المروزيِّ عن محمد بن يوسف الفريابي، ثنا ابن ثوبان، عن القاسم، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
والقلزميُّ لا تُعرفُ حاله. وابن ثوبان هو عبد الرحمن بن ثابت، متكلَّمٌ فيه، وقد خُولِفَ:
فرواه الطبرانيُّ في (المسند ١٤٠٨) من طريقِ هشامِ بنِ عمارٍ، ثنا يحيى بن حمزة عن يزيد بن أبي مريم، عن القاسمِ، عَنْ عُقْبَةَ، قَالَ: جِئْتُ وَأَصْحَابٌ لِي حَتَّى حَلَلْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، [فَقَالَ أَصْحَابِي: مَنْ يَرْعَى إِبِلِنَا، وَنَنْطَلِقُ نَقْتَبِسُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا رَاحَ أَقْبَسْنَاهُ مَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، ] فَفَعَلْتُ ذَلِكَ أَيَّامًا، ثُمَّ إِنِّي ذَكَرْتُ فِي نَفْسِي، فَقُلْتُ: لَعَلِّي مَغْبُونٌ، يَسْمَعُ أَصْحَابِي مَا لَمْ أَسْمَعْ، وَيَتَعَلَّمُونَ مَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ! !
فَحَضَرْتُ يَوْمًا فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ كَامِلًا، ثُمَّ أَتَى إِلَى صَلَاتِهِ، كَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَكَيْفَ لَوْ سَمِعْتَ الكَلَامَ الأَوَّلَ كُنْتَ أَشَدَّ عَجَبًا؟ ! فَقُلْتُ: ارْدُدْ عَلَيَّ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. فَقَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ، شيئًا فَتْحَ اللَّهُ لَهُ أَبْوَابَ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ، وَلَهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ».
وخولف فيه هشام، فرواه الطبرانيُّ في (الأوسط ٧٩٤٧) من طريق محمد بن المبارك الصوري، نا يحيى بن حمزة، عن الوضين بن عطاء، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر قال: «جِئْتُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا ... » بنحوه، والزيادةُ السابقةُ منه، ولا بدَّ منها هناك.
стр. 5812
وروايةُ الصوري ضعيفةٌ لضعفِ شيخ الطبراني موسى بن عيسى، ورواية هشام هي التي ذكرها الدارقطني، فقال: "وحديث يحيى بن حمزة، عن يزيد بن أبي مريم، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة- ليس به بأس أيضًا، والله أعلم" (العلل ٢/ ١١٤).
وانظر تحقيقنا لحديث عقبة في باب (فضل الوضوء والصلاة عقبه).
عن أبي إسحاقَ، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة به، وزادَ في آخرِهِ: ثم قَالَ: «يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي فَيُنَادِي مُنَادٍ: «سَيَعْلَمُ أَهْلُ الجَمْعِ لِمَنِ الكَرَمُ اليَوْمَ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: «أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ؟ »، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ؟ » ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: «سَيَعْلَمُ الجَمْعُ لِمَنِ الكَرَمُ اليَوْمَ»، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيْنَ الحَمَّادُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَحْمَدُونَ رَبَّهُمْ؟ ».
ورواه عبدُ الرزاقِ عن إسرائيلَ، ورواه الرويانيُّ والمزكيُّ من طريقِ الوليدِ بنِ العيزارِ، ورواه ابن المقرئ في (معجمه)، من طريقِ يوسف بن أبي إسحاق، ومسعر، وسعير بن الخمس، ورواه الخَلَدي في (الفوائد) من طريق روح بن مسافر، ورواه أبو نعيم في (التاريخ) من طريق الثوري، ورواه ابن الفاخر من طريق أبي الأحوص، وقوام السنة في (الترغيب) من طريق عبد الكبير بن دينار الصائغ، كلّهم عن أبي إسحاق به، منهم مَن طَوَّله ومنهم مَن اختصره.
فمداره عندهم على أبي إسحاقَ، وهو السَّبيعيُّ.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
الأُولى: فيه أبو إسحاقَ السبيعيُّ، وهو مدلسٌ مشهورٌ بالتدليسِ، وقد اختُلفَ عليه فيه كما ذكره الدارقطنيُّ في (العلل ٢/ ١٩٧)، وانظر ما سطرناه عقب العلة الثالثة.
الثانيةُ: عبد الله بن عطاء الطائفي؛ قال عنه الحافظ: "صدوقٌ يُخطئُ ويدلسُ" (تقريب ٣٤٧٩).
стр. 5815
وقد دلَّسَ في هذا الحديثِ كما سيأتي.
الثالثةُ: الانقطاعُ، بل الإعضالُ؛ فهذا الإسنادُ فيه بين عبد الله بن عطاء وعقبة مفاوز؛ إذ سقطَ منه جماعة؛ ولذا قال ابن حبان: "عبد الله بن عطاء المكي ... هو الذي يروي عن عقبة بن عامر ولم يرَهُ" (الثقات ٧/ ٤١).
وله قصةٌ طريفةٌ تُبينُ الإعضالُ في سندِهِ؛ فقد أخرجَ ابنُ حِبَّانَ في (المجروحين) عن إسحاق بن أحمد القطان بتنيس قال: حدثنا محمد بن سعيد بن غالب قال: حدثنا نصر بن حماد قال: كُنَّا ببابِ شعبةَ ومعي جماعةٌ، وأنا أقولُ لهم: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر في الوُضوءِ عنِ النبيِّ ﷺ .
قال: فَلَطَمَنِي شُعْبَةُ لطمةً ودخلَ الدارَ، ومعه عبدُ اللهِ بنُ إِدريسَ.
قال: ثم خرجَ بعد ذلك وأنا قاعدٌ أبكِي، فقال لعبد الله بن إدريس: هو بعد يبكي!
فقال عبدُ اللهِ: إنك لطمتَ الرجلَ! فقال: إنه لا يدري ما يُحَدِّثُ.
إني سمعتُ أبا إسحاقَ يُحَدِّثُ بهذا الحديثِ عن عبدِ اللهِ بنِ عطاءٍ، فقلتُ لأبي إسحاقَ: مَن عبد الله بن عطاء هذا؟ فَغَضِبَ، فقال مسعرٌ: إن عبدَ اللهِ بنَ عطاءٍ حَيٌّ بمكةَ.
قَالَ: فخَرَجتُ مِن سَنَتِي إلى الحَجِّ ما أريدُ إلا الحديثَ، فأتيتُ مكةَ فسألتُ عن عبدِ اللهِ بنِ عطاءٍ، فدخلتُ عليه، فإذا فتىً شاب، فقلتُ: أيُّ شَيء حدَّثني عنك أبو إسحاق؟ فقال لي: نعم.
قلتُ: لقيتَ عقبةَ بنَ عامرٍ؟ قال: لا، ولكن سعد بن إبراهيم حَدَّثَنيه.
стр. 5816
قال: فأتيتُ مالكَ بنَ أنسٍ -وهو حَاجٌّ- فسألتُه عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، فقالَ لي: ما حَجَّ العامَ.
فلمَّا قضيتُ نُسكي مضيتُ إلى المدينةِ، فأتيتُ سعدَ بنَ إبراهيمَ، فسَألتُهُ عنِ الحديثِ، فقالَ لي: هذا الحديثُ مِن عندكم خرجَ.
فقلتُ له: كيف؟ قال: حدَّثني زياد بن مخراق.
قلتُ: دَمِّرْ على هذا الحديثِ؛ مَرَّةً كوفي، ومَرَّةً مكي، ومَرَّةً مدني! ! !
قالَ: فقَدمتُ البصرةَ، فأتيتُ زيادَ بنَ مِخراقَ فسَألتُهُ عنِ الحديثِ فقالَ: لا ترده. فقلتُ: ولِمَ؟ قال: لا ترده. فقلتُ: ليسَ منه بُدٌّ.
