العباس بن الفَضْل بن عَمرو الأنصاري؛ قال ابن حجر: "متروك، واتَّهمه أبو زُرْعة" (التقريب ٣١٨٣).
الثانية: القاسم، وهو ابن عبد الرحمن الأنصاريُّ؛ قال يحيى بن مَعِين: "ليس بشيء"، وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، مضطرب الحديث، حدَّثنا عنه الأنصاريُّ بحديثين باطلين، أحدهما: وفاةُ آدمَ ﷺ ، والآخَرُ عن أبي حازم"، وقال أبو زُرعة: "منكر الحديث" (الجرح والتعديل ٧/ ١١٢ - ١١٣).
١٥٢ - بَابُ مَا وَرَدَ فِي تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ
١٠١٢ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: ((الفِطْرَةُ خَمْسٌ (خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ): الخِتَانُ (الِاخْتِتَانُ)، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ)).
[الحكم]: متفق عليه (خ، م) عدا الروايةِ الثانية فلمُسْلم.
[التخريج]:
[خ ٥٨٨٩ "والرواية الأولى له ولمسلم"، ٥٨٩١ "واللفظ له"، ٦٢٩٧ / م (٢٥٧/ ٤٩)، (٢٥٧/ ٥٠) "والرواية الثانية له" / د ٤١٤٩ / ت ٢٩٥٦ / ..... ].
وقد سبَق تخريجُه وتحقيقُه برواياته وشواهِدِه في باب: "خِصال الفِطرة".
стр. 4464
١٠١٣ - حَدِيثُ سَوَادَةَ:
◼ عَنْ سَوَادَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ؛ فَأَمَرَ لِي بِذَوْدٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: ((إِذَا رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِكَ (أَهْلِكَ)، فَمُرْهُمْ فَلْيُحْسِنُوا غِذَاءَ رِبَاعِهِمْ (فَلْيُحْسِنُوا أَعْمَالَهُمْ)، وَمُرْهُمْ فَلْيُقَلِّمُوا أَظْفَارَهُمْ؛ لَا يَعْبِطُوا (وَلَا يَخْدِشُوا) بِهَا ضُرُوعَ مَوَاشِيهِمْ إِذَا حَلَبُوا)).
[الحكم]: إسناده حسن، وجوَّده الهيثمي، وحسَّنه الألباني.
[اللغة والفوائد]:
* الذَّوْدُ مِن الإبل: ما بين الثِّنْتين إلى التِّسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنَّثة، ولا واحدَ لها من لفظها، كالنَّعَم" (النهاية لابن الأثير ٢/ ١٧١).
وقال ابن فارس: إنها جماعة الإبل (مقاييس اللغة ٢/ ٣٦٥).
وقد وردَ التعبيرُ بالذَّوْد عن الإبل في الحديث المتفقِ عليه: ((وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ)). قال النَّوَوي: "وقوله: ((خَمْس ذَوْدٍ)) كقوله: خمسة أَبْعِرَةٍ، وخمسة جِمَال، وخمس نُوقٍ، وخمس نِسْوة ... قال أبو حاتم السِّجِسْتاني: تركوا القياسَ في الجَمْع، فقالوا: خمْسُ ذَوْدٍ، لخمسٍ من الإبل، وثلاثُ ذَوْدٍ لثلاثٍ من الإبل، وأربعُ ذَوْدٍ، وعشر ذَوْد، على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة وأربعمائة، والقياس: مِئِينَ، ومئات، ولا يكادون يقولونه" (شرح مسلم ٧/ ٥٠).
* قوله: ((لَا يَعْبِطُوا)) أي: لا يَعْقِروها فيُدَمُّوها، والعَبيط: الدمُ الطَّرِي. (غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٤٦).
стр. 4465
* والرِّبَاع: هو ما وُلِد من الإبل في الربيع. وقيل: ما وُلِد في أول النِّتاج. (النهاية ٢/ ١٨٩).
وقال الخطَّابي: "وقوله: ((مُرِي بَنِيكِ أَنْ يُحْسِنُوا غِذَاءَ رِبَاعِهِمْ))، فإن الرِّبَاع: جمْع الرُّبَع، وهو وَلَد الناقة إذا نُتجَتْ في الربيع ... والمعنى: أنه كرِه استقصاءَ الحلبِ إبقاءً على الرِّباع. يقول: إذا حلبْتَ فأَبْقِ في ضُروعها ما يُغذِّي رِباعَها" (غريب الحديث ١/ ٤٤٦ - ٤٤٧).
[التخريج]:
[حم ١٥٩٦١ "واللفظ له" / طب (٧/ ٩٧/ ٦٤٨٢) "والرواية الثانية والثالثة له" / صمند (٢/ ٨٠٦ - ٨٠٧) / عد (١٠/ ٧١) "والرواية الأولى له" / صحا ٣٥٥٨، ٣٥٥٩ / هق ١٥٩١٦ / هقع ١٥٦٣٤ / أسد (٢/ ٥٩١) / ضيا (مكي ق ١٣٦ ب/١)]
[السند]:
قال أحمد: حدثنا أبو النَّضْر، قال: حدثنا الْمُرَجَّى بن رجاء اليَشْكُري، قال: حدثني سَلْم بنُ عبد الرحمن، قال: سمِعت سَوَادَة بنَ الرَّبيع، به.
