← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 16

ديوان السنة - قسم الطهارة

عدنان العرعور

Полный текст (14 974 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

«وَاعْلَمُوا أَنَّ الأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ»، ثُمَّ قال: «تَحَرَّيْتُ -أَوْ: تَوَخَّيْتُ- لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». وهذا سندٌ ضعيفٌ، وفيه خِلافٌ سيأتي بيانُهُ في التعليقِ على بعضِ رواياتِ الحديثِ. الطريق الخامس: رواه البَزَّارُ (٣٧٧) قال: حدثنا عبد الله بن شَبِيب، قال: نا الوليدُ بنُ عطاءٍ الأَغَرُّ، قال: نا عبد الله بن عبد العزيز، قال: حدثني رَبيعةُ بنُ أبي عبد الرحمنِ، عن سعيد بن المُسَيِّب، قال: تَوَضَّأَ عُثْمَانُ فمَضْمَضَ ثَلَاثًا، واستَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَهُ اليُمْنَى ثَلَاثًا، وَيَدَهُ اليُسْرَى ثَلَاثًا، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ هَكَذَا». قال البَزَّارُ: "وهذا الحديثُ لا نَعلَمُ أحدًا رواه عن ربيعةَ، عن سعيدٍ، عن عُثْمَانَ، إلا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ العزيزِ، ولا رواه عن عبد الله بن عبد العزيزِ إلا الوليدُ بنُ عَطاءٍ، ولم نَسمَعْه إلَّا مِن عبد الله بن شَبِيب". قلنا: وعبدُ الله بنُ عبد العزيز هو اللَّيْثيُّ؛ ضعيفٌ، منكَرُ الحديثِ، وقد اختَلَطَ بأَخَرةٍ (تهذيب التهذيب ٥/ ٣٠٢). الطريق السادس: رواه البَزَّارُ (٤٠٩) من طريق محمدِ بن عبد الله بن أبي مريمَ، قال: دخلتُ على ابنِ دارَةَ في بيتِه، فسَمِعَني وأنا أُمَضْمِضُ، فقال: يا محمدُ، فقلتُ: لبَّيكَ، قال: ألَا أُخبِرُكَ عن وُضوءِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قلتُ: بَلَى، قال: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ وَهُوَ بِالمَقَاعِدِ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا،

стр. 6862

وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وُضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْيَنْظُرْ إِلَى وُضُوئِي هَذَا». قال البَزَّارُ: "وهذا الحديثُ لا نَعلَمُ رواه عنِ ابنِ دارَةَ، إلَّا محمدُ بنُ عبد الله بنِ أبي مريمَ". قلنا: وقد خرَّجَ أحمدُ وغيرُه روايةَ ابنِ دارَةَ هذه، وفيها تثليثُ مسْحِ الرَّأسِ، وسيأتي الكلامُ عليها قريبًا. وجاءَ الحديثُ بلفظِ التَّثليثِ في المَضمَضةِ والاستِنشاقِ مِن طُرُقٍ أخرى، انظرها ضِمْنَ رواياتِ الحديثِ التَّاليةِ. رِوَايَة: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ: • وَفِي رِوَايَةٍ، زَادَ فِي مَتْنِهِ مَسْحَ الأُذُنِ، وَلَفْظُهُ: (( ... وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنِهِ [ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا مَرَّةً وَاحِدَةً] ... )). [الحكم]: صحيحُ المتْنِ بطُرقِه وشواهِدِه، وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ، وفي أسانيدِهِ كلِّها عن عُثْمَانَ مَقالٌ. [التخريج]: [عم ٥٥٤/ عه ٦٧١ (واللفظ له) / بز ٤٣٤ (والزيادة له)، ٤٤٢/ موهب (مُغْلَطاي ١/ ٤٤٤) / عثم (مُغْلَطاي ١/ ٤٤٤) / تجر (صـ ٩٤)].

стр. 6863

[التحقيق]: جاءَ مسْحُ الأُذُنِ في حديثِ عُثْمَانَ ﵁ مِن طُرُقٍ كثيرةٍ، منها: الطريق الأول: رواه أبو عَوَانةَ في (مستخرَجه ٦٧١) قال: حدثنا يَزيدُ بنُ سِنَانٍ والصَّغَانيُّ ويعقوبُ بنُ سُفيانَ ومحمدُ بنُ حَيَّوَيْه، قالوا: حدثنا ابنُ أبي مريمَ قال: أنبا أبو غَسَّانَ، قال: حدثنا زيدُ بنُ أَسْلَمَ، عن حُمرانَ مولى عُثْمَانَ، قال: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بِوَضُوءٍ وَهُوَ عَلَى المَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ ... "، وساقَ الحديثَ في فضلِ الوُضوءِ، قال أبو عَوَانةَ: زادَ يعقوبُ والصَّغَانيُّ: قال حُمْرَانُ: ((رَأَيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا)). ورواه السَّهْميُّ في (تاريخ جُرْجان صـ ٩٤) من طريق أحمدَ بنِ يوسفَ الجُرْجانيِّ، عن عبد الله بن عبد الوهاب (وهو الخُوارِزْميُّ)، حدثنا سعيد بن أبي مريمَ، به مختصرًا. فمَدارُه على ابنِ أبي مريمَ، عن أبي غَسَّانَ -وهو محمدُ بنُ مُطَرِّف-، عن زيدٍ، عن حُمْرانَ، به. وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ، إلا أن زيدَ بنَ أَسْلَمَ، وإنْ أَخرَجَ مسلمٌ روايتَه عن حُمْرانَ، فلم يُعْرَفْ له سماعٌ مِن حُمْرانَ، وبيْن وفاتَيْهِما أَكثَرُ مِن ستِّين عامًا، وقد غَمَزَ البُخاريُّ في سماعِه مِن حُمْرانَ؛ فذَكَره فيمَن روَى عن حُمْرانَ فلم يَذْكُر سماعًا. (التاريخ الكبير ٣/ ٨٠). وهو أيضًا غيرُ مشهورٍ بالرِّوايةِ عن حُمْرانَ، فلم يَروِ عنه إلا هذا الحديث، وقد أَخرجَ أصْلَ الحديثِ مسلمٌ في (صحيحه ٢٢٩)، من طريق زيدِ بنِ

стр. 6864

أَسْلَمَ، وليس فيه صفةُ الوُضوءِ. نعم، ورَدَ تصريحُ زيدِ بنِ أَسْلَمَ بالتحديثِ مِن حُمْرانَ، عند السَّهْميِّ في (تاريخ جُرْجان صـ ٩٤) من طريق أحمدَ بنِ يوسفَ الجُرْجانيِّ، عن عبد الله بنِ عبد الوهاب (وهو الخُوَارِزْميُّ)، حدثنا سعيد بنُ أبي مريمَ به مقتصرًا على ذِكْرِ مسْحِ الرَّأسِ والأُذُنينِ. ولكن هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه عِلَّتان: الأولى: أبو الحسنِ أحمدُ بنُ يوسفَ الجُرْجانيُّ الصَّابونيُّ، لم نجدْ له ترجمةً سوى عند السَّهميِّ في (تاريخ جُرْجان ٥٦) بروايةِ الإسماعيليِّ وابنِ عَدِيٍّ عنه، وذَكَر له هذا الحديث. وذَكَر عن الإسماعيليِّ قولَه فيه: "فقيهٌ، قاضي جُرْجانَ". وقال الإسماعيليُّ أيضًا: "كان مُسْرِفًا على نفْسِه". فكلمةُ الإسماعيليِّ الأخيرةُ إنْ لم تكن جَرْحًا فيه، فهو مجهولُ الحالِ؛ فلا يُحتَجُّ به أيضًا. الثانية: عبدُ الله بن عبد الوهاب وهو الخُوَارِزْميُّ، ذَكَره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٨/ ٣٦٧)، وقال: "ربما أَغرَبَ". وقال أبو نُعَيمٍ الأَصبَهانيُّ: "في حديثِه نَكارةٌ" (تاريخ أصبهان ٩٥٠). وقال الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ: "قد سَكتوا عنه" (تاريخ الإسلام ٦/ ٣٥٢)، ولذا قال المُعَلِّميُّ: "تالِفٌ" (تحقيق الفوائد المجموعة صـ ٢١٧). وقد خالَفَهُ جماعةٌ منَ الثِّقاتِ الأَثباتِ، فروَوْهُ عنِ ابنِ أبي مريمَ به بالعنعنةِ، ليس فيه تصريحٌ بالسماعِ. كما تقدَّمَ عند أبي عَوَانةَ. وقال الألبانيُّ: "إسنادُهُ صحيحٌ على شرطهما، وأصْلُه في مسلمٍ" (صحيح أبي داود ١/ ١٨٣).

стр. 6865

قلنا: لم يُخَرِّجِ البُخاريُّ لزيدِ بنِ أَسْلَمَ عن حُمْرانَ شيئًا. وقد أخرجه مسلمٌ (٢٢٩)، من طريق عبدِ العزيزِ الدَّراوَرْديِّ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ، ولكن ليس فيه صفةُ الوُضوءِ. ورواه عَطاءُ بنُ يَزيدَ اللَّيْثيُّ، عن حُمْرانَ، عن عُثْمَانَ، وليس فيه مَسْحُ الأُذُنينِ. أخرجه البُخاريُّ (١٦٤)، ومسلمٌ (٢٢٦)، كما سبقَ. الطريق الثاني: رواه البَزَّارُ (٤٤٢) عن المُنْذِرِ بنِ الوليدِ الجارُوديِّ، قال: نا أَبي، قال: نا شَدَّادُ بنُ سعيدٍ، عن الجُرَيريِّ، عن حُمْرانَ، عن عُثْمَانَ، به دُونَ الزيادةِ. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه عِلَّتان: الأولى: الجُرَيريُّ كان قدِ اختَلَطَ، ولا يُعرَفُ هل سمِع منه شَدَّادٌ قبْلَ الاختلاطِ أمْ بعده. الثانية: الجُرَيريُّ لا يُعرَفُ هل سمِع مِن حُمْرانَ أمْ لا، والأقربُ أنه لم يَسمَعْ منه؛ إذ بيْن وفاتيْهِما ما يَقْرُب من سبعين عامًا. وشَدَّادُ بنُ سعيدٍ؛ روَى له مسلمٌ في الشواهدِ، ووثَّقَهُ جماعةٌ، وتَكَلَّمَ فيه آخرون (تهذيب التهذيب ٤/ ٣١٦)، وقال الحافظُ: "صدوقٌ يُخطِئُ" (التقريب ٢٧٥٥). وقد سَلَك الجادَّةَ في هذا الحديثِ، وخالَفَه خالدُ بنُ عبد الله الواسِطيُّ في سنده، كما في: الطريق الثالث: رواه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في (زوائده على المسند ٥٥٤) من طريق خالد،

