[الفوائد]:
١ - هذا الحديثُ أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ دون قوله: «مَا أَحْدَثْتُ إِلَّا تَوَضَّأْتُ»، وهي الشاهد من الحديث في هذا الباب.
٢ - قال ابنُ الأثيرِ: "الخشخشةُ: حركةٌ لها صوتٌ كصوتِ السلاحِ" (غريب الحديث ٢/ ٣٣).
٣ - قال الترمذيُّ: "معنى هذا الحديث: «إِنِّي دَخَلْتُ البَارِحَةَ الجَنَّةَ» يعني: رأيتُ في المنامِ كأني دخلتُ الجَنَّةَ. هكذا رُوي في بعضِ الحديثِ، ويُروى عنِ ابنِ عباسٍ أنه قال: رؤيا الأنبياء وحيٌّ".
[التخريج]:
تخريج السياق الأول: [حب ٧١٢٩ (والزيادتان له) / ش ٣٣٠٠١ (واللفظ له) / بز ٤٤١٨/ طب ١٠١٢/ مث ٢٦٣/ حل (١/ ١٥٠)].
تخريج السياق الثاني: [ت ٣٩٩٣ (واللفظ له) / حم ٢٢٩٩٦ (والزيادتان له ولغيره)، ٢٣٠٤٠/ حب ٧١٢٨/ ك ١١٧٩ (مختصرًا)، ٥٣٣٥/ فحم ١٧٣١ (مختصرًا) / غخطا (١/ ٥٨٢) (مختصرًا جدًّا) / شعب ٢٤٦١ (مختصرًا) / بغ ١٠١٢ (مختصرًا) / طيو ٧٩/ خط (١٣/ ٢٩٤/ ٦١٧٥) / سمعانش (صـ ٧١٦) / كر (١٠/ ٤٥٤ - ٤٥٧) / أسد (١/ ٤١٧) / جوزى (غبش ٥٣) / حبش (صـ ١٣١) (مختصرًا)].
[السند]:
رواه ابن أبي شيبة في (المصنف ٣٣٠٠١) -ومن طريقه ابن أبي عاصم (٢٦٣) وابن حبان (٧٠٨٧) والطبراني (١٠١٢) وأبو نعيم (١/ ١٥٠) - قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني حسين بن واقد، قال: حدثني
стр. 5637
عبد الله بن بريدة، عن أبيه به، بلفظ السياقة الأُولى.
وكذا رواه البزار (٤٤١٨) عن عبدةَ الصفارِ، عن زيدٍ به.
ورواه أحمد (٢٢٩٩٦)، وابن حبان (٧١٢٨) من طريقِ أبي كُريبٍ، كلاهما عن زيدٍ به بنحو السياقة الثانية.
وتُوبِعَ عليه زيدٌ:
فرواه أحمد (٢٢٩٩٦)، وغيرُهُ عن علي بن الحسن بن شقيق، ورواه الترمذي (٣٩٩٣) وغيرُهُ من طريقِ علي بن الحسين بن واقد، كلاهما عن الحسين بن واقد، قال: حدَّثني عبد الله بن بريدة، قال: حدثني أبي: بريدة ... فذكره بلفظ السياقة الثانية، وبعضُهم اختصره فلم يذكرْ قصةَ عُمَرَ.
فمداره عندهم على الحُسينِ بنِ وَاقدٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، فعبد الله بنُ بريدة ثقةٌ، روى له الجماعةُ. والحسين بن واقد وَثَّقَهُ ابنُ مَعينٍ وغيرُهُ، واحتجَّ به مسلمٌ، وقد رواه عنه علي بن الحسن بن شقيق، وهو ثقةٌ حافظٌ روى له الجماعةُ، وتابعه: زيدُ بنُ الحُبَابِ وعليُّ بنُ الحسينِ بنِ وَاقدٍ، والأولُ صدوقٌ من رجالِ مسلمٍ، والثاني مختلفٌ فيه، وروى له مسلمٌ في مُقدمةِ كتابِهِ.
والحديثُ قال عنه الترمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ". وأقرَّهُ عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام الكبرى ١/ ٤٤١)، و (الوسطى ١/ ١٥٠)، وابنُ تيميةَ في (الفتاوى ٢١/ ١٦٩)، وابنُ دَقيقٍ في (الإمام ٢/ ٩٢)، وابنُ عبد الهادي في (المحرر ٦٦)، والعراقيُّ في (الطرح ٢/ ٥٧).
стр. 5638
وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ بإيراده له في الصحيح.
وقد ألزمَ الدارقطنيُّ مسلمًا إخراج نسخة حسين بن واقد عنِ ابنِ بُريدةَ، فقال: "وأخرجَ مسلمٌ حديثًا واحدًا عن الحسينِ بنِ وَاقدٍ عنِ ابنِ بُريدةَ عن أبيه ... وعنده نسخةٌ يلزمه إخراجها" (الإلزامات، صـ ٣٦٦).
وقال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ، ولم يخرجاه"!
فتعقبه الألبانيُّ قائلًا: "إنما هو على شرطِ مسلمٍ فقط، فإن الحسينَ بنَ واقدٍ لم يخرجْ له البخاريُّ" (الإرواء ٢/ ٢٢١).
وصَحَّحَهُ أيضًا في (الثمر ١/ ١٢)، وتمام المنة (صـ ١١١)، و (صحيح الترغيب ٢٠١)، و (المشكاة ١٣٢٦).
وذكره البغويُّ في قسمِ الحسانِ من (المصابيح ٩٣٦).
وهناك أمرٌ لا بُدَّ من تحريرِهِ، وهو سماعُ عبد الله بن بريدة من أبيه؛
فقد سُئِلَ الإمامُ أحمدُ عن سماعِ عبد الله من أبيه، فقال: "ما أدري" (معجم الصحابة للبغوي ١/ ٣٩٤)، وعن إبراهيمَ الحربيِّ أنه قال في عبد الله وأخيه سليمان: "لم يسمعا من أبيهما" (إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي ٧/ ٢٥٧)، و (تهذيب التهذيب ٥/ ١٥٨)،
ونقل مغلطاي قولَ البخاريِّ: "عبد الله بن بريدة عن أبيه، سَمِعَ سمرةَ وعمرانَ"، ثم قال: "فيه إشعارٌ بل جزمٌ بأنه لم يسمعْ منه". اهـ.
وفي هذا الكلامِ نظرٌ؛ فقد أدركا من أبيهما ثلاثينَ سنة أو أكثر، وقد صرَّحَ عبد الله بن بريدة بالسماعِ من أبيه في أحاديث كثيرة، ومنها حديثنا هذا كما عند أحمد والترمذي وغيرهما؛ ولذا جَزَمَ بسماعِهِ من أبيه:
стр. 5639
أبو أحمد الحاكمُ، كما في (تاريخ دمشق ٢٧/ ١٣٢)، وعبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام الكبرى ١/ ٣٧٠).
وهذا هو مقتضى صنيع البخاري ومسلم، حيثُ خرَّجا له من روايتِهِ عن أبيه، وكذا صنيعُ الترمذيِّ وابنِ حبانَ والحاكمِ وغيرِهِم في تصحيحهم لكثيرٍ من أحاديثِهِ عن أبيه، وقد ذَكَرَ بعضَهَا الألبانيُّ في (الصحيحة ٢٩١٤).