ومدارُه عندهم: على المُرَجَّى بن رجاء اليَشْكُريِّ به.
[التحقيق]:
هذا إسناد حسن؛ سَلْم بن عبد الرحمن الجَرْمي البصري؛ قال عنه الإمام أحمدُ: "ما علِمْتُ إلا خيرًا" (العلل رواية عبد الله ٢٣٧٧)، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٤/ ٣٣٤)، وقال الحافظ: "صدوق" (التقريب ٢٤٦٩). وذكره الذهبي في (الميزان ٣٣٧٥)، وتبِعَه الحافظ في (اللسان ١٠٢٥)، وسِبْط ابن العَجَمي في (الكشف الحثيث ٣١٩) تمييزًا، وقالوا جميعًا: "صدوق".
стр. 4466
وأما الْمُرَجَّى بنُ رجاء اليَشْكُري؛ فمختلَف فيه، كما قال الذهبي في (الكاشف ٥٣٥٢)، والحافظُ في (مقدمة الفتح ١/ ٤٥٨)؛ وإليك بيانه:
قال أحمد بن حنبل: "ما علِمْت إلا خيرًا" (تهذيب الكمال ١١/ ٢٢٩)، ووثَّقه أبو زُرْعة، كما في (الجرح والتعديل ٨/ ٤١٢)، والدارَقُطْنيُّ، كما في (سؤالات الحاكم له ٤٩٩)، وقال يعقوب بن سُفْيان: "لا بأس به" (المعرفة والتاريخ ٢/ ١٢٠).
واختلَف فيه قولُ ابنِ مَعين وأبي داودَ؛ فقال ابن مَعِين: "ليس به بأسٌ" (تاريخ ابن مَعين رواية الدُّوري ٣٢٦٦)، وقال في موضعٍ آخَرَ: " ضعيف"، وقال مرة: "صالح الحديث" (رواية الدُّوري ٤٠٦١)، وقال مرة: "حديثه ليس بشيء" (المجروحين ٢/ ٣٦٦).
وقال أبو داودَ: "ضعيف" (سؤالات الآجُرِّي ٧٢١)، وقال في موضعٍ آخَرَ: "صالح" (سؤالات الآجُرِّي ١٣٥٨).
وقال ابن عَدِي: "ولِمُرَجَّى هذا غيرُ ما ذكرتُ، والذي ذكرتُه والذي لم أذكرْه في بعضها ما لا يُتابَع عليه" (الكامل ١٠/ ٧٣).
وبالغ ابن حِبَّان فقال: "كان ممن ينفردُ عن المشاهير بالمناكير، ويَرفع المراسيلَ من حيث لا يَعلم على قِلَّة روايتِه، فلمَّا كثُر مخالفتُه للأثبات فيما روَى عن الثقات؛ خرَج عن حدِّ العدالة إلى الجَرْح، وسقَطَ الاحتجاجُ به فيما انفرد، فأمَّا ما وافقَ الثقاتِ: فإنْ اعتَبر به مُعتبِرٌ دون أن يحتجَّ به؛ لم أرَ بذلك بأسًا، وكان الحَوْضي يُكذِّبه وترَكَ حديثَه" (المجروحين ٢/ ٣٦٦). وما حكاه عن الحَوْضيِّ لم نقف عليه، وفي ثبوته نظرٌ؛ فلم يطعن أحدٌ في صدْق المُرَجَّى ولا تركه.
стр. 4467
وقد ذكره الذهبي في رسالة (مَن تُكلِّم فيه وهو موثَّق أو صالح الحديث ٣٢٣)، وقال: "علَّق له البخاريُّ، جائزُ الحديث".
ولعل أعدلَ الأقوال فيه، قولُ الحافظ: "صدوق ربما وهِمَ" (التقريب ٦٥٥٠).
فلا بأسَ بتحسينِ حديثِه، لاسيما وقد تُوبِع، كما سيأتي في الروايات التالية.
وقد رواه عن الْمُرَجَّى جماعةٌ، منهم أبو النَّضْر شيخُ أحمدَ، وهو هاشم بن القاسم: "ثقة ثبْتٌ من رجال الشيخين" (التقريب ٧٢٥٦).
ولذا قال الهيثمي: "رواه أحمدُ، وإسناده جيِّد" (المجمع ١٣٧٤٤).
وقال في موضعٍ آخَرَ: "رواه أحمد والطبراني ... وفيه مُرَجَّى بنُ رجاء، وثَّقه أبو زُرْعة وغيرُه، وضعَّفه ابنُ مَعِين وغيرُه، وبقية رجالِ أحمدَ ثقاتٌ" (المجمع ٨٨٦١).
وقال الألباني: "هذا سند حسَنٌ: أبو النَّضْر هو هاشم بن القاسم، ثقة ثبْتٌ، والمُرَجَّى وسَلْمُ بن عبد الرحمن صدوقان، وفي المُرَجَّى كلامٌ لا يضُرُّ إن شاء الله تعالى" (الصحيحة ٣١٧).
