٣) الدَّارَقُطنيُّ، حيث ذكر طرقه في (السنن) وَضَعَّفَهُا جميعًا، وسيأتي نقلُ كلامه على كل حديث.
٤) الحاكمُ؛ حيث مَثَّلَ به على المشهور غير الصحيح، فقال: "ذكر النوع الثالث والعشرين مِن علم الحديث، هذا النوع من هذا العلم معرفةُ المشهور من الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ ، والمشهور من الحديث غير الصحيح، فرُبَّ حديثٍ مشهورٍ لم يُخَرَّج في الصحيح، من ذلك قوله ﷺ : «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ... ومنه: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ»، ومنه: «صَلَاةُ القَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ القَائِمِ»، فكل هذه الأحاديث مشهورةٌ بأسانيدها وطرِقها، وأبوابٍ يَجْمَعُها أصحابُ الحديث، وكل حديث منها تُجمَع طرقُه في جزء أو جزئين، ولم يُخَرَّج في الصحيح منها حرفٌ" (معرفة علوم الحديث ص ٩٢).
٥) البَيْهَقيُّ؛ حيث قال: "رُوِي عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) بأسانيدَ كثيرةٍ، ما منها إسنادٌ إلا وله علةٌ، رُوِيَ ذلك عنِ ابنِ عُمرَ، وابنُ عبَّاسٍ، وجابر بن عبد الله، وأبي موسى، وأبي هريرةَ، وأنس، وأبي أُمامةَ، وعبدِ اللهِ بنِ زيد، وسمُرةَ بنِ جُندب، وعائشةَ بنتِ أبي بكر ﵃" (الخلافيات ١/ ٣٤٧).
٦) ابن حزم؛ حيث قال: "وأما مسح الأذنين فليسا فرضًا، ولا هُما من الرأس؛ لأن الآثار في ذلك واهية كلُّها" (المحلى ٢/ ٥٥).
٧) عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ؛ حيث قال: "وقد رُوِيَ عن أبي أُمامةَ، وابنُ عبَّاسٍ، وأبي موسى، وأبي هريرةَ، وابنُ عُمرَ، كلُّهم عنِ النبيِّ ﷺ قال: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)). ولا يصحُّ منها كلِّها شيءٌ" (الأحكام الوسطى ١/ ١٧١).
стр. 7772
٨) ابن الصَّلاحِ؛ حيث مَثَّل به للضعيف الذي تعدَّدَتْ طرقُه ولكنها لا تنجبر؛ فقال: "لعل الباحث الفَهِمَ يقول: إنا نجد أحاديثَ محكومًا بضعفِها مع كونِها قد رُوِيَتْ بأسانيدَ كثيرةٍ من وجوه عديدة، مثل حديث: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) ونحوِه، فهلَّا جعلتُم ذلك وأمثالَه من نوع الحسن؛ لأن بعض ذلك عَضَدَ بعضًا، كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفًا؟
وجواب ذلك: أنه ليس كلُّ ضعف في الحديثِ يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعْفٌ يُزيله ذلك بأن يكون ضعْفُه ناشئًا مِن ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاءَ من وجهٍ آخَرَ عرفنا أنه مما قد حَفِظَه، ولم يختلَّ فيه ضبطُه له. وكذلك إذا كان ضعْفُه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعْفٌ قليل، يزول بروايته من وجه آخر.
ومن ذلك ضعْفٌ لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعُدِ هذا الجابرِ عن جبره ومقاومته. وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متَّهما بالكذب، أو كونِ الحديث شاذًّا.
وهذه جملةٌ تفاصيلُها تُدرَكُ بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم" (معرفة أنواع علوم الحديث ص ٣٣).
٩) المُنْذِري؛ حيث قال: "قد وقع لنا هذا الحديثُ من رواية عبد الله بن عبَّاسٍ، وعبد الله بن عُمر بن الخطاب، وعبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري، وأبي هريرةَ، وأنس بن مالك، وعائشة، وليس شيء منها يثبُت مرفوعًا. ووقع لنا أيضًا عن عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ من قوله، ولا يثبُت أيضًا. وأشهرها حديثُ أبي أمامة؛ كما قال البَيْهَقيُّ" (شرح الإلمام لابن دقيقِ العيدِ ٤/ ٢٤٦)، و (النكت على مقدمة ابن الصَّلاحِ للزَّرْكَشي ١/ ٣٢٦).
стр. 7773
١٠) النَّوَويُّ؛ حيث ذكر في (خلاصة الأحكام ١/ ١١١) حديثَ: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ))، في ضعيف باب مسح الأذنين، ولم يقيِّدْه بصاحبي بصَحابيٍّ معيَّنٍ؛ لِيَدُلَّ على أن الحديث ضعيفٌ من جميع طرقه، ولا تتقوى بمجموعها.
١١) ابن كَثِير؛ حيث أَقَرَّ ابنَ الصَّلاحِ في التمثيل به على أن من الضعيف ما لا ينجبر بتعدُّد الطرق (اختصار علوم الحديث ص ٤٠).
١٢) الحافظ العِراقيُّ، حيث أَقَرَّ ابنَ الصَّلاحِ على تضعيفه، وأيَّد كلامَه (التقييد والإيضاح ص ٥١).
١٣) الأبْنَاسيُّ؛ حيث ذكر أن هذا الحديثَ أَوْلَى أن يُمَثَّل به في نوع المشهور الذي ليس بصحيح (الشذا الفياح ٢/ ٤٤٨).
١٤) ابن المُلَقِّنِ؛ حيث قال: "إذا رُوِيَ الحديث من وجوه ضعيفة، مِثْل: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) ونحوِه، فلا يلزم أن يتحصل من مجموعها وصْفُه بالحسن" (المقنع في علوم الحديث ١/ ١٠٠).
١٥) المُناويُّ؛ حيث مثَّل به في (اليواقيت والدرر شرح نخبة الفكر ١/ ٢٧٨) على المشهور الضعيف.
وفي المقابل:
١) ذهب ابن دقيقِ العيدِ إلى تقوية حديث أبي أُمامةَ، كما تقدم.
وقال مُعَقِّبًا على قولِ المُنْذِريِّ الأخير: "قد عُلِم أن تضافر الرواة على شيء، ومتابعةَ بعضِهم لبعض في حديثِ؛ مما يشده ويقويه، وربما أُلحق بالحسن، وما يحتج به" (شرح الإلمام ٤/ ٢٤٧).
وقال مُعقِّبًا على قولِ ابن الصَّلاحِ المتقدِّم: "فإنْ توقَّف تصحيحُه عند أحد
стр. 7774
على ذِكر طريق لا علة فيها، ولا كلامَ في أحدٍ مَن رواتها، فقد يتوقَّف في ذلك، لكن اعتبار ذلك صعب ينتقض عليهم في كثير مما استحسنوه وصحَّحوه من هذا الوجه، فإن السلامة من الكلام في الناس قليل" (شرح الإلمام ٤/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
قلنا: وكلامه فيه نظرٌ ظاهر؛ لأنه يحاكم ابنَ الصَّلاحِ على اعتبار أنه يُضَعِّف طرقَ الحديث لمجرد أن في بعض رواتها مَغمزً، وإنما هذه الطرق منكرة، لكون الصواب فيها إما الوقف أو الإعضال، كما سيأتي بيانُه مفصلًا. وهذا ما أشار إليه ابن الصَّلاحِ في نهاية كلامه؛ حيث ذكر أن من موانع تقويته: " ... كون الحديث شاذًّا".
وتَعَقَّبَ البِقَاعيُّ كلامَ ابن دقيق هذا؛ فقال: "وهو مُسَلَّمٌ لولا أن سُلَيمانَ بن حربٍ وقَفَه عن حماد، كما هو عند أبي داودَ. وسُلَيمان ثقة ثبْتٌ إمام حافظ، ونقل جزْمَه بذلك الإمامُ أبو الحسن الدَّارَقُطنيُّ وهو جبل الحفظ والإتقان، فلولا ذلك لأفادته الطُّرُقُ المذكورةُ قوةً في المتابعات والشواهد، لكنَّ ضعْفَها لا ينهض لمدافعة هذين الجبلين، ولا واحدٍ منهما، لا سيما عند مَن قالوا: إن الواقف مُقَدَّمٌ على الرافع ... فاستمر حديثُ أبي أُمامةَ على ضعفِه، ولم يوجد من حديث غيرِه ما يستقل بإفادة الحكم"، ثُمَّ ذكر حديث عبد الله بن زيد وأَعَلَّه (النكت الوفية ١/ ٢٤٦).
٢) وقال الحافظُ صلاح الدين العَلَائيّ: "في التمثيل بذلك نظر؛ لأن الحديث المشار إليه ربما ينتهي ببعض طرقه إلى درجة الحسن" (النكت على ابنِ الصَّلاحِ لابن حَجَر ١/ ٤٠٩).
٣) وقال الحافظُ ابنُ حَجَر: "وإذا نظر المُنْصِف إلى مجموع هذه الطرق عَلِمَ أن للحديث أصلًا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسَّنوا أحاديثَ كثيرةً باعتبار
стр. 7775
طرق لها دون هذه، والله أعلم" (النكت على ابنِ الصَّلاحِ ١/ ٤١٥).
