تقدَّمَ الكلامُ عليه آنفًا.
قال التِّرْمِذيُّ: "حديثُ عليٍّ أَحْسَنُ شيءٍ في هذا البابِ وأَصَحُّ".
وصَرَّحَ بصحته في موضعٍ آخَرَ، حيثُ رواه مُطَوَّلًا كما سبقَ، وذكرنا هناك ممن صَحَّحَهُ: ابنُ السَّكَنِ وابنُ سيِّدِ الناسِ، وممن حَسَّنَهُ: البَغَويُّ وابنُ القَطَّانِ.
الطريق الثاني:
أخرجه ابنُ أبي شَيْبةَ (٦٠)، وأحمد (١٠٠٧): عن وكيعٍ، عن حسنِ بنِ عُقْبةَ المُراديِّ أبي كِبْران، قال: سمِعتُ عبدَ خَيْرٍ الهَمْدانيَّ يقول: قال عليٌّ: «أَلا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا»، واللفظُ لأحمدَ.
وأخرجه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في (زوائده على المسند) من طريقِ وَكِيعٍ به نحوَه.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله ثقات، فحَسَنٌ وَثَّقَهُ أحمدُ وابنُ مَعِينٍ وغيرُهُما.
وقال أحمد شاكر: "إسنادُهُ صحيحٌ" (تحقيق المسند).
الطريق الثالث:
أخرجه الطَّحاويُّ (١/ ٢٩) قال: حدثنا حسينُ بنُ نصرٍ، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، قال: ثنا زائِدَةُ بنُ قُدَامة، قال: ثنا عَلْقَمةُ بنُ خالدٍ أو خالدُ بنُ عَلْقَمةَ، عن عبدِ خَيْرٍ، عن عليٍّ ﵁ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا طُهُورُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ».
وهو خالدُ بنُ عَلْقَمة، وقد تقدَّمَ مُطَوَّلًا من هذا الطريقِ.
стр. 7037
الطريق الرابع:
أخرجه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٧٠٣٠) و (الصغير ٩٣٩) قال: حدثنا محمدُ بنُ جمعةَ بنِ خلَفٍ أبو قُرَيشٍ القُهُسْتانيُّ، ثنا الحسينُ بنُ إدريسَ الهَرَويُّ، ثنا خالدُ بنُ الهَيَّاجِ بنِ بِسْطَامٍ، عن أبيه، عن سفيانَ الثَّوْريِّ، عن شَرِيكِ بنِ عبدِ اللهِ، عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، عن عبدِ خَيْرٍ، عن عليٍّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا».
وقال في (الأوسط): "لم يَروِ هذا الحديث عن سفيانَ إلا هَيَّاجٌ، تفرَّدَ به: ابنُه".
وفي (الصغير ٩٣٩): "لم يَروِه عن سفيانَ عن شَرِيكٍ إلا هَيَّاجُ بنُ بِسْطَامٍ، تفرَّدَ به خالدٌ، ورواه غيرُهُ عن سفيانَ عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ نفْسِه".
وهَيَّاجٌ ضعيفٌ، روى عنه ابنُه خالدٌ منكَراتٍ شديدةً.
الطريق الخامس:
أخرجه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٣٦٠٠) قال: حدثنا زكريا بنُ يحيى بنِ سُلَيمانَ الأهوازيُّ العَدْلُ، قال: نا أبو كُرَيبٍ، قال: نا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن مختارٍ التَّمَّارِ، عن أبي حَيَّانَ التَّيْميِّ، عن أبيه، قال: رَأَيتُ عَلِيًّا ﵁ «تَوَضَّأَ مِنْ مِطْهَرَةِ التَّيْمِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا»، وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ».
وقال: "لم يَروِ هذا الحديث عن أبي حَيَّانَ التَّيْميِّ إلا مختارٌ التَّمَّارُ، وهو: مختارُ بنُ نافعٍ".
قلنا: ومختارٌ ضَعَّفُوه.
стр. 7038
رِوَايَةُ زِرِّ بْنِ حُبَيْش عَنْ عَلِيٍّ، وَفِيهَا أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى لَمَّا يَقْطُرْ
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا ﵁ وَسُئِلَ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: [فَأَهَرَاقَ المَاءَ فِي الرَّحَبَةِ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَوَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا]، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى لَمَّا يَقْطُرْ (حَتَّى كَادَ أَنْ يَقْطُرَ)، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[الحكم]: صحيحٌ لغيرِهِ، وإسنادٌ جيِّدٌ. وَصَحَّحَهُ: النَّوَويُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، وأحمد شاكر، والألبانيُّ. وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ القَطَّانِ، وابنِ القَيِّمِ.
[فائدة]:
قولُهُ: ((وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى لَمَّا يَقْطُرْ))، قال ابنُ القَطَّانِ: ((هذا اللفظُ يُفهمُ منه تثقيلُ المسحِ، ولكن ليس ذلك بنصِّه؛ فقد يحتملُ أن يُتأوَّلَ، وهذه روايةُ أبي نُعَيمٍ، عن ربيعةَ بنِ عُبَيدٍ الكِنانيِّ، عن المِنْهالِ بنِ عَمرٍو، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ.
وتَرَك -أي: عبدُ الحقِّ الإشبيليُّ- عند [عبد] الرزاق (١): روايةَ عبدِ اللهِ بنِ رجاءٍ، عن ربيعةَ بنِ عُبَيدٍ المذكورِ لهذا الحديثِ، قال فيه: ((ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ حَتَّى كَادَ أَنْ يَقْطُرَ)).
فهذا أقوى في الدلالةِ على تثقيلِ المسحِ" (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٥٩٥).
стр. 7039
[التخريج]:
[د ١١٤ (واللفظُ له) / حم ٨٧٣/ بز ٥٦١ (والرواية والزيادة له ولغيرِهِ) / طس ٣٧٣٦/ هق ٢٦٥، ٣٥٢/ تحقيق ١٣٦/ ضيا (٢/ ٧٧/ ٤٥٥) / أصبهان (١/ ٢٦٧) / تخ (٣/ ٢٩١) / علحا (١/ ٤٣٧ - ٤٣٩/ ٢٨) / كما (٩/ ١٣١، ١٣٢) / سمويه (كبير ١٧/ ٢٥٤)].
[السند]:
رواه أحمدُ (٨٧٣) عن معاويةَ الفَزَاريِّ.
ورواه أبو داودَ (١١٤): عن عُثْمَانَ بنِ أبي شَيْبةَ. والطَّبَرانيُّ في (الأوسط) عن عليِّ بنِ عبدِ العزيزِ. كلاهما: عن أبي نُعَيمٍ الفضلِ.
ورواه البَزَّارُ (٥٦١): من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ رَجاءٍ.
ثلاثتُهم (معاويةُ، وأبو نُعَيمٍ، وابنُ رَجاء): عن ربيعةَ الكِنانيِّ، عن المِنْهالِ بنِ عَمرٍو، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، به.
ومداره عندَ الجميعِ على ربيعةَ الكِنانيِّ، به.
وقال البَزَّارُ عَقِبَه: "ولا نَعلَمُ روَى المِنْهالُ، عن زِرٍّ، عن عليٍّ ﵁، حديثًا مُسنَدًا إلا هذا الحديث".
وقال الطَّبَرانيّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن المِنْهالِ بنِ عَمرٍو، إلا ربيعةُ الكِنَانيُّ، وهو: ربيعةُ بنُ عُبَيدٍ، كُوفيٌّ" (الأوسط).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ جيِّدٌ؛ رجاله رجال البُخاريِّ غيرَ ربيعةَ بنِ عُبَيد -وقيل: ابن عُتْبةَ- الكِنانيِّ؛ وقد وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ (الجرح والتعديل ٣/ ٤٧٨)، والعِجْليُّ في
стр. 7040
(معرفة الثِّقات وغيرهم ٤٦٧)، وقال أبو حاتم: "شيخ" (الجرح والتعديل ٣/ ٤٧٨)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٨/ ٢٤٠)، وقال الذَّهَبيُّ: "ثقة" (الكاشف ١٥٥١)، وقال ابنُ حَجَرٍ: "صدوقٌ" (التقريب ١٩١٢).
والمِنْهالُ بنُ عَمرٍو: وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، والنَّسائيُّ، والعِجْليُّ، وابنُ حِبَّانَ. وقال الدَّارَقُطنيُّ: "صدوقٌ". وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سمِعتُ أَبي يقولُ: "أبو بِشْرٍ أَحَبُّ إليَّ من المِنْهالِ بنِ عَمرٍو"، قلتُ له: أَحَبُّ إليك من المِنْهالِ بنِ عمرٍو؟ قال: "نعم، شديدًا، أبو بِشْرٍ أَوْثَقُ، إلا أن المِنْهالَ أَسَنُّ". وغمَزَه شُعبةُ ويحيى القَطَّانُ، وَضَعَّفَهُ ابنُ حَزْمٍ. انظر (تهذيب التهذيب ١٠/ ٣١٩). وقال ابنُ حَجَرٍ: "صدوقٌ ربما وَهِمَ" (التقريب ٦٩١٨).
قلنا: فحديثُه لا ينزلُ عن رتبةِ الحسنِ؛ فقد وَثَّقَهُ أئمةُ الجرحِ والتعديلِ، ولم يُضَعِّفْهُ إلا ابنُ حَزمٍ، وهو معروفٌ بتسرُّعه في تضعيفِ الثِّقاتِ وتجهيلِهم، وأمَّا غمْزُ شُعبةَ والقَطَّانِ له، فلغيرِ الحديثِ، كما سيأتي.
ولذا رمزَ له الذَّهَبيُّ في (الميزان ٨٨٠٦)، والحافظُ في (اللسان ٢٧٦٦) بـ"صح"، وهو يعني عند الذَّهَبيِّ: أن العملَ على توثيقِهِ، وعندَ ابنِ حَجَرٍ: أنه ممن تُكُلِّم فيه بلا حُجَّةٍ (١).
