٢٦١، ٢٦٢) مطولًا].
[السند]:
قال النسائيُّ في (الصغرى والكبرى): أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا الليث -هو ابن سعد- قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر وضمرة بن حبيب وأبو طلحة نعيم بن زياد قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت عمرو بن عبسة يقول ... فذكره.
وعمرو بن منصور ثقةٌ ثبتٌ، وآدم ثقةٌ من شيوخِ البخاريِّ، وقد توبعا:
فأخرجه الطحاويُّ من طريقِ ابنِ وهبٍ.
ورواه أبو عبيد في الطهور، والطبراني في مسنده -ومن طريقه ابن عساكر-، وقوام السنة، من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح، كلاهما عن معاوية بن صالح به، طوله الطبراني وقوام السنة.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ جيدٌ، رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ، وفي معاوية بن صالح كلام لا يضرُّ، وقد وَثَّقَهُ الجمهورُ.
والحديثُ أصله في صحيح ابن خزيمة (١٢١٦)، ومستدرك الحاكم (١١٦٢) وغيرهما، من طريق ابن وهب، غير أنهما اختصرا متنه، فلم يذكرا فيه قصة الوضوء، وذكرا سواها مما ذكره الطبراني وغيره، وقد أشارَ ابنُ خزيمةَ إلى اختصارِهِ له، وصَحَّحَهُ الحاكمُ على شرطِ مسلمٍ.
والحديثُ صَحَّحَهُ الألبانيُّ كما في التعليق الرغيب (صحيح سنن النسائي ١/ ٥٦).
стр. 5673
رِوَايَةُ كَانَ ذَلِكَ حَظَّكَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: « ... وَإِذَا تَوَضَّأْتَ فَاغْسِلْ يَدَيْكَ فَإِنَّكَ إِذَا غَسَلْتَ يَدَيْكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ أَطْرَافِ أَنَامِلِكَ، ثُمَّ إِذَا غَسَلْتَ وَجْهَكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ وَجْهِكَ، ثُمَّ إِذَا مَضْمَضْتَ وَاسْتَنْثَرَتْ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ مَنَاخِرِكَ، ثُمَّ إِذَا غَسَلْتَ يَدَيْكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ ذِرَاعَيْكَ، ثُمَّ إِذَا مَسَحْتَ بِرَأْسِكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِكَ، ثُمَّ إِذَا غَسَلْتَ رِجْلَيْكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، فَإِنْ ثَبَتَّ فِي مَجْلِسِكَ كَانَ ذَلِكَ حَظَّكَ مِنْ وُضُوئِكَ، وَإِنْ قُمْتَ فَذَكَرْتَ رَبَّكَ وَحَمِدْتَ وَرَكَعَتْ رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِكَ كُنْتَ مِنْ خَطَايَاكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ ... ».
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ. وصَحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ، والبيهقيُّ.
[التخريج]:
[د ١٢٧٧ واختصره/ خز ٢٧٧ (واللفظ له) / ك ٥٩٤/ طس ٦٣٠٦/ طب (جامع ٨٣٨٧) / هق ٤٤٤٣/ هقغ ٩٥٩/ شعب ٢٤٧٩، ٢٤٨٠/ تمهيد (٤/ ٥٥ - ٥٦)].
[التحقيق]:
له طريقان:
الطريق الأول:
رواه أبو داود (١٢٧٧) -ومن طريقه ابن عبد البر في (التمهيد)، والبيهقي في (الكبير) - قال: حدثنا الربيع بن نافع، حدثنا محمد بن المهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة السلمي، به.
стр. 5674
ورواه ابن خزيمة قال: نا يعقوب بن سفيان الفارسي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، به.
وأخرجه الحاكم -وعنه البيهقي في (الصغرى) - قال: أنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، نا يعقوب بن سفيان الفارسي به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الصحيحِ سوى العباس بن سالم، فمن رجالِ السننِ، وهو ثقةٌ، وأبو سلام هو ممطور الأسود الحبشي.
وقد صَحَّحَهُ ابنُ خُزيمةَ بإيرادِهِ له في الصحيح، وقال الحاكمُ عقبه: "قد خرَّج مسلمٌ بعضَ هذه الألفاظِ من حديث النضر بن محمد الجرشي، عن عكرمة بن عمار ... وحديث العباس بن سالم هذا أشفى وأتم من حديث عكرمة بن عمار".
وقال البيهقي: "وهذا أيضًا حديثٌ صحيحٌ" (السنن الصغرى ٩٦١).
الطريق الثاني:
رواه الطبراني في (الأوسط) قال: حدثنا محمد بن علي الصائغ، ثنا محرز بن سلمة، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، عن أبي عبيد حاجب سليمان بن عبد الملك، عن عمرو بن عبسة بنحوه.
قال الطبراني: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن أيوب بن موسى إلا الضحاك بن عثمان، تفرَّدَ به عبد العزيز بن أبي حازم".
قلنا: لم ينفرد به عبد العزيز، فقد رواه البيهقيُّ في (الشعب ٢٤٧٩) من طريق سليمان بن بلال عن الضحاك به.
стр. 5675
ورجالُهُ ثقاتٌ، أبو عبيد حاجب سليمان هو حُوَيّ المَذْحِجي، ثقةٌ (التقريب ٨٢٢٧)، وقال الحاكم: "تابعيٌّ قديم، لا يُنْكَر سماعه من عمرو بن عبسة" (المستدرك ١/ ٤٥٩).
قلنا: كلام الحاكم فيه نظر، فإن أبا عبيد هذا جُل روايته عن التابعين؛ ولذا ذكره ابن حبان في طبقة أتباع التابعين (الثقات ٦/ ٢٣٦)، وذكره ابن حجر في (التقريب ٨٢٢٧) فقال: "من الخامسة، مات بعد المائة" وقد ذكر في المقدمة في أصحاب هذه الطبقة: "أنهم الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبتْ لبعضهم السماع منهم" (التقريب ١/ ٧٥).
فالراجحُ عدم سماع أبي عبيد هذا من عمرو بن عبسة، وقد وقفت على ما يرجح ذلك:
فقد أخرجَ أحمدُ في (المسند ١٧٠٢٤) فقال: "حدَّثنا محمد بن بكر، حدثنا عبد الحميد -يعني ابنَ جعفر-، قال: حدَّثني الأسود بن العلاء، عن حُويّ، مولى سليمان بن عبد الملك، عن رجلٍ -أرسلَ إليه عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وهو أميرُ المؤمنينِ، قال: كيفَ الحديث الذي حدَّثتني عن الصنابحي؟ -، قال: أخبرني الصنابحي، أنه لقي عمرو بن عبسة، فقال: هل من حَديثٍ عن رَسُولِ الله ﷺ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ؟ قال: نعم، سمعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَلَغَ أَوْ قَصَّرَ كَانَ عِدْلَ رَقَبَةٍ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ».
فأدخل أبو عبيد بينه وبين عمرو بن عبسة واسطة، وهذا يرجح كونه لم يسمع منه، والله أعلم.
стр. 5676
قلنا: والحديثُ في مسلمٍ من رواية أبي أمامة ليس فيه: «فَإِنْ ثَبَتَّ فِي مَجْلِسِكَ كَانَ ذَلِكَ حَظَّكَ مِنْ وُضُوئِكَ».
رِوَايَةُ كَانَ ذَلِكَ لَكَ طَهُورًا
• وَفِي رِوَايَةٍ: « ... ثُمَّ ذَكَرَ الوُضُوءَ فَقالَ: إِذَا تَوَضَّأْتَ فَغَسَلْتَ يَدَيْكَ ووَجْهَكَ ورِجْلَيْكَ، فَإِنْ جَلَسْتَ كَانَ ذَلِكَ لَكَ طَهُوَرًا، وَإِنْ قُمْتَ فَصَلَّيتَ وَذَكَرْتَ رَبَّكَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاتِكَ كَهَيئَتِكَ يَومَ ولَدَتْكَ أُمُّكَ مِنَ الخَطَايَا».
[الحكم]: صحيحُ المعنى، فقوله: «كَانَ ذَلِكَ لَكَ طَهُوَرًا» أي: من الذنوبِ، وقد سبقَ مصرّحًا به في الصحيحِ، وهذا السياقُ إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [سعد (٤/ ٢٠٣ - ٢٠٥) / كر (٤٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥)].
[السند]:
رواه ابن سعد -ومن طريقه ابن عساكر- قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني الحجاج بن صفوان، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة السلمي، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه علتان:
الأُولى: محمد بن عمر شيخ ابن سعد، هو الواقديُّ كذَّابٌ وضَّاعٌ. وتقدَّم
عثمان بن سعيد، قال: ثنا حاتم، عن محمد بن عجلان، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عمرو بن عبسة به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأُولى: أبو عبيد لم يسمع عمرو بن عبسة كما تَقَدَّمَ.
الثانيةُ: محمد بن عجلان لم يكن بالثبت، وقد خالفه أيوب بن موسى، فرواه عن أبي عبيد عن عمرو ﵁، ولم يذكرْ فيه مسح الأذنين، وتَقَدَّمتْ روايته قريبًا.
الطريق الثاني:
رواه الطبرانيُّ في (مسند الشاميين) -ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخه) - فقال: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق، حدثني إبراهيم بن العلاء، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي سلام الدمشقي، وعمرو بن عبد الله الشيباني، أنهما سمعا أبا أمامة الباهلي يحدِّثُ عن عمرو بن عبسة السلمي بنحوه مطولًا.
ورواه ابنُ عبد البر في (التمهيد) فقال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا إبراهيم بن مروان الدمشقي قال: حدثنا ابن عياش -هو إسماعيل- به.
ومداره على إسماعيل بن عياش، قال ابنُ عبدِ البرِّ: "أجمعوا على أنه ليس بحجة فيما ينفرد به" (التمهيد ٤/ ٥١).
وقد رَوى الحديثَ العباسُ بنُ سالمٍ عن أبي سلام عن أبي أمامة، كما عند ابن خزيمة (٢٧٧)، وغيره، ولم يذكرْ فيه مسح الأذنين، والظاهرُ أنها
стр. 5679
من تخاليطِ ابنِ عيَّاشٍ، والله أعلم.
كما أن الحديثَ في مسلمٍ من طريقِ شداد أبي عمار ويحيى بن أبي كثير عن أبي أمامة، وليس فيه هذه الزيادة.
رِوَايَةُ وَكَانَ هُوَ وَقَلْبُهُ وَوَجْهُهُ:
• وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ يَدَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ، فَإِذَا غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ ذِرَاعَيْهِ وَرَأْسِهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ رِجْلَيْهِ، [فَإِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَكَانَ هُوَ وَقَلْبُهُ وَوَجْهُهُ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَ الوَجْهِ- إِلَى اللَّهِ انْصَرَفَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: أأنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مَرْةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ عَشْرًا أَوْ عِشْرِينَ، مَا حَدَّثْتُ بِهِ]».
[الحكم]: مرفوعه صحيحٌ بما سبقَ، وإسنادُهُ ضعيفٌ، وضَعَّفه مغلطاي.
[التخريج]:
[جه ٢٨٤ (واللفظ له) / حم ١٧٠٢٦ (مطولًا، والزيادة له ولغيره) / ش ٤٣/ مش ٧٥٥ مطولًا/ طهور ١٣/ كما (١٧/ ١٠ - ١١)] (١).
стр. 5680
[السند]:
قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن بشار قالا: حدثنا غندر محمد بن جعفر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن يزيد بن طَلْق عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عمرو بن عَبَسَة به.
وأخرجه ابن أبي شيبة في (مسنده، وفي مصنفه)، وأحمد في (مسنده) -ومن طريقه المزي في (التهذيب) - عن غندر عن شعبة به.
وأخرجه أبو عبيد في (الطهور) عن حجاج عن شعبة وحماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء به.
فمداره عندهم على يعلى بن عطاء به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
الأُولى: عبد الرحمن بن البيلماني؛ قال عنه الحافظ: "ضعيف" (تقريب ٣٨١٩).
الثانيةُ: الانقطاعُ؛ فرواية البيلماني عن الصحابة منقطعة؛ فقد قال صالح جزرة: "حديثه منكر، ولا يُعرفُ أنه سمعَ من أحدٍ من الصحابة إلا من سُرَّق". قال الحافظُ: "قلتُ: فعلى مطلق هذا يكون حديثه عن الصحابة المسمين أولًا مرسلًا عند صالح" (تهذيب التهذيب ٦/ ١٥٠).
وبه ضَعَّفَهُ مغلطاي في (شرح ابن ماجه ١/ ١٠٢).
الثالثةُ: يزيد بن طلق؛ ذكره ابن حبان في (الثقات ٥/ ٥٤٣)، وقال الدارقطني: "يُعتبرُ به" (سؤالات البرقاني ٥٦١)، وقال الذهبيُّ: "لا يُعرفُ"
стр. 5681
(ميزان الاعتدال ٤/ ٤٢٩)، وقال في (الكاشف ٦٣٢٢): "لين"، وقال عنه الحافظُ: "مجهولٌ" (التقريب ٧٧٣٤).
ولكن يشهدُ لمتنه ما تقدَّمه من روايات.
ولذلك صَحَّحَهُ الألبانيُّ في (صحيح ابن ماجه).
رِوَايَةُ خَرَجَ مِنْ خَطَايَاهُ كَمَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: قُلْنَا لِعَمْرِو بنِ عَبَسَةَ: حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ وَهْمٌ وَلَا نِسْيَانٌ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ -وَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا وَهِمْتُ وَلَا نَسِيتُ-[وَهُوَ] يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ يَدَيْهِ -وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ- ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ خَرَجَ مِنْ خَطَايَاهُ كَمَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ بما سبقَ، وسندُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]:
[كك (ق ٢٨٨/ ب - ٢٨٩/ أ) ((واللفظ له)) / كر (١١/ ٢٨٨) ((والزيادة له))].
[السند]:
رواه أبو أحمد الحاكم في (الكنى) قال: أخبرنا أبو عَروبة، حدثنا محمد بن مَعْدان، حدثنا العلاء بن هلال، حدثنا عبيد الله -وهو ابنُ عمرو- عن زيد -يعني ابنَ أبي أُنيسة- عن جُنادة -وهو ابن أبي خالد- عن
стр. 5682
أبي شيبة به.
ورواه ابن عساكر من طريق أبي خيثمة، نبأنا (هلال بن العلاء) (١) نبأنا أَبِي بنحوه، وفيه سقط وزيادة بها سقط أيضًا كما سيأتي التنبيه عليه.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
الأُولى: العلاء بن هلال؛ قال عنه أبو حاتم: "منكرُ الحديثِ، ضعيفُ الحديثِ، عنده عن يزيد بن زريع أحاديث موضوعة" (الجرح ٦/ ٣٦١)، وقال ابن حبان: "كان ممن يقلب الأسانيد ويغير الأسماء، لا يجوز الاحتجاج به بحال" (المجروحين ٢/ ١٧٦)، وقال النسائي: "هلال بن العلاء بن هلال روى عن أبيه غير حديث منكر، فلا أدري منه أتى أو من أبيه". وقال أبو بكر الخطيب: "في بعض حديثه نكرة" (تهذيب الكمال ٢٢/ ٥٤٥).
وقال الحافظ: "فيه لين" (التقريب ٥٢٥٩).
الثانيةُ: جنادةُ بنُ أبي خالدٍ؛ ترجم له البخاري في (التاريخ ٢/ ٢٣٤)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٢/ ٥١٥)، وابن حبان في (الثقات ٧١١٥)، وقال الذهبي: "لا يُعرفُ" (اللسان ٢/ ٤٩٤).
الثالثةُ: أبو شيبةَ المَهْرِيُّ، سُئِلَ أبو زرعةَ عنه، فقال: "هو من التابعين، ولا يُعرفُ اسمه" (الجرح والتعديل ٩/ ٣٩٠)، وذكره ابن حبان في (الثقات
стр. 5683
٦٤٣٢).
والمتنُ صحيحٌ بما سبقَ، وهو مختصرٌ، ووقعَ فيه سقطٌ عند ابن عساكر، حيثُ جاءَ عنده بلفظ: «مَنْ تَوَضَّأَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ كَمَا يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ»، وهذا فيه سقطٌ ظاهرٌ، وقد سبقَ بتمامه.
وزادَ ابنُ عساكر فيه زيادة بها سقط أيضًا، حيثُ جاءَ فيه: «وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ كَانَتْ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ نُورًا، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى بَاعَدَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
ولإدراك هذا السقط يُنظرُ ما خرَّجه ابنُ أبي عاصم في (الجهاد ١٦٦) من طريقِ زيد بن أبي أنيسة، عن جنادة بن أبي خالد، عن أبي شيبة قال: قلتُ لعمرِو بنِ عبسةَ: حَدِّثْنَا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ وَهْمٌ وَلَا نِسْيَانٌ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ خَرَجَتْ لَهُ شَعْرَةٌ بَيْضَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ كَانَتْ لَهُ عِتْقَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».
وقد ذكره البخاريُّ في (التاريخ ٢/ ٢٣٤) من طريق العلاء بن هلال، سمع عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة به، مقتصرًا على قوله: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَعَّدَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».
وهو عند أحمد من طريقٍ آخر بلفظ: «أَيُّمَا رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَبَلَغَ مُخْطِئًا أَوْ مُصِيبًا، فَلَهُ مِنَ الأَجْرِ كَرَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهِيَ لَهُ نُورٌ» (المسند ١٩٤٣٩).
ثنا عبد الله بن سالم، عن الزُّبيدي، ثنا لقمان بن عامر، عن سويد بن جبلة، عن عمرو بن عبسة السلمي، به.
والزبيدي هو محمد بن الوليد، وقد علَّقه عنه البخاري في (التاريخ الكبير ٤/ ١٤٦) مقتصرًا على أوله.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه أربعُ عللٍ:
الأُولى: عمرو شيخ الطبراني مجهولُ الحالِ كما في (إرشاد القاصي والداني ٧١٨).
الثانيةُ: أبوه إسحاق بن زِبْرِيق، يهم كثيرًا، وكَذَّبه محمد بن عوف كما في (التقريب ٣٣٠).
الثالثةُ: عمرُو بنُ الحارثِ هو الحمصيُّ الزبيديُّ؛ قال عنه الذهبي: تفرَّدَ بالروايةِ عنه إسحاق بن إبراهيم زِبْرِيق، ومولاة له اسمها علوة، فهو غير معروف العدالة. وابن زِبْرِيق ضعيف" (ميزان الاعتدال ٣/ ٢٥١). وقال الحافظُ: "مقبولٌ" (التقريب ٥٠٠١).
ولكن ذكره ابن حبان في (الثقات ٨/ ٤٨٠) وقال: "روى عنه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زِبْرِيق وأهل بلده، مستقيم الحديث".
ولين توثيقه الذهبي بقوله: "وُثق" (الكاشف ٤١٣٦).
الرابعةُ: سويدُ بنُ جبلةَ، ترجمَ له البخاريُّ في (التاريخ ٤/ ١٤٦)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٤/ ٢٣٦)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في (الثقات ٤/ ٣٢٥) على قاعدتِهِ في توثيقِ المجاهيلِ. وذكره أبو زرعةَ الدمشقيُّ وغيرُهُ في الصحابةِ، وأنكر ذلك عليه
[السند]:
قال أبو العباس طاهر بن محمد بن الحكم التميمي في (نسخته): نا هشام بن عمار، قال: نا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن أبي إدريس الخولاني به. وفي آخره: "فَقَالوا لَهُ: انْظُرْ مَا تَقُولُ يَا عَمْرُو بْنَ عَبْسَةَ، أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: وَاللَّهِ قَدْ كَبُرَ سِنِّي، وَأَشْرَفْتُ عَلَى قَبْرِي ... لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ إِلا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ما حَدَّثْتُ عنه، وَلَكِنِّي لَسْتُ أُحْصِرُ مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ".
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه خالد بن يزيد هو ابن عبد الرحمن بن أبي مالك أبو هاشم الدمشقي؛ قال ابن حجر: "ضعيفٌ مع كونِهِ كان فقيهًا، وقد اتَّهمه ابن معين" (التقريب ١٦٨٨).
وقولُهُ في الحديثِ: «فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَقَامَ إِلَى الصَّلاةِ، قَامَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَكَانَتْ صَلاتُهُ نَافِلَةً» غير محفوظ في حديث ابن عبسة، والمحفوظُ عنه ما سبقَ عند مسلمٍ وغيره: «أَنَّ العَبْدَ إِذَا غَسَلَ قَدَمَيْهِ خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ المَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
وإنما صحَّ من حديثِ عثمان ﵁ مرفوعًا: «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، وَكَانتْ صَلَاتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى المَسْجِدِ نَافِلَةً». أخرجه مسلم (٢٢٩) وغيره، وسيأتي تخريجه تحت باب (فضل الوضوء والصلاة عقبه).
[تنبيه]:
الحديثُ بهذه السياقةِ التي رواها أبو العباس -عزاه السيوطي في
стр. 5688
(الجامع الكبير ٧/ ١٨١/ ٢١٧٣٨) إلى الطبراني في الكبير والمروزي في الصلاة-، ولم نجدْهُ في المطبوع منهما.
رِوَايَةُ أَيُّ اللَّيْلِ خَيْرُ الدُّعَاءِ؟
• وَفِي رِوَايَةٍ عن عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ اللَّيْلِ خَيْرُ الدُّعَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ ... » الحَدِيثَ، وَفَيهِ: "قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الطُّهُورِ، فَقَالَ: «إِذَا مَضْمَضْتَ فَاكَ فَإِنَّكَ تَمُجُّ خَطِيئَتَهُ، وَإِذَا غَسَلْتَ يَدَيْكَ غَسَلْتَ خَطِيئَةَ يَدَيْكَ وأَظْفَارِكَ وَأَنَامِلِكَ، وَإِذَا غَسَلْتَ رِجْلَيْكَ غَسَلْتَ خَطِيئَتَكَ مِنْ بَطْنِ قَدَمَيْكَ، وَإِذَا صَلَّيْتَ فَأَقْبَلْتَ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبِكَ كَانَتْ كَفَّارَةً، وَإنْ جَلَسْتَ وَجَبَ أَجْرُكَ».
[الحكم]: إسنادُهُ لينٌ بهذه السياقة.
[التخريج]: [طس ٦٩٦٤].
[السند]:
قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، ثنا خلف بن عبد العزيز بن عثمان بن جبلة، حدثني أبي، عن جدي، ثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير ... فذكر حديثًا، ثم قال: وبالإسناد: عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، أن أبا إدريس الخولاني أخبره أن عمرو بن عبسة أخبره، به.
стр. 5689
ثم قال: "لم يَرْوِ هذين الحديثين عن يحيى بن أبي كثير إلا علي بن المبارك، تفرَّدَ بهما عثمان بن جبلة بن أبي رَوَّاد".
[التحقيق]:
إسنادُهُ لينٌ؛ فعبد العزيز بن عثمان مقبول كما في (التقريب ٤١١٢).
وابنه خلف قال فيه الخليلي: "يروي عن أبيه وعمه، عن أبيهما عثمان، عن شعبةَ أحاديث غرائب عزيزة عند الحفاظ، حدثنا بعض أصحاب أبي علي الطوسي عن أبي علي، عن خلف بتلك النسخة، وروى نصر الحافظ البغدادي نزيل بخارى عن خلف تلك الأحاديث، ويزيد في الرواية على ما رواه أبو علي، وجملته: أنهم علماء بهذا الشأن" (الإرشاد ٣/ ٨٩٢).
стр. 5690
رِوَايَةُ: سَأَلَهُ شُرَحْبِيلُ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَنَّهُ سَأَلَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو، هَلْ مِنْ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ فِيهِ نِسْيَانٌ وَلَا تَزَيُّدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ أَنَامِلِهِ، فَإِذَا هُوَ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ مَسَامِعِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ، فَإِذَا غَسَلَ قَدَمَيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ أَنَامِلِهِ، فَإِنْ قَعَدَ عَلَى وُضُوئِهِ فَلَهُ أَجْرُهُ، وَإِنْ قَامَ مُتَفَرِّغًا لصلَاتِهِ انْصَرَفَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الخَطَايَا».
فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: يَا عَمْرُو، انْظُرْ مَا تَقُولُ! قَالَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَكُمُوهُ، ... الحديث.
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا بهذه السياقةِ.
[التخريج]: [حميد ٢٩٨].
[السند]:
قال عبد بن حميد: أنا يزيد بن هارون أنا بشر بن نُمير عن القاسم عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه بشر بن نمير القشيريُّ، قال الحافظ: "متروكٌ متهمٌ" (التقريب ٧٠٦).
ومن مناكيرِهِ في المتنِ قوله: «فَإِذَا هُوَ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ
стр. 5691
مِنْ مَسَامِعِهِ»!
ومن أخطائِهِ في السندِ، زَعْمُهُ أن السائلَ هو شرحبيلُ بنُ حسنةَ، وهو وهمٌ، وإنما السائلُ شرحبيلُ بنُ السِّمْط كما رواه أبو قلابةَ وغيرُهُ.
رِوَايَةُ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيْهِ رُوحُهُ:
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي الرَّمْيِ بِالسَّهْمِ، وَالشَّيْبِ، وَالعِتْقِ، وَفِيهِ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مَعَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ، وَمَنْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ خَرَجَتْ خَطَايَا سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسَانِهِ، وَمَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ تَنَاثَرَتْ مِنْهُ الخَطَايَا وَأَتَاهُ اللهُ خَيْرًا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيْهِ رُوحُهُ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا بهذه السياقةِ.
[التخريج]: [عل (جامع ٦/ ٥٨٥)].
[السند]:
رواه أبو يعلى عن أبى خيثمة، عن] جرير [(١)،
стр. 5692
عن ليث، عن [شهر [(١)، عن شرحبيل بن السمط، عن عمرو، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
الأُولى: الليثُ بنُ أبي سُليمٍ، ضعيفٌ كما سبقَ مرارًا.
الثانيةُ: شهرٌ، مُتَكَلَّمٌ فيه، وقدِ اضطربَ في هذا الحديثِ:
فمرَّةً يرويه عن عمرِو بنِ عَبَسَةَ بلا واسطة،
ومَرَّةً يرويه عن أبي ظبية عن عمرو،
وثالثة يرويه عن أبي ظبية عن شرحبيل عن عمرو،
ورابعة يرويه عن أبي أمامة من حديثه،
انظر بقيةَ رواياته لهذا الحديث، وروايته لحديث أبي أمامة المخرج في الباب.
الثالثةُ: الانقطاعُ، فشهرٌ لم يسمعْ شرحبيلَ بنَ السمط، فقد ماتَ شرحبيل سنة (٤٠ هـ)، وشَهْرٌ تُوفي سنة (١١٢ هـ) على ما رجَّحَهُ ابنُ حَجرٍ، فيكون بينه وبين شرحبيل (٧٢ هـ) سنة، وقد ذكروا أن روايةَ شهر عن تميم الداري وعبد الله بن سلام مرسلة، وقد ماتَ تميم سنة (٤٠ هـ) والثاني بعد الأربعين، وقد سبقَ أنه رواه مَرَّةً عن أبي ظبيةَ عن شرحبيل، وهذا دليلٌ على أنه لم يسمعه منه.
أُحَدِّثْكُمُوهُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ ... » الحديث بلفظ السياقة الأُولى دون الزيادات، وفي آخره: قَالَ: هِيْ، لِلَّهِ أَبُوكَ وَاحْذَرْ، حَدِّثْ وَلَا تُخْطِئْ.
ورواه أبو عبيد في (الطهور) قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن عبسة، عن النبيِّ ﷺ في فضل الوضوء وصلاة الركعتين نحو ذلك. قال: قال أيوبُ: فقلتُ لأبي قلابةَ: ركعتين؟ قال: ومن يطيق ركعتين؟ !
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الصحيحِ، غير أنه منقطعٌ بين أبي قلابةَ وعمرِو بنِ عبسةَ؛ فأبو قلابة -عبد الله بن زيد الجرمي- لم يدرك عمرَو بنَ عبسةَ؛ ولذا قال ابن عساكر والمزيُّ في ترجمة عمرو بن عبسة: "روى عنه أبو قلابة الجرميُّ مرسلًا" (تاريخ دمشق ٤٦/ ٢٤٩)، و (التهذيب ٢٢/ ١٢٠).
ويؤيدُ ذلك الوجه التالي:
الوجه الثاني:
رواه الطحاويُّ في (معاني الآثار ١/ ٣٧)، و (أحكام القرآن ٤٧) من طريق عبيد الله بن عمرو الرَّقي عن أيوب، عن أبي قلابة، عن شرحبيل بن السِّمط، أنه قال: مَنْ يُحَدِّثُنَا عن رسولِ اللهِ ﷺ ؟ فقال عمرُو بنُ عبسةَ: سَمعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ... الحديث بلفظ السياقة الثانية.
فأَدخلَ بينَ أبي قلابةَ وعمرِو بنِ عبسةَ شرحبيلَ بنَ السمط. ورجال إسناده ثقات، غير أنه منقطعٌ أيضًا، فأبو قلابةَ لم يسمعْ من شرحبيل، فقد ذكروا أنه لم يسمعْ من عليٍّ ومعاويةَ وابنِ عمرَ وغيرِهِم ﵃، بل قال أبو حاتم: "لم يدركْ زيد بن ثابت" (المراسيل ١٧٣).
وزيد بن ثابت أقل ما قيل في سنة وفاته أنها كانت سنة (٤٥ هـ) (تهذيب
стр. 5697
التهذيب ٥/ ٢٢٦)، فكذلك من باب أولى ألا يدرك شرحبيل بن السمط، فقد توفي سنة (٤٠ هـ) (التقريب ٢٧٦٦).
وقد روى ابن عساكر في (تاريخ دمشق ٢٢/ ٤٦١) من طريقِ أبي نعيم ثنا عبيد الله بن عمرو عن أيوب عن أبي قلابة: "أن شرحبيل بن السمط قَدِم الكوفةَ فاستعلاه بها رجلٌ من قومِهِ فانتقلَ إلى حمص فقال: لا أكونُ بأرضٍ أنتَ بها".
هكذا أرسله، وهو جزءٌ من الروايةِ كما تراه في:
الوجه الثالث:
رواه إسماعيلُ القاضي في (حديث أيوب السختياني ٥٠) من طريقِ حمادِ بنِ زيدٍ عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ: أن رجلًا من أهلِ اليمنِ يقالُ له: شرحبيلُ، الذي يقالُ له: ابن السِّمط، كان بالكوفةِ، فاعتلاه رجلٌ من قومِهِ فحلف لا يساكنه بأرضٍ هو بها، فأتى الشامَ فكانَ فيها، فكانَ يومًا جَالسًا وعنده ناسٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ قال: مَنْ يُحَدِّثُنِي حَدِيثًا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُقَالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ: أَنَا. قَالَ: إِيهًا لِلَّهِ أَبُوكَ وَاحْذَرْ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ... فَذَكَرَ الحديثَ بنحو رواية مَعْمَرٍ مع الزياداتِ والروايتينِ، وجَاءَ فيه بعد قَولِهِ: «مَنْ أَعْتَقَ [رَقَبَةً] مُسْلِمَةً فَهِيَ فِدَاؤُهُ مِنَ النَّارِ»، قال: أحسبه قال: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ فَهُمَا فِدَاؤُهُ مِنَ النَّارِ بِكُلِّ عَظْمَيْنِ مِنْهُمَا عَظْمٌ مِنْهُ»، قَالَ أَيُّوبُ: "كَأَنَّهُ يعني: امرأتين".
فَتَبَيَّنَ بروايةِ أبي نُعَيمٍ عن الرقي عن أيوبَ، وبروايةِ حمادِ بنِ زيدٍ عن أيوبَ - أن أبا قلابةَ أرسلَ الحديثَ عن شرحبيلَ بنِ السِّمط، ولم يذكرْ عمَّن تحمله، وقد
стр. 5698
وافقهما على هذا الإرسالِ حمادُ بنُ سلمةَ إلا أنه وَهِمَ في تسميةِ صاحب القصة:
فرواه الحاكمُ (١/ ٤٦٠)، والطحاويُّ في (المشكل ٧٣٢)، والأصبهانيُّ في (الترغيب ٢٢٢١) من طريقِ حمادِ بنِ سلمةَ عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، قال: قال شُرَحْبِيلُ بنُ حَسَنَةَ: مَن رجل يحدثنا عن رسول الله ﷺ ؟ . فقال عمرو بن عبسة: "أنا" ... فذكر الحديث، إلا أن الطحاويَّ والأصبهانيَّ اقتصرا على مسألة العتق، واقتصر الحاكم على مسألة الوضوء بلفظ السياقة الثالثة.
وأبو قلابة لم يدرك شرحبيل بن حسنة أيضًا، ولكن ذِكره هنا وهم من حماد بن سلمة، والمحفوظُ أن السائلَ هو ابن السمط كما رواه الرقي وحماد بن زيد وقد قال ابن معين: "حماد بن زيد، ثقة عن أيوب، أعلمُ الناس بأيوبَ، مَن خالفه في أيوبَ فليس يَسْوَى فلسًا" (التاريخ برواية ابن محرز ٣٦٨ ط. الفاروق).
وقال أيضًا: "مَن خالفه مِن الناسِ جميعًا في أيوبَ، فالقولُ قولُهُ" (التاريخ برواية الدوري ٤٠٢١).
وعليه، فالمحفوظُ عن أيوبَ ما رواه عنه حمادُ بنُ زيدٍ، عن أبي قلابةَ: أن شرحبيل بن السمط سأل عمرو بن عبسة. وهو ضعيفٌ لانقطاعه بين أبي قلابة وبين شرحبيل وعمرو معًا.
والشطر الأول من الحديث في الرمي بالسهم، والشيب، والعتق ثابت عن عمرو بن عبسة دون قوله: «مَنْ أَعْتَقَ نَسَمَتَيْنِ -أو: رَقَبَتَيْنِ-»، فقد رواه أحمد (١٧٠٢٢، ١٩٤٢٨)، وأبو داود (٣٩٦٥) من طريق قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن أبي نَجيحٍ السُّلميِّ (وهو
فَلَهُ مِنَ الأَجْرِ كَرَقَبَةٍ أَعْتَقَهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلامِ فَهِيَ لَهُ نُورٌ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا فَكُلُّ عُضْوٍ مِنَ الْمُعْتَقِ بِعُضْوٍ مِنَ الْمُعْتِقِ فِدَاءٌ لَهُ مِنَ النَّارِ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً فَكُلُّ عُضْوٍ مِنَ الْمُعْتَقَةِ بِعُضْوٍ مِنَ الْمُعْتِقَةِ فِدَاءٌ لَهَا مِنَ النَّارِ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ قَدَّمَ لِلَّهِ لَهُ مِنْ صُلْبِهِ ثَلَاثًا لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ أَوِ امْرَأَةٍ فَهُمْ لَهُ سُتْرَةٌ مِنَ النَّارِ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ قَامَ إِلَى وَضُوءٍ ... » الحديث.
ورواه عَبدُ بنُ حُميدٍ عن أحمد بن يونس ثنا عبد الحميد بن بهرام ثنا شَهْرٌ به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه شهر بن حوشب، وهو مختلفٌ فيه، وقال ابن حجر ملخصًا حاله: "صدوقٌ، كثيرُ الإرسالِ والأوهامِ" (التقريب ٢٨٣٠).
وقدِ اضطربَ في هذا الحديثِ: فمرَّةً يرويه عن عمرو بن عبسة بلا واسطة، ومَرَّةً يرويه عن أبي ظبية عن عمرو، وثالثة يرويه عن أبي ظبية عن شرحبيل عن عمرو، ورابعة يرويه عن أبي أمامة من حديثه، وهذا الوجه يرويه عنه ابنُ بَهْرَامَ أيضًا! انظر حديثَ أبي أمامة المخرج في الباب.
* فأما أبو طيبة الكَلاعي -ويقال: "أبو ظبية"، وهو الصحيح- فمن كبار التابعين، وقد وَثَّقَهُ ابنُ مَعينٍ، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات)، وقال الدارقطنيُّ: "ليس به بأس"، (الجرح والتعديل ٩/ ٣٩٩)، و (تهذيب التهذيب ١٢/ ١٤٠)، وقيل: له إدراك، (الإصابة ١٠٢١٠)، ومع كلِّ ذلك قال عنه الحافظ: "مقبولٌ" (التقريب ٨١٩٢)، وهذا منه غير مقبول.
والحديثُ ثابتٌ عن عمرٍو من طُرقٍ أُخرى كما سبقَ دونَ قولِهِ: «مِنْ وَلَدِ
стр. 5702
إِسْمَاعِيلَ»، وقوله: «وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ قَدَّمَ لِلَّهِ مِنْ صُلْبِهِ ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، أَوِ امْرَأَةٍ، فَهُمْ لَهُ سُتْرَةٌ مِنَ النَّارِ»، ودونَ قولِهِ: «فَإِنْ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَإِنْ قَعَدَ قَعَدَ سَالِمًا».
وقد ذكره الألبانيُّ بطولِهِ في (الصحيحة ١٧٥٦) من طَريقِ شَهْرٍ، ثم قال: "هذا إسنادٌ لا بأسَ به في الشواهدِ، رجالُهُ ثقاتٌ غير شهر بن حَوشب فإنه سيئُ الحفظِ، لاسيما وقد قال الإمامُ أحمدُ: "لا بأسَ بحديثِ عبد الحميد بن بَهْرَامَ عن شَهْرٍ"، وقد وجدت الحديث مُفَرَّقًا من غير طريقه إلا الجملة الأخيرة منه، فإني لم أجدْ له فيها مُتَابِعًا من حديثِ عمرِو بنِ عَبَسَةَ، وإنما من حديثِ أبي أمامةَ" (الصحيحة ٤/ ٣٥٠).
قلنا: وشاهدُ أبي أمامةَ المشار إليه اختلفَ في وقفه ورفعه؛ فوقفه أبو غالب، ورفعه شهر بن حوشب، إذن فالشاهدُ المرفوعُ من روايةِ شَهْرٍ أيضًا! فكيف يُستشهدُ لشهرٍ بشهرٍ نفسه؟ ! فهذا لا يصحُّ، لاسيما وهو نفسُ الحديثِ، اضطربَ فيه شهرٌ، وقد رواه غيرُهُ منَ الضعفاءِ كما سيأتي بيانُهُ تحتَ حديثِ أبي أمامةَ قريبًا.
وأما الفقرةُ الخاصةُ بمن قَدَّمَ ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، فقد صححها الشيخُ بما رواه أحمدُ (١٩٤٣٧) من طريقِ الفرج بن فَضالة عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة بنحوه، وحَسَّنَهُ، وليس بحسن، فالفرجُ بنُ فَضالةَ ضعيفٌ.
نعم، هي صحيحةٌ من غيرِ حديثِ عمرٍو، فقد أخرج البخاري (١٢٥١)، ومسلم (٢٦٣٢)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ، إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» قَالَ البخاريُّ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].
له) / طب ٧٥٦٤/ طس ١٥٠٥، ٤٤٣٩/ تخ (٩/ ٤٧) / ني ١٢٤٩/ زهر ١٧٠/ كك (ق ٢٥٩ أ) / كر (٦٦/ ٣٥٤، ٣٥٥)].
وبعضُ المصنفين اقتصر على الشطر الثاني، وهم: [كن ١٠٧٥٥، ١٠٧٥٦/ طع ١٢٦، ١٢٧/ طح (١/ ٨٧) / طهور ٦٦/ خط (٨/ ٦٠٥) / متفق ١٩١/ حل (٩/ ٣١٩) / فكر (٣/ ٨٤)].
[السند]:
أخرجه أحمد في (مسنده) قال: حدَّثنا أسود بن عامر، قال: حدَّثنا أبو بكر -يعني ابنَ عياشٍ-، عن عاصم، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة بشطره الأول، ثم رواه شهر عن أبي ظبية عن عمرو بالشطرين معًا.
ورواه أحمد وغيرُهُ من طرقٍ أُخرى عن عاصمٍ مقتصرًا على حديث أبي أمامة، وسيأتي تخريجُهُ قريبًا.
وعاصمٌ هو ابنُ أبي النَّجَودِ، وقد توبعَ:
فرواه الروياني في (مسنده)، والطبراني في (الكبير والأوسط)، والبخاري في (الكبير/ معلقًا)، وأبو أحمد الحاكم في (الكنى)، وأبو الفضل الزهري، وابن عساكر، من طُرقٍ عن شِمْر بن عطية عن شَهْرٍ به.
ورواه النسائيُّ وغيرُهُ من طُرقٍ أُخرى عن شمر به في المبيت طاهرًا فقط.
وقد جعله بعضهم من رواية عاصم عن شمر، ليس متابعًا له.
أخرجه النسائيُّ في (الكبرى ١٠٧٥٣) عن هلال بن العلاء عن أبيه -وهو العلاء بن هلال الرقي- عن عبيد الله -وهو ابنُ عمرٍو الرقيُّ- عن زيد -وهو ابنُ أبي أُنيسةَ- عن عاصم عن شمر عن شهر به.
стр. 5705
وهذا وهمٌ بلا شك، وَهِم فيه العلاءُ بنُ هِلالٍ الرقيُّ، ففيه لِينٌ (التقريب ٥٢٥٩).
وقد خولف فيه أيضًا:
فرواه أبو عبيد في (الطهور ٢٠، ٦٦) عن علي بن مَعْبَد المصريِّ عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عاصم، عن شهر بن حوشب به، مقتصرًا في الموضع الأول على حديث أبي أمامة، وفي الموضع الثاني على حديث عمرو.
وابنُ مَعْبَد هذا هو الرقي الكبير، وهو ثقة كما في (التقريب ٤٨٠١)، ولم يذكر فيه شمر، موافقًا لما رواه أصحاب عاصم عنه عن شهر بلا واسطة.
إذن، فالحديثُ مدارُهُ عندهم على شَهْرٍ، رواه عنه شمر وعاصم.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه شهرُ بنُ حَوشَبٍ، وهو مختلفٌ فيه، وقال ابن حجر ملخصًا حاله: "صدوقٌ، كثيرُ الإرسالِ والأوهامِ" (التقريب ٢٨٣٠).
قلنا: ومع ذلك، فقدِ اضطربَ شهرٌ في هذا الحديثِ، وخُولِفَ فيه ممن هو أوثقُ منه:
فأما اضطرابُهُ فيه فقد سبقَ بيانُ بعضه، ومن ذلك أيضًا: أنه فَرَّقَ هنا بين الشطر الأول في ذهاب الإثم بالوضوء فجعله من حديث أبي أمامة، بينما جعله مع الشطر الثاني في المبيت على طهارة من حديثه عن أبي ظبية عن عمرو بن عبسة.
هكذا رواه عاصم وشمر بن عطية عن شهر.
стр. 5706
بينما رواه العوام بن حوشب -وهو ثقةٌ ثبتٌ من رجال الشيخين-، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة قَالَ: «إِذَا آوَى الرَّجُلُ إِلَى فِرَاشِهِ عَلَى طُهْرٍ فَذَكَرَ اللَّهَ حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنَاهُ، وَكَانَ أَوَّلُ مَا يَقُولُ حِينَ يَسْتَيْقِظُ: سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ اغْفِرْ لِي؛ انْسَلَخَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا تَنْسَلِخُ الحَيَّةُ مِنْ جِلْدِهَا». خرَّجه ابنُ أبي شيبةَ (١٢٧٦) عن يزيد بن هارون عن العوام به.
فأَسقطَ منه أبا ظبية! -فصارَ مُنقطعًا- وأَوقفه على عمرٍو بلفظٍ آخر!
وروى بعضُهم حديثَ المبيتِ طاهرًا عن شَهْرٍ فجعله من حديثِ أبي أمامة أيضًا، وسنخرجه قريبًا.
فأما ما رواه الطبرانيُّ في (الدعاء ١٢٧) من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة، وأبي أمامة ﵄ عن النبيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ بَاتَ عَلَى طَهَارَةٍ ذَاكِرًا لِرَبِّهِ يَتَعَارُّ مِنَ اللَّيْلِ يَسْأَلُ اللَّهَ شيئًا مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ».
فهذا من أوهام حفص، فالحديثُ محفوظٌ عن الأعمش من رواية جرير وأبي الأحوص وغيرهما عنه، عن شمر عن شهر عن أبي ظبية، عن عمرو بن عبسة في المبيتِ على طهارةٍ، وبَيَّن جريرٌ وغيرُهُ أن روايتَهُ عن أبي أمامة في ذهاب الذنوب فقط.
وأما بيانُ مخالفة شهر فيه لمن هو أوثق منه: ففي حديثه عن أبي ظبية قد خالفه ثابتٌ البُنانيُّ، فرواه عن أبي ظبية عن معاذٍ مرفوعًا.
وكذا رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النَّجُود عن شهر، فجعله من حديث معاذ أيضًا.
وهذا وهمٌ من حمادٍ أوِ اضطرابٌ من عاصمٍ، وفي حفظِ كلّ منهما مقالٌ،
стр. 5707
والمشهورُ عن عاصمٍ أنه جعله من حديث عمرو بن عبسة، كذا رواه عنه زائدةُ وزيد بن أبي أُنيسة وأبو بكر بن عياش وغيرُهُم.
والشاهدُ هنا أن ثابتًا البنانيَّ خالفَ شَهْرًا، وجعله من حديث معاذ، وهو الصحيحُ، وقد خرجناهما تحت باب "الوضوء عند النوم"، وذكرنا هناك قولَ ابنِ حَجرٍ: ((لعلَّ أبا ظبية حمله عن معاذٍ وعن عمرو بنِ عبسة، فإنه تابعيٌّ كبيرٌ شَهِدَ خطبةَ عمرَ بالجابيةِ، وسكن حِمْصَ، ولا يُعرفُ اسمه، واتفقوا على توثيقه)) (نتائج الأفكار ٣/ ٨٤).
قلنا: ليس الشأنُ في أبي ظبية، وإنما في شَهْرٍ، فلو كانتْ حالُهُ تحتملُ هذا الاختلاف لكان الجمع حسنًا، وقد أشارَ ابنُ حجر نفسُهُ قبل هذا بقليل إلى أن حالَهُ لا تحتملُ، فقال: "وشهرٌ فيه مقالٌ، واختُلِفَ عليه في سندِهِ" (النتائج ٣/ ٨٢).
هذا وقد حَسَّنَ حديثَ شهرٍ هذا، كلُّ من العراقيِّ، وتلميذِه الهيثميّ.
فقال العراقيُّ: ((وعند الطبراني في (الأوسط) عن أبي أمامة، والخطيب في (المتفق والمفترق) عن عمرو بن عبسة بسندٍ حسنٍ: «مَنْ بَاتَ طَاهِرًا ... » إلخ))، (تخريج أحاديث الإحياء ط. دار العاصمة ٣٢١).
وقال الهيثميُّ: ((رواه أحمدُ والطبرانيُّ في (الكبير والأوسط) بنحوه، وقال فيه: «مَنْ بَاتَ طَاهِرًا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ ... » وإسنادُهُ حسنٌ)) (مجمع الزوائد ١١٣٠).
وانظر (باب الوضوء للنوم).
[التحقيق]:
الحديثُ بالسياقتين مداره عندهم على سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة، وفيه علتان:
الأُولى: الانقطاعُ؛ فسالم بن أبي الجعد وإن أدركَ أبا أمامة كما قاله أبو حاتم في (المراسيل ٢٩٠)، فلا يثبتُ سماعه منه، وقد سأل الترمذيُّ البخاريَّ فقال له: سالم بن أبي الجعد سمع من أبي أمامة؟ فقال: "ما أرى" (العلل الكبير صـ ٣٨٦).
وقد وقعَ التصريحُ بالتحديثِ منه في روايةٍ عند الحاكمِ في (المستدرك ١٩١٥) -وعنه البيهقيُّ في (الدعوات الكبير ١٥٢) - قال: حدَّثنا محمد بن صالح بن هانئ، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا أبو عَوانة، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، قال: حدَّثنا أبو أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ اللهُ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءَ مَا خَلَقَ اللهُ. .. » الحديث.
والتصريحُ بالتحديثِ هنا وهمٌ؛ فقد رواه أحمد في (المسند ٢٢١٤٤) عن أبي الوليد الطيالسي قال: حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن سالم، أن أبا أمامة حَدَّثَ عن رسول الله ﷺ أنه قال ... الحديث.
وأحمدُ أثبتُ مِن كلِّ مَن خالفه. والله أعلم.
ومما يؤكِّدُ عدم سماعه من أبي أمامة أنه يقول في بعضِها: "ذُكر لي عن أبي أمامة" كما عند أحمد في (المسند ٢٢١٧٣)، من رواية شعبة عن منصور عن سالم.
العلةُ الثانيةُ: عدمُ ثُبوتِهِ عن سالم بن أبي الجعد؛ فقد رُوي عنه من طريقين:
стр. 5710
الطريق الأول: مداره على عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة، به بلفظِ السياقةِ الأُولى.
وفي ثبوتِ هذا الطريقِ عن عبيد الله بن عمرو الرقيِّ نظرٌ، فقد رُوي عنه من ثلاثةِ وُجوهٍ:
الوجه الأول:
رواه الطبرانيُّ في (الكبير ٧٩٨٣) قال: حدثنا أبو يزيد القراطيسي ثنا علي بن يزيد، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عمرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة الباهلي به.
كذا وقعَ فيه: "علي بن يزيد"، ولم نعرفه، والأقرب أنه تحريف، وصوابه "علي بن معبد" (١)، وهو الرقيُّ الكبيرُ، ثقةٌ كما في (التقريب ٤٨٠١)، فهذا هو المذكورُ في شيوخِ القراطيسيِّ، وتلاميذ عبيد الله الرقي، فإن صحَّ ذلك، فقد خولف فيه القراطيسي، وإلا كان الخلافُ من ابن يزيد ذاك؛ فقد رواه أبو عبيد في (الطهور ٢٠) عن علي بن معبد المصري -وهو الرقي الكبير- عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عاصم، عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة، به مختصرًا.
وهذا أَوْلى بالصوابِ من روايةِ الطبرانيِّ، فعادَ الحديثُ من هذا الوجهِ إلى شهرٍ، وهو مختلفٌ فيه، وقد اضطربَ في الحديثِ وخُولِفَ فيه كما بَيَّنَّاهُ عقب روايته للحديث.