قال: حدَّثني شهرُ بنُ حَوشبٍ. قلتُ: دَمِّرْ على هذا الحديثِ، واللهِ لو صَحَّ هذا الحديثُ كان أحب إليَّ من أهلي ومالي. (المجروحين ١/ ٣٣ - ٣٤).
ورواه كذلك أبو نعيم في (حلية الأولياء ٧/ ١٤٨)، وابنُ عَديٍّ في (الكامل ٦/ ١٦٨)، والرامهرمزيُّ في (المحدث الفاصل ٢٠٩)، والبيهقيُّ في (القراءة خلف الإمام ٤٤٣)، والخطيبُ في (الرحلة في طلب الحديث ٥٩)، و (الكفاية ١/ ٤٠٠، ٢/ ٢٠٨)، والعلائيُّ في (الأربعين المغنية ١٢٧٦)، وابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد ١/ ٤٨ - ٥٠)، وأبو موسى المدينيُّ في (اللطائف من دقائق المعارف ٧١٧)، وابنُ عساكر في (تاريخه ١٩/ ٢١٦).
وهذا السندُ وإن كان فيه نصرُ بنُ حمادٍ الوراقُ، فقد قالَ ابنُ حَجرٍ: "ضعيفٌ" (التقريب ٧١٠٩).
غير أنه متابَعٌ، تابعه بشر بن المفضل، كما عند أبي نُعيمٍ في (حلية
стр. 5817
الأولياء ٧/ ١٤٨)، وابنُ أبي حَاتمٍ في (الجرح والتعديل ١/ ١٦٧)، والخطيبُ في (الرحلة في طلب الحديث ٦٠).
وأبو داودَ الطيالسيُّ كما في (التاريخ الكبير للبخاري ٥/ ١٦٥، والأوسط ٦٥١)، و (مسائل حرب الكرماني - النكاح رقم ٢٣٧٠)، و (المعرفة للفسوي ٢/ ٤٢٥)، و (الكامل لابن عدي ٤/ ٣٧).
وعبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ كما عند أبي نُعَيمٍ في (الحلية ٧/ ١٤٨)، وأبو موسى المدينيُّ في (اللطائف من دقائق المعارف ٧١٨)، وابنُ عساكر في (تاريخه ١٩/ ٢١٥).
غير أنَّ ثَمَّ اختلافاتٍ في رواياتهم في الواسطةِ بين زياد بن مخراق وشهر، وبين شهر وعقبة، فانظرها في مواضعه التي ذُكرتْ؛ لذلك أشارَ البيهقيُّ إلى هذه المتابعاتِ فقال: "وقد روى هذه الحكاية عبد الرحمن بن مهدي وبشر بن المفضل وغيرهما عن شعبة مختصرًا" (القراءة خلف الإمام للبيهقي صـ ٢٠٨).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "وقد رُوي هذا المعنى مِن وجوهٍ عن شعبةَ" (التمهيد ١/ ٥٠).
وقال الخطيبُ: "بين عبد الله بن عطاء وعقبة -يعني في هذا الحديثِ- غير واحد، منهم: الأسود عن محمد بن المنكدر عن زياد بن مخراق عن رجلٍ عن شَهْرٍ عن أبي ريحانةَ عن عقبةَ، وقد رواه غيرُ واحدٍ عن أبي إسحاقَ فلم يذكروا العلة (المراسيل للخطيب كما في لطائف المعارف لأبي موسى المديني، صـ ٣٦١).
وقد ذَكَرَ الدارقطنيُّ هذه القصة في (العلل)، وقال: "فَسَدَ الحديثُ عند
стр. 5818
شعبةَ بذكرِ ابنِ حَوشبٍ فيه" (العلل ٢/ ١١٤ بتصرف يسير).
وكأنَّه لذلك لم يُصححِّ الحاكمُ إسنادَهُ خِلافًا لما نقله المنذريُّ في (الترغيب ١/ ٩٦)، وإنما قال فقط: "هذا حديثٌ صحيحٌ".
فَصَحَّحَ الحديثَ دون السند، وهو كذلك، فحديثُ عقبةَ هذا تُقَدَّم عند مسلمٍ وغيرِهِ من طُرقٍ أُخرى بلفظ: «ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إلا وَجَبَتْ له الجَنَّةُ»، زادَ بعضُهم: [وَغُفِرَ لَهُ]، وهي بمعنى قوله هنا: «انْفَتَلَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الخَطَايَا»، وهذه الجملة يَشْهَدُ لها أيضًا حديثُ عمرو بن عبسة المخرج في باب (ذَهاب الذنوب بماء الوضوء)، وسيأتي نحوها في بعضِ رواياتِ حديث عثمان ﵁، المخرج في الباب الذي يليه.
ولذا صَحَّحَهُ الألبانيُّ في (صحيح الترغيب والترهيب ١٩٠).
ولكن جاءَ في حديثِ عقبةَ عن عمرَ عند مسلمٍ وغيرِهِ بلفظ: "أبواب الجنة"، دون زيادة "مِن"، وكذا رواه ابن ماجه وغيره من طريق أبي إسحاقَ، وقد خَرَّجنَاهُ تحت الرواية الأم لموافقته لها.
هذا، وقد روى الطبرانيُّ وابنُ عبدِ البرِّ وغيرهما هذا الحديث من طريقِ أبي إسحاقَ وغيرِهِ مقتصرين على حديث عقبة، ليس فيه حديث عمر، وهو مخرجٌ في باب "فضل الوضوء والصلاة عقبه".
-[تنبيه مهم]-
وقعَ الحديثُ عند عبد الرزاق بلفظ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَصَلَّى صَلَاةً، يَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، كَانَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». فَقَالَ: قُلْتُ: بَخٍ بَخٍ! فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: قَدْ قَالَ آنِفًا أَجْوَدَ مِنْ هَذَا، قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسَبْغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى صَلَاةً يَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ
стр. 5819
صَلَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
كذا أعادَ عبارةَ «ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى صَلَاةً يَعْلَمُ مَا يَقُولُ فِيهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ» في حديثِ عمرَ أيضًا، فجعلَ محل الذكرِ الواردِ فيه (أي: التشهد) بعد الصلاةِ، وهو خطأٌ محضٌ، وقد ذَكَرَ محققُهُ أن هذه العبارةَ لم تُذكرْ في النسخة (ظ)، فهذا دليلٌ على أنَّ ذِكرَهَا في النسخةِ الأُخرى إنما هو بسببِ انتقالِ نظرِ النَّاسخِ من «فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ» في حديثِ عمرَ، إلى «فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ» في حديثِ عقبةَ.
وعليه، فما كان ينبغي ذكر هذه الزيادة المقحمة في أصلِ المتنِ، بل يُشَارُ إليها في الحاشيةِ، لاسيما ولم تذكرْ في شيءٍ منَ المراجعِ الأُخرَى التي خَرَّجتِ الحديثَ، فالتشهدُ عندهم جميعًا محله بعد الفراغِ منَ الوضوءِ، وهو الثابتُ في الصحيحِ كما سبقَ.
-[تنبيه آخر]-
وقعَ في سندِ ابنِ المقرئ لهذا الحديثِ (٦١٥): "عن حسان بن إبراهيم ثنا يوسف بن أبي إسحاق مسعر عن أبي إسحاق الهمذاني عن عبد الله بن عطاء ... " إلخ.
كذا في المطبوعِ: "يوسف بن أبي إسحاق مسعر"، وصوابه: "ومسعر" بالعطفِ، ويدلُّ عليه ما عند أبي نعيم في (أخبار أصبهان ٢/ ٣٣٢).
стр. 5820
رِوَايَةُ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ؛ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دونَ قولِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ»، فزيادةٌ شاذةٌ، وفي سندِهِا وهمٌ، وانقطاعٌ، واضطرابٌ. وقد ضَعَّفَها الترمذيُّ، وابنُ القطانِ، وابنُ حَجرٍ -في أصحِّ قوليه-، والقاري. وذكرَ لها الحافظُ في (التلخيص) شاهدًا وسكتَ عنه. وبهذا الشاهدِ وغيره صَحَّحَها الألبانيُّ. وهي شواهد واهية لا تصحُّ، ولو مجتمعة.
[التخريج]: [ت ٥٦].
[السند]:
قال الترمذيُّ: حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي، حدثنا زيد بن حباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر بن الخطاب به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
الأُولى: الانقطاعُ؛ فأبو عثمان هذا وأبو إدريس الخولاني روايتهما عن عمرَ منقطعةٌ. انظر (تهذيب التهذيب ٥/ ٨٦)، و (جامع التحصيل ٩٩١).
стр. 5821
وقد روى الترمذيُّ عنِ البخاريِّ -عقب هذا الحديث- أنه قَالَ: "وأبو إدريسَ لم يسمعْ من عمرَ شيئًا".
قلنا: أما أبو عثمان فإنما يرويه عن جُبير بنِ نُفير عن عقبة بن عامر عن عمر به كما سبق، فسقطَ منَ السندِ اثنان كما قال ابن حجر، انظر (تهذيب التهذيب ٤/ ٩٣).
وأما أبو إدريسَ الخولانيُّ فإنما يرويه عن عقبةَ عن عمرَ كما سبقَ عند مسلمٍ وغيرِهِ.
العلةُ الثانيةُ: الوهمُ في الإسنادِ والاضطرابُ فيه من قِبَلِ زيد بن الحباب.
فالحديثُ إنما يرويه معاوية عن ربيعة عن أبي إدريس عن عقبة عن عمر، وعن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة عن عمر.
هكذا رواه ابن مهدي، وابن وهب، والليث بن سعد، وعبد الله بن صالح، عن معاوية كما سبق، وهو الصوابُ، ورواية زيد بن الحباب خطأ.
وقدِ اختُلِفَ على زيدٍ بما يُشعرُ باضطرابِهِ فيه، فقد رُوي عنه على وجوهٍ أخرى:
فرواه النسائيُّ عن محمد بن علي بن حرب، ورواه الطوسيُّ عن الدوريِّ، كلاهما عن زيدٍ، وقال فيه: "عن ربيعة عن أبي إدريس وأبي عثمان عن عقبة" مقتصرًا على حديثِ عمرَ.
فأسقطَ منه جبيرًا كما سبقَ، وأوهم أنه من روايةِ ربيعةَ عن أبي عثمانَ!
ورواه أبو داود (٩٠٦) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن جبير بن نفير الحضرمي، عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
стр. 5822
قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيْهِمَا، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ».
هكذا مقتصرًا على حديثِ عقبةَ، وجعله من رواية أبي إدريس عن جبيرٍ عن عقبةَ! وأبو إدريسَ إنما يرويه عن عقبةَ بلا واسطةٍ كما سبقَ، وأبو عثمانَ هو الذي يرويه عن جُبيرٍ!
ورواه ابنُ أبي شيبةَ عن زيدٍ عن معاويةَ عن ربيعةَ عن أبي إدريس وأبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبةَ به، وهذا مشكلٌ، وقد رواه البغويُّ عنِ ابنِ أبي شيبةَ على الصوابِ كما سبقَ.
وقد رواه البزارُ في (مسنده ٢٤٣) عن بشرِ بنِ آدمَ عن زيدٍ به إلى ربيعةَ عن أبي إدريسَ وَحْدَهُ عن عقبةَ عن عمرَ به على الصوابِ مثل رواية الجماعة.
ورواه أبو عوانةَ (٦٠٥) عن أبي بكرٍ الجُعْفيِّ قال: ثنا زيد بن الحباب قال: ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن أبي إدريس الخولاني، ومعاوية، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن عمرَ به، على الصوابِ سندًا ومتنًا.
وكذلك رواه أبو نعيم في (المستخرج ٥٥٤) من طريقِ أبي كُرَيْب وابنِ أبي شيبةَ عن زيدٍ به.
ولذا قال أبو علي الجيانيُّ: ((خَرَّجَ الترمذيُّ هذا الحديثَ من طريق زيد بن الحباب، عن شيخٍ له، لم يُقِمْ إسنادَهُ عن زيدٍ، وحمل أبو عيسى في ذلك على زيد بن الحباب، وزيدٌ بريءٌ من هذه العُهْدةِ، والوهمُ في ذلك من أبي عيسى أو من شيخِهِ الذي حَدَّثَهُ به؛ لأنا قد قدمنا من رواية أئمة حفاظ عن زيد بن
стр. 5823
حباب في هذا الإسناد ما خالف ما ذكره أبو عيسى، والحمد لله. وذكره أبو عيسى أيضًا في (العلل)، فلم يجوده، وأتى عنه فيه بقول يخالف ما ذكرنا عن الأئمة، ولعلَّه لم يحفظ عنه. وهو حديثٌ يختلفُ في إسنادِهِ، وأحسن طرقه: ما خرَّجه مسلم بن الحجاج من حديث ابن مهدي وزيد بن الحباب عن معاوية بن صالح، والله المستعان)) (تقييد المهمل ٣/ ٧٨٩ بتصرفٍ يسيرٍ).
قلنا: لو وقفَ الأمرُ على مخالفة شيخ الترمذي لكان ذلك صوابًا، ولكن قد رواه غيرُهُ عن زيدٍ على وُجوهٍ أخرى كما سبقَ، فالأقربُ أن الاختلافَ في سندِهِ من قِبَلِ زيدٍ، لاسيما وأن المختلفين عليه جماعةٌ منَ الثقاتِ.
نعم، وَهِم شيخ الترمذي في متنه كما تراه فيما يلي.
العلةُ الثالثةُ: الشذوذُ في المتنِ من قِبَلِ شيخ الترمذي؛ وذلك في قولِهِ في متنِ الحديثِ بعد الشهادتين: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ»، فهذا لم يذكرْهُ الثقاتُ الذين رووا هذا الحديث عن معاويةَ؛ كابن مهدي، وابن وهب، والليث، وغيرهم.
والظاهرُ أن هذه الزيادةَ ليستْ من قِبَلِ زيدِ بنِ الحبابِ، وإنما هي من قِبل شيخِ الترمذيِّ: جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي، وهو صدوقٌ كما في (التقريب ٩٥١).
وقد تَفَرَّدَ بهذه الزيادةِ دونَ أصحابِ زيدٍ الثقات؛ كـ (ابنِ أبي شيبةَ، وأبي كُرَيْبٍ، والعباس بن محمد الدوري، ومحمد بن علي بن حرب المروزي، وأبي بكر الجعفي)، فهؤلاء الثقات لم يذكروا هذه الزيادة التي زادها جعفر.
ولذا قال الحافظ ابن حجر: ((لم تَثبتْ هذه الزيادة في هذا الحديثِ؛ فإن
стр. 5824
جعفر بن محمد -شيخ الترمذي- تفرَّد بها ولم يضبطِ الإسنادَ، فإنه أسقطَ -بين أبي إدريس وبين عمر- جبيرَ بنَ نُفير، وعقبةَ، فصَارَ مُنقطعًا بل مُعْضَلًا، وخالفه كلُّ مَن رَواه عن معاوية بن صالح ثم عن زيد بن الحباب، وقد رواه عن زيدٍ سوى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ موسى بن عبد الرحمن المسروقي وحديثُهُ عندَ النسائيِّ، وأبو بكر الجعفي وعباس بن محمد الدوري وحديثُهُما عند أبي عَوانةَ، وأبو كريب محمد بن العلاء وحديثُهُ عند أبي نعيم في (المستخرج)، فاتفاقُ الجميعِ أَوْلى مِن انفرادِ الواحدِ)) (نتائج الأفكار ١/ ٢٤٣).
* وممن ضَعَّفَ هذه الزيادةَ أيضًا ابنُ القطانِ الفاسيُّ، حيثُ أعلَّها بالانقطاعِ، وتَعَقَّبَ عبدَ الحَقِّ في سكوتِهِ عنها، فقال: ((وسكتَ عنه مصححًا له، وهو منقطعٌ فإنه من روايةِ أبي إدريس وأبي عثمان عن عمر ... )) ثم نقلَ عن الترمذيِّ القول بانقطاعه. انظر (بيان الوهم والإيهام ٣٨٢).
* وقال القاري: ((والحاصلُ ورود الاعتراض على صاحب المصابيح حيثُ كَرَّرَ رواية الترمذي في الصحاحِ لإيهامها أنه كله في أحد الصحيحين أو كليهما، وليس كذلك؛ قال في (الأزهار): هذا حديثٌ مضطربٌ ومنقطعٌ. وإلحاقُ الضعيفِ بالصحيحِ غيرُ مقبولٍ مع تغيير العبارة لفظًا ومعنى)) (مرقاة المفاتيح ٢٨٩).
* هذا وقد ذَهَبَ الترمذيُّ إلى تضعيفِ هذا الحديثِ جملةً مع الزيادةِ فقال -بعد أن خرَّجه-: ((هذا حديثٌ في إسنادِهِ اضطرابٌ، ولا يصحُّ عنِ النبيِّ ﷺ في هذا البابِ كبيرُ شَيءٍ؛ قال محمدٌ -يعني البخاريَّ-: وأبو إدريسَ لم يسمعْ من عمرَ شيئًا)) اهـ، وانظر (بيان الوهم والإيهام ٢/ ٣٨٢).
стр. 5825
وتَعَقَّبَ الترمذيَّ في ذلك كلٌّ من الحافظِ ابنِ حَجرٍ، والألبانيِّ:
* فقال الحافظُ: ((لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض، والزيادة التي عنده رواها البزار والطبراني في (الأوسط) من طريق ثوبان ولفظه: «مَنْ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَسَاعَةَ فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ ... » الحديث)) (تلخيص الحبير ١/ ١٧٦).
هكذا قال الحافظُ، وكأنه يشيرُ إلى تقويةِ هذه الزيادةِ بشاهد ثوبان المذكور، وقد سبقَ جَزْمُهُ بعدمِ ثُبوتها، وهو الصوابُ، أما شاهد ثوبان الذي سكتَ عنه فلا يَصحُّ، وسيأتي الكلامُ عليه قريبًا.
* وقال الألبانيُّ: ((قد تَبينَ لك مما حررنا آنفًا أن الاضطرابَ إنما هو فِي رواية زيد بن الحباب وحده، وأن روايةَ الجماعةِ سالمةٌ منه؛ فلا يجوزُ تضعيفُ الحديثِ لمجردِ اضطرابِ راوٍ واحد فيه ... ))، ثم ذَكَرَ كلامَ الحافظِ السابقِ (صحيح أبي داود ١/ ٣٠٢).
ولكن ذَهَبَ الألبانيُّ إلى تصحيحِ هذه الزيادةِ بشاهد ثوبان المذكور، بل وصَحَّحَ -في موطن آخر- سندَ الترمذيِّ هذا فقال:
((فإن قِيلَ: قد عَرَفْنَا أن الحديثَ صحيحٌ، فما حالُ إسنادِ هذه الزيادة عند الترمذيِّ؟ قلتُ: إسنادُهَا صحيحٌ، رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ رجالُ مسلمٍ، غير شيخ الترمذي جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي وهو صدوقٌ كما قال أبو حاتم، ثم إن لها شواهد من حديث ثوبان عند ابن السني (رقم ٣٠) وابن عمر وأنس كما ذكره البيهقي في (سننه ١/ ٧٨)؛ ولذلكَ جزمَ ابنُ القيمِ في (زاد المعاد ١/ ٦٩) بثبوتِ الحديثِ مع هذه الزيادةِ عنِ النبيِّ ﷺ ) (تمام المنة صـ ٩٧)،
стр. 5826
وانظر (الإرواء ١/ ١٣٥).
قلنا: أما تصحيحُ السندِ، ففيه ما تَقَدَّمَ.
وأما تصحيحُ الزيادةِ بالشواهدِ المذكورةِ، فغير مُسَلَّم؛ لأمرين:
الأول: أن هذه الزيادةَ قد ثبتَ شُذوذُها ونَكارتُها في هذا الحديثِ، والشاذُّ والمنكرُ خطأٌ، والخطأُ لا يتقوى بغيرِهِ، ولا يُقوي غيرَهُ كما هو معلومٌ بداهة واصطلاحًا.
الثاني: أن هذه الشواهد لا تَثبتُ، ولا تصحُّ كما ستراه قريبًا في موضعِهِ إن شاءَ اللهِ.
وهذا الذي ذهبنا إليه من تضعيفِ هذه الزيادةِ وعدمِ تصحيحها بحديثِ ثوبانَ المذكور قد سلكه الشيخُ الألباني في شأن زيادة أخرى -وهي روايةُ رفعِ الطرف إلى السماءِ الآتية- حيثُ ضَعَّفَها وحَكَمَ بنكارتِها رغمَ أنها وردتْ في شاهد ثوبانَ المذكور! بل وفي شاهد أنسٍ أيضًا! وانظر (ضعيف أبي داود ١/ ٥٧ وما بعدها).
* وقد أشارَ النوويُّ أيضًا إلى تقويةِ هذا اللفظِ بالشواهدِ فقال: "ورويتِ الزيادةُ التي زادها الترمذيُّ من رواية جماعة منَ الصحابةِ غير عمر" (المجموع ١/ ٥١٧).
قلنا: سيأتي الكلامُ على هذه الشواهد وبيانُ أنها لا تصلحُ لأن يَتقوى بعضها ببعضٍ.
حديث عمر) / فكه ٢٢٨/ مقدص ١١٨/ فكر (١/ ٢٤٠)].
[التحقيق]:
رواه أحمد في (المسند)، والدارمي في (المسند) قالا -والسياق للدارميِّ-: أخبرنا عبد الله بن يزيد، ثنا حيوةُ، أنبأ أبو عقيل زُهْرة بن مَعْبَد عن ابنِ عمه عن عقبةَ بنِ عامرٍ به.
ورواه أبو داود (١٧٠) -وعلَّقه عنه ابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد ٧/ ١٨٨) - عن حسين بن عيسى (١) البِسْطامي، ورواه أبو يعلى (١٨٠) عن القواريري، وأيضًا (٢٤٩، ١٧٦٣) عن أبي خيثمة زهير بن حرب، ورواه الدولابي عن محمد بن عبد الله بن يزيد، ورواه الفاكهيُّ في (الفوائد) عنِ ابنِ أبي مسرةَ، كلُّهم عن عبد الله بن يزيد، وهو أبو عبد الرحمن المقرئ عن حيوة عن أبي عقيل عن ابن عمه (٢) به، اختصره أبو داود، وطَوَّله ابنُ أبي مسرةَ وزهيرٌ في الموضعِ الأولِ، واقتصرَ في الثاني على حديثِ عقبةَ، واقتصرَ الباقون على حديثِ عمرَ.
ووقع عند الدولابي: "عن عمه"! فإن لم تكن كلمة "ابن" سقطتْ منَ النَّاسخِ، فهو خطأٌ من راويه بلا شَكٍّ؛ لمخالفتِهِ عامة أصحاب المقرئ.
وتوبع عليه المقرئ:
فرواه النسائيُّ في (الكبرى ١٠٠٢٢ = عمل اليوم والليلة ٣٢) -وعنه ابنُ السنيِّ في (عمل اليوم والليلة) - عن سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله، عن حيوة بن شريح، قال: أخبرني زهرة بن معبد، أن ابنَ عمِّه -
стр. 5829
أخِي أبيهِ- (لَحًّا) أخبرَهُ، أن عقبةَ بنَ عامرٍ الجهنيَّ حَدَّثَه قال: قال لي عمرُ بنُ الخطابِ: ... " فذكره مقتصرًا على حديث عمر. وعبد الله هو ابن المبارك.
نعم، رواه الطبراني في (الكبير ١٧/ ٣٣١/ ٩١٥) من طريق السيلحيني عنِ ابنِ لهيعةَ عن أبي عقيل عن عمِّه عن عقبةَ، مقتصرًا على حديثه، ولم يذكر حديث عمر، وسيأتي تخريجُهُ في بابه.
كذا قال فيه: "عن عمِّه"، وهذا من أوهامِ ابنِ لهيعةَ وتخاليطه، فكان سيئ الحفظ، واختلط، وقد خالفه حيوة وهو ثقةٌ، فجعله من رواية أبي عقيل عن ابنِ عَمٍّ له، وهو المحفوظُ.
وقد توبع عليه حيوة:
فرواه البزارُ (٢٤٢) عن محمد بن المثنى قال: نا عبد الله بن يزيد قال: نا سعيد بن أبي أيوب قال: نا أبو عقيل: أن ابنَ عَمِّه أخا أبيه حَدَّثَه به مطولًا بنحوه دون قوله: "إذا استقلتِ الشمسُ"! ودون زيادة "مِنْ" قبل "الجنة"!
ولذا قال ابنُ حَجرٍ: ((وأخرجه الطبرانيُّ في (الدعاء) من طريق ابن لهيعة، عن أبي عقيل قال: حدَّثني عَمِّي عن عقبةَ ... فذكره. وقال: حيوة عن أبي عقيل عن ابنِ عَمِّه، وهو المعتمدُ، فقد تابعه على ذلك سعيد بن أبي أيوب عن أبي عقيل، وسعيد من رجال الصحيح أيضًا)) (النتائج ١/ ٢٤١).
قلنا: ولكن قد خُولِفَ فيه ابنُ المثنى:
فرواه أحمدُ وابنُ أبي شيبةَ عنِ المقرئ عن سعيدٍ به، مقتصرًا على شطره الثاني: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ... »
стр. 5830
الحديث، وجَعَلاه من حديثِ عُقْبةَ! وكذا رواه ابنُ وَهبٍ عن سعيدٍ، وسيأتي تخريجُهُ عقبَ هذا، وعقبة إنما أخذه عن عمر ﵁.
والمراد أنه وافقَ حيوة على جعله من رواية أبي عقيل عن ابنِ عمِّه.
وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ للجهلِ بحالِ ابنِ عَمِّ أبي عقيل هذا، فقد أبهم ولم يُسَّم، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح.
لذا قال الهيثمي: "رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفْهُ" (مجمع الزوائد ٣٤١٦).
وقال الحافظُ: "هذا حديثٌ حسنٌ من هذا الوجهِ، ولولا الرجل المبهم لكان على شرطِ البخاريِّ؛ لأنه أخرجَ لجميعِ رواتِهِ من المقرئ فصاعدًا إلا المبهم، ولم أقفْ على اسمه" (النتائج ١/ ٢٤٣).
وبهذا أعلَّه المنذريُّ، وابنُ دَقيقِ العيدِ، فقالا: "وفي إسنادِ هذا رجلٌ مجهولٌ" (عون ١/ ٢٠٠)، (الإمام ٢/ ٦٦).
وكذلك العينيُّ بقوله: "وهذا الحديثُ في إسنادِهِ رجلٌ مجهولٌ" (شرح أبي داود ١/ ٣٩٧).
بينما نقل ابنُ كَثيرٍ عنِ ابنِ المدينيِّ أنه قال: "هذا حديثٌ حسنٌ" (مسند الفاروق ١/ ١١١).
نعم، الحديثُ ثابتٌ من وجهٍ آخر عند مسلمٍ وغيرِهِ بنحوه إلا أنه بلفظ: «أَبْوَابِ الجَنَّةِ» دون كلمة (مِنْ)، ودون قوله: «إِذَا اسْتَقَلَّتِ الشَّمْسُ»، ودون قوله: «ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ»، فهما زيادتان منكرتان لتفردِ الرجلِ المبهمِ بهما.
стр. 5831
ولذا قال الألبانيُّ: "وهذه الزيادةُ منكرةٌ -أي: رفع البصرِ إلى السماءِ- لأنه تفرَّدَ بها ابنُ عَمِّ أبي عقيل هذا وهو مجهولٌ" اهـ. (الإرواء ١/ ١٣٥)، وانظر (ضعيف أبي داود ١/ ٥٨).
وللزيادةِ الثانيةِ شاهد من حديثِ ثوبانَ وحديثِ أنسٍ، وهما واهيان كما سيأتي.
والحديثُ ضَعَّفَهُ الألبانيُّ بهذا السياقِ في (الضعيفة ٥٠٣١)، و (ضعيف الترغيب ٤٠٤)، وقال في موضعٍ آخر: "منكرٌ" (الضعيفة ٦٨١٠).
تنبيه (١):
زيادة (مِنْ) قبل كلمة (الجَنَّةِ) عند النسائيِّ في (الكبرى) لم ترد في رواية ابنِ السُّنيِّ عنه في (اليوم والليلة)، ولا في رواية عبد الغني المقدسي في (الصلاة)، وهو عنده من طريقِ النسائيِّ، ولكنها زيادةٌ ثابتةٌ في هذا الطريقِ، جاءتْ في روايةِ أبي داودَ -فيما علَّقه عنه ابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد ٧/ ١٨٨، ١٨٩) - وفي روايةِ أبي يعلى والدولابي والفاكهي، وإن لم ترد فِي روايةِ أحمدَ والدارميِّ، وأشارَ ابنُ عبدِ البرِّ إلى عدمِ صحتِهِ بهذه الزيادةِ كما سبقَ ذِكْرُهُ.
تنبيه (٢):
ذكرَ المزيُّ في (التحفة ٨/ ٨٩، ٩٠) أن أبا داودَ في روايتِهِ عنِ البسطاميِّ لم يذكرْ فيه "عمر"، أي: جعله من حديثِ عقبةَ، وكذا ذكره ضمن أحاديث عقبة في (التحفة ٧/ ٣٢٤)، ثم قال: "رواه ابنُ المباركِ عن حيوةَ فجعَله من مسندِ عمرَ".
قلنا: صنيعُ أبي داودَ في السنن محتملٌ، ونقله عنه ابنُ عبدِ البرِّ كروايةِ
стр. 5832
الجماعةِ، من حديثِ عمرَ، والله أعلم.
تنبيه (٣):
ذكرَ ابنُ الملقنِ أنَّ الرجلَ المبهمَ في هذا الحديثِ هو أبو بكرٍ الصديقُ ﵁، قال: "كما أفاده الحافظُ جمالُ الدينِ المزيُّ، فهذا إسنادٌ على شرطِ الشيخينِ" (البدر المنير ٢/ ٢٨٤).
كذا قالَ، وليسَ على هذا الكلامِ دليلٌ، ولم نجدْهُ في (التهذيب) ولا في (التحفة)، ولو ثبتَ لم يُفدْ شيئًا؛ لأن زُهرةَ لم يدركْ أبا بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا عليًّا، وقد توقفَ أبو حاتم في سماعه من ابنِ عمرَ، فكيفَ بروايتِهِ عن أبي بكر؟ ! ! وكيف يقال: إن سندَهُ على شرطِ الشيخين؟ ! !
стр. 5833
رِوَايَةُ صَادِقًا مِنْ نَفْسِهِ
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَادِقًا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ قَلْبِهِ -شَكَّ أَيَّهُمَا قَالَ- فُتِحَ لَهُ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ يَوْمَ القِيَامَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
[الحكم]: منكرٌ بهذا السياقِ، وضَعَّفَهُ أبو بكر الحازميُّ، واستغربه ابنُ الملقنِ، وسبقَ الحديثُ في الصحيحِ دونَ قولِهِ: «صَادِقًا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ قَلْبِهِ»، وقوله: «مِنْ» قبل «أَبْوَابِ الجَنَّةِ».
[التخريج]: [تمهيد (٧/ ١٨٨)].
[السند]:
رواه ابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد) قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا أحمد بن محمد بن شيبة قال: حدثنا أبو مصعب قال: حدَّثني إبرهيم بن محمد بن ثابت عن أبيه عن عقبة بن عامر الجهني عن عمر بن الخطاب به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ فيه لين، فمحمد بن ثابت بن شرحبيل أخو بني عبد الدار تَرجَمَ له البخاريُّ في (التاريخ الكبير ١/ ٥٠)، وابنُ أبي حاتمٍ في (الجرح والتعديل ٧/ ٢١٥) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابنُ حبانَ في (الثقات ٥/ ٣٥٨)، ونقل المزيُّ في (التهذيب ٢٤/ ٥٥٢) عن عمر بن عبد العزيز أنه رَضيه، وقال ابنُ حَجرٍ: "مقبولٌ" (التقريب ٥٧٦٩)، بينما
стр. 5834
وَثَّقَهُ السخاويُّ في (التحفة اللطيفة ٣٧٠١).
وابنُهُ إبراهيمَ، قال أبو حاتم: "صدوقٌ" (الجرح والتعديل ٢/ ١٢٥)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٦/ ٥)، وقال ابنُ بشكوال: "لم يعرفه أحمد، ولم يعرفه محمد بن وضاح" ونقلَ كلامَ أبي حاتم المتقدم (شيوخ ابن وهب ١/ ٥٠). وقال الذهبيُّ: "صالحُ الحديثِ، وله مناكير" (التاريخ ٤/ ٨٠٤)، وأقرَّهُ السخاويُّ في (التحفة ١١٥).
وأبو مصعب هو أحمد بن أبي بكر الزهريُّ المدنيُّ، صدوقٌ (التقريب ١٧).
والراوي عنه أحمد بن محمد بن شيبة، روى عنه قاسم بن أصبغ، وابن شاهين، وأبو بكر الشافعي، وغيرهم، قال مسلمة: "لا بأس به" (الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة، لقطلوبغا ٦٨٢).
بينما قالَ ابنُ النجارِ في سندٍ هو فيه: "رواتُهُ كلُّهم مجاهيل" (المغني ٤٨٨٦)، و (ذيل الديوان ٣٣٣)، و (الميزان ٣/ ٣٣٩)، واعتمده ابنُ حَجرٍ، فقال: "مجهولٌ، قاله ابنُ النجار"، (اللسان ٨٣٩).
قلنا: رواية قاسم وابن شاهين وأبي بكر الشافعي عنه تدفع القول بجهالته.
وعلى كلٍّ، فالثقاتُ الذين رووا هذا الحديث عن عقبة كأبي إدريس الخولاني وجبير بن نفير كما عند مسلم وغيره- ذكروه بلفظ: «فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَمَانِيَةُ»، ولم يذكروا فيه قوله: «صَادِقًا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ قَلْبِهِ».
لذلك قال أبو بكر الحازمي: "هذه الزيادةُ غيرُ محفوظةٍ من طريقِ الثقاتِ المعتمد على حديثهم" (البدر المنير ٢/ ٢٨٥)، وأقرَّهُ ابنُ الملقنِ وقال: "زيادةٌ غريبةٌ" (البدر المنير ٢/ ١٨٤) وقال عقبها: ((هذه الزيادةُ لم أرها في
стр. 5835
شيءٍ من روايات هذا الحديث في الكتب المشهورة، وذكرها فيه الحافظ قطب الدين ابن القسطلاني في كتابه الموسوم بـ (الأدوية الشافية في الدعوات الكافية) ولم يذكرها بإسنادٍ حتى ننظرَ فيه فإن الكتاب المذكور جميعه بغير إسناد)).
بينما ذكر النوويُّ ﵀ أن هذه اللفظة لا توجد في الكتب أصلًا، ومع ذلك قال: "لكنها شرط لا شك فيه" (المجموع ١/ ٤٥٦).
قلنا: لله الحمد قد وقفنا على سندِهِا كما سبقَ.
وللحديثِ رواياتٌ أُخرى ستأتي في باب "فضل الوضوء والصلاة عقبه".
стр. 5836
١٣٩٧ - حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ
◼ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
[الحكم]: منكرٌ بهذه السياقةِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ، وإنما سمعه عقبةُ من عمرَ ﵁، ولكن بلفظ: «أَبْوَابِ الجَنَّةِ» دون كلمة «مِنْ»، ودون قوله: «ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ».
[التخريج]:
[د (تحفة الأشراف ٧/ ٣٢٤) / حم ١٧٣٦٣ (واللفظ له) / ش ٢٤، ٣٠٥١٦/ طب (١٧/ ٣٣١/ ٩١٦) / مش (خيرة ٥٢٤) / عقبة ١٦٥/ لك ٦٥٤/ فاخرج ٤٩].
[السند]:
رواه أحمدُ وابنُ أبي شيبةَ -ومن طريقه ابن الفاخر- عن أبي عبد الرحمن المقرئ عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب، قال: حدَّثني زهرة بن معبد أبو عقيل، أن ابنَ عَمٍّ له أخبره أنه سمع عقبةَ بنَ عَامرٍ يقولُ ... فذكره.
ورواه أبو داود كما في (التحفة) عن هارون بن عبد الله عن المقرئ به.
وقد رواه الطبرانيُّ من طريق ابن أبي شيبة، ووقع عنده من رواية المقرئ عن حيوة عن سعيد به.
وهذا خطأٌ، والحديثُ في (مصنف ابن أبي شيبة)، وفي (مسنده) كما في
стр. 5837
(إتحاف الخيرة ٥٢٤) من رواية المقرئ، عن سعيدٍ ليسَ بينهما حيوة، وإنما رواه حيوة عن زهرة كما سبق، وسيأتي.
ورواه اللالكائيُّ من طريقِ ابنِ وَهبٍ، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، به.
[التحقيق]:
إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لأجلِ ابنِ عَمِّ أبي عقيل الذي لم يُسَمَّ.
وقد رواه حيوةُ عن أبي عقيل عنِ ابنِ عَمِّهِ بنحوه إلا أنه جعله من رواية عقبة عن عمر كما سبقَ، وهو المحفوظُ عن عقبةَ كما رواه مسلمٌ وغيره من طرقٍ عنه.
وكذا رواه البزارُ (٢٤٢) عن محمد بن المثنى عن المقرئ عن سعيدٍ به، جعله من حديثِهِ عن عمرَ.
وذكرنا هناك أن الحديثَ ثابتٌ عن عقبةَ عن عمرَ، ولكن دون قوله: «ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» ودون كلمة «مِنْ»، قبل كلمة «الجَنَّةِ».
على أنه وَرَدَ هنا عند ابنِ أبي شيبةَ في الموضعِ الأولِ من (المصنف)، وعند الطبراني واللالكائي وابن الفاخر بلفظ: «فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ»، كما هو محفوظٌ.
стр. 5838
١٣٩٨ - حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
◼ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ دَخَلَ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دون قوله: «ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» فمنكرٌ، وسندُهُ ضعيفٌ، وضَعَّفهُ النوويُّ ومغلطاي، والبوصيريُّ، وابنُ حَجرٍ، والشوكانيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[جه ٤٧٢ (واللفظ له) / حم ١٣٧٩٢/ ش ٢٢، ٣٠٥١٥/ لا ١٧٩٦/ سط (١/ ٦٠) / سني ٣٤/ طع ٣٨٥، ٣٨٦/ نعيم (جنة ١٦٧) / ضح (٢/ ١٠٤) / أصبهان (٢/ ١٥٠) / فكر (١/ ٢٤٩) / فاخرج ٤٨].
[السند]:
أخرجه ابن ماجه في (سننه): حدثنا موسى بن عبد الرحمن، حدثنا الحسين بن علي وزيد بن الحباب (ح) وحدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو نعيم، قالوا: حدثنا عمرو بن عبد الله بن وهب أبو سفيان النخعي قال: حدثني زيد العمي عن أنس بن مالك به.
قال أبو الحسن القطان في (زوائده على السنن): حدثنا إبراهيم بن نصر قال: حدثنا أبو نعيم بنحوه.
ورواه ابنُ أبي شيبةَ في (مصنفه) قال: حدثنا زيد بن الحُبَاب به.
ورواه أحمدُ في (المسند) عن معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عمرو بن عبد الله بن وهب به.
стр. 5839
ومداره عندهم على عمرو بن عبد الله بن وهب به.
[التحقيق]:
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عللٍ:
الأُولى: زيدُ بنُ الحواري أبو الحواري العميُّ، قال عنه الحافظ: "ضعيفٌ" (التقريب ٢١٣١).
وأغلظ فيه ابن حبان فقال: "يروي عن أنسٍ أشياءَ موضوعة لا أصلَ لها، حتى سبقَ إلى القلبِ أنه المتعمدُ لها، وكان يحيى يُمَرِّضُ القولَ فيه، وهو عندي لا يجوزُ الاحتجاجُ بخبره ولا كتابة حديثه إلا للاعتبار" (المجروحين ١/ ٣٨٦).
العلةُ الثانيةُ: الانقطاعُ، قال أبو حاتم: "روى عن أنسٍ، مرسل" (الجرح والتعديل ٣/ ٥٦٠) (١).
قلنا: ومع ضَعْفِهِ، فقدِ اختُلِفَ عليه فيه، وهو العلةُ الثالثةُ:
فَمَرَّةً: يرويه عن أنسٍ كما هنا.
ومَرَّةً: يرويه عن معاويةَ بنِ قرَّةَ عنِ ابنِ عمرَ، كما عند ابنِ ماجه في (سننه ٤٢٣)، وغيرِهِ. وثالثةً: عن معاويةَ عنِ ابنِ عمرَ وأنسٍ، كما عند البيهقيِّ في (السنن الصغرى)، وغيرِهِ.
ورابعةً: يرويه عن معاويةَ بنِ قرَّةَ عن أبيه عن جدِّهِ، كما عند الطبرانيِّ في (الأوسط ٦٢٨٨). وخامسةً: يرويه عن معاويةَ عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ عن أُبيِّ بنِ
стр. 5840
كَعبٍ، كما عندَ ابنِ ماجه في (سننه ٤٢٤)، وغيرِهِ.
وقيل عنه غير ذلك كما سيأتي ذكرُهُ في موضعِهِ.
وقد ضَعَّفَ حديثَهُ هذا غيرُ واحدٍ منَ العلماءِ:
فقال النوويُّ: "رواه أحمدُ بنُ حَنبلٍ وابنُ ماجه بإسنادٍ ضعيفٍ" (المجموع ١/ ٤٥٧).
وقال مغلطاي: "هذا حديثٌ إسنادُهُ ضعيفٌ" (شرح سنن ابن ماجه ١/ ٥٠٨).
وقال البوصيريُّ: "في إسنادِهِ زيدٌ العميُّ وهو ضعيفٌ" (الزوائد ١/ ٦٨).
وقال ابنُ حَجرٍ: "إسنادُهُ ضعيفٌ" (نتائج الأفكار ١/ ٢٤٧).
وقال الشوكانيُّ: "إسنادُهُ ضعيفٌ" (تحفة الذاكرين ١/ ١٤٣).
قلنا: قد تَقَدَّمَ حديثُ عمرَ، وليسَ فيه قولُهُ: «ثَلَاثُ مَرَّاتٍ» ولذا قال الألبانيُّ: ((هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ من أجلِ زيدٍ العميِّ؛ فإنه ضعيفٌ، كما جزمَ به الحافظُ، والحديثُ صحيحٌ دون قولِهِ: «ثَلَاث مَرَّاتٍ» فقد رواه كذلك عمرُ بنُ الخطابِ وعقبةُ بنُ عامرٍ)) (السلسلة الضعيفة ٤٥٧٨).
وقال ابنُ الملقنِ: ((قال الشيخُ تقي الدين في (الإمام): وأخرجه المستغفريُّ في (الدعوات) وقال: هذا حديثٌ حسنٌ)) (البدر المنير ٢/ ٢٨٨).
قلنا: وهذا منه ليس بحسن؛ لما سبقَ ذكرُهُ.
стр. 5841
رِوَايَةُ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: «مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَأَسْبَغَ الوُضُوءَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَتَحَ اللَّهُ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابِ الجَنَّةِ وَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ مِنْ أَيِّ بَابٍ شِئْتَ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دون قوله: «وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ» وإسنادُهُ تالفٌ.
[التخريج]:
[أخبار وحكايات لمحمد بن عبد الواحد الدارمي (ق ١٠٩ ب، ق ١١٠ أ) / خط (١٢/ ٥٠٨)].
[السند]:
رواه محمد بن عبد الواحد الدارميُّ في (أخبار وحكايات) قال: أخبرنا ابن شاذان، ثنا أبو موسى -وهو ابن عيسى بن يعقوب بن جابر- ثنا دينار، حدثني صاحبي أنس بن مالك ... فذكره.
ورواه الخطيبُ في (تاريخه) قال: أخبرنا العتيقي، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ تالفٌ؛ فيه: دينار أبو مكيس الحبشي -خادم أنس بن مالك-، قال عنه الذهبي: "ذاك التالفُ المتهمُ، حَدَّثَ في حدود الأربعين ومائتين بوقاحةٍ عن أنس بن مالك؛ قال ابن حبان: يروي عن أنسٍ أشياءَ موضوعةً، وقال ابن عدي: ضعيفٌ ذاهبٌ" (ميزان الاعتدال ٢/ ٣٠).
وقال الحاكمُ: "روى عن أنسٍ قريبًا من مائةِ حديثٍ موضوعة" (لسان
стр. 5842
الميزان ٣/ ٤٢٦).
وقال الذهبيُّ: "يغلبُ على ظَنِّي أنه كذابٌ، ما لحِقَ أنسًا أبدًا" (سير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٧٦).
وقد صَحَّ الحديثُ من حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ عن عمرَ ﵄ دون قولِهِ: «وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَمَاءِ» كما تَقَدَّمَ بيانُهُ قريبًا.
رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ:
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا وُضُوءُ الصَّلَاةِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ ... » الحديث، وفيه: «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
[الحكم]: ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ الأئمةُ المذكورون أعلاه.
[التخريج]: [هقغ ١١٢/ هقخ ٢٨٣/ معكر ١٣٥٠].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ له خمسةُ طُرُقٍ:
الطريقُ الأولُ: مَدارُهُ على زيدٍ العميِّ، وقد اختُلِفَ عليه في إسنادِهِ على وجوهٍ، منها:
الوجه الأول: أخرجه ابنُ ماجه في (سننه) قال: حدَّثنا أبو بكر بن خَلَّادٍ الباهليُّ، حدَّثني مرحوم بن عبد العزيز العطارُ، حدثني عبد الرحيم بن زيد العميُّ عن أبيه عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ عنِ ابنِ عمرَ، به.
وأخرجه أبو يعلى، والعقيليُّ، والبيهقيُّ في (الصغرى)، وابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد)، من طريقِ عبدِ الرحيمِ بنِ زيدٍ العميِّ، به.
وزاد البيهقيُّ في (الصغرى)، و (الخلافيات)، وابنُ عساكر في (معجمه
стр. 5847
١٣٥٠) في سندِهِ مع ابنِ عمرَ (أنسَ بنَ مالكٍ).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عِللٍ:
الأُولى: عبدُ الرحيمِ بنُ زيدٍ العميُّ؛ قال فيه الحافظُ: "متروكٌ، وكَذَّبَهُ ابنُ مَعينٍ" (التقريب ٤٠٥٥).
الثانيةُ: والده زيدٌ العميُّ؛ قال فيه الحافظُ: "ضعيفٌ" (التقريب ٢١٣١).
وبهذا أعلَّه أبو حاتمٍ الرازيُّ؛ فقال: ((عبدُ الرحيمِ بنُ زيدٍ: متروكُ الحديثِ، وزيد العمي: ضعيفُ الحديثِ، ولا يصحُّ هذا الحديث عن النبيِّ ﷺ ) (العلل ١٠٠).
وقال البيهقيُّ: ((وهكذا رُوي عن عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه. وخالفهما غيرهما، وليسوا في الرواية بأقوياء)) (السنن الكبرى ١/ ٢٤٣).
وقال في (الخلافيات ١/ ٤٨٧): ((وهذا غير ثابت؛ فإن زيدًا العميَّ ليس بالقوي)).
وقال الحافظُ أبو بكر الحازميُّ: "هذا الحديثُ بهذا الإسنادِ لا يُعرفُ إلا من جهةِ ابنِ الحواريِّ، وهو ضعيفُ الحديثِ" (البدر المنير ٢/ ١٣٧).
الثالثةُ: الانقطاعُ؛ بين معاويةَ بنِ قُرة وابنِ عُمرَ.
وبهذا أعلَّه أبو زرعةَ؛ فقال: "هو عندي حديثٌ وَاهٍ، ومعاويةُ بنُ قُرَّةَ لم يلحقِ ابنَ عمرَ" (العلل ١٠٠) (١).
وأشارَ إلى هذه العلةِ الحاكمُ في (المستدرك) فقال -عقب إسناده لحديث
стр. 5848
أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» -: ((وشاهده الحديث المرسل المشهور، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ... »)) (المستدرك ٥٤١).
وقال ابنُ الملقنِ: "فيه ضعفٌ وانقطاعٌ" (تحفة المحتاج ٨٣).
وقد توبع عبد الرحيم بن زيد العمي بمتابعات واهية:
* فتابعه سلام الطويل، فرواه عن زيدٍ العميِّ، عن معاويةَ بنِ قرَّة، عنِ ابنِ عمرَ، به.
أخرجه الطيالسيُّ في (مسنده ٢٠٣٦)، قال: حدثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر، به.
ورواه العقيليُّ في (الضعفاء ٢/ ٣٨٧)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٥/ ٣١٠)، والدارقطني في (السنن ٢٥٩ - ٢٦٠)، والبيهقيُّ في (الكبرى ٣٨٠)، وغيرهم: من طريق سلام به.
وسلام الطويل هذا متروكٌ كما قال الحافظُ في (التقريب ٢٧٠٢).
وبهذا أعلَّه أبو حاتم الرازيُّ؛ قال ابنُ أبي حاتم: ((قلتُ لأَبي: فإن الربيعَ بنَ سليمانَ حدثنا بهذا الحديث عن أسد بن موسى عن سلام بن سليم عن زيد بن أسلم عن معاوية بن قرة عن ابن عمر عن النبي ﷺ فقال: هو سلامٌ الطويلُ، وهو متروكُ الحديثِ، وهو زيدٌ العميُّ، وهو ضعيفُ الحديثِ)) (علل الحديث ١٠٠).
وقال العقيليُّ -عقبه، وقد أسنده أيضًا من حديث أُبيِّ بنِ كعبٍ-: "كلاهما فيهما نظر" (الضعفاء ٢/ ٣٨٧).
стр. 5849
* وتابعه أيضًا محمد بن الفضل بن عطية، كما عند الدارقطني في (السنن ٢٥٨).
ومحمد بن الفضل بن عطية هذا قال عنه الحافظ: "كذَّبُوه" (التقريب ٦٢٢٥).
الوجه الثاني:
أخرجه أحمد في (المسند ٥٧٣٥) -ومن طريقه الدارقطني في (السنن ٢٦٢) -: عن أسود بن عامر، أخبرنا أبو إسرائيل، عن زيدٍ العَمِّيِّ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، به، دون ذكر جملة الذكر بعد الوضوء.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعفِ زيدٍ العميِّ.
* وفيه أيضًا: أبو إسرائيلَ إسماعيلُ بنُ خليفةَ المُلَائيُّ؛ قال عنه الحافظُ: "صدوقٌ سيئُ الحفظِ" (التقريب ٤٤٠).
قال الدارقطنيُّ: "ورواه أبو إسرائيل الملائيُّ عن زيدٍ العَميِّ عن نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ، ووَهِم فيه، والصوابُ قولُ مَن قالَ: عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ" (العلل ٣١٢٤).
وقال الهيثميُّ: "رواه أحمدُ، وفيه: زيدٌ العميُّ وهو ضعيفٌ وقد وُثِّقَ، وبقية رجاله رجال الصحيح" (مجمع الزوائد ١١٧١).
وهذا وهم؛ فما كان أبو إسرائيل من رجال الصحيح، وما روى له صاحبا الصحيح شيئًا قط.
الطريق الثاني: مداره على المسيب بن واضح، وله فيه وجهان:
الوجه الأول:
أخرجه أبو عروبة في (جزء من حديثه -رواية الحاكم ٥٨) -ومن طريقه
стр. 5850
البيهقيُّ في (الكبرى ٣٧٩) - عن المسيب بن واضح، حدثنا حفص بن ميسرة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به، دون ذكر جملة الذكر بعد الوضوء.
وأخرجه الدارقطنيُّ في (سننه)، والبيهقي في (معرفة السنن ٧٠٦) من طريق المسيب بن واضح به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه المسيب بن واضح؛ قال فيه أبو حاتم: "صدوقٌ يُخطئُ كثيرًا، فإذا قيلَ له لم يقبلْ" (الجرح والتعديل ٨/ ٢٩٤)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٩/ ٢٠٤) وقال: "كان يُخطئُ"، وضَعَّفَهُ الدارقطنيُّ وغيرُهُ، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "كان النسائيُّ حسنَ الرأي فيه ويقول: الناس يؤذوننا فيه"، وساقَ ابنُ عَدِيٍّ له عِدَّةَ أحاديث تستنكر، ثم قال: "أرجو أن باقي حديثه مستقيم، وهو ممن يُكتبُ حديثه" انظر (اللسان ٦/ ٤٠).
وقال الدارقطنيُّ -بإثره-: "تفرَّدَ به المسيب بن واضح عن حفص بن ميسرة، والمسيب ضعيفٌ" (السنن ٢٦١)، وكذلك قال البيهقيُّ في (الكبرى ٣٧٩).
وقال في (المعرفة ١/ ٢٩٩): "المسيب بن واضح غير محتج به، وروي من أوجه كلها ضعيف".
ولذا قال أبو محمدٍ الأصيليُّ الحافظُ: "ليسَ هذا بثابتٍ، والمسيب بن واضح ضعيفٌ، ليس يصحُّ عنِ ابنِ عمرَ حديث في الوُضوءِ" (تفسير الموطأ للقنازعي ١/ ١٣٦).
وأما عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ، فقال: "هذا أحسن طرق الحديث" (الأحكام الوسطى ١/ ٣٠).