ولهذا قال ابنُ عساكر -معقبًا على قولِ أحمدَ السابق-: "لا أدري ما معنى قول أحمد هذا؟ ! فإن عبد الله بن بريدة وُلد في خلافةِ عمرَ بنِ الخطابِ، وبقي أبوه بُريدةُ إلى أيامِ يزيدَ بنِ معاويةَ، فكيفَ لم يسمعْ منه؟ ! على أن أحمدَ قد رَوى له حديثًا أنه وفد مع أبيه على معاويةَ، فكيفَ خَفِيَ سماعه منه؟ ! " (تاريخ دمشق ٢٧/ ١٣٣، ١٣٤).
وأما ما ذكره مغلطاي عن البخاريِّ وفهمه له، فلينظر له إجماع المحدثين (صـ ٦٥ - ٧٠).
هذا، والحديثُ قد رواه ابنُ أبي شيبةَ في موضعٍ آخر (المصنف ٣٢٦٥٧) -وعنه ابنُ أبي عاصم في (السنة ١٢٦٩) -، واقتصرَ في المتنِ على قصةِ عُمَرَ، وهذه القصةُ لها شاهد عند البخاري (٣٢٤٢)، ومسلم (٢٣٩٥) من حديث أبي هريرة.
كما أن سماعَ النبيِّ ﷺ لخشفة بلالٍ في الجنة لها شاهد من حديث جابر في الصحيحين أيضًا، ولها شواهد أخرى من حديث أبي أمامة وأنس وابن عباس، تراها مخرجة في مكانها من الموسوعة إن شاء الله تعالى.
стр. 5640
رواية: «مَا أَذْنَبْتُ»:
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: «مَا أَذْنَبْتُ» بَدَلَ «مَا أَذَّنْتُ».
[الحكم]: شاذٌّ بلفظِ: «مَا أَذْنَبْتُ»، وضَعَّفها برهانُ الدينِ الناجيُّ، والألبانيُّ.
والصحيح بلفظ: «مَا أَذَّنْتُ قَطُّ»، كما تقدَّم.
[التخريج]: [خز ١٢٨١].
[السند]:
أخرجه ابنُ خزيمةَ في (صحيحه) قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا الحسين بن واقد، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ مُسلمٍ، غير أن لفظةَ «أَذَّنْتُ» قد تحرَّفتْ على الإمامِ ابنِ خزيمةَ إلى: «أَذْنَبْتُ»، ولذا بَوَّبَ عليه: "بَابُ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الذَّنْبِ يُحْدِثُهُ المَرْءُ لِتَكُونَ تِلْكَ الصَّلَاةُ كَفَّارَةً لِمَا أَحْدَثَ مِنَ الذَّنْبِ".
وقد رواه ابنُ عساكر في (التاريخ ١٠/ ٤٥٦) من طريقِ الدورقيِّ بلفظ: ((مَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ)).
وكذا رواه أحمدُ وغيرُهُ عن عليِّ بنِ شَقيقٍ به كما سبقَ.
ولذا قال الناجيُّ: "ولفظةُ «أَذْنَبْتُ» مصحفةٌ من «أَذَّنْتُ» ... إلى أن قال: "وقوله فيه: «أَذْنَبْتُ» تصحيفٌ فاحشٌ، إنما هي «أَذَّنْتُ» والله أعلم" (عجالة الإملاء ٢/ ٦٦٥ - ٦٦٦).
стр. 5641
وقال الألبانيُّ -معلقًا على لفظةِ «أَذْنَبْتُ» -: "كذا وقع للمصنف ﵀، وتَرْجَمَ له بما سبقَ، ووقعَ في المسندِ وغيرِهِ: «أَذَّنْتُ» من التأذين، وهو الصوابُ كما نبَّهتُ عليه في تخريج الترغيب" (حاشية الشيخ على صحيح ابن خزيمة ٢/ ٢١٤/ ١٢٠٩/ حاشية ١).
стр. 5642
١٣٨٠ - حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ
◼عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((دَخَلْتُ الجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا بِلالٌ))، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: ((بِلالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الجَنَّةِ؟ )) قَالَ: مَا أَحْدَثْتُ إِلا تَوَضَّأْتُ، وَمَا تَوَضَّأْتُ إِلا رَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: بِهَا.
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [ني ١١٩٤].
[السند]:
رواه الروياني في (مسنده) قال: حدثنا علي بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، مسلسلٌ بالضعفاءِ:
أولهم: مطرح بن يزيد؛ ضعيفٌ كما في (التقريب).
والثاني: عبيد الله بن زحر.
والثالث: علي بن يزيد وهو الألهاني.
وروايتُهُ عن القاسمِ عن أبي أُمامةَ نُسخةٌ ضَعَّفها ابنُ معينٍ وأبو حاتمٍ وابنُ حبانَ، كما في (التهذيب ٢١/ ١٧٩)، بل قال ابنُ حبانَ: ((وإذا اجتمعَ في إسنادِ خبرٍ: عبيدُ اللهِ بنُ زحر، وعليُّ بنُ يزيدَ، والقاسمُ أبو عبد الرحمن،
стр. 5643
لا يكونُ متنُ ذلك الخبر إلا مما عملتْ أيديهم، فلا يحلُّ الاحتجاجُ بهذه الصحيفةِ)) (المجروحين ٢/ ٢٩).
قلنا: أما القاسمُ -وهو ابنُ عبد الرحمن الشاميُّ- فهو في نفسِهِ صدوقٌ، إنما أتت المناكيرُ في حديثِهِ من روايةِ الضعفاءِ عنه، كما تقدَّمَ بيانُهُ ذلك مفصلًا.
وعلَّقَ ابنُ حَجرٍ على كلامِ ابنِ حِبَّانَ بقولِهِ: "ليسَ في الثلاثةِ مَن اتُّهم إلا عليّ بن يزيد، وأما الآخران فهما في الأصلِ صدوقان وإن كانا يُخطئان" (تهذيب التهذيب ٧/ ١٣).
قلنا: وعلى هذا فالحملُ فيها على الألهاني، وهو ظاهرُ كلام الجوزجاني في (التهذيب ٢١/ ١٨٠)، بينما ظاهر كلام أحمد في (سؤالات أبي داود صـ ٢٥٥، ٢٥٦) يدلُّ على أن الحملَ فيها على القاسم.
стр. 5644
١٣٨١ - حَدِيثُ عَائِشَةَ
◼ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: ((ما رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ من غَائِطٍ قَطُّ إلا مَسَّ مَاءً)).
[الحكم]: معلولٌ.
[التخريج]: [جه ٣٥٨ (واللفظ له) / حب ١٤٣٧].
[السند]:
رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الصحيحِ.
وقد أخرجه ابن حبان: من طريق يحيى بن طلحة اليربوعي قال: حدثنا أبو الأحوص عن منصور، به. وزاد في أوله: ((مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَائِمًا العَشْرَ قَطُّ)).
واليربوعي، قال عنه النسائي: "ليس بشيءٍ"، وكذَّبه عليّ بن الحسين بن الجُنيد، وخطَّأه الصغاني. انظر (تهذيب التهذيب ١١/ ٢٣٤).
