رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ:
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا وُضُوءُ الصَّلَاةِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ ... » الحديث، وفيه: «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
[الحكم]: ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ الأئمةُ المذكورون أعلاه.
[التخريج]: [هقغ ١١٢/ هقخ ٢٨٣/ معكر ١٣٥٠].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ له خمسةُ طُرُقٍ:
الطريقُ الأولُ: مَدارُهُ على زيدٍ العميِّ، وقد اختُلِفَ عليه في إسنادِهِ على وجوهٍ، منها:
الوجه الأول: أخرجه ابنُ ماجه في (سننه) قال: حدَّثنا أبو بكر بن خَلَّادٍ الباهليُّ، حدَّثني مرحوم بن عبد العزيز العطارُ، حدثني عبد الرحيم بن زيد العميُّ عن أبيه عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ عنِ ابنِ عمرَ، به.
وأخرجه أبو يعلى، والعقيليُّ، والبيهقيُّ في (الصغرى)، وابنُ عبدِ البرِّ في (التمهيد)، من طريقِ عبدِ الرحيمِ بنِ زيدٍ العميِّ، به.
وزاد البيهقيُّ في (الصغرى)، و (الخلافيات)، وابنُ عساكر في (معجمه
стр. 5847
١٣٥٠) في سندِهِ مع ابنِ عمرَ (أنسَ بنَ مالكٍ).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عِللٍ:
الأُولى: عبدُ الرحيمِ بنُ زيدٍ العميُّ؛ قال فيه الحافظُ: "متروكٌ، وكَذَّبَهُ ابنُ مَعينٍ" (التقريب ٤٠٥٥).
الثانيةُ: والده زيدٌ العميُّ؛ قال فيه الحافظُ: "ضعيفٌ" (التقريب ٢١٣١).
وبهذا أعلَّه أبو حاتمٍ الرازيُّ؛ فقال: ((عبدُ الرحيمِ بنُ زيدٍ: متروكُ الحديثِ، وزيد العمي: ضعيفُ الحديثِ، ولا يصحُّ هذا الحديث عن النبيِّ ﷺ ) (العلل ١٠٠).
وقال البيهقيُّ: ((وهكذا رُوي عن عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه. وخالفهما غيرهما، وليسوا في الرواية بأقوياء)) (السنن الكبرى ١/ ٢٤٣).
وقال في (الخلافيات ١/ ٤٨٧): ((وهذا غير ثابت؛ فإن زيدًا العميَّ ليس بالقوي)).
وقال الحافظُ أبو بكر الحازميُّ: "هذا الحديثُ بهذا الإسنادِ لا يُعرفُ إلا من جهةِ ابنِ الحواريِّ، وهو ضعيفُ الحديثِ" (البدر المنير ٢/ ١٣٧).
الثالثةُ: الانقطاعُ؛ بين معاويةَ بنِ قُرة وابنِ عُمرَ.
وبهذا أعلَّه أبو زرعةَ؛ فقال: "هو عندي حديثٌ وَاهٍ، ومعاويةُ بنُ قُرَّةَ لم يلحقِ ابنَ عمرَ" (العلل ١٠٠) (١).
وأشارَ إلى هذه العلةِ الحاكمُ في (المستدرك) فقال -عقب إسناده لحديث
стр. 5848
أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» -: ((وشاهده الحديث المرسل المشهور، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ... »)) (المستدرك ٥٤١).
وقال ابنُ الملقنِ: "فيه ضعفٌ وانقطاعٌ" (تحفة المحتاج ٨٣).
وقد توبع عبد الرحيم بن زيد العمي بمتابعات واهية:
* فتابعه سلام الطويل، فرواه عن زيدٍ العميِّ، عن معاويةَ بنِ قرَّة، عنِ ابنِ عمرَ، به.
أخرجه الطيالسيُّ في (مسنده ٢٠٣٦)، قال: حدثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن ابن عمر، به.
ورواه العقيليُّ في (الضعفاء ٢/ ٣٨٧)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٥/ ٣١٠)، والدارقطني في (السنن ٢٥٩ - ٢٦٠)، والبيهقيُّ في (الكبرى ٣٨٠)، وغيرهم: من طريق سلام به.
وسلام الطويل هذا متروكٌ كما قال الحافظُ في (التقريب ٢٧٠٢).
وبهذا أعلَّه أبو حاتم الرازيُّ؛ قال ابنُ أبي حاتم: ((قلتُ لأَبي: فإن الربيعَ بنَ سليمانَ حدثنا بهذا الحديث عن أسد بن موسى عن سلام بن سليم عن زيد بن أسلم عن معاوية بن قرة عن ابن عمر عن النبي ﷺ فقال: هو سلامٌ الطويلُ، وهو متروكُ الحديثِ، وهو زيدٌ العميُّ، وهو ضعيفُ الحديثِ)) (علل الحديث ١٠٠).
وقال العقيليُّ -عقبه، وقد أسنده أيضًا من حديث أُبيِّ بنِ كعبٍ-: "كلاهما فيهما نظر" (الضعفاء ٢/ ٣٨٧).
стр. 5849
* وتابعه أيضًا محمد بن الفضل بن عطية، كما عند الدارقطني في (السنن ٢٥٨).
ومحمد بن الفضل بن عطية هذا قال عنه الحافظ: "كذَّبُوه" (التقريب ٦٢٢٥).
الوجه الثاني:
أخرجه أحمد في (المسند ٥٧٣٥) -ومن طريقه الدارقطني في (السنن ٢٦٢) -: عن أسود بن عامر، أخبرنا أبو إسرائيل، عن زيدٍ العَمِّيِّ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، به، دون ذكر جملة الذكر بعد الوضوء.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعفِ زيدٍ العميِّ.
* وفيه أيضًا: أبو إسرائيلَ إسماعيلُ بنُ خليفةَ المُلَائيُّ؛ قال عنه الحافظُ: "صدوقٌ سيئُ الحفظِ" (التقريب ٤٤٠).
قال الدارقطنيُّ: "ورواه أبو إسرائيل الملائيُّ عن زيدٍ العَميِّ عن نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ، ووَهِم فيه، والصوابُ قولُ مَن قالَ: عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ" (العلل ٣١٢٤).
وقال الهيثميُّ: "رواه أحمدُ، وفيه: زيدٌ العميُّ وهو ضعيفٌ وقد وُثِّقَ، وبقية رجاله رجال الصحيح" (مجمع الزوائد ١١٧١).
وهذا وهم؛ فما كان أبو إسرائيل من رجال الصحيح، وما روى له صاحبا الصحيح شيئًا قط.
الطريق الثاني: مداره على المسيب بن واضح، وله فيه وجهان:
الوجه الأول:
أخرجه أبو عروبة في (جزء من حديثه -رواية الحاكم ٥٨) -ومن طريقه
стр. 5850
البيهقيُّ في (الكبرى ٣٧٩) - عن المسيب بن واضح، حدثنا حفص بن ميسرة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به، دون ذكر جملة الذكر بعد الوضوء.
وأخرجه الدارقطنيُّ في (سننه)، والبيهقي في (معرفة السنن ٧٠٦) من طريق المسيب بن واضح به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه المسيب بن واضح؛ قال فيه أبو حاتم: "صدوقٌ يُخطئُ كثيرًا، فإذا قيلَ له لم يقبلْ" (الجرح والتعديل ٨/ ٢٩٤)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٩/ ٢٠٤) وقال: "كان يُخطئُ"، وضَعَّفَهُ الدارقطنيُّ وغيرُهُ، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "كان النسائيُّ حسنَ الرأي فيه ويقول: الناس يؤذوننا فيه"، وساقَ ابنُ عَدِيٍّ له عِدَّةَ أحاديث تستنكر، ثم قال: "أرجو أن باقي حديثه مستقيم، وهو ممن يُكتبُ حديثه" انظر (اللسان ٦/ ٤٠).
وقال الدارقطنيُّ -بإثره-: "تفرَّدَ به المسيب بن واضح عن حفص بن ميسرة، والمسيب ضعيفٌ" (السنن ٢٦١)، وكذلك قال البيهقيُّ في (الكبرى ٣٧٩).
وقال في (المعرفة ١/ ٢٩٩): "المسيب بن واضح غير محتج به، وروي من أوجه كلها ضعيف".
ولذا قال أبو محمدٍ الأصيليُّ الحافظُ: "ليسَ هذا بثابتٍ، والمسيب بن واضح ضعيفٌ، ليس يصحُّ عنِ ابنِ عمرَ حديث في الوُضوءِ" (تفسير الموطأ للقنازعي ١/ ١٣٦).
وأما عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ، فقال: "هذا أحسن طرق الحديث" (الأحكام الوسطى ١/ ٣٠).
стр. 5851
لكن تَعَقَّبَهُ الحافظُ بقوله: ((هو كما قال لو كان المسيبُ حفظه، ولكن انقلبَ عليه إسناده. وقال ابنُ أبي حَاتمٍ: المسيبُ صدوقٌ إلا أنه يُخطئُ كثيرًا. وقال البيهقيُّ: غير مُحتجٍّ به، والمحفوظُ رواية معاوية بن قرة عنِ ابنِ عمرَ)) (التلخيص الحبير ١/ ١٤٠).
ولذا ضَعَّفَ ابنُ الجَوزيِّ هذا الطريق في (تحقيق التحقيق ١٥٤).
وقال الحافظُ: "وليسَ فيه إلا المسيب بن واضح، وهو صدوقٌ كثيرُ الخطأِ، ولعلَّه دخلَ عليه حديث في حديث" (الدراية ١/ ٢٥).
قلنا: رواه المسيبُ على وجهٍ آخر، فلعلَّه اختلطَ عليه بهذا الوجه، وأما الوجه الآخر فهو:
الوجه الثاني:
أخرجه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٥/ ١٨٧) من طريق المسيب بن واضح، ثنا سليمان بن عمرو النخعي عن أبي حازم عن ابن عمر به، دون ذكر جملة الذكر بعد الوضوء، وزاد فيه: «وَمَا زَادَ فَهُوَ إِسْرَافٌ، وَهو مِنَ الشَّيْطَانِ».
وهذا إسنادٌ تالفٌ؛ فمع ضَعْفِ المسيب فهو يرويه عن سليمان بن عمرو النخعي؛ وقد قال عنه ابنُ عَدِيٍّ: "اجتمعوا على أنه يضعُ الحديثِ" (الكامل لابن عدي ٥/ ١٩٥).
الطريق الثالث:
أخرجه أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضراب في (فوائده) -كما في (لسان الميزان ٣/ ٥٢١) - قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحارث الفهري، ثنا زكريا الساجي بالبصرة، ثنا عبد الله بن هارون بن أبي علقمة الفروي، ثنا عبد الله بن نافع، ثنا عبد العزيز بن محمد الدرواردي عن عبيد الله بن عمر
стр. 5852
عن نافع عن ابن عمر، به دون ذكر جملة الذكر بعد الوضوء.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه عبد الله بن هارون بن أبي علقمة الفرويُّ؛ قال الحاكمُ أبو أحمد: "منكرُ الحديثِ"، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "له مناكير"، وقال الدارقطنيُّ في (غرائب مالك): "متروكُ الحديثِ" (تهذيب التهذيب ١٢/ ١٧٣). وقال عنه ابنُ حِبَّانَ: "يُخطئُ ويخالفُ" (الثقات ٨/ ٣٦٧)، وقال الحافظُ: "ضعيفٌ" (التقريب ٨٢٦١).
وفيه أيضًا: عبد العزيز بن محمد الدراورديُّ؛ قال عنه النسائيُّ: "حديثُهُ عن عُبيدِ اللهِ العمريِّ منكرٌ" (التقريب ٤١١٩). وهذا من حديثه عن عبيد الله بن عمر العمري.
ولذا قال الحافظُ: "حديثٌ غريبٌ" (لسان الميزان ٣/ ٥٢١).
الطريق الرابع:
أخرجه ابن شاهين في (الترغيب في فضائل الأعمال): عن محمد بن غسان بن جبلة العَتَكي بالبصرة، أنا جميل بن الحسن، أنا النضر بن كثير السعدي، أنا عبد الله بن عَرَادة، عن أبي سنان القسملي، عن عبد الله بن عمر به مختصرًا، دون ذكر جملة الذكر بعد الوضوء.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه خمسُ عللٍ:
الأُولى: عَبْدُ اللهِ بنُ عَرَادَةَ؛ قال عنه البخاريُّ: "منكرُ الحديثِ" (التاريخ الكبير ٥/ ١٦٦).
الثانيةُ: جميلُ بنُ الحسنِ العتكيُّ؛ قال عنه الحافظُ: "صدوقٌ يُخطئُ، أفرطَ فيه عَبدانُ" (التقريب ٩٧٠).
стр. 5853
الثالثة: النضرُ بنُ كثيرٍ السعديُّ؛ قال البخاريُّ وأبو حاتمٍ والدارقطنيُّ: "فيه نظرٌ" (تهذيب الكمال ٦٤٣٣).
الرابعة: أبو سنان القسمليُّ عيسى بن سنان الحنفيُّ؛ قال عنه الحافظُ: "لينُ الحديثِ" (التقريب ٥٢٩٥).
الخامسة: الانقطاعُ؛ فإن أبا سنان القسمليَّ من طبقةِ الذين عاصروا صغار التابعين، فأنَّى له أن يسمعَ عبد الله بن عمر؟ !
الطريق الخامس: رواه عباد بن صهيب على وجهين:
الأول: أخرجه الضياءُ في (المنتقى من مسموعات مرو) من طريق أبي أيوب سليمان بن أحمد بن يحيى بحمص، ثنا أحمد بن الحسين المصري، ثنا عباد بن صهيب، ثنا الخليل بن مُرَّةَ، حدَّثني معاوية بن قرة المزني، عن ابن عمر به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛
- معاوية بن قرة لم يلحقْ عبد الله بن عمر، وقد سبقَ.
- والخليلُ بنُ مُرَّةَ، قال البخاريُّ: "فيه نظرٌ" (التاريخ الكبير ٣/ ١٩٩).
- وعباد بن صهيب، قال ابنُ المدينيِّ: "ذَهَبَ حديثُهُ"، وقال البخاريُّ والنسائيُّ وغيرُهُما: "متروكٌ"، وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان قدريًّا داعيةً، ومع ذلك يَروي أشياء إذا سمعها المبتدئُ في هذه الصناعةِ شَهِدَ لها بالوضعِ"، وقال البخاريُّ في (كتاب الضعفاء الكبير): "تركوه" (ميزان الاعتدال ٢/ ٣٦٧).
ومع ضَعْفِ عباد هذا فقد رواه عن شيخٍ آخرَ، كما عند عبدِ الغنيِّ
стр. 5854
المقدسيِّ في (إيضاح الإشكال) -كما في (البدر المنير ٢/ ١٣٣) - من حديثِ عبادِ بنِ صُهَيبٍ، عن مِسعرِ بنِ كِدامٍ، عن مُعاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن عبد الله بن عمر به
وعلته الانقطاعُ، وضَعْفُ عباد مع اضطرابِهِ فيه: فمَرَّةً يرويه عن الخليلِ، ومَرَّةً عن مِسعرٍ.
خُلَاصةُ ما سبقَ:
بعد استعراضِ طُرُقِ الحديثِ وأسانيدِهِ فإنه لا يتقوى بمجموعِ هذه الطُرُقِ، بل إن كثرة طرقه مما تَزيد في وهائِهِ وضَعْفِهِ.
وقال البيهقيُّ: "رُوي مَن أوجهٍ كلِّها ضعيف" (معرفة السنن والآثار ١/ ٢٩٩).
ولذا قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: "حديثٌ ضعيفٌ لا يجيء من وجهٍ صحيحٍ ولا يُحتجُّ بمثله" (التمهيد ٢٠/ ٢٥٩).
وقال أيضًا: ((وأما قولُهُ في هذا الحديثِ: «مَنْ قَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ -يَعْنِي مِنْ وُضُوئِهِ-: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ... » إلى آخر الحديث فرُوي بأسانيدَ صالحةٍ وإن كانتْ معلولةً من حديثِ عمر وحديث عقبة بن عامر، وهكذا يصنعُ الضعفاء، يخلطون ما يُعرف بما لا يُعرف، والله المستعان)) (التمهيد ٢٠/ ٢٦١).
وقال أيضًا: "هذا كلُّه منكرٌ في الإسنادِ والمتنِ" (التمهيد ٢٠/ ٢٦٠).
وقال أبو محمدٍ الأصيليُّ الحافظُ: "ليسَ يصحُّ عنِ ابنِ عمر حديث في الوضوءِ" (تفسير الموطأ للقنازعي ١/ ١٣٦).
стр. 5855
وقال ابنُ العربيِّ: "هذه الأحاديثُ لم تصحَّ" (أحكام القرآن ٢/ ٧٨).
وقال الحافظُ أبو بكر الحازميُّ: "وقد روُي من أوجهٍ عن غيرِ واحدٍ منَ الصحابةِ، وكلُّها ضعيفةٌ" (البدر المنير ٢/ ١٣٧).
وقال ابنُ الملقنِ: "وهو حديثٌ ضعيفٌ بمرَّةٍ، لا يصحُّ من جميعِ هذه الطرق" (البدر المنير ٢/ ١٣١).
وقال الحافظُ: "وهو حديثٌ ضعيفٌ كما تَقَدَّمَ، لا يصحُّ الاحتجاجُ به لضعْفِهِ" (فتح الباري ١/ ٢٣٦).
وضَعَّفه كذلك: النوويُّ في (المجموع ١/ ٤٩٢ - ٤٩٣)، والمنذريُّ في (الترغيب ٣٠٨)، وابنُ التركماني في (الجوهر النقي ١/ ٨٠)، والزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٢٨ - ٢٩)، وابنُ أبي العِزِّ الحنفيُّ في (التنبيه على مشكلات الهداية ١/ ٢٦٦)، والعراقيُّ في (تخريج الإحياء ١/ ٨٣)، والبوصيريُّ في (مصباح الزجاجة ١/ ٧٢)، والزرقانيُّ في (شرح الموطأ ١/ ٦٥)، والعلامةُ أحمدُ شاكر في (تحقيقه للمسند ٥/ ٢٢٠).
وقال الألباني: "ضعيفٌ جدًّا" (ضعيف سنن ابن ماجه صـ ٣٨).
ولبعضِ مَتْنِهِ شواهد من حديث أُبيِّ بنِ كعبٍ وغيرِهِ، وسيأتي تخريجُها في باب "الوضوء مرة مرة".
واغترَّ بهذه الشواهدِ ابنُ مفلح، فقال: "وقد يحتملُ أن يكونَ هذا المتن حسنًا لكثرةِ طرقه" (الفروع ٢/ ٩٥).
والصوابُ: ما ذَهَبَ إليه الأئمةُ السابقُ ذكرهم، أي أن طرقَهُ كلّها ضعيفةٌ واهيةٌ لا تنهض للتحسين، والله أعلم.
* * *
стр. 5856
١٤٠٠ - حَدِيثُ إِيَاسِ بْنِ هِلَالِ المُزَنِيِّ:
◼ عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاحِدَةً وَاحِدَةً؛ فَقَالَ: «هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاتَهُ إِلَّا بِهِ»، ثُمَّ تَوَضَّأَ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ فَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ»، ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَقَالَ: «هَذَا إِسْبَاغُ الوُضُوءِ، وَهَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ خَلِيلِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا ثُمَّ قَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَتَحَ اللَّهُ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
[الحكم]: ضعيفٌ جدًّا بهذا السياقِ.
[التخريج]: [طس ٦٢٨٨].
[السند]:
أخرجه الطبرانيُّ في (الأوسط): عن محمد بن علي الصائغ المكي، نا بشر بن عبيس بن مرحوم العطار، حدَّثني جَدي، عن عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، عن جده، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: عبد الرحيم بن زيد، وهو متروكٌ، وأبوه زيدٌ ضعيفٌ كما تَقَدَّمَ قريبًا.
وبهما أعلَّه الهيثميُّ فقال: "وعبد الرحيم بن زيد متروكٌ، وأبوه مختلفٌ فيه" (مجمع الزوائد ١٢٣٠).
стр. 5857
وقدِ اضطربَ زيدٌ في إسنادِهِ:
فرواه مَرَّةً عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ عنِ ابنِ عُمرَ كما سبقَ.
ورواه مَرَّةً عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ عن أبيه عن جدِّه كما في هذا الحديثِ.
وقيل عنه غير ذلك كما تَقَدَّمَ.
وأشارَ الطبرانيُّ إلى هذا الاضطرابِ، فقال: ((هكذا روى هذا الحديثَ مرحومُ بنُ عبدِ العزيزِ، عن عبد الرحيم بن زيد، عن أبيه، عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن أبيه، عن جده.
ورواه الحُجَيْنُ، وغيرُهُ، عن عبد الرحيم بن زيد، عن أبيه، عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن ابن عمر.
ورواه عبد الله بن عرادة الشيباني، عن زيد العمي، عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن عبيد بن عمير، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ" (الأوسط ٦٢٨٨).
* * *
стр. 5858
١٤٠١ - حَدِيثٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ؛ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الوُضُوءَيْن».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا بهذا السياقِ، وضَعَّفَهُ: الدارقطنيُّ، وعبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ، وابنُ القطانِ، والنوويُّ، وابنُ الملقنِ، وابنُ حَجرٍ، والألبانيُّ.
وصحَّ متنُ الحديثِ دونَ قولِهِ: «قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ»، ودون التثليث في مسحِ الرأسِ.
[التخريج]: [قط ٣٠٧/ هقخ ١٢٦/ فكر (١/ ٢٤٨)].
[السند]:
أخرجه الدارقطنيُّ -ومن طريقه البيهقيُّ في (الخلافيات)، وابنُ حَجرٍ في (نتائج الأفكار) - قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا شعيب بن محمد الحضرمي أبو محمد، نا الربيع بن سليمان الحضرمي، نا صالح بن عبد الجبار الحضرمي وعبد الحميد بن صُبيح، قالا: نا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه أربعُ عللٍ:
الأُولى: محمد بن عبد الرحمن بن البيلمانيُّ؛ قال عنه أبو حاتم،
стр. 5859
والبخاريُّ، والنسائيُّ: "منكرُ الحديثِ"، وقال الذهبيُّ: "وَاهٍ" (الكاشف ٤٩٨٧)، وقال ابنُ حَجرٍ: "ضعيفٌ، وقد اتَّهمه ابنُ عَدِيٍّ وابنُ حِبَّانَ" (التقريب ٦٠٦٧).
الثانيةُ: أبوه عبد الرحمن بن البيلماني؛ قال عنه الحافظُ: "ضعيفٌ" (التقريب ٣٨١٩).
الثالثةُ: الانقطاعُ؛ فإن عبد الرحمن بن البيلمانيَّ لم يثبتْ له سماعٌ من أحدٍ من الصحابةِ. انظر (تهذيب التهذيب ٦/ ١٥٠).
الرابعةُ: الاضطرابُ؛ فقد رواه ابنُ البيلماني على وجهٍ آخرَ، حيثُ جعله من حديثِ عثمانَ كما سيأتي.
* وفي السندِ أيضًا: صالحُ بنُ عبدِ الجبارِ؛ قال عنه ابنُ القطانِ: "مجهولُ الحالِ" (بيان الوهم والإيهام ١٢٧٦)، وذكره الذهبيُّ في (الميزان) وقال: "أتَى بخبرٍ مُنكرٍ جدًّا" (الميزان ٢/ ٢٩٦)، ونقل الحافظُ عنِ العقيليِّ أنه قال في ترجمةِ ابنِ البيلمانيِّ: "روى عنه صالح بن عبد الجبار مناكير" (اللسان ٣/ ١٧٢).
ولكن صالح متابَع؛ تابعه عبد الحميد بن صبيح؛ قال عنه الذهبي: "لا بأس به" (تاريخ الإسلام ١٨/ ٣٢٣).
والحديثُ ضَعَّفَهُ عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ، فقال: "وفي إسناده البيلماني" (الأحكام الوسطى ١/ ١٦٩).
وتَعقَّبه ابنُ القطانِ بقوله: "لم يزد في تعليله على هذا، وهو منه اعتماد على ما قدَّمَ، ولكنه لم يُقدمْ بيانًا؛ فإن البيلمانيَّ (أبٌ وابنٌ) والحديثُ من روايتهما، وكلاهما ضعيفٌ، وهما محمد بن عبد الرحمن فمحمد بن
стр. 5860
عبد الرحمن وأبوه لا يُحتجُّ بهما" (بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣١٩).
وقال الحافظُ: "قال الدارقطنيُّ: تفرَّد به ابن البيلماني، وهو ضعيفٌ جدًّا، وقد اتفقوا على ضَعْفِهِ، وأشدُّ ما رأيتُ فيه قول ابن عدي: كل ما يرويه ابن البيلماني فالبلاءُ فيه منه. وذكر أنه كان يضعُ الحديثِ وأنه كان يسرقُ الحديثِ وقد رواه مرة أخرى مخالفًا فيه الصحابي" (النتائج ١/ ٢٤٨).
وضَعَّفه أيضًا: النووي في (المجموع ١/ ٤٥٧)، و (الأذكار ٧٥)، وابن الملقن في (البدر المنير ٢/ ١٨٣).
وقال الألبانيُّ -معلقًا على هذا السياق ضمن حديث عثمان الآتي-: "موضوع بجملة التكلم"، انظر (الضعيفة ٦٨١١).
ومتنُ الحديثِ قد صَحَّ من حديثِ عثمانَ وغيرِهِ دونَ قولِهِ: "قبلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ"، ودون التثليث في مسح الرأس، وسيأتي الكلام على رواية التثليث في مسح الرأس مفصلًا بذكر طرقها تحت "باب جامع في صفة الوضوء".
стр. 5861
١٤٠٢ - حَدِيثُ عُثْمَانَ
◼عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ البَيْلَمَانِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁ جَالِسًا بِالمَقَاعِدِ يَتَوَضَّأُ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَقَفَ عَلَى الرَّجُلِ [مُعْتَذِرًا إِلَيْهِ] فَقَالَ: لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ [ثَلَاثًا] ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ [ثَلَاثًا] ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الوُضُوءَيْنِ».
[الحكم]: منكرٌ، وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفهُ المنذريُّ، وعبد الله بن يحيى بن أبي بكر الغساني، وابنُ الملقنِ، والهيثميُّ، والبوصيريُّ، وابنُ حَجرٍ، والسيوطيُّ، وقال الألبانيُّ: "موضوعٌ بجملة التكلم".
[التخريج]:
[عل (مقصد ١٣٩)، (مط ٨٧)، (خيرة ٥٦٣) "واللفظ له"/ طع مختصرًا ٣٨٧/ عد (٩/ ١٨٨) / قط ٣٠٥ "والزيادات له"/ هقخ ١٢٥].
[السند]:
رواه أبو يعلى في (مسنده) قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا محمد بن الحارث، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه به.
ورواه الطبرانيُّ في (الدعاء)، وابن عدي في (الكامل) من طريق عبيد الله
стр. 5862
ابن عمر به مختصرًا.
ورواه الدارقطني في (سننه) -ومن طريقه البيهقي في (الخلافيات) - من طريق الربيع بن سليمان الحضرمي، نا صالح بن عبد الجبار، ثنا ابن البيلماني بنحوه.
ومداره عندهم على محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه خمس علل:
الأولى: محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني؛ ضعيفٌ جدًّا، وقد سبقَ قول الحافظ عنه: "ضعيف، وقد اتَّهمه ابن عدي وابن حبان" (التقريب ٦٠٦٧).
الثانية: أبوه عبد الرحمن بن البيلماني؛ قال عنه الحافظ: "ضعيف" (التقريب ٣٨١٩)، وقد تقدَّم ذكره.
الثالثة: الانقطاع؛ فإن عبد الرحمن بن البيلماني لم يثبتْ له سماع من أحد من الصحابة، كما مَرَّ ذكره.
الرابعة: محمد بن الحارث، وهو ابن زياد الحارثي؛ ضعيفٌ أيضًا، كما قال الحافظ في (التقريب ٥٧٩٧).
وقد ذَكَرَ له ابنُ عديٍّ هذا الحديث وغيره ثم قال: "عامة ما يرويه غير محفوظ".
قلنا: ولكنه متابع.
فقد أخرجه الدارقطني -ومن طريقه (البيهقي في (الخلافيات) - من طريق صالح بن عبد الجبار، حدثنا ابن البيلمانى عن أبيه عن عثمان به.
стр. 5863
وصالح هذا مجهول، ويَروي عن ابن البيلماني مناكير، وقد تقدَّم الكلامُ عليه في الحديث السابق.
وعلى كلٍّ، فتعليق الجناية بابن البيلماني أولى كما قال الألباني في (الضعيفة ١٤/ ٧٠٨).
الخامسة: اضطرابُ محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني في سنده:
فمرةً رواه عن أبيه عنِ ابنِ عمرَ، كما في الحديثِ السابقِ.
ومرةً أُخرى رواه عن أبيه عن عثمان ﵁ كما في هذا الحديث.
قال الألباني: ((ويمكنُ أن يكونَ هذا الاختلاف في الإسنادِ منه أو ممن دونه)) (الضعيفة ١٤/ ٧٠٨).
والحديثُ ضَعَّفَهُ ابنُ الملقنِ في (البدر المنير ٢/ ١٧٧).
وابنُ حَجرٍ في (نتائج الأفكار ١/ ٢٤٨)، والبوصيريُّ في (إتحاف الخيرة ١/ ٣٣٤). والهيثميُّ في (مجمع الزوائد ١/ ٢٣٩).
وقال الغسانيُّ: ((لا يثبتُ؛ ابنُ البيلماني ضعيفٌ)) (تخريج الأحاديث الضعاف ١/ ٢٣).
ولقد تساهلَ المنذريُّ -كما قال الألباني-؛ حيثُ اكتفى بإشارتِهِ فقط إلى ضَعْفِهِ، وذلك بقوله: ((وروي عن عثمان ﵁ ... ))، فذكره، انظر (الترغيب والترهيب ٣٥٢).
وكذلك السيوطي -كما قال الألباني أيضًا-؛ حيثُ اكتفى بقوله: "وضُعِّفَ" (الجامع ٢١٨٨٤).
وأحسنَ الحافظُ، حيثُ قال: "وابنُ البيلماني ضعيفٌ جدًّا، وأبوه ضعيفٌ
стр. 5864
أيضًا" (التلخيص ١/ ٨٤).
وقال الألباني: "موضوعٌ بجملة التكلم"، وقال: "وهذا إسنادٌ وَاهٍ بمرة؛ آفته محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني" (الضعيفة: ح/ ٦٨١١).
وسيأتي الحديثُ عن عثمانَ ﵁ في الباب التالي من طرقٍ صحاح بلفظ آخر دون ذكر التشهد عقب الوضوء، وليس فيه تثليث مسح الرأس، ولا قصة سلام الرجل على عثمان وعدم رده عليه.
كما ثبتَ فضل التشهد عقب الوضوء، دون قوله: "ثم لم يتكلم" من حديث عمر، وقد سبق.
• وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دون قوله: «رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» فلا تصحُّ، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ.
[التخريج]:
[سنن البزار (الإمام ٢/ ٦٦)، (البدر المنير ٢/ ٢٨٧) / الجزء الثاني من انتقاء الدارقطني (البدر المنير ٢/ ٢٨٧)].
[التحقيق]:
لهذا الحديث طريقان:
الأول:
رواه الطبراني في (الأوسط) قال: حدثنا عيسى بن محمد السمسار قال: حدثنا أحمد بن سهل الوراق قال: ثنا مِسْوَر بنُ مُوَرِّع العنبري قال: حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه خمسُ علل:
الأُولى: الانقطاع؛ سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان ﵁؛ قال محمد بن يحيى الذهلي: "سمعتُ الإمامَ أحمدَ -وذكرَ أحاديثَ سالم بن أبي الجعد عن ثوبانَ- فقال: "لم يسمع سالم من ثوبان ولم يلقه، وبينهما معدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح" (تهذيب التهذيب ٣/ ٤٣٢)، وانظر (جامع التحصيل ٢١٨)
стр. 5867
الثانيةُ: مسور بن مورع العنبري؛ لم نجد من ترجمه، وقد تفرَّدَ بهذا عن الأعمش - كما قال الطبراني-، ومثل هذا لا يُقبل تفرده.
وقال الهيثميُّ: ((رواه الطبرانيُّ في (الأوسط، والكبير) باختصار، وقال في (الأوسط): "تفرَّد به مسور بن مورع"، ولم أجد مَن ترجمه)) (مجمع الزوائد ١/ ٢٣٩).
قلنا: قد أوردَ الطبرانيُّ هذا الحديث في ترجمة عيسى بن محمد السمسار من مشايخه ممن اسمه عيسى، وروى له ثلاثة أحاديث عن أحمد بن سهيل الوراق، اثنان منهما عن نعيم بن مورع العنبري عن هشام بن عروة، والثالث وهو حديثنا هذا، فالذي يغلبُ على الظَنِّ أن مسورًا هذا تصحيف من نعيم، والأمرُ محتمل لذلك؛ فإن نعيم بن مورع العنبري تَرَجَمَ له الذهبيُّ في (الميزان ٤/ ٢٧١) وقال: "عن الأعمش"، وساقَ له أحاديث عن هشام بن عروة، مما يدلُّ على أن نُعيمًا يروي عن الأعمش وهشام، ويرجِّح ما ذهبنا إليه من التصحيف" (١).
قلنا: ومع القول بأنه نعيم بن مروع العنبري فيكون إسنادُهُ ضعيفًا جدًّا، فإن نعيمًا هذا "منكر الحديث" كما قال البخاريُّ، وقال النسائيُّ: "ليس بثقة"، وقال ابن حبان: "يروي عن الثقات العجائب، لا يجوز الاحتجاج به بحال فقد قال البخاري: حديثُه غيرُ محفوظٍ إلا عن أبي معشر"، وذكره العقيليُّ في (الضعفاء)، وذكره ابنُ عديٍّ وقال: "يسرق الحديث ... ثم قال: "عامةُ
стр. 5868
ما يرويه غيرُ محفوظٍ"، وقال الحاكمُ وأبو سعيدٍ النقاشُ: "روى عن هشام أحاديث موضوعة، وقال أبو نعيم: روى عن هشامٍ مناكير" (لسان الميزان ٨/ ٢٩٠).
الثالثةُ: الإعلالُ بالوقفِ؛ فمع جهالة المسور بن مورع وتفرُّده بهذا الإسناد على القول بأنه المسور، أو القول بأنه نعيم بن مورع قد خولف فيه أيضًا؛ خالفه عبد الله بن نمير وعبد الله بن داود وهما ثقتان كما عند ابن أبي شيبة في (المصنف ٢٠)، ويحيى بن العلاء عن عبد الرزاق في (مصنفه ٧٣١) فرووه عن الأعمش عن إبراهيم بن المهاجر عن سالم بن أبي الجعد قال: كان علي ... فذكره موقوفًا، وهو أشبه بالصواب.
الرابعةُ: أحمد بن سهيل الوراق، ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات ٨/ ٥١)، بينما قال أبو أحمد الحاكم: "في حديثِهِ بعض المناكير" (لسان الميزان ١/ ٤٨١).
والراوي عنه عيسى بن محمد السمسار، لم نجدْ له ترجمةً.
الخامسةُ: فيه الأعمشُ، وهو مدلسٌ، وقد عنعن، وقد تبيَّن من رواية ابن نمير وعبد الله بن داود الموقوفة أنه أخذه من إبراهيم بن مهاجر ودَلَّسَهُ، وابن مهاجر هذا "لين الحفظ" كما في (التقريب ٢٥٤).
الطريق الثاني:
أخرجه البزارُ في (سننه) كما في (الإمام) عن محمد بن المثنى، عن شجاع بن الوليد، حدثنا أبو سعد، عن أبي سلمة، عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ
стр. 5869
أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
ورواه الطبرانيُّ في (الكبير) -ومن طريقه الشجري في (أماليه)، وابن السني في (عمل اليوم والليلة)، والخطيبُ في (تاريخ بغداد)، وابنُ النجارِ في (الذيل على التاريخ) من طرقٍ عن أبي سعد البقال بسنده بلفظ الرواية الأُولى.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه علتان، وهما: ضَعْفُ وعنعنةُ أبي سعد البقال، واسمه سعيد بن المرزبان؛ قال ابن حجر: "ضعيفٌ مدلسٌ" (التقريب ٢٣٨٩). وقال الهيثمي: ((وفي إسناد (الكبير) أبو سعد البقال، والأكثر على تضعيفه، ووَثَّقَهُ بعضُهم)) (مجمع الزوائد ١/ ٢٣٩).
ومع ضَعْفِهِ هذا فقد تفرَّدَ به عن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
قال الدرقطني: "هذا حديثٌ غريبٌ من حديث (أبي) سلمة بن عبد الرحمن، تفرَّدَ به أبو سعد البقال سعيد بن المرزبان" (البدر المنير ٢/ ٢٨٧).
موسى بن إسحاق أبو محمد الأنصاري بالبصرة قال: حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا يحيى بن (هاشم) (١) حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود به.
وأخرجه الدارقطنيُّ في (سننه)، والبيهقي في (الكبرى)، وأبو نعيم في (تاريخ أصبهان)، وابن شاهين في (الترغيب في فضائل الأعمال)، وأبو بكر الشافعي في (الغيلانيات)، وقوام السنة في (الترغيب والترهيب) من طرقٍ عن يحيى بن هاشم السمسار عن الأعمشِ به.
وهذا إسنادٌ تالفٌ؛ علته: يحيى بن هاشم السمسار؛ قال عنه أبو حاتم الرازيُّ: "كان يكذبُ، وكان لا يَصْدُقُ؛ تُرِكَ حديثُهُ" (الجرح والتعديل ٩/ ١٩٥)، وكَذَّبَهُ ابنُ معين أيضًا، وَرَمَاهُ ابنُ عَديٍّ وابنُ حِبَّانَ وغيرُهُما بوضعِ الحديثِ. انظر (اللسان ٦/ ٢٧٩).
وبه أعلَّه غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العلمِ:
قال ابنُ عَديٍّ: "وحديثُ الأعمشِ قبل هذا عن شقيق عن عبد الله، منكران جميعًا، يرويهما يحيى بن هاشم .... إلى أن قال: "وهو في عِدادِ مَن يضعُ الحديثِ" (الكامل ٧/ ٢٥٢).
وقال الدارقطنيُّ -بعد أن خرَّجَهُ-: "يحيى بن (هاشم) (٢) ضعيفٌ"
стр. 5872
(السنن ١/ ١٢٤).
وقال البيهقيُّ: "وهذا ضعيفٌ، لا أعلمه رواه عن الأعمش غير يحيى بن هاشم. ويحيى بن هاشم متروكُ الحديثِ" (سنن البيهقي الكبرى ١/ ١٣٦).
فتَعَقَّبَهُ الذهبيُّ بقوله: "بل كَذَّابٌ" (المهذب في اختصار السنن الكبرى ١/ ٤٧).
وقال ابنُ دقيق العيد: "ويحيى بن هاشم السمسار أبو زكريا، قال النسائيُّ: متروكُ الحديثِ" (الإمام ٢/ ٦٩).
وقال ابنُ الملقنِ: "يحيى بن هاشم هذا هو ابن كثير بن قيس أبو زكريا السمسار الغساني البغدادي، وهو ضعيفٌ بمرة، قال يحيى: هو دجالُ هذه الأُمةِ. ونَسَبَهُ ابنُ عَديٍّ وابنُ حِبَّانَ إلى وضعِ الحديثِ" (البدر المنير ٢/ ٩٣ - ٩٤).
وضَعَّفَهُ الزيلعيُّ في (نصب الراية ١/ ٧).
وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: "تفرَّدَ به يحيى بن هاشم الكوفيُّ عنِ الأعمشِ، وهو متروكُ الحديثِ، متفقٌ على ضَعْفِهِ" (نتائج الأفكار ١/ ٢٣٤). وضَعَّفه الحافظُ أيضًا في (الدراية ١/ ١٥).
وقال الألبانيُّ: "موضوعٌ بهذا التمامِ" (الضعيفة ٥٦٩١).
قلنا: قد توبع عليه يحيى بن هاشم؛ تابعه محمد بن جابر اليماميُّ كما ستراه في:
الطريق الثاني:
أخرجه أبو الشيخ في الثواب كما في (الإمام ٢/ ٦٩)، و (القول البديع
стр. 5873
صـ ١٧٦) -ومن طريقه أبو موسى المديني كما في (الإمام لابن دقيق لعيد ٢/ ٦٩)، و (القول البديع للسخاوي صـ ١٧٦) - عن محمد بن عبد الرحيم بن شبيب حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا محمد بن جابر عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف محمد بن جابر، وهو اليماميُّ؛ قال الحافظ: "صدوق، ذهبتْ كتبه فساءَ حفظه، وخلَّط كثيرًا وعمي فصَارَ يلقن" (التقريب ٥٧٧٧).
وبه أعلَّه السخاوي فقال: "وفي سَنَدَهُ محمد بنُ جابر، وقد ضَعَّفه غيرُ واحدٍ، وقال البخاريُّ ليس بالقوي، يتكلمون فيه، روى مناكير" (القول البديع صـ ١٧٦).
ومع ضَعْفِهِ فقد تفرَّدَ بذكرِ الصَّلاةِ على النبيِّ ﷺ ولم تأتِ إلا من عنده أو من يشابهه منَ الضعفاءِ؛ لذلك قال أبو موسى المدينيُّ الأصبهانيُّ رحمه الله تعالى: "هذا حديثٌ مشهورٌ، له طرق عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ وعقبةَ بنِ عامرٍ وثوبانَ وأنسٍ ﵁، ليسَ في شيءٍ منها ذكر الصلاة إلا في هذه الروايةِ" (الإمام ٢/ ٦٩).
فعلَّقَ عليه ابنُ دقيق العيد قائلًا: "محمد بنُ جابر اليماميُّ روى عنه جمعٌ منَ الأكابر، وقد تُكلِّمَ فيه" (الإمام ٢/ ٦٩).
الطريق الثالث:
رواه الإسماعيليُّ في (حديث الأعمش كما في الإمام لابن دقيق العيد، ونتائج الأفكار لابن حجر) من حديث سعيد بن عثمان، قال: حدثني عمرو -وهو ابن شمر- عن سليمان، عن شقيق، عن عبد الله بنحوه.
стр. 5874
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، فيه عمرو بن شمر، منكرُ الحديثِ جدًّا كما قال أبو حاتم والبخاري وانظر (لسان الميزان ٦/ ٢١٠).
وبه أعلَّه ابنُ دقيق العيد، فقال: "عمرو بن شمر متروكٌ عندهم" (الإمام ٢/ ٦٩).
وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: "وعمرٌو متروكٌ، متهمٌ بالوضعِ" (نتائج الأفكار ٢/ ٢٥٢).
وجملةُ التشهدِ بعد الوضوءِ وثوابها ثابتةٌ من حديثِ عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب ﵄ كما تقدَّم.
أما زيادةُ الصلاةِ على النبيِّ ﷺ فلا ذكر لها إلا في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
وأما أولُ الحديثِ في التسميةِ على الوضوءِ وفضلها، فلها شواهدُ ضعيفةٌ سيأتي ذكرُها في موضعها من هذا الكتاب.
стр. 5875
١٤٠٥ - حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ
◼ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، كُتِبَ فِي رَقٍّ ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ [ثُمَّ وُضِعَتْ تَحْتَ العَرْشِ] فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
[الحكم]: معلٌّ بالوقفِ، أعلَّه: النسائيُّ، والطبرانيُّ، والدارقطنيُّ، والبيهقيُّ، والحازميُّ، وابنُ الصلاحِ، والصنعانيُّ، والمباركفوريُّ، والهيثميُّ، وابنُ حَجرٍ والألبانيُّ.
ولكن الموقوف له حكم الرفع؛ لأنه لا يقالُ من قبيلِ الرأي والاجتهاد. قاله ابنُ حَجرٍ، وأقرَّهُ المباركفوريُّ، والألبانيُّ. وصَحَّحَهُ مرفوعًا الحاكمُ. وضَعَّفه النوويُّ مرفوعًا وموقوفًا.
[اللغة]:
قال العلامةُ ابنُ الملقنِ: «الطَابِع» المذكور في الحديث: بفتح الباء وكسرها، لغتان فصيحتان، وهو الخَاتمُ، ومعنى طبع: ختم. و «الرق» المذكور فيه مفتوح الراء.
وقوله ﷺ : «فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» معناه: لا يتطرقُ إليه إبطال وإحباط. (البدر المنير ٢/ ٢٩٣).
[التخريج]:
[كن ١٠٠١٩ (واللفظ له) / ك ٢١٠٠/ طس ١٤٥٥/ طع ٣٨٨ - ٣٩٠ (والزيادة له ولغيره) / سي ٨١/ سني ٣١/ شعب ٢٤٩٩/ خط (٨/ ٥٤٤) / هقت ٥٩/ مسد (خيرة ٥٨٢/ ١) / مزكى ٥٥/ ضياء
стр. 5876
(مرو ٣٩٣) / غيب ٢٠٦٩/ مقدص ١١٧/ مكرم ٤٧/ الوضوء لابن منده (مغلطاي ١/ ٣٣٩) / مستغفع (إمام ٢/ ٦٧، والبدر المنير ٢/ ٢٨٩) / فكر (١/ ٢٤٤) / قوارع ٦٥/ الفوائد لأبي بكر الشافعي (السلسلة الصحيحة للألباني ٥/ ٤٣٩) / اليوم والليلة لأبي نعيم (النكت الظراف ٣/ ٤٤٧) / المعمري (النكت الظراف ٣/ ٤٤٧)].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ قدِ اختُلفَ في رفعه ووقفه، والمرفوعُ وَرَدَ مِن عدةِ طُرُقٍ:
الأول: رواه النسائيُّ في (الكبرى، وعمل اليوم والليلة) قال: أخبرنا يحيى بن محمد بن السكن قال: حدثنا يحيى بن كثير أبو غسان قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو هاشم عن أبي مِجْلَز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد به.
وأخرجه الحاكمُ في (المستدرك)، والطبرانيُّ في (الأوسط) وفي (الدعاء ٣٩٠) كلُّهم من طريقِ يحيى بن كثير أبي غسان به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الصحيحِ؛ ولذا قال الحاكمُ: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شَرطِ مُسلمٍ ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبيُّ.
وقال الألبانيُّ: "بل هو على شرطِ الشيخينِ، فإنَّ رجالَهُ كلَّهم ثقاتٌ من رجالهما" (الصحيحة ٢٣٣٣).
بينما ضَعَّفه النوويُّ فقال: ((حديثُ أبي سعيد الذى ذكره المصنفُ رواه النسائيُّ في كتابه (عمل اليوم والليلة) بإسنادٍ غَريبٍ ضعيفٍ، ورواه مرفوعًا وموقوفًا على أبي سعيد. وكلاهما ضعيفُ الإسنادِ" (المجموع ١/ ٤٥٧).
وسبقه ابنُ الصلاحِ بقوله: «رواه النسائيُّ بإسنادٍ ليسَ بالقويِّ» (البدر المنير
стр. 5877
٢/ ٢٩٠).
وقال الحازميُّ: "إسنادُهُ حسنٌ ثابتٌ -أي: الموقوف- وقد رُوِيَ مرفوعًا، ورَفْعُهُ ضعيفٌ" (البدر المنير ٢/ ٢٩٠)
فتَعَقَّبَهُم ابنُ الملقنِ فَقَالَ: ((حكمه على روايةِ الرفعِ -أي: الحازمي- بالضعفِ خطأٌ، وكذلك قول ابن الصلاح فيه: "رواه النسائيُّ بإسنادٍ ليسَ بالقويِّ" ليسَ بجيدٍ منه، وكذلك حُكْمُ النوويِّ في (الأذكار) و (الخلاصة) عليه بالضعفِ لا يُقبلُ، وأغربَ من ذلك قولُهُ في (شرح المهذب): "رواه النسائيُّ في (عمل اليوم والليلة) بإسنادٍ غريبٍ ضعيفٍ، رواه مرفوعًا وموقوفًا (على) أبي سعيد، وكلاهما ضعيف الإسناد". هذا لفظه، وواعجباه! كيف يكون إسنادُهُ غريبًا أو ضعيفًا؟ ! فرجالُهُ أئمةٌ أعلامٌ ثقاتٌ، وهاكَ سبر أحوالهم لنقضي العجب من هذه المقالات، ونثلج إلى قلبك اليقين ... )) (البدر المنير ٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢)، ثم تكلَّمَ على رجالِ إسنادِهِ المرفوع منه والموقوف.
وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: ((فأما المرفوعُ فيمكنُ أن يُضَعَّفَ بالاختلافِ والشذوذِ، وأما الموقوفُ فلا شَكَّ ولا ريبَ في صحتِهِ فإن النسائيَّ قال فيه: حدثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن كثير ثنا شعبة ثنا أبو هاشم. وقال ابنُ أبي شيبةَ: ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبي هاشم الواسطي عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عنه. وهؤلاء من رواة الصحيحين فلا معنى لحكمه عليه بالضعف، والله أعلم)) (التلخيص ١/ ٣٠١).
والموقوفُ هو الذي رجَّحَهُ النسائيُّ، فقال -بعد أن خرَّجه-: "هذا خطأٌ، والصوابُ موقوفٌ، خالفه -يعني: يحيى بنَ كثير- محمدُ بنُ جعفرٍ فوقفه" (السنن الكبرى ١٠٠١٩).
стр. 5878
ثم رواه في (الكبرى ١٠٠٢٠) من طريقِ محمد بن جعفر عن شعبةَ به موقوفًا.
وإسنادُهُ صحيحٌ موقوفًا، وقد توبع محمد بن جعفر على روايته بالوقف:
فرواه الطبرانيُّ في (الدعاء ٣٩١) من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبةَ به موقوفًا.
قال الطبرانيُّ ﵀: "رَفَعه -يعني يحيى بنَ كثير عن شعبةَ- ووقفه الناسُ" (الدعاء ٢/ ٩٧٥)
وقال البيهقيُّ في (شعب الإيمان ٤/ ٢٦٨): "ورواه معاذ بن معاذ، عن شعبة موقوفًا ".
وقال في (الدعوات الكبير ١/ ١١٨): "ورُوي أيضًا عن شعبةَ، عن أبي هاشم هكذا مرفوعًا، والمشهورُ موقوفٌ".
ولذا قال الدارقطنيُّ: "وقيل: عن ربيع بنِ يحيى، عن شعبةَ مرفوعًا. ولم يثبتْ، ورواه غندرٌ، وأصحابُ شعبةَ، عن شعبةَ موقوفًا" (العلل ٥/ ٤٦٤).
وأقرَّ وقفه الصنعانيُّ في (سبل السلام ١/ ٨٠).
وقد توبع شعبة أيضًا على روايته بالوقف، تابعه الثوري:
فقال النسائيُّ بعد أن خرَّجه عن محمد بن جعفر موقوفًا: "وكذلك رواه سفيانُ بنُ سعيدِ بنِ مسروقٍ الثوريُّ".
ثم أخرجه في (الكبرى ١٠٠٢١) من طريقِ ابنِ المباركِ عنِ الثوريِّ عن أبي هاشم به موقوفًا.
وكذلك رواه عبدُ الرزاقِ في (المصنَّفِ) -ومن طريقه الطبراني في
стр. 5879
(الدعاء ٣٩١) - عن الثوريِّ به موقوفًا.
ورواه ابنُ أبي شيبةَ عن وكيعٍ.
والحاكمُ في (المستدرك ٢١٠٠) من طريقِ عبد الرحمن بنِ مهدي.
كلاهما عنِ الثوريِّ عن أبي هاشم به موقوفًا.
وإسنادُهُ صحيحٌ مَوْقُوفٌ، رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ.
لذلك قال الحاكمُ بعدَ ذِكْرِ الروايةِ المرفوعةِ: "ورواه سفيانُ الثوريِّ، عن أبي هاشم فأوقفه" (المستدرك ٢١٠٠)
وقال البيهقيُّ: "وكذلك رواه سفيانُ الثوريُّ، عن أبي هاشم موقوفًا" (شعب الإيمان ٤/ ٢٦٩)
وقد تابعهما أيضًا هشيمُ بنُ بَشيرٍ.
فأخرجه أحمدُ في (العلل ومعرفة الرجال ٢١٥٣) عن هُشيمٍ عن أبي هاشم به موقوفًا.
ورواه حَرْبٌ الكرمَانِيُّ في (مسائله) فقال: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم به موقوفًا.
لكن قال أحمد -بعد أن خرَّجه-: "لم يسمعه هشيم من أبي هاشم" (العلل ومعرفة الرجال ٢١٥٣).
فيتضح من عرض أسانيد رواية الوقف أنها أصحُّ سندًا وأكثرُ عددًا من روايةِ الرفعِ.
ولذا صَحَّحَ النسائيُّ وَقْفَهُ كما تقدَّمَ، وكذلك صَوَّبَ الدارقطنيُّ وَقْفَهُ كما في (العلل ٥/ ٤٦٤).
стр. 5880
وقال الهيثميُّ: ((رواه الطبرانيُّ في (الأوسط) ورجالُهُ رجالُ الصحيحِ، إلا أنَّ النسائيَّ قال بعد تخريجه في (اليوم والليلة): "هذا خطأٌ والصوابُ موقوفًا". ثم رواه من روايةِ الثوريِّ وغندر عن شعبةَ موقوفًا)) (مجمع الزوائد ١٢٣١).
قلنا: أما ما ذكره ابنُ الملقنِ في ترجيحه للمرفوعِ بقولِهِ: ((ولك أن تقولَ: أيُّ دليلٍ على صَوابِ روايةِ الوقفِ وخطأ روايةِ الرفعِ، ورواةُ هذه هم رواة هذه؟ ! والحقُّ -إن شاء الله- الذي لا يتضحُ غيره أن روايةَ الرفعِ (صريحةٌ) صحيحةٌ كما قررناه" (البدر المنير ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣) - فغيرُ مقبولٍ منه وقد علمتَ أن المرفوعَ وإن كان رجاله ثقات غير أن رَاويه -وهو يحيى بن كثير أبو غسان- قد خولف في رفعه من الثقاتِ أصحابِ شعبةَ، بيدَ أنه قدِ اختُلفَ عليه، فقد رواه مسددٌ عنه كما في (إتحاف الخيرة المهرة) فرواه عن شعبةَ به موقوفًا، فيكون بذلك موافقًا لرواية الجماعة على شعبةَ، وتكونُ رواية الوقف أَرْجَحُ؛ وذلك لموافقتها لرواية الجماعة. وثانيًا: لجلالةِ مسدد عمن رواه عن يحيى مرفوعًا.
وقد جاءتْ روايةُ مسددٍ عن شعبةَ كذلك موافقة لما رواه الثوريُّ وهشيمٌ على الوقفِ، فكيف تكون رواية الرفع صحيحة.
نعم، قد توبع يحيى بن كثير على الرفعِ على شعبةَ ولكنها متابعةٌ لا تصحُّ، أخرجها البيهقيُّ في (شعب الإيمان) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو علي الحافظ، حدثنا قاسم بن زكريا، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي البَخْتَرِي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة به.
وعبد الصمد بن عبد الوارث وإن كان ثبتًا في شعبةَ -كما قال علي بن المديني- غير أن الراوي عنه، وهو عبد الرحمن بن أبي البختري هو
стр. 5881
عبد الرحمن بن زبان، أبو علي بن أبي البختري الطائي، ترجمَ له الخطيبُ في (تاريخه ١١/ ٥٥١)، والذهبيُّ في (تاريخه ٥/ ١١٦٧) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، فالظاهرُ جهالة حاله، مع مخالفته لمن رواه عن شعبةَ موقوفًا، وأين كان أصحابُ عبد الصمد الثقات كابنه عبد الوارث حتى يأتي هذا الرجلُ غير المعروف فيُحَدِّثُ عن عبد الصمد عن شعبةَ بذلك؟ !
الطريق الثاني: أخرجه ابنُ السنيِّ في (عمل اليوم والليلة ٣١)، والبيهقيُّ في (الدعوات الكبير ٥٩) كلاهما من طريقين عن المسيب بن واضح ثنا يوسف بن أسباط عن سفيان عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد الخدري به مرفوعًا.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه المسيبُ بنُ وَاضحٍ، قال عنه أبو حاتم: "صدوقٌ، كان يخطئُ كثيرًا، فإذا قيلَ له لم يَقْبَلْ" (الجرح والتعديل ٨/ ٢٩٤).
وفيه أيضًا: يوسفُ بنُ أَسْباطٍ؛ قال عنه البخاريُّ: "قال صدقةُ: دفنَ يوسفُ كُتُبَهُ فكان بعد يقلب عليه فلا يجيء به كما ينبغي" (التاريخ الكبير ٨/ ٣٨٥).
وقد خولف؛ خالفه ابنُ المباركِ ووكيعٌ وابنُ مَهديٍّ، فرووه عن سفيانَ به موقوفًا كما تَقَدَّمَ.
ولا شَكَّ أن قولَ هؤلاءِ هو الصوابُ.
الطريق الثالث: رواه قيسُ بنُ الربيعِ، واختُلِفَ عليه على ثلاثةِ أوجهٍ:
الوجه الأول: أخرجه الطبرانيُّ في (الدعاء ٣٨٨) عن الحضرمي-يعني محمدَ بنَ عبدِ اللهِ- ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ثنا قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
стр. 5882
مرفوعًا به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه:
يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال عنه الحافظُ: "حافظٌ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث" (التقريب ٧٥٩١).
وقد خولف، وهو الوجه الثاني: فرواه مكرم البزاز في (فوائده) قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب: أخبرنا يزيد -يعني ابنَ هارونَ- أخبرنا قيس، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن أبي سعيد الخدري به.
فأَسْقَطَ من سندِهِ قيسُ بنُ عَبَّادٍ، فيكونُ منقطعًا، فإن أبا مجلز لاحق بن حميد يرويه عن قيس بن عباد عن أبي سعيد، إلا أن يكون ثم سقط، فمعظم مَن رَوى الحديثَ يرويه بإثباتِ قيس بن عباد، أو يكون من تخاليطِ قيسِ بنِ الربيعِ فقد كان سيئَ الحفظِ، وقد قال عنه الحافظُ: "صدوقٌ تَغَيَّرَ لما كبر، وأدخلَ عليه ابنُهُ ما ليسَ من حديثِهِ فحَدَّثَ به" (تقريب ٥٥٧٣).
وقد رواه على وجهٍ ثالثٍ وهو:
الطريق الرابع: أخرجه الخطيبُ في (تاريخه) عن الحسن بن أبي بكر قال: أخبرنا عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم البزاز، حدثنا أبو علي الحسين بن بشار الخياط، حدثنا أبو بلال، حدثنا قيس بن أبي سعيد الجزري عن الربيع عن أبي هاشم الرماني عن أبي مِجْلَز السَّدوسي عن قيس بن أبي حازم البجلي عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا به.
وهذا الإسنادُ فيه بعضُ الأخطاءِ كما هو واضحٌ، وهذه الأخطاءُ إما أنها أخطاء مطبعية كما ذَكرَ الشيخُ الألبانيُّ؛ فقال: "وقعَ في سندِهِ بعضُ الأخطاءِ المطبعيةِ" (السلسلة الصحيحة ٢٦٥١)، أو أنه تصحيفٌ أو وهمٌ من الرواةِ
стр. 5883
أو النَّاسخِ، والله أعلم.
قلنا: ومن هذه الأخطاء: ذِكرُ قيس بن أبي سعيد الجزري، بدل قيس بن الربيع. وهذا خطأٌ أو تصحيفٌ، ومما يُقوي كونه قيس بن الربيع: أن منَ الرواةِ عنه أبو بلال الأشعري، ومن شيوخه أبو هاشم الرماني.
فإن كان هو قيس بن الربيع فهو ضعيفٌ كما سبقَ، وخالف الجميع في ذكر قيس بن أبي حازم.
وأما أبو بلال الأشعريُّ فضَعَّفَهُ الدارقطنيُّ انظر (اللسان ٨/ ٢٧ و ٩/ ٣٢).
الطريق الخامس: أخرجه الطبرانيُّ في (الدعاء ٣٨٩) عن محمد بن صالح بن الوليد النَّرْسي، ثنا الحسن بن يحيى الأَرُزِّيُّ، ثنا عمرو بن عاصم الكلابي، ثنا الوليد بن مروان عن أبي هاشم الرماني عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: الوليدُ بنُ مروان، قال عنه أبو حاتم: "مجهولٌ" (الجرح والتعديل ٩/ ١٨).
وقد خالفه الثوريُّ وشعبةُ في وقفِ الحديثِ كما سبقَ.
الطريق السادس: أخرجه أبو إسحاقَ المزكي في (المزكيات) أخبرنا ابن الأزهر، ثنا إسماعيل بن بشر بن منصور، ثنا عيسى بن شعيب، أخبرنا روح بن القاسم عن أبي هاشم به مرفوعًا.
قال الدارقطنيُّ: "غريبٌ عن روح بن القاسم، تفرَّدَ به عيسى بن شعيب" (المزكيات ١/ ١٢٨).
стр. 5884
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ غير ابن الأزهر، وهو أحمد بن محمد بن الأزهر؛
قال ابنُ حِبَّانَ: "كان ممن يتعاطى حفظ الحديث ويجري مع أهل الصناعة فيه، ولا يكادُ يُذْكَرُ له بابٌ إلا وأغربَ فيه عنِ الثقاتِ، ويأتي عنِ الأثباتِ بما لا يتابَعُ عليه، ذاكرتُهُ بأشياءَ كثيرة فأغربَ عليَّ فيها فطالبتُهُ على الانبساط فأخرجَ إليَّ أصول أحاديث".
وقال ابنُ عديٍّ: "حَدَّثَ بمناكيرَ".
وقال الدارقطنيُّ في (غرائب مالك): "الأزهريُّ ضعيفُ الحديثِ" (لسان الميزان ١/ ٥٨٨).
وعيسى بن شعيب بن إبراهيم النحوي قال عنه الحافظ: "صدوقٌ له أوهام" (التقريب ٥٢٩٨).
فهو حسن الحديث ما لم يخالف.
وقد خالفه الثوريُّ -وكفى به- وشعبةُ وهشيمٌ، فرووه عن أبي هاشم به موقوفًا، وهو الصوابُ.
ومما سبقَ يتضحُ لنا أن الراجحَ في الحديثِ وَقْفُهُ، ولكن له حكمُ الرفعِ؛ لأنه لا يُقالُ بالرأيِّ، فمثله له حكمُ الرفعِ.
قال الحافظُ: "إسنادُهُ صحيحٌ وهو موقوفٌ، لكن له حُكمُ المرفوعِ لأن مِثْلَهُ لا يُقالُ بالرأيِّ" (النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٣٨)، وانظر له أيضًا: (نتائج الأفكار ١/ ٢٤٦)، و (النكت الظراف ٣/ ٤٤٧).
وقال المباركفوريُّ: "واختُلِفَ في رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، والمرفوعُ ضعيفٌ، وأما
стр. 5885
الموقوفُ فهو صحيحٌ كما حَقق ذلك الحافظُ في (التلخيص) " (تحفة الأحوذي ١/ ١٥١).
وقال الألبانيُّ: "وخلاصةُ القولِ: أن الحديثَ صحيحٌ؛ لأنه وإن كان الأرجحُ سندًا الوقف، فلا يخفى أنَّ مِثْلَهُ لا يُقالُ بالرأيِّ، فله حكمُ الرفعِ، والله أعلم" (الصحيحة ٦/ ١٥٠).
وقال ﵀ بعد أن صَحَّحَ الحديثَ بمجموعِ طرقه: "والموقوفُ لا يخالفه -أي: المرفوع- لأنه لا يُقالُ بمجردِ الرأيِّ كما تَقَدَّمَ عنِ الحافظِ" (الصحيحة ٥/ ٤٤٠).
وللحديثِ شاهد من حديث عائشةَ ﵂ كما سيأتي، ولكنه ضعيفٌ معلولٌ.