والحديثُ صَحَّحَهُ ابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ١٨٥) وقال: "قال النَّوَويُّ في (كلامه على أبي داودَ) في الأول: هذا إسنادٌ صحيحٌ، كل رجاله في الصحيحِ مشهور، إلا ربيعةَ بنَ عُتْبةَ الكِنانيَّ، وقد وَثَّقَهُ يحيى بنُ مَعِينٍ، ولم يجرحه غيرُهُ؛ فالحديثُ صحيحٌ" (البدر المنير ٢/ ١٨٥).
стр. 7041
وقال أحمد شاكر: "إسنادُهُ صحيحٌ" (تحقيق المسند ٨٧٣).
وقال الألبانيُّ: "وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله رجالُ البُخاريِّ؛ غيرَ ربيعةَ الكِنانيِّ -وهو ابنُ عُتْبةَ؛ ويقال: ابنُ عُبَيدٍ-، وهو ثقةٌ اتفاقًا" (صحيح أبي داود ١/ ١٩٤/١٠٣).
وذكره عبدُ الحَقِّ في (الأحكام الوسطى ١/ ١٧٢) وقال عَقِبَه: "هذا يرويه ربيعةُ الكِنانيُّ (١)، عن المِنهالِ بنِ عَمرٍو، عن زِرٍّ".
قال ابنُ القَطَّانِ: "وليس لقائلٍ أن يقولَ: هو عنده صحيح، فإنه سكتَ عنه؛ لأنه قَلَّما يَذْكُر من الحديثِ إسنادَهُ أو قِطعةً من إسنادِهِ إلا ليُعَيِّنَ موضعَ النظر فيه، إلا أنه لم يبينْ في هذا موضعَ النظر.
وليس في الإسنادِ مَن يُسألُ عنه غيرُ المِنهالِ بنِ عَمرٍو، فمن أجْلِه -والله أعلم- جَعَلَ الحديثَ -أي: عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ- مما ينبغي أن يُنظر فيه، فإنَّ شيخَه ومعتمَدَه في التصحيحِ والتضعيفِ أبا محمدٍ بنَ حَزمٍ يُضَعِّفُ المِنهالَ بنَ عَمرٍو هذا، ويقول: إنه كان لا يُقبَل في باقة بَقْلٍ"، ثُمَّ قال: "والرجلُ قد وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ والكوفيُّ (٢)، وليس عليه درَك فيما حكَى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حَنبَل عن أبيه، مِن قوله: تَرَكَ شُعبةُ المِنهالَ على عمْدٍ. قال ابنُ أبي حاتم: لأنه سمِعَ مِن دَاره صوتَ قِرَاءةٍ بالتطريبِ؛ فإن هذا ليس بجَرحةٍ، إلا أن يُتجاوزَ إلى حدٍّ يحرم، ولم يُذكَرْ ذلك في الحكايةِ، ولا
стр. 7042
أيضًا فيما بشّع من هذه الحكاية، وذلك ما ذَكَر العُقَيليُّ عن وَهْبٍ، قال: سمِعتُ شُعبةَ يقول: أتيتُ مِنْهالَ بنَ عَمرٍو، فسمِعتُ عنده صوتَ طُنْبُورٍ، فرَجَعتُ ولم أسأله، قيل: فهلَّا سألْتَه، فعسى كان لا يَعْلَمُ؟
فهذا -كما ترى- التَّعسُّفُ فيه ظاهر، ولا أعلمُ لهذا الحديثِ عِلَّةً غيرَ ما ذكرتُ، فاعْلَمْه" انظر (بيان الوهم والإيهام ٣/ ٣٦١ - ٣٦٣).
وقال في موضعٍ آخَرَ: "ولم يُبَيِّنْ عِلَّتَه عنده، وأراها المِنهالَ بنَ عَمرو، ولا عَيْبَ له عندي" (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٦٦٤).
ودافعَ ابنُ القَيِّم أيضًا عن المِنهالِ، وعَقَّبَ على قصةِ شُعبةَ بقوله: "وليس في شيءٍ من هذا ما يَقدحُ فيه"، ثُمَّ قال: "وقال ابنُ القَطَّانِ: ولا أعلمُ لهذا الحديثِ عِلَّةً"، وأقَرَّه. (تهذيب سنن أبي داود ١/ ١٣٤).
قلنا: ولكنْ أَعَلَّه أبو حاتم الرَّازيُّ؛ فسُئِلَ عنه فقال: "إنما يُروَى هذا الحديثُ عن المِنهالِ، عن أبي حَيَّةَ الوادعيِّ، عن عليٍّ، عنِ النبيِّ ﷺ ؛ وهو أَشْبَهُ"، ثُمَّ أَسنَدَهُ من طريقِ عَمرِو بنِ ثابتٍ، عن المِنهالِ بنِ عمرٍو، عن أبي حَيَّةَ بنِ قَيْسٍ، عن عليٍّ. (العلل ٢٨).
وأقَرَّه الحافظُ في (النُّكت الظِّراف ٧/ ٣٧٣)، وكذا في (التلخيص الحبير ١/ ١٣٥)، إلا أنه عَزَاهُ في (التلخيص) لأبي زُرْعةَ، تَبعًا لأصله (البدر المنير ٢/ ١١٥)، والصوابُ أنه لأبي حاتم كما في (العلل).
قلنا: ولكن إعلاله بذلك فيه نظرٌ؛ فإن عَمرَو بنَ ثابتٍ هذا هو ابنُ هُرْمُزَ، وهو ضعيفٌ جدًّا، ترَكَه ابنُ المباركِ، وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ"، وقال مرَّة: "ليس بثقةٍ ولا مأمون"، وقال النَّسائيّ: "متروكُ الحديثِ"، وقال البُخاريُّ: "ليس بالقويِّ عندهم"، وَضَعَّفَهُ أبو حاتم وأبو زُرْعةَ وغيرُ وَاحدٍ.
стр. 7043
وقال ابنُ حِبَّانَ: "يروي الموضوعات"، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "الضَّعفُ على رواياته بَيِّنٌ". راجع (تهذيب التهذيب ٨/ ٩ - ١٠)، و (الضعفاء الصغير للبخاري ٢٦)، و (الجرح والتعديل ٦/ ٢٢٣).
فروايةُ عَمرِو بنِ ثابتٍ هذه أَوْلى بالاستنكارِ؛ ولذا أخرجها الدَّارَقُطنيُّ في (الأفراد) -كما في (الأطراف ٤٤٢) -، وقال: "غريبٌ من حديثِ المِنهالِ بنِ عَمرٍو، عن أبي حَيَّةَ، تفرَّدَ به عَمرُو بنُ ثابتٍ" اهـ. إشارة منه إلى نكارتها.
وقال أبو أحمدَ الحاكمُ في ترجمة أبي حَيَّةَ: "رُوِيَ عن المِنهالِ بنِ عَمرٍو عنه إنْ كان محفوظًا"، ثُمَّ ساقَ بسندِهِ عن عَمرِو بنِ ثابتٍ، عن المِنهالِ، عن أبي حَيَّةَ، قال: رَأَيتُ عَلِيًّا ﵁ دَخَلَ الرَّحَبَةَ ... فذَكَر حديثَ الوُضوء بطُولِهِ. (الكُنى ٤/ ٧٠ - ٧١).
* * *
стр. 7044
رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: رَأَيتُ عَلِيًّا ﵁ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
[الحكم]: إسنادُهُ صحيحٌ. وَصَحَّحَهُ: ابنُ حَجَر، والألبانيُّ. وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ عبدِ الهادِي، وابنِ المُلَقِّنِ.
[التخريج]: [د ١١٥].
[السند]:
قال (أبو داودَ): حدثنا زيادُ بنُ أيوبَ الطُّوسيُّ، حدثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، حدثنا فِطْرٌ، عن أبي فَرْوةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح عدا فِطْرَ بنَ خليفةَ، روَى له البُخاريُّ مقرونًا، وَوَثَّقَهُ أحمدُ وابنُ مَعِينٍ والعِجْليُّ وابنُ سعدٍ، وقال أحمدُ: "كان فِطْرٌ عند يحيى بنِ سعيدٍ ثقةً"، وقال أبو حاتم: "صالحُ الحديثِ، كان يحيى بنُ سعيدٍ يرضاه، ويحسن القول فيه، ويحدِّثُ عنه"، وقال النَّسائيُّ: "ليس به بأسٌ"، وقال في موضعٍ آخَرَ: "ثقةٌ حافظٌ كَيِّسٌ". وقال الساجيُّ: "صدوقٌ، ثقةٌ، ليس بمُتْقِن"، وتَكَلَّمَ فيه بعضُهم لسُوءِ مذهبه. انظر (تهذيب التهذيب ٨/ ٣٠١).
وقال الحافظُ ابنُ عبدِ الهادِي: "ورواته صادقون مُخَرَّجٌ لهم في (الصحيح)، وأبو فَرْوةَ: اسمه مسلم بن سالم الجُهَني" (المحرر ١/ ١٠٠).
стр. 7045
ووثَّقَ ابنُ المُلَقِّنِ رجالَه، وكأنه يشيرُ إلى تصحيحه (البدر المنير ٢/ ١١٨ - ١١٩).
وَصَحَّحَهُ الحافظُ في (التلخيص ١/ ١٣٦).
وقال الألبانيُّ: "وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله رجال البُخاريِّ؛ غير أن فِطْرًا -وهو ابنُ خليفةَ- هو عنده مقرونٌ بآخَرَ" (صحيح أبي داودَ ١/ ١٩٥/ ١٠٤).
* * *
رِوَايَة: وَأَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا:
• وَفِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرَةٍ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَأَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]: [قط ٣٠٠/ مديني (لطائف ٧٦٠)].