[تنبيهات]:
الأول: ورد في هذا الحديثِ تصريحُ سَلْمٍ بالسماع من سَوادَةَ، وسيأتي في آخِر رواية للحديث ذِكرُ واسطةٍ بينه وبين سَوادَة، لكن هذه الواسطة لا تُعِلُّ الحديثَ، كما سيأتي بيانُه.
ولذا قال الحافظ: "وقيل: عن سَلْم، عن سَريع، عن سَوادَة. قلت: صرّح
стр. 4468
في المسند بسماع سلْمٍ من سوادة" (تعجيل المنفعة ١/ ٦٢٧). يعني: فلا يَضرُّه؛ فتُحمَل الزيادةُ على أنها من "المَزِيد في متَّصِل الأسانيد".
الثاني:
جاء سندُ الحديث في (معرفة السُّنن والآثار للبيهقي ١٥٦٣٤) هكذا: "أخبرنا أبو عبد الله الحُسين بن اليَشْكُري، حدثنا سالم بن عبد الرحمن، قال: سمِعْتُ سَوادة بنَ رَبيع .. الحديث". وكذا في نسخة خطِّيَّةٍ لدينا.
وعليه؛ فيكونُ اليَشْكُريُّ هذا شيخًا للبيهقي، وفي الوقت نفْسِه تلميذًا لسَلْم بن عبد الرحمن (التابعي)! وهذا محال، والذي يبدو لنا أن في هذا السندَ سقطًا، بيانُه كالتالي:
أولًا: مِن شيوخ البَيْهَقي الذين يُكْنوا بأبي عبد الله واسمُه الحُسين جماعةٌ.
ثانيًا: اليَشْكُريُّ هذه نِسبةُ مُرَجَّى بنِ رجاء أحدِ رواة الحديثِ عن سَلْم بن عبد الرحمن.
وعليه؛ فيُحتمل أن هذا الحديثَ يرويه البَيْهَقيُّ عن أحد شيوخِه ممن يُسَمَّوْن الحسينَ ويُكْنَون بأبي عبد الله بسنده إلى المُرَجَّى، فكتب الناسخُ اسمَ شيخِ البَيْهَقيِّ، وانتقلَ نظرُه إلى السطر الذي يليه فكتَب: اليَشْكُري ... فجاء على الصورة المحالةِ هذه. والله أعلم.
الثالث: تصحَّف في (معرفة السنن) اسمُ سَلْمِ بن عبد الرحمن إلى "سالم".
[السند]:
قال البخاري في (التاريخ الكبير): حدثنا مُعَلَّى - يعني: ابنَ أَسَد-، نا محمد بن حُمْرانَ، نا سَلْمٌ الجَرْمي، عن سَوادةَ بن الرَّبيع، به.
ورواه البزَّار في (مسنده): عن أبي كاملٍ الجَحْدَري، عن محمد بن حُمْران، عن سَلْم بن عبد الرحمن الجَرْمي، به.
ومدارُه عندهم: على محمد بن حُمْرانَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد حسَنٌ؛ محمد بن حُمْران بن عبد العزيز القَيْسِي، مختلَفٌ فيه: قال ابن مَعِين: "ضعيف الحديث" (سؤالات ابن الجُنَيد ٩٣١)، وقال ابن المَدِيني: "يُتَّقى هذا الشيخُ" (سؤالات البَرْذَعي لأبي زُرعة ١٠٠٤).
وقال أبو زُرعة: "محلُّه الصدقُ"، وقال أبو حاتم: "صالح" (الجرح والتعديل ٧/ ٢٣٩)، وقال أبو داود: "كان ابنُ داودَ - يعني: الخُرَيبيَّ- يُثني عليه" (سؤالات الآجُرِّي ٩٤٣)، وقال النَّسائي: "ليس بالقوي" (الضعفاء والمتروكين ٥٣٦)، وقال ابن عَدِي: "له إفراداتٌ وغرائبُ، ما أرى به بأسًا، وعامَّةُ ما يرويه مما يُحتمَل له عمَّن روَى عنهم" (الكامل ٩/ ٣٣٦). وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٩/ ٤٠)، وقال: "يخطيء". وقال الذهبي: "صدوق" (المغني في الضعفاء ٥٤٥٣). وقال في (الميزان ٧٤٤٧): "صالح الحديث"، وكذا قال ابن عبدِ الهادي في (المحرر ص ٦٠٣). وقال الحافظ: "صدوق فيه لِين" (التقريب ٥٨٣١).
فمِثْله لا بأسَ بتحسين حديثِه، لاسيما وقد تُوبِع من المُرَجَّى بنِ رجاء كما في الرواية السابقة، وكذا تابعه غيرُ واحد كما سيأتي.
стр. 4471
ومُعَلَّى هو ابن أَسَد، ثقة ثبْتٌ من رجال الصحيح، وسَلْم بن عبد الرحمن سبَق الكلامُ عليه في الرواية السابقة.
وقال الهيثمي: "رواه البزَّار، ورجالُه ثقات" (المجمع ٩٣٢٧).
وقال الحافظ: "إسناده حسن" (مختصر زوائد البزَّار ١٢٧٩).
ورمز لصحته السُّيوطيُّ في (الجامع الصغير ٥٤٨٧).
وقال الألباني: "هذا إسناد جيِّد" (الصحيحة ١٩٣٦).