стр. 6866

عن الجُرَيريِّ، عن عُرْوةَ بنِ قَبِيصةَ، عن رجلٍ منَ الأنصارِ، عن أبيه قال: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ فقال: ألَا أُنَبِّئُكُم كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ ... فذَكَر الحديثَ، وقال فيه: "ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ". وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لجهالةِ الرَّجُلِ الأنصاريِّ وأبيه، وأمَّا خالدٌ فثِقةٌ ثَبْتٌ، وقد تُوبِع: فرواه أحمدُ في (المسند ٤٢٩)، وابنُ أبي شَيْبةَ في (المصنَّف ٨٠)، عن يَزيدَ بنِ هارونَ، أنبأنا الجُرَيريُّ، به، إلا أنه لم يَذْكُرْ فيه مَسْحَ الأُذُنيْنِ، وإنما ذَكَرَ أنَّ عُثْمَانَ قال: ((واعْلَمُوا أَنَّ الأُذُنيْنِ مِنَ الرَّأسِ))! ! . ولمَّا ذَكَره الهيثَمِيُّ من هذا الطريقِ قال: "وفيه رَجُلانِ مجهولان" (مجمع الزوائد ١١٩٥). الطريق الرابع: رواه ابنُ وَهْبٍ في (مسنده) -كما في (شرح ابنِ ماجَهْ لمُغْلَطاي ١/ ٤٤٤) -: عن أسامةَ بنِ زيدٍ اللَّيْثيِّ، عن عَطاءٍ بنِ أبي رَباحٍ: أنَّ عُثْمَانَ مَسَحَ على باطِنِ أُذُنيْهِ وظاهِرِهما، وقال: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ. قال مُغْلَطايُ -عَقِبَه-: "وذَكَرَه أيضًا القاضي أحمدُ بنُ عليٍّ في (مسنده)، وهو قِطْعةٌ مِن حديثٍ تقدَّمَ الكلامُ عليه قَبْلُ مِن هذه الطَّريقِ المنقطِعةِ". قلنا: وهو منقطِعٌ؛ عَطاءٌ لم يَسمَعْ من عُثْمَانَ، كما قال أبو زُرْعةَ وأبو حاتمٍ الرَّازيانِ (المراسيل لابن أبي حاتم ٥٦٨ - ٥٧١). الطريق الخامس: رواه البَزَّارُ (٤٣٤)، عن محمد بنِ المُثَنَّى، قال: نا أبو عامِرٍ، قال: نا

стр. 6867

أيُّوبُ بنُ سَيَّارٍ، عنِ ابنِ المُنْكَدِرِ، عن حُمْرانَ، به. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: أيُّوبُ بنُ سَيَّارٍ الزُّهْريُّ؛ قال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيء"، وقال ابنُ المَدِينيِّ: "غيرُ ثقةٍ، لا يُكتَبُ حديثُه"، وَضَعَّفَهُ أبو حاتم، وأبو زُرْعةَ، وقال أبو داودَ: "كان مِنَ الكذَّابين"، وقال النَّسائيُّ: "متروكٌ" (اللسان ١٣٥٦). وقد رواه عُثْمَانُ بنُ حَكِيم، عنِ ابنِ المُنْكَدِرِ، به، بلفظ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ». خرَّجه مسلمٌ وغيرُه، وقد سَبَق. ووَرَدَ مَسْحُ الأُذُنِ في هذا الحديثِ من طُرُقٍ أخرى كما سيأتي، منها: طريقُ عامِرِ بنِ شَقِيقٍ، عن أبي وائل، عن عُثْمَانَ، به. وهو طريقٌ مُختلَفٌ فيه؛ بِناءً على اختِلافِهم في عامرٍ، فَحَسَّنَهُ البُخاريُّ وغيرُه، وَضَعَّفَهُ أحمدُ وغيرُه كما سيأتي عند ذِكْرِ روايتِه. وطريقُ ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عُثْمَانَ، به، وفي سندِهِ مجهولٌ كما سيأتي أيضًا. وهذه الطُّرُقُ كلُّها وإنْ لم تَخْلُ مِن مقالٍ، فلا شك أنَّها تَتعاضَدُ، لا سيَّما وقد ثَبَتَ مَسْحُ الأُذُنِ في أحاديثَ أخرى كما سيأتي في الباب، فإنْ لم يَصِحَّ بطُرُقِه، فهو صحيحٌ بشواهِدِه، والله أعلم.

стр. 6868

رِوَايَة: وَأَمَرَّ بِيَدَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ: • وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ حُمْرَانَ بنِ أَبانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ وَهُوَ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، [حَتَّى مَسَّ أَطْرَافَ العَضُدَيْنِ]، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأَمَرَّ بِيَدَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمَا عَلَى لِحْيَتِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: تَوَضَّأْتُ لَكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، ثُمَّ رَكَعْتُ رَكْعَتَيْنِ كَمَا رَأَيْتُهُ رَكَعَ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ-: ((مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ صَلَاتِهِ بِالأَمْسِ)). [الحكم]: منكَرٌ بهذا السياقِ. [التخريج]: [حم ٤٨٩ (واللفظ له) / قط ٢٧٤ (مختصرًا والزيادة له)]. [السند]: قال أحمدُ: حدثنا يعقوبُ، حدثنا أَبي، عنِ ابنِ إسحاقَ، حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيْميُّ، عن مُعاذِ بنِ عبدِ الرحمنِ التَّيْميِّ، عن حُمْرانَ بنِ أَبانَ، به. وأخرجه الدَّارَقُطنيُّ من طريقِ يعقوبَ (وهو ابنُ إبراهيمَ بنِ سعدٍ)، به. [التحقيق]: هذا إسنادٌ ظاهِرُه الحُسن؛ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ، غيرَ محمدِ بنِ

стр. 6869

إسحاقَ، وهو "صدوقٌ يُدَلِّسُ" (التقريب ٥٧٢٥)، وقد صَرَّحَ بالتَّحديثِ كما هو ظاهِرٌ عند أحمدَ. ولذا حَسَّنَ إسنادَهُ ابنُ حَجَرٍ في (فتح الباري ١/ ٢٩٢)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داودَ ١/ ١٨٣). وقال أحمد شاكر: "إسنادُهُ صحيحٌ" (تحقيق المسند ٤٨٩). وقال الهيثَمِيُّ: "رجالُه مُوَثَّقون" (مجمع الزوائد ١١٦٣). إلا أن هذا المَتْنَ بهذا السياقِ غيرُ محفوظٍ؛ فقد أخرجه البُخاريُّ (٦٤٣٣)، من طريق يحيى بنِ أبي كَثِير، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيْميِّ، عن مُعاذٍ، أنَّ حُمْرَانَ بنَ أَبَانَ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ، بِطَهُورٍ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى المَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَهُوَ فِي هَذَا المَجْلِسِ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الوُضُوءِ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». كذا، ليس فيه صِفَةُ الوُضوءِ كما ذَكَرها ابنُ إسحاقَ، ولا قولُه: (وبَيْنَ صَلَاتِهِ بِالأَمْسِ). ويحيى ثقةٌ ثَبْتٌ؛ فرِوايتُه مُقدَّمةٌ على روايةِ ابنِ إسحاقَ، وممَّا يَشهَدُ لذلك: أن مسلمًا رواه (٢٣٢)، من طريق نافعِ بنِ جُبَيْرٍ، وعبدِ الله بنِ أبي سَلَمةَ: أنَّ مُعاذَ بنَ عبد الرحمن، حدَّثَهما عن حُمْرانَ مولى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، عن عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ أَوْ مَعَ الجَمَاعَةِ أَوْ فِي

стр. 6870

المَسْجِدِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ». وقد تَكلَّم أهْلُ العِلمِ فيما يَنفَردُ به ابنُ إسحاقَ، ولذا قال الذَّهَبيُّ: "ما انفَرَدَ به ففيه نَكارةٌ" (الميزان ٣/ ٤٧٥). وقال أيضًا: "وأمَّا في أحاديثِ الأحكامِ، فيَنحَطُّ حديثُه فيها عن رُتبة الصِّحَّةِ إلى رُتبةِ الحسنِ، إلا فيما شَذَّ فيه، فإنَّه يُعَدُّ مُنكَرًا" (سير أعلام النبلاء ٧/ ٤١). قلنا: وهذا مِن أحاديثِ الأحكامِ، ومما شَذَّ فيه.

стр. 6871

رِوَايَةُ أَبِي عَلْقَمةَ، عَنْ عُثْمَانَ: • وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ عُثْمَانَ [بنِ عَفَّانَ ﵁] ١: أَنَّهُ دَعَا [يَوْمًا] ٢ بِوَضُوءٍ وَعِنْدَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَفْرَغَ بِيَدِهِ اليُمْنَى عَلَى [يَدِهِ] ٣ اليُسْرَى وَغَسَلَهُمَا [إِلَى الكُوعَيْنِ] ٤ ثَلَاثًا، وَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا [ثَلَاثًا] ٥، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فَأَنْقَاهُمَا، ثُمَّ قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الوُضُوءِ [الَّذِي رَأَيْتُمُونِي تَوَضَّأْتُهُ،] ٦ وَقَالَ: «تَوَضَّئُوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي تَوَضَّأْتُ»، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». [ثُمَّ قَالَ: أَكَذَلِكَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: أَكَذَلِكَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: نَعَمْ. حَتَّى اسْتَشْهَدَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَافَقْتُمُونِي عَلَى هَذَا))] ٧. [الحكم]: صحيحٌ لغيرِهِ، وإسنادُهُ لَيِّنٌ. وَلَيَّنَهُ المُنْذِريُّ، وابنُ حَجَرٍ، والعَيْنيُّ. وحسَّنَه الألبانيُّ. [التخريج]: [د ١٠٨ (مختصرًا والزيادة الرابعة له) / بز ٤٤٣ (واللفظ له) / قط ٢٨٣ (وبقية الزيادات له) / مشكل ٣٩٣١، ٣٩٣٢/ هق ٢٢٣]. [السند]: أخرجه أبو داودَ -ومِن طريقه البَيْهَقيُّ-، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ موسَى، أخبرنا عيسى، ثنا عُبيدُ الله -يعني: ابنَ أبي زيادٍ-، عن عبد الله بنِ عُبيدِ بنِ عُمَير، عن أَبي عَلْقَمةَ: أنَّ عُثْمَانَ دَعَا بماءٍ فتَوَضَّأَ ... الحديثَ،