[السند]:
أخرجه الدَّارَقُطنيُّ في (السنن) -ومن طريقِه أبو موسى المَدِينيُّ في (اللطائف ٧٦٠) -، قال: حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ، حدثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحسنِ القَطَوانيُّ، حدثنا حسنُ بنُ سَيْفِ بنِ عَمِيرةَ، حدثني أخي عليُّ بنُ سَيْفٍ، عن أبيه، عن أَبانَ بنِ تَغْلِبَ، عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، عن عبدِ خَيْرٍ، عن عليٍّ، به.
стр. 7046
وقال أبو موسى المَدِينيُّ عَقِبَه: "لا أعرفُ هذا الحديث من هذا الطريقِ إلا من روايةِ أبي العبَّاسِ بنِ سعيدٍ".
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه خمسُ عِلَلٍ:
الأولى: أحمد بن محمد بن سعيد، هو الحافظُ أبو العبَّاسِ ابنُ عُقْدةَ؛ وهو مُتكلَّمٌ فيه على سِعَةِ حفْظِهِ، تَكلَّمَ فيه الدَّارَقُطنيُّ والباغَنْديُّ ومُطَيَّنٌ وغيرُ وَاحدٍ، وقال الخَلِيليُّ: "في حديثِهِ نظرٌ؛ فإنه يَروي نُسَخًا عن شيوخٍ لا يُعرَفونَ، ولا يُتابَعُ عليها" (الإرشاد ٢/ ٥٧٩)، وقال الذَّهَبيُّ: "وكلُّ أَحدٍ يَخضَعُ لحِفْظِ ابنِ عُقْدةَ، ولكنه ضعيفٌ" (تاريخ الإسلام ٧/ ٦٥٥). وقال في (ديوان الضعفاء ٨٧): "مشهورٌ، ضَعَّفُوه"، وانظر ترجمتَه في (لسان الميزان ١/ ٦٠٣ - ٦٠٦/ ٧٥٢)، و (الكشف الحثيث عمَّن رُمِي بوضع الحديث ٧٨).
الثانية: وشيخُه محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحَسنِ القَطَوانيُّ؛ لا يُعرَفُ حالُه، ذكره الذَّهَبيُّ في (المشتبه)، وقال: "شيخٌ لابنِ عُقْدةَ"، انظر (توضيح المشتبه لابن ناصر الدين ٧/ ٢٣٥).
الثالثة: حسنُ بنُ سَيْفِ بنِ عَمِيرةَ، كذا وقعَ في (سنن الدارقطني) و (اللَّطائف) للمَدِينيِّ، و (إتحاف المَهَرة لابن حجر ١٤٥٥٨): "حسن"، وكذا ذكره الدَّارَقُطنيُّ في (المؤتلف والمختلف ٣/ ١٧٠٥) في ترجمة أبيهما، فقال: "سَيْفُ بنُ عَمِيرةَ وابناه عليٌّ وحَسنٌ ابْنَا سَيْفٍ كوفيُّون". وتَبِعَه ابنُ ماكولا في (الإكمال ٦/ ٢٨١).
وترجم له أبو موسى المَدِينيُّ في (اللطائف صـ ٣٨٢)، فقال: "حَسنُ بنُ
стр. 7047
سَيْفِ بنِ عَمِيرةَ، كوفيٌّ لا أعلمُ رَوَى عن أبيه شيئًا، يَروي عن أخيه عن أبيه"، ثُمَّ أَسنَدَ له هذا الحديثَ من طريقِ الدَّارَقُطْنيِّ، ثُمَّ قال: "لا أعرفُ هذا الحديثَ من هذا الطريقِ إلا من روايةِ أبي العبَّاسِ بنِ سعيدٍ، رواه أبو بكرِ بنُ مَرْدُويَهْ عن شيخٍ له، ووجدْتُ بخطِّه: حُسينُ بنُ سَيْفٍ، والصوابُ فيما أَظُنُّ: حَسن".
وترجم له الحافظ في (اللسان) باسم الحسين، فقال: "الحسينُ بنُ سَيْفِ بنِ عَمِيرةَ النَّخَعيُّ البَغداديُّ. ذكره الطُّوسيُّ في رجالِ الشيعةِ، قال: وهو أخو عليِّ بنِ سَيْفٍ، وكان أَبصَرَ مِن أخيه، وأَكثَرَ مَشايخَ، رحَل إلى البصرةِ والكوفةِ، وكان يَعرِفُ الفقهَ والحديثَ" (اللسان ٢٥٣١).
قلنا: فيبدو أن الراجحَ (الحَسن)، وهو مجهولُ الحالِ كما ترى، لم يُوَثِّقْهُ أحدٌ.
الرابعة: أخوه عليُّ بنُ سَيْفٍ؛ لم نجدْ له ترجمةً.
الخامسة: أبوهما سَيْفُ بنُ عَمِيرة؛ ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٨/ ٢٩٩) وقال: "يُغرِبُ". وقال أبو الفتحِ الأَزْديُّ: "يتكلمون فيه" (تهذيب الكمال ١٢/ ٣٢٨). وترجم له الذَّهَبيُّ في (ميزان الاعتدال ٣٦٣٨)، ولم يَذْكُرْ فيه سوى كلامِ الأَزْديِّ، وكذا في (ديوان الضعفاء ١٨٤٦). ومع هذا قال عنه الحافظُ: "صدوقٌ، له أوهامٌ" (التقريب ٢٧٢٥). وفيه نظرٌ؛ إذ لو قلنا: إن كلامَ الأَزْديِّ غيرُ معتبَر، فكذلك توثيقُ ابنِ حِبَّانَ غيرُ معتبَر، فالراوي إذا انفردَ بتوثيقه ابنُ حِبَّانَ، يقول فيه الحافظُ غالبًا: "مقبولٌ"، أي: مجهولٌ، فكيفَ يكون هنا مع كلامِ الأَزْديِّ صدوقًا؟ !
ولكن متن الحديث صحيح بما تقدم، فيشهدُ لقوله: ((وَأَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً
стр. 7048
جَدِيدًا))، ما سَبَق في الروايةِ الأُولى، وهو قولُهُ: ((ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنَى فِي الإِنَاءِ حَتَّى غَمَرَهَا المَاءُ، ثُمَّ رَفَعَهَا بِمَا حَمَلَتْ مِنَ المَاءِ، ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدِهِ اليُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ)).
وتقدم عند مسلم من حديث عبد الله بن زيد أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ.
* * *
رِوَايَة: مَضْمَضَ مَرَّتَيْنِ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ
• وَفِي رِوَايَةٍ، بِلَفْظ: (( ... وَمَضْمَضَ مَرَّتَيْنِ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ ... )).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ بهذا اللفظِ، والمحفوظُ في هذا الحديثِ أنه تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ كما سبقَ، وقد ثبتَ الوُضوءُ مرتين في غيرِ هذا الحديثِ.
[التخريج]: [عم ١١٩٨].
[السند]:
قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في (زوائده على المسند): حدثنا زكريا بنُ يحيى زَحْمُويَهْ، حدثنا شَرِيكٌ، عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، عن عبدِ خَيْرٍ، قال: ((صَلَّيْنَا الغَدَاةَ فَجَلَسْنَا إِلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَدَعَا بِوَضُوءٍ ... )) فذكره.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ شَرِيكٌ النَّخَعيُّ سيِّئُ الحفظِ كما سبقَ مِرارًا.
стр. 7049
وقد خالفه جمعٌ منَ الثِّقاتِ في هذا الحديثِ، كزائِدةَ وشُعبةَ وأبي عَوَانةَ وغيرِهم، فرَوَوْهُ عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، به وذكروا أنه تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا.
وذِكْرُ المرتين إنما تفرَّدَ به شَرِيكٌ عن سائرِ أصحابِ خالدِ بنِ عَلْقَمةَ الأثبات.
ولم ينتبه الشيخُ أحمدُ شاكر ﵀ لهذه المخالفةِ في المتنِ فصَحَّحَ إسنادَهُ، على مذهبِهِ في توثيقِ شَرِيكٍ.
* * *
رِوَايَة: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا
• وَفِي رِوَايَةٍ: (( ... وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا ... )).
[الحكم]: منكرٌ بهذا اللفظِ. وأنكره: الدَّارَقُطنيُّ، والبَيْهَقيُّ، وعبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ، والذَّهَبيُّ، والألبانيُّ. والمحفوظُ في الحديثِ أنه مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً واحدةً كما تقدم.
[التخريج]:
[بز ٧٣٦، ٧٩٥/ عم ١٣٦٠/ قط ٢٩٨/ خلدف ٧٣/ غيل ٨٢/ هق ٢٩٩، ٣٠٠/ هقخ ١٢٠، ١٢١/ خط (٥/ ٣٠٤) / حنف (رواية أبي نُعَيمٍ ١/ ٩٨ - ٩٩) / يوسف ٤/ فوائد الأَصبَهانيين لأبي محمد بنِ حيان (إمام ١/ ٥٤٥)].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ بهذا اللفظِ له طُرُقٌ:
стр. 7050
الأول:
أخرجه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في (زوائده على المسند ١٣٦٠): عن عَمرِو بنِ محمدِ بنِ بُكَيرٍ النَّاقِدِ، حدثنا العلاءُ بنُ هِلالٍ الرَّقِّيُّ، حدثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عَمرٍو، عن زيدِ بنِ أبي أُنَيْسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي حَيَّةَ، عن عليٍّ، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، ومتْنُه معلولٌ؛ رجاله ثقات رجال الشيخينِ غيرَ العلاءِ بنِ هلالٍ الرَّقِّيِّ وأبي حَيَّةَ، فأما أبو حَيَّةَ فقد تقدَّمَ الكلامُ عليه.
وأما العلاءُ بنُ هلالٍ الرَّقِّيُّ، فهو عِلَّةُ الإسنادِ؛ قال عنه أبو حاتم: "منكَرُ الحديثِ، ضعيفُ الحديثِ، عنده عن يَزيدَ بنِ زُرَيْعٍ أحاديثُ موضوعةٌ" (الجرح والتعديل ٦/ ٣٦٢ - ٣٦٣). وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان ممن يقلبُ الأسانيدَ، ويُغيِّرُ الأسماءَ، لا يجوزُ الاحتجاجُ به بحالٍ" (المجروحين ٢/ ١٧٦).