[تنبيهان]:
الأول: وقع في بعض الكتب المطبوعة بعضُ الأخطاء في سند هذا الحديثِ ومتْنِه؛ حيث:
١ - تحرَّف اسمُ "محمد بن حُمْران" عند البزَّار إلى: "محمد بن عمران".
٢ - كما تحرَّف "سَلْم الجَرْمي" عند الطبراني إلى: "سُلَيمان الجرمي"، وعند الدُّولَابي إلى "مسلم الحرمي".
٣ - وتحرَّف "مُعَلَّى بن أَسَد" عند الطبراني، إلى: "معلى بن راشد".
٤ - وتحرَّف قوله (بِذَوْدٍ)، عند الدُّولابي إلى (بزوجة)، والله أعلم.
الثاني: روى هذا الحديثَ أبو عَوانةَ في (المستخرج ٧٧٢٦)، وابنُ أبي عاصم في (الآحاد والمثاني ٢٥٩٥)، وغيرُهما، مقتصرِين على قوله: ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ)).
وهذا اللفظ له شواهدُ كثيرةٌ في الصحيحين وغيرِهما من حديث ابن عُمر، وأنسٍ، وعُرْوة بن الجَعْد، وجَرير، وغيرِهم، وسيأتي بمشيئة الله تخريجُها في "كتاب الجهاد"، والله أعلم.
стр. 4472
رِوَايَة: وَأَبِي
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ سَوَادَةَ، قَالَ: ((انْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ لَنَا بِذَوْدَيْنِ ... )) الحديثَ.
[الحكم]: منكَر بهذا السياق، والمحفوظ فيه بدون ذِكرِ (أبيه)، وأن النبي ﷺ (أَمَرَ لَهُ بِذَوْدٍ)، كما تقدَّم.
[التخريج]:
[طب (٥/ ٦٧/ ٤٦٠٤) "واللفظ له" / صحا ٢٧٨٣ / باوردي (إصا ٣/ ٤٩٤ - ٤٩٥)]
[السند]:
أخرجه الطبراني في (الكبير) - وعنه أبو نُعَيم الأصبهاني في (الصحابة) - قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحَضْرمي، ثنا القاسم بن أبي شَيْبة، ثنا سلَمةُ بن رجاء، ثنا سَلْم بن عبد الرحمن الجَرْمي، عن سَوادة بن الربيع، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ فيه القاسم بن أبي شَيْبة أخو أبي بكر بن أبي شَيْبة؛ قال عنه محمد بن عثمان بن أبي شَيْبة: سألت يحيى عن عمِّي القاسم؟ فقال لي: "عمُّك ضعيف يا ابنَ أخي" انظر (لسان الميزان ٤/ ٤٦٥)، وذكره الدارَقُطْني في (الضعفاء والمتروكين ٤٣٩)، وقال الخليلي: "ضعَّفوه، وتركوا حديثَه" (الإرشاد ٢/ ٥٧٥)، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٩/ ١٨) وقال: "يخطئ ويخالف"، وقال الذهبي: "ضعيف الحديث بمَرَّة" (تاريخ الإسلام ٥/ ٩٠٢).
стр. 4473
وقد تقدَّم الحديثُ من رواية مُرَجَّى بن رجاء، ومحمد بنِ حُمْرانَ، كلاهما عن سَلْم بن عبد الرحمن، عن سَوادةَ بن الربيع قال: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَ لِي بِذَوْدٍ".
هكذا دون قولِه: "أَنَا وَأَبِي" وقوله: "بِذَوْدَيْنِ".
وحمَّل أبو نُعَيم الوَهَمَ فيه لسلَمةَ بن رجاء، فقال: "رواه غيرُ واحد عن (سَلْم)، ولم يقل أحدٌ: ((مع أَبي)) إلا سلمةَ بن رجاء" (الصحابة ٢٧٨٣)، وتبِعَه ابن الأَثير في (أسد الغابة ٢/ ٢٤٤).
قلنا: سلَمة بن رجاء: "صدوق يُغرِب" كما في (التقريب ٢٤٩٠)، لكن القاسم بن أبي شَيْبة "متروك"؛ فهو أَوْلى أن يتحمَّل هذه المخالفةَ. والله أعلم.
رِوَايَة: أُمِّي ... وَالْغَنَم:
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِأُمِّي، فَأَمَرَ لَنَا بِشِيَاهِ [غَنَمٍ]، وَقَالَ لَهَا: ((مُرِي بَنِيكِ أَنْ يُقَلِّمُوا أَظْفَارَهُمْ؛ أَنْ يُوجِعُوا، أَوْ يَعْبِطُوا ضُرُوعَ الْغَنَمِ، وَمُرِي بَنِيكِ أَنْ يُحْسِنُوا غِذَاءَ رِبَاعِهِمْ)).
[الحكم]: منكر بهذا السياق، الصواب فيه بدون ذكر (أُمِّه)، وأن النبي ﷺ (أَمَرَ لَهُ بِذَوْدٍ) وهي (الإبل)، كما تقدَّم.
[اللغة]:
* الشياه: جمع شاة، وأصْلُ الشاة: شاهَةٌ، فحُذِفَت لامُها. والنسَب
стр. 4474
إليها: شاهِيٌّ وشاوِيٌّ. وجمعُها: شِيَاهٌ، وشَاءٌ، وشَوِيٌّ. وتصغيرُها: شُوَيْهة، وشُوَيَّة. فأما عيْنُها: فواوٌ، وإنما قُلبتْ في شِيَاهٍ؛ لكسرة الشين. وإنما أضافها إلى الغَنَم؛ لأن العرب تُسمِّي البقرة الوحشيَّةَ شاةً، فميَّزَها بالإضافة لذلك. (النهاية ٢/ ١٢٧٢). وانظر (غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٤٥).
[التخريج]:
[سعد (٩/ ٤٦) "واللفظ له" / صبغ ١٦٠٩ / غخطا (١/ ٤٤٥) "والزيادة له" / هقغ ٢٩٥٤]
[السند]:
قال ابن سعد: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن يَزيدَ الخثعميُّ، قال: حدثنا سَلْم بن عبد الرحمن الجَرْمي، عن سَوادةَ بن ربيع الجَرْمي، به.
ورواه البَغَوي: من طريق محمد بن عليٍّ، والعباس بن محمد.
والخطَّابي: من طريق محمد بن أيوبَ بن ضُرَيْس.
وابن مَنْدَه: من طريق أبي مسعود.
كلُّهم، عن مسلم بن إبراهيم، عن عبد الله بن يَزيدَ ... به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه: عبد الله بنُ يَزيدَ الخثعمي، عدَّه البخاريُّ في الرواة عن سَلْمٍ الجَرْمي كما في (التاريخ الكبير ٤/ ١٥٦).
وقد رُوِي من وجه آخَرَ عن مسلم بن إبراهيم، عن يَزيدَ بن يزيدَ
стр. 4475
الخثعميِّ، بدلًا من عبد الله بن يزيد.
رواه البَيْهَقي في (الصغرى): عن أبي عبد الله الحافظ، أنا عبد الرحمن بن حَمْدان، بهَمَذان، نا أبو حاتم، نا مسلم بن إبراهيم، نا يَزيدُ بن يزيدَ الخَثْعَمي، حدثني سَلْم بن عبد الرحمن، عن سَوادة بن ربيعٍ الجَرْمي ... به.
وهذا إسناد رجاله ثقاتٌ إلى مسلم، إلا أن عبد الرحمن بن حَمْدان متكلَّمٌ في سماع المتأخرين منه، فقد قال صالح بن أحمدَ: "سماع القدماءِ منه أصحُّ، ذهب عامَّةُ كتبِه في المحنة، وكُفَّ بصرُه" (سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٧٧).
وسماعُ الحاكمِ منه متأخِّرٌ؛ فقد تُوُفِّي عبدُ الرحمن بن حَمْدان سنةَ اثنتين وأربعين وثلاث مائة، وللحاكم إحدى وعشرين سنةً، وقد رواه الجماعة عن مسلم، (عن عبد الله بن يَزيدَ الخَثْعَمي)، كما تقدَّم.
ولكن هذا مع مخالفته لرواية الجماعة أَشبَهُ؛ فيَزيدُ هذا ترجم له البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٨/ ٣٦٩) وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٩/ ٢٩٧)، ولم يَذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٧/ ٦٢٨) على قاعدته في توثيق المجاهيل، وقال: "روَى عنه حفْصُ بن عُمر والبصريون". ومسلم بن إبراهيم بصريٌّ، فلعله هو، والله أعلم.
وعلى أي حال، فهو مجهول أيضًا، والحديث بهذا السياق منكَرٌ؛ لمخالفته المحفوظَ عن سَلْمٍ بدون ذِكر (أُمِّه)، وأن النبي ﷺ (أَمَرَ لَهُ بِذَوْدٍ) وهي (الإبل)، وليس الغنَم.
стр. 4476
رِوَايَة: ((فَأَمَرَ لَهُ بِغَنَمٍ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ لَهُ بِغَنَمٍ ... )).
[الحكم]: منكَر بهذا اللفظ، الصواب أنه: (أَمَرَ لَهُ بِذَوْدٍ) وهي (الإبل)، كما تقدَّم.
[التخريج]:
[قا (١/ ٢٩٨) / صحا ٣٥٦٠ "واللفظ له"]
[السند]:
قال أبو نُعَيم: حدثناه محمد بن أحمد بن حَمْدان، ثنا الحسن بن سُفيان، ثنا أبو كاملٍ، ثنا أبو مَعْشَرٍ، حدثني سَلْم أو مُسْلِم، حدثني سَرِيع موْلَى سَوادةَ بنِ الرَّبيع، عن مولاهُ سَوادةَ، به.
قال أبو مَعْشَر: قال سَلْم أو مُسْلم، وأظنُّ قد سمِعه مِن سوادة، وقد رأيتُه وقد ضرب ضربةً في الجاهلية.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ لجهالةِ سَريع مَوْلى سوادة، فقد ترجم له البخاريُّ في (التاريخ الكبير ٤/ ١٩٨)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٤/ ٣٠٧)، ولم يَذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٦/ ٤٣١) على قاعدته، ولا يُعلم روَى عنه غيرُ سَلْمٍ الجَرْمي.