٤) وقال الحافظُ أبو محمود القدسي (١): ((إن ادعاء ابن الصَّلاحِ أنه مما لا ينجبر ضعْفُه بالعاضد منازَعٌ فيه؛ لأن ضعْفَه ليس من جهةِ فِسْقٍ في واحد من رواته بكذب، ولا غيره، وكذا ما يعضده، وأورد طرقًا لا يخلو واحد منها عن علة" (النكت الوفية للبقاعي ١/ ٢٤٦).
٥) ورمز لصحته السُّيوطيُّ، في (الجامع الصغير ٣٠٤٦)، وخرَّجه عن عدد منَ الصحابةِ، كأنه يشير إلى أنه صحيح بمجموع طرقه.
كذا صَحَّحَهُ هنا، مع أنه في (تدريب الراوي ٢/ ٦٢٢) مثَّل به على المشهور الضعيف، فقال: "ومثاله وهو ضعيفٌ: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ»، مَثَّلَ به الحاكمُ". ولم يَتعَقَّبْهُ بشيءٍ.
٦) وقال الصَّنعانيُّ: "وحديث: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» وإن كان في أسانيده مقالٌ إلا أن كثرة طرقه يَشُدُّ بعضُها بعضًا" (سبل السلام ١/ ٦٩).
٧) وقال الشَّوْكانيُّ: "ومن ذلك حديث: "الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ"، وهو مَرْويٌّ
стр. 7776
من طريقِ ثمانية منَ الصحابةِ، وفي بعض أسانيدها مقال، وهي يُقَوِّي بعضُها بعضًا؛ فتصلُح للاحتجاج بها" (السيل الجرار ص: ٥٥).
٨) الشيخ أحمد شاكر؛ ذكر الخلاف في حديثِ أبي أُمامةَ، ثُمَّ قال: "والراجح عندي أن الحديث صحيح؛ فقد رُوِي من غير وجه بأسانيدَ بعضُها جِياد، ويؤيِّدُ بعضُها بعضًا" (تحقيقه سنن التِّرْمِذي ١/ ٥٤).
٩) الشيخ الألبانيُّ؛ حيث صَحَّحَهُ بمجموع طرقه في (الصحيحة ١/ ٨١/٣٦).
قلنا: والذي نراه أن الحديث ضعيفٌ لا يتقوى بمجموع هذه الطرق؛ لأنها منكَرةٌ معلولة كلها، فهذا حديث أبي أُمامةَ مع ضعف أسانيده ووهائِها، الصحيح فيه الوقف، إذن رواية الرفع منكَرة، والمنكر أبدًا منكر.
وهو أمثل طرق الحديث، وسيأتي من حديث عبد الله بن زيد وابنُ عبَّاسٍ وجماعة، وكلُّها منكرة معلولة؛ إما لشدة ضعفِها، أو كونِ المحفوظِ فيها الإعضالَ أو الوقفَ، كما ستراه مفصَّلًا فيما يأتي، وقد تقدم بيانُ بعض ذلك في أبواب المضمضة والاستنشاق.
فتصحيح الحديث بمجموع الطرق دون الالتفات إلى كونها مناكيرَ وأخطاء مِن رواتها تساهُلٌ، وليس بإنصاف.
ففرْقٌ بين أن يكون الحديثُ ضعْفُه لسوء حفظ راويه، دون جزم بخطئه فيه أو إعلاله بالوقف أو الإرسال أو غير ذلك، فهذا هو الذي ينجبر بتعدُّد طرقه، أما الشاذُّ والمنكَرُ فلا؛
فالمنكَر أبدًا منكَر، كما قال الإمام أحمد (١). والله أعلم.
* * *
стр. 7777
١٧٧٠ - حَدِيثُ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ:
◼ عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)).
[الحكم]: منكَر، وَضَعَّفَهُ: البُخاريّ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ حَجَرٍ، والبِقَاعي، والمُناويُّ.
وضعَّفَ حديثَ: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) مُطْلقًا: العُقَيليُّ، والدَّارَقُطنيُّ، والحاكمُ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ حَزْمٍ، والإشبيليُّ، والنَّوَويُّ، وابنُ الصَّلاحِ؛ وتَبِعَه: ابنُ كَثيرٍ، والعِراقيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، والبِقَاعيُّ، والأبْناسِيُّ، والمُناويُّ. وقيل للإمامِ أحمدَ: صَحَّ فيه شيءٌ عنِ النبيِّ ﷺ ؟ قال: "لا أعلم".
[التخريج]:
[جه ٤٤٣/ هقخ ٢٣٨]
[السند]:
قال (ابن ماجَهْ): حدثنا سُوَيد بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شُعبة عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله جميعًا ثقات عدا سُوَيدَ بن سعيد؛ فمختلَف فيه، وَثَّقَهُ أحمد، والعِجْليُّ، ومَسلمة بن قاسم، وأخرجَ لَهُ مسلم، ثُمَّ تغيَّر بعد
стр. 7778
ذلك، وتَكَلَّم فيه جمهور النُّقَّاد: ابن المَدِينيِّ، وابنُ مَعِينٍ، والبُخاريُّ، والنَّسائيّ، وابنُ عَدِيٍّ، وابنُ حِبَّانَ، وغيرُهُم.
وقال الحافظُ: "صدوقٌ في نفسه، إلا أنه عَمِيَ فصار يُتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابنُ مَعِينٍ القولَ" (التقريب ٢٦٩٠).
وقد أَعَلَّه به البُخاريّ والبَيْهَقيُّ، فذكر التِّرْمِذيّ في (العلل الكبير)، أنه سأل البُخاريّ عن هذا الحديثِ، فضعَّف سُوَيدًا، نقله ابن حَجَر في (النكت ١/ ٤١١)، ولم نجدْه في العلل المطبوع.
وقد نَقَل لنا البَيْهَقيُّ نَصَّ هذا السؤال والجواب، فقال عَقِبَ رواية سُوَيد لهذا المتن موقوفًا كما سنذكره قريبًا: "سُوَيد بن سعيدٍ الحَدَثانيُّ الأَنْباريُّ، اختلط بعد أن كتب عنه مسلم بن الحَجَّاج، ولعله لو عرَف تغيُّرَه لَما روى عنه في (الصحيح) ".
ثُمَّ قال البَيْهَقيُّ: "قال أبو عيسى التِّرْمِذيّ: قلت للبُخاريّ: فإنهم يذكرون عن سُوَيد بن سعيد عنِ ابنِ أبي زائدة عن شُعبة عن حبيب بن زيد؟ ، فقال: "هو حبيب بن زيد، ودع سُوَيد (١) "، وَضَعَّفَهُ جدًّا، وقال: "كلما لُقِّن شيئًا تلقنه"، وضعَّف أمْرَه" (الخلافيات ١/ ٤٣١، ٤٣٢).
وقال ابنُ حَجَرٍ: "فيه سُوَيد بن سعيد، وقد اختلط" (الدراية ١/ ٢١).
стр. 7779
وأقَرَّه المُناويُّ في (فيض القدير ٣/ ١٧٣).
وقال في (التيسير ١/ ٤٢٢): "إسناد ضعيف؛ لاختلاط سُوَيد بن سعيد".
بينما قال البُوصيري: "هذا إسنادٌ حسنٌ إن كان سُوَيد بن سعيد حفظه" (مصباح الزجاجة ١/ ٦٥).
قلنا: لم يحفظه، والظاهر أنه حدث بهذا المتن بعد اختلاطه، فإنه قد حدث به مرة أخرى على الاستقامة؛
فقد رواه البَغَويُّ في (المعجم ٢٢١٧)، والضِّياءُ في (المختارة ٣٣٣) من طريقِ أبي لبيد السامي، كلاهما (البَغَويُّ والسامي): عن سُوَيد، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شُعبة، به بلفظ: "تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَمَسَحَ بِأُذُنَيْهِ".
وكذا رواه المحاربي وفروة بن أبي المَغراء وعبدالله بن عامر عنِ ابنِ أبي زائدة كما تقدم تحتَ حديثِ عبد الله بن زيد في باب مسح الأذنين.
ورواه أبو يَعْلَى كما في (إتحاف الخِيَرة ٥٨٤/ ٤)، والبَيْهَقيُّ في (الخلافيات ٢٣٨) من طريقِ عِمران بن موسى، كلاهما (أبو يَعْلَى وعِمران) عن سُوَيد، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، به بلفظ: "رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ، وَجَعَلَ يَدْلُكُ [ذِرَاعَيْهِ] "، زاد فيه عند البَيْهَقيّ: "وَالأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ".
وهذه الزيادة قد تفرد بها سُوَيد؛
فقد رواه أبو كُرَيب وإبراهيم بن موسى الرَّازيُّ، عنِ ابنِ أبي زائِدةَ، عن شُعبةَ به نحوه دون الزيادة.
وكذلك رواه القَطَّانُ ومعاذٌ العَنْبَريُّ والطَّيالِسيُّ وأبو خالد الأحمر عن شُعبة نحوه دون الزيادة الموقوفة، وقد تقدم تخريج هذه الطرق في الباب المشار إليه آنفًا.
