١٦٩١ - حَدِيثُ ابنِ عبَّاسٍ
◼ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «المَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّةٌ، وَالأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ».
[الحكم]: ضعيفٌ، وَضَعَّفَهُ: الدَّارَقُطنيُّ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ الجَوزيِّ، والحافظُ، والسُّيوطيُّ، والمُناوِيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[قط ٢٨٢، ٣٤٦/ هقخ ١٨٠/ خط (٤/ ٣٨٠)، (٧/ ٤١٦) (مقتصرًا على آخره) / فر (ملتقطة ٤/ ق ٨٤) / تحقيق ١٢٩].
[السند]:
أخرجه الدَّارَقُطنيُّ قال: حدثنا أبو سهل بنُ زيادٍ، حدثنا الحسنُ بنُ العبَّاسِ، حدثنا سُوَيدُ بنُ سعيدٍ، حدثنا القاسمُ بنُ غُصْن، عن إسماعيلَ بنِ مسلمٍ، عن عطاءٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، به.
ومدارُ الحديثِ -عندهم- على القاسمِ بنِ غُصْن، عن إسماعيلَ بنِ مسلمٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه عِلَّتان:
الأولى: إسماعيلُ بنُ مسلمٍ، وهو المكِّيُّ؛ ضعيفٌ، قال الحافظُ: "ضعيفُ الحديثِ" (التقريب ٤٨٤)، وقد تركه النَّسائيُّ (الضُّعفاء والمتروكين ٣٦).
الثانية: القاسمُ بنُ غُصْن، قال فيه أحمدُ: "يُحدِّثُ بأحاديثَ منكرةٍ"، وقال أبو زُرْعةَ: "ليسَ بقويٍّ"، وقال أحمدُ: " ضعيفُ الحديثِ" (الجرح والتعديل
стр. 7495
٧/ ١١٦)، وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان ممن يروي المناكير عن المشاهيرِ، ويقلبُ الأسانيدَ حتى يرفع المراسيل ويسند الموقوف، لا يجوزُ الاحتجاج به إذا انفرد" (المجروحين ٢/ ٢١٦).
والحديثُ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطنيُّ، فقال: "إسماعيلُ بنُ مسلمٍ ضعيفٌ، والقاسمُ بنُ غُصْنٍ مِثْلُه، وخالَفَه عليُّ بنُ هشامٍ، فرواه عن إسماعيلَ بنِ مسلمٍ المكِّيِّ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ، ولا يصحُّ أيضًا" (السنن ٣٤٦).
وأقَرَّه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١/ ٣٧٨).
وقال ابنُ الجَوزيِّ: "هذا لا يصحُّ" (التحقيق ١٢٩).
وقال الحافظُ: "رواه الدَّارَقُطنيُّ، وهو حديثٌ ضعيفٌ" (التلخيص ١/ ١٣٢).
وأشارَ السُّيوطيُّ إلى ضَعْفِه في (الجامع الصغير ٩٢١٩).
وَضَعَّفَهُ المُناويُّ في (التيسير ٢/ ٤٥٧)، والألبانيُّ في (ضعيف الجامع ٥٩٣٨).
* * *
стр. 7496
٢٧١ - بَابُ مَا وَرَدَ فِي إِدْخَالِ الأَصَابِعِ فِي الفَمِ حِينَ الوُضُوءِ
١٦٩٢ - حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ:
◼ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ اسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَتَمَضْمَضَ، وَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي فَمِهِ، وَكَانَ يَبْلُغُ بِرَاحَتَيْهِ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ، وَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ مَسَحَ بِأُصْبُعَيْهِ مَا أَدْبَرَ مِنْ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ».
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وَضَعَّفَهُ الهيثميُّ.
[التخريج]: [طب (٤/ ١٧٨/ ٤٠٦٨)].
[السند]:
قال الطَّبَرانيُّ في (الكبير): حدثنا الحسينُ بنُ إسحاقَ التُّسْتَريُّ، حدثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمَويُّ، حدثني أبي، عن واصلِ بنِ السائبِ الرَّقَاشيُّ، عن أبي سَوْرةَ، عن أبي أيُّوبَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه ثلاثُ عِلَلٍ:
الأولى: فيه أبو سَوْرةَ الأنصاريُّ؛ قال فيه البُخاريُّ: "منكَرُ الحديثِ،
стр. 7497
يروي مناكيرَ عن أبي أيُّوبَ لا يُتابَع عليها" (سنن الترمذي ٤/ ٦٨٢ عَقِبَ الحديثِ ٢٥٤٤).
وفي موضعٍ آخَرَ سأله الترمذي عن اسمه، فقال: "لا أدري ما يصنع به؟ عنده مناكير" (علل الترمذي الكبير صـ ٣٣).
وقال التِّرْمِذيُّ: "وأبو سَوْرةَ هو: ابنُ أخِي أبي أيُّوبَ، يُضَعَّفُ في الحديثِ، ضعَّفَه يحيى بنُ مَعِينٍ جدًّا" (السنن ٤/ ٦٨٢).
وقال ابنُ حَجَرٍ: "ضعيفٌ" (التقريب ٨١٥٤).
الثانية: واصلُ بنُ السائبِ، أبو يحيى الرَّقَاشيُّ، قال فيه البُخاريُّ: "منكَرُ الحديثِ" (التاريخ الكبير ١/ ١٧٣)، وكذا قال أبو حاتم في (الجرح والتعديل ٩/ ٣٠).
وقال الذَّهَبيُّ: "وَاهٍ" (الكاشف ٦٠٢٨)، وقال الحافظُ: "ضعيفٌ" (التقريب ٧٣٨٣).
وبه أَعَلَّه الهيثميُّ فقال: "رواه الطَّبَرانيُّ في (الكبير) ... ، وفيه واصل بن السائب، وهو متروكٌ" (المجمع ١١٨٦).
الثالثة: الانقطاعُ؛ فأبو سَوْرةَ لم يسمعْ من أبي أيُّوبَ، قال البُخاريُّ: "لا يُعرَفُ له سماعٌ من أبي أيُّوبَ" (العلل الكبير للترمذي ٢٠).
وسيأتي تخريجُه بتوسُّع في: (باب تخليلِ اللِّحيةِ).
٢٧٤ - بَابَ مَا رُوِيَ فِي غَسْلِ الوَجْهِ بيد واحدة
١٦٩٨ - حَدِيثُ عَلِيٍّ:
◼ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ الخَيْوَانِيِّ، ((أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أُتِيَ بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا مَعَ الِاسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَوَضَعَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ وَلَا أَدْرِي أَدْبَرَ بِهِمَا أَمْ لَا، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا. ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى طُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ فَهَذَا طُهُورُ النَّبِيِّ ﷺ ).
[الحكم]: صحيحٌ دُونَ قولِه -عَقِبَ غَسْلِ الوجهِ-: «بِيَدٍ وَاحِدَةٍ»، فشَاذٌّ.
[التخريج]: [طي ١٤٢ (واللفظُ له) / فاصل (١/ ٥٦٨)].
[السند]:
رواه أبو داودَ قال: حدثنا شُعبةُ، عن مالكِ بنِ عُرْفُطَةَ، عن عبدِ خَيْرٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، إلا أن شُعبةَ أخطأَ في قولِهِ: "مالك بن عُرْفُطَة"، والصواب خالد بن عَلْقَمة كما بيَّنَّاه في غيرِ هذا الموضع.
وقد شَذَّ الطَّيالِسيُّ أيضًا بزيادته فيه عبارة: «بِيَدٍ وَاحِدَةٍ» عَقِبَ غسلِ الوجهِ.
стр. 7505
فقد رواه أحمدُ (٩٨٩) عن يحيى القَطَّانِ، والنَّسائيُّ (٩٣) من طريقِ ابنِ المباركِ، وأيضًا (٩٤) من طريقِ ابنِ زُرَيْعٍ، والخطيبُ في (الفصل ١/ ٥٦٧ - ٥٧٠) من طريقِ أبي الوليدِ الطَّيالِسيِّ، ثُمَّ من طريقِ ابنِ أبي عَدِيٍّ، كلُّهم عن شُعبةَ به دون هذه الزيادة، وكذلك رواه غيرُ واحدٍ عن خالدِ بنِ عَلْقَمةَ، وغيرُ وَاحدٍ عن عبدِ خَيْرٍ به، وليس فيه هذه الزيادة كما تَقَدَّمَ تخريجُه موسَّعًا برواياتِهِ في: (باب جامع في صفة الوُضُوء).
نعم في بعضِ رواياتِهِ كما سبقَ: «ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنَى فِي الإِنَاءِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ... » الحديثَ، وهذا لا يفيدُ سوى أنه أَخَذَ الماءَ منَ الإناءِ بيمينه، وليس فيه أنه اقتصرَ بها أيضًا في غسلِ الوجهِ، وقد جاءَ في روايةِ أبي الوليدِ عندَ الخطيبِ: «ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ اليُمْنَى لِوَجْهِهِ، وَأَمَرَّ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى وَجْهِهِ ثَلَاثًا».
стр. 7506
١٦٩٩ - حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا
◼ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ وَجْهَهُ بِيَمِينِهِ».
[الحكم]: ضعيفٌ؛ لإرسالِهِ.
[الفوائد]:
قال أبو عُبَيدٍ في (الطهور): "وإذَا غَسَلَ الإنسانُ وَجْهَهُ فإن الذي عليه الأُمَّةُ أن يَغْسِلَهُ بكفَّيه معًا، وفي ما جاء في الرخصة مع هذا في الكفِّ ... "، فذكر هذا الحديثَ.
[التخريج]: [جع ٤١٢/ مد ٦/ طهور ٣٠٧].
[السند]:
رواه إسماعيلُ بنُ جعفرٍ في (حديثه ٤١٢) عن شَرِيكٍ، عن أبي سَلَمةَ به مرسلًا.
ورواه أبو داودَ في (المراسيل ٦) من طريقِ سُلَيمانَ بنِ بلالٍ.
ورواه أبو عبيدٍ في (الطهور ٣٠٧) من طريقِ عبدِ العزيزِ بنِ محمدٍ.
كلاهما عن شَرِيكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي نَمِرٍ، عن أبي سَلَمةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، إلا أنه ضعيفٌ؛ لإرسالِهِ؛ أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ مِنَ الوُسْطى مِنَ التابِعين.
(٣١/ ١٣) / مُغْلَطاي (١/ ٤١٩) / مسند أنس بن مالك لابن قيراط (مُغْلَطاي ١/ ٤١٨) / مخلدي (ق ٢٦٣/أ)].
[التحقيق]:
الحديثُ له طرقٌ عن أنسٍ:
الطريق الأول: عنِ الزُّهْريِّ، عن أنسٍ:
أخرجه الحاكمُ في (المستدرك ٥٣٧) قال: حدثناه عليُّ بنُ حَمْشَاذَ العَدْلُ، حدثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ، حدثنا محمدُ بنُ وَهْبِ بنِ أبي كريمةَ، حدثنا محمدُ بنُ حربٍ، عن الزُّبَيديِّ، عن الزُّهْريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: ((رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ مِنْ تَحْتِهَا، وَقَالَ: «بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي»)).
ومحمدُ بنُ وَهْبٍ من رجالِ التهذيبِ، وهو صدوقٌ، وقد تُوبِع:
فرواه الطَّبَرانيُّ في (مسند الشاميين ١٦٩١)، والقاضي أبو القاسم المَيانِجيُّ في (جزئه ٢٣) من طريقِ كثيرِ بنِ عُبَيدٍ الحَذَّاءِ - (وهو ثقةٌ) -.
ورواه الذُّهْليُّ في (عِلَل حديث الزُّهْري) -كما في (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٢٠)، وغيرِه- قال: حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ خالدٍ الصفارُ مِن أصله، وكان صدوقًا.
كلاهما عن محمدِ بنِ حربٍ به.
وهذا الإسنادُ من المدارِ، رجالُهُ ثقاتٌ رجالِ الشيخينِ، والزُّبَيديُّ هو محمدُ بنُ الوليدِ ثقةٌ ثبْتٌ، مِن كبارِ أصحابِ الزُّهْريِّ. ومحمدُ بنُ حربٍ هو كاتبه أبو عبدِ اللهِ الحِمصيُّ، المعروفُ بالأبرشِ: ثقةٌ من رجالِ الشيخينِ. وقد رواه عنه ثلاثةٌ موثَّقون.
стр. 7511
ولذا صَحَّحَهُ الحاكمُ في (المستدرك ١/ ١٤٩)، وابنُ القَطَّانِ في (بيان الوهم ٥/ ٢٢٠)، ومُغْلَطايُ في (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤١٨)، وابنُ المُلَقِّنِ في (البدر المنير ٢/ ١٨٨)، ورمزَ السُّيوطيُّ لصحته في (الجامع الصغير ٦٦٢٤)، وأقَرَّه المُناويُّ في (الفيض ٥/ ١١٥، ١١٦).
بينما قال الحافظُ: "رجالُهُ ثقاتٌ، إلا أنه معلولٌ" (التلخيص الحبير ١/ ١٥٠).
قلنا: يشيرُ إلى الاختلافِ الواقعِ في سندِهِ على محمدِ بنِ حربٍ:
فقد رواه الذُّهْليُّ في (علل حديث الزُّهْري) أيضًا -كما في (بيان الوهم ٥/ ٢٢٠)، و (شرح ابن ماجَهْ لمُغْلَطاي ١/ ٤١٨) -: عن يَزيدَ بنِ عبدِ ربِّه (ثقة من رجال مسلم)، عن محمدِ بنِ حربٍ، عن الزُّبَيديِّ، أنه بلغه عن أنسٍ، به.
قال الذهليُّ: "المحفوظُ عندنا حديث يزيدَ بنِ عبدِ ربِّه، وحديث الصفار واهٍ" (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٢١).
وقد رَدَّ ذلك ابنُ القَطَّانِ فقال: "هذا الإسنادُ صحيحٌ، ولا يضره رواية من رواه عن محمدِ بنِ حربٍ عن الزُّبَيديِّ أنه بلغه عن أنسٍ [؛ فإنه ليس مَن لم يحفظْ حجةٌ على من حَفِظَ، فالصَّفَّارُ قد عيَّنَ شيخَ الزُّبَيديِّ بأنه الزُّهْريُّ، وحتى لو علمنا أن محمدَ بنَ حربٍ حدَّثَ به تارة فقال فيه: عن الزُّبَيديِّ بلغني عن أنسٍ، لم يضره ذلك؛ ] فقد يراجع كتابه فيعرف منه أن الذي حدَّثه به هو الزُّهْريُّ، فيُحدِّثُ به، فيأخذه عنه الصَّفَّارُ وغيرُه، وهذا الذي أشرتُ إليه هو الذي اعتَلَّ به عليه محمدُ بنُ يحيى الذُّهْليُّ حين ذكره" (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٢٠)، والزيادةُ من (شرح ابن ماجَهْ لمُغْلَطاي ١/ ٤١٨).
стр. 7512
ورَدَّ ابنُ القَيِّمِ على ابنِ القَطَّانِ تصحيحَه لهذا الطريقِ، فقال: "وهذه التجويزات لا يَلتفِت إليها أئمةُ الحديثِ وأطباءُ عِلَلِه، ويعلمون أن الحديثَ معلولٌ بإرسالِ الزُّبَيديِّ له، ولهم ذوقٌ لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات" (تهذيب السنن ١/ ١٦٩).
وكذا رجَّحَ الذَّهَبيُّ صنيع الذُّهْلي، فقال مُتَعقِّبًا ابنُ القَطَّانِ: "كفانا الذُّهْليُّ مؤنتَك" (الرد على ابنِ القَطَّانِ صـ ٥٤).
بينما قال الألبانيُّ: "ونحن نرى أن الحَقَّ مع ابنِ القَطَّانِ؛ لأن الاحتمالَ الذي أبداه إنما هو في سبيلِ الجمعِ بين رواياتِ الثِّقاتِ؛ وإلا لَزِمَ توهيمُ الثقة بدون دليل؛ بل بمجرد الذوق! وهذا ليس من العلم في شيءٍ! " (صحيح أبي داودَ ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
قلنا: ويؤيدُ صنيعَ ابنِ القَطَّانِ والألبانيِّ: أنه قد رواه ثلاثةٌ عنِ ابنِ حربٍ مسندًا؛ وهُم (محمدُ بنُ وَهْبِ بنِ أبي كريمةَ، وكثيرُ بنُ عُبيدٍ الحَذَّاء، ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ الصَّفَّارُ).
فاتفاقُ هؤلاءِ الجماعة أَوْلى من انفرادِ ابنِ عبدِ ربِّه، لاسيما والصَّفَّارُ قد رواه من أصله.
ولذا قال ابنُ حَجَرٍ -مخالفًا قولَه في (التلخيص) -: "له علةٌ غيرُ قادحةٍ، كما قال ابنُ القَطَّانِ" (النكت ١/ ٤٢٣).
فإن قيلَ: قال مُغْلَطاي عَقِبَ ذكره لروايةِ ابنِ عبدِ ربِّه: "ورواه ابنُ قيراط في مسند أنس بن مالك: عن سُلَيمانَ بنِ سلمةَ، عنِ ابنِ حربٍ كذلك" (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤١٨).
وهذا يعني أن هناكَ متابعةً ليزيدَ بنِ عبدِ ربِّه! .
стр. 7513
فالجوابُ من جهتين:
الأولى: أن هذه المتابعةَ ساقطةٌ، لا اعتدادَ بها؛ فسُلَيمانُ بنُ سلمةَ الخَبَائِريُّ متروكٌ لا يُشتَغلُ به، كذَّبه ابنُ الجُنَيد وغيرُه (الميزان ٢/ ٢٠٩).
الثانية: أن مُغْلَطاي ذكرَ الطريقَ المسندةَ، ثُمَّ كلامَ ابنِ القَطَّانِ والذُّهْليِّ، وفي أثناءِهِ الطريقَ المنقطعةَ، ثُمَّ هذه المتابعة.
فالإشارةُ في قوله: "كذلك" تحتمل الأمرين، ويُقوِّي عَوْدَ الإشارة إلى الطريقِ المسندةِ، أنه: قد رواه أبو طاهر السِّلَفيُّ في (المشيخة البغدادية - الجزء الثاني والعشرين ٨٤) من طريقِ أبي عَرُوبةَ الحَرَّانيِّ، عن سُلَيمانَ بنِ سلمةَ الخَبَائِريِّ، به مسندًا مثل رواية الجماعة.
الطريق الثاني: عن الوليدِ بنِ زورانَ، عن أنسٍ:
أخرجه أبو داودَ (١٤٤) قال: حدثنا أبو توبةَ -يعني: الرَّبيع بنَ نافع-، حدثنا أبو المَلِيحِ، عن الوليدِ بنِ زَوْرانَ (١)، عن أنسٍ، به.
وأخرجه أبو عُبَيدٍ في (الطهور ٣١٣)، وأبو يَعْلَى في (المسند ٤٢٦٩)، والقُشَيريُّ في (تاريخ الرقة ٧٨)، وتمَّام في (الفوائد ٧٢٥)، والبَيْهَقيُّ في (السنن الكبرى ٢٤٩)، والبَغَويُّ في (شرح السُّنَّة ٢١٥)، والضِّياءُ المقدسيُّ في (المختارة ٧/ ٢٦٠/ ٢٧٠٨، ٢٧٠٩، ٢٧١٠)، والمِزِّيُّ في (تهذيب
стр. 7514
الكمال ٣١/ ١٣)، ومُغْلَطايُ في (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤١٩): من طرقٍ عن أبي المَلِيحِ، عن الوليدِ به.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ سوى الوليدِ بنِ زورانَ -أو: زروان-، ترجمَ له البُخاريُّ في (التاريخ الكبير ٨/ ١٤٤)، وابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٩/ ٤)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقيل لأحمدَ: الوليد بن زروان؟ قال: "هذا يحدِّثُ عنه أبو المَلِيحِ، فما لي به تلك المعرفة" (سؤالات أبي داودَ ٣٢٥). وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٧/ ٥٥٠).
وقال ابنُ حزمٍ: "مجهولٌ" (المحلى ٢/ ٣٥)، وأَعَلَّ به الحديثَ.
وكذا صَنَعَ ابنُ القَطَّانِ، فقال -مُتَعقِّبًا عبدَ الحَقِّ في سكوتِهِ عنه في (الأحكام الوسطى ١/ ١٧٣) مُصحِّحًا له-: "الوليدُ هذا مجهولُ الحالِ، ولا يُعرَفُ بغيرِ هذا الحديثِ" (بيان الوهم ٥/ ١٧).
وقال الذَّهَبيُّ عنه: "ماذا بحُجَّةٍ، مع أنَّ ابنَ حِبَّانَ وَثَّقَهُ" (ميزان الاعتدال ٤/ ٣٣٨). ومع هذا وَثَّقَهُ في (الكاشف ٦٠٦٤)! .
ومالَ ابنُ القَيِّمِ إلى تقويته، فقال -مُتَعقِّبًا ابنَ حَزمٍ وابنَ القَطَّانِ في إعلالهما الحديثَ بجهالةِ الوليدِ-: "وفي هذا التعليلِ نظرٌ؛ فإن الوليدَ هذا رَوَى عنه جعفرُ بنُ بُرْقان، وحَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ، وأبو المَلِيحِ الحسنُ بنُ عُمرَ الرَّقِّيُّ، وغيرُهُم، ولم يُعلَم فيه جرحٌ"، ثُمَّ صرَّحَ بعد ذلك بأن له ثلاثَ طُرُقٍ حسنة، (تهذيب السنن مع عون المعبود ١/ ١٦٧، ١٦٩).
وقال ابنُ دَقيقٍ: "والوليدُ بنُ زروانَ روَى عنه جماعةٌ. وقول ابنِ القَطَّانِ: إنه مجهولٌ، هو على طريقته في طلبِ زيادةِ التعديلِ مع رواية جماعة عن الراوي" (نصب الراية ١/ ٢٣)، (الفيض ٥/ ١١٦).
стр. 7515
وقال الحافظُ في الوليدِ: "مجهولُ الحالِ" (التلخيص ١/ ٢٧٤)، وقال في (التقريب ٧٤٢٣): "ليِّنُ الحديثِ".
ومع هذا حسَّنَ إسنادَهُ الحافظُ في (النكت ١/ ٤٢٢)، فقال: "وإسنادُهُ حسنٌ؛ لأن الوليدَ وَثَّقَهُ ابنُ حِبَّانَ، ولم يُضَعِّفْه أحدٌ، وتابَعه عليه ثابتٌ البُنَانيُّ عن أنسٍ". وتَبِعَه السَّخاويُّ في (فتح المغيث ١/ ٩٩). فكأنَّ الحافظَ حَسَّنَهُ لغيرِهِ.
وقال الألبانيُّ: "رَوَى عنه جماعةٌ، وذكره ابنُ حِبَّانَ في الثِّقاتِ، فمِثْلُه حسَنُ الحديثِ" (الإرواء ١/ ١٣٠).
قلنا: وهذا قد يقويه سكوتُ أبي داودَ عن حديثِهِ، وقوله عَقِبَه: "والوليدُ بنُ زورانَ، روَى عنه حَجَّاجُ بنُ حَجَّاجٍ، [وجعفرُ بنُ بُرْقان]، وأبو المَلِيحِ الرَّقِّيُّ".
والزيادةُ ذكرها عبدُ الحقِّ في (الأحكام الوسطى ١/ ١٧٣)، ومُغْلَطايُ في (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤١٩).
فكأنَّه يشيرُ إلى رفعِ الجهالةِ عنه بروايةِ هؤلاء، ولذا سكتَ عنه عبدُ الحَقِّ مقتصرًا على ذكرِ عبارةِ أبي داودَ عَقِبَ الحديثِ.
وذكره النَّوَويُّ في صحيحِ هذا البابِ من (خلاصة الأحكام ١٦٧)، وقال عَقِبَه: "رواه أبو داودَ ولم يُضَعِّفْه، وفي التخليل: عن عائشةَ، وأمِّ سَلَمةَ، وأبي أيُّوبَ، وابنُ أبي أَوْفَى" اهـ. وكأنه يشيرُ إلى تقويتِهِ بشواهدِهِ.
ولكن في الإسنادِ شائبة انقطاع؛ قال أبو عُبَيدٍ الآجُرِّيُّ: "سألتُ أبا داودَ عن الوليدِ بنِ زروانَ، حدَّثَ عن أنسٍ؟ قال: جزريٌّ، لا ندري سمِع من أنسٍ أم لا" (سؤلات الآجُرِّيِّ ١٧٩٦).
стр. 7516
ولهذا ذكره الوليُّ العِراقيُّ في (تحفة التحصيل في رواة المراسيل صـ ٣٣٧).
ومما يقوي جانب الانقطاع، أن البُخاريَّ قال في ترجمتِهِ من (التاريخ الكبير ٨/ ١٤٤): "سمِع عبدَ الوهابِ المدنيَّ، مرسل".
فلو ثبتَ عنده سماعه من أنسٍ لكان أَوْلى بالذكرِ، والبُخاريُّ يحرِصُ على أن يذكرَ السماعَ لصاحبِ الترجمةِ، لا سيما إن كان شيخُهُ منَ الصحابةِ، ولم يفعلْ هنا، وهذا يقوي شكَّ أبي داودَ. (جنة المرتاب ٢٠٩).
وقولُ ابنِ القَطَّانِ في الوليدِ: "ولا يُعرَفُ بغيرِ هذا الحديثِ"، مردودٌ؛ فقد روى غيرَه كما في (طبقات ابن سعد ٥/ ٢٣٩)، و (علل الدَّارَقُطنيِّ ٤٠١٣).
وعلى كلٍّ، فكما قال الألبانيُّ: "الحديثُ صحيحٌ على كلِّ حالٍ؛ لطرقِهِ وشواهدِهِ" (صحيح أبي داودَ ١/ ٢٤٦).
الطريق الثالث: عن حُمَيدٍ، عن أنسٍ:
أخرجه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٤٥٢) -وعنه الضِّياءُ المقدسيُّ في (المختارة ٦/ ١٠٦/ ٢٠٩٦) - قال: حدثنا أحمدُ بنُ خُلَيدٍ، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ، به.
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن حُميدٍ إلا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، تفرَّدَ به إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ".
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ إسحاقُ هو ابنُ عبدِ اللهِ التَّميميُّ الأَذَنيُّ، لم يوثِّقه معتبَرٌ، إنما ذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٨/ ١٢٠) على قاعدته في توثيقِ المجاهيلِ.
стр. 7517
وبقية رجال ثقات رجال الشيخينِ، عدا أحمد بن خُلَيد، وهو الكِنْديُّ الحلبيُّ، وثَّقَه الدَّارَقُطنيُّ كما في (تاريخ حلب ٢/ ٧٣٢)، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٨/ ٥٣)، وقال الذَّهَبيُّ: "وله رحلةٌ واسعةٌ، ومعرفةٌ جيدةٌ" (تاريخ الإسلام ٦/ ٦٧٢)، وقال أيضًا: "ما عَلِمْتُ به بأسًا" (سِيَر أعلام النبلاء ١٣/ ٤٨٩).
الطريق الرابع: عن ثابتٍ، عن أنسٍ:
وله عن ثابتٍ ثلاثة طرق:
الأول:
أخرجه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٤٤٦٥)، والعُقَيليُّ في الضُّعفاء (٣/ ١٦)، والدِّينَوَريُّ في (المجالسة ٩٤٩)، من طرقٍ، عن عُمرَ بنِ حفصٍ أبي حفصٍ العَبْديِّ، عن ثابتٍ، به.
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن ثابتٍ إلا عُمرُ أبو حفصٍ العَبْديُّ".
قلنا: وهذا مُتعَقَّبٌ كما سيأتي.
وإسنادُ هذا الطريقِ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه عُمرُ بنُ حفصٍ أبو حفصٍ العَبْديُّ؛ وهو متروكٌ، انظر (لسان الميزان ٥٥٩٩). وقال أبو نُعَيمٍ: "روَى عن ثابتٍ بالمناكير" (الضُّعفاء ١٤٩).
وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان ممن يشتري الكتبَ ويحدِّث بها من غيرِ سماعٍ، ويجيبُ فيما يسأل وإن لم يكن مما حدّثَ به. وهو الذي روى عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: وَضَّأْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَأَيتُهُ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ بِالمَاءِ ... " (المجروحين ٢/ ٥٥)، فعَدَّ هذا الحديثَ من مناكيره.
стр. 7518
وذكر العُقَيليُّ في ترجمته قولَ أحمدَ فيه: "تركنا حديثَهُ وخرقناه"، ثُمَّ روى له هذا الحديث، وقال عَقِبَه: "وفي التخليلِ رواية من غير هذا الوجه أصلح من هذه" (الضُّعفاء ٣/ ١٦).
وأغربَ ابنُ القَيِّمِ، فقال: "وأبو حفصٍ وَثَّقَه أحمدُ، وقال: لا أعلمُ إلا خيرًا، وَوَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، وقال عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ: ثقةٌ وفوقَ الثقةِ. فهذه ثلاث طرق حسنة"! (تهذيب السنن ١/ ١٦٩).
قلنا: ظنَّه ابنُ القَيِّم عُمرَ بنَ إبراهيمَ أبا حفصٍ العَبْديَّ المُوَثَّق، والراوي هنا هو عُمرُ بنُ حفصٍ المتروكُ، وقد جاءَ منصوصًا عليه في أكثرَ من مصدرٍ، وقد ذَكَرَ الحديثَ في ترجمته العُقَيليُّ وابنُ حِبَّانَ، كما تقدَّمَ.
الثاني:
أخرجه أبو يَعْلَى (٣٤٨٧) -وعنه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٤/ ٣٨) - قال: حدثنا عَمرُو بنُ حصين، حدثنا حسَّانُ بنُ سِيَاه، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، به مختصرًا.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه عِلَّتان:
الأولى: حسانُ بنُ سِيَاه، قال فيه ابنُ حِبَّانَ: "منكَرُ الحديثِ جدًّا، يأتي عن الثِّقاتِ بما لا يُشْبِهُ حديثَ الأثبات" (المجروحين ١/ ٣٣٠)، وقال أبو نُعَيمٍ: "روَى عن ثابتٍ بمناكيرَ، ضعيفٌ" (الضُّعفاء ٥٤).
الثانية: عَمرُو بنُ حصينٍ العُقَيليُّ: "متروكٌ" كما في (التقريب ٥٠١٢).
الثالث:
أخرجه العُقَيليُّ في (الضُّعفاء ٣/ ١٨) قال: حدثنا محمدُ بنُ الفضلِ بنِ
стр. 7519
جابرٍ السَّقَطيُّ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زُرارةَ الثَّقَفيُّ، قال: حدثنا عُمرُ بنُ ذُؤَيبٍ، عن ثابتٍ، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه عُمرُ بنُ ذُؤَيبٍ؛ قال العُقَيليُّ: "عن ثابتٍ، مجهولٌ بالنقلِ، حديثُهُ غيرُ محفوظٍ، ولعلَّه عُمرُ بنُ حفصِ بنِ ذُؤَيبٍ العَبْديُّ" (الضُّعفاء ٣/ ١٧).
ثُمَّ قال العُقَيليُّ: "وقد رُوِي التخليلُ من غيرِ هذا الوجهِ بإسنادٍ صالحٍ"، كذا ذكر محقِّقو طبعة التأصيل في الحاشية من نسخة المكتبة الظاهرية، ولم يقع قول العُقَيليِّ هذا في النسخة التي اعتمدوا عليها في الأصل.
الطريق الخامس: عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن أنسٍ:
أخرجه الحاكمُ في (المستدرك ٥٣٨)، من طريقِ مروانَ بنِ محمدٍ الطَّاطَريِّ، ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ الفَزاريُّ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: ((رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ))، وقال: ((بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي)).
ورواه (أبو جعفر ابنُ البَخْتَريِّ) من طريقِ صفوانَ بنِ صالحٍ، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ الفزاريُّ أبو إسحاقَ، قال: حدثني موسى بنُ أبي عائشةَ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ، به. وفي متنِهِ زيادةٌ سيأتي الكلامُ عليها بعدُ.
وإسنادُهُ ظاهره الصحة، فرجالُهُ كلُّهم ثقات، الفزاريُّ وموسى من رجالِ الشيخينِ، والطَّاطَري من رجالِ مسلمٍ، وتابعه صفوان بن صالح وهو ثقةٌ إلا أنه يدلِّسُ ويُسوِّي، وقد صرَّحَ بالسماعِ في كلِّ طبقاتِ الإسنادِ، ولكن هذا التصريح وهَمٌ غريب:
فموسى بنُ أبي عائشةَ لم يسمعْ من أنسٍ؛ قال ابنُ أبي حاتمٍ: "سألتُ
стр. 7520
أبي عن حديثٍ رواه مروانُ الطَّاطَري عن أبي إسحاقَ الفَزاريِّ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، أنه سَمِع أنسًا، قال: ((رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ)) ".
قال أبي: الخطأُ من مروانَ، موسى بن أبي عائشة يحدِّثُ، عن رجلٍ، عن يَزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسٍ، عنِ النبيِّ ﷺ " (العلل ١/ ٤٢٠ - ٤٢١).
وقول أبي حاتم: "الخطأُ من مروانَ" فيه نظرٌ؛ فقد تابعه صفوان بن صالح كما سبقَ، فالأقربُ أن الخطأَ من الفَزاريِّ، وهو ظاهر صنيع الدَّارَقُطنيِّ في (العلل ١٣/ ٥، ٦)، وقد ذكرَ أن الفزاريَّ "تابَعه عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ النَّخَعيُّ"، وسُئِل عنه، فقال: لا أعرفه".
وقال أبو حاتم في موضعٍ آخَرَ عن روايةِ الطَّاطَري: "هذا غيرُ محفوظٍ". ثُمَّ رواه عن أحمدَ بنِ يُونسَ، عن الحسنِ بنِ صالحٍ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن رجلٍ، عن يَزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسٍ، به (علل ابن أبي حاتم ١/ ٥٢٦).
وكذا رواه ابنُ البَخْتَريِّ في (مصنفاته ٥٤٩) من طريقِ ابنِ يونسَ، به.
وكذا رواه ابنُ أبي شَيْبةَ (٣٧٦١٩) عن يحيى بنِ آدمَ عنِ الحسنِ بنِ صالحٍ، به.
قال أبو حاتم: "هذا الصحيحُ، وكنا نَظُنُّ أن ذلك غريبٌ، ثُمَّ تبيَّنَ لنا عِلَّتُه: تَرَكَ من الإسنادِ نفْسين، وجعل موسى، عن أنسٍ" (علل ابن أبي حاتم ٤٨).
ولذا قال الحافظُ عن سندِ الطَّاطَريِّ: "رجاله ثقات، لكنه معلولٌ" (التلخيص ١/ ١٤٩).
قلنا: معلولٌ بالإعضالِ، وبروايةِ الحسنِ بنِ صالحٍ تبيَّنَ أن فيه علتين: الجهل بحالِ الرجلِ المبهم، وضعْف يزيدَ الرَّقَاشيِّ.
стр. 7521
قلنا: ووقع في موضعٍ آخَرَ عندَ ابنِ أبي شَيْبةَ في (المصنَّف ١٠٦) عن يحيى بنِ آدمَ، قال: حدثنا الحسنُ بنُ صالحٍ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن يَزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسٍ، به.
فأسقطَ منه الرجلَ المبهمَ، وكذا ذكره الدَّارَقُطنيُّ في (العلل ٧/ ٦) عن الحسنِ بنِ صالحٍ! .
وكذا رواه تمَّامٌ الرَّازيُّ في (إسلام زيد بن حارثة ١٩) من طريقِ سلمةَ بنِ العيارِ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن يَزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ به.
وذكره الدَّارَقُطنيُّ في (الأفراد) كما في (الأطراف ١٣٢٠) وانظر (شرح ابن ماجَهْ لمُغْلَطاي ١/ ٤١٦).
ورواه الطَّبَريُّ في (التفسير ٨/ ١٧٦)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٣/ ٨٠) من طريقِ أبي الأَشْهبِ العُطارِديِّ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن زيدٍ الجَزَريِّ (١)، عن يَزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسٍ به.
وأبو الأَشْهَبِ هو جعفرُ بنُ الحارثِ الواسِطيُّ، "صدوقٌ كثيرُ الخطإِ" (التقريب ٩٣٦).
وقال ابنُ عَدِيٍّ -بعد أن ذكر له هذا الحديثَ وغيرَه-: "ولم أجدْ في أحاديثِهِ حديثًا منكَرًا" (الكامل ٣/ ٨٣)، وهذا يعني أن حديثَ التخليلِ عندَ ابنِ عَدِيٍّ ليس بمنكَرٍ.
قال الدَّارَقُطنيُّ: "والقولُ عندنا قولُ أبي الأشهبِ، عن موسى، والله أعلم"
стр. 7522
(العلل ٧/ ٦).
قلنا: وعلى هذا، فالرجلُ المبهمُ هو زيدُ بنُ أبي أُنَيْسةَ، وهو ثقةٌ، فانحصرتْ عِلَّتُه في الرَّقَاشيِّ، وهو مشهورٌ عنه من طرقٍ أخرى.
أخرجه ابنُ سعدٍ في (الطبقات الكبرى ١/ ٣٣٢)، والطَّبَريُّ في التفسير (٨/ ١٧٧) (١)، والطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٥٢٠)، من طرقٍ عن يَزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسٍ، به.
وعلته ضعف يزيدَ الرَّقَاشيِّ، وانظر (علل الدارقطني ٧/ ٥).
الطريق السادس: عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن أنسٍ:
أخرجه الطَّبَريُّ في التفسير (٨/ ١٧٧)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل (٥/ ٨٥، ٣١٢)، من طريقِ سَلَّامٍ الطويلِ، عن زيدٍ العَمِّيِّ، عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه عِلَّتان:
الأولى: زيدٌ العَمِّيُّ؛ وهو "ضعيفٌ" كما في (التقريب ٢١٣١).
الثانية: سلَّامٌ الطويلُ؛ قال الحافظُ: "متروكٌ" (التقريب ٢٧٠٢).
وقدِ اضطربَ فيه، فرواه مرة هكذا، وتارة قال: "عن زيدٍ العَمِّيِّ، عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ أو يزيدَ الرَّقَاشيِّ"، أخرجه الطَّبَريُّ في (التفسير ٨/ ١٧٦).
قال ابنُ عَدِيٍّ: "هذا الحديثُ ليس البلاءُ فيه من زيدٍ العَمِّيِّ، البلاءُ من الراوي عنه سَلَّامٌ الطويلُ، ولعلَّه أضعفُ منه" (الكامل ٥/ ٨٥).
стр. 7523
الطريق السابع: عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أنسٍ:
أخرجه حربُ بنُ إسماعيلَ الكرمانيُّ في (مسائله - كتاب الطهارة ١٩٣) قال: حدثنا أبو عبيدةَ شَاذُّ بنُ فَيَّاض، قال: ثنا هاشِمُ بنُ سَعيدٍ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، به.
وأخرجه إسماعيلُ الصَّفَّارُ في (جزئه ٦٠٨)، وابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ١٠/ ٣٥٠)، والخطيبُ البغداديُّ في (موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٤٥٠ - ٤٥١)، وهو في كتابِ حربٍ كما ذكره مُغْلَطايُ في (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤١٨ - ٤١٩) من طريقِ هلالِ بنِ فَيَّاضٍ -الملقب بشاذ-، عن هاشمِ بنِ سعيدٍ، به.
وإسنادُ هذا الطريقِ ضعيفٌ؛ فيه هاشمُ بنُ سعيدٍ؛ "ضعيفٌ" كما في (التقريب ٧٢٥٤).
وقال ابنُ عَدِيٍّ -بعد أن ذكرَ أحاديثَ منها هذا الحديث-: "وهاشمُ بنُ سعيدٍ له من الحديثِ غيرُ ما ذكرتُ، ومقدارُ ما يرويه لا يُتابَعُ عليه" (الكامل ١٠/ ٣٥٠).
الطريق الثامن: عن مَطَر الوَرَّاق، عن أنس:
أخرجه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٢٩٧٦) -وعنه أبو نُعَيمٍ في (تاريخ أصبهان ١/ ٢٥٧) - قال: حدثنا إسماعيلُ، قال: حدثنا داودُ بنُ حمادٍ، قال: حدثنا عَتَّابُ بنُ محمدِ بنِ شَوْذَب، عن عيسى الأزرقِ، عن مَطَرٍ الوَرَّاقِ، عن أنسٍ به.
قال الطَّبَرانيُّ: "لا يُروَى عن مطرٍ إلا بهذا الإسنادِ".
وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ مطرُ الوراقُ؛ "صدوقٌ كثيرُ الخطإ" كما في (التقريب
стр. 7524
٦٦٩٩).
وأما عَتَّابُ بنُ محمدِ بنِ شَوْذَب، فترجمَ له البُخاريُّ في (التاريخ ٧/ ٥٦)، وابنُ أبي حاتمٍ في (الجرح والتعديل ٧/ ١٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٧/ ٢٩٥) وقال: "مستقيمُ الحديثِ".
وقال الهيثميُّ: "رواه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط)، ورجاله وُثِّقوا"! (مجمع الزوائد ١٢٠٦).
الطريق التاسع: عن الفضلِ البصريِّ، عن أنسٍ:
أخرجه الخطيبُ البغداديُّ في (تلخيص المتشابه ٢/ ٨٠٧ - ٨٠٨) قال: أنا عليُّ بنُ يحيى بنِ جعفرٍ الأَصبَهانيُّ، أنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ القاسمِ بنِ الريانِ المصريُّ، بالبصرةِ، نا الحضرميُّ -يعني: محمدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ سُلَيمانَ-، نا سعيدُ بنُ عمرٍو، نا عَبْثَرُ بنُ القاسمِ، عن سفيانَ، عن الفضلِ البصريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، به.
ورواه المَخْلَديُّ في (الفوائد- انتخاب البحيري ق ٢٦٣/أ) من طريقِ الحسنِ بنِ الفضلِ، عن سعيدِ بنِ عمرٍو، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ الفضلُ البصريُّ هو الفضلُ بنُ عيسى بنِ أَبانَ الرَّقَاشيُّ؛ قال الحافظُ: "منكَرُ الحديثِ" (التقريب ٥٤١٣).
الطريق العاشر:
رواه ابنُ حِبَّانَ في (المجروحين ٢/ ١١) فقال في ترجمة عبد الله بن الحسين بن جابر البغدادي: "عن أنسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ، أخبرناه أحمدُ بنُ مجاهدٍ بالمَصِّيصةِ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ الحسينِ، فيما
стр. 7525
يشبه هذا كتبناها عنه في نسخة أكثرها مقلوبة".
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ آفتُه: عبدُ اللهِ بنُ الحسينِ بنِ جابرٍ؛ قال ابنُ حِبَّانَ: "يقلبُ الأخبارَ ويسرقُهَا، لا يجوزُ الاحتجاجُ به إذا انفردَ" (المجروحين ٢/ ١٠).
وللحديثِ طرقٌ أخرى ستأتى في الرواياتِ التاليةِ، وعامةُ طرقه وإن كانتْ ضعيفةً كما قال الحافظُ في (التلخيص ١/ ١٤٩)، إلا أنها تتعاضدُ، وبهذه الطرق مع بقية شواهد الباب يرتقي الحديثُ للصحةِ بلا ريبٍ، وقد أشارَ إلى ذلك مُغْلَطايُ حيث قال عن طريقِ الزُّبيديِّ عنِ الزُّهْريِّ: "وقد وقعَ لنا أيضًا من طريقٍ سالمةٍ من هؤلاءِ الضُّعفاءِ، حسنة، بل صحيحة؛ لِمَا عضدها من الشواهدِ والمتابعاتِ" (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤١٨).
وبهذه المتابعاتِ والشواهدِ، صَحَّحَهُ أيضًا الألبانيُّ، كما سبقَ ذكرُه.
بينما ليَّنَهُ ابنُ المباركِ عندما سُئِل -كما في (تاريخه) - عن التخليلِ قال: "قد جاءَ: ((كَذَا أَمَرَنِي رَبِّ)) "، ولم نجدْ له ذاك القوة" (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤١٩)، و (الإكمال ٥٠٣٤).
وكذا نصَّ كثيرٌ منَ النُّقَّادِ على أن أحاديثَ هذا البابِ لا يصحُّ منها شيءٌ، وإليك أقوالهم:
١) قال أبو داودَ: "قلتُ لأحمدَ بنِ حَنبَلٍ، تخليلُ اللحيةِ؟ قال: يُخلِّلُها. وقد رُوِي فيه -يعني: التخليلَ- أحاديثُ، ليس يثبُتُ فيه حديثٌ، يعني: عنِ النبيِّ ﷺ " (مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود صـ ١٣).
٢) وقال أبو حاتم: "لا يثبُتُ عنِ النبيِّ ﷺ في تخليلِ اللحيةِ حديثٌ" (علل الحديث ١٠١).
стр. 7526
٣) وقال ابنُ المُنْذِرِ: "والأخبارُ التي رُوِيتْ عنِ النبيِّ ﷺ أنه خللَ لحيته قد تُكُلِّمَ في أسانيدِها، وأَحْسَنُها حديث عثمان" (الأوسط ٢/ ٢٩).
ثُمَّ ذَكَرَ حديثَ عُثْمَانَ وأَتْبَعَه بقوله: "ولو ثبتَ هذا لم يَدُلَّ على وجوبِ تخليلِ اللحيةِ، بل يكون ندْبًا كسائرِ السُّننِ في الوُضوءِ" (الأوسط ٢/ ٣٠).
٤) وقال العُقَيليُّ: "والروايةُ في تخليلِ اللحيةِ فيها لِينٌ" (الضُّعفاء الكبير ٤/ ١٠٤). ونحوه في (الضُّعفاء ٤/ ١٥٠).
٦) وقال ابنُ حزمٍ: "وهذا كلُّه -يعني: التخليلَ- لا يصحُّ منه شيءٌ" (المحلى ٢/ ٣٦).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "رُوي عنِ النبيِّ ﷺ أنه خللَ لحيته في وُضوئِهِ من وجوهٍ كلها ضعيفة" (التمهيد ٢٠/ ١٢٠).
٧) وقال ابنُ رُشْدٍ: "وسببُ اختلافِهم في ذلك اختلافُهم في صحةِ الآثارِ التي وَرَدَ فيها الأمرُ بتخليلِ اللحيةِ، والأكثرُ على أنها غيرُ صحيحةٍ، مع أن الآثارَ الصِّحاحَ التي وَرَدَ فيها صفةُ وُضوئِهِ ﵊ ليسَ في شيءٍ منها التخليلُ" (بداية المجتهد ١/ ١٨).
قلنا: أقوال هؤلاء العلماء وإن كانت ظاهرة في تضعيفِ أحاديثِ البابِ مفردة، إلا أنها ليستْ ظاهرة في تضعيفها مجتمعة، ولذا قال المُناويُّ: "وأما قولُ أحمدَ وأبي حاتم: "لا يصحُّ في تخليلِ اللحيةِ شيءٌ"، فمرادهما به: أن أحاديثَهُ ليس شيءٌ منها يرتقي إلى درجةِ الصحةِ بذاتِهِ، لا أنه لم يثبُتْ فيه شيءٌ يُحتجُّ به أصلًا" (الفيض ٥/ ١١٦).
وهو كذلك؛ فاجتماعها يعطيها قوة؛ ولذا قال الكمالُ ابنُ الهُمَامِ: "طرقُ هذا الحديثِ متكاثرة عن أكثر من عشرة منَ الصحابةِ، لو كان كلّ منهم
стр. 7527
ضعيفًا، ثبَتَ حُجِّيَّةُ المجموعِ، فكيف وبعضُها لا ينزلُ عن الحسنِ، فوجبَ اعتبارُها. إلا أن البُخاريَّ يقول: لم يثبتْ منها المواظبة، بل مجرد الفعل، إلا في شُذوذٍ من الطرقِ، فكان مستحَبًّا لا سُنَّةً، لكن ما في هذا الحديثِ من قوله: ((بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي)) لم يثبتْ ضَعْفُه، وهو مُغْنٍ عن نقلٍ صريح المواظبة، لأن أمره تعالى حامِلٌ عليها؛ فيترجَّحُ القول بسُنِّيَّتِه" (الفيض ٥/ ١١٥، ١١٦).
وقال المباركفوريُّ: "لا شَكَّ في أن أحاديث تخليل اللحيةِ كثيرة، ومجموعها يدلُّ على أنَّ لها أصلًا، كيف وقد صَحَّحَ التِّرْمِذيُّ حديثَ عُثْمَانَ، وحَسَّنَهُ الإمامُ البُخاريُّ كما ستعرف، وحسَّنَ الحافظُ ابنُ حَجَر حديثَ عائشةَ، وهي بمجموعها تصلُح للاحتجاجِ على استحبابِ تخليلِ اللحيةِ في الوُضوءِ، وهذا هو الحَقُّ عندِي. والله تعالى أعلم" (تحفة الأحوذي ١/ ١٠٧).
قلنا: وقد قال بالتخليلِ بعضُ مَن ضَعَّفَ هذه الأحاديث، كالإمامِ أحمدَ وغيرِه، وقد قَبِلوا أحاديثَ أَقَلَّ مِن هذه قوةً وطرقًا وشواهدَ، والله أعلم.
стр. 7528
رِوَايَةٌ بِزِيَادَة: وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ مَرَّتَيْنِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ، وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ مَرَّتَيْنِ)).
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دون قوله: ((وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ مَرَّتَيْنِ))، وإسنادُهُ ضعيفٌ. وَضَعَّفَهُ: ابنُ القَيِّمِ، ومُغْلَطايُ، والبُوصيريُ، والسِّنديُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]: [جه ٤٣٥].
[السند]:
أخرجه ابنُ ماجَهْ (٤٣٥) قال: حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حفصِ بنِ هشامِ بنِ زيدِ بنِ أنسِ بنِ مالكٍ، حدثنا يحيى بنُ كثيرٍ أبو النَّضْرِ صاحبُ البصريِّ، عن يَزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسٍ به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه عِلَّتان:
الأولى: يزيدُ الرَّقَاشيُّ، وهو "ضعيفٌ" كما في (التقريب ٧٦٨٣).
الثانية: يحيى بنُ كثيرٍ أبو النَّضْرِ "ضعيفٌ" (التقريب ٧٦٣١).
وبهما أَعَلَّه ابنُ القَيِّمِ، فقال: "رواه ابنُ ماجَهْ في (سننه) من حديثِ يحيى بنِ كثيرٍ أبي النَّضْرِ صاحبِ البصريِّ عن يَزيدَ الرَّقَاشيِّ ... ، قال الدَّارَقُطنيُّ: "أبو النَّضْر هذا متروكٌ"، وقال النَّسائيُّ: "يزيدُ الرَّقَاشيُّ متروكٌ"، ... ثُمَّ ذَكَرَ طريقين آخرين عن أنسٍ، وقال: "فهذه ثلاثُ طرقٍ ضعيفة، والثلاثةُ الأُولى أقوى منها" (تهذيب السنن ١/ ١٦٩).
стр. 7529
وكذا قال البُوصيريُّ: "هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعفِ يحيى بنِ كثيرٍ وشيخِهِ، رواه أبو داودَ في (سننه) من هذا الوجهِ فلم يذكرِ الأصابع؛ فلذلك أوردْتُه" (الزوائد ١/ ٦٣).
وزادَ مُغْلَطايُ علةً أخرى، فقال: "إسنادُهُ في غايةِ الضعفِ؛ أما شيخُ ابنِ ماجَهْ فحالُهُ مجهولةٌ، وأما يحيى بنُ كثيرٍ فقال فيه الرَّازيان وابنُ مَعِينٍ: "ضعيفٌ"، ... وأما يزيد ... "، فذكر أقوالَ النُّقَّادِ فيه، وجمهورُهم على تضعيفه (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤١٦، ٤١٧).
قلنا: شيخُ ابن ماجَهْ روَى عنه ابنُ خُزَيْمةَ أيضًا، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثِّقات ٩/ ١١٦) وقال فيه ابنُ حَجَرٍ: "صدوقٌ" (التقريب ٦٠١١).
وقال الألبانيُّ: "صحيحٌ دونَ المرَّتينِ" (صحيح ابن ماجَهْ ٣٥١).
قلنا: ودون تفريج الأصابع؛ فقد رُوِيَ من طرقٍ عن يَزيدَ، ومن طرقٍ عن أنسٍ دون هذه العبارة كما سبقَ.
نعم، قد جاءَ ذكر المرتين من طريقٍ آخر عن يَزيدَ كما في الروايةِ التاليةِ.
стр. 7530
رِوَايَة: يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ مَرَّتَيْنِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يَقُولُ بِيَدِهِ تَحْتَ ذَقَنِهِ، وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ [، يَفْعَلُ ذَلِكَ] مَرَّتَيْنِ، وَرُبَّمَا فَعَلَهُ ثَلَاثًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ (١) مَرَّتَيْنِ».
[الحكم]: صحيحُ المتنِ دون قوله: «يَفْعَلُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ ... » الخ، وهذه الروايةُ سندها ضعيفٌ، وَضَعَّفَهُ: مُغْلَطايُ، والبُوصيريُ.
[التخريج]:
[طس ٥٢٠ (مختصرًا) / مع (خيرة ٥٦٧) (واللفظُ له) / معص (صـ ٢٧٩) (والزيادة له ولغيرِهِ) / مُغْلَطاي (١/ ٤١٧ - ٤١٨)].
[السند]:
رواه أحمدُ بنُ مَنِيعٍ في (مسنده) كما في (إتحاف الخِيَرة) و (مصباح الزجاجة) -ومن طريقِه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٥٢٠) - قال: حدثنا أبو بدرٍ، عن الرّحيلِ بنِ معاويةَ، عن يَزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسٍ به. إلا أن الطَّبَرانيَّ اختَصَر متْنَه.
ورواه ابنُ جُمَيعٍ في (معجمه) -ومن طريقِه مُغْلَطايُ في (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤١٨) - قال: حدثنا زكريا بنُ أحمدَ بمصر، حدثنا أبو غَسَّانَ مالكُ بنُ يحيى، حدثنا أبو بدرٍ شجاعُ بنُ الوليدِ، به.
فمدارُه عندَ الجميعِ على أبي بدرٍ، عن الرحيلِ، به.