ولذا قال الألبانيُّ: "عِلَّتُه: العلاءُ بنُ هِلالٍ الرَّقِّيُّ؛ وهو ضعيفٌ جدًّا" (صحيح أبي داودَ ١/ ١٩٦).
قلنا: وهذه الروايةُ بذكرِ التثليثِ في مَسْحِ الرأسِ مِن مناكيرِهِ؛ فقد سبقَ الحديثُ من طريقِ الثَّوْريِّ وشُعبةَ وإسرائيلَ وغيرِهم عن أبي إسحاقَ دون ذِكْرِ التثليثِ في مسْحِ الرأسِ، بل ذَكَرَ أكثرُهم في متنِ الحديثِ أنه مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً واحدةً.
وقد رُوِيَ من طريقٍ آخَرَ عن أبي إسحاقَ:
الطريق الثاني:
أخرجه البَزَّارُ (٧٣٦، ٧٩٥) عن محمدِ بنِ مَعْمَرٍ، قال: نا أبو داودَ،
стр. 7051
قال: نا أبو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بنُ سُلَيمٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي حَيَّةَ بنِ قَيْسٍ، أنه رأى عليًّا ﵁ في الرَّحَبَةِ تَوَضَّأَ فغَسَل كَفَّيْهِ ... فذَكَره، ثُمَّ قال: قال أبو إسحاقَ: فحدَّثَني عبدُ خَيْرٍ، عن عليٍّ بمِثْلِ هذا الحديثِ.
وهذا معلولٌ من الوجهينِ:
فأما طريقُ أبي حَيَّةَ، فرجاله ثقات رجالُ الشيخينِ غيرَ أبي حَيَّةَ، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه.
ومحمدُ بنُ مَعْمَرٍ هو: القَيْسيُّ البَحْرانيُّ مِن رجالِ الشيخينِ، "صدوقٌ" (التقريب ٦٣١٣).
وأبو داودَ هو: سُلَيمانُ بنُ داودَ الطَّيالِسيُّ، "ثقة حافظٌ، غَلِطَ في أحاديثَ" (التقريب ٢٥٥٠).
وقد وَهِمَ الطَّيالِسيُّ أو البَحْرانيُّ -إن لم يكن الوَهَمُ من البَزَّارِ نفْسِهِ- في هذا الحديثِ على أبي الأَحْوَصِ؛
فقد رواه جمْعٌ منَ الثِّقاتِ عن أبي الأَحْوَصِ ولم يذكروا فيه التَّكرارَ في مسحِ الرأسِ.
ومن هؤلاءِ الثِّقات: مُسَدَّدٌ، وهَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، وقُتَيْبةُ بنُ سعيدٍ، وأبو بكرِ بنُ أبي شَيْبةَ، وأبو تَوْبةَ الرَّبِيعُ بنُ نافِعٍ، وغيرُهُم.
وصَرَّح كلٌّ مِن هَنَّادٍ وقُتَيْبةَ في روايتِهِما عنه أنه مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً واحدةً (سنن الترمذي ٤٨).
وهو الموافقُ لروايةِ الثِّقاتِ مِن أصحابِ أبي إسحاقَ، كشُعبةَ وسفيانَ وغيرِهما.
стр. 7052
وأما طريقُ عبدِ خَيْرٍ، فقد رواه التِّرْمِذيُّ (٤٩) عن قُتَيْبةَ وهَنَّادٍ، قالا: حدثنا أبو الأَحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ خَيْرٍ، ذَكَرَ عن عليٍّ مِثْلَ حديثِ أبي حَيَّةَ.
قلنا: وحديثُ أبي حَيَّةَ قَبْلَه (٤٨)، بلفظ: «وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً».
وهكذا أخرجه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في (زوائده على المسند ١٠٤٧)، وأبو يَعْلَى (٥٠٠)، عن خلَفِ بنِ هِشامٍ [البَزَّارِ]، حدثنا أبو الأَحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، قال: وذكرَ عبدُ خيرٍ، عن عليٍّ، مِثْلَ حديثِ أبي حَيَّةَ.
وهو عندهما قبل هذا بذِكْرِ التثليثِ في أعضاءِ الوُضوءِ دونَ مسْحِ الرأسِ، وهو الموافقُ لروايةِ مَن رواه عن أبي إسحاقَ غير أبي الأَحْوَص كما سيأتي قريبًا.
وقولُ أبي إسحاقَ في روايةِ خَلَفٍ: "وذَكَرَ عبدُ خَيْرٍ"، يوحي بأنه لم يسمعه منه، وهذا يُشَكِّكُ فيما عند البَزَّارِ، حيث قال: "فحدَّثَني عبدُ خَيْرٍ عن عليٍّ بمثل هذا"، فالظاهرُ أنه وهَمٌ أيضًا؛ فالذي يُخطِئُ في المتنِ يُخطِئُ في السندِ مِن بابِ أَوْلى، وقد رواه ثلاثةٌ منَ الثِّقاتِ عن أبي الأَحْوَصِ ولم يَذْكُروا سماعَ أبي إسحاقَ مِن عبدِ خَيْرٍ، بل روايةُ خَلَفٍ تَدُلُّ على الانقطاعِ كما رأيتَ، ويُؤَيِّدُه أن حديثَ أبي إسحاقَ هذا رواه عنه جماعةٌ آخرون بالعنعنةِ، انظر حديثَ عليٍّ ﵁ في (باب ما رُوِيَ في مسح القدمين).
وقد رُوِيَ من وجهٍ آخَرَ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ خَيْرٍ بالتثليثِ في مسحِ الرأسِ! .
رواه الخُلْديُّ في (الأول من فوائده ٧٣)، قال: أخبرنا القاسمُ بنُ محمدٍ، حدثنا إبراهيمُ، حدثنا شُعَيبٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ خَيْرٍ،
стр. 7053
قال: ((رَأَيتُ عَلِيًّا ﵁ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَهُ)).
والقاسمُ هو: ابنُ محمدٍ الدَّلَّالُ، وإبراهيمُ هو: ابنُ الحسنِ الثعلبيُّ، وشُعَيبٌ هو: ابنُ راشدٍ الكوفيُّ، وثلاثتُهم مُتكلَّمٌ فيهم، والمحفوظُ عن أبي إسحاقَ ما رواه الجماعةُ عن أبي الأَحْوَصِ عنه به دون ذِكْرِ التثليثِ في مسْحِ الرأسِ. وقد تُوبِع عليه أبو الأَحْوَصِ:
فرواه ابنُ شَاذانَ في (حديث ابن قانِع والدِّينَوَريِّ ٣٢) بسندٍ صحيحٍ عن غَيْلانَ بنِ جامعٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ خَيْرٍ، قال: ((أَتَىَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ المِطْهَرَةَ، وَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَدَمَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ)).
وغَيلانُ قديمٌ، مِن شيوخِ الثَّوْريِّ وشُعبةَ؛ فلا شكَّ أنه تحمَّلَه من أبي إسحاقَ قبل اختلاطه.
وتابَعه عبدُ الرحمنِ بنُ حُمَيدٍ الرُّؤاسيُّ عندَ ابنِ بَشْرانَ في (الثاني من أماليه ١٣١٤)، من طريقِ أبي غَسَّانَ عنه.
فهذا كلُّه يؤكِّدُ أن روايةَ التثليثِ في مسْحِ الرأسِ شاذَّةٌ، بل منكَرةٌ، والله أعلم.
الطريق الثالث:
أخرجه البَيْهَقيُّ في (الكبرى ٣٠٠)، و (الخلافيات ١٢١)، من طريقِ عبَّاسِ بنِ الفضلِ، (ثنا) (١) إبراهيمُ بنُ المُنْذِرِ، ثنا ابنُ وَهْبٍ، عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن
стр. 7054
محمدِ بنِ عليِّ بنِ حسينٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ، به.
وقد سبقَ من طرقٍ عنِ ابنِ وَهْبٍ مختصرًا ليس فيه صفةُ الوضوءِ، وابنُ وَهْبٍ في ابنِ جُرَيجٍ ليس بذاكَ كما سبقَ. وقد خُولِف في سندِهِ ومتنِهِ؛
فرواه حَجَّاجُ بنُ محمدٍ، عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن شَيْبةَ، عن محمدِ بنِ عليٍّ بسندِهِ، وذَكَرَ فيه التثليثَ في أعضاءِ الوُضوءِ إلَّا في مسْحِ الرأسِ، فقال فيه: "مَسْحَةً واحدةً".
وحَجَّاجٌ مِن أَثْبَتِهِم في ابنِ جُرَيجٍ؛ ولذا رجَّحَ الدَّارَقُطنيُّ رِوايتَه كما تقدم، وقد تابَعه على هذا اللفظِ عبدُ الرَّزَّاقِ -إلَّا أنه أَبهَمَ شيخَ ابنِ جُرَيجٍ-، وأبو قُرَّةَ -إلَّا أنه أسقطَ منه والدَ محمدِ بنِ عليٍّ-، وقد سبقَ بيانُ ذلك مُفَصَّلًا.
وعليه؛ فروايةُ ابنِ وَهْبٍ بذِكْرِ التثليثِ في مسْحِ الرأسِ ضعيفةُ السندِ، منكَرةُ المتنِ.
وقد أشارَ إلى إعلالِها البَيْهَقيُّ، فقال: "هكذا قال ابنُ وَهْبٍ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا. وقال فيه حَجَّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيجٍ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً".
وعلَّقَه أبو داودَ في (السنن)، وأشارَ إلى هذا الاختلافِ، فقال عَقِبَ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ عن عليٍّ الآتي قريبًا: ((وحديثُ ابنِ جُرَيجٍ عن شَيْبةَ يُشْبِهُ حديثَ عليٍّ، قال فيه حَجَّاجُ بنُ محمدٍ عنِ ابنِ جُرَيجٍ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وقال ابنُ وَهْبٍ فيه عنِ ابنِ جُرَيجٍ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا)) (السنن ١/ ٢٩).
قال ابنُ حَجَرٍ: "وهذا يوهمُ أن إسنادَ ابنِ وَهْبٍ عنِ ابنِ جُرَيجٍ كإسنادِ
стр. 7055
حَجَّاجٍ، وليس كذلك؛ فإن ابنَ جُرَيجٍ - (كذا فيه! وحقُّه أن يقولَ: فإن ابنَ وَهْبٍ) - لم يَذْكُرْ شَيْبةَ في السندِ، كذلك أخرجه البَيْهَقيُّ" (النُّكت الظِّراف ٧/ ٣٦٥).
وقد تُوبِع ابن وَهْبٍ على ذِكْرِ التثليثِ في مسحِ الرأسِ متابعةً لا يُفرحُ بها؛
فرواه أبو بكرِ في (الغَيلانيات ٨٢) عن أحمدَ بنِ الحُسينِ الصُّوفيِّ، ثنا أحمدُ بنُ عُمرَ بنِ يونسَ اليَماميُّ، ثنا محمدُ بنُ شُرَحْبِيلَ الصَّنعانيُّ، ثنا ابنُ جُرَيجٍ، عن أبي جعفرِ محمدِ بنِ عليِّ عن أبيه، عن جده، عن عليٍّ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)).
وهذا إسنادٌ تالفٌ؛ فيه: أحمدُ بنُ عُمرَ، نُسِبَ إلى جده، وهو أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عُمرَ بنِ يونسَ؛ كذَّبَه أبو حاتم وغيرُهُ، وقال الدَّارَقُطنيُّ: "متروكٌ" (تاريخ بغداد ٢٧٠٨).
ومحمدُ بنُ شُرَحْبِيلَ الصَّنعانيُّ؛ ضعَّفَهُ الدَّارَقُطنيُّ، وذكره ابنُ حِبَّانَ في الثِّقاتِ وقال: "مستقيمُ الحديثِ" (اللسان ٦٩٠٢).
الطريق الرابع:
أخرجه أبو يوسفَ القاضي في (الآثار ٤)، عن أبي حَنيفةَ، عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، عن عبدِ خَيْرٍ، عن عليٍّ، به.
ورواه الدَّارَقُطنيُّ والباقون من طريقِ أبي حنيفةَ به.
وهذا إسنادٌ واهٍ؛ رجاله ثقات غيرَ أبي حنيفةَ، وهو إمامٌ فقيهٌ معروفٌ، لكنه ضعيفٌ عند أهلِ الحديثِ مِن قِبَلِ حِفْظِه؛ إذ كان اعتناؤُه بالفقهِ قد غَلَبَ عليه فشُغِلَ به عن إتقانِ الحديثِ وضبْطِهِ، وقد ضعَّفَه أحمدُ والبُخاريُّ ومسلمٌ والدَّارَقُطنيُّ وغيرُهُم، وتَكَلَّم فيه الثَّوْريُّ ومالكٌ واللَّيْثُ والأَوْزَاعيُّ وأيوبُ،
стр. 7056
وقال ابنُ عَدِيٍّ: ((وأبو حنيفةَ له أحاديثُ صالحة، وعامَّةُ ما يرويه غلَطٌ وتصاحيفُ، وزياداتٌ في أسانيدها ومتونها، وتصاحيفُ في الرجالِ، وعامَّة ما يرويه كذلك، ولم يَصِحَّ له في جميعِ ما يرويه إلا بضعةَ عشرَ حديثًا، وقد رَوَى مِن الحديثِ لعلَّه أَرْجَحُ مِن ثلاثمائةِ حديثٍ مِن مشاهيرَ وغرائبَ، وكلُّه على هذه الصورةِ؛ لأنه ليس هو مِن أهلِ الحديثِ، ولا يُحْمَلُ على مَن تكونُ هذه صورتَه في الحديثِ)) (الكامل ١٠/ ١٣٣).
وقال ابنُ حِبَّانَ: ((كان رجلًا جَدِلًا ظاهِرَ الوَرَعِ، لم يَكُنِ الحديثُ صناعتَه، حدَّثَ بمائةٍ وثلاثين حديثًا مسانيدَ ما له حديثٌ في الدنيا غيرُها، أخطأَ منها في مئةٍ وعشرينَ حديثًا، إمَّا أن يكونَ أقلب إسنادَه، أو غيَّرَ متْنَه من حيث لا يَعْلَمُ، فلمَّا غَلَبَ خَطَؤُه على صوابِهِ استحقَّ ترْكَ الاحتِجاجِ به في الأخبارِ.
ومن جهةٍ أخرى لا يجوزُ الاحتجاجُ به؛ لأنه كان داعيًا إلى الإرجاءِ، والداعيةُ إلى البِدَعِ لا يجوزُ أن يُحتَجَّ به عند أئمتنا قاطبةً، لا أعلمُ بينهم فيه خلافًا، على أن أئمةَ المسلمين وأهل الورعِ في الدِّينِ في جميعِ الأمصارِ وسائرِ الأقطارِ جَرَّحوه وأطلقوا عليه القدحَ إلا الواحد بعد الواحد)) (المجروحين ٢/ ٤٠٦).
ومع ضعْفِه، فقد خالفَ الحُفَّاظَ في روايتِهِ الحديثَ بالتثليثِ في مَسْحِ الرَّأْسِ:
قال الدَّارَقُطنيُّ: ((هكذا رواه أبو حنيفةَ عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، قال فيه: ((وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا))، وخالفه جماعةٌ منَ الحُفَّاظِ الثِّقاتِ، منهم: زائدةُ بنُ قُدَامة، وسفيانُ الثَّوْريُّ، وشُعبةُ، وأبو عَوَانةَ، وشَرِيكٌ، وأبو الأَشْهَبِ جعفرُ بنُ الحارثِ، وهارونُ بنُ سعدٍ، وجعفرُ بنُ محمدٍ، وحَجَّاجُ بنُ أَرْطاةَ، وأبانُ بنُ تَغْلِبَ، وعليُّ بنُ صالحِ بن حَيٍّ، وحازمُ بنُ إبراهيمَ،
стр. 7057
وحسنُ بنُ صالحٍ، وجعفرٌ الأحمرُ؛ فروَوْهُ عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، فقالوا فيه: ((وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً)))) (السنن ٢٩٨).
وقال أيضًا: ((واتَّفَقُوا في الحديثِ على مسْحِ الرأسِ مرةً واحدةً، إلا أبا حنيفةَ، فإنه قال في روايتِهِ عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، عن عبدِ خَيرٍ أنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا.
ومع خِلافِ أبي حنيفةَ للجماعةِ، وروايتِه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، قد خالَفَ في هذا، فزَعَم أن السُّنَّةَ في مَسْحِ الرأس مرَّةً واحدةً! )) (العلل ٢/ ٢٨).
وهذا لا يعني أن الدَّارَقُطنيَّ يَنفي أن السُّنَّةَ في مسْحِ الرأسِ واحدة، بل يريدُ أن يقولَ: إن أبا حنيفةَ خالَفَ الحُفَّاظَ في روايةِ الحديثِ، فرواه بالتثليثِ في مسحِ الرأسِ، ثُمَّ خالفَ روايتَه ولم يَقُلْ بها! ! ، وقال بأن السُّنَّةَ في مسحِ الرأسِ واحدة، وهو مقتَضى رواية الثِّقات.
وقال البَيْهَقيُّ: ((رواه زائدةُ بنُ قُدَامةَ وأبو عَوانةَ وغيرُهُما عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ دون ذِكْرِ التَّكرار في مسْحِ الرأسِ، وكذلك رواه الجماعةُ عن عليٍّ إلا ما شَذَّ منها)) (الكبرى ٣٠١).
وقد ذكره الغَسَّانيُّ في (تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني صـ ٢٢).
ونَقَل ابنُ المُلَقِّنِ كلامَ الدَّارَقُطنيِّ السابقَ في الإنكارِ على أبي حنيفةَ وأقَرَّه، انظر (البدر المنير ٢/ ١١٨).
ولذا ذَكَر عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ حديثَ خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، عن عبدِ خَيْرٍ، عن عليٍّ، وفيه: ((فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً))، ثُمَّ قال: ((ورواه عبدُ الملكِ بنُ سَلْعٍ، عن
стр. 7058
عبدِ خَيْرٍ، قال: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ثَلَاثًا.
وخالدُ بنُ عَلْقَمةَ أَوْثَقُ وأشهَرُ مِن عبدِ الملكِ، كذا رواه الحُفَّاظُ الثِّقاتُ عن خالدٍ.
ورواه أبو حنيفةَ عن خالدٍ، فقال: وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ولا يُحتَجُّ؛ به لضَعْفِه في الحديثِ)) (الأحكام الوسطى ١/ ١٧٢ - ١٧٣).
وأقَرَّه الألبانيُّ في (الضعيفة ٤٥٨). وانظر الرواية التالية.
رِوَايَة: مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ثَلَاثًا
• وَفِي رِوَايَةٍ، بِلَفْظ: ((تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ: هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيكُمُوهُ.
[الحكم]: منكَرٌ بذكرِ التثليثِ في مسْحِ الرأسِ والأُذُنينِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا. وَضَعَّفَهُ: عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ، والذَّهَبيُّ.
[التخريج]: [قط ٣٠٦/ هقخ ١٢٧].
[السند]:
رواه الدَّارَقُطنيُّ -ومن طريقِه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات) -، قال: حدثنا ابنُ القاسمِ بنُ زكريا، ثنا أبو كُرَيْبٍ، نا مُسْهِرُ بنُ عبدِ الملِكِ بنِ سَلْعٍ، عن أبيه، عن عبدِ خَيْرٍ، عن عليٍّ، به.
стр. 7059
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ واهٍ؛ فيه ثلاثُ عِلَلٍ:
الأولى: محمدُ بنُ القاسمِ بنِ زكريا المُحاربيُّ؛ قال الذَّهَبيُّ: "تُكُلِّمَ فيه" (الميزان ٦/ ٣٠٥)، وقال أيضًا: "مشهورٌ، ضُعِّفَ، يقال: كان (يُؤْمِنُ) بالرَّجعةِ، كذابٌ" (المغني في الضُّعفاء ٥٩٠٩)، وَضَعَّفَهُ ابنُ نُقْطةَ في (التكملة ٣٣٦١)، وانظر (سؤالات حمزة ٦٩)، و (توضيح المشتبه ٥/ ٢٠٧).
الثانية: مُسْهِرُ بنُ عبدِ الملكِ؛ لَيِّنُ الحديثِ كما في (التقريب ٦٦٦٧).
الثانية: عبدُ الملكِ بنُ سَلْعٍ، لم يُوَثِّقْهُ معتبَرٌ، وإنما ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٧/ ١٠٤) وقال: "كان ممن يُخطئُ".
والحديثُ مشهورٌ عن عبدِ خيرٍ دون ذِكْرِ التثليثِ في مسحِ الرأسِ.
ولذا ذكر عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ حديثَ خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، عن عبدِ خَيْرٍ، عن عليٍّ، وفيه: ((فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً))، ثُمَّ قال: "ورواه عبدُ الملِكِ بنُ سَلْعٍ، عن عبدِ خَيْرٍ، قال: ((وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ثَلَاثًا)).
وخالدُ بنُ عَلْقَمةَ أَوْثَقُ وأشهَرُ مِن عبدِ الملكِ، كذا رواه الحُفَّاظُ الثِّقاتُ عن خالدٍ" (الأحكام الوسطى ١/ ١٧٢ - ١٧٣).
وقال الذَّهَبيُّ -بعد أن ذَكَر هذه الروايةَ وسابقتَها-: "الكلُّ لا يَصِحُّ" (تنقيح كتاب التحقيق ١/ ٤٩).
стр. 7060
رِوَايَة: أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، قَالَ: ((كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ ﵁ يَوْمًا صَلَاةَ الغَدَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ دَعَا الغُلَامَ بِالطَّسْتِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ. ومسْحُ الأُذُنِ ثابتٌ من وجوهٍ أخرى كما تقدم من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ.
[التخريج]: [ش ٤٠١، ١٧٦].
[السند]:
أخرجه ابنُ أبي شَيْبةَ (٤٠١) قال: حدثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سُلَيمانَ، عن عبدِ الملِكِ بنِ سَلْعٍ، عن عبدِ خَيْرٍ، به.
وأخرجه ابنُ أبي شَيْبةَ (١٧٦) قال: حدثنا ابنُ نُمَيْرٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ سَلْعٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ عبدُ الملكِ بنُ سَلْعٍ لم يُوَثِّقْه معتبَرٌ، وإنما ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٧/ ١٠٤) وقال: "كان ممن يُخطئُ".
* * *
والتعديل ٩/ ٤٤٥).
وبه أَعَلَّ الحديثَ السُّيوطيُّ؛ فقال: "وأبو مطرٍ مجهولٌ" (جمع الجوامع ١٧/ ٣٢٨).
الثانية: المختارُ، وهو: ابنُ نافعٍ التَّمَّارُ؛ قال عنه البُخاريُّ والنَّسائيُّ وأبو حاتم والسَّاجيُّ: "منكَرُ الحديثِ"، وقال النَّسائيُّ في موضعٍ آخَرَ: "ليسَ بثقةٍ"، وقال أبو زُرْعةَ: "واهي الحديثِ"، وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان يأتي بالمناكيرِ عن المشاهيرِ حتى يَسبِقَ إلى القلبِ أنه كان المتعمِّدَ لذلك". وشَذَّ العِجْليُّ فَوَثَّقَهُ. انظر (تهذيب التهذيب ١٠/ ٧٠). وقال الحافظُ: "ضعيفٌ" (التقريب ٦٥٢٥).
ولذا قال أحمد شاكر: "إسنادُهُ ضعيفٌ" (تحقيق المسند ١٣٥٥).
* * *
العيدِ، وابنُ المُلَقِّنِ. وَصَحَّحَهُ أحمد شاكر. وحَسَّنَهُ الألبانيُّ. والحديثُ متْنُه مُشْكِل، وصَنِيع المُنكِرين له أَقْرَبُ.
[اللغة]:
قال العَيْنيُّ:
١ - قوله: ((وَقْدَ أَهْرَاقَ)) أي: أراق، والهاء فيه زائدة.
٢ - قوله: ((أَلَا أُرِيكَ)) "أَلَا" كلمةُ تنبيهٍ تَدُلُّ على تحقُّقِ ما بعدها، وتجيء بمعنى التوبيخ، والإنكار، والتَّمنِّي، والاستفهام عن النفي، والعَرْض، والتحضيض.
٣ - قوله: ((فَأَصْغَى)) أي: أَمَالَ.
٤ - قوله: ((وَاسْتَنْثَرَ)) أي: استنشق، وفي بعض الرواية: "هكذا".
وقال الخَطَّابيُّ: معناه: استنشقَ الماءَ، ثُمَّ أخرجه من أنفِهِ.
٥ - قوله: ((حَفْنَة)) الحَفنةُ: مِلْءُ الكفِّ.
٦ - قوله: ((فَضَرَبَ بِهَا)) أي: بالحَفنةِ وَجْهَهُ. فيه دليلٌ على أن ضرْبَ الماءِ على وجهِهِ في الوُضوءِ لا يُكره، ردًّا على قولِ مَن يرى كراهةَ ذلك.
٧ - قوله: ((ثُمَّ القَمَ إِبْهَامَيْهِ)) أي: أدخلَ إبهاميه ما أَقْبَلَ مِن أُذُنيه، من الإلقامِ، كأنه جعلهما لُقمةً لأذنيه. وقوله: ((مَا أَقْبَلَ)) مفعولُ ((القَمَ)).
٨ - قوله: ((ثُمَّ الثَّانِيَةَ)) أي: ثُمَّ فَعَلَ المرَّةَ الثانيةَ والثالثةَ مِثْلَ ما فعلَ في الأُولى.
٩ - قوله: ((يَسْتَنُّ عَلَى وَجْهِهِ)) أي: يَسِيلُ ويَنْصَبُّ، مِن سَننْتُ الماءَ، إذا صبَبْتُهُ صَبًّا سهلًا.
стр. 7065
١٠ - قوله: ((وَظُهُور أُذُنَيْهِ)) أي: مَسَحَ ظَهْرَيْ أُذُنيه، أطلقَ الجمعَ على التثنيةِ مجازًا، ومِن هذا أخذَ الشَّعبيُّ، وقال: إن ظاهرَ الأُذُنينِ مِنَ الرأسِ، وباطِنَها من الوجهِ.
١١ - قوله: ((وَفِيهَا النَّعْلُ)) جملةٌ وقعَتْ حالًا مِن رِجْلِه، النَّعْلُ مؤنَّثة، وهي التي تُلبَسُ في المشي، تُسمَّى الآن: تاسُومة.
١٢ - قوله: ((فَفَتَلَهَا بِهَا)) أي: فَتَلَ النَّعلَ بتلك الحَفنةِ من الماءِ، ومعنى فَتَلَها: أدارَ بيدِه فَوْقَ القَدَمِ وتحتَ النَّعْلِ.
١٣ - قوله: ((ثُمَّ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ)) أي: فَعَل في رِجْلِه الأخرى مِثْلَ ما فعلَ في الأُولى.
١٤ - قوله: ((قَالَ: قُلْتُ)) الضميرُ فيهما راجِعٌ إلى عُبَيدِ اللهِ الخَوْلانيِّ، والضميرُ الذي في قوله: ((قَالَ: وَفِي النَّعْلَيْنِ)) راجعٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ ﵄. (شرح سنن أبي داود للعَيْنيِّ ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
[الفوائد]:
قال الخَطَّابيُّ: ((وأما مَسْحُهُ على الرِّجْلينِ وهُمَا في النَّعلينِ فإن الروافضَ ومَن ذهبَ مذهبَهم في خلافِ جماعةِ المسلمينَ يحتجُّونَ به في إباحةِ المسْحِ على الرجلينِ في الطهارةِ من الحَدَثِ. واحتَجَّ بذلك أيضًا بعضُ أهلِ الكلامِ، وهو الجُبَّائيُّ، زَعَمَ أن المرءَ مُخيَّرٌ بيْنَ غَسْلِ الرِّجلِ ومَسْحِها!
وحُكِيَ ذلك أيضًا عن محمدِ بنِ جَريرٍ. محتجِّينَ بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، قالوا: والقراءة بالخفض في ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ مشهورةٌ، ومُوجَبها المسْحُ.
وهذا تأويلٌ فاسدٌ مخالِفٌ لقولِ جماعةِ الأُمَّةِ.
стр. 7066
فأمَّا احتِجاجُهم بالقراءةِ في الآيةِ فلا درَكَ لهم فيها؛ لأن العطفَ قد يقعُ مرَّةً على اللفظِ المجاورِ ومَرَّةً على المعنى المجاوِرِ، فالأوَّلُ كقولِهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، والخَرِب مِن نَعْتِ الجُحْرِ، وهو مرفوعٌ.
وكقول الشاعر:
كأنَّ نَسْجَ العَنْكَبُوتِ المُرْمَلِ
وقولِ الآخَرِ:
مُعاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فأَسْجِحْ ... فلسْنا بالجبالِ ولا الحَديدا
وإذا كان الأمرُ في ذلك على مذهبِ اللغةِ وحكم الإعرابِ سواءً في الوجهين، وَجَبَ الرجوعُ إلى بيانِ النَّبِيِّ ﷺ ، وقد ثبتَ عنه أنه قال: ((وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)).
فثبتَ أن استيعابَ الرِّجْلينِ غَسلًا واجبٌ. قلتُ: وقد يكونُ المَسْحُ في كلامِ العربِ بمعنَى الغَسلِ. أخبرَني الأزهريُّ، حدثنا أبو بكرِ بنُ عُثْمَانَ، عن أبي حازمٍ، عن أبي زيدٍ الأنصاريِّ، قال: المسحُ في كلامِ العربِ يكونُ غَسْلًا ويكونُ مسحًا، ومنه يقالُ للرجلِ إذا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ أعضاءَهُ: قد تَمَسَّحَ، ويقال: مَسَحَ اللهُ ما بِكَ، أي: أَذهَبَه عنك وطَهَّرَكَ مِنَ الذُّنُوبِ. (معالم السنن ١/ ٥٠، ٥١).
[التخريج]:
[د ١١٦ (واللفظ له) / حم ٦٢٥ (والروايات والزيادات له ولغيرِهِ) / خز ١٦٣/ حب ١٠٧٥/ عل ٦٠٠/ بز ٤٦٣، ٤٦٤/ هق ٢٤٧، ٣٥١/ ضيا (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠/ ٦٠٩) / علج ٥٧٨/ طح (١/ ٣٢/ ١٣٥) / طحق ٣٤ مختصرًا/ طبر (٨/ ١٨٠، ١٨١) مختصرًا/ كما (١٦/
стр. 7067
٢٣٠، ٢٣١) مختصرًا].
[السند]:
أخرجه أحمدُ قال: حدثنا إسماعيلُ، حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، حدثني محمدُ بنُ طَلْحةَ بنِ يَزيدَ بنِ رُكانةَ، عن عُبَيدِ اللهِ الخَوْلانيِّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، به.
ومدارُ إسنادِهِ عندَ الجميعِ على محمدِ بنِ إسحاقَ به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجاله ثقات غيرَ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ يَسَارٍ؛ فهو صدوقٌ يدلِّسُ، وقد صرَّحَ بالتحديثِ عند أحمدَ؛ فانتفتْ شُبهةُ تدليسه.
ولذا خرَّجه ابنُ خُزَيْمةَ وابنُ حِبَّانَ في صحيحيهما، وأقَرَّهما ابنُ دَقيقٍ في (الإمام ١/ ٥٠٧، ٥٠٨)، وكذا ابنُ المُلَقِّنِ، وقال: "لا جَرَمَ أن ابنَ حِبَّانَ أخرجه في صحيحه" (البدر المنير ٢/ ١٢١)، وقال أحمد شاكر: "إسنادُهُ صحيحٌ" (تحقيق المسند).
قلنا: ولكن في متنِ هذا الحديثِ ما يُنكَرُ، فضلًا عما يُشْكِلُ، وهو استنكارُ ابنِ عبَّاسٍ لغَسلِ القدمينِ في النعلينِ -إنْ قلنا بأن فَتْلَهما بالماءِ فيهما يقتَضي الغَسلَ-؛ فقد صَحَّ عنه أنه رَأى النبيَّ ﷺ يَغْسِلُ قدميه في نعليه، فكيف يستغربُ رواية عليٍّ لذلك وقد رواه؟ ! .
وقد أَنكَرَ هذا الحديثَ غيرُ وَاحدٍ من النُّقَّادِ، وعلى رأسهم إمامُ الصنعةِ البُخاريُّ.
فقال التِّرْمِذيُّ: ((سألتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ البُخاريَّ عن هذا الحديثِ، فقال: لا أدري ما هذا الحديث؟ ! )) نقله البَيْهَقيُّ في (السنن الكبرى عَقِبَ
стр. 7068
حديث رقم ٣٥١).
وقال الخَطَّابيُّ: "وأما هذا الحديثُ فقد تَكَلَّمَ الناسُ فيه، قال أبو عيسى: سألتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ عنه فضعَّفَه، وقال: ما أدري ما هذا" (معالم السنن ١/ ٥١)، وانظر (الإمام ١/ ٥٠٧)، و (البدر المنير ٢/ ١٢١).
وقال البَيْهَقيُّ عَقِبَ كلام البُخاريِّ: " فكأنه رأى الحديثَ الأولَ أَصَحَّ، يعني: حديثَ عطاء بن يسار".
قلنا: وحديثُ عطاء يرويه عنِ ابنِ عبَّاسٍ عنِ النبيِّ ﷺ في صفةِ الوُضوءِ، وفيه عند البُخاريِّ: "ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ -يَعْنِي: اليُسْرَى-، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ».
وفي رواياتٍ أُخرى لغيرِ البُخاريِّ أن ذلك الرَّشَّ والغَسْلَ كان ورِجلاه في النعلينِ، وقد خرَّجْناه في (باب جامع في صفة الوُضوء).
ثُمَّ قال البَيْهَقيُّ: "يحتمل -إنْ صحَّ- أن يكون غَسَلهما في النعلين، فقد رُوِّينا مِن أوجُهٍ كثيرةٍ عن أميرِ المؤمنين عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنه غسلَ رجليه في الوُضوءِ" (السنن الكبرى عَقِبَ حديث رقم ٣٥١).
فكأن المشكلةَ عنده في ذكرِ الفَتْلِ فقط دون الغسل، وفاته استغرابُ ابنِ عبَّاسٍ لذكر النعلين، في حين قد روَى هو ذلك كما سبقَ، وأيضًا الفصل بين مسح باطن الأذن وظاهِرِها، حيث جعل الباطن مع الوجه، والظاهِرَ مع الرأسِ.
وحمَل فيه البَزَّارُ على عُبَيدِ اللهِ الخَوْلانيِّ، فقال: "وهذا الحديثُ بهذه الألفاظِ لا نعلمه يُروى عنِ النبيِّ ﷺ إلا بهذا الإسنادِ. وعُبيدُ الله الخَوْلانيُّ
стр. 7069
لا نعلمُ أن أحدًا يروي عنه غير محمد بن طلحة" (مسند البَزَّارِ ٢/ ١١١).
قلنا: كلا؛ بل روَى عنه بُسْرُ بنُ سعيدٍ، وعاصمُ بنُ عُمرَ بنِ قتادةَ، وروايتُهما عنه في صحيح البُخاريِّ.
وحمَلَ ابنُ الجَوزيِّ فيه على ابنِ إسحاقَ، فقال عَقِبَه: "محمدُ بنُ إسحاقَ مجروحٌ، قد كذَّبَه مالكٌ وهشام" (العلل المتناهية ١/ ٣٥١).
قلنا: وهذا إفراطٌ، وابنُ إسحاقَ صدوقٌ، إنما يُخافُ مِن تدليسِهِ، وقد صَرَّح بالسماعِ.
ولذا قال ابنُ دقيقِ العيدِ: "محمدُ بنُ طلحةَ بنِ يَزيدَ بن رُكانةَ قال فيه يحيى بنُ مَعِينٍ: "ثقة". وابنُ إسحاقَ قد صَرَّحَ بأنه حدَّثه في روايةِ يعقوبَ الدَّوْرَقيِّ عنِ ابنِ عُلَيَّةَ عنه؛ فسَلِمَ الحديثُ من احتمالِ التدليسِ. وعبيدُ اللهِ الخَوْلانيُّ محتَجٌّ به في الصحيح" (الإمام ١/ ٥٠٧)، وانظر (البدر المنير ٢/ ١٢١).
نعم، ابنُ إسحاقَ له بعضُ ما يُنْكَرُ، فلعلَّ هذا مِن مناكيرِهِ، لا سيما وقد ذَكَرَ في المتنِ أنه مسحَ باطنَ الأذنينِ مع الوجهِ، وظاهِرَهما مع الرأسِ، وهذا غريبٌ جدًّا.
وقال الحافظُ: "رواه أبو داودَ مُطَوَّلًا، والبَزَّارُ وقال: لا نعلمُ أحدًا روَى هذا هكذا إلا من حديثِ عُبَيدِ اللهِ الخَوْلانيِّ، ولا نعلمُ أن أحدًا رواه عنه إلا محمدُ بنُ طلحةَ بنِ يَزيدَ بن رُكانةَ. وقد صَرَّحَ ابنُ إسحاقَ بالسماعِ فيه، وأخرجه ابنُ حِبَّانَ من طريقِه مختصرًا، وَضَعَّفَهُ البُخاريُّ فيما حكاه التِّرْمِذيُّ" (التلخيص ١/ ١٣٦).
وحَكَمَ على ظاهرِهِ الشَّوْكانيُّ، فقال: "وأخرجَ أبو داودَ والبَزَّارُ مِن حديثِ
стр. 7070
تعليم عليِّ بنِ أبي طالبٍ وُضوءَ رسولِ الله ﷺ أنه مسَحَ ظُهورَ أُذُنيه، وإسنادُهُ حسَنٌ" (السيل الجرار صـ ٥٥).
وقال الألبانيُّ -تعقيبًا على كلامِ الحافظِ-: "وليس في هذه الحكايةِ ما يُبيِّنُ أن تضعيفَ البُخاريِّ للحديثِ إنما هو مِن قِبَل إسنادِهِ؛ كيف وابنُ إسحاقَ حسَنُ الحديثِ عندَه؟ وابنُ طلحةَ ثقة اتِّفاقًا؟ وعُبَيدِ اللهِ الخَوْلانيُّ مِن رجال صحيحه؟! بل فيها إشارةٌ إلى أن تضعيفَهُ إنما هو مِن قِبَلِ متْنِه؛ وهو قوله: ((فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى رِجْلِهِ وَفِيهَا النَّعْلُ))!
فإنه يُشعِرُ أنه مسَحَ عليها ولم يَغْسِلْهَا، وليس ذلك بمرادٍ؛ لقوله بعد ذلك: ففَتَلها بها؛ يعني: ليسيلَ الماءُ فيَعُمَّ القَدَمَ.
وبالجملةِ؛ فليس في الحديثِ -في متنِهِ أو سندِهِ- ما يقتضي تضعيفَه، لا سيما وقد ثبتَ الرَّشُّ على الرِّجل في (صحيح البُخاريِّ) من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ" (صحيح أبي داود ١/ ١٩٩).
قلنا: الرَّشُّ عند البُخاريِّ مقرونٌ بالغَسلِ، وفي المتنِ مع ذلك جعلَ مسْحَ باطن الأذنين مع الوجهِ، وظاهرهما مع الرأسِ، وهذا غريبٌ. وأيضًا فيه استِغرابُ ابنِ عبَّاسٍ لِمَا صحَّ عنه أنه رآه، كما رواه عطاء بن يسار. فالأقربُ أن وجْهَ استِنكارِ البُخاريِّ ما ذكره البَيْهَقيُّ مِن ترجيحِ حديثِ عَطاءِ بنِ يَسارٍ، والله أعلم.
* * *
стр. 7071
١٥٩٥ - حَدِيثُ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو:
◼ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو ﵄: قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الوُضُوءِ؟ فَأَرَاهُ الوُضُوءَ (فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ١ ثَلَاثًا ثَلَاثًا (فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) ٢، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا الوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ».
[الحكم]: إسنادُهُ حسَنٌ. وَصَحَّحَهُ: النَّوَويُّ، وابنُ دَقيقٍ، وابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ حَجَرٍ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[ن ١٤٥ (واللفظ له) / كن ٢١٨، ١٠٤، ١٠٣/ جه ٤٢٣/ حم ٦٦٨٤/ خز ١٨٤ (والرواية الأولى له ولغيرِهِ) / جا ٧٥/ معر ٧٨ (والرواية الثانية له ولغيرِهِ) / حق (غلق ٢/ ٩٦) / هق ٣٧٤/ منذ ٣٢٩/ غلق (٢/ ٩٦)].
[السند]:
رواه أحمدُ (٦٦٨٤) قال: حدثنا يَعْلَى، حدثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جده به.
ويَعْلَى هو ابنُ عُبَيدٍ، وسفيانُ هو الثَّوْريُّ.
وأخرجه النَّسائيُّ في كتابيه، وابنُ ماجَهْ، وابنُ المُنْذِرِ، وإسحاقُ، والبَيْهَقيُّ، من طرقٍ عن يَعْلَى.
ويَعْلَى ثقةٌ إلا في سفيانَ؛ ففيه لِينٌ، ولكنْ تُوبِع عليه يَعْلَى:
стр. 7072
فرواه ابنُ الجارُود وابنُ خُزَيْمةَ من طريقِ الأَشْجَعيِّ عن سفيانَ به، وله الرواية الأولى.
والأَشْجَعيُّ هو عُبيدُ اللهِ بنُ عُبَيدِ الرحمنِ "ثقةٌ مأمونٌ، أَثْبَتُ الناسِ كتابًا في الثَّوْريِّ" (التقريب ٤٣١٨).
ورواه ابنُ حَجَرٍ في (التغليق) من طريقِ أبي بكر الحَنَفيِّ، عن الثَّوْريِّ به، وعنده الرواية الثانية.
وأبو بكر اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، ثقة من رجال الشيخينِ.
وتُوبِع عليه الثَّوْريُّ أيضًا:
فرواه ابنُ الأعرابي (٧٨) من طريقِ إسرائيلَ وهُرَيمِ بنِ سفيانَ، كلاهما عن موسى بن أبي عائشةَ به، وله الرواية الثانية.
وإسرائيلُ ثقةٌ ثبْتٌ، وهُرَيمٌ ثقةٌ صدوقٌ، ورواه غيرُهُم عن موسى كما سيأتي عَقِبَ بقية رواياته.
فالحديثُ مَدارُه عندَهم على موسى بنِ أبي عائشةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ حسنٌ؛ فرجاله ثقاتٌ غيرَ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ وأبيه؛ فصدوقان كما في (التقريب ٥٠٥٠، ٢٨٠٦).
وفي الاحتجاجِ بهذه السلسلةِ خلافٌ بين النُّقَّادِ؛ ولذا قال ابنُ دَقيقِ العيدِ: "هذا الحديثُ صحيحٌ عند مَن يُصحِّحُ حديثَ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جده؛ لصحةِ الإسنادِ إلى عمرٍو" (الإمام ٢/ ٤٦).
قلنا: العملُ على الاحتجاجِ بحديثِهِ عن أبيه عن جده إلا فيما استُنكرَ عليه،
стр. 7073
فقد قال البُخاريُّ: "رأيتُ أحمدَ بنَ حَنبَلٍ، وعليَّ بنَ عبدِ اللهِ، والحُمَيديَّ، وإسحاقَ بنَ إبراهيمَ، يحتجُّون بحديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه" (التاريخ الكبير ٦/ ٣٤٢).
قال الذَّهَبيُّ: "لسنا نقولُ: إن حديثَهُ مِن أعلى أقسامِ الصحيحِ، بل هو من قَبِيلِ الحسنِ" (الميزان ٣/ ٢٦٨).
قلنا: وقد صَحَّحَ حديثَه هذا النَّوَويُّ في (المجموع ١/ ٤٣٨)، وابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ١٤٤ - ١٤٥)، وابنُ حَجَرٍ في (التلخيص ١/ ٨٣٦). وحسَّنَ إسنادَهُ الألبانيُّ في (الصحيحة ٢٩٨٠)، وَصَحَّحَهُ بشاهدٍ له.
وقد أشارَ ابن خُزَيْمةَ -فيما نقله ابنُ حَجَرٍ عنه- إلى اختلافٍ وقعَ فيه على سفيانَ، فقال: "لم يُسنِدْ هذا الخبرَ عن سفيانَ غيرُ الأَشْجَعيِّ ويَعْلَى".
قال ابنُ حَجَرٍ: "وروايتنا من طريقِ أبي بكرٍ الحَنَفيِّ تَرِدُ عليه" (التغليق ٢/ ٩٧).
قلنا: وسيأتي من طريقِ أبي أسامةَ عن سفيانَ مسنَدًا أيضًا.
وعبارةُ ابنِ خُزَيْمةَ في (الإتحاف ٩/ ٤٧٤): "لم يوصِلْ هذا الخبرَ غيرُ الأَشْجَعيِّ ويَعْلَى".
قال ابنُ حَجَرٍ: "يعني: أن أصحابَ سفيانَ رَوَوْهُ عنه، عن موسى، عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن جده، لم يقولوا: عن أبيه.
وقد رواه التِّرْمِذيُّ في (العلل) من حديث: الفضلِ بنِ موسى، وعيسى بنِ يونسَ، كلاهما عن سفيانَ، كذلك. وكذا رواه عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، عن سفيانَ" (الإتحاف ٩/ ٤٧٤).
стр. 7074
ولعلَّ هذا هو السببُ في قولِ ابنِ العربيِّ -عَقِبَ ذِكْرِه لهذا الحديثِ-: "ولم يثبُتْ" (العارضة ١/ ٦٢).
قلنا: ولم نجدْ روايةَ المذكورين في المطبوعِ من العللِ، ولا في غيرِهِ من المراجعِ!!. ولو ثبتَ عنهم، فروايةُ يَعْلَى ومَن تابعه على وصْلِه أَرْجَحُ؛ لأن سفيانَ تُوبِع على وصْلِه كما سبقَ.
وانظر بقيةَ الروايات التالية.
رِوَايَة: (أَوْ نَقَصَ))
• وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الوُضُوءِ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: ((هَكَذَا الطُّهُورُ، فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى، أَوْ ظَلَمَ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ مُطَوَّلًا: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا الوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ» أَوْ: «ظَلَمَ وَأَسَاءَ».
[الحكم]: مختلَفٌ فيه لأجْلِ قوله: «أَوْ نَقَصَ»، فبسببِ هذه اللفظةِ عَدَّه الإمامُ مسلمٌ مِن مناكيرِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ.
стр. 7075
بيْنما صَحَّحَهُ النَّوَويُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، وابنُ حَجَرٍ، والألبانيُّ، غيرَ أنه حَكَمَ على لفظة: «أَوْ نَقَصَ»، بالشُّذوذِ، وكذا أنكرها ابنُ الموَّاق، والسِّنديُّ. ومنَ العلماءِ مَن أوَّلها بما يَصرِفُها عن ظاهرها، كابنِ حَجَرٍ، والسُّيوطيِّ، وغيرِهم.
[التخريج]:
تخريج السِّياقة الأولى: [ش ٥٨].
تخريج السِّياقة الثانية: [د ١٣٤ (واللفظ له) / طح (١/ ٣٣/ ١٤٢، ١/ ٣٦/ ١٧٦) مختصرًا/ كجي (إمام ١/ ٤٤٠) / هق ٣٧٤/ هقخ ٢٨١، ٢٨٢/ بغ ٢٢٩].
[التحقيق]:
الحديثُ مدارُه على موسى بنِ أبي عائشةَ كما سبقَ، وقد وردَ عنه بزيادةِ «أَوْ نَقَصَ» مِن عِدَّةِ طرقٍ:
الأول:
رواه ابنُ أبي شَيْبةَ (٥٨) قال: حدثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جده به بلفظِ السِّياقةِ الأولى مختصرًا.
وهذا إسنادٌ رجاله ثقات رجال الصحيح عدا عَمرٍو وأبيه، وهُمَا صدوقان كما سبقَ.
وأبو أسامةَ هو: حمَّادُ بنُ أسامةَ، ثقةٌ ثبْتٌ ربما دَلَّسَ، وقد عنعنَ، وزاد فيه: «أَوْ نَقَصَ»، وتفرَّدَ بذلك مِن بيْن أصحاب الثَّوْريِّ.
وقال الألبانيُّ: "هذا إسنادٌ ظاهرُه الصحة، ولكن له علة، وهي عنعنة