وأبو مَعْشَر، وهو يوسف بن يَزيدَ البَرَّاءُ، قال ابن مَعِين: "ضعيف الحديث"، وقال مرة أخرى: "صالح" (من كلام ابن مَعين في الرجال- رواية ابن طَهْمان ٢)، وقال في (رواية ابن مُحْرِز ٣٠٤): "ليس به بأس".
стр. 4477
وقال سِيَدانُ بن مُضَارِب الباهليُّ: "صدوق" (صحيح البخاري ٥٧٣٧). وقال أبو حاتم: "يُكتب حديثُه"، وقال محمد بن أبي بكر المُقَدَّمي: "كان ثقة" (الجرح والتعديل ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥)، وقال أبو داود: "ليس بذاك" (سؤالات الآجُرِّي ٥٤٣)، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٧/ ٦٣٧).
وقال الذهبي: "صدوق، وضعَّفه ابن مَعين" (الكاشف ٦٤٥٨)، وقال في (المغني ٧٢٥٣) "ضعَّفه ابن مَعين بلا وجه"، وكذا في رسالة (مَن تُكلِّم فيه وهو موثَّق ٣٨٧)، وفي (الميزان ٩٨٩٠): "صدوق نبيلٌ بصري ... ضعَّفه يحيى بن مَعين بلا وجه، وأثنَى عليه غيرُ واحد"، وقال في (تاريخ الإسلام ٤/ ٧٧٥): "ثقة، ورُوي أن يحيى بن مَعين ضعَّفه، فالله أعلم".
وقال المِزِّي: "روى له البخاري ومسلم" (تهذيب الكمال ٣٢/ ٤٧٨)، وهذا ظاهرُه أنهما أخرجا له احتجاجًا، وليس كذلك، بل حديثُه عند البخاري في الشواهد كما بيَّنه الحافظُ في (مقدمة الفتح ص ٤٥٤)، وذَكر أن مسلمًا لم يُخرِّج له سوى حديثٍ واحد في صوم عاشوراءَ، وهو عنده في المتابعات أيضًا، ولخَّصَ الحافظُ حال أبي مَعْشَر، فقال: "صدوق ربما أخطأَ" (التقريب ٧٨٩٤).
قلنا: وقد وقفْنا لأبي مَعْشَرٍ على متابعة؛
فقد رواه ابن قانِع في (الصحابة) قال: حدثنا المَعْمَري، نا أبو كامل، نا محمد بن حُمْران، نا سَلْم، قال: حدثني سَريع بن سَوادةَ بن الربيع، عن سَوادةَ بن الربيع، به.
أبو كاملٍ الجَحْدَري: "ثقة حافظ"، كما في (التقريب ٥٤٢٦).
والحسن بن عليٍّ المَعْمَري، أحد الحفاظ، لكنه يُغْرِب، انظر ترجمتَه في
стр. 4478
(تذكرة الحفاظ ٦٨٧)،
فنخشَى أن يكون وَهِمَ في قوله: (سريع بن سوادة)، فقد قال أبو مَعْشَر في حديثه: (مَولَى سوادةَ)، وكذا ترجم له كلُّ مَن تقدَّم ذِكرُهم، ولعله خطأٌ من أحد النُّسَّاخ، والله أعلم.
ويبقى الإشكالُ في إثبات (سَريع)؛ فقد سبَق الحديثُ من طُرُق، عن سَلْم الجَرْمي، عن سَوادة، بدون واسطة، ومصرَّحًا بالسماع منه.
والذي يَبدو- والله أعلم-: أنَّ كليهما محفوظٌ عن سَلْم الجَرْمي، فقد سمِعه مِن سَوادة مرةً بالواسطة- كما في هذه الرواية-، ومرةً أخرى بدونها- كما في الروايات السابقة-؛ ويؤيِّد ذلك قولُ سَلْمٍ نفْسِه- عَقِبَ هذه الروايةِ-: "وأظنُّ قد سمِعه- يعني سَريعًا- من سوادة، وقد رأيتُه وقد ضرب ضربة في الجاهلية " (الصحابة لأبي نُعَيم ٣٥٦٠).
فإنْ صحَّ هذا، وإلا فروايةُ الجماعة بدون ذِكرِ سَريعٍ أصحُّ، والله أعلم.
رواية بذكر أبي أيوب الأزدي:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عن واصِلِ (١) بن سُلَيْم، قال: أتيتُ أبا أيوبَ الأَزْديَّ فصافحْتُهُ ... فذكره بنحوه مميِّزًا أبا أيوبَ بأنه الأَزْدي.
[الحكم]: مرسَلٌ ضعيف.
[التخريج]:
[طي ٥٩٧ / هق ٨٤٤ / ضح (٢/ ٤٦٢)]
[التحقيق]: انظره تحت آخِر رواية.
رواية بذكر أبي أيوب مهملا دون تمييز:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عن أبي واصِلٍ سُلَيمانَ بنِ فَرُّوخَ، قال: لقِيتُ أبا أيوبَ فصافحني ... فذكره بنحوه هكذا بدون تمييزِ أبي أيوبَ.
[الحكم]: مرسَلٌ ضعيف.