стр. 7780
فتبيَّن بهذا أن متن حديث ابن ماجَهْ منكَر، معلول، أخطأ فيه سُوَيد، وغفَل عن ذلك جماعة من النقاد، فظنوا أن هذا الحديثَ أَمْثَلُ أحاديث الباب، وليس كذلك:
قال المُنْذِري: "وهذا إسناد متصل، ورواته يحتج بهم، وإن البُخاريّ ومسلمًا قد اتفقا على الاحتجاج بابن أبي زائدة، وشُعبة، وعباد، وحبيب بن زيد: هو الأنصاري، وهو ثقةٌ، وسُوَيد بن سعيد، وإن نُسِب إلى ضعف وتدليس، فقد احتج به مسلم في "صحيحه"، وقد قال في هذا الحديثِ: ثنا يحيى بن زكريا، فهذا أمثل إسناد في هذا الباب، والله أعلم" (شرح الإلمام ابن دقيقِ العيدِ ٤/ ٢٤٤). وكذا قال ابنُ دقيق في (الإمام ١/ ٥٠٤).
وقال المُنْذِري أيضًا - مُعَقِّبًا على تحسين التِّرْمِذيّ لحديث الرُّبَيِّع بنتِ مُعَوِّذ -: "وحديث عبد الله بن زيد أصحُّ من هذا وأجودُ إسنادًا" (مختصر سنن أبي داودَ ١/ ٩٩).
وقال ابنُ دقيق - مُعَقِّبًا على قولِ ابن الصَّلاحِ المتقدم -: "هذا الذي ذكره، وجعله هذا الحديثُ من النوع الذي لا يقويه مجيئه من طرق، أو وجوه، قد لا يوافَق على ذلك، فقد ذكرنا في الأصل روايةَ ابن ماجَهْ، وعرفنا أنه ليس من رواتها إلا مَن وُثِّق، وذكرنا كلام الشيخ في رواية سُوَيد بن سعيد، وأن رواته محتَجٌّ بهم، وذكرنا رواية الدَّارَقُطنيِّ، وحُكْمَ أبي الحسن بن القَطَّان بأن إسنادها صحيح، وتعليله بما علل به" (شرح الإلمام ٤/ ٢٤٨).
وقال ابنُ سيِّدِ الناسِ: "ورجالهُ كُلُّهم موثقون، مُخرَّج لهم في الصَّحيح، إلَّا حبيب بن زيد، فقد وثَّقه أبو حاتم ابن حِبَّانَ، وتقلَّد تصحيح حديثه
стр. 7781
هذا (١). وقال فيه أبو حاتم الرَّازيُّ: صالح" (النفح الشذي ١/ ٣٥٩).
وقال الزَّيْلَعيُّ: "وهذا أمثل إسناد في الباب؛ لاتصاله، وثِقَةِ رواته، فابن أبي زائدة، وشُعبة، وعَبَّاد احتج بهما الشيخان، وحبيب ذكره ابنُ حِبَّانَ في الثِّقات في أتباع التابعين، وسُوَيد بن سعيد احتج به مسلم، والله أعلم" (نصب الراية ١/ ١٩).
وبنحوهم قال مُغْلَطاي في (شرح ابن ماجَهْ ١/ ٤٤٦ - ٤٤٧).
وقال العَيْنيُّ: "وإسناده أمثل إسناد؛ لاتصاله وثقة رواته، وقوَّاه المُنْذِري، وابنُ دقيقِ العيدِ" (البناية ١/ ٢١٥).
وقال الحافظُ: "حديث عبد الله بن زيد قواه المُنْذِري وابنُ دقيقِ العيدِ، وقد بينت أيضًا أنه مدرج" (التلخيص الحبير ١/ ١٦٠).
ووافقه البِقَاعيُّ، وقال: "ومن استظهر لعدم الإدراج بأنه روي تارة مفتتحًا بما للأذنين منه، وتارة مقتصرًا عليه، مجابٌ بأن ذلك من ثُمَّرات القول بالرواية بالمعنى، فقدَّم الراوي وأَخَّر، وأسقط واقتصر، وخَفِي عليه أمْرُ الإدراج؛ فإن من شأن العلل الخفاءَ، إلا على الجهابذة النقاد" (النكت الوفية ١/ ٢٤٧).
قلنا: قال ابنُ دقيق في موضعٍ آخَرَ عن هذا الحديثِ: "سُوَيد بن سعيد أخرجَ لَهُ مسلم في "صحيحه"، وتَكَلَّم فيه ابن مَعِينٍ والنَّسائيُّ، وقال البَيْهَقيُّ ... "، فذكر كلامه في الخلافيات، مع نقل كلام التِّرْمِذيِّ والبُخاري (الإمام ١/ ٥٧٨، ٥٧٩).
стр. 7782
وقد تَعَقَّبَ الحافظُ كلامَ المُنْذِريِّ، فقال: "هذا الإسناد رجاله رجال مسلم إلا أن له علةً؛ فإنه من رواية سُوَيد بن سعيد كما ترى وقد وهِمَ فيه، وذكر التِّرْمِذيّ في العلل الكبير أنه سأل البُخاريّ عن هذا الحديثِ فضعَّف سُوَيدًا. قلت (الحافظ): وهو وإن أخرجَ لَهُ مسلم في صحيحه فقد ضعَّفَه الأئمة، واعتذر مسلم عن تخريج حديثه بأنه ما أخرجَ لَهُ إلا ما له أصل من رواية غيره، وقد كان مسلم لَقِيَه وسمِع منه قبل أن يعمَى ويُتلقَّنَ ما ليس من حديثه، وإنما كثُرت المناكير في روايتِهِ بعد عماه، وقد حدَّث بهذا الحديثِ في حال صحته فأتى به على الصوابِ - أي: موقوفًا -، فرواه البَيْهَقيُّ من رواية عِمرانَ بنِ موسى السَّخْتِيانيِّ، عن سُوَيد بسنده، إلى عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ، وَجَعَلَ يَدْلُكُ، قال: الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ. انتهى. وقوله: "قال: الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ " هو من قول عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه، والمرفوع منه ذكر الوضوء بثلثي مُدٍّ والدلك، وكذا أخرجه ابنُ خُزَيْمةَ وابنُ حِبَّانَ في صحيحهما والحاكمُ من حديث أبي كُرَيب عنِ ابنِ أبي زائدة دون الموقوف" (النكت على ابنِ الصَّلاحِ ١/ ٤١١).
قلنا: والموقوف في هذا الحديثِ منكَر أيضًا؛ لتفرُّد سُوَيدٍ به من بين أصحاب ابن أبي زائدة، واتِّفاقِ أصحاب شُعبة على عدم ذكره، ومَن يكون سُوَيدٌ حتى يتفرد من بين هؤلاء؟ ! .
ومع هذا رمز لصحته السُّيوطيّ في (الجامع الصغير ٣٠٤٦)، وخرَّجه عن عدد منَ الصحابةِ منهم عبد الله بن زيد، كأنه يشير إلى أنه صحيح بمجموع طرقه.
стр. 7783
وكذا صَحَّحَهُ الألبانيُّ في (الصحيحة ٣٦) فقال: "حديث صحيح له طرق كثيرة عن جماعة منَ الصحابةِ، منهم: أبو أُمامة، وأبو هريرةَ، وابنُ عمرو، وابنُ عبَّاسٍ، وعائشة، وأبو موسى، وأنس، وسمُرةُ بن جُندُب، وعبد الله بن زيد".
وقال مُعَقِّبًا على كلام البُوصيريِّ المذكورِ آنفًا: "ولكن ذلك لا يمنع أن يكون حسنًا لغيرِهِ، ما دام أن الرجال كلهم ثقات ليس فيهم متَّهَمٌ، وإذا ضُم إليه طريقِ ابنِ عبَّاسٍ الصحيح، وطريقُه الآخَرُ الذي صَحَّحَهُ ابنُ القَطَّانِ وابنُ الجَوزيِّ والزَّيْلَعيُّ وغيرُهُم؛ فلا شك حينئذ في ثبوت الحديث وصحته، وإذا ضُمَّ إلى ذلك الطرق الأخرى عن الصحابة الآخرين، ازداد قوةً، بل إنه ليرتقي إلى درجة المتواتر عند بعض العلماء" (الصحيحة ١/ ٩٠).
وكذا صَحَّحَهُ في (الإرواء ٨٤)، وحَسَّنَهُ في (صحيح سنن ابن ماجَهْ ٣٦٢).
قلنا: وفي تصحيحه بمجموع الطرق نظر؛ فإن حديث عبد الله بن زيد منكَر؛ غير محفوظ عنه بهذا اللفظِ، كما بيَّنَّاه آنفًا، فليست العلة فقط في الكلام في حفظ سُوَيدٍ حتى ينجبر بغيره كما هو مقرَّر، ولكنه خطأ محْضٌ منه، فلا يصلح حينئذ للاعتبار، وكذا الحال في بقية شواهد هذا الباب، إما الصواب فيها الوقف أو الإرسال، أو شدةُ الضعف، فإن كان الحال كذلك، فلا يصح تقويتها بمجموعها (١)، والله أعلم.
وضعَّفَ حديثَ: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) مُطْلقًا: العُقَيليُّ، والدَّارَقُطنيُّ، والحاكمُ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ حَزْمٍ، والإشبيليُّ، والنَّوَويُّ، وابنُ الصَّلاحِ؛ وتَبِعَه: ابنُ كَثيرٍ،
стр. 7784
والعِراقيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، والبِقَاعيُّ، والأبْناسِيُّ، والمُناويُّ. وقيل للإمامِ أحمدَ: صَحَّ فيه شيءٌ عنِ النبيِّ ﷺ ؟ قال: "لا أعلم".
وقد تَقَدَّمَ نقْلُ أقوالهم في حديثِ أبي أُمامةَ.
* * *
وأخرجه الحسن بن علي المَعْمَريُّ في "اليوم والليلة" - كما في (النكت على ابنِ الصَّلاحِ لابن حَجَر ١/ ٤١٢) -، ومن طريقِه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٦٧).
وأخرجه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٤/ ٥١٦، ٦/ ٥٣٧). وابنُ شاهين في (جزء من حديثه رواية المجلى عنِ ابنِ المهتدي ١٠). وأبو بكر المَيَّانِجيُّ في (الغرائب ٣١). والدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٣٢)، عن أبيه عُمر بن أحمدَ بن مهدي. والخليلي في (الإرشاد ٣/ ٨٤٤) من طريقِ أبي عليٍّ النَّيسابوريِّ. والرافعي في (تاريخ قزوين ١/ ١٥٤) من طريقِ محمد ابن زَنْجُويَهْ.
ستتهم: عن محمدِ بنِ مُحَمد البَاغَنْدي.
ثلاثتهم (البَزَّارُ، والمَعْمَري، والباغندي): عن أبي كامل الفضيل بن الحسين الجَحْدَري، حَدثنا غُنْدَر، عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاء، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، به.
قال أَبو كامل عَقِبَه: "لم أكتب عن غُنْدَر إلا هذا الحديثُ الواحد، أفادنيه عنه عبد الله بن سلمة الأفطس" (الكامل ٦/ ٥٣٧)، ونحوه في (الكامل ٤/ ٥١٦)، وفي (جزء ابن شاهين).
وهذا إسناد ظاهره الصحة، فرجاله كلهم ثقات، ولهذا قال البَزَّارُ: "إسناد حديث ابن عبَّاسٍ جيد"، نقله العَيْنيُّ - وحدَه - في (البناية ١/ ٢١٦).
إلا أنه معلول؛ فإن المحفوظ عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن سُلَيمان بن موسى، عنِ النبيِّ ﷺ . معضلًا.
كذا رواه سفيانُ الثَّوْريُّ في «الجامع» - كما في (الخلافيات للبيهقي عَقِبَ ١٧١) -.
وعبد الرَّزَّاقِ في (المصنَّف ٢٣).
стр. 7787
وابنُ أبي شَيْبةَ في (المصنَّف ١٥٦): عن وكيع.
وأبو عُبَيد في (الطهور ٣٦٠): عن حَجَّاج بن محمد.
والطَّبَريّ في (التفسير ٨/ ١٧٢) من طريقِ الوليد بن مسلم.
والدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٢٨٠) من طريقِ الحُمَيديِّ، عنِ ابنِ عُيَيْنةَ.
والدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٣٨) من طريقِ عبد الوهاب بن عطاء الخَفَّاف.
سبعتُهم: عنِ ابنِ جُرَيجٍ، قال: حدثني سُلَيمان بن موسى، به مرسلًا.
ولهذا أَعَلَّ هذا الطريقَ غيرُ وَاحدٍ من الأئمة:
فقال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا عنِ ابنِ جُرَيجٍ لا يرويه غير الربيع بن بدر (١) وغُنْدُرٌ صاحب شُعبة، ومن حديث غُنْدَر ليس بالمحفوظ" (الكامل ٤/ ٥١٦).
وقال في موضعٍ آخَرَ: "وهذا الحديثُ لا أعلم يرويه عن غُنْدَر بهذا الإسنادِ غير أبي كامل، وحدَّث عن أبي كامل بهذا الحديثِ المَعْمَريُّ والباغنديُّ، وقد رُوِي هذا الحديثُ عن الربيع بن بدر عنِ ابنِ جُرَيجٍ" (الكامل ٦/ ٥٣٧).
وقال الدَّارَقُطنيُّ عَقِبَه: "تفرَّد به أبو كاملٍ عن غُنْدر، ووهِمَ عليه فيه، تابعه الربيع بن بدر وهو متروك، عنِ ابنِ جُرَيجٍ. والصواب عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن سُلَيمان بن موسى، عنِ النبيِّ ﷺ مرسلًا" (السنن ٣٣٢).
وقال في (سؤالات البَرْقانيّ ٦٧٦): "هذا ما رواه إلا أبو كامل عن غُنْدر عنه، وهو وهَمٌ منه على غُنْدر، لم يحدِّث به عن غُنْدَر غيرُه".
وقال الحافظُ ابنُ حَجَر: "وهذا رجاله رجال مسلم - أيضًا -، إلا أن له
стр. 7788
علةً؛ فإن أبا كامل تفرد به عن غُنْدَر، وتفرد به غُنْدَرٌ عنِ ابنِ جُرَيجٍ. وخالَفَه مَن هو أحفظ منه وأكثرُ عددًا، فرَوَوْهُ عنِ ابنِ جُرَيجٍ عن سُلَيمان بن موسى عنِ النبيِّ ﷺ معضلًا. والعلة فيه من جهتين:
إحداهما: أن سماع غُنْدَرٍ من ابن جُرَيجٍ كان بالبصرة، وابنُ جُرَيجٍ لَمَّا حدث بالبصرة حدَّث بأحاديثَ وهِمَ فيها، وسماع مَن سمِع منه بمكةَ أَصَحُّ.
ثانيهما: أن أبا كامل قال - فيما رواه ابنُ عَدِيٍّ عنه -: "لم أكتب عن غُنْدَر إلا هذا الحديثُ، أفادَنيه عنه عبدُ اللهِ بنُ سلمة الأفطس" انتهى.
والأفطس ضعيف جدًّا، فلعله أدخله على أبي كامل" (النكت على كتاب ابن الصَّلاحِ ١/ ٤١٢).
وقيل: الخطأ ممن دون أبي كامل، فقال الحاكمُ أبو عبد الله: "هذا حديث يُعرَف بالمَعْمَري، وهو آخر ما ذكره موسى بن هارون في الإنكار عليه، وقد سرقه منه الباغَنديُّ وغيرُه" (الخلافيات للبيهقي ١٦٧).
قلنا: وفيه نظرٌ؛ فقد رواه عن أبي كامل كذلك البَزَّارُ، وهو إمام ثقةٌ حافظٌ، حاشاه أن يسرق الحديث.
وأما أبو عليٍّ النيسابوري الحافظ، فسأله الحاكمُ عنه، فقال: هذا حديث حدثنا به ابن الباغَندي، ونحن نتهمه به، فإنه لم يحدِّث به في الإسلام أحدٌ غيرُه عن أبي كامل عن غُنْدَر. قال الحاكمُ: فذاكرني أبو الحسين بن المظفر البغدادي فقال لي: الباغندي ثقة، إمام، لا ينكر منه إلا التدليس، والأئمة قد دلَّسوا، فقلت: لا تقل بهذا، أليس قد روى عن أبي كامل هذا ولم يُتابَعْ عليه؟ فقال: قد ذكر
стр. 7789
لي عن [أحمد بن عَمرو بن] (١) عبد الخالق البَزَّارُ، عن أبي كامل كما عند الباغندي" (الإرشاد للخليلي ٣/ ٨٤٤).
قلنا: ولعل ما قاله الحافظ ابن حَجَر أخيرًا هو الأقربُ للصواب، لأن أبا كامل يقول: أفادَنيه عنه - أي: عن غُنْدَر - الأفطسُ. والأفطس هذا متَّهَمٌ ساقط، فهو أَوْلَى أن يتحمل نكارة هذا الحديثُ. والله أعلم.
وذهب إلى تصحيحه ابنُ الجَوزيِّ، وابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ؛
فقال ابنُ الجَوزيِّ مُعَقِّبًا على إعلال الدَّارَقُطنيِّ له: "أبو كامل لا نعلم أحدًا طعن فيه، والرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، كيف وقد وافَقه غيره؟ فإن لم يُعتد برواية الموافق اعتبر بها، ومن عادة المحدِّثين أنهم إذا رأوا من وقف الحديث ومن رفعه وقفو مع الواقف احتياطًا، وليس هذا مذهب الفقهاء.
ومن الممكن أن يكون ابن جُرَيجٍ سمِعه من عطاء مرفوعًا، وقد رواه له سُلَيمان عن رسول الله ﷺ غيرَ مسند" (التحقيق ١/ ١٥٣).
وتَعقَّبَه ابن عبدِ الهادِي فقال: "وهذه الطَريقة التي سلكها المؤلف ومَن تابعه (في أنَّ الأخذ بالمرفوع في كل موضع) طريقةٌ ضعيفةٌ، لم يسلكها أحد من المحقِّقين وأئمة العِلَلِ في الحديثِ" (تنقيح التحقيق ١/ ٢٠٧).
وقال ابنُ القَطَّانِ: "هذا الإسناد صحيح بثقة راويه واتصاله، وإنما أَعَلَّه
стр. 7790
الدَّارَقُطنيُّ بالاضطراب في إسنادِهِ، فتَبِعَه أبو محمد على ذلك، وهو ليس بعيب فيه.
والذي قال فيه الدَّارَقُطنيُّ، هو أن أبا كامل تفرَّد به عن غُنْدَر، ووَهِم فيه عليه.
هذا ما قال، ولم يؤيده بشيءٍ ولا عضده بحجة، غير أنه ذكر أنَّ ابنَ جريح الذي دار الحديث عليه، يروى عنه عن سُلَيمان بن موسى عنِ النبيِّ ﷺ مرسلًا.
وما أدري ما الذي يمنع أن يكون عنده في ذلك حديثان: مسنَد ومرسل؟ ! والله أعلم" (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٢٦٤).
وقال في موضعٍ آخَرَ: "وحديث ابن عبَّاسٍ منها لا عيب له إلا الاختلاف بالإرسال والإسناد، وذلك لا يضره" (بيان الوهم والإيهام ٥/ ٦٦٣).
وتَعَقَّبَ ابنُ القَطَّانِ غيرُ وَاحدٍ:
فقال ابنُ سيِّدِ الناسِ: "ما قاله ابنُ القَطَّانِ له وجه من النَّظر، لكن ليس هو الاصطلاح عندهم، وإنَّما لا يكون الاضطراب عِلَّةً عند تساوي الطرفين، أو تقارُبِهِما.
وأمَّا حيثُ يكونُ أصحابُ غُنْدُرٍ كُلُّهم روَوْهُ عنه من طريقِ سُلَيمان بن موسى، وانفرد أبو كامل وحدَه بطريق أخرى، لم يتابِعه عليها غيرُه، فشُبهة تضعيفِه راجحةٌ على تصحيحه اصطلاحًا.
وقال ابنُ عَدِيٍّ: ليس هو من حديث غُنْدَر بمحفوظ، وضعَّف الحديث" (النفح الشذي ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣).
стр. 7791
وقال ابنُ عبدِ الهادِي بعد نقل كلام ابنُ القَطَّانِ: "انتهى كلامه، وفيه نظرٌ كثير" (تنقيح التحقيق ١/ ٢٠٧).
وقال ابنُ حَجَرٍ: "وقد مال أبو الحسن ابنُ القَطَّانِ إلى الحكم بصحته؛ لثقة رجاله واتصاله، وقال ابنُ دقيقِ العيدِ: لعله أَمْثَلُ إسناد في هذا الباب. قلت: وليس بجيد؛ لأن فيه العلةَ التي وصفناها، والشذوذَ؛ فلا يحكم له بالصحةِ كما تقرر، والله أعلم" (النكت ١/ ٤١٣).
وضعَّفَ حديثَ: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) مُطْلقًا: العُقَيليُّ، والدَّارَقُطنيُّ، والحاكمُ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ حَزْمٍ، والإشبيليُّ، والنَّوَويُّ، وابنُ الصَّلاحِ؛ وتَبِعَه: ابنُ كَثيرٍ، والعِراقيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، والبِقَاعيُّ، والأبْناسِيُّ، والمُناويُّ. وقيل للإمامِ أحمدَ: صَحَّ فيه شيءٌ عنِ النبيِّ ﷺ ؟ قال: "لا أعلم".
[تنبيه]:
غمز غير واحد من أهلِ العلمِ في الإمام البَيْهَقيِّ لعدم ذكره لحديث ابن عبَّاسٍ هذا وحديث عبد الله بن زيد المتقدم في (السنن الكبير)، لأنهما - من وجهة نظرهم - أَمْثَلُ أحاديثِ الباب؛
فقال ابنُ التُّرْكُمانيّ: "فأعرض البَيْهَقيُّ عن حديث ابن ماجَهْ - يعني: حديثَ عبد الله بن زيد-، وحديثِ الدَّارَقُطنيِّ - يعني: حديثَ ابن عبَّاسٍ هذا - مع شدة تتبُّعِه لكتابه، واشتغل بحديث أبي أُمامةَ مع ما فيه، وذكر الإسناد الذى زعم أنه أشهر إسناد لهذا الحديثِ، وبهذا يظهر تحاملُه" (الجوهر النقي ١/ ٦٨).
وقال الزَّيْلَعيُّ: "فانظر كيف أعرض البَيْهَقيُّ عن حديث عبد الله بن زيد، وحديثِ ابن عبَّاسٍ هذين، واشتغل بحديث أبي أُمامة، وزعم أن إسناده
стр. 7792
أشهر إسناد لهذا الحديثِ، وترك هذين الحديثين، وهُمَا أَمْثَلُ منه؟ ! ومن هنا يظهر تحاملُه، والله أعلم" (نصب الراية ١/ ١٩)، وتَبِعَه العَيْنيُّ في (البناية ١/ ٢١٦).
ولهذا قال العَجْلونيّ: "وقد تُوُهِّم في البَيْهَقيِّ التحاملُ بسبب اقتصاره على حديث أبي أُمامةَ والاشتغال بالتكلُّم فيه، مع أن في الباب حديثَ عبد الله بن زيد أخرجه ابنُ ماجَهْ، وحديثَ ابن عبَّاسٍ أخرجه الدَّارَقُطني" (كشف الخفاء ١/ ٩٢).
قلنا: وما قالوه جميعا فيه نظرٌ، بل وتحامُل؛ فإن كل أحاديث الباب ضعيفة، ليس فيه شيء ثابت، وإن كان بعضها من وجهة نظرهم صحيحًا، فلا يُلزَم المجتهِدُ باجتهاد غيره.
وقد قال البَيْهَقيُّ: "وأما ما رُوي عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ))، فرُوِيَ ذلك بأسانيدَ ضِعافٍ ذكرناها في الخلاف. وأشهر إسناد فيه ما ... " فذكر حديث أبي أُمامة (السنن الكبير ١/ ٢٠٢).
فها هو قد نَصَّ على أن كل أسانيده ضعيفة، وأحال على الموضع الذي ذكر فيه ذلك مفصلًا، وهو كتاب (الخلافيات)، وقد أخرج هناك حديثَ عبد الله بن زيد، وحديثَ ابنِ عبَّاسٍ، وبيَّن عِلَلَهما.
وأمَّا مِن حيث الشهرةُ فلا ريب ولا شك أنَّ حديث أبي أُمامةَ أشهرُ من حديثَيْ عبد الله بن زيد وابنُ عبَّاسٍ؛ فحديث أبي أُمامةَ: مُخَرَّجٌ في أمهات كتب السُّنَّة، كسنن أبي داودَ والتِّرْمِذيُّ وابنُ ماجَهْ ومسندِ أحمدَ، وغيرِها كثير من دواوين السُّنَّة (١).
стр. 7793
أما حديث عبد الله بن زيد، فلم يُخَرِّجه سوى ابن ماجَهْ، والبَيْهَقيُّ - نفْسِه - في (الخلافيات).
وحديث ابن عبَّاسٍ المشار إليه من طريقِ غُنْدَرٍ لا ذكرَ له في الكتب الستة ولا مسند أحمد ولا معاجم الطَّبَرانيِّ، بل لم يذكروا هُمْ سوى الدَّارَقُطنيِّ، وقد أخرجه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات) أيضًا.
وقد قال المُنْذِري: "قد وقع لنا هذا الحديثُ من روايةِ ابن عبَّاسٍ وابنُ عمر وأبي موسى الأشعري وأبي هريرةَ وأنس وعائشة، وليس شيء منها يثبت مرفوعًا، وعن عُثْمَانَ من قوله، وأشهرها حديث أبي أُمامةَ كما قال البَيْهَقيُّ" (النكت على مقدمة ابن الصَّلاحِ للزركشي ١/ ٣٢٦).
وذكر الشيخ أحمد شاكر أن الحافظ ابن حَجَر كتب بخطه على نسخة (نَصْب الراية) المحفوظة بدار الكتب المصرية ما نصُّه: "البَيْهَقيُّ إنما قال إن حديث أبي أمامة أشهرها، ولا يلزم مِن الشهرة الصحةُ ولا غيرُها، وأما كونُ حديثِ ابن عبَّاسٍ وابنُ زيد أَمْثَلَ منه فلا يلزم منه الشهرةُ الموجودة في حديثِ أبي أُمامةَ، فتأمله" انتهى. (تحقيق سنن التِّرْمِذي ١/ ٥٥).
* * *
стр. 7794
رِوَايَة: أَنَّهُ سُئِلَ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأُذُنَيْنِ: أَمِنَ الرَّأْسِ هُمَا أَوْ مِنَ الوَجْهِ؟ فَقَالَ: «هُمَا مِنَ الرَّأْسِ».
[الحكم]: إسناده ساقط. وأنكره العُقَيليُّ: وابنُ عَدِيٍّ، والدَّارَقُطنيُّ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ طاهر.
[التخريج]:
[عق (٣/ ٤٦٩ - ٤٧٠) / عد (٩/ ٨٤) / قط ٣٤٨ - ٣٥٠ من غير سؤال/ هقخ ١٨٩ من غير سؤال]
[السند]:
أخرجه العُقَيليُّ في (الضُّعفاء ٣/ ٤٦٩) قال: حدثناه عبد الله بن أحمدَ بن أبي مَسَرَّةَ، قال: حدثنا خلَّاد بن يحيى، قال: حدثنا محمدُ بن زياد اليَشْكُريُّ، قال: حدثنا ميمون بن مِهران، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، به.
وأخرجه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٩/ ٨٤)، والدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٤٨ - ٣٥٠)، والبَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٨٩) من طريقِ محمد بن زياد، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ؛ محمد بن زياد: هو اليَشْكُريُّ الطَّحَّان، قال فيه أحمد: ((كذاب خبيث أعورُ يضعُ الحديثَ))، وكذلك قال ابنُ مَعِينٍ وأبو زُرْعةَ والنَّسائيّ وغيرهم. (تهذيب التهذيب ٩/ ١٧٢). ولذا قال الحافظُ: ((كذَّبوه)) (التقريب ٥٨٩٠).
وبه أَعَلَّه غيرُ وَاحدٍ منَ العلماءِ:
فذكره الحديث العُقَيليُّ في مناكيره، بعدما نقل تكذيبه واتهامه بالوضع عن
стр. 7795
غيرِ واحدٍ من الأئمة.
وكذا ذكره في مناكيره ابنُ عَدِيٍّ، وختم ترجمته بقوله: "ولمحمد بن زياد هذا غيرُ ما ذكرتُ من الحديث، وهو بيِّنُ الأمر في الضُّعفاء، يروي عن ميمون بن مِهرانَ أحاديثض مناكيرَ لا يرويها غيره، ولا يتابِعه أحدٌ منَ الثِّقاتِ عليها" (الكامل ٩/ ٨٦).
وقال الدَّارَقُطنيُّ عَقِبَه: "محمد بن زياد متروكُ الحديثِ" (السنن ٣٥٠). وتَبِعَه الغَسَّاني في (تخريج الأحاديث الضِّعاف من سنن الدَّارَقُطني ص ٢٥).
وقال البَيْهَقيُّ عَقِبَه: "محمد بن زياد هذا هو الطحان: كذاب خبيث" (الخلافيات ١/ ٣٨٣).
وقال ابنُ طاهر: "ومحمد كذاب، يضعُ الحديثَ" (ذخيرة الحفاظ ٢/ ١٠٧٥).
وذكر له الدَّارَقُطنيّ علةً أخرى، فقال: "ورواه يوسف بن مِهران عنِ ابنِ عبَّاسٍ موقوفًا". ثُمَّ ساقه من طريقِ عليِّ بن زيد، عنه.
قلنا: ولكن عليّ بن زيد هو ابن جدان جُدْعانَ؛ ضعيف لا يحتج به.
وللحديث طرقٌ أخرى عنِ ابنِ عبَّاسٍ، واهيةٌ تالفة، وقد تَقَدَّمَ تخريجُها والكلامُ عليها في أبواب المضمضة والاستنشاق.
* * *
стр. 7796
١٧٧٢ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:
◼ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)).
[الحكم]: طرقه كلُّها ضعيفة معلولة. وأَعَلَّها: الدَّارَقُطنيُّ، والبَيْهَقيُّ، والإشبيليُّ، والعَيْنيُّ. والصواب وقْفُه على ابنِ عُمرَ.
وضعَّفَ حديثَ: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) مُطْلقًا: العُقَيليُّ، والدَّارَقُطنيُّ، والحاكمُ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ حَزْمٍ، والإشبيليُّ، والنَّوَويُّ، وابنُ الصَّلاحِ؛ وتَبِعَه: ابنُ كَثيرٍ، والعِراقيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، والبِقَاعيُّ، والأبْناسِيُّ، والمُناويُّ. وقيل للإمامِ أحمدَ: صَحَّ فيه شيءٌ عنِ النبيِّ ﷺ ؟ قال: "لا أعلم".
[التخريج]:
[عد (٢/ ٩٨)، (٥/ ٨٩) / معقر ٣٤/ قط ٣٢١ واللفظُ له، ٣٢٢، ٣٢٣، ٣٣٠/ علقط (٦/ ٣٤٦) / مخلص ١٢٣٣/ تمام ٦٢٠/ بحير (ق ١١/ ب) / هقخ ١٤٠، ١٤١، ١٤٥، ١٤٦، ١٥٢، ١٥٣، ١٥٥، ١٥٦/ خط (٨/ ٤٢٠)، (١٦/ ٢٤٠) / ضح (١/ ١٩٦) / تحقيق ١٣٩/ نجار (٢٠/ ٥٩)]
[التحقيق]:
الحديث له طرق عنِ ابنِ عمر:
الطريق الأول: عن أسامة بن زيد، عن نافع، عنِ ابنِ عمر:
أخرجه الدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٢١)، و (العلل ٦/ ٣٤٦) - ومن طريقِه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٤٠)، وابنُ الجَوزيِّ في (التحقيق ١٣٩) -، والمخلِّص في (المخلصيات ١٢٣٣)، والبَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٤١)،
стр. 7797
والخطيب في (الموضح ١/ ١٩٦)، و (تاريخ بغداد ١٦/ ٢٤٠)، وابنُ الجَوزيِّ في (التحقيق ١٣٩): من طريقِ يحيى بن العريان الهَروي، عن حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عنِ ابنِ عمر، به.
وهذا إسناد منكر؛ أخطأ فيه يحيى بن العريان - ولم نجدْ مَن وَثَّقَهُ (١) -، أو حاتم بن إسماعيل وهو "صدوقٌ يَهِم" (التقريب ٩٩٤).
وقد رواه ابنُ أبي شَيْبةَ (١٦٣) - ومن طريقِه الدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٢٧)، ومن طريقِه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٤٣) -: عن أبي أسامة حماد بن أسامة.
ورواه الدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٢٧) - ومن طريقِه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٤٢)، والخطيب في (الموضح ١/ ١٩٦) -: من طريقِ وَكِيع بن الجَرَّاح.
كلاهما: (أبو أسامة، ووكيع): عن أسامة بن زيد، عن هلال بن أسامة الفِهْريِّ، عنِ ابنِ عُمرَ، به موقوفًا.
ولذا قال الدَّارَقُطنيُّ عَقِبَه: "كذا قال، وهو وهَمٌ؛ والصواب عن أسامة بن زيد، عن هلال بن أسامة الفِهريِّ، عنِ ابنِ عُمرَ موقوفًا" (السنن ٣٢١) ونحوه (عَقِبَ ٣٢٦).
وقال في (العلل): "يحيى بن العُريان، وهو عمُّ (٢) أحمدَ ومُعاذٍ ابنَيْ
стр. 7798
نَجدَة، وهو وهَمٌ، والصواب عن أُسامةَ بن زَيدٍ اللَّيْثيِّ، عن هلال بن أُسامةَ الفِهريِّ، عنِ ابنِ عُمرَ، قولَه غير مرفوع" (العلل ٢٧٧٣) ونحوه في (العلل ٢٧٨٤).
وقال الخطيبُ: "والخطأ فيه من وجهين: أحدهما قوله: (عن نافع)، والثاني: روايته مرفوعًا، وحديث وكيع الصواب. والله أعلم" (الموضح ١/ ١٩٦).
ومال ابن الجَوزيِّ إلى تصحيحه، فذكر عن مخالفيه إعلالَه بأسامةَ بن زيد، وأجاب عن ذلك بقوله: "قلنا: قد قال يحيى بن مَعِينٍ: هو ثقة صالح". ثُمَّ نقل عنهم أنهم قالوا: فقد قال الدَّارَقُطنيُّ: رفْعُه وهَمٌ، والصواب أنه موقوف على ابنِ عُمرَ. وأجاب عن ذلك بقوله: "قلنا: الذي يرفعه يذكر زيادةً، والزيادة من الثقة مقبولةٌ، والصحابي قد يروي الشيء مرفوعًا، وقد يقوله على سبيل الفتوى" (التحقيق ١/ ١٥٢).
وهذا الكلام فيه نظرٌ ظاهر؛ من وجهين:
الأول: أن هذه القاعدة (والزيادة من الثقة مقبولةٌ) ليس على إطلاقها عند أئمة الحديث، بل لكل زيادة نقدٌ خاصٌّ عندهم.
الثاني: أن الطريق المرفوع لم يثبت من طريقِ ثقة أصلًا؛ ففيه يحيى بن العُريان، وهو مجهول الحال.
الطريق الثاني: عن عُبيد الله، عن نافع، عنِ ابنِ عمر:
أخرجه الدَّارَقُطنيُّ (٣٢٣)، والبَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٥٣): من طريقِ
стр. 7799
عبد الله بن محمد بن وُهَيب الغَزِّي، حدثنا محمدُ بن أبي السَّرِي، حدثنا عبد الرَّزَّاقِ، عن عُبيد الله، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، مرفوعًا به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن المعروف بابن أبي السَّرِي؛ "صدوقٌ عارف، له أوهام كثيرة" (التقريب ٦٢٦٣).
واختُلِف فيه على عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ وُهَيبٍ الغَزِّيِّ أيضًا:
فرواه تمام في (الفوائد ٦٢٠) قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أيوبَ العدلُ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ وُهَيب الغَزِّي، حدثنا ابن أبي السَّري، حدثنا عبد الرَّزَّاقِ، عن سفيانَ، عن عُبيد الله، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، مرفوعًا.
قال: وحدثنا محمدُ بن هارون، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ وُهَيب.
وتابَعه على ذكر سفيانَ الثَّوْريِّ: إسحاقُ بنُ إبراهيم قاضي غزة، عنِ ابنِ أبي السَّري، عن عبد الرَّزَّاقِ، عن الثَّوْريِّ، عن عُبيد الله، عن نافع، عنِ ابنِ عمر، مرفوعًا.
أخرجه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٥٢)، وابنُ النجار في (ذيل تاريخ بغداد ٢٠/ ٥٩).
قال الدَّارَقُطنيُّ: "ورفْعُه أيضًا وهَمٌ، ووَهِم في ذكر الثَّوْريِّ، وإنما رواه عبدُ الرَّزَّاقِ، عن عبدِ اللهِ بن عُمرَ أخي عُبيد الله، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عنه موقوفًا" (السنن ٣٢٣).
ثُمَّ رواه من طريقِ عبد الرَّزَّاقِ، أنا عبد الله بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عمر به موقوفًا، وهو في (المصنَّف ٢٤).
ولذا قال في (العلل): "والصحيح عن عبد الرَّزَّاقِ موقوفًا" (العلل ٦/ ٣٤٦).
стр. 7800
وقال أيضا: "وكذلك رواه محمد بن إسحاقَ، عن نافع، وعبد الله بن نافع، عن أبيه، عنِ ابنِ عُمرَ موقوفًا" (السنن ٣٢٣).
وطريقِ ابنِ إسحاقَ عندَ ابنِ أبي شَيْبةَ (١٦٤)، والطَّحاويِّ (١/ ٣٤)، وغيرِهما.
الطريق الثالث: عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عنِ ابنِ عمر:
أخرجه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٥/ ٨٩)، وابنُ المقرئ في (المعجم ٣٤)، والبَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٤٥): من طريقِ ضَمْرةَ بنِ ربيعةَ.
وأخرجه الدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٢٢)، والبَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٤٦): من طريقِ القاسم بن يحيى البزاز.
كلاهما: إسماعيل بن عَيَّاش، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، مرفوعًا به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ؛ مخلِّطٌ في روايتِهِ عن غير أهل بلده، لا سيما روايته عن المدنيين، فإنه يأتي عنهم بالمناكير كما قال البُخاريُّ وغيرُه، وهذا منها، فشيخه في هذا الحديثِ يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ المدني.
وقد خُولِف؛ قال الدَّارَقُطنيُّ: "ورواه عباد بن العَوَّام، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ: أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ مَعَ وَجْهِهِ، وهو الصحيح" (العلل ٦/ ٣٤٦/ ٢٧٧٣).
وقال في (السنن) عَقِبَه: "رفْعُه وهَمٌ، والصواب عنِ ابنِ عُمرَ من قوله، والقاسم بن يحيى هذا ضعيف" (السنن ٣٢٢).
стр. 7801
وتَبِعَه البَيْهَقيُّ، فقال: "والقاسم بن يحيى ضعيف، وضَمْرةُ بن ربيعةَ أيضًا ليس بالقوي، فإنْ سَلِم منهما فالحملُ فيه على إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، رفَعَه، والصواب موقوف" (الخلافيات ١/ ٣٥٣).
وقال ابنُ حَجَرٍ: "رواية إسماعيل بن عَيَّاشٍ عن الحجازيين فيها مقالٌ، وهذا منها، والمحفوظُ من حديث نافع عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ من قوله. وكذا رواه عبدُ الرَّزَّاقِ وأبو بكر بن أبي شَيْبةَ من طرقٍ عنه" (النكت ١/ ٤١٤).
الطريق الرابع: عن سُلَيمان بن موسى، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ:
أخرجه الخطيبُ في (تاريخه ٨/ ٤٢٠)، من طريقِ الحسن بن كُلَيب، حدثنا مصعب بن المِقْدام، حدثنا سفيان، عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن سُلَيمانَ بنِ موسى، عن نافع عنِ ابنِ عُمرَ، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَتَمَضْمَضْ وَلْيَسْتَنْثِرْ، وَالأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ».
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، ورفْعُه منكَرٌ؛ والمحفوظُ عنِ ابنِ جُرَيجٍ عن سُلَيمان بن موسى مرسلًا، كما قال الدَّارَقُطنيُّ.
وقد سبقَ الكلامُ على هذا الطريق في باب: "الْأَمْرِ بِالمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ".
الطريق الخامس: عبد الله بن نافع، عن أبيه، عنِ ابنِ عُمرَ:
أخرجه أبو عثمان البحيري في (الثالث من فوائده ق ١١/ ب)، عن زاهر بن أحمدَ، أنبا إبراهيم بن مُغِيرة، حدثنا محمدُ بن إسماعيل الحسَّاني، حدثنا وكيع، عن عبدِ اللهِ بن نافع، عن أبيه، عنِ ابنِ عُمرَ، مرفوعًا به.
ثُمَّ قال أبو عثمان: "هكذا وجدت في أصل كتابي". وكأنه استنكره، وهو كذلك؛
стр. 7802
فقد رواه الدَّارَقُطنيُّ (٣٢٦) من طريقِ عبَّاسٍ البَحراني عن وكيع به موقوفًا.
وعلى كلٍّ، فهذا الإسناد ضعيف مرفوعًا وموقوفًا؛ فيه عبدُ اللهِ بنُ نافع؛ وهو "ضعيف" (التقريب ٣٦٦١).
الطريق السادس: عن زيد العَمِّيِّ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ:
أخرجه ابنُ عَدِيٍّ في (الكامل ٢/ ٩٨) - ومن طريقِه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٥٦) -: من طريقِ عيسى الغُنْجار، حدثنا محمدُ بن الفضل، عن زيد العَمِّيِّ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، به مرفوعًا.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه محمد بن الفضل، وهو ابن عطية؛ "كذَّبوه" (التقريب ٦٢٢٥).
وقدِ اضطربَ في إسناد الحديث، فرواه مرة هكذا، وتارةً أخرى رواه عن زيد العَمِّيِّ، عن مجاهد عنِ ابنِ عمر، كما سيأتي في الطريق التالي.
وبه أَعَلَّه البَيْهَقيُّ؛ حيث نَقَل عَقِبَه كلامَ الدَّارَقُطنيِّ الآتي على طريق مجاهد، قال: "محمد بن الفضل هو ابن عطية؛ متروكُ الحديثِ". ونقل تضعيفَه كذلك عن عدد منَ العلماءِ. انظر (الخلافيات ١٥٧ - ١٦٠).
وقال ابنُ طاهر: "رواه عن زيد: محمدُ بن الفضل بن عطية. ولعل البلاء منه؛ فإنه أضعف من زيد" (ذخيرة الحفاظ ٢٢٨٨).
وزيد بن الحَواريِّ أبو الحَواريِّ العَمِّيُّ؛ "ضعيف" (التقريب ٢١٣١).
وبهما ضعَّفَه ابن سيِّدِ الناسِ؛ فقال: "وأمَّا حديثُ ابنِ عُمرَ: فمن طريقِ محمد بن الفضل بن عطية، والكلام فيه شديد، عن زيد العَمِّيِّ، وضُعِّف" (النفح الشذي ١/ ٣٦٣).
стр. 7803
الطريق السابع: عن مجاهد، عنِ ابنِ عُمرَ:
أخرجه الدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٣٠) - ومن طريقِه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٥٥) -: عن القاسم بن إسماعيل، عن إدريس بن الحَكَم العَنزي، عن محمدِ بنِ الفضل، عن زيد العَمِّيِّ، عن مجاهد، عنِ ابنِ عمر، به.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه ثلاثُ عِلَلٍ:
الأولى: محمد بن الفضل، هو ابن عطية؛ "كذَّبُوه" (التقريب ٦٢٢٥).
وبه أَعَلَّه الدَّارَقُطنيّ، فقال: "محمد بن الفضل هو ابن عطية؛ متروكُ الحديثِ".
وتَبِعَه الغَسَّاني فذكره في (تخريج الأحاديث الضِّعاف من سنن الدَّارَقُطني ص ٢٤) وقال: "محمد بن الفضل هو ابن عطية؛ ضعيف. والصحيح أنه موقوف عنِ ابنِ عُمرَ".
الثانية: زيد بن الحَواريِّ أبو الحَواريِّ العَمِّيُّ؛ "ضعيف" (التقريب ٢١٣١).
الثالثة: إدريس بن الحَكَم العَنزيُّ، ترجم له الخطيب في (تاريخ بغداد ٧/ ٤٦٣)، والذَّهَبيُّ في (تاريخ الإسلام ٦/ ٤٥)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
قلنا: وإنما يصح هذا الحديثُ موقوفًا عنِ ابنِ عُمرَ من وجوه أخرى - كما سيأتي في آخر الباب -، وأما مرفوعًا عنِ النبيِّ ﷺ فلا يثبُت من أي وجه، والله أعلم.
وقد قال عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ: "وقد رُوي عن أبي أمامة، وابنُ عبَّاسٍ، وأبي موسى، وأبي هريرةَ وابنُ عُمرَ، كلّهم عنِ النبيِّ ﷺ قال: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)). ولا يصحُّ منها كلها شيء" (الأحكام الوسطى ١/ ١٧١).
стр. 7804
وقال العَيْنيُّ: "وحديث ابنِ عُمرَ عند الدَّارَقُطنيِّ من طرق، وأَعَلَّ جميعَها" (البناية شرح الهداية ١/ ٢١٦).
وضعَّفَ حديثَ: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) مُطْلقًا: العُقَيليُّ، والدَّارَقُطنيُّ، والحاكمُ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ حَزْمٍ، والإشبيليُّ، والنَّوَويُّ، وابنُ الصَّلاحِ؛ وتَبِعَه: ابنُ كَثيرٍ، والعِراقيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، والبِقَاعيُّ، والأبْناسِيُّ، والمُناويُّ. وقيل للإمامِ أحمدَ: صَحَّ فيه شيءٌ عنِ النبيِّ ﷺ ؟ قال: "لا أعلم".
وقد تَقَدَّمَ نقلُ أقوالهم في حديثِ أبي أُمامةَ.
* * *
стр. 7805
١٧٧٣ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وابنُ عبَّاسٍ:
◼ عنِ ابنِ عُمَرَ وابنُ عبَّاسٍ ﵃، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)).
[الحكم]: إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وَضَعَّفَهُ البَيْهَقيُّ.
وضعَّفَ حديثَ: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) مُطْلقًا: العُقَيليُّ، والدَّارَقُطنيُّ، والحاكمُ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ حَزْمٍ، والإشبيليُّ، والنَّوَويُّ، وابنُ الصَّلاحِ؛ وتَبِعَه: ابنُ كَثيرٍ، والعِراقيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، والبِقَاعيُّ، والأبْناسِيُّ، والمُناويُّ. وقيل للإمامِ أحمدَ: صَحَّ فيه شيءٌ عنِ النبيِّ ﷺ ؟ قال: "لا أعلم".
[التخريج]:
[هقخ ١٩٧]
[السند]:
قال البَيْهَقيُّ في (الخلافيات): حدثناه أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ إملاءً، أنا محمد بن عبد الواحد الرَّازيُّ، ثنا محمد بن أحمدَ بن عليٍّ البَرْذَعيُّ، ثنا الحسنُ بنُ مأمون البَرْذَعيُّ، ثنا بِشْر بن عَمرو بن سام، ثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عنِ ابنِ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ مسلسَلٌ بالعِلَلِ:
الأولى: عبد الوهاب بن مجاهد؛ "متروك، وقد كذَّبه الثَّوْريُّ"، كما قال الحافظُ في (التقريب ٤٢٦٣).
الثانية: عبد الوهاب؛ متكلَّمٌ في سماعه من أبيه، قال وكيع: ((كانوا يقولون:
стр. 7806
أن عبدَ الوهاب بن مجاهدٍ لم يسمع من أبيه))، انظر: (تهذيب التهذيب ٦/ ٤٥٣).
الثالثة والرابعة والخامسة: محمدُ بن أحمدَ بنِ عليٍّ البَرْذَعيُّ، ثنا الحسنُ بنُ مأمون البَرْذَعيُّ، ثنا بِشْر بن عَمرو بن سام؛ ثلاثتُهم لم نقف لهم على ترجمة.
ولذا قال البَيْهَقيُّ عَقِبَه: "هذا إسنادٌ واهٍ، لا تقوم به الحُجَّة، وأكثر رواته مجهولون، فإنْ سَلِم منهم، فعبد الوهاب بن مجاهد عِلَّةُ الطريق، وهو ليس بالقوي، ولم يسمع من أبيه".
ثُمَّ أَسنَد عنِ ابنِ مَعِينٍ أنه قال: "عبد الوهاب بن مجاهدٍ ضعيفٌ" (الخلافيات ١٩٩).
وأَسنَد عن وَكِيع، أنه قال: "كانوا يقولون: إنه لم يسمع من أبيه شيئًا" (الخلافيات ٢٠٠).
ونَقَل عن الحاكمُ أنه قال: "يروي عن أبيه أحاديثَ موضوعةً" (الخلافيات ٢٠١).
* * *
١٧٧٥ - حَدِيثُ أَبِي هريرةَ:
◼ عَنْ أَبِي هريرةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ».
[الحكم]: طرقه كلها ضعيفة، وَضَعَّفَهُا الدَّارَقُطنيُّ، والبَيْهَقيُّ، والإشبيلي.
وضعَّفَ حديثَ: ((الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)) مُطْلقًا: العُقَيليُّ، والدَّارَقُطنيُّ، والحاكمُ، والبَيْهَقيُّ، وابنُ حَزْمٍ، والإشبيليُّ، والنَّوَويُّ، وابنُ الصَّلاحِ؛ وتَبِعَه: ابنُ كَثيرٍ، والعِراقيُّ، وابنُ المُلَقِّنِ، والبِقَاعيُّ، والأبْناسِيُّ، والمُناويُّ. وقيل للإمامِ أحمدَ: صَحَّ فيه شيءٌ عنِ النبيِّ ﷺ ؟ قال: "لا أعلم".
[التخريج]:
[جه ٤٤٩ واللفظُ له/ عل ٦٣٧٠/ طس ٥٣٨، ٨٣١٨/ طبر (٨/ ١٧١) / مجر (٢/ ٨٦) / عد (٢/ ٥٠٠) / قط ٣٣٩، ٣٥٤، ٣٤٧، ٣٥٢/ هقخ ١٨١، ١٨٢، ٢٠٧، ٢٠٨، ٢١١، ٢١٢/ كر (٥١/ ٨٨) / حطاب ٨٤/ تحقيق ١٤١]
[التحقيق]:
روي من طرقٍ عن أبي هريرةَ ﵁:
الطريق الأول:
أخرجه ابنُ ماجَهْ (٤٤٩)، قال: حدثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدثنا عَمرو بن الحُصَين، قال: حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عُلَاثةَ، عن عبد الكريم الجَزَري، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ، به.
وأخرجه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٨٣١٨)، والدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٥٢)، والبَيْهَقيُّ في (الخلافيات ٢٠٧، ٢٠٨): من طريقِ عَمرو بن الحُصَين به.
стр. 7809
وزادوا في أوَّله: الأمر بالمضمضة والاستنشاق.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ آفتُه عَمرو بن الحُصين؛ وهو متروك.
وقد سبقَ تفصيلُ الكلام على هذا الطريق في باب: "الأمر بالمضمضة والاستنشاق في الوُضوء".
الطريق الثاني:
أخرجه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ٢١١) من طريقِ عبد الوهاب بن الضَّحَّاك، حدثنا إسماعيل بن عيَّاش، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ، به.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه عِلَّتان:
الأولى: عبد الوهاب بن الضحاك؛ "متروك، كذَّبه أبو حاتم" (التقريب ٤٢٥٧).
وقال أبو داودَ: "يضعُ الحديثَ" (الكاشف ٣٥١٦).
الثانية: إسماعيل بن عَيَّاش؛ قال فيه الحافظ: "صدوقٌ في روايتِهِ عن أهل بلده، مخلِّطٌ في غيرهم" (التقريب ٤٧٣)، وهذ ليس من روايته عن أهل بلده؛ فيحيى بنُ سعيدٍ مَدَنيٌّ.
ونقل البَيْهَقيُّ عَقِبَه عن الحاكمُ قولَه: "تفرَّد به إسماعيلُ بن عيَّاش، عن يحيى بن سعيد، وإسماعيلُ بن عيَّاشٍ على جلالة محلِّه إذا انفرد بحديث لم يُقْبَل منه؛ لسوء حفظه".
وهذا محمول على روايته عن غير الشاميين، كما نَصَّ غيرُ وَاحدٍ من الأئمة.
стр. 7810
الطريق الثالث:
أخرجه الدَّارَقُطنيُّ في (السنن ٣٣٩) - ومن طريقِه البَيْهَقيُّ في (الخلافيات ١٧٢)، وابنُ الجَوزيِّ في (التحقيق ١٤١) -، قال: حدثنا ابن مُبَشِّر، حدثنا محمدُ بن حرب، حدثنا عليُّ بن عاصم، عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن سُلَيمانَ بن موسى، عن أبي هريرةَ، به.
وهذا إسناد منكَرٌ؛ فيه ثلاثُ عِلَلٍ:
الأولى: الانقطاع؛ بين سُلَيمان بن موسى وأبي هريرةَ؛ فقد قال الإمام البُخاريّ: "سُلَيمان لم يدرِك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ " (العلل الكبير للترمذي ص ١٠٢).
الثانية: عليُّ بن عاصم، قال فيه الذَّهَبيُّ: "ضَعَّفُوه" (الكاشف ