وبهذا يَبْطُلُ ما رواه مِن مَسْحِه ثَلَاثًا؛ فإنه يُبيِّنُ أن الصحيحَ أنه مَسَح رأسَه مرةً، وهذا المُفصَّلُ يَقضي على المُجْمَلِ وهو قولُه: ((تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا))، كما أنه لَمَّا قال: ((إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ))، كان هذا مُجْمَلًا وفَسَّرَه حديثُ ابنِ عُمرَ أنه يقولُ عند الحَيْعَلةِ: ((لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ))؛ فإن الخاصَّ المُفَسَّرَ يَقضي على العامِّ المُجْمَلِ.
وأيضًا فإن هذا مَسْحٌ، والمسحُ لا يُسَنُّ فيه التَّكرارُ، كمَسْحِ الخُفِّ، والمسحِ في التَّيَمُّمِ، ومَسْحِ الجَبِيرةِ. وإلحاقُ المسحِ بالمسحِ أَوْلَى مِن إلحاقه بالغَسلِ؛ لأن المسحَ إذا كُرِّرَ كانَ كالغَسلِ)) (مجموع الفتاوى ٢١/ ١٢٥ - ١٢٦).
وقال الحافظُ ابنُ حَجَر: "ومِن أَقوَى الأدلةِ على عدمِ العددِ: الحديثُ المشهورُ الذي صَحَّحَهُ ابنُ خُزيمةَ وغيرُهُ من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ في صفةِ الوُضوءِ، حيثُ قالَ النبيُّ ﷺ بعد أن فَرَغَ: «مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ»، فإنَّ في روايةِ سعيدِ بنِ منصورٍ فيه التصريح بأنه مَسَحَ رأسَه مرةً واحدةً؛ فدَلَّ على أن الزيادةَ في مَسْحِ الرأسِ على المَرَّةِ غيرُ مستحَبَّةٍ، ويُحْمَلُ ما ورد من الأحاديثِ في تثليثِ المسحِ إنْ صَحَّتْ على إرادةِ الاستيعابِ بالمسحِ، لا أنها مَسَحاتٌ مُستقِلَّةٌ لجميعِ الرأسِ؛ جَمْعًا بين هذه الأدلةِ" (الفتح ١/ ٢٩٨).
[التخريج]:
[د ١٠٦، ١٠٩ (واللفظ له) / حم ٤٣٦/ بز ٤١٨/ قط ٣٠١ - ٣٠٥/ هق ٢٩٥ - ٢٩٨/ هقع ٧١١/ هقغ ٩٥/ هقخ ١١٧ - ١١٩، ١٢٥، ١٢٨، ١٣١/ بغ ٢٢١/ ضيا (١/ ٤٥٤/ ٣٢٨)، (١/ ٤٩٢/ ٣٦٤) / تحقيق ١٣٦/ صحا ٤١٠٤/ تخ (٣/ ٣٩٣) (مختصرًا) / حرب (طهارة
стр. 6897
١٨٠)].
[التحقيق]:
لهذه الروايةِ ثمانيةُ طُرُقٍ:
الطريق الأول: عن أبي سَلَمةَ، عن حُمْرانَ -مولى عُثْمَانَ-، عن عُثْمَانَ:
أخرجه أبو داودَ (١٠٦) -ومِن طريقه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٢٩٥) -، عن محمد بن المُثَنَّى، قال: حدثنا الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ وَرْدَانَ، حدثني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، حدثني حُمْرَانُ، قال: رَأَيتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ ... فذكره.
ورواه الضِّياءُ في (المختارة ٣٢٨)، من طريق أبي يَعْلَى، عن محمدِ بنِ المُثَنَّى، به.
ورواه البَزَّارُ، عن محمدِ بنِ المُثَنَّى، به (١).
وقال: "ولا نَعلَمُ روَى أبو سَلَمةَ عن حُمْرانَ إلا هذا الحديث".
ورواه الدَّارَقُطنيُّ (٣٠٣)، من طريقِ يوسفَ بنِ موسى، عن الضَّحَّاكِ بنِ مَخْلَدٍ، به.
قلنا: وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ غيرَ عبدِ الرحمنِ بنِ وَرْدانَ؛ فمختلَفٌ فيه، قال عنه يحيى بنُ مَعِينٍ: "صالح"، وقال أبو حاتم: "ما بحديثه بأسٌ" (الجرح والتعديل ٥/ ٢٩٥)، وذَكَره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٥/ ١١٤)، وكذا ذَكَره ابنُ شاهينَ في (الثِّقات ٨١٤)، وابنُ خَلْفونَ في
стр. 6898
(الثِّقات)، كما في (إكمال تهذيب الكمال لمُغْلَطاي ٨/ ٢٤٩).
وقال الدَّارَقُطنيُّ: "يُعتبَرُ به" (سؤالات البَرْقانيّ ٢٧٢)، وقال مَرَّةً "صالح" (سؤالات البَرْقانيِّ ٥٨١)، ونَقَل الذَّهَبيُّ في (الميزان ٤٩٩٧)، وكذا ابنُ حَجَرٍ في (التهذيب ٦/ ٢٩٣) عنه أنه قال: "ليس بالقويِّ". ولَخَّص حالَه الحافظُ، فقال: "مقبولٌ" (التقريب ٤٠٣٨)، يعني: إذا تُوبِع، وإلا فلَيِّنٌ.
ولَخَّص حالَه الذَّهَبيُّ، فقال: "صدوقٌ" (الكاشف ٣٣٣٨)، وكذلك قالَ ابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ١٧٢)، وهذا يعني أنه حَسَنُ الحديثِ عندَهما.
وقال العَيْنيُّ: "فيه مقالٌ" (البناية شرح الهداية ١/ ٢٤٢).
قلنا: وعلى أيَّةِ حالٍ فهو ممن لا يُحتمَلُ تفرُّدُه بهذا اللفظِ عن أبي سَلَمةَ.
وقد أخرجَ البُخاريُّ (١٦٤)، ومسلمٌ (٢٢٦)، الحديثَ من طريقِ عَطاءِ بنِ يَزيدَ، عن حُمْرانَ، به دون ذِكْرِ العددِ في مَسْحِ الرأس، وكذا رواه غيرُه عن حُمْرانَ كما سبقَ.
* ولذا فقد أشارَ أبو داودَ إلى شُذوذِ روايةِ التثليثِ في مَسْحِ الرأسِ؛ لمُخالفتِها لِمَا صَحَّ من رواياتِ الثِّقاتِ عن عُثْمَانَ، فقال: ((أحاديثُ عُثْمَانَ ﵁ الصِّحاحُ كلُّها تَدُلُّ على مَسْحِ الرأسِ أنه مَرَّةً؛ فإنهم ذَكَروا الوُضوءَ ثَلَاثًا وقالوا فيها: وَمَسَحَ رَأْسَهُ، ولم يَذْكُروا عددًا كما ذَكَروا في غيره)) (السنن عَقِبَ رقم ١٠٧).
* وقال ابنُ سيِّدِ الناسِ: ((وعبدُ الرحمنِ قال فيه يحيى: "صالح"، وقال أبو حاتم الرَّازيُّ: "ما به بأسٌ"، وغيرُه مِن رُواتِه مشهورٌ، فلولا مخالفةُ
стр. 6899
عبدِ الرحمنَ الثِّقاتِ في انفرادِهِ بالتَّثليثِ لكانَ صحيحًا أو حَسنًا))، ثُمَّ قالَ: ((والتثليثُ محمولٌ على بيانِ الجوازِ إنْ ثَبَتَ)) (النفح الشذي ١/ ٣٤١).
وقد تَعقَّبَه ابنُ المُلَقِّنِ؛ فقال: "لم يَنفَرِدْ بها عبدُ الرحمنِ؛ فقد رواها جماعاتٌ كروايته ... "، ثُمَّ ذَكَر الطرقَ التاليةَ (البدر المنير ٢/ ١٧٣).
قلنا: وهذا تَعَقُّبٌ فيه نظرٌ؛ فإن ابنَ سيِّدِ الناسِ إنما قَصَدَ تفرُّدَه عن أبي سَلَمةَ عن حُمْرانَ، مخالِفًا في مَتْنِه ما رواه الثِّقاتُ مِن أصحابِ حُمْرانَ كما سبقَ بيانُه، وأمَّا الطرقُ التي أشارَ إليها ابنُ المُلَقِّنِ فسيأتي بيانُ ما فيها.
وقد قوَّى هذا الطريقَ بعضُ أهل العلمِ؛ جَرْيًا منهم على ظاهرِ إسنادِهِ:
* فقال ابنُ الصلاح: "حديثٌ حَسَنٌ، وربما ارتَفَعَ مِنَ الحُسنِ إلى الصحةِ بشواهِدِهِ وكثرةِ طُرُقِه" (المجموع شرح المهذب ١/ ٤٣٤).
* وحَسَّنَ إسنادَهُ النَّوَويُّ في (المجموع ١/ ٤٣٤).
* وَجَوَّدَ إسنادَهُ ابنُ المُلَقِّنِ في (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ١/ ٣٤٥)، وقال في (البدر المنير ٢/ ١٧٢): ((ورُواتُه عن آخِرِهِم ثقاتٌ))، ثُمَّ قال: ((إسنادُ هذا الحديثِ على شرطِ (الصحيحين)، وباقي (الكتب الستة)، إلا ابنَ وَرْدَانَ، فلم يُخَرِّجْ له إلا أبو داودَ وحدَه، وقد وَثَّقَهُ يحيى بنُ مَعِينٍ، والإمامُ أبو حاتم الرَّازيُّ كما تَقَدَّمَ، وهُمَا إمامَا هذا الفنِّ، وسَكَتَ عنه أبو داودَ؛ فهو حَسَنٌ عندَه أو صحيحٌ، وأقَرَّه على ذلك الحافظُ أبو محمدٍ المُنْذِريُّ في (اختصاره للسنن)، ولم يُعَقِبَه بشيءٍ)).