[التخريج]:
[تخ (٤/ ١٢٨) (١) / شا ١١٣٨ "واللفظ له"، ١١٣٩، ١١٤٠ / هق
стр. 4481
٨٤٣ / سمأ (١/ ٢٨) / جصاص (١/ ٨٢)].
[السند]:
قال أحمد في (المسند ٢٣٥٤٢): حدثنا وَكِيع، حدثنا قُرَيش بن حَيَّان، عن أبي واصِلٍ، به.
ونسَبَ وكيعٌ هنا أبا أيوبَ، فقال: "الأنصاري"، وخالفه غيرُه كما سيأتي.
والحديث مدارُه- عند الجميع-: على قُرَيش بن حَيَّان، عن أبي واصِل، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
الأولى: أبو واصِل، قيل اسمه: سُلَيمان بن فَرُّوخَ، وقيل: سَلْمان، وقيل: سُلَيْم؛ وهو "مجهول الحال"؛ ترجم له البخاريُّ في موضعين من (التاريخ الكبير) - سمَّاه في الأول: "سُلَيمان" (٤/ ٣٠)، وفي الثاني "سُلَيْم" (٤/ ١٢٨) -، وترجم له ابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٤/ ١٣٥) باسم "سُلَيمان"، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حِبَّان في (الثقات ٦/ ٣٩١) على قاعدته في توثيق المجاهيل.
وذكره ابن عَدِي باسم "سَلْمان"، ثم قال: "وسَلْمانُ هذا يُحدِّث عن أبي أيوبَ بأحاديثَ مقدار عشرةٍ أو أقلَّ، وكلُّ تلك الأحاديثِ لا يتابِعُه أحد (عليها) " (الكامل ٥/ ٣٤٧)، وأقرَّه ابن طاهر في (ذخيرة الحفاظ ١/ ٢٠٩)،
стр. 4482
والذهبيُّ، فقال في ترجمته: "لا يُعرَف" (الميزان ٣/ ٢٦٧).
ومع ذلك يقول الهيثمي: "رواه أحمد والطبرانيُّ باختصار، ورجالهما رجالُ الصحيح، خلا أبا واصلٍ وهو ثقة"! ! (المجمع ٨٨٥٦).
العلة الثانية: الإرسال؛ فإن أبا أيوبَ راويهِ ليس هو الأنصاريَّ الصحابي المشهورَ كما جاء في رواية وَكيعٍ عند أحمدَ، وإنما هو العَتَكي الأَزْديُّ أحدُ التابعين، نصَّ على ذلك الإمام أحمدُ، والبخاري، ومسلم، وأبو حاتمٍ الرازيُّ، وابنُه والبَيهَقي، وغيرُهم.
* فقال أحمدُ عَقِبَ روايةِ وَكيعٍ: "ولم يقُل وكيعٌ مرة: الأنصاري، قال غيرُه: أبو أيوبَ العَتَكِي"، وقال أيضًا: "سبقه لسانُه- يعني: وَكيعًا-، فقال: لَقِيتُ أبا أيوبَ الأنصاريَّ! وإنما هو أبو أيوبَ العَتَكِي" (المسند).
وقال في موضعٍ آخَرَ: "أخطأَ فيه وَكيعٌ، وإنما هو أبو أيوبَ العَتَكيُّ الذي حدَّث عنه قتادةُ" (العلل ٢٢٥٩).
* وبهذا جزم البخاري أيضًا، فقال في ترجمة سُلَيمانَ بنِ فَرُّوخَ: "سُلَيمان بنُ فَرُّوخَ أبو واصِلٍ، قال: ((لَقِيَني أبو أيوبَ ... ))، هو الأَزْدي، مرسَلٌ، روى عنه (قُرَيْش بنُ حَيَّان) (١) " (التاريخ الكبير ٤/ ٣٠ - ٣١).
* وقال مسلم: "أبو واصِلٍ سُلَيمان بنُ فَرُّوخَ، عن أبي أيوبَ الأَزْديِّ" (الكنى ٣٥١٥).
стр. 4483
* وقال ابن أبي حاتم: "سُلَيمان بن فَرُّوخَ الأَزْديُّ أبو واصِل، روى عن أبي أيوبَ العَتَكي الأَزْدي ... مرسَل" (الجرح والتعديل ٤/ ١٣٥).
* وقال ابن حِبَّان: "يروي عن أبي أيوبَ الأَزْديِّ، روى عنه قُرَيش بنُ حَيَّان" (الثقات ٦/ ٣٩١).
* وقد ورد ذلك صريحًا في رواية أبي داودَ الطَّيالسي؛ حيث رواه في (مسنده ٥٩٧) - ومن طريقه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٨٤٤)، والخطيبُ في (المُوضِح ٢/ ٤٦٢) - فقال: حدثنا قُرَيش بنُ حَيَّان، عن واصِل بن سُلَيم، قال: أتيتُ أبا أيوبَ الأَزْديَّ، به.
قال البَيْهَقي- عَقِبَه-: "وهذا مرسَل، أبو أيُّوبَ الأَزْدي، غيرُ أبي أيوبَ الأنصاري".
قلنا: وقولُ الطيالسيِّ في إسناده: "عن واصِل بن سُلَيْم" وهَمٌ، قال أبو حاتم الرازي: "هذا خطأٌ، ليس هو واصِلَ بن سُلَيم، إنما هو أبو واصِل سُلَيمانُ بن فَرُّوخَ، عن أبي أيوبَ، وليس هو من أصحاب النبيِّ ﷺ ، هو أبو أيوبَ يحيى بنُ مالك العَتَكِيُّ من التابعين" (العلل ٦/ ١١٥).
وقال أبو محمد ابنُ أبي حاتم: "ولم يَفهم يونسُ بن حبيب أن أبا أيوبَ الأَزْديَّ هو العَتَكيُّ، فأدخلَه في مسند أبي أيوبَ الأنصاريِّ" (العلل ٦/ ١١٥).
* ولكنْ يُشكِل على ما سبق- لاسيما نسبةُ أحمدَ الخطأَ فيه إلى وَكيع- أنه قد جاء التصريحُ بأن أبا أيوبَ هذا هو الأنصاريُّ في غير رواية وكيع، فقد جاء ذلك من رواية أبي الوليدِ الطَّيالسيِّ، وعبدِ الرحمن بن المبارك الطُّفَاوي، وأبي عامرٍ العَقَدي:
стр. 4484
* فأما طريق أبي الوليد الطَّيالسي:
فأخرجه الطبراني في (الكبير ٤٠٨٦) - ومن طريقه الخطيبُ في (الجامع لأخلاق الراوي ٨٦١) - قال: حدثنا يوسف القاضي، والحسن بنُ سَهْل الْمُجَوِّز البصري، قالا: ثنا أبو الوليد الطَّيالسي، ثنا قُرَيْش بن حَيَّان العِجْلي، عن سُلَيْمان بن فَرُّوخَ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، به.
قال الخطيب: "كذا قال: (عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ)، وزعَم أبو حاتم الرازيُّ أن صوابه: (عن أبي أيوبَ الأَزْديِّ)، وهو يحيى بن مالكٍ العَتَكيُّ، من التابعين".
* وأما طريق عبد الرحمن بن المبارك الطُّفَاوي:
فأخرجه ابن عَدِي في (الكامل ٥/ ٣٤٧) قال: حدثنا ابن أبي سُوَيْد الذَّارع، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا قُرَيش بن حَيَّان العِجْلي، عن أبي واصِلٍ سَلْمَان بن فَرُّوخَ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، به.
* وأما طريق العَقَدي:
فعلَّقه يونسُ بن حبيبٍ راوي المسنَدِ عن الطَّيالسي، فقال: "قال أبو مسعود: عن العَقَدي، عن قُرَيش، عن سُلَيْمان بن فَرُّوخَ، قال: لَقِيتُ أبا أيوبَ الأنصاريَّ، ولم يقل: الأَزْدي، فذكر نحوَه" (مسند الطيالسي ١/ ٤٨٩).
وأبو مسعود هذا هو: أحمد بن الفُرَات بن خالدٍ الضَّبِّيُّ، أبو مسعود الرازيُّ الحافظ. والعَقَدي هو: عبد الملك بن عَمرٍو القَيْسي، أبو عامر العَقَدي البصري. ولم نقف على روايته هذه مسنَدةً.
والجواب عن ذلك من وجهين:
الأول: أن هذه الرواياتِ السابقةَ غيرُ محفوظة عن أصحابها:
стр. 4485
* فأما طريق أبي الوليد الطَّيالسي:
فقد رواه البخاري في (التاريخ ٤/ ١٢٨) عن محمد بن سَلَام البِيكَنْدي (ثقة ثبْتٌ حافظ)،
رواه الشَّاشي (١١٤٠) عن ابن راهُويَهْ الإمامِ (ثقة حافظٌ إمام)،
ورواه البَيْهَقي في (الكبرى ٨٤٣) من طريق العباس بن الفضل الأَسْفاطي (صدوق)، ومحمد بن عيسى الواسطي (ثقة)، والحسَن بن سَهْل (لا بأس به)،
ورواه السَّمْعاني في (أدب الإملاء ص ٢٨) من طريق سُلَيْمان بن سَيْف الحَرَّاني (ثقة حافظ)،
ورواه الجَصَّاص في (أحكام القرآن ١/ ٨٢) من طريق محمد بن (محمد) (١) بن حَيَّانَ التَّمَّارِ (لا بأس به، كما قال الدارَقُطْني)،
سبعتُهم: عن أبي الوليد الطَّيالسي، عن قُرَيش بن حَيَّان، عن أبي واصِل، قال: أتيتُ أبا أيوبَ فصافحتُه ... الحديثَ.
فذكروه بكُنيتِه فقط، ولم يقل واحدٌ منهم: "الأنصاري".
والحسَن بن سَهْلٍ المذكورُ في طريق البَيْهَقي هو أحد شيخَيِ الطبرانيِّ في الطريق السابقِ الذي جاء فيه ذِكرُ أبي أيوبَ منسوبًا إلى الأنصار، فروايتُه عند الطبراني محمولةٌ على رواية قَرينِه يوسفَ القاضي، وهو أبو محمدٍ الجَهْضَميُّ، ثقة حافظ، فروايتُه هذه إما أنها شاذَّة، وإما أنها من تصرُّف المصنِّف. والله أعلم.