وذكره ابن حبان في (الثقات ٩/ ٢٦٤) وقال: "يغرب"، وصَحَّحَ له هذا الحديث، وقال الحافظ: "لَيِّن الحديث" (التقريب ٧٥٧٣).
وعلى أية حال فهو متابع من قِبل هناد. والحديثُ صححه الألباني في (صحيح ابن ماجه ٣٥٤).
стр. 5645
ولكن قد خالف أبا الأحوص جرير بن عبد الحميد، فرواه عن منصور عن إبراهيم مرسلًا. أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه ١١٣٢)، وإسحاق بن راهويه في (مسنده ١٥٠٦) عن جرير، به.
وجرير بن عبد الحميد الضبي مِن أثبت أصحاب منصور؛ قال الدارقطني: "أثبت أصحاب منصور، الثوري، وشعبة، وجرير الضبي"، وقدَّمه ابن معين على شريك، وقَدَّم شريكًا على أبي الأحوص، وقال: "كم روى أبو الأحوص عن منصور؟ ! "، انظر (شرح علل الترمذي ٢/ ٧٢١).
وعليه: فترجح رواية جرير المرسلة على رواية أبي الأحوص المتصلة.
لاسيَّما ومتنُ حديث أبي الأحوص غريبٌ جدًّا؛ فلم يصحَّ عن النبيِّ ﷺ المداومة على الاستنجاء، بل لم يصحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه استنجى بالماء إلا في حديث أنس. فكيف يكونُ هذا ديدنه ﷺ ، ولا ينقل عنه ولا يشتهر.
وأعلَّه البوصيري بنحو ذلك؛ فقال: ((رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي الأحوص به. وقد رُوي عن عائشةَ ما يُخالفُ هذا؛ رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن أبي أسامة عن عبد الله بن يحيى التوأم عن ابن أبي مليكة عن أبيه عن عائشة قالت: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ يَبُولُ، فَاتَّبَعَهُ عُمَرُ بِمَاءٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عُمَرُ؟ ! » فقال: مَاءٌ تَتَوَضَّأُ بِهِ. فَقَالَ: «مَا أُمِرْتُ كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً»)) (مصباح الزجاجة ١/ ٥٣).
قلنا: ولكن حديث ابن أبي مليكة هذا ضعيفٌ مسلسلٌ بالعللِ، كما بَيَّنَّاهُ في باب"من بال، ولم يمس ماء".
ثم إن حديثَ عائشةَ هذا -على فرضِ صحته-، يحتملُ أن يكونَ المرادُ منه الوضوء، ويحتملُ الاستنجاء، وهذا هو الذي فهمه ابن ماجه من
стр. 5646
الحديث، حيثُ بوب عليه فقال: "باب الاستنجاء بالماء"، وترجم له ابن حبان بقوله: "ذِكر ما يجبُ على المرءِ من مَسِّ الماء عند خُروجِهِ منَ الخلاءِ".
وسيأتي الحديثُ بذكرِ الوضوء قولًا واحدًا، كما في الرواية التالية.
* * *
رِوَايَةُ: إِلَّا تَوَضَّأَ
◼ عن عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلَاءِ تَوَضَّأَ».
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: «مَا أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الخَلَاءَ إِلَّا تَوَضَّأَ حِينَ يَخْرُجُ مِنْهُ، وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ».
[الحكم]: إسنادُهُ ساقطٌ.
[التخريج]:
[حم ٢٥٥٦١ "والسياق الأول له"/ طح (١/ ٩١) "والسياق الثاني له"].
[السند]:
قال عبد الله بن أحمد: وجدتُ هذا الحديثَ في كتاب أبي بخط يده: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن جابر عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة به، بلفظ السياق الأول.
ورواه الطحاويُّ في (معاني الآثار) قال: حدثنا فهد قال: ثنا أحمد بن
стр. 5647
يونس، قال: أنا زهير، قال: ثنا جابر، عن عبد الرحمن به، بلفظ السياق الثاني.
فمداره على جابرٍ وهو الجُعْفيُّ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه جابرُ بنُ يزيدَ الجُعْفيُّ؛ قال الذهبيُّ: "من أكبر علماء الشيعة، وَثَّقَهُ شعبةُ فشذَّ، وتركه الحفاظُ" (الكاشف ٧٣٩).
قلنا: بل وكذَّبه غيرُ واحدٍ من الأئمة، واتَّهموه بالوضع. انظر ترجمتَهُ في (إكمال تهذيب الكمال ٣/ ١٣٩) و (ميزان الاعتدال ١/ ٣٨٤) وغيرهما.
أما قول الحافظ في (التقريب ٨٧٨): "ضعيفٌ رافضيٌّ"، فهو تساهلٌ ظاهرٌ إن أريد به المرتبة التي هي أعلى من المتروك، وإلا فقد ضَعَّفه جدًّا الحافظُ نفسُه في مواضعَ من كتبه، وفي بعضها قال: "متروك"، انظر على سبيل المثال لا الحصر (التلخيص الحبير ١/ ٣٧٢، ١/ ٤٥٦، ٢/ ٨، ٢/ ١٦٨)، و (المطالب العالية ٥٠٢، ١٥٥٤)، و (تغليق التعليق ٣/ ١٥٢).
وبه أعلَّه الهيثميُّ فقال: "رواه أحمد، وفيه جابر الجعفي، وَثَّقَهُ شعبةُ وسفيانُ، وضَعَّفه أكثرُ الناسِ" (المجمع ١٢٤٣).
وقد ذكره الألبانيُّ في (الصحيحة ٣٤٨١)، وصَحَّحَهُ بمرسل إبراهيم النخعي الآتي قريبًا.
قلنا: تصحيح الحديث بمرسل النخعي المذكور فيه نظر؛ لأن مَتْنَهُ -فضلًا عن كونه مرسلًا- إنما هو بلفظ: «لَمْ يَدْخُلِ الْخَلَاءَ إِلَاّ تَوَضَّأَ، أَوْ مَسَّ مَاءً»، فجاءَ بالتردد بين الوضوء وبين مجرد مس الماء.
стр. 5648
١٣٨٢ - حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: ((بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لم يَدْخُلِ الخَلَاءَ إِلَا تَوَضَّأَ أو مَسَّ مَاءً)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ لإرسالِهِ.
[التخريج]:
[ش ١١٣٢، ١٦٣٥ (واللفظ له) / حق ١٥٠٦].
[السند]:
أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه ١١٣٢)، وابن راهويه في (مسنده ١٥٠٦) قالا -والسياق لـ" ابن أبي شيبة"-: حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم به مرسلًا.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الصحيحِ، لكنه مرسلٌ.
(مط ٨٥/ ٢، ٢١٢٧/ ١)، (خيرة ٧١٩٤/ ١) / تخ (٦/ ٥٢٠) (مختصرًا) / عدني (مط ٦٥٣) / مجر (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤) / عيل ٢٣١/ متشابه (١/ ٥٤٢) / شعب ٢٥٢٩ (مقتصرًا على جملة الملازمة للوضوء) / صحا ٧٩٩ (مختصرًا جدًّا) / متفق ١٣٤٨/ كر (٩/ ٣٤١ - ٣٤٥) / سقا ٦٧/ سداسي ٢٢/ شفع (مجلسانق ٤ ب) / عساكر (تجريد ق ١٧ ب) / غيب ٢٥٤/ ضو (٣/ ١٨٧) / علج ٥٧٩].
[التحقيق]:
حديثُ أنسٍ هذا حديثٌ طويلٌ، وله طرقٌ وألفاظٌ ورواياتٌ كثيرةٌ، وبعضُ المخرجينَ سَاقَهُ بطولِهِ، وبعضُهم اقتصرَ منه على فقرةٍ أو فقرتينِ فأكثر، وكلُّ طُرُقِهِ شديدةُ الضعفِ، وقد ذكرها ابنُ حَجَرٍ في (الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع ١/ ٩٢ - ٩٤) وضَعَّفها كلَّها تضعيفًا شديدًا وأبانَ عن عللها.
ومن هذه الطرق:
الطريق الأول:
أخرجه أبو يعلى في (مسنده) -ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخه ٩/ ٣٤١) - عن يحيى بن أيوب، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الصُّدَائي، حدثنا عبَّاد المِنْقري عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب: عن أنس بن مالك به.
وهذا سندٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه أربعُ عللٍ:
الأُولى: محمد بن الحسن؛ ضَعَّفَهُ الأئمةُ وأغلظَ فيه القولُ ابنُ مَعينٍ، وتركه النسائيُّ (تهذيب التهذيب ١٩/ ١٢١)، وضَعَّفه الحافظُ في (التقريب
стр. 5652
٥٨٢٠).
وقد اختُلفَ على محمد بن الحسن في ذكرِ ابن المسيب في هذا الحديث، فرواه عنه يحيى بن أيوب هكذا بذكر سعيد فيه.
وتابعه إسحاق بن عمر المكتب عند أبي نعيم في (الصحابة ٧٩٩) مختصرًا جدًّا.
وخالفهما عمرو بن زُرارة، فرواه عن محمد بن الحسن عن عباد المنقري عن علي بن زيد عن أنس به مختصرًا.
هكذا ذكره منقطعًا ليس فيه سعيدٌ، رواه البخاريُّ في (التاريخ ٦/ ٥٢٠)، والمروزيُّ في (تعظيم قدر الصلاة ٧١٤) (١) مختصرًا جدًّا.
فإن لم يكنِ الخلافُ من محمد بن الحسن نفسه، فابن زُرارة أثبتُ من يحيى والمكتب معًا، ورواية ابن زُرارة هي التي جَزَمَ بها الترمذيُّ، ولم يَحْكِ سواها، فقال: "وقد روى عباد بن ميسرة المنقري هذا الحديث عن علي بن زيد عن أنس، ولم يذكرْ فيه عن سعيد بن المسيب" (السنن ٢٨٧١).
وانظرْ بقيةَ كلامِهِ فيما يلي.
الثانية: عباد المنقري لين الحديث كما في (التقريب ٣١٤٩).
وقد توبع عليه عباد بما لا يُفرح به:
فرواه الترمذيُّ في (جامعه ٥٩٤، ٢٨٧٠، ٢٨٩١)، والطبرانيُّ في (الأوسط)، و (الصغير)، وابن عساكر في (تاريخه ٩/ ٣٤٢) كلُّهم من طريقِ
стр. 5653
مسلمِ بنِ حاتمٍ البصريِّ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس به، اختصره الترمذيُّ، وطَوَّله الطبرانيُّ، ثم قال: "لم يَرْوِ هذا الحديث بهذا التمام عن سعيد بن المسيب إلا علي بن زيد، ولا عن علي بن زيد إلا عبد الله بن المثنى، تفرَّدَ به مسلمُ بنُ حَاتمٍ، عن الأنصاري، عن أبيه، وتفرَّدَ به محمد بن الحسن بن أبي يزيد، عن عباد المنقري".
وفي الصغير: "لا يُروى عن أنسٍ بهذا التمام إلا بهذا الإسناد، تفرَّدَ به مسلمٌ الأنصاريُّ، وكان ثقةً".
قلنا: ولكن عبد الله بن المثنى الأنصاري -والد محمد- قال فيه الحافظُ: "صدوقٌ كثيرُ الغلطِ" (التقريب ٣٥٧١). فلا يُؤمَن غلطه فيه.
فهاتان علتان، وفيه علتان أخريان، وهما بقية علل طريق المنقري، وها هما:
الثالثة: علي بن زيد بن جُدْعان، ضعيفٌ كما في (التقريب ٤٧٣٤).
الرابعة: أنه لا يُعلم لسعيد رواية عن أنس إلا في هذا الحديث. كذا قال الترمذيُّ في (السنن ٢٨٧٠)، ولِذا لما ذَكرَ المزيُّ أنسًا ضمن شيوخ سعيد قال: "من وجهٍ ضعيفٍ" (تهذيب الكمال ١١/ ٦٦).
ورغم ذلك قال الترمذيُّ بعد أن رَواه من طريقِ الأنصاريِّ: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، ومحمد بن عبد الله الأنصاري ثقةٌ، وأبوه ثقةٌ، وعلي بن زيد صدوقٌ إلا أنه ربما يرفعُ الشيءَ الذي يوقفه غيره".
وقد سبقَ أن عبد الله الأنصاري وابن جدعان ضعيفان، وهذا هو المعتمدُ.
ثم قال الترمذيُّ: ((وذاكرتُ به محمد بن إسماعيل -أي: البخاري- فلم
стр. 5654
يعرفه ولم يعرفْ لسعيد بن المسيب عن أنسٍ هذا الحديث ولا غيره. وماتَ أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين، وماتَ سعيد بن المسيب بعده بسنتين، ماتَ سنةَ خمس وتسعين)) اهـ. (السنن ٢٨٧٠).
ولعلَّه يشيرُ بذلك إلى إمكانِ السماعِ، ونحن لا ننكرُ ذلك، إنما الشأنُ في عدمِ ثبوتِ روايتِهِ عنه إلا من طريقٍ ضعيفٍ، مع أن ابنَ المسيبِ إمامٌ كبيرٌ له تلامذته الحافظون لحديثه، فأين هم من رواية شيخهم عن صحابيٍّ جليلٍ كأنسٍ ﵁؟ !
الطريق الثاني:
أخرجه ابنُ مَنِيْعٍ في مسنده كما في (المطالب ٨٥/ ٢، ٢١٢٧/ ١)، و (إتحاف الخيرة ٧١٩٤)، عن يزيد بن هارون، ثنا العلاء أبو محمد الثقفي، حدثنا أنس، بنحوه. وفيه: «يَا بُنَيَّ، أَحْكِمْ وُضُوءَكَ لِصَلَاتِكَ تُحِبُّكَ حَفَظَتُكَ وَيُزَادُ فِي عُمُرِكَ»، وفيه: «وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ مِنْ يَوْمِكَ وَلَيْلَتِكَ فَإِنْ يَأْتِكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَفُتْكَ الشَّهَادَةُ».
وقد رواه ابن ماجه (٨٦٢) من هذا الطريقِ مقتصرًا على جملة النهي عن إِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الكَلْبِ، ورواه الطبريُّ في (التهذيب/ مسند علي ٤٢٩) مقتصرًا على فقرةِ المبالغةِ في الغسلِ منَ الجنابةِ.
وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا؛ علتُه: العلاء بن زيد أبو محمد الثقفي؛ فهو "متروك، ورَمَاهُ أبو الوليد بالكذب" كما في (التقريب ٥٢٣٩)، وكذا رَمَاهُ ابنُ المدينيِّ وابنُ حِبَّانَ والحاكمُ "بالوضعِ"، وقال البخاريُّ والعقيليُّ وابنُ عَديٍّ: "منكرُ الحديثِ". انظر (تهذيب التهذيب ٨/ ١٨٣).
وقصَّرَ البوصيريُّ، فقال: "رواه أحمد بن منيع بسندٍ ضعيفٍ لضعفِ العلاءِ
стр. 5655
أبي محمدٍ الثقفيِّ، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر بسندٍ فيه راوٍ لم يُسَمَّ" (الإتحاف ٧/ ٤٠٥).
قلنا: وهذا تساهلٌ منه؛ فالعلاءُ هذا ساقطٌ؛ قال عنه عليُّ بنُ المدينيِّ: "كان يضعُ الحديثَ"، وقال ابنُ حِبَّانَ: "رَوى عن أنسٍ نسخةً موضوعةً، لا يحلُّ ذكره إلا تعجبًا"،
وقال الحاكمُ: "يَروي عن أنسٍ أحاديثَ موضوعة"، وكذا قال أبو نعيم، وقال البخاريُّ وأبو حاتم والعقيليُّ وابن عدي: "منكرُ الحديثِ"، انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب ٣٢٨).
وأما طريقُ ابنِ أَبِي عُمَرَ -الذي أشارَ إليه البوصيريُّ، وذكرَ أن فيه راوٍ لم يُسَمَّ- فالظاهرُ أنه يعني به ما نقله ابن حجر في (المطالب ٦٥٣) عن ابنِ أَبِي عُمَرَ العدنيِّ أنه قال: "حدثنا شيخ من أهل المدينة -أتيناه عند رأس الثنية- قال: عن عمر الذكواني، عمَّن حَدَّثَهُ، عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ أَو عَشرٍ فَقَالَ: «يَا أَنَسُ، أَكْثِرِ الطُّهُورَ يُزَدْ فِي عُمُرِكَ، وَصَلِّ الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلَاةُ الأَوَّابِينَ ... »، الحديث. كذا، ولم يَسُقْ بَقيَّتَهُ، وذكرَ أنَّه سيأتي بطولِهِ في موضعٍ آخر.
وهذا سندٌ ساقطٌ مظلمٌ، يرويه العدنيُّ عن مبهمٍ لم يُسَمَّ! عن الذكواني وهو مجهولٌ لا يُعرفُ! عن مبهمٍ آخر لم يُسَمَّ أيضًا!
الطريق الثالث:
أخرجه ابن حبان في (المجروحين) -ومن طريقه ابن الجوزي في (الموضوعات) و (العلل) - من طريقِ قتيبةَ بنِ سعيدٍ عن كثيرٍ أبي هاشم الأيلي عن أنسٍ به مطولًا بنحو رواية أبي يعلى.
стр. 5656
ورواه البيهقيُّ في (الشعب) عن أبي نصر بن قتادة، ثنا أبو عمرو بن مطر، أنا محمد بن يحيى بن سليمان المروزي، ثنا بشر بن الوليد، ثنا كثير بن عبد الله أبو هاشم الناجي قال: سَمِعْتُ أنسًا ﵁ يقولُ: ... فذكره مختصرًا على جملة: «يَا بُنَيَّ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ أَبَدًا عَلَى وُضُوءٍ فَافْعَلْ ... ».
وأخرجه أبو بكرٍ الشافعيُّ في (مجلسان له) -ومن طريقه الخطيب في (المتفق والمفترق) - عن يزيد بن الهيثم الباد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، حدثنا كثير بن عبد الله الناجي قال: سَمِعْتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ ... فذكره مختصرًا أيضًا على الجملةِ السابقةِ.
فمداره على كثير بن عبد الله أبي هاشم الناجي.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه كثيرٌ الناجيُّ؛ قال عنه البخاريُّ وأبو حاتم والنسائيُّ وغيرُهُم: "منكرُ الحديثِ"، انظر ترجمتَهُ في (تهذيب التهذيب ٨/ ٣٧٤).
وقال ابن حبان: "كان ممن يَرْوي عن أنسٍ ما ليس من حديثِهِ من غيرِ رُؤيتِهِ، ويضعُ عليه ثم يحدِّثُ به، لا يحلُّ كتابة حديثه ولا الرواية عنه إلا على سبيلِ الاختبارِ، وهو الذي روى عن أنسٍ أن أمَّ سُليمٍ قالتْ: ... "، وذَكَرَ هذا الحديثَ.
ولذا قال ابنُ الجوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يصحُّ، قال ابن حبان: أبو هاشمٍ الأيليُّ كان يضعُ الحديثَ على أنسٍ، لا يحلُّ كتب حديثه إلا اعتبارًا" (الموضوعات ٣/ ٤٥٣)
الطريق الرابع:
أخرجه ابن عساكر في (تاريخه ٩/ ٣٤٣ - ٣٤٤) عن أبي القاسم
стр. 5657
هبة الله بن عبد الله الواسطي، أنا أبو بكر الخطيب، أنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا ابن محمد بن حاتم (١)، حدثنا حماد بن محمد بن عبد الله بن مجيب بن حرمي بن أيوب الفَزاري الكوفي، حدثني محمد بن طلحة بن مصرف عن حميد عن أنس، ببعضه نحوه.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه حماد بن محمد بن عبد الله بن مجيب الفزاري؛ قال عنه الحافظ صالح جزرة: "ضعيفٌ" (تاريخ بغداد ٨/ ١٥١). وذكره العقيليُّ في "الضعفاء" وذَكَرَ له حديثًا ثم قال: "لم يصحَّ حديثه، ولا يعرفُ إلا به" (الضعفاء ١/ ٥٥٠).
ومحمد بن طلحة بن مصرف -وإن أَخرجَ له الشيخان- فقد قال النسائيُّ: "ليس بالقوي"، وقال ابن معين: "يُتقى حديثه"، وقال مرةً: "ضعيف"، وقال أبو زرعة وغيره: "صدوق" (الكاشف ٤٩٢٥). وقال الحافظ: "صدوق له أوهام" (التقريب ٥٩٨٢).
فتفرد مثله عن مثل حميدٍ يُعَدُّ منكرًا.
الطريق الخامس:
رواه الإسماعيليُّ في (معجمه ٢٣١)، والخطيبُ في (التلخيص ١/ ٥٤٢)، وقوامُ السنةِ في (الترغيب ٢٥٤) من طريق بشر بن إبراهيم أبي عمرو البصري المفلوج، نا عباد بن كثير، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أنس بن مالك، مطولًا بنحوه.
стр. 5658
وهذا إسنادٌ ساقطٌ، فعباد متروك، وبشر المفلوج ممن يضعُ الحديثَ، قاله العقيليُّ وابنُ عَدِيٍّ وابنُ حِبَّانَ (الميزان ١/ ٣١١).
ولذا قال ابن حجر: ((هو باطلٌ بهذا الإسنادِ، وله طرقٌ متعددةٌ عن أنسٍ. قال العقيليُّ: "لا يثبتُ منها شيءٌ")) (اللسان ١٤٦٠).
وبعد، فالحديثُ لا يرتقي إلى الصحةِ بهذه الطرقِ، ولا يُقوِّي بعضها بعضًا؛ لشدةِ ضعفها مع نكارةِ المتنِ.
وممن ضَعَّفه أبو حاتم؛ فقال ابنُه: ((وسألتُ أبي وأبا زرعة عن أحاديثَ تُرْوَى عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ في: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ يَزِيدُ فِي العُمْرِ»؟ وذكرتُ لهما الأسانيدَ المرويةَ في ذلك؟ فضعَّفاها كلَّها، وقالا: ليس في: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ يَزِيدُ فِي العُمْرِ» حديثٌ صحيحٌ)) (العلل لابن أبي حاتم رقم ١٢٨).
وقال العقيليُّ: "ليسَ لهذا المتنِ عن أنسٍ إسنادٌ صحيحٌ" (الضعفاء ١/ ٣٣٢)
ولذا ضَعَّفه الحافظُ جدًّا من جميعِ طرقه، انظر (الإمتاع ١/ ٩٢ - ٩٤).
ولهذا الحديثِ روايات كثيرة جدًّا وسياقات مختلفة، انظرها مع بقية طرقه تحت "باب الأمر بإسباغ الوضوء"، و"باب الوضوء عند النوم" وغيرها.
هذا، وقول أنسٍ: «فَأَخَذَتْ أُمِّي بِيَدِي .. إلخ»، وقوله: «فَخَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا ضَرَبَنِي ضَرْبَةً، وَلَا سَبَّنِي سَبَّةً، وَلَا انْتَهَرَنِي وَلَا عَبَسَ فِي وَجْهِي»، ثابتٌ عن أنسٍ من وجوهٍ؛ فأخرجَ البخاريُّ (٥١٦٦) عنِ ابنِ شِهَابٍ، قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁: «أنَّهُ كانَ ابنَ عَشر
стр. 5659
سِنينَ، مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَكَانَ أُمَّهَاتِي يُوَاظِبْنَنِي عَلَى خِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ».
وأخرجَ البخاريُّ (٢٧٦٨)، ومسلمٌ (٢٣٠٩)، عن أَنسٍ ﵁، قال: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قَالَ: «فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟ ».
وعند أحمدَ (١٣٠٦٧) من طريقِ حُميدٍ، عن أنسٍ، أن أمَّ سُليمٍ هي التي أخذتْ بيدِهِ، وكلاهما صحيحٌ، قال ابنُ حَجرٍ: "وأما قصةُ أَنسٍ، فإنه كان في كفالةِ أُمِّهِ فرأتْ له من المصلحةِ أن يخدمَ النبيَّ ﷺ لما في ذلك من تحصيلِ النفعِ العاجلِ والآجلِ فأحضرتْهُ وكان زوجُهَا معها فنسبَ الإحضارَ إليها تارة وإليه أُخرى" (الفتح ١٢/ ٢٥٤).
وأخرجَ البخاريُّ (٦٠٣٨) من طريقٍ ثابتٍ، عن أنسٍ ﵁ قال: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ؟ ".
стр. 5660
٢١٨ - بَابُ ذَهَابِ الذُّنُوبِ بِمَاءِ الوُضُوءِ
١٣٨٤ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ -أَوِ: المُؤْمِنُ- فَغَسَل وَجْهَهُ، خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَينيْهِ مَعَ المَاءِ -أَوْ: مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ- فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ -أَوْ: مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ-، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ المَاءِ -أَوْ: مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ-، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ».
[الحكم]: صحيح (م).
[الفوائد]:
قال ابنُ عبدِ البرِّ: وأما قوله: ((«العَبْدُ المُسْلِمُ -أَوِ: المُؤْمِنُ-» فهو شَكٌّ منَ المُحَدِّثِ من مالكٍ أو غيره. وأما قوله: «مَعَ المَاءِ -أَوْ: مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ-» فهو شَكٌّ من المُحَدِّثِ أيضًا. ولا يجوزُ أن يكونَ ذلك منَ النبيِّ ﵇ وإنما حملَ المُحَدِّثَ على ذلك التحري لألفاظِ النبيِّ ﷺ والله أعلم)) (الاستذكار ١/ ٢٠٣).
وقوله ﷺ : «فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيَئةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَينيْهِ». قال ابنُ العربي: ((يعني غُفرت؛ لأن الخَطايا هي أفعالٌ وأعراضٌ لا تبقى، فكيفَ
стр. 5661
توصفُ بدخولٍ أو بخروجٍ ولكن الباري لما أوقف المغفرة على الطهارةِ الكاملةِ في العضوِ، ضرب لذلك مثلًا بالخروجِ؟ ولأن الطهارةَ حكمٌ ثابتٌ استقرَّ له الدخول)) (عارضة الأحوذي ١/ ١٠).
قال السيوطيُّ معقبًا: ((وأقولُ: بل الظاهر حمله على الحقيقةِ، وذلك أن الخطايا تؤثرُ في الباطنِ والظاهرِ، والطهارةُ تزيله، وشاهدُ ذلك ما أخرجه المصنِّفُ والنسائيُّ وابنُ ماجه وابنُ حِبَّانَ والحاكمُ، عن أبي هريرةَ ﵁، عنِ النبيِّ ﷺ قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِل قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُو قَلْبَهُ، وَذَلِكَ الرَّانُ، الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي القُرْآنِ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». وأخرج أحمدُ، وابنُ خزيمةَ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحَجَرُ الأَسْوَدُ يَاقُوتَةٌ بَيْضَاءُ مِنَ الجَنَّةِ وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَإِنَّمَا سَوَدَتْهُ خَطَايَا المُشْرِكِينَ» فإذا أثرتِ الخطايا في الحجرِ، ففي جسدِ فاعلِها أَوْلَى.
فإما أن يُقدَّرَ: خَرَجَ من وجهِهِ أثرُ كل خطيئةٍ، أي: السَّوادُ الذي أحدثته. وإما أن يقالَ: إن الخطيئةَ نفسها تتعلقُ بالبدن، على أنها جسمٌ لا عَرَضٌ، بناءً على إثباتِ عالم المثال؛ ولهذا صحَّ عَرْضُ الأعراضِ على آدم ﵇ ثم على الملائكة ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ وإلا فكيفَ يُتصورُ عَرْضُ الأعراض لو لم يكن لها صورةٌ تتشخص بها؟ ! وقد حققتُ ذلك في تأليفٍ مستقلٍ، وأشرتُ إليه في الحاشيةِ التي علَّقتُهَا على تفسيرِ البيضاويِّ. ومن شواهدِهِ في الخطايا ما أخرجه البيهقيُّ في سننه عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي أُتِيَ بِذُنُوبِهِ فَجُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ وَعَاتِقَيْهِ، كُلَّمَا رَكَعَ وَسَجَدَ تَسَاقَطَتْ عَنْهُ». وأخرج البزارُ والطبرانيُّ عن سلمانَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المُسْلِمُ يُصَلِّي وَخَطَايَاهُ مَرْفُوعَةٌ عَلَى
стр. 5662
رَأْسِهِ، كُلَّمَا سَجَدَ تَحَاتَّتْ عَنْهُ»)) (قوت المغتذي على جامع الترمذي ١/ ٣١).
[التخريج]:
[م ٢٤٤ (واللفظ له) / ت ٢/ طا ٦٧/ حم ٨٠٢٠/ مي ٧٤٥/ خز ٤/ حب ١٠٤٠/ عه ٦٦٩، ٦٧٠/ طح ١٧٤، ١٧٥ (مختصرًا) / طحق ٤٨/ بغ ١٥٠/ هق ٣٨٢/ هقغ ١٠٢/ هقع ٧٣٥/ مسن ٥٧٥/ طبر (٨/ ٢١٨) / شعب ٢٤٧٧، ٢٤٧٦/ غيب ٢٠٦٥/ مطغ ٤٢٦، ٤٢٧/ بشن ١٢٥٠/ وسيط ٢٧٤].
[السند]:
قال مسلم: حدثنا سويد بن سعيد عن مالك بن أنس (ح)، وحدثنا أبو الطاهر -واللفظ له- أخبرنا عبد الله بن وهب عن مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به.
стр. 5663
رِوَايَةُ حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا مَضْمَضَ العَبْدُ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهَا مَعَ المَاءِ إِذَا خَرَجَ مِنْ فِيهِ، وَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ فِي وَجْهِهِ مَعَ المَاءِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ وَجْهِهِ، وَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ مَعَ المَاءِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ يَدَيْهِ، وَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حِينَ يَغْسِلُهُمَا، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى المَسْجِدِ مُحِيَ عَنْهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطِيئَةٌ وَزِيدَ بِهَا حَسَنَةً حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، وإسنادُهُ ساقطٌ.
[التخريج]: [عب ١٥٥].
[السند]:
أخرجه عبد الرزاق: عن إبراهيم بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ؛ إبراهيم بن محمد هو ابنُ أبي يحيى الأسلميُّ، وهو "متروكٌ" كما في (التقريب ٢٤١). بل، وكذَّبَهُ غيرُ واحدٍ من الأئمة واتَّهموه بوضعِ الحديثِ، انظر (تهذيب التهذيب ١/ ١٥٩).
ولكن قد صحَّ مَتْنُهُ بما قبله وما سيأتي.
وأما زيادة: «فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى المَسْجِدِ ... » فقد صَحَّتْ من أحاديث أُخر، منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَطَهَّرَ في
[السند]:
رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في (الطهور) قال: ثنا سعيد بن أبي مريم عن موسى بن يعقوب الزمعي قال: حدثني عباد بن أبي صالح السمان -مولى جويرية بنت الأخفش الغطفاني- أنه سَمِعَ أباه يقولُ: سمعتُ أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره.
ورواه البزارُ عن محمد بن مسكين حدثنا ابن أبي مريم ... به.
وأخرجه المروزيُّ في (تعظيم قدر الصلاة)، وابنُ عدي في (الكامل)، والعقيليُّ في (الضعفاء) من طريق سعيد بن أبي مريم به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: موسى بن يعقوب الزمعي؛ قال عنه الحافظ: "صدوق سيئ الحفظ" (التقريب ٧٠٢٦).
الثانية: عباد -ويقال له: عبد الله- بن أبي صالح؛ مختلفٌ فيه؛ فوَثَّقَهُ ابنُ مَعينٍ، وضَعَّفَهُ ابنُ المديني، وقال البخاريُّ: "منكرُ الحديثِ" (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٦٤).
وقال عنه ابن حبان: "يتفردُ عن أبيه بما لا أصلَ له من حديثِ أبيه، لا يجوزُ الاحتجاجُ به إذا انفردَ" (المجروحين ٧٨٤).
وقال الساجى -وتبعه الأزدي-: "ثقةٌ إلا أنه رَوى عن أبيه ما لم يتابع عليه" (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٦٤).
ولخَّصَ حالَهُ الحافظُ فقال: "لينُ الحديثِ" (التقريب ٣٣٩٠).
стр. 5666
وقد سبقَ الحديثُ من رواية أخيه سهيل بغير هذا السياق، ليس فيه قوله: «وَلَا يَسْتَنْشِقُ إِلَّا خَرَجَ مَعَ قَطْرِ المَاءِ كُلُّ سَيِّئَةٍ وُجِدَ رِيحُهَا بِأَنْفِهِ، وَلَا تَمَضْمَضَ إِلَّا خَرَجَ مَعَ قَطْرِ المَاءِ كُلُّ سَيِّئَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا بِلِسَانِهِ»، وبقية متنه صحيحٌ بما سبقَ.
وقال العقيليُّ بعد أن خرَّجه: "وهذا يروى بغيرِ هذا الإسنادِ بإسنادٍ صالحٍ"، يعني به رواية سهيل المتقدمة.
وذكر الألبانيُّ الفقرةَ الأخيرةَ منه -وهي قوله: «فَإِذَا خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ ... » إلخ- في (الصحيحة ١٠٦٣)، من رواية ابن نصر المروزي، وقال: "هذا إسنادٌ حسنٌ"، ولعلَّه أرادَ حسن في المتابعات؛ فإنه ذَكَرَ أن الزمعيَّ فيه ضعف، وسكتَ عن عباد، ثم أتبعه بطرقٍ أُخرى عن أبي هريرةَ، والله أعلم.
شداد بن عبد الله الدمشقي وكان قد أدركَ نفرًا مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ قالَ: قال أبو أمامةَ: يا عمرو بن عبسة ... به.
ورواه ابنُ خزيمةَ، والدارقطنيُّ (٣٧٨) من طريقِ أبي الوليد الطيالسيِّ عن عكرمةَ بنِ عمارٍ به.
ورواه الدارقطنيُّ (٣٧٩)، والطبرانيُّ في (الأحاديث الطوال ١١)، من طريقِ يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بن يزيد بن ميمون عن عكرمةَ به.
ومداره عندهم على عكرمة بن عمار به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ، رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ، وعكرمةُ بنُ عمَّارٍ قال عنه الذهبيُّ: "ثقةٌ، إلا في يحيى بن أبي كثير فمضطربٌ" (الكاشف ٣٨٦٦). وانظر (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٦٣).
قلنا: وروايته هنا عن شداد بن عبد الله أبي عمار.
وقد صَحَّحَ حديثَه هذا جماعةٌ منَ العلماءِ:
فصَحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ؛ بإخراجه له في (صحيحه).
وقال الدارقطنيُّ: "هذا إسنادٌ ثابتٌ صحيحٌ" (السنن ١/ ١٩١).
وقال البيهقيُّ: ((وروينا في الحديثِ الصحيحِ عن عمرِو بنِ عبسةَ، عنِ النبيِّ ﷺ في الوضوءِ: «ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى» وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى أمر بغسلهما)) (السنن الكبرى ١/ ٢١٦).
وصَحَّحَهُ أيضًا: الجورقانيُّ في (الأباطيل ١/ ٢٩٨)، والبغويُّ في (شرح السنة ٣/ ٣٢٥)، وأبو سعدٍ النيسابوريُّ في (الأربعون من مسانيد المشايخ
٢٦١، ٢٦٢) مطولًا].
[السند]:
قال النسائيُّ في (الصغرى والكبرى): أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا الليث -هو ابن سعد- قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر وضمرة بن حبيب وأبو طلحة نعيم بن زياد قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت عمرو بن عبسة يقول ... فذكره.
وعمرو بن منصور ثقةٌ ثبتٌ، وآدم ثقةٌ من شيوخِ البخاريِّ، وقد توبعا:
فأخرجه الطحاويُّ من طريقِ ابنِ وهبٍ.
ورواه أبو عبيد في الطهور، والطبراني في مسنده -ومن طريقه ابن عساكر-، وقوام السنة، من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح، كلاهما عن معاوية بن صالح به، طوله الطبراني وقوام السنة.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ جيدٌ، رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ، وفي معاوية بن صالح كلام لا يضرُّ، وقد وَثَّقَهُ الجمهورُ.
والحديثُ أصله في صحيح ابن خزيمة (١٢١٦)، ومستدرك الحاكم (١١٦٢) وغيرهما، من طريق ابن وهب، غير أنهما اختصرا متنه، فلم يذكرا فيه قصة الوضوء، وذكرا سواها مما ذكره الطبراني وغيره، وقد أشارَ ابنُ خزيمةَ إلى اختصارِهِ له، وصَحَّحَهُ الحاكمُ على شرطِ مسلمٍ.
والحديثُ صَحَّحَهُ الألبانيُّ كما في التعليق الرغيب (صحيح سنن النسائي ١/ ٥٦).
стр. 5673
رِوَايَةُ كَانَ ذَلِكَ حَظَّكَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: « ... وَإِذَا تَوَضَّأْتَ فَاغْسِلْ يَدَيْكَ فَإِنَّكَ إِذَا غَسَلْتَ يَدَيْكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ أَطْرَافِ أَنَامِلِكَ، ثُمَّ إِذَا غَسَلْتَ وَجْهَكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ وَجْهِكَ، ثُمَّ إِذَا مَضْمَضْتَ وَاسْتَنْثَرَتْ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ مَنَاخِرِكَ، ثُمَّ إِذَا غَسَلْتَ يَدَيْكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ ذِرَاعَيْكَ، ثُمَّ إِذَا مَسَحْتَ بِرَأْسِكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِكَ، ثُمَّ إِذَا غَسَلْتَ رِجْلَيْكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، فَإِنْ ثَبَتَّ فِي مَجْلِسِكَ كَانَ ذَلِكَ حَظَّكَ مِنْ وُضُوئِكَ، وَإِنْ قُمْتَ فَذَكَرْتَ رَبَّكَ وَحَمِدْتَ وَرَكَعَتْ رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِكَ كُنْتَ مِنْ خَطَايَاكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ ... ».
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ. وصَحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ، والبيهقيُّ.
[التخريج]:
[د ١٢٧٧ واختصره/ خز ٢٧٧ (واللفظ له) / ك ٥٩٤/ طس ٦٣٠٦/ طب (جامع ٨٣٨٧) / هق ٤٤٤٣/ هقغ ٩٥٩/ شعب ٢٤٧٩، ٢٤٨٠/ تمهيد (٤/ ٥٥ - ٥٦)].
[التحقيق]:
له طريقان:
الطريق الأول:
رواه أبو داود (١٢٧٧) -ومن طريقه ابن عبد البر في (التمهيد)، والبيهقي في (الكبير) - قال: حدثنا الربيع بن نافع، حدثنا محمد بن المهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة السلمي، به.
стр. 5674
ورواه ابن خزيمة قال: نا يعقوب بن سفيان الفارسي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، به.
وأخرجه الحاكم -وعنه البيهقي في (الصغرى) - قال: أنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، نا يعقوب بن سفيان الفارسي به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الصحيحِ سوى العباس بن سالم، فمن رجالِ السننِ، وهو ثقةٌ، وأبو سلام هو ممطور الأسود الحبشي.
وقد صَحَّحَهُ ابنُ خُزيمةَ بإيرادِهِ له في الصحيح، وقال الحاكمُ عقبه: "قد خرَّج مسلمٌ بعضَ هذه الألفاظِ من حديث النضر بن محمد الجرشي، عن عكرمة بن عمار ... وحديث العباس بن سالم هذا أشفى وأتم من حديث عكرمة بن عمار".
وقال البيهقي: "وهذا أيضًا حديثٌ صحيحٌ" (السنن الصغرى ٩٦١).
الطريق الثاني:
رواه الطبراني في (الأوسط) قال: حدثنا محمد بن علي الصائغ، ثنا محرز بن سلمة، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، عن أبي عبيد حاجب سليمان بن عبد الملك، عن عمرو بن عبسة بنحوه.
قال الطبراني: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن أيوب بن موسى إلا الضحاك بن عثمان، تفرَّدَ به عبد العزيز بن أبي حازم".
قلنا: لم ينفرد به عبد العزيز، فقد رواه البيهقيُّ في (الشعب ٢٤٧٩) من طريق سليمان بن بلال عن الضحاك به.
стр. 5675
ورجالُهُ ثقاتٌ، أبو عبيد حاجب سليمان هو حُوَيّ المَذْحِجي، ثقةٌ (التقريب ٨٢٢٧)، وقال الحاكم: "تابعيٌّ قديم، لا يُنْكَر سماعه من عمرو بن عبسة" (المستدرك ١/ ٤٥٩).
قلنا: كلام الحاكم فيه نظر، فإن أبا عبيد هذا جُل روايته عن التابعين؛ ولذا ذكره ابن حبان في طبقة أتباع التابعين (الثقات ٦/ ٢٣٦)، وذكره ابن حجر في (التقريب ٨٢٢٧) فقال: "من الخامسة، مات بعد المائة" وقد ذكر في المقدمة في أصحاب هذه الطبقة: "أنهم الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبتْ لبعضهم السماع منهم" (التقريب ١/ ٧٥).
فالراجحُ عدم سماع أبي عبيد هذا من عمرو بن عبسة، وقد وقفت على ما يرجح ذلك:
فقد أخرجَ أحمدُ في (المسند ١٧٠٢٤) فقال: "حدَّثنا محمد بن بكر، حدثنا عبد الحميد -يعني ابنَ جعفر-، قال: حدَّثني الأسود بن العلاء، عن حُويّ، مولى سليمان بن عبد الملك، عن رجلٍ -أرسلَ إليه عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وهو أميرُ المؤمنينِ، قال: كيفَ الحديث الذي حدَّثتني عن الصنابحي؟ -، قال: أخبرني الصنابحي، أنه لقي عمرو بن عبسة، فقال: هل من حَديثٍ عن رَسُولِ الله ﷺ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ؟ قال: نعم، سمعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَلَغَ أَوْ قَصَّرَ كَانَ عِدْلَ رَقَبَةٍ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ».
فأدخل أبو عبيد بينه وبين عمرو بن عبسة واسطة، وهذا يرجح كونه لم يسمع منه، والله أعلم.