قلنا: وفي هذا نظرٌ؛ مِن حيث إن أبا داودَ إنما أشارَ إلى شُذوذِهِ، كما سبقَ.
* وصَحَّحَ إسنادَهُ العَيْنيُّ في (عمدة القاري ٣/ ٩)، وقال في (شرح سنن
стр. 6900
أبي داودَ ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩): "قد قلنا: إن الرواةَ إذا اختَلَفوا عنِ الصحابيِّ في قضيةٍ واحدةٍ يُعمَلُ بروايةِ مَن زادَ إذا كان ثقةً، وقد عَمِلنا بالزيادتينِ، الزيادة الواحدة في الرواية التي مَضَت، والزيادة الأخرى في هذه الرواية، وهي قوله: ((وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا))، وبهذه الزيادةِ تمسَّكَتِ الشافعيةُ أن السُّنَّةَ في مَسْحِ الرأسِ: أنْ يُمسَحَ ثَلَاثًا. ولكنْ عندنا هذا محمولٌ على المسح ثَلَاثًا بماءٍ واحدٍ، وهو مشروعٌ عندنا على ما رُوِيَ عن أبي حنيفةَ، صَرَّح بذلك صاحبُ (الهداية) ".
* وحَسَّنَ الألبانيُّ إسنادَهُ في (صحيح أبي داود ١/ ١٨٠)، وَصَحَّحَهُ بطُرُقه التي سيأتي بيانُها قريبًا.
الطريق الثاني: عن شَقِيق بنِ سَلَمةَ، عن عُثْمَانَ:
أخرجه أبو داودَ (١١٠) -ومِن طريقه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١١٧) -، عن هارونَ بنِ عبدِ اللهِ، قال: حدثنا يحيى بنُ آدمَ، حدثنا إسرائيلُ، عن عامرِ بنِ شَقِيقِ بنِ جَمْرةَ، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمةَ، قال: رَأَيتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ غَسَلَ ذِراعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ... الحديثَ.
وأخرجه الدَّارَقُطنيُّ (٣٠٢)، من طريقِ هارونَ بنِ عبدِ اللهِ، به.
وهذا إسنادٌ رجالُه ثقات رجالُ الصحيحِ عدا عامرَ بنَ شَقِيقٍ، وقد سَبَقَ بيانُ حاله قريبًا.
وتُوبِع عليه يحيى بنُ آدمَ:
فرواه البَيْهَقيُّ في (السنن الكبرى ٢٩٧)، و (الصغرى ٩٥)، و (المعرفة ٧١١)، و (الخلافيات ١١٨)، من طريق أبي غَسَّانَ مالِكِ بنِ إسماعيلَ، أنا إسرائيلُ، عن عامرٍ، به.
стр. 6901
وأبو غَسَّانَ ثقةٌ متقِنٌ مِن رجالِ الصحيحِ، وكذلك يحيى بنُ آدمَ، ولكنْ خالَفَهما جماعةٌ منَ الثِّقاتِ الأثباتِ:
فرواه ابنُ خُزَيْمةَ (الصحيح ١٦٢)، وابنُ الجارُودِ في (المنتقى ٧١)، من طريقِ عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْديٍّ، وهو إمامٌ كبيرُ الشأنِ.
ورواه ابنُ أبي شَيْبةَ في (المصنَّف ٦٣)، والبَزَّارُ في (المسند ٣٩٣)، من طريق وَكِيعِ بنِ الجَرَّاحِ، وهو ثقةٌ حافظٌ.
ورواه عبدُ الرَّزَّاقِ -في (المصنَّف ١٢٥) -، وهو إمامٌ كبيرٌ.
ورواه الضِّياءُ في (المختارة ١/ ٤٦٩/ ٣٤٣)، مِن طريقِ أبي أحمدَ الزُّبَيريِّ، وهو ثقةٌ ثَبْتٌ.
ورواه الطَّحاويُّ في (شرح معاني الآثار ١/ ٣٢)، مِن طريقِ أَسَدِ بنِ موسى (أَسَد السُّنَّةِ).
كلُّ هؤلاءِ روَوْهُ عن إسرائيلَ عن عامرٍ به دُونَ ذِكْرِ التثليثِ للرأسِ كما سبقَ.
فروايةُ هؤلاءِ تُعِلُّ روايةَ يحيى وأبي غَسَّانَ.
وقد أشارَ أبو داودَ إلى هذه العلةِ، فقال -عَقِبَ إخراجِه روايةَ يحيى بنِ آدمَ-: "رواه وَكِيعٌ عن إسرائيلَ، قال: تَوَضَّأَ ثَلَاثًا فقط".
وبهذا أَعَلَّ البَيْهَقيُّ وابنُ عبدِ الهادِي روايةَ التثليثِ الواردةَ عن إسرائيلَ:
فقال البَيْهَقيُّ: "وقد رُوِيَ من أَوجُهٍ غريبةٍ عن عُثْمَانَ ﵁ ذِكْرُ التَّكرارِ في مَسْحِ الرَّأْسِ، إلا أنها مع خِلافِ الحُفَّاظِ الثِّقاتِ ليستْ بحُجَّةٍ عند أهلِ المعرفةِ، وإن كانَ بعضُ أصحابنا يَحتَجُّ بها، منها ... "، وذَكَرَ روايةَ
стр. 6902
ابنِ وَرْدانَ عن أبي سَلَمةَ، وروايةَ أبي غَسَّانَ عن إسرائيلَ، وغيرِهما مما سيأتي ذِكْرُه (السنن الكبرى عَقِبَ رقم ٢٩٤).
وقال أيضًا: "والرواياتُ الثابتةُ المُفَسَّرةُ عن حُمْرانَ تَدُلُّ على أن التَّكرارَ وقَعَ فيما عدا الرَّأسَ من الأعضاءِ، وأنه مَسَحَ برأسِهِ مَرَّةً واحدةً" (السنن الكبرى ١/ ١٩٠)، وانظر أيضًا: (معرفة السنن والآثار ١/ ٢٩٩).
وكلامُ البَيْهَقيِّ هذا أَدَقُّ وأَوْلى مما ذَهَبَ إليه في (الخلافيات ١/ ٣٠٩) مِن تحسينِه لروايةِ التثليثِ هذه.
وقال ابنُ عبدِ الهادِي: "وقد رواه ابنُ مَهْديٍّ، وعبدُ الرَّزَّاقِ، وأبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، وغيرُهم، عن إسرائيلَ، ولم يَذْكُروا التَّكرارَ في مَسْحِ الرَّأسِ، وهو الصوابُ" (تنقيح أحاديث التحقيق ٢١٧).
وذَهَب ابنُ حَجَرٍ إلى تقويةِ روايةِ الجماعةِ بدون ذِكْرِ العددِ في مَسْحِ الرأسِ؛ مستدِلًّا بحديث عبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العاصِ في صفة الوُضوءِ، حيث قال النبي ﷺ بعد أنْ فَرَغ: ((مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ))، وقد وردَ التصريحُ في مَتْنِه بمَسْحِ الرأسِ واحدةً، ثُمَّ قال الحافظُ: "ويُحمَلُ ما ورد من الأحاديثِ في تثليثِ المسحِ -إنْ صَحَّتْ- على إرادةِ الاستيعابِ بالمسحِ، لا أنها مَسَحاتٌ مستقِلَّةٌ لجميعِ الرأسِ؛ جَمْعًا بيْن هذه الأدلةِ" (الفتح ١/ ٢٩٨).
* هذا وقد ذَهَبَ ابنُ حَجَرٍ -في موطنٍ آخَرَ- إلى تصحيحِ هذه الروايةِ على اعتبارِ أنها زيادةٌ مِن ثقةٍ، فقال: "قد رَوَى أبو داودَ مِن وجهين -صَحَّحَ أحدَهما ابنُ خُزَيْمةَ وغيرُه- في حديثِ عُثْمَانَ تثليثَ مَسْحِ الرأسِ، والزيادةُ مِن الثقةِ مقبولةٌ" (الفتح ١/ ٢٦٠).
стр. 6903
وهذا ما اعتَمَده الألبانيُّ في (صحيح أبي داود ١/ ١٨١، ١٨٥).
وقد سَبَقَتِ الإشارةُ إلى أن في هذا التحسينِ نظرًا.
وقد أَعَلَّ المُنْذِريُّ هذه الروايةَ بعامرٍ نفْسِهِ، فقال: "في إسنادِهِ عامرُ بنُ شَقِيقٍ، وهو ضعيفٌ" (مختصر سنن أبي داود ١/ ٩١). وقد تَقَدَّمَ الكلامُ عليه آنِفًا.
الطريق الثالث: عنِ ابنِ دَارَةَ، عن عُثْمَانَ:
أخرجه أحمد (٤٣٦) -ومِن طريقه أبو نُعَيمٍ في (معرفة الصحابة ٤١٠٤)، والضِّياءُ في (المختارة ١/ ٤٩٢/ ٣٦٤)، وابنُ الجَوزيِّ في (التحقيق ١٣٦) -، عن صفوانَ بنِ عيسى، عن محمد بن عبد الله بن أبي مريمَ، عنِ ابنِ دَارَةَ -مولى عُثْمَانَ-، عن عُثْمَانَ، به.
وأخرجه البُخاريُّ في (التاريخ الكبير ٣/ ٣٩٣) مختصرًا، والدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٠٤)، والبَيْهَقيُّ في (السنن الكبرى ٢٩٦)، و (الخلافيات ١٢٨)، مِن طريقِ صفوانَ بنِ عيسى، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: ابنُ دَارَةَ مولى عُثْمَانَ، تَرجَمَ له البُخاريُّ في (التاريخ ٣/ ٣٩٣)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٣/ ٥٦٣)، ولم يَذْكُرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقالا في اسمه: "زيدُ بنُ دَارَةَ". وذَكَره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٤/ ٢٤٧) على عادته.
وذَكَره ابنُ مَنْدَهْ وغيرُه في (الصحابةِ)، وسمَّاه عبدَ اللهِ، ولا تَثبُتُ له صُحبةٌ، انظر (الإصابة ٦٣٤٤)، و (التعجيل ١٤٥٠).
وقال البُوصيريُّ: "لا يُعرَفُ حالُهُ" (إتحاف الخيرة ٨/ ١٩٥).
стр. 6904
وقد أَعَلَّه ابنُ حَجَرٍ بابنِ دَارَةَ، فقال: "وابنُ دَارَةَ مجهولُ الحالِ" (التلخيص ١/ ١٤٦).
هذا، وقد نَقَلَ ابنُ حَجَرٍ عن الدَّارَقُطنيِّ أنه لَمَّا أَخرَجَ هذا الحديثَ قال عَقِبَه: "إسنادُهُ صالحٌ" (التعجيل ١٤٥٠).
وقولُ الدَّارَقُطنيِّ هذا لم نَعثُرْ عليه فيما بيْن أيدينا من النسخِ المطبوعةِ.
وصفوانُ بنُ عيسى ثقةٌ مِن رجالِ مسلمٍ، ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي مريمَ؛ قال عنه يحيى القَطَّانُ: "لم يكن به بأسٌ"، وقال أبو حاتم: "شيخٌ مَدَنيٌّ صالحُ الحديثِ"، وذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات)، انظر (التعجيل ٩٤٨).
فانحَصَرَتْ عِلَّةُ الإسنادِ في ابنِ دَارَةَ، وبه أَعَلَّه الحافظُ كما سبقَ.
وقد اختُلِفَ فيه على ابنِ دَارَةَ أيضًا:
فرواه أبو نُعَيمٍ في (معرفة الصحابة ٤١٠٣)، من طريق ابن المبارك، عن أبي مَعْشَرٍ المَدَنيِّ، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن دَارَةَ، عن حُمْرانَ، عن عُثْمَانَ، به.
فعادَ الحديثُ إلى حُمْرانَ، ولكنْ أبو مَعْشَرٍ "ضعيف" كما في (التقريب ٧١٠٠)؛ ولذا ضَعَّفَ ابنُ حَجَرٍ سندَهُ في (التعجيل ١/ ٥٣٣).
الطريق الرابع: عن عبد الله بن جعفر، عن عُثْمَانَ:
أخرجه الدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٠١)، والبَيْهَقيُّ في (الكبرى ٢٩٨)، وفي (الخلافيات ١١٩)، من طريق سُلَيمانَ بنِ بلالٍ، عن إسحاقَ بنِ يحيى، عن معاويةَ بنِ عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن عُثْمَانَ، به.
стр. 6905
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: إسحاقُ بنُ يحيى بنِ طلحة؛ "ضعيفٌ" كما في (التقريب ٣٩٠).
وقد رواه أبو عامرٍ العَقَديُّ عن إسحاقَ بلفظٍ آخَرَ:
فرواه البَزَّارُ في (المسند ٣٤٩)، من طريق أبي عامر، عن إسحاقَ، به: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا)).
وهذا السياقُ ليسَ فيه مخالفةٌ لِمَا رواه الثِّقاتُ في حديثِ عُثْمَانَ ﵁.
وهذا الطريقُ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطنيُّ مِن أجْلِ إسحاقَ، فقال -عَقِبَ تخريجِه-: " [هذا إسنادٌ لم يُختَلَف فيه، إلا أن] (١) إسحاقَ بنَ يحيى ضعيفٌ (٢) ".
وكذلك ابنُ دقيق في (الإمام ١/ ٥٤٤)، وابنُ حَجَرٍ في (التلخيص الحبير ١/ ١٤٦).
الطريق الخامس: عن عبدِ الرحمنِ بنِ البَيْلَمانيِّ، عن عُثْمَانَ:
أخرجه الدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٠٥) -ومِن طريقِه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٢٥) - عن الحسينِ بنِ إسماعيلَ، نا شُعَيبُ بنُ محمدٍ الحَضْرميُّ بمكَّةَ، ثنا الربيعُ بنُ سُلَيمانَ الحَضْرميُّ، نا صالحُ بنُ عبدِ الجبارِ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ البَيْلَمانيِّ، عن أبيه، عن عُثْمَانَ، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عِلَلٍ:
стр. 6906
الأولى: محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ البَيْلَمانيِّ؛ قال عنه أبو حاتم، والبُخاريُّ، والنَّسائيُّ: "منكَرُ الحديثِ" (التهذيب ٩/ ٢٩٣)، وقال الذَّهَبيُّ: "وَاهٍ" (الكاشف ٤٩٨٧)، وقال الحافظُ: "ضعيفٌ، وقد اتَّهمه ابنُ عَدِيٍّ وابنُ حِبَّانَ" (التقريب ٦٠٦٧).
الثانية: أبوه عبدُ الرحمنِ بنُ البَيْلَمانيِّ؛ "ضعيفٌ" كما في (التقريب ٣٨١٩).
الثالثة: صالحُ بنُ عبدِ الجبارِ؛ قال العُقَيليُّ: "يُحَدِّثُ عنِ ابنِ البَيْلَمانيِّ نسخة فيها مناكيرُ" (الضعفاء الكبير ٤/ ١٠١). وقال ابنُ القَطَّان: "مجهولُ الحالِ" (بيان الوهم والإيهام ٣/ ٩٣). وذكره الذَّهَبيُّ في (الميزان ٣٨٠٩)، وقال: "أَتَى بخبرٍ منكَرٍ جدًّا" وانظر (لسان الميزان ٣٨٧٣).
وقد تُوبِع عليه صالحٌ:
فرواه الطَّبَرانيُّ في (الدعاء ٣٨٧) من طريق محمدِ بنِ الحارثِ الحارِثيِّ، عنِ ابنِ البَيْلَمانيِّ، به مختصرًا، ليس فيه صفةُ الوُضوءِ.
والحارِثيُّ هذا ضعيفٌ أيضًا كما في (التقريب ٥٧٩٧).
وهذا الطريقُ ضَعَّفَهُ ابنُ المُلَقِّنِ بابنِ البَيْلَمانيِّ في (البدر المنير ٢/ ١٧٧).
وكذلك ابنُ حَجَرٍ، فقال: "وابنُ البَيْلَمانيِّ ضعيفٌ جدًّا، وأبوه ضعيفٌ أيضًا" (التلخيص ١/ ١٤٦).
وقال الغَسَّانيُّ: "لا يَثبُتُ؛ ابنُ البَيْلَمانيِّ ضعيفٌ" (تخريج الأحاديث الضعاف صـ ٢٤).
وعبدُ الرحمنِ بنُ البَيْلَمانيِّ لم يَثبُتْ له سماعٌ مِن أحدٍ مِن الصحابةِ فيما
стр. 6907
ذَهَبَ إليه صالح جَزَرة، انظر (تهذيب التهذيب ٦/ ١٥٠).
الطريق السادس: عن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، عن عُثْمَانَ:
أخرجه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٣١)، عن أبي الحسنِ عليِّ بنِ أحمدَ بنِ عَبْدانَ، أنبأ أحمدُ بنُ عُبَيدٍ الصَّفَّارُ، ثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ مِلْحانَ، ثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، ثنا اللَّيْثُ، عن خالدٍ، عن سعيدِ بنِ أبي هِلالٍ، عن عَطاءِ بنِ أبي رَباح، أن عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁ أُتِيَ بِوَضُوءٍ ... فذَكَر الحديثَ، وفيه: ((ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا حَتَّى قَفَاهُ ... )).
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لانقطاعه؛
قال أبو زُرْعةَ: "عَطاءُ بنُ أبي رباحٍ عن عُثْمَانَ: مُرسَلٌ"، وقال أبو حاتم: "عَطاءٌ لم يَسمَعْ مِن أسامةَ ولا مِن عُثْمَانَ شيئًا" (المراسيل لابن أبي حاتم ٥٦٨ - ٥٧١).
وأشارَ البَيْهَقيُّ إلى هذا الطريقِ، فقال: "ورُوِيَ في ذلك عن عَطاءِ بنِ أبي رباحٍ عن عُثْمَانَ، وهو مُرسَلٌ" (السنن الكبرى ١/ ١٩٤).
وقال ابنُ دَقيقِ العيدِ: "وهو مُنقطِعٌ فيما بيْن عَطاءِ بنِ أبي رباحٍ وعُثْمَانَ ﵁" (الإمام ١/ ٥٤٤).
وقال ابنُ حَجَرٍ: "وفيه انقطاعٌ" (التلخيص ١/ ١٤٦).
قلنا: ومما يُؤَكِّدُ ذلك، أن عبدَ الرَّزَّاقِ رواه في (المصنَّف ١٢٤): عنِ ابنِ جُرَيجٍ، قال: أخبرني عَطاءٌ، أنه بلَغَه عن عُثْمَانَ ... فذَكَرَه، وليس فيه مَسْحُ الرأسِ مطْلقًا، وسيأتي قريبًا.
стр. 6908
الطريق السابع: عن عَطاءِ بنِ يَزيدَ، عن حُمْرانَ، عن عُثْمَانَ:
أخرجه البَغَويُّ في (شرحِ السُّنَّةِ ٢٢١) من طريقِ البُخاريِّ وغيرِه، عن عَبْدانَ، نا عبدُ اللهِ، أنا مَعْمَرٌ، حدثني الزُّهْريُّ، عن عَطاءِ بنِ يَزيدَ، عن حُمْرانَ: رَأَيتُ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ ... الحديثَ، وفيه: ((ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا)).
وهذا المَتْنُ بذِكْرِ التثليثِ في مَسْحِ الرأسِ وهَمٌ بلا أدنى شَكٍّ؛ وهو وهَمٌ مِن أحدِ النُّسَّاخِ، أو مِنَ الطابعِ؛ لأن الحديثَ جاءَ على الصوابِ بدُونِ ذِكْرِ التثليثِ في النسخةِ الأزهريةِ لكتابِ (شرحِ السُّنَّةِ) (ق ٧٣/ أ- ب).
وقد أخرجَ البُخاريُّ هذا الحديثَ في (صحيحه ١٩٣٤) عن عَبْدانَ بالإسنادِ نفْسِه، وفيه: ((ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى ثَلَاثًا ... ))، ليس فيه ذِكْرُ التثليثِ في مَسْحِ الرأسِ.
وهكذا أخرجه البُخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما من طُرُقٍ عنِ الزُّهْريِّ به.
وكلُّ مَن تَكَلَّمَ على طُرُقِ روايةِ التثليثِ في مَسْحِ الرأسِ لم يَذْكُر هذا الطريقَ، كابنِ حَجَرٍ، والزَّيْلَعيِّ، وابنِ المُلَقِّنِ، وغيرِهم.
الطريق الثامن: عن عُرْوةَ، عن حُمْرانَ، عن عُثْمَانَ:
رواه البَزَّارُ في (مسنده) كما في (البدر المنير ٢/ ١٧٧)، عن عُبَيدِ بنِ إسماعيلَ الهَبَّاريِّ، نا أبو أُسامةَ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن حُمْرانَ، عن عُثْمَانَ: ((أَنَّهُ أُتِيَ بِمَاءٍ ... )) فَذَكَر الحديثَ، وفيه: ((وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا)).
وهذا إسنادٌ صحيحٌ رجالُه ثقاتٌ، رجالُ الصحيحِ، إلا أن الحديثَ جاءَ في (مسندِ البَزَّارِ ٤٢٣)، بسندِهِ ومَتْنِهِ سواء، وليسَ فيه تثليثُ مَسْحِ الرأسِ؛ فالذي يَظهَرُ -واللهُ أعلمُ- أنَّ ذِكْرَ تثليثِ مَسْحِ الرأسِ في هذا الحديثِ
стр. 6909
وهَمٌ مِن أحدِ النُّسَّاخِ.
* وبعد، فهذه هي طُرُقُ حديثِ عُثْمَانَ التي وَرَدَ فيها مَسْحُ الرأسِ ثَلَاثًا، وكلُّها غيرُ محفوظةٍ، ولا تُقاوِمُ رواياتِ الثِّقات الذين رَوَوْا حديثَ عُثْمَانَ واتَّفَقوا على ذِكْرِ التَّكرارِ في غيرِ مَسْحِ الرأسِ؛ ولذا قال ابنُ المُنْذِرِ: "والثابتُ أنه مَسَحَ برأسِهِ، لم يذْكرْ أَكثَر مِن مَرَّةٍ واحدةٍ" (الأوسط ٢/ ٤١).
وقال ابنُ القَيِّم: "والصحيحُ أنه لم يُكَرِّرْ مَسْحَ رَأْسِهِ، بل كان إذا كَرَّرَ غَسْلَ الأعضاءِ أَفرَد مَسْحَ الرأسِ، هكذا جاءَ عنه صريحًا، ولم يَصِحَّ عنه ﷺ خِلافُه الْبَتَّةَ" (زاد المعاد ١/ ١٨٦).
وقال الشَّوْكانيُّ: "والإنصافُ أن أحاديثَ الثلاثِ لم تَبْلُغْ إلى درجةِ الاعتِبارِ حتى يَلْزَمَ التَّمَسُّكُ بها لِمَا فيها من الزيادةِ، فالوقوفُ على ما صَحَّ من الأحاديثِ الثابتةِ في الصحيحين وغيرِهما من حديثِ عُثْمَانَ وعبدِ الله بنِ زيدٍ وغيرِهما هو المُتَعيَّنُ، لا سيَّما بعد تقيِيدِه في تلك الرواياتِ السابقةِ بالمَرَّةِ الواحدةِ. وحديثُ: «مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» الذي صَحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمةَ وغيرُه قاضٍ بالمنعِ منَ الزيادةِ على الوُضوءِ الذي قالَ بعدَه النبيُّ ﵌ هذه المقالةَ، كيفَ وقد وَرَدَ في روايةِ سعيدِ بنِ منصورٍ في هذا الحديثِ التصريحُ بأنه مَسَحَ رَأسَهُ مَرَّةً واحدةً، ثُمَّ قال: «مَنْ زَادَ»؟ (نيل الأوطار ١/ ١٩٦).
وقد أشارَ إلى شُذوذِ تلك الروايةِ: ابنُ قُدَامةَ في (المُغْني ١/ ١٧٩ - ١٨٠)، وابنُ تيميَّةَ في (مجموع الفتاوى ٢١/ ١٢٦)، وابنُ القَيِّم في (زاد المعاد ١/ ١٨٦).
стр. 6910
وذَكَرَ الذَّهَبيُّ طُرُقَ الحديثِ عن عُثْمَانَ بتثليثِ المسحِ على الرأسِ، ثُمَّ قال: "الكلُّ لا يَصِحُّ" (تنقيح التحقيق ١/ ٤٩).
وقال ابنُ كَثِير: "غريبٌ، وقد عَلَّلَهُ أبو داودَ " (إرشاد الفقيه ١/ ٣٨).
الطريق الثامن: عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن عُثْمَانَ:
أخرجه أحمدُ (٤٨٧)، قال: حدَّثَنا ابنُ الأَشْجَعيِّ، حدثنا أَبي، عن سفيانَ، عن سالمٍ أبي النَّضْرِ، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، قال: «أَتَى عُثْمَانُ المَقَاعِدَ فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ هَكَذَا يَتَوَضَّأُ، يَا هَؤُلاءِ أَكَذَاكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَهُ».
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ ابنُ الأَشْجَعيِّ، هو أبو عُبَيدةَ بنُ عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ الأَشْجَعيُّ، رَوَى عنه جَمْعٌ، وذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٨/ ٤٣٤)، وسَمَّاهُ عَبَّادًا، وقال الحافظُ: "مقبولٌ" (التقريب ٨٢٣٢). يعني: عند المتابعةِ، وإلا فلَيِّنٌ. ولم يُتابَعْ، بل خُولِفَ؛ فقد رواه جماعةٌ عن سفيانَ بإسنادِهِ عن عُثْمَانَ: ((أَنَّه تَوَضَأَّ ثَلَاثًا ثَلَاثًا))، دون تفصيلٍ.
كذا رواه الفِرْيابيُّ وعبدُ اللهِ بنُ الوليدِ العَدَنيُّ، والحُسينُ بنُ حَفْصٍ، وأبو أحمدَ، وأبو حُذَيفةَ، وغيرُهم، عن سفيانَ به.
وسيأتي تخريجُ رواياتِهم في (باب الوُضوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا)، حديث رقْم ( ... ).
وهناك عِلَّةٌ أخرى في سماعِ بُسْرٍ مِن عُثْمَانَ؛ فقد قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: "وبُسْرُ بنُ سعيدٍ، عن عُثْمَانَ: مُرسَلٌ" (علل ابن أبي حاتم ١٤٣). أي: مُنقطِعٌ.
قلنا: وذلك أن بيْن وفاتَيْ بُسْرٍ وعُثْمَانَ (٦٥ سنةً)؛ فقد ماتَ بُسْرٌ (سنة
стр. 6911
١٠٠)، وماتَ عُثْمَانُ (سنة ٣٥)؛ فسماعُ بُسْرٍ منه مُستبعَدٌ جدًّا.
نعم ذَكَرَ الواقِديُّ -وتَبِعَه ابنُ حِبَّانَ-: أن بُسْرًا ماتَ وله من العُمُرِ (٧٨ سنةً) (١)، وعلى هذا يكون عُمُرُه يوم ماتَ عُثْمَانُ: (١٣ سنةً)، وهذا كافٍ في الإدراكِ والسماعِ، ولكنَّ الواقِديَّ ليس بثقةٍ ولا مُعتمَدٍ، فلا يُعتمَدُ على مِثْلِه في ردِّ كلامِ الأئمَّةِ الأعلام. والله أعلم.
[تنبيهان]:
الأول: قد ورد التَّكرارُ في مَسْحِ الرأسِ في غيرِ حديثِ عُثْمَانَ، وسيأتي ذِكْرُ هذه الأحاديثِ وبيانُ ما فيها.
الثاني: قال ابنُ حَجَرٍ -بعد أن ذَكَرَ روايةَ ابنِ وَرْدانَ-: "وتابَعَه هشامُ بنُ عُرْوةَ عن أبيه عن حُمْرانَ، أخرجه البَزَّارُ، وأخرجه أيضًا مِن طريق عبدِ الكريم عن حُمْرانَ وإسنادُهُ ضعيفٌ، ورواه أيضًا من حديث أبي عَلْقَمةَ مولى ابنِ عبَّاس عن عُثْمَانَ وفيه ضَعْفٌ" (التلخيص ١/ ٨٤).
قلنا: وعَدُّ هذه الطرقِ من المتابعاتِ لروايةِ ابنِ وَرْدانَ وهَمٌ غريبٌ:
* فأمَّا روايةُ هشامٍ، فقد أخرجها البَزَّارُ في (المسند ٤٢٣) من طريقِ أبي أُسامةَ، عن هشامٍ، به، وفيه: ((وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ حَتَّى أَتَى عَلَى الوُضُوءِ ... ))، ولم يَذْكُرِ التثليثَ في مَسْحِ الرأسِ! ! .
وأصْلُ روايةِ هشامٍ عند مسلمٍ من روايةِ أبي أُسامةَ وسُفيانَ ووَكِيعٍ وجَرِيرٍ، عن هشامٍ به مختصرًا.
والذي يَظهَرُ أن ابنَ حَجَرٍ تَبِعَ ابنَ المُلَقِّنِ في ذلك الوهَمِ، وقد سَبَقَ التنبيهُ
стр. 6912
عليه.
* وأمَّا روايةُ عبدِ الكريم -وهو ابنُ أبي المُخارِقِ-، فقد أخرجها البَزَّارُ في (المسند ٤٤١) من طريقِ عبدِ العزيزِ الماجِشُونِ، عن عبدِ الكريمِ، به، وفيه: ((وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ... ))، ولم يَذْكُرِ التثليثَ في مَسْحِ الرأسِ أيضًا! ! .
* وأمَّا روايةُ أبي عَلْقَمةَ مولى ابنِ عبَّاس، فقد أخرجها البَزَّارُ في (المسند ٤٤٣) من طريقِ عبدِ الله بنِ عُبَيدِ بنِ عُمَير، عن أبي عَلْقَمةَ، به، وفيه: ((ثُمَّ مَسَحَ بَرَأْسِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ... ))، ولم يَذْكُرِ التثليثَ في مَسْحِ الرأسِ أيضًا! ! .
وكذلك رواه أبو داود (السنن ١٠٩)، وغيرُه، من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ عُبَيدٍ، به.
* * *
стр. 6913
رواية تأخير مسح الرأس على غسل القدمين:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ، قَالَ: ((أَتَى عُثْمَانُ ﵁ المَقَاعِدَ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَرِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا يَتَوَضَّأُ، يَا هَؤُلَاءِ أَكَذَلِكَ؟ قَالُوا: ((نَعَمْ))، لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهُ)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ إلا تأخيرَ مَسْحِ الرأسِ بعد غَسْلِ الرجلينِ؛ فإنه غيرُ محفوظٍ؛ كما قال الدَّارَقُطنيُّ.
[الفوائد]:
قال القُرْطُبيُّ: ((قولُه: (ثَلَاثًا ثَلَاثًا)؛ تَمسَّكَ به الشافعيُّ في استحبابِهِ تَكرارَ مَسْحِ الرَّأْسِ بمياهٍ متعدِّدةٍ كالأعضاء المغسولة.
وخالَفَه في ذلك مالكٌ وأبو حنيفةَ، ورَأَيَا: أن هذا اللفظَ مُخصَّصٌ، أو مُبيَّنٌ بما وَرَدَ من حديثِ عُثْمَانَ نفْسِه، حيثُ ذَكَرَ أعضاءَ الوُضوءِ مُفصَّلةً، وقال فيها: (ثَلَاثًا ثَلَاثًا)، ولم يَذْكُرْ لمَسْحِ الرأسِ عددًا، وليس في شيءٍ مِن أحاديثِ عُثْمَانَ الصِّحاحِ ذِكْرُ أنه ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا)) (المُفْهِم ٣/ ١٠٧).
[التخريج]: [قط ٢٨٤]
[السند]:
قال الدَّارَقُطنيُّ: حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ، نا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ، حدثني أَبي، نا ابنُ الأَشْجَعيِّ، نا أَبي، عن سفيانَ، عن سالمٍ
стр. 6914
أبي النَّضْرِ، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ عدا ابنَ الأَشْجَعيِّ، وهو أبو عُبيدةَ بنُ عُبَيدِ اللهِ بنِ عبد الرحمنِ الأَشْجَعيُّ، رَوَى عنه جَمْعٌ، وذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٨/ ٤٣٤)، وقال الحافظُ: "مقبولٌ" (التقريب ٨٢٣٢).
يعني: عندَ المتابعةِ، وإلا فلَيِّنٌ، وهو لم يُتابَعْ، بل تَفَرَّدَ، وخالَفَ، حيثُ قَدَّمَ غَسْلَ الرجلينِ على مَسْحِ الرأسِ، وهو خطأٌ؛ لمخالفتِهِ لرواياتِ الثِّقاتِ الذين رَوَوْا هذا الحديثَ؛ ولذا قال الدَّارَقُطنيُّ -عَقِبَ الحديثِ-: "صحيحٌ إلا التأخيرَ في مَسْحِ الرأسِ؛ فإنه غيرُ محفوظٍ، تَفرَّدَ به ابنُ الأَشْجَعيِّ عن أبيه عن سفيانَ بهذا الإسنادِ وهذا اللفظِ، ورواه العَدَنِيَّانِ عبدُ اللهِ بنُ الوليدِ ويَزيدُ بنُ أبي حَكِيم، والفِرْيابيُّ، وأبو أحمدَ، وأبو حُذَيفةَ، عن الثَّوْريِّ بهذا الإسنادِ، وقالوا كلُّهم: إن عُثْمَانَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وقال: ((هَكَذَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ))، ولم يَزيدوا على هذا".
قلنا: ولكن رواية ابنِ الأَشْجَعيِّ لهذا الحديثِ في (مسند أحمدَ ٤٨٧) جاءتْ على الصوابِ، بلفظ: ((أَتَى عُثْمَانُ ﵁ المَقَاعِدَ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ... ))، وَسَاقَ الحديثَ.
ومعنى ذلك أن الوهَمَ الواردَ في روايةِ الدَّارَقُطنيِّ ليس من ابنِ الأَشْجَعيِّ، وإنما ممن دُونَه، وليس هناك سوى شيخِ الدَّارَقُطنيِّ، وهو أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ أبو سَهْلٍ القَطَّانُ، وهو ثقةٌ لكنه يَهِمُ، انظر (الدليل المُغْني لشيوخِ الدَّارَقُطنيِّ ٩٧).
стр. 6915
وعلى أيَّةِ حالٍ فالمحفوظُ في حديثِ عُثْمَانَ من غيرِ ما طريقٍ أنه بَدَأ بمَسْحِ الرأسِ قَبْلَ غَسْلِ الرجلينِ، وهكذا خرَّجه الشيخان وأصحابُ السُّننِ.
وظاهرُ روايةِ أحمدَ الأخيرةِ: (أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا)، وهذا مُنكَرٌ؛ إذِ الثابتُ مَسْحُ الرأسِ مَرَّةً واحدةً، وغَسْلُ القدمينِ لا مَسْحُهُما، كما تَقَدَّمَ الكلامُ عليه في الروايةِ السابقةِ.
[تنبيه]:
رَوَى وَكِيعٌ هذا الحديث، وخالَفَ عُبيدَ اللهِ الأَشْجَعيَّ ومَن تابَعَه في روايته عن سفيانَ:
فرواه عن سفيانَ، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي أنسٍ، عن عُثْمَانَ، به مختصَرًا.
ورَجَّحَ أحمدُ والدَّارَقُطنيُّ روايةَ الأَشْجَعيِّ ومَن تابَعَه، ووهَّمَا وَكِيعًا في روايته هذه، انظر (العلل ومعرفة الرجال لأحمد: ٢٢٦٠)، و (سنن الدَّارَقُطنيِّ ٢٨٤)، و (الإلزامات والتَّتبُّع ١٩٥).
ورَجَّحَ أبو زُرْعةَ وأبو حاتمٍ روايةَ وَكِيعٍ، انظر (علل ابن أبي حاتم ١٤٣).
وزاد أبو حاتم فقال: "وبُسْرُ بنُ سعيدٍ، عن عُثْمَانَ: مُرسَلٌ" (علل ابن أبي حاتم ١٤٣).
وعلى هذا فتكونُ روايةُ بُسْرٍ هذه مُنقطِعةً، والله أعلم.
وسيأتي مزيدُ بيانٍ لذلكَ في "باب الوُضوء ثَلَاثًا"، حديث رقْم (؟؟؟؟).
* * *
[التحقيق]: انظر الكلامَ عليه عَقِبَ الروايةِ الآتية.
رِوَايَة: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، بِدُونِ تَقْيِيدٍ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: ((رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا، [وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا]، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ غَسْلًا)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ، وَضَعَّفَهُ مَن سَبَق ذِكْرُهم.
[التخريج]: [عم ٤٧٢ (واللفظ له)، ٥٢٧ (والزيادة له)].
[السند]:
رواه ابنُ أبي شَيْبةَ (١٣٣) -ومِن طريقه ابنُ ماجَهْ-، قال: حدثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن حَجَّاجٍ، عن عَطاءٍ، عن عُثْمَانَ، به.
ورواه أيضًا (٦٥) قال: حدثنا أبو معاويةَ، عن حَجَّاجٍ، به.
وأخرجه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في (زوائده على المسند) من طريق حمَّادِ بنِ زيدٍ، عن الحَجَّاجِ، به.
فمدارُه عندَ الجميعِ -عدا ابنَ أبي حاتم في (العلل ١٦٤) - على حَجَّاجِ بنِ أَرْطَاةَ، عن عَطاءِ بنِ أبي رَباح، عن عُثْمَانَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه ثلاثُ عِلَلٍ:
стр. 6918
الأولى والثانية: ضَعْفُ الحَجَّاجِ بنِ أَرْطَاةَ وعنعنَتُه؛ فهو: "صدوقٌ كثيرُ الخطأِ والتدليسِ" كما في (التقريب ١١١٩).
الثالثة: الانقطاع؛ فإن عَطاءً -وهو ابنُ أبي رباحٍ- لم يَسمَعْ من عُثْمَانَ، كما قال أبو زُرْعةَ وأبو حاتمٍ الرَّازيان (المراسيل لابن أبي حاتم ٥٦٨ - ٥٧١)، وانظر (جامع التحصيل ٥٢٠).
ومما يُؤَكِّدُ ذلك، أن عبدَ الرَّزَّاقِ رواه في (المصنَّف ١٢٤): عنِ ابنِ جُرَيجٍ، قال: أخبَرَني عطاءٌ، أنه بَلَغَه عن عُثْمَانَ ... فذَكَرَه، وليس فيه مَسْحُ الرأسِ مطْلقًا، وسيأتي قريبًا.
وأَعَلَّه مُغْلَطايُ بالانقطاعِ وضَعْفِ الحَجَّاجِ (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤٣٠).
وقال الألبانيُّ: "إسنادُهُ ضعيفٌ" (صحيح أبي داود ١/ ١٨٢).
وَضَعَّفَهُ العلامةُ أحمدُ شاكر في (تحقيقه للمسند ٤٧٢).
وقد وصَلَه بعضُهم بذِكْرِ حُمْرانَ مولى عُثْمَانَ:
قال ابنُ أبي حاتم في (العلل ١٦٤): سُئِلَ أبو زُرْعةَ: عن حديثِ سَهْلِ بنِ عُثْمَانَ العَسْكَريِّ، عن حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ، عن الحَجَّاجِ بنِ أَرْطَاةَ، عن عَطاءٍ، عن حُمْرانَ بن أَبانَ -أو أَبانَ بنِ حُمْرانَ-، عن عُثْمَانَ، عنِ النبيِّ ﷺ : ((أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، إِلَّا مَسْحَ رَأْسِهِ مَرَّةً)).
قال أبو زُرْعةَ: "رَوَى هذا الحديثَ حمَّادُ بنُ زيدٍ، وحمَّادُ بنُ سَلَمةَ، وهُشَيمٌ، وعَبَّادُ بنُ عَوَّامٍ، وابنُ أبي زائِدةَ، عن حَجَّاجٍ، عن عَطاءٍ، عن عُثْمَانَ ... مُرسَلًا.
ورواه يَزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ، وأُسامةُ بنُ زيدٍ، واللَّيْثُ، وابنُ لَهِيعةَ، عن
стр. 6919
عَطاءٍ، عن عُثْمَانَ ... مُرسَلًا.
ورواه ابنُ جُرَيجٍ، عن عَطاءٍ، أنه بَلَغَه عن عُثْمَانَ ... مُرسَلًا، وهو الصحيحُ عندَنا" (عِلَل ابن أبي حاتم ١/ ٦٤٠). وأقَرَّه ابنُ عبدِ الهادِي في (تعليقة على عِلَل ابن أبي حاتم صـ ٢٤١).
وروايةُ ابنِ جُرَيجٍ هذه عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ في (المصنَّف ١٢٤).
وسُئِلَ الدَّارَقُطنيُّ عن الحديثِ، فذَكَرَ الخِلافَ، وقال: "فإنْ كان حَفِظَ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ هذا عنِ الحَجَّاجِ، فقد زادَ فيه حُمْرانَ، وهذه زيادةٌ حسَنةٌ، وحَفْصٌ منَ الثِّقاتِ" (العلل ٢٦٣).
قلنا: حَفْصٌ وإنْ كان منَ الثِّقاتِ، فإنه كان يَهِمُ إذا حَدَّثَ مِن حِفْظِه، وقد خالَفَه جماعةٌ مِنَ الحُفَّاظِ؛ وروايةُ الجماعةِ أَوْلَى بالصوابِ مِن روايةِ الواحدِ.
وَهَبْ أنه حَفِظَه عن حَجَّاجٍ، فهي زيادةٌ مُنكَرةٌ أيضًا؛ لأن حَجَّاجًا ضعيفٌ، وقد خالَفَه جماعةٌ من الأثباتِ، فروَوْهُ عن عَطاءٍ عن عُثْمَانَ، بدون ذِكْرِ (حُمْرانَ)، بل ورواه أَثبَتُ الناسِ في عَطاءٍ -وهو ابنُ جُرَيجٍ- عن عَطاءٍ، أنه بلَغَه عن عُثْمَانَ، ولم يَذْكُر (حُمْرانَ) أيضًا.
قلنا: ولكنَّ مَتْنَ الحديثِ صحيحٌ على أيَّةِ حالٍ. فأمَّا روايةُ أحمدَ فلا إشكالَ فيها، وقد سَبَقَ الحديثُ بنحوها مِن طُرُقٍ.
وأمَّا روايةُ ابنِ ماجَهْ وابنِ أبي شَيْبةَ بتقييدِ مَسْحِ الرأسِ بمَسحةٍ واحدةٍ، فقد صَحَّ أنَّ مَسْحَ الرأسِ مَرَّةٌ واحدةٌ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ عندَ البُخاريِّ (١٨٦)، وصَحَّ كذلك عن عليٍّ ﵁، وعن غيرِهِ منَ الصحابةِ. وظاهرُ رواياتِ حديثِ عُثْمَانَ يَدُلُّ على أن مَسْحَ الرأسِ إنما هو واحدةٌ فقط؛ ولذا صَحَّحَ الألبانيُّ روايةَ ابنِ ماجَهْ في (صحيح ابن ماجَهْ ٣٥٤) رغْمَ أنه
стр. 6920
ضَعَّفَ سندَها كما سبقَ. وقد ورد تقييدُ مَسْحِ الرأسِ بواحدةٍ في حديثِ عُثْمَانَ مِن طُرُقٍ أخرى كما ستراه فيما يأتي.
رِوَايَةٌ مُخْتَصَرَةٌ: مَسَحَ مَرَّةً:
• وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرَةٍ، عَنْ عُثْمَانَ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ مَرَّةً)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]: [ش ١٣٤].
[السند]:
قال ابنُ أبي شَيْبةَ: حدثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن جعفرِ بنِ بُرْقانَ، عنِ الزُّهْريِّ، عن حُمْرانَ، عن عُثْمَانَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ رجالُه ثقاتٌ عدا جعفرَ بنَ بُرْقان، وقد وثَّقَه أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، وابنُ نُمَيرٍ، وغيرُهُم، إلَّا في روايتِهِ عنِ الزُّهْريِّ، فَضَعَّفُوه فيها (تهذيب التهذيب ٢/ ٨٦)، ولذا قال الحافظُ: "صدوقٌ يَهِمُ في حديثِ الزُّهْريِّ" (التقريب ٩٣٢).
وهذا مِن حديثِهِ عنِ الزُّهْريِّ، وقد وَهِمَ فيه سندًا ومَتْنًا:
* فأمَّا وَهَمُه في سندِهِ؛ ففي قوله: "عنِ الزُّهْريِّ، عن حُمْرانَ".
стр. 6921
وقد رَوَى أصحابُ الزُّهْريِّ الحديثَ عنه، عن عَطاءِ بنِ يَزيدَ، عن حُمْرانَ، عن عُثْمَانَ.
رواه هكذا:
١. إبراهيمُ بنُ سعدٍ، كما عند البُخاريِّ (١٥٩)، ومسلمٍ (٢٢٦).
٢. شُعَيبُ بنُ أبي حَمزةَ، كما عند البُخاريِّ (١٦٤).
٣. مَعْمَرُ بنُ راشِدٍ، كما عند البُخاريِّ (١٩٣٤).
٤. يونسُ بنُ يَزيدَ الأَيْليُّ، كما عند مسلمٍ (٢٢٦).
* وأمَّا وَهَمُه في المتنِ؛ ففي تقييدِه المسحَ -أي: مسْحَ الرأسِ- بمَرَّةٍ، ولم يَرِدْ هذا القيدُ في روايةِ الثِّقاتِ المذكورين آنفًا.
نعم ثَبَتَ هذا القيدُ في صفةِ وُضوءِ النبيِّ ﷺ ، ولكنْ مِن غيْرِ هذا الوجهِ.
ولتقييدِ مَسْحِ الرأسِ بواحدةٍ في حديثِ عُثْمَانَ طُرُقٌ أخرى تَجِدُها في الروايةِ الآتيةِ.
стр. 6922
رِوَايَة: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً:
• وَفِي رِوَايَةٍ مُطَوَّلَةٍ، عَنْ عُثْمَانَ ﵁: أَنَّهُ خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى المَقَاعِدِ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ، كُنْتُ عَلَى وُضُوءٍ وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، وهذه الروايةُ لها طريقان ضعيفان.
[التخريج]: [قط ٣٠٨ (واللفظ له) / طص ٥١٥/ كر (٤٥/ ٦٠)].
[التحقيق]:
لهذه الروايةِ طريقان:
الأول:
أخرجه الدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٠٨): عن الحُسينِ بنِ إسماعيلَ، نا أحمدُ بنُ محمد بنِ يحيى بنِ سعيد، نا زيدُ بنُ الحُبَابِ، عن عُمَرَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدٍ المَخْزُوميِّ، عن جدِّه، أن عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ... وذَكَر الحديثَ.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: عُمَرُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ سعيدٍ المَخْزُوميُّ، وهو عُمرُ بنُ عُثْمَانَ بنِ عبدِ الرحمنِ -نُسِبَ إلى جدِّه-، ويقال له: "عَمرٌو"؛ ذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٧/ ١٧٩)، وذَكَرَه البُخاريُّ في (التاريخ ٦/ ١٤٤)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٦/ ١٢٢)، ولم يَذْكُرا فيه
стр. 6923
جرحًا ولا تعديلًا. وقال عنه الحافظ: "مقبولٌ" (التقريب ٥٠٧٦، ٨٤٧٨)، يعني: عندَ المتابعةِ، وإلا فلَيِّنٌ.
ولعلَّه لذلك عَلَّق عليه العظيمُ آبادي قائلًا: "هذا إسنادٌ صالحٌ، ليس فيه مجروحٌ" (التعليق المُغْني على الدَّارَقُطني بحاشية السنن ط. الرسالة ١/ ١٦١)، -أي: صالحٌ للاعتبارِ-.
وظَنَّ الألبانيُّ عُمَرَ هذا راويًا آخَرَ -بسببِ نِسْبَتِه لجدِّه-، فقال عنه: "مجهولٌ" (صحيح أبي داودَ ١/ ١٨٢)، وبذلك تَعَقَّبَ على شمسِ الحَقِّ العظيمِ آبادِي في تعليقه السابق.
وبَقِيَّةُ رجالِ إسنادِهِ ثقاتٌ غيرَ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ يحيى بنِ سعيدٍ، وهو صدوقٌ (التقريب ١٠٦).
الطريق الثاني:
رواه الطَّبَرانيُّ في (الصغير) -ومِن طريقه ابنُ عساكرَ في (تاريخه) - عن عُمرَ بنِ سِنانٍ المَنْبِجيِّ بمَنْبِج، أنبأنا أبو مُصعبٍ أحمدُ بنُ أبي بكرٍ الزُّهْريُّ، حدثنا عَطَّافُ بنُ خالدٍ المَخْزوميُّ، عن طلحةَ مولى آلِ سُراقةَ، عن معاويةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، عن أبيه ﵁، قال: ((رَأَيتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁ تَوَضَّأَ ... )) وذَكَر الحديثَ.
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِهِ عن عبدِ اللهِ إلا ابنُه، ولا عنه إلا طلحةُ، تَفرَّدَ به عَطَّافٌ".
قلنا: وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ فيه طلحةُ مولى آلِ سُراقةَ؛ ذَكَرَه البُخاريُّ في (التاريخ ٤/ ٣٥٠)، وابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٦/ ٤٨٨)، ولم يَذْكُرَا عنه راويًا عَدَا عَطَّافَ بنَ خالدٍ؛ فهو مجهولُ العينِ.
стр. 6924
وأمَّا عَطَّافُ بنُ خالدٍ؛ فمُختلَفٌ فيه: فَوَثَّقَهُ وأَثنَى عليه: أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، وأبو زُرْعةَ، وأبو داودَ، والعِجْليُّ، والبَزَّارُ، والنَّسائيُّ في روايةٍ، وقال ابنُ المَدِينيِّ: "كان عندَنا وعندَ أصحابِنا ثقةً". بيْنما قال أبو حاتم: "صالحٌ ليس بذاكَ"، وقال النَّسائيُّ في روايةٍ: "ليس بالقويِّ"، ولم يَرْضَهْ مالِكٌ وابنُ مَهْديٍّ، وَضَعَّفَهُ ابنُ حِبَّانَ والدَّارَقُطنيُّ. انظر (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٢٢).
وقال الحافظُ: "صدوقٌ يَهِمُ" (التقريب ٤٦١٢).
والحديثُ قد أخرجه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٨٤٩٩)، وأبو الفَضْلِ الزُّهْريُّ (٦٣١)، من طريقين عن أبي مُصعبٍ به، دُونَ تقييدِ مَسْحِ الرأسِ بواحدةٍ.
وعلَّقَه البُخاريُّ في (التاريخ الكبير ٤/ ٣٥٠)، مختصرًا جدًّا.
ومَتْنُ الحديثِ ثابتٌ عن غيرِ واحدٍ منَ الصحابةِ كما سبقَ، وطُرُقُ حديثِ عُثْمَانَ الصحيحةُ ليس فيها تقييدُ مَسْحِ الرأسِ بواحدةٍ، ولكنَّ ظاهِرَها يَدُلُّ على ذلك كما قاله أبو داودَ فيما سَبَق نَقْلُه عنه عَقِبَ روايةِ التثليثِ في مَسْحِ الرأسِ.
стр. 6925
رِوَايَةٌ لَيْسَ فِيهَا مَسْحُ الرَّأْسِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عن عَطاءٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁: ((أَنَّهُ مَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى وَجْهِهِ ثَلَاثًا، وَعَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ ». قَالَ -وَلَمْ أَسْتَيْقِنْهَا عَنْ عُثْمَانَ-: لَمْ أَزِدْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَنْقُصْ.
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، وإسنادُهُ مُنقطِعٌ.
[التخريج]: [عب ١٢٤].
[السند]:
رواه عبدُ الرَّزَّاقِ: عنِ ابنِ جُرَيجٍ، قال: أخبَرَني عَطاءٌ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ رجالُه ثقاتٌ إلا أنه مُنقطِعٌ بيْن عَطاءٍ وعُثْمَانَ كما هو ظاهِرٌ من قوله: "بَلَغَه عن عُثْمَانَ".
والحديثُ صحيحٌ بما سَبَق.
* * *
و (الفتح لابن حَجَر)، و (جمع الجوامع للسُّيوطيِّ) -، ذَكَرَ السُّيوطيُّ أنه (عن أبي مالكٍ الدِّمَشْقيِّ، عن أبيه، عن عُثْمَانَ)، وذَكَر الحافظُ أنَّ في إسنادِهِ (خالدَ بنَ يَزيدَ بنِ أبي مالكٍ).
فيكونُ إسنادُهُ عند سعيدٍ: من طريقِ خالدِ بنِ يَزيدَ بنِ أبي مالكٍ، عن أبي مالكٍ -أو بواسطة عنه-، عن أبيه، عن عُثْمَانَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: خالدُ بنُ يَزيدَ بنِ أبي مَالكٍ؛ وقد ضعَّفَه جمهورُ النُّقَّادِ، بل قال أحمدُ وابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ"، وقال النَّسائيُّ: "ليس بثقةٍ"، وقال أبو داودَ: "متروكُ الحديثِ"، وقال ابنُ مَعِينٍ وأبو داودَ في رواية عنهما: "ضعيفٌ"، وَضَعَّفَهُ كذلك: ابنُ المَدِينيِّ (سؤالات ابنِ أبي شَيْبةَ له ٢٢٧)، ويعقوبُ بنُ سفيانَ، والدَّارَقُطنيُّ، وابنُ الجارُودِ، والسَّاجيُّ، وغيرُهُم، وقال أبو حاتم: "يَروِي أحاديثَ مناكيرَ". واتَّهَمه ابنُ مَعِينٍ بالكذبِ كما في (تاريخ دمشق ١٦/ ٢٩٧).
بيْنما قال أبو زُرْعةَ الرَّازيُّ: "لا بأسَ به"، وقال أحمدُ بنُ صالحٍ المِصريُّ، وأبو زُرْعةَ الدِّمَشْقيُّ، والعِجْليُّ: "ثقة".
انظر ترجمته في (الجرح والتعديل ٣/ ٣٥٩)، و (الكامل ٤/ ٢٥٣)، و (تاريخ دمشق ١٩٣١)، و (إكمال تهذيب الكمال ١٣٥٢).
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "ولم أَرَ في أحاديثِ خالدٍ هذا إلا كلَّ ما يُحتمَلُ في الروايةِ، أو يَروِيه ضعيفٌ عنه، فيكونُ البَلاءُ من الضعيفِ لا منه" (الكامل ٤/ ٣٥٩).
وذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في (المجروحين)، وقال: "كان صدوقًا في الروايةِ،
стр. 6928
ولكنه كان يخطئُ كثيرًا، وفي حديثِه مناكيرُ، لا يُعجِبُني الاحتِجاجُ بخبره إذا انفردَ عن أبيه. وما أَقْرَبَه في نفْسِه من التعديلِ، وهو ممن أَستَخِيرُ اللهَ فيه" (المجروحين ١/ ٣٤٥).
والذي يَترجَّحُ لدينا قولُ المُضَعِّفينَ؛ لكثرتِهم وهُمُ الأئمةُ الأعلامُ في هذا الشأنِ، لا سيَّما وقولُ أحمدَ بنِ صالحٍ في السندِ إليه ضَعْفٌ، وتوثيقُ أبي زُرْعةَ الدِّمَشْقيِّ إنما ذَكَرَه ضِمْنَ نَفَرٍ ثِقاتٍ، وهذا النوعُ منَ التوثيقِ يَدْخُلُه الخَللُ في كثيرٍ منَ الأحيانِ.
ولهذا اعتَمَدَ الذَّهَبيُّ وابنُ حَجَرٍ التضعيفَ؛ فقال الذَّهَبيُّ: "ضَعَّفُوه" (الكاشف ١٣٦٤). وقال الحافظُ: "ضعيفٌ مع كونِه كان فقيهًا، وقد اتَّهَمه ابنُ مَعِينٍ" (التقريب ١٦٨٨).
ومع هذا قال الحافظُ مُعلِّقًا على هذه الروايةِ -وقد ذَكَرَها عندَ الكلامِ على حُكْمِ الاقتصارِ على مَسْحِ الناصيةِ أو بعضِ الرأسِ-: "وفي الباب أيضًا عن عُثْمَانَ في صفةِ الوُضوءِ، قال: ((وَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ)). أخرجه سعيدُ بنُ منصورٍ، وفيه: خالدُ بنُ يَزيدَ بنِ أبي مالِكٍ مُختلَفٌ فيه" (فتح الباري ١/ ٢٩٣).
كذا قال! كأنَّ الخلافَ فيه قويٌّ مُعتبَرٌ، وليس الأمرُ كذلك، كما تَقَدَّمَ بيانُه.
فرواه أبو يَعْلَى المَوْصِليُّ في (مسنده): عن غَسَّانَ بنِ الرَّبيعِ، عن لَيْثِ بنِ سعدٍ، عن يَزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي النَّضْرِ: أن عُثْمَانَ ... فذَكَرَه.
ورواه الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ في (مسنده): عن يونسَ بنِ محمدٍ، عن اللَّيْثِ ... به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لانقطاعه؛ أبو النَّضْرِ -وهو سالمُ بنُ أبي أُمَيَّةَ القُرَشيُّ- لم يُدْرِكْ عُثْمَانَ.
ولذا قال الدَّارَقُطنيُّ: "وقد رواه اللَّيْثُ، عن يَزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عن أبي النَّضْرِ، عن عُثْمَانَ مرسَلًا، لم يَذْكُرْ بيْنهما أحدًا" (التتبع صـ ٣١٣ - ٣١٤).
وقال العَيْنيُّ عَقِبَه: "أبو النَّضْرِ لم يَسمَعْ مِن أحدٍ مِنَ العشرةِ" (نخب الأفكار ١/ ٢٤٤).
وقال البُوصيريُّ في (مختصر الإتحاف) (١): "رواه أحمدُ بنُ مَنِيع (٢) والحارثُ وأبو يَعْلَى، ورجالُ الإسنادِ ثقاتٌ، إلَّا أنه مُنقَطِعٌ؛ أبو النَّضْرِ -اسمُه سالمٌ- لم يَسمَعْ مِن عُثْمَانَ".اهـ.
قلنا: ومما يُؤَكِّدُ انقطاعَه، أن الثَّوْريَّ -في روايةِ الجماعةِ عنه- رواه عن
стр. 6931
أبي النَّضْرِ، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن عُثْمَانَ -مختصَرًا-: ((أَنَّه تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ )، كذا دُونَ تسميةٍ.
ورواه وَكِيعٌ -وحدَه-، عنِ الثَّوْريِّ، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي أنسٍ، عن عُثْمَانَ، به مختصَرًا مِثْلَ روايةِ بُسْرٍ.
قال الدَّارَقُطنيُّ: "والصحيحُ قولُ مَن قال: عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، والله أعلم" (العِلَلِ ٢٥٩).
وسيأتي مَزِيدُ بيانٍ لهذه الروايةِ في "باب الوُضوء ثَلَاثًا"، حديث رقم (؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ).
قلنا: وأصْلُ الحديثِ في صفةِ الوُضوءِ صحيحٌ كما تَقَدَّمَ، ولكنْ بدُونِ ذِكْرِ حضورِ الصحابةِ المذكورين.
ولذا قال البُوصيريُّ عَقِبَه: "حديثُ عُثْمَانَ في الصحيحِ وغيرِه، وإنما أَوْرَدْتُه لانضمامِ مَن ذُكِرَ معه منَ الصحابةِ" (إتحاف الخيرة ١/ ٣٣٣).
* * *
تكميلِ مَسْحِ جميعِ الرأسِ، كما هو مذهبُ الإمامِ مالكٍ وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ، لا سيَّما على قولِ مَن زَعَم أنها خرَجَتْ مخرَجَ البيانِ لِمَا أُجمِل في القرآنِ" (التفسير ٣/ ٥٠).
وفيه من الأحكامِ: غَسْلُ اليدِ قَبْلَ إدخالِها الإناءَ ولو كان مِن غيرِ نومٍ.
واستُدِلَّ به: على استحبابِ الجمعِ بيْن المضمضةِ والاستِنشاقِ من كلِّ غَرْفةٍ.
قولُه: ((بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ)) الظاهرُ أنه من الحديثِ وليس مُدْرَجًا من كلامِ مالكٍ؛ ففيه حُجَّةٌ على مَن قالَ: السُّنَّةُ أنْ يَبدأَ بمُؤَخَّرِ الرأسِ إلى أن ينتهي إلى مُقَدَّمِه؛ لظاهِر قولِه: ((أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ)).
ويَرِدُ عليه أن الواوَ لا تقتَضي الترتيبَ، وقد ورد من رواية سُلَيمانَ بنِ بلالٍ: ((فَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ))، فلم يكن في ظاهِرِهِ حُجَّةٌ؛ لأن الإقبالَ والادبارَ من الأمورِ الإضافيةِ، ولم يُعيّنْ ما أَقْبَل إليه ولا ما أَدْبَرَ عنه، ومَخرَجُ الطريقين مُتَّحِدٌ، فهُمَا بمعنًى واحدٍ، وعيَّنَتْ روايةُ مالكٍ البُداءةَ بالمُقَدَّمِ، فيُحمَلُ قولُه: ((أَقْبَلَ)) على أنه مِن تسميةِ الفعلِ بابتدائِه، أي: بدأ بقُبُلِ الرأسِ.
وفيه: الإفراغُ على اليدينِ معًا في ابتِداءِ الوُضوءِ.
وفيه: أنَّ الوضوءَ الواحدَ يكون بعضُه بمَرَّةٍ، وبعضُه بمَرَّتين، وبعضُه بثلاثٍ.
وفيه: جوازُ الاستعانةِ في إحضارِ الماءِ مِن غيرِ كراهةٍ.
وفيه: التعليمُ بالفعلِ.
стр. 6934
وفيه: أنَّ الاغتِرافَ مِنَ الماءِ القليلِ للتَّطَهُّرِ لا يُصَيِّرُ الماءَ مستعمَلًا. (الفتح ١/ ٢٩١ - ٢٩٣).
[التخريج]:
[خ ١٨٥ (والروايتان، والزيادة الرابعة له)، ١٨٦ (والزيادة الأولى والثانية والثالثة والخامسة له)، ١٩٢ (واللفظ له) / م ٢٣٥/ د ١١٧/ ت ٣١، ٤٧/ ن ١٠٠/ كن ١٢٦/ جه ٤٣٨/ طا ٣٢/ حم ١٦٤٣١، ١٦٤٣٨، ١٦٤٤٣ (والزيادة السادسة له) / مي ٧١٢، ٧١٣/ خز ١٦٥، ١٦٦، ١٨٣/ حب ١٠٧٢/ عه ٧٢٧ - ٧٢٩، ٧٣٢، ٧٤٨، ٧٤٩/ عب ٥، ١٣٨/ حمد ٤٢١/ قط ٢٧٠، ٢٦٩/ هق ٢٣٢، ٢٧٢، ٣٧٩/ هقع ٦٥٦، ١٦٨٦، ١٦٨٧/ شف ٤٥، ٤٦/ أم ٧٩/ خشف ٣١/ سا (صـ ١٦٢) / جا ٧٣/ مدونة (١/ ١١٣) / طهور ٣٣٩/ ني ١٠٠٦/ حرب (طهارة ١٧٤) / منذ ٣٤٩، ٣٨١/ شا ١٠٨٧/ طح (١/ ٣٠، ٣٦/ ١٢٨، ١٧١) / مسن ٥٥٧، ٥٥٨/ مشب ٨٣٠/ مخلص ١٤٤٨/ تحقيق ١٣١/ إدريس (صـ ٦٩)].
[السند]:
أخرجه البُخاريُّ (١٩٢) قال: حدثنا سُلَيمانُ بنُ حَرْبٍ، قال: حدثنا وُهَيْبٌ، قال: حدثنا عَمرُو بنُ يحيى، عن أبيه، قال: ((شَهِدْتُ عَمرَو بنَ أبي حَسنٍ، سَأَلَ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ عن وُضُوء النبيِّ ﷺ ... )) فذَكَره.
وأخرجه البُخاريُّ (١٨٦) عن موسى بنِ إسماعيلَ التَّبُوذَكيِّ، عن وُهَيْبِ بنِ خالدٍ، عن عَمرِو بنِ يحيى المازِنيِّ ... به نحوَه.
وأخرجه البُخاريُّ (١٨٥) قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا
стр. 6935
مالكٌ، عن عَمرِو بنِ يحيى المازِنيِّ، عن أبيه، أن رجلًا قال لعبدِ اللهِ بنِ زيدٍ -وهو جَدُّ عَمرِو بنِ يحيى-: ((أتستَطيعُ أنْ تُرِيَني كيفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ ... )) فذَكَره، وفيه صفةُ مَسْحِ الرأسِ.
تحقيق زيادة: [هَكَذَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ]:
أخرجه بها أحمدُ (١٦٤٤٣): عن عُثْمَانَ بنِ عُمَرَ، عن مالكٍ، عن عَمرٍو، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، به.
وهي زيادةٌ صحيحةٌ: أخرجه بها البُخاريُّ (١٩١)، ومسلمٌ (٢٣٥/ ١٨)، من طريقِ خالدِ بنِ عبدِ اللهِ، عن عَمرِو بنِ يحيى بنِ عُمارةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، بلفظ: ((هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
وأخرجه البُخاريُّ أيضًا (١٩٩)، من طريقِ سُلَيمانَ بنِ بلالٍ، عن عَمرِو بنِ يحيى، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، بلفظِ: ((هَكَذَا رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ)).
[تنبيهان]:
التنبيه الأول: قال البُخاريُّ (١٨٥): حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ، قال: أخبَرَنا مالكٌ، عن عَمرِو بنِ يحيى المازِنيِّ، عن أبيه، أن رجلًا قال لعبدِ اللهِ بنِ زيدٍ -وهو جَدُّ عَمرِو بنِ يحيى-: ((أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ ... )) الحديثَ.
فقد اختَلَفَتِ الرواياتُ في تعيينِ الرَّجُلِ الذي سَأَلَ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ ﵁، وقد أجابَ ابنُ حَجَرٍ عن ذلكَ، فقال: "قولُه هنا: وهو جَدُّ عَمرِو بنِ يحيى فيه تَجَوُّزٌ؛ لأنه عَمُّ أبيه، وسَمَّاهُ جَدًّا لكونِه في منزلتِهِ ... والذي يَجمَعُ هذا الاختِلافَ أن يقالَ: اجتَمَعَ عند عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ: أبو حَسَنٍ الأنصاريُّ،