стр. 6872

إلى قولِ عُثْمَانَ: ((مِثْلَ مَا رَأَيْتُمُونِي تَوَضَّأْتُ)). قال أبو داودَ: ((ثُمَّ ساقَ نحوَ حديثِ الزُّهْريِّ وأَتَمَّ)). وروايةُ الزُّهْريِّ سبَقَتْ تحتَ (باب فَضْل الوُضوءِ والصلاةِ عَقِبَه)، وفيها: «غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وعيسى هو ابنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبِيعيُّ، ثقةٌ مأمونٌ، وقد تُوبِع: فرواه البَزَّارُ (٤٤٣)، والدَّارَقُطنيُّ (٢٨٣)، مِن طريق محمد بن بكر البُرْسانيِّ، عن عُبيد الله بنِ أبي زيادٍ القَدَّاحِ، قال: أخبَرَني عبدُ الله بنُ عُبَيد بنِ عُمَير، به. ورواه الطَّحاويُّ في (المُشْكِل ٣٩٣١) من طريق يحيى القَطَّانِ، ثُمَّ (٣٩٣٢) مِن طريق مَكِّيِّ بنِ إبراهيمَ، كِلاهما عن عُبَيد الله القَدَّاحِ، به. فمَدارُه عندَهم على: عُبَيد الله بنِ أبي زيادٍ، به. [التحقيق]: إسنادُهُ لَيِّنٌ؛ رجالُه ثقاتٌ رجالُ الصحيحِ عدا عُبَيدَ اللهِ بنَ أبي زيادٍ القَدَّاحَ، وهو مختلَفٌ فيه؛ قال عنه يحيى القَطَّانُ: " كان وسَطًا، لم يَكُنْ بذاك"، وقال أحمدُ: "صالِحٌ"، وقال في رواية: "ليس به بأسٌ"، وكذا قال ابنُ مَعِينٍ والنَّسائيُّ في رواية عنهما. وَضَعَّفَهُ ابنُ مَعِينٍ في رواية أخرى، وكذلك النَّسائيُّ، وقال أبو حاتم: "ليس بالقويِّ ولا المَتِينِ، هو صالِحُ الحديثِ، يُكتَبُ حديثُه"، وقال الآجُرِّيُّ عن أبي داودَ: "أحاديثُه مَناكِيرُ"، وقال الحاكمُ أبو أحمدَ: "ليس بالقويِّ عندَهم"، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "قد حَدَّثَ عنه الثِّقاتُ، ولم أَرَ في حديثِه شيئًا مُنكَرًا". ووثَّقَهُ العِجْليُّ، والحاكمُ، انظر (تهذيب التهذيب ٧/ ١٥).

стр. 6873

ولخَّصَ حالَه الحافظُ، فقال: "ليس بالقويِّ" (التقريب ٤٢٩٢). ولذا قال المُنْذِريُّ عن الحديثِ: "في إسنادِهِ: عُبَيدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ المَكِّيُّ، وفيه مَقالٌ" (مختصر سنن أبي داودَ ٩٦). وقال ابنُ حَجَرٍ: "فيه ضَعْفٌ" (التلخيص ١/ ١٤٥)، وبمِثْلِهِ قال العَيْنيُّ في (البناية ١/ ٢٤٢). ولكنْ لا بأسَ به في المتابَعاتِ؛ ولذا قال الألبانيُّ: "هذا إسنادٌ حَسَنٌ، رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ رجالُ مسلمٍ؛ غيرَ عُبَيدِ اللهِ بنِ أبي زيادٍ، وهو القَدَّاحُ، أبو الحُصَينِ المَكِّيُّ؛ وهو حَسَنُ الحديثِ إذا لم يُخالِف، وقد وافَقَ في هذا الحديثِ غيرَه منَ الثِّقاتِ" (صحيح أبي داودَ ١/ ١٨٤). وصِفَةُ الوُضوءِ سَبَقَتْ عن عُثْمَانَ ﵁ مِن طُرُقٍ صحيحةٍ، وقولُه: «كَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، له طريقٌ حَسَنٌ عندَ أحمدَ (٤٣٠) وغيرِه، خرَّجْناه تحتَ (باب فَضْل الوُضوءِ والصَّلاةِ عَقِبَه)، وله هناك شواهِدُ صحيحةٌ. * * *

стр. 6874

رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُثْمَانَ: • وَفِي رِوَايَةٍ عنِ ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الوُضُوءِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁ سُئِلَ عَنِ الوُضُوءِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأُتِيَ بِمِيضَأَةٍ فَأَصْغَاهَا عَلَى يَدِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي المَاءِ، فَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ اليُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخَذَ مَاءً فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، فَغَسَلَ بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُونَ عَنِ الوُضُوءِ؟ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. [الحكم]: صحيحُ المتنِ بطُرُقه وشواهِدِه. وإسنادُهُ ضعيفٌ. [اللغة]: ١ - قوله: "فَأُتِيَ بِمِيضَأَةٍ" بكسر الميم، وهي المِطْهَرةُ يُتَوَضَّأُ بها، مِفْعلةٌ مِنَ الوُضُوءِ. ٢ - قوله: "فَأَصْغَاهَا" أي: أمالَها، مِنَ الإصغاءِ، والمعنى: أمالَها حتى سَكَبَ على يدِه الماءَ. ٣ - قوله: "فَغَسَلَ بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُمَا" والمرادُ: بَطْناهُما وظَهْراهُما، ويُطْلَقُ الجَمْعُ على التثنيةِ مجازًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]﴾ أي: قَلْباكُما، وأُطْلِق الغَسلُ على المَسح مجازًا؛ لأن الأُذُنين لا يُغسلان بالإجماع. (شرح سنن أبي داود ١/ ٢٩٠). [الفوائد]: قال العَيْنيُّ: قولُهُ: "ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ" أي: في المِيضأةِ "فَأَخَذَ مَاءً، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ

стр. 6875

وَأُذُنَيْهِ"، وهو حُجَّةٌ لأبي حنيفةَ على أن الأُذُنين يُمْسحان بماءِ الرأسِ. (شرح سنن أبي داود ١/ ٢٩٠). [التخريج]: [د ١٠٧ (واللفظ له) / هق ٢٢٧، ٣٠٣]. [السند]: أخرجه أبو داود -ومِن طريقه البَيْهَقيُّ- قال: حدثنا محمد بن داود الإسكندرانيُّ، ثنا زيادُ بنُ يونسَ، حدثني سعيدُ بنُ زيادٍ المُؤَذِّنُ، عن عُثْمَانَ بنِ عبدِ الرحمن التَّيْميِّ، قال: سُئِلَ ابنُ أبي مُلَيكةَ عنِ الوُضُوءِ، فقال: ... الحديثَ. [التحقيق]: هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه عِلَّتان: الأولى: سعيدُ بنُ زيادٍ المُؤَذِّنُ؛ مجهولُ الحالِ، تَرجَمَ له البُخاريُّ في (التاريخ ٣/ ٤٧٣)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٤/ ٢٢)، وسَكتَا عنه، وذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ١٣٣٤٣)، وقال الحافظُ: "مقبولٌ" (التقريب ٢٣١١). الثانية: الانقطاعُ بين ابنِ أبي مُلَيكةَ، وعُثْمَانَ؛ فقد قال أبو زُرْعةَ في حديثِ ابنِ أبي مُلَيكةَ عن عُثْمَانَ ﵁: "هو مرسَلٌ" (جامع التحصيل ٣٨٠)، وانظر (المراسيل لابن أبي حاتم ٤١٣). وكذا قال الذَّهَبيُّ في (السِّيَر ٥/ ٨٩). فهذا يعني أن روايتَه عنه مُنقطِعةٌ، فكيف يقول هنا: "رَأَيتُ عُثْمَانَ"؟ ! . فإمَّا أن يكون ذلك محفوظًا، وبه يُتعقَّبُ على أبي زُرْعةَ، وإمَّا أن يكون

стр. 6876

ذلك وهَمًا مِن سعيدٍ المُؤَذِّنِ هذا، وهو الأقربُ؛ إذ إن بيْن وفاةِ عُثْمَانَ ﵁ ووفاةِ ابنِ أبي مُلَيكةَ أَكثَرُ مِن ثمانين عامًا، وقد قال الذَّهَبيُّ: "كان مِن أبناءِ الثمانين" (سير أعلام النبلاء ٥/ ٩٠). وهذا يعني أنه وُلِدَ في خلافةِ عليٍّ، أو قَبْلَها، كما قال الذَّهَبيُّ أيضًا في (السِّيَر ٥/ ٨٩). ومما يُؤَيِّدُ ذلك أيضًا أن التِّرْمِذيَّ قال عنِ ابنِ أبي مُلَيكةَ: "لم يُدْرِكْ طلحةَ بنَ عُبيدِ اللهِ" (جامع التحصيل ٣٨٠). وطلحةُ ﵁ قد استُشهدَ بعد وفاةِ عُثْمَانَ ﵁؛ فمِن بابِ أَوْلى أن لا يكونَ ابنُ أبي مُلَيكةَ أَدرَكَ عُثْمَانَ أيضًا. ومع ذلك قال الألبانيُّ: "وهذا إسنادٌ حسَنٌ، رجالُه ثقاتٌ مشهورونَ؛ غيرَ سعيدِ بنِ زيادٍ المُؤَذِّنِ؛ فَوَثَّقَهُ ابنُ حِبَّانَ وحدَه، لكنْ روَى عنه جَمْعٌ منَ الثِّقاتِ؛ وقد تُوبِع عليه" (صحيح أبي داود ١/ ١٨١). قلنا: نعم، يَشهَدُ لحديثِه الرِّواياتُ السابقةُ والآتيةُ.

стр. 6877

رِوَايَةُ شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُثْمَانَ: • وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَضْمَضَ [ثَلَاثًا] ١، وَاسْتَنْشَقَ [ثَلَاثًا] ٢، وَاسْتَنْثَرَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، قَالَ: وَحَسِبْتُهُ قَالَ: وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَخَلَّلَ أَصَابِعَهُ [ثَلَاثًا] ٣، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ، قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (([هَكَذَا] ٤ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ)). [الحكم]: مختلَفٌ فيه؛ فَحَسَّنَهُ: البُخاريُّ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، والشَّوْكانيُّ، والألبانيُّ. وَصَحَّحَهُ: التِّرْمِذيُّ، وابنُ خُزَيْمةَ، وابنُ حِبَّانَ، والدَّارَقُطنيُّ، والحاكمُ، والنَّوَويُّ، وابنُ القَيِّم. وَصَحَّحَهُ بشواهِدِهِ: ابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ حَجَرٍ، والسُّيوطيُّ، والسَّخاويُّ، والمُناويُّ، والمُباركفوريُّ. بيْنما ضَعَّفَهُ: أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، وأبو حاتم الرَّازيُّ، وابنُ حزم، والمُنْذِريُّ، والزَّيْلَعيُّ، والصَّنعانيُّ. [التخريج]: [حم ٤٠٣ (مختصرًا جدًّا) / عب ١٢٥ (واللفظ له) / ش ٦٣ (مختصرًا جدًّا) / خز ١٦٢/ عل (خيرة ٥٧٥، مط ٩٣) (مختصرًا) / مع (تعليقة صـ ٤٤) (والزيادات له ولغيرِهِ) / جا ٧١، ٧٢/ ضيا (١/ ٤٦٩ - ٤٧١/ ٣٤٣ - ٣٤٥) / تخث (السفر الثالث ٤٤١٥، ٤٤١٦) / قط ٢٨٧/ هق ٢٤٨/ هقغ ٩٥/ طوسي ٢٨].

стр. 6878

[التحقيق]: انظره عَقِبَ الروايةِ الثالثة. • وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرَةٍ: عَنْ شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ ﵁ تَوَضَّأَ، فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ [ثَلَاثًا]، وَقَالَ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ». [الحكم]: صحيحُ المتنِ بشواهِدِهِ، وسندُهُ مختلَفٌ فيه كما سبقَ. [التخريج]: [ت ٣٠ (مختصرًا) / جه ٤٣٤/ مي ٧٢٢ (واللفظ له) / حب ١٠٧٦ (والزيادة له) / طس ٦٢٥٣/ طش ٢٤٠٢/ ش ١١٣، ٣٧٦١٣/ علت ١٩ (مختصرًا) / علحا ١٨٠/ حل (٥/ ٢٠٦) / منذ ٣٦٩/ ضيا (١/ ٤٧١/ ٣٤٦) / تد (٢/ ٥٣)]. [التحقيق]: انظره عَقِبَ الروايةِ التالية.

стр. 6879

رواية بذكر: «المسح على الأذنين»: • وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِـ[رَأْسِهِ وَ] أُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَقَالَ: «[هَكَذَا] رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ (يَتَوَضَّأُ)». [الحكم]: مَتْنُه صحيحٌ بطُرُقه وشواهِدِهِ، وسندُهُ مختلَفٌ فيه كما سبقَ. [التخريج]: [عب ٣٤ (١) (واللفظ له) / مي ٧٢٦/ طح (١/ ٣٢/ ١٣٦) (والزيادتان والرواية له)]. [السند]: أخرجه عبد الرَّزَّاقِ (٤٣، ١٢٥) -ومِن طريقه البَيْهَقيُّ (٢٤٨)، والضِّياءُ (٣٤٥) - عن إسرائيلَ، عن عامرِ بنِ شَقِيقٍ، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمةَ، به.

стр. 6880

ورواه التِّرْمِذيُّ وابنُ مَاجَهْ، مِن طريقِ عبدِ الرَّزَّاقِ، به مقتصرًا على تخليل اللحية. ورواه أحمدُ بنُ مَنِيعٍ في (مسنده) -كما في (تعليقة على عِلَل ابن أبي حاتم لابن عبد الهادي صـ ٤٤) -: عن أبي أحمدَ الزُّبَيريِّ، عن إسرائيلَ، عن عامرِ بنِ شَقِيقٍ، عن أبي وائل، به بالزياداتِ المذكورةِ. ورواه ابنُ الجارُودِ، والدَّارَقُطنيُّ (٢٨٧)، والضِّياءُ (٣٤٤)، من طريق عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْديٍّ، عن إسرائيلَ، به. ورواه الباقون -عدا الطَّبَرانيَّ وأبا نُعَيمٍ- مِن طُرُقٍ عن إسرائيلَ به، ومنهم مَن طوَّلَه، ومنهم مَنِ اختَصره. [التحقيق]: هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ سوى عامرِ بنِ شَقِيقٍ؛ فمِن رواةِ أصحابِ السُّننِ سوى النَّسائيِّ، وقد اختَلَفَ أهلُ العلمِ في حالِهِ؛ فقال ابنُ مَعِينٍ: "ضعيفُ الحديثِ"، وقال أبو حاتم: "شيخٌ ليسَ بقويٍّ، وليس من أبي وائل بسبيل" (الجرح والتعديل ٦/ ٣٢٢)، وتَكَلَّمَ أحمدُ فيه بشيءٍ (العلل رواية المروذي ٩٢)، وقال أيضًا: "ليس بثقةٍ" (إكمال تهذيب الكمال ٧/ ١٣٧)، وقال الدَّارَقُطنيُّ: "عامِرٌ هذا ضَعَّفَهُ ابنُ مَعِينٍ" (مَن تَكَلَّمَ فيه الدَّارَقُطنيُّ في كتاب السنن ١٨٢)، وذَكَره ابنُ شاهينَ في (الضُّعفاء ٤٩٦)، وقال ابنُ حزمٍ: "ضعيفٌ" (المحلى ٥/ ١٢٥)، وقال مَرَّةً: "ليس مشهورًا بقُوةِ النَّقلِ" (المحلى ٢/ ٣٦)، وقال الذَّهَبيّ: "لَيِّنٌ" (المجرد في رجال ابن ماجَهْ ٩٢١)، وقال أيضًا: "صدوقٌ ضُعِّفَ" (الكاشف ٢٥٣٢)، وذَكَرَه في (المُغْني ٣٠٠٦)، وقال: "ضَعَّفَهُ ابنُ مَعِينٍ، وقَوَّاهُ غيرُهُ".

стр. 6881

بيْنما قال ابنُ البَرقيِّ: "ليسَ به بأسٌ" (تمييز ثقات المحَدِّثين وضعفائهم ٢٥٥)، وكذا قال النَّسائيُّ (تهذيب التهذيب ٥/ ٦٩)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٧/ ٢٤٩)، وقال الحاكمُ: "ولا أَعلَمُ في عامرِ بنِ شَقِيقٍ طعنًا بوجْهٍ من الوجوهِ" (المستدرك ١/ ١٤٩)، وتَعقَّبَه الذَّهَبيُّ، فقال: "ضَعَّفَهُ ابنُ مَعِينٍ" (التلخيص مع المستدرك ١/ ١٤٩)، وبمِثْلِه تَعقَّبَه أيضًا ابنُ حَجَرٍ في (التلخيص الحبير ١/ ١٤٨). وقال ابنُ المُلَقِّنِ: "صدوقٌ" (البدر المنير ٢/ ١٧٣). ولَخَّصَ ابنُ حَجَرٍ حالَه قائلًا: "لَيِّنُ الحديثِ" (التقريب ٣٠٩٣). بيْنما قال الألبانيُّ: "وَثَّقَه مَن سَبَقَ ذِكْرُهم، ومَن ضَعَّفَهُ لم يُبَيِّنْ سبَبَه، وكفَى بالبُخاريِّ حُجَّةً في توثيقه وتحسينِ حديثِهِ" (صحيح أبي داود ١/ ١٨٧). قلنا: وقد اختَلَفَ أهلُ العلمِ في حديثِهِ هذا، فاعتَمَدَهُ جماعةٌ، مِنهم مَن حَسَّنَهُ، ومِنهم مَن صَحَّحَهُ، وهُم: ١ - البُخاريُّ؛ نَقَل التِّرْمِذيُّ عنه أنه قال: "أَصَحُّ شيءٍ عندي في التخليل حديثُ عُثْمَانَ"، قال التِّرْمِذيُّ: "إنهم يَتكلَّمون في هذا الحديثِ"؟ فقال: "هو حَسَنٌ" (العلل الكبير ١٩). ٢ - التِّرْمِذيُّ؛ قال -بعد أن خرَّجَه مختصرًا-: "هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ" (السنن). ٣ - ابنُ خُزَيْمةَ؛ خرَّجه في صحيحه. ٤ - ابنُ حِبَّانَ؛ خرَّجه في صحيحه مختصرًا. ٥ - الحاكمُ؛ خرَّجه في (المستدرك) بنحوه، وقال: "قد اتَّفَقَ الشيخان على إخراج طُرُقٍ لحديث عُثْمَانَ، ولم يَذْكُرَا في رواياتِهما تخليلَ اللِّحيةِ

стр. 6882

ثَلَاثًا، وهذا إسنادٌ صحيحٌ قد احتَجَّا بجميعِ رُواتِه غيرِ عامرِ بنِ شَقِيقٍ، ولا أَعلَمُ في عامرِ بنِ شَقِيقٍ طعنًا بوجْهٍ من الوجوهِ. وله في تخليلِ اللِّحيةِ شاهِدٌ صحيحٌ عن عَمَّارِ بنِ ياسرٍ، وأنسِ بنِ مالكٍ، وعائشةَ ﵃"اهـ. قلنا: وقد سَبَقَ تعَقُّبُ الذَّهَبيِّ وابنِ حَجَرٍ لقوله في عامرٍ. ٦ - البَيْهَقيُّ؛ حَسَّنَ إسنادَهُ في (الخلافيات ١/ ٣٠٩). ٧ - النَّوَويُّ؛ صَحَّحَهُ في (الخلاصة ١٦٤)، وفي (المجموع ١/ ٣٧٤)، وجَوَّدَ إسنادَهُ في موضعٍ آخَرَ (المجموع ١/ ٤٢٤). ٨ - ابنُ القَيِّمِ؛ ذَكَر تصحيحَ التِّرْمِذيِّ وغيرِه مُقِرًّا لهم، ورَدَّ على ابنِ حَزْمٍ تضعيفَه له كما سيأتي. ٩ - ابنُ المُلَقِّنِ؛ حَسَّنَهُ في (البدر المنير ٢/ ١٨٥)، وجَوَّدَ إسنادَهُ في موضعٍ آخَرَ (البدر المنير ٢/ ٢٢٩). ١٠ - ابنُ حَجَرٍ؛ حيثُ قال: "تَفرَّدَ به عامرُ بنُ شَقِيقٍ، وقد قَوَّاهُ: البُخاريُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ حِبَّانَ. وَليَّنَهُ: ابنُ مَعِينٍ، وأبو حاتمٍ. وحَكَم البُخاريُّ -فيما حكاه التِّرْمِذيُّ في (العِلَلِ) - بأن حديثَه هذا حَسَنٌ، وكذا قال أحمدُ فيما حكاه عنه أبو داودَ: "أَحْسَنُ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ عُثْمَانَ رضي الله تعالى عنه". وَصَحَّحَهُ مُطْلقًا: التِّرْمِذيُّ، والدَّارَقُطنيُّ (١)، وابنُ خُزَيْمةَ، والحاكمُ، وغيرُهم. وذلك لِمَا عَضَّدَه من الشواهدِ ... وبمجموعِ ذلك حَكَموا على أصلِ الحديثِ بالصحةِ، وكلُّ طريقٍ منها بمفردها لا يَبلُغُ درجةَ الصحيحِ، والله أعلم" (النكت ١/ ٤٢١ - ٤٢٢). وانظر أيضًا: (التلخيص

стр. 6883

الحبير ١/ ١٤٨). ١١ - السَّخاويُّ؛ ذَكَره في (فتح المُغيث ١/ ٧٤) كمثالٍ للصحيحِ لغيرِهِ. ١٢ - السُّيوطيُّ؛ رَمَز له بالصحةِ في (الجامع الصغير ٦٦٢٤). ١٣ - المُناويُّ؛ صَحَّحَهُ في (التيسير بشرح الجامع الصغير ٢/ ٢٤٣). ١٣ - الشَّوْكانيُّ؛ حَسَّنَهُ في (السيل الجَرَّار صـ ٥٣). ١٥ - المُباركفوريُّ؛ صَحَّحَهُ في (تحفة الأحوذي ١/ ١٠٧). ١٤ - أحمدُ شاكر؛ صَحَّحَ إسنادَهُ في (تحقيق المسند ٤٠٣). ١٥ - الألبانيُّ، وله فيه قولان مُختلِفان، فقد حَسَّنَ إسنادَهُ في (صحيح أبي داود ١/ ١٨٥)، وقال: "أَقَلُّ أحوالِ حديثِهِ أن يكونَ حَسَنًا إذا لم يَظهَرْ فيه عِلَّةٌ قادحةٌ، ولم يَروِ في هذا الحديثِ شيئًا مُستنكَرًا؛ فكان حُجَّةً" (صحيح أبي داود ١/ ١٨٦). بيْنما نَقَل في (إرواء الغليل ٨/ ٢٢٩) قولَ ابنِ حَجَرٍ في عامرٍ بأنه: "لَيِّنُ الحديثِ"، وأَقَرَّهُ ولم يَتعَقَّبْه، وضَعَّفَ إسنادَ هذا الحديثِ في (تعليقه على صحيح ابن خُزَيْمةَ ١٥١)؛ مِن أجْلِ عامرِ بنِ شَقِيقٍ! ! . هذا، وقد ضَعَّفَهُ جماعةٌ من العلماءِ، منهم: ١ - الإمامُ أحمدُ؛ قال: "تخليلُ اللِّحيةِ قد رُوِيَ فيه أحاديثُ ليس يَثبُتُ منها حديثٌ، وأَحْسَنُ شيءٍ فيه حديثُ شَقِيقٍ عن عُثْمَانَ" (مسائل أحمد رواية أبي داود ١٩٦٥)، (تعليقة على العِلَلِ لابن عبد الهادي صـ ٤٤). ٢ - يحيى بنُ مَعِينٍ؛ قال ابنُ أبي خَيْثَمَةَ: سُئِل يحيى بنُ مَعِينٍ: عن حديثِ إسرائيلَ، عن عامرِ بنِ شَقِيق، عن أبي وائل، عن عُثْمَانَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم

стр. 6884

تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا))؟ قال: "ضعيفٌ" (التاريخ الكبير- السِّفْر الثالث ٤٤١٨). وهذه رواية مُختصَرَةٌ من حديثنا. ٣ - أبو حاتم الرَّازيُّ؛ قال: "لا يَثبُتُ عن النبيِّ ﷺ في تخليلِ اللِّحيةِ حديثٌ" (العلل لابن أبي حاتم ١٠١). ٤ - ابنُ المُنْذِرِ؛ قال: "والأخبارُ التي رُوِيَتْ عن النبيِّ ﷺ أنه خَلَّلَ لِحيتَه قد تُكُلِّمَ في أسانيدِهِا، وأَحْسَنُها حديثُ عُثْمَانَ" (الأوسط ٢/ ٢٩). وقال أيضًا: "ولو ثَبَتَ هذا لم يَدُلَّ على وُجوبِ تخليلِ اللِّحيةِ، بل يكونُ نَدْبًا كسائرِ السُّنَنِ في الوُضوءِ" (الأوسط ٢/ ٣٠). ٥ - ابنُ حَزْمٍ؛ قال: "أمَّا حديثُ عُثْمَانَ فمِن طريقِ إسرائيلَ وليس بالقويِّ، عن عامرِ بنِ شَقِيقٍ وليس مشهورًا بقُوَّةِ النَّقلِ" (المحلى ٢/ ٣٦). وتَعقَّبَه ابنُ القَيِّمِ قائلًا: "وهذا تعليلٌ باطلٌ؛ فإن إسرائيلَ هو ابنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ، احتَجَّ به الشيخان وبَقِيَّةُ السِّتَّةِ، وَوَثَّقَهُ الأئمةُ الكبارُ، وقال فيه أبو حاتم: ثقةٌ مُتقِنٌ، مِن أَتقَنِ أصحابِ أبي إسحاقَ. وَوَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، وأحمدُ وكان يَتعجَّبُ مِن حِفْظِهِ، والذي غَرَّ أبا محمدِ بنَ حَزْمٍ قولُ أحمدَ في رواية ابنِه صالحٍ: إسرائيلُ عن أبي إسحاقَ فيه لِينٌ، سَمِع منه بأَخَرَةٍ. وهذا الحديثُ ليس مِن روايته عن أبي إسحاقَ؛ فلا يحتاجُ إلى جوابٍ. وأمَّا عامرُ بنُ شَقِيقٍ، فقال النَّسائيُّ: ليسَ به بأسٌ. ورُوِيَ عنِ ابنِ مَعِينٍ تضعيفُه. رَوَى له أهلُ السُّننِ الأربعة" (حاشية ابن القَيِّم على سنن أبي داود ١/ ١٦٨). وبنحوه تَعقَّبَه كذلك مُغْلَطايُ في (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤١٥)، وانظر أيضًا (البدر المنير ٢/ ١٩٣).

стр. 6885

٦ - المُنْذِريُّ؛ قال: "في إسنادِهِ: عامرُ بنُ شَقِيقِ بنِ جَمْرةَ، وهو ضعيفٌ" (مختصر سنن أبي داودَ ٩٧). ٧ - الزَّيْلَعيُّ؛ قال: "رَوَى تخليلَ اللِّحيةِ عن النبيِّ ﷺ جماعةٌ من الصحابةِ ... وكلُّها مَدْخولةٌ، وأَمْثَلُها حديثُ عُثْمَانَ" (نصب الراية ١/ ٢٣). ٨ - الصَّنعانيُّ؛ قال: "والأحاديثُ ورَدَتْ بالأمرِ بالتخليلِ، إلا أنها أحاديثُ ما سَلِمَتْ عن الإعلالِ والتضعيفِ" (سبل السلام ١/ ٦٧). ولعلَّ ممَّا يَشهَدُ لقولِ المُضَعِّفينَ، أن عامرَ بنَ شَقِيقٍ قد تَفَرَّد بهذا الحديثِ عن أبي وائل شَقِيقِ بنِ سَلَمةَ، وأبو وائل له أصحابٌ ثقاتٌ حُفَّاظٌ أثباتٌ، كالأعمش، ومنصورِ بن المُعْتَمِر، وعَمرِو بنِ مُرَّةَ، وغيرِهم، فأين كانوا عن هذا الحديثِ، لِيَنفَرِدَ به عامرُ بنُ شَقِيقٍ وهو مُتكلَّمٌ فيه؟ ! . كيف وقد خُولِف في سندِهِ ومَتْنِه؟ فقد رواه أحمدُ (٤٧٨)، والنَّسائيُّ في (الكبرى ٢٢١)، وابنُ ماجَهْ (٢٨٦)، وغيرُهم، مِن طُرُقٍ عن الأَوْزَاعيِّ، عن يحيى بنِ أبي كَثيرٍ، عن محمد بن إبراهيمَ التَّيميِّ، حدَّثَني شَقِيقُ بنُ سلمةَ، عن حُمْرانَ، قال: كَانَ عُثْمَانُ ﵁ قَاعِدًا فِي المَقَاعِدِ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فِي مَقْعَدِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَغْتَرُّوا». وليس في هذه الروايةِ ذِكْرٌ لتخليلِ اللحيةِ ولا غير ذلك من الزياداتِ التي في روايةِ عامرٍ. وفيها أيضًا: أن شَقِيقًا لم يَسمَعْه مِن عُثْمَانَ، إنما أَخَذَه مِن حُمْرانَ. ومحمدُ بنُ إبراهيمَ التَّيميُّ ثقةٌ من رجالِ الشيخينِ، فروايتُه لا شَكَّ مقدَّمةٌ

стр. 6886

على روايةِ عامرٍ، وأمَّا قولُ شَقِيقٍ في روايةِ عامرٍ: (رَأَيتُ عُثْمَانَ) فمِن أوهامِ عامرٍ، إلا أن يكونَ فِعْلُ عُثْمَانَ هذا تَكَرَّر، فسَمِعَه شَقِيقٌ أولًا مِن حُمْرانَ، ثُمَّ رَآهُ بنفْسِه، فحَدَّثَ به تارةً هكذا وتارةً هكذا، والله أعلم. ولكنْ قد يُرجِّحُ قولَ المُحَسِّنينَ والمُصَحِّحينَ أن حديثَهُ هذا ليس فيه ما يُنكَرُ، فما زاده فيه عن رواية الصحيحين له طُرُقٌ وشواهِدُ يَصِحُّ بها، فانظر (باب صفة مسْحِ الأُذُن)، و (باب تخليل اللحية)، و (باب تخليل الأصابع)، وفي مسْحِ الأُذُنِ طُرُقٌ أخرى تَقَدَّمَتْ. ولذا لَمَّا ذَكَر ابنُ المُلَقِّنِ شواهِدَه قال: "فهذا اثنا عشَرَ شاهدًا لحديثِ عُثْمَانَ ﵁، فكيفَ لا يكونُ صحيحًا؟ والأئمَّةُ قد صَحَّحَوه: التِّرْمِذيُّ في (جامعه)، وإمامُ الأئمَّةِ محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خُزَيْمةَ، وأبو حاتم بنُ حِبَّانَ في (صحيحيهما)، والدَّارَقُطنيُّ كما تَقَدَّمَ عنه، والحاكمُ أبو عبد الله في (مستدرَكه)، والشيخ تقيُّ الدِّينِ بنُ الصَّلاحِ. وشَهِدَ له إمامُ هذا الفنِّ أبو عبد اللهِ البُخاريُّ بأنه حديثٌ حَسَنٌ، وبأنه أَصَحُّ حديثٍ في البابِ، فلعلَّ ما نَقَلَه ابنُ أبي حاتم عن أبيه من قوله: ((إنه لا يَثبُتُ عن النبيِّ ﷺ في تخليلِ اللِّحيةِ حديثٌ)، ومن قول الإمامِ أحمدَ حيثُ سأله ابنُه: (لا يَصِحُّ عن النبيِّ ﷺ في تخليلِ اللِّحيةِ شيْءٌ)، أن يكون المرادُ بذلك غيرَ حديثِ عُثْمَانَ" (البدر ٢/ ١٩٢). هذا، وقد وَرَدَ تخليلُ اللِّحيةِ في حديثِ عُثْمَانَ مِن طُرُقٍ أخرى غيرِ طريقِ عامرِ بنِ شَقِيقٍ: * فرواه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٦٢٥٣)، و (مسند الشاميين ٢٤٠٢) عن محمدِ بنِ عليٍّ الصائِغِ، قال: نا محمدُ بنُ معاويةَ النَّيسابوريُّ، قال: نا شُعَيبُ بنُ رُزَيْقٍ، عن عَطاءٍ الخُراسانيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، قال: ((رَأَيْتُ

стр. 6887

عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ)). قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن عَطاءٍ الخُراسانيِّ إلا شُعَيبُ بنُ رُزَيْقٍ". ورواه أبو نُعَيمٍ في (الحلية ٥/ ٢٠٦) من طريقِ أحمدَ بنِ يحيى الحُلْوانيِّ، عن محمدِ بنِ معاويةَ، به. وقال: "غريبٌ مِن حديثِ عَطاءٍ، تفرَّدَ به شُعَيبٌ". قلنا: وهذا إسنادٌ تالِفٌ؛ فيه: محمدُ بنُ معاويةَ النَّيسابوريُّ؛ كذَّبَه ابنُ مَعِينٍ، وأحمدُ، والدَّارَقُطنيُّ، وقال مسلمٌ والنَّسائيُّ: "متروكُ الحديثِ". انظر: (الضُّعفاء للعُقَيليّ ٤/ ١٤٤)، و (تهذيب التهذيب ٩/ ٤٦٤). * ورواه بَقِيَّةُ، عن أبي سُفيانَ الأَنْماريِّ، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن عُثْمَانَ، به (العلل لابن أبي حاتم ١٨٠). قال أبو حاتم الرَّازيُّ: "هذا حديثٌ موضوعٌ، وأبو سُفيانَ الأَنْماريُّ مجهولٌ" (علل الحديث ١/ ٦٨). وذَكَر ابنُ حِبَّانَ الأَنْماريَّ هذا في (المجروحين)، وقال: "شيخٌ يَروي الطاماتِ، لا يجوزُ الاحتِجاجُ به إذا انفرد" (المجروحين ٣/ ١٤٨). * * *

стр. 6888

رِوَايَةُ تَقْدِيمِ غَسْلِ القَدَمَيْنِ عَلَى الوَجْهِ: • وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ، قَالَ: ((رَأَيْتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁ يَتَوَضَّأُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا، وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَغَسَلَ أَنَامِلَهُ، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ كَالَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ)). [الحكم]: منكَرٌ بتقديمِ غَسْلِ القدمينِ على غَسْلِ الوجهِ، ويحتمل أن تكونَ الرِّوايةُ وهَمًا من النساخِ، وسندُهُ مختلَفٌ فيه كما سبقَ. [التخريج]: [خز ١٧٨]. [السند]: قال ابنُ خُزَيْمةَ: حدثنا محمد بن الوليد، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا إسرائيلُ، عن عامر -وهو ابنُ شَقِيقِ بنِ جَمْرَةَ الأَسَديُّ-، عن شَقِيقٍ -وهو ابنُ سَلَمةَ أبو وائل-، قال: رأيتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ... فذَكَره. [التحقيق]: هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ، عدا عامرَ بنَ شَقِيقٍ، وقد سَبَقَ بيانُ اختلافِ النُّقَّادِ فيه وفي حديثِه. ولكنَّ المحفوظَ في هذا الحديثِ من روايةِ ابنِ مَهْدِيٍّ وعبدِ الرَّزَّاقِ وغيرِهما عن إسرائيلَ بتقديمِ غَسْلِ الوجهِ وتخليلِ اللِّحيةِ على غَسْلِ القدمين. وعليه؛ فهذه الروايةُ منكَرةٌ، أو لعلَّها وهَمٌ من الناسخِ أو الطابعِ؛ فقد جاءَ المتنُ في (المصنَّف ١٢٥) من روايةِ عبدِ الرَّزَّاقِ، عن إسرائيلَ،

стр. 6889

وفي (صحيح ابن خُزَيْمةَ ١٥٢) من روايةِ ابنِ مَهْديٍّ، عن إسرائيلَ بلفظ: "وخَلَّلَ لحيتَه حينَ غَسَلَ وَجْهَهُ". وهكذا جاءتْ العِبارةُ في غيرِ ما مصدر، فمِن المحتمل أن تكون كلمةُ "حين" سقطتْ، أو تحرَّفَتْ وأُبدِلَتِ الواوُ مكانَها. أو يقالُ: إن الواوَ لا تقتَضي ترتيبًا. والله أعلم. * * * رِوَايَةٌ بِتَقْدِيمِ غَسْلِ الوَجْهِ عَلَى المَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ: • وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عُثْمَانَ: ((أَنَّهُ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَمَضْمَضَ ثَلَاثًا ... )) الحَدِيثَ، فَقَدَّمَ غَسْلَ الوَجْهِ عَلَى المَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ. [الحكم]: شَاذٌّ بتقديمِ غَسْلِ الوجهِ. وحَكَمَ عليه الحافظُ موسى بنُ هارونَ الحَمَّالُ والدَّارَقُطنيُّ بالوَهَمِ. والمحفوظُ في مَتْنِه البَدءُ بالمضمضةِ والاستنشاقِ قبلَ غَسلِ الوجهِ. [التخريج]: [خز ١٦١ (واللفظ له) / ك ٥٣٤/ بز ٣٩٣/ حميد ٦٢/ قط ٢٨٦]. [السند]: رواه ابنُ خُزَيْمةَ قال: نا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، حدثنا خلَفُ بنُ الوليدِ، حدثنا إسرائيلُ، عن عامرِ بنِ شَقِيقٍ، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمةَ، عن عُثْمَانَ، به.

стр. 6890

ورواه البَزَّارُ من طريقِ وَكِيعٍ، عن إسرائيلَ، به. ورواه عَبْدُ بنُ حُمَيدٍ عنِ ابنِ أبي شَيْبةَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ نُمَيرٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، به. ورواه الدَّارَقُطنيُّ من طريقِ ابنِ أبي شَيْبةَ، حدثنا عبدُ الله بنُ نُمَير، عن إسرائيلَ، به. ورواه الدَّارَقُطنيُّ -أيضًا- من طريقِ مُصْعبِ بنِ المِقْدَامِ، عن إسرائيلَ، به. ورواه الحاكمُ من طريقِ عُبيدِ اللهِ بنِ موسى، وعبدِ الرَّزَّاقِ، قالا: أنبأ إسرائيلُ به. فالروايةُ عندَهم مدارُها على إسرائيلَ، وهو ابنُ يونسَ. قال البَزَّارُ: "وهذا الحديثُ لا نَعْلُمه يُروَى عن عُثْمَانَ إلا من هذا الوجهِ بهذا الإسنادِ". [التحقيق]: هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ عدا عامرَ بن شَقِيقٍ، وقد سَبَقَ بيانُ اختلافِهم فيه وفي حديثِه. هذا، والمحفوظُ عن عامَّةِ أصحاب إسرائيلَ بخلاف ما سبق: * فأمَّا روايةُ خلَفِ بنِ الوليدِ فرواها ابنُ أبي خَيْثَمَةَ في (التاريخ/ السِّفْر الثالث/ ٤٤١٦) بتقديمِ المضمضةِ والاستنشاقِ على الوجهِ. * وأمَّا روايةُ وَكِيعٍ، فأخرجها أحمدُ في (المسند ٤٠٣)، وابنُ أبي شَيْبةَ كما في (المصنَّف ٦٣)، كلاهما عن وَكِيعٍ، مختصرًا بلفظ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ

стр. 6891

صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا)). وجَزَم الدَّارَقُطنيُّ في (العلل) -كما سيأتي- بأنَّ وَكِيعًا رواه على الجادَّةِ بتقديمِ المضمضةِ والاستنشاقِ على غسلِ الوجهِ. وكذا رواه عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، ويحيى بنُ آدمَ، ومالكُ بنُ إسماعيلَ وأبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، وأبو عامرٍ العَقَديُّ، وعبدُ الرزاقِ، كلُّهم عن إسرائيلَ كما سبقَ، وهو الموافقُ لروايةِ الصحيحينِ وغيرِهما مِن طُرُقٍ أخرى عن عُثْمَانَ ﵁. ولذا قال الحافظُ موسى بنُ هارونَ عن هذه الروايةِ الشاذَّةِ: "وفي هذا الحديثِ موضعٌ فيه عندنا وهَمٌ؛ لأن فيه الابتداءَ بغَسلِ الوجهِ قَبْلَ المضمضةِ والاستنشاقِ، وقد رواه عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ عن إسرائيلَ بهذا الإسنادِ فبدأ فيه بالمضمضةِ والاستنشاقِ قَبْلَ غَسلِ الوجهِ، وتابَعه أبو غَسَّانَ مالكُ بنُ إسماعيلَ عن إسرائيلَ، فبدأ فيه بالمضمضةِ والاستنشاقِ قَبْلَ الوجهِ، وهو الصوابُ" (سنن الدَّارَقُطنيِّ ٢٨٦). وهذا ما رَجَّحَهُ الدَّارَقُطنيُّ أيضًا، ولكنه قَصَرَ الوهَمَ فيه على ابنِ نُمَيرٍ، فقال: "وفي هذا الموضعِ وهَمٌ من ابنِ نُمَيرٍ على إسرائيلَ؛ لأن عبدَ الرحمنِ بنَ مَهْديٍّ، وأبا غَسَّانَ، ويحيى بنَ آدمَ، ووَكِيعًا، روَوْهُ عن إسرائيلَ، فذَكَروا فيه المضمضةَ والاستنشاقَ قَبْلَ غَسلِ الوجهِ، وهو الصوابُ، وتقديمُ ابنِ نُمَيرٍ لغَسلِ الوجهِ على المضمضةِ والاستنشاقِ فيه وهَمٌ منه على إسرائيلَ؛ لمخالفةِ الأثباتِ عن إسرائيلَ قولَه" (العلل ٣/ ٣٥). قلنا: لم يَنفَرِدْ به ابنُ نُمَيرٍ؛ فقد تابَعَه جماعةٌ كما رأيتَ، والذين رَوَوُا الحديثَ بذِكْرِ روايةِ تقديمِ الوجه رُوِيَ عنهم أيضًا على الوجهِ الصحيحِ؛

стр. 6892

فالراجحُ شذوذُ تلك الروايةِ، والله أعلم. وقد ذَكَر عبدُ الحقِّ إعلالَ موسى بنِ هارونَ، وأقَرَّه عليه (الأحكام الوسطى ١/ ١٦٩). فتَعقَّبَه ابنُ القَطَّان بأن روايةَ الحديثِ عند الفريقين إنما هي بالواو، قال: "وهي لا تُرَتِّب، ولا يَخرُجُ من هذا تقديمُ مضمضةٍ على غَسلِ وجْهٍ" (بيان الوهم ٢/ ١٩٤، ١٩٥). قلنا: وهذا أَمْرٌ لا يَغيبُ على مثلِ هؤلاء الحُفَّاظِ، ولكن في مثل هذه الحالةِ وهي وَصْفُ الوُضوءِ، وبيانُ هيئتِهِ وكيفيَّتِهِ، فالأصلُ ذِكْرُه مُرتَّبًا، والله أعلم. ولعلَّ ما ذَكَره ابنُ القَطَّان هو السببُ في تصحيحِ ابنِ خُزَيْمةَ له، حيثُ أخرجه في (صحيحه)، وصَحَّحَ إسنادَهُ الحاكمُ في (المستدرك)، وَجَوَّدَ إسنادَهُ ابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ١٧٤). هذا، وقد جاءَ ذِكْرُ الابتداءِ بالوجهِ قبل المضمضةِ في رواية أخرى مِن طريقٍ آخَرَ، كما يلي:

стр. 6893

رِوَايَةٌ أُخْرَى بِتَقْدِيمِ الوَجْهِ قَبْلَ المَضْمَضَةِ: • وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ حُمْرَانَ، قَالَ: ((دَعَا عُثْمَانُ ﵁ بِمَاءٍ وَهُوَ عَلَى المَقَاعِدِ، فَسَكَبَ عَلَى يَمِينِهِ فَغَسَلَهَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مِرَارٍ، وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ... )) الحَدِيثَ، بِنَحْوِ مَا سَبَقَ عَنْ حُمْرَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [الحكم]: شاذٌّ بتقديمِ الوجهِ على المضمضة، والمحفوظُ في الصحيحين وغيرِهما ذِكْرُ المضمضةِ والاستنثارِ أوَّلًا. [اللغة]: (المَقَاعِدُ): دَكاكِينُ ومَواضعُ كانوا يَقْعُدون عليها، وكانت بقُرْبِ المسجدِ. (المفهم ٣/ ١٠٧). [التخريج]: [حم ٤١٨، ٤١٩]. [السند]: رواه أحمدُ (٤١٨)، قال: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيمُ -يعني: ابنَ سعدٍ-، حدثنا ابنُ شِهابٍ، عن عَطاءِ بنِ يَزيدَ، عن حُمْرانَ، به. ثُمَّ قال أحمدُ (٤١٩): حدثنا إبراهيمُ بن نصرٍ التِّرْمِذيُّ، حدثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عنِ ابنِ شِهاب، عن عَطاءِ بنِ يَزيدَ، عن حُمْرانَ مولى عُثْمَانَ، أنه رأى عُثْمَانَ دَعَا بإِنَاءٍ ... فذَكَرَ نحوَه.

стр. 6894

[التحقيق]: الطريقُ الأولُ رجالُه كلُّهم ثقاتٌ من رجالِ الشيخينِ، سوى أبي كامل: المُظَفَّرِ بنِ مُدْرِكٍ، وهو ثقةٌ متقِنٌ. ولكن الحديث قد أخرجه البُخاريُّ (١٥٩) عن عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسيِّ. ومسلمٌ (٢٢٦/ ٤) من طريقِ يعقوبَ بنِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ. وأبو عَوَانةَ (٧٢٢، ٢١٥٠) من طريقِ سُلَيمانَ بنِ داودَ الهاشميِّ. والبَيْهَقيُّ (٢٤٦) من طريقِ محمدِ بنِ عُثْمَانَ بنِ خالد. أربعتُهم عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، به بلفظ: ((فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ .. ))، الحديثَ. فبدأَ بذِكْرِ المضمضةِ قَبْلَ غَسلِ الوجهِ، وهو المحفوظُ، وكذا رواه مَعْمَرٌ، وشُعَيبٌ، ويونسُ، وابنُ جُرَيجٍ عنِ الزُّهْريِّ به كما سبقَ. فدَلَّ ذلكَ على أن روايةَ أبي كامل شاذَّةٌ. فأمَّا متابعةُ إبراهيمَ بنِ نَصْرٍ التِّرْمِذيِّ -كما في السندِ الآخَرِ- فلا يُعتَدُّ بها؛ فإبراهيمُ هذا يُعْرَفُ بابنِ أبي اللَّيْثِ، وهو متروكٌ مُتَّهَمٌ، كذَّبَه ابنُ مَعِينٍ وغيرُهُ، انظر (اللسان ٢٤٩).

стр. 6895

رِوَايَة: مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا: • وَفِي رِوَايَةٍ، بِلَفْظ: (( ... وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ... )). [الحكم]: اختَلَفَ أهلُ العلمِ في هذه الروايةِ على قولين: الأول: أنها روايةٌ شاذَّةٌ، أشار إلى ذلك الإمامُ أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، ونَصَّ على ذلك البَيْهَقيُّ -في أحد قوليه-، وابنُ قُدَامةَ، وشيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ، وابنُ سيِّدِ الناسِ، وابنُ عبدِ الهادِي، والذَّهَبيُّ، وابنُ القَيِّم، وابنُ حَجَرٍ -في أحد قوليه-، والشَّوْكانيُّ. الثاني: أنها زيادةٌ من ثقةٍ يَجِبُ قَبولُها، وذهبَ إلى ذلك: البَيْهَقيُّ -في قولِهِ الآخَرِ-، وابنُ الصَّلاحِ، والنَّوَويُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ حَجَرٍ -في قوله الآخَرِ-، والعَيْنيُّ، والألبانيُّ. والراجح: أنها روايةٌ شاذَّةٌ، والله أعلم. [فائدة]: قال شيخُ الإسلامِ: ((وتَنازَعوا في مَسْحِه ثَلَاثًا: هل يُستحَبُّ؟ فمَذهبُ الجمهورِ أنه لا يُستحَبُّ، كمالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأحمدَ في المشهورِ عنه. وقال الشافعيُّ وأحمدُ -في روايةٍ عنه-: يُستحَبُّ؛ لِمَا في (الصحيحِ) أَنَّه تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وهذا عامٌّ. وفي (سنن أبي داودَ) أنه مَسَحَ برَأْسِهِ ثَلَاثًا؛ ولأنه عُضوٌ من أعضاءِ الوُضوءِ، فسُنَّ فيه الثلاثُ كسائرِ الأعضاءِ. والأولُ أَصَحُّ؛ فإن الأحاديثَ الصحيحةَ عنِ النبيِّ ﷺ تُبَيِّنُ أنه كان يَمسَحُ رَأْسَهُ مرةً واحدةً؛ ولهذا قال أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ: ((أحاديثُ عُثْمَانَ الصِّحاحُ تَدُلُّ على أنه مَسَح مرةً واحدةً)).

стр. 6896

وبهذا يَبْطُلُ ما رواه مِن مَسْحِه ثَلَاثًا؛ فإنه يُبيِّنُ أن الصحيحَ أنه مَسَح رأسَه مرةً، وهذا المُفصَّلُ يَقضي على المُجْمَلِ وهو قولُه: ((تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا))، كما أنه لَمَّا قال: ((إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ))، كان هذا مُجْمَلًا وفَسَّرَه حديثُ ابنِ عُمرَ أنه يقولُ عند الحَيْعَلةِ: ((لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ))؛ فإن الخاصَّ المُفَسَّرَ يَقضي على العامِّ المُجْمَلِ. وأيضًا فإن هذا مَسْحٌ، والمسحُ لا يُسَنُّ فيه التَّكرارُ، كمَسْحِ الخُفِّ، والمسحِ في التَّيَمُّمِ، ومَسْحِ الجَبِيرةِ. وإلحاقُ المسحِ بالمسحِ أَوْلَى مِن إلحاقه بالغَسلِ؛ لأن المسحَ إذا كُرِّرَ كانَ كالغَسلِ)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ١٢٥ - ١٢٦). وقال الحافظُ ابنُ حَجَر: "ومِن أَقوَى الأدلةِ على عدمِ العددِ: الحديثُ المشهورُ الذي صَحَّحَهُ ابنُ خُزيمةَ وغيرُهُ من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ في صفةِ الوُضوءِ، حيثُ قالَ النبيُّ ﷺ بعد أن فَرَغَ: «مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ»، فإنَّ في روايةِ سعيدِ بنِ منصورٍ فيه التصريح بأنه مَسَحَ رأسَه مرةً واحدةً؛ فدَلَّ على أن الزيادةَ في مَسْحِ الرأسِ على المَرَّةِ غيرُ مستحَبَّةٍ، ويُحْمَلُ ما ورد من الأحاديثِ في تثليثِ المسحِ إنْ صَحَّتْ على إرادةِ الاستيعابِ بالمسحِ، لا أنها مَسَحاتٌ مُستقِلَّةٌ لجميعِ الرأسِ؛ جَمْعًا بين هذه الأدلةِ" (الفتح ١/ ٢٩٨). [التخريج]: [د ١٠٦، ١٠٩ (واللفظ له) / حم ٤٣٦/ بز ٤١٨/ قط ٣٠١ - ٣٠٥/ هق ٢٩٥ - ٢٩٨/ هقع ٧١١/ هقغ ٩٥/ هقخ ١١٧ - ١١٩، ١٢٥، ١٢٨، ١٣١/ بغ ٢٢١/ ضيا (١/ ٤٥٤/ ٣٢٨)، (١/ ٤٩٢/ ٣٦٤) / تحقيق ١٣٦/ صحا ٤١٠٤/ تخ (٣/ ٣٩٣) (مختصرًا) / حرب (طهارة

стр. 6897

١٨٠)]. [التحقيق]: لهذه الروايةِ ثمانيةُ طُرُقٍ: الطريق الأول: عن أبي سَلَمةَ، عن حُمْرانَ -مولى عُثْمَانَ-، عن عُثْمَانَ: أخرجه أبو داودَ (١٠٦) -ومِن طريقه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٢٩٥) -، عن محمد بن المُثَنَّى، قال: حدثنا الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ وَرْدَانَ، حدثني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، حدثني حُمْرَانُ، قال: رَأَيتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ ... فذكره. ورواه الضِّياءُ في (المختارة ٣٢٨)، من طريق أبي يَعْلَى، عن محمدِ بنِ المُثَنَّى، به. ورواه البَزَّارُ، عن محمدِ بنِ المُثَنَّى، به (١). وقال: "ولا نَعلَمُ روَى أبو سَلَمةَ عن حُمْرانَ إلا هذا الحديث". ورواه الدَّارَقُطنيُّ (٣٠٣)، من طريقِ يوسفَ بنِ موسى، عن الضَّحَّاكِ بنِ مَخْلَدٍ، به. قلنا: وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ غيرَ عبدِ الرحمنِ بنِ وَرْدانَ؛ فمختلَفٌ فيه، قال عنه يحيى بنُ مَعِينٍ: "صالح"، وقال أبو حاتم: "ما بحديثه بأسٌ" (الجرح والتعديل ٥/ ٢٩٥)، وذَكَره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٥/ ١١٤)، وكذا ذَكَره ابنُ شاهينَ في (الثِّقات ٨١٤)، وابنُ خَلْفونَ في

стр. 6898

(الثِّقات)، كما في (إكمال تهذيب الكمال لمُغْلَطاي ٨/ ٢٤٩). وقال الدَّارَقُطنيُّ: "يُعتبَرُ به" (سؤالات البَرْقانيّ ٢٧٢)، وقال مَرَّةً "صالح" (سؤالات البَرْقانيِّ ٥٨١)، ونَقَل الذَّهَبيُّ في (الميزان ٤٩٩٧)، وكذا ابنُ حَجَرٍ في (التهذيب ٦/ ٢٩٣) عنه أنه قال: "ليس بالقويِّ". ولَخَّص حالَه الحافظُ، فقال: "مقبولٌ" (التقريب ٤٠٣٨)، يعني: إذا تُوبِع، وإلا فلَيِّنٌ. ولَخَّص حالَه الذَّهَبيُّ، فقال: "صدوقٌ" (الكاشف ٣٣٣٨)، وكذلك قالَ ابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ١٧٢)، وهذا يعني أنه حَسَنُ الحديثِ عندَهما. وقال العَيْنيُّ: "فيه مقالٌ" (البناية شرح الهداية ١/ ٢٤٢). قلنا: وعلى أيَّةِ حالٍ فهو ممن لا يُحتمَلُ تفرُّدُه بهذا اللفظِ عن أبي سَلَمةَ. وقد أخرجَ البُخاريُّ (١٦٤)، ومسلمٌ (٢٢٦)، الحديثَ من طريقِ عَطاءِ بنِ يَزيدَ، عن حُمْرانَ، به دون ذِكْرِ العددِ في مَسْحِ الرأس، وكذا رواه غيرُه عن حُمْرانَ كما سبقَ. * ولذا فقد أشارَ أبو داودَ إلى شُذوذِ روايةِ التثليثِ في مَسْحِ الرأسِ؛ لمُخالفتِها لِمَا صَحَّ من رواياتِ الثِّقاتِ عن عُثْمَانَ، فقال: ((أحاديثُ عُثْمَانَ ﵁ الصِّحاحُ كلُّها تَدُلُّ على مَسْحِ الرأسِ أنه مَرَّةً؛ فإنهم ذَكَروا الوُضوءَ ثَلَاثًا وقالوا فيها: وَمَسَحَ رَأْسَهُ، ولم يَذْكُروا عددًا كما ذَكَروا في غيره)) (السنن عَقِبَ رقم ١٠٧). * وقال ابنُ سيِّدِ الناسِ: ((وعبدُ الرحمنِ قال فيه يحيى: "صالح"، وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: "ما به بأسٌ"، وغيرُه مِن رُواتِه مشهورٌ، فلولا مخالفةُ

стр. 6899

عبدِ الرحمنَ الثِّقاتِ في انفرادِهِ بالتَّثليثِ لكانَ صحيحًا أو حَسنًا))، ثُمَّ قالَ: ((والتثليثُ محمولٌ على بيانِ الجوازِ إنْ ثَبَتَ)) (النفح الشذي ١/ ٣٤١). وقد تَعقَّبَه ابنُ المُلَقِّنِ؛ فقال: "لم يَنفَرِدْ بها عبدُ الرحمنِ؛ فقد رواها جماعاتٌ كروايته ... "، ثُمَّ ذَكَر الطرقَ التاليةَ (البدر المنير ٢/ ١٧٣). قلنا: وهذا تَعَقُّبٌ فيه نظرٌ؛ فإن ابنَ سيِّدِ الناسِ إنما قَصَدَ تفرُّدَه عن أبي سَلَمةَ عن حُمْرانَ، مخالِفًا في مَتْنِه ما رواه الثِّقاتُ مِن أصحابِ حُمْرانَ كما سبقَ بيانُه، وأمَّا الطرقُ التي أشارَ إليها ابنُ المُلَقِّنِ فسيأتي بيانُ ما فيها. وقد قوَّى هذا الطريقَ بعضُ أهل العلمِ؛ جَرْيًا منهم على ظاهرِ إسنادِهِ: * فقال ابنُ الصلاح: "حديثٌ حَسَنٌ، وربما ارتَفَعَ مِنَ الحُسنِ إلى الصحةِ بشواهِدِهِ وكثرةِ طُرُقِه" (المجموع شرح المهذب ١/ ٤٣٤). * وحَسَّنَ إسنادَهُ النَّوَويُّ في (المجموع ١/ ٤٣٤). * وَجَوَّدَ إسنادَهُ ابنُ المُلَقِّنِ في (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ١/ ٣٤٥)، وقال في (البدر المنير ٢/ ١٧٢): ((ورُواتُه عن آخِرِهِم ثقاتٌ))، ثُمَّ قال: ((إسنادُ هذا الحديثِ على شرطِ (الصحيحين)، وباقي (الكتب الستة)، إلا ابنَ وَرْدَانَ، فلم يُخَرِّجْ له إلا أبو داودَ وحدَه، وقد وَثَّقَهُ يحيى بنُ مَعِينٍ، والإمامُ أبو حاتم الرَّازيُّ كما تَقَدَّمَ، وهُمَا إمامَا هذا الفنِّ، وسَكَتَ عنه أبو داودَ؛ فهو حَسَنٌ عندَه أو صحيحٌ، وأقَرَّه على ذلك الحافظُ أبو محمدٍ المُنْذِريُّ في (اختصاره للسنن)، ولم يُعَقِبَه بشيءٍ)). قلنا: وفي هذا نظرٌ؛ مِن حيث إن أبا داودَ إنما أشارَ إلى شُذوذِهِ، كما سبقَ. * وصَحَّحَ إسنادَهُ العَيْنيُّ في (عمدة القاري ٣/ ٩)، وقال في (شرح سنن

стр. 6900

أبي داودَ ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩): "قد قلنا: إن الرواةَ إذا اختَلَفوا عنِ الصحابيِّ في قضيةٍ واحدةٍ يُعمَلُ بروايةِ مَن زادَ إذا كان ثقةً، وقد عَمِلنا بالزيادتينِ، الزيادة الواحدة في الرواية التي مَضَت، والزيادة الأخرى في هذه الرواية، وهي قوله: ((وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا))، وبهذه الزيادةِ تمسَّكَتِ الشافعيةُ أن السُّنَّةَ في مَسْحِ الرأسِ: أنْ يُمسَحَ ثَلَاثًا. ولكنْ عندنا هذا محمولٌ على المسح ثَلَاثًا بماءٍ واحدٍ، وهو مشروعٌ عندنا على ما رُوِيَ عن أبي حنيفةَ، صَرَّح بذلك صاحبُ (الهداية) ". * وحَسَّنَ الألبانيُّ إسنادَهُ في (صحيح أبي داود ١/ ١٨٠)، وَصَحَّحَهُ بطُرُقه التي سيأتي بيانُها قريبًا. الطريق الثاني: عن شَقِيق بنِ سَلَمةَ، عن عُثْمَانَ: أخرجه أبو داودَ (١١٠) -ومِن طريقه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١١٧) -، عن هارونَ بنِ عبدِ اللهِ، قال: حدثنا يحيى بنُ آدمَ، حدثنا إسرائيلُ، عن عامرِ بنِ شَقِيقِ بنِ جَمْرةَ، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمةَ، قال: رَأَيتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ غَسَلَ ذِراعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ... الحديثَ. وأخرجه الدَّارَقُطنيُّ (٣٠٢)، من طريقِ هارونَ بنِ عبدِ اللهِ، به. وهذا إسنادٌ رجالُه ثقات رجالُ الصحيحِ عدا عامرَ بنَ شَقِيقٍ، وقد سَبَقَ بيانُ حاله قريبًا. وتُوبِع عليه يحيى بنُ آدمَ: فرواه البَيْهَقيُّ في (السنن الكبرى ٢٩٧)، و (الصغرى ٩٥)، و (المعرفة ٧١١)، و (الخلافيات ١١٨)، من طريق أبي غَسَّانَ مالِكِ بنِ إسماعيلَ، أنا إسرائيلُ، عن عامرٍ، به.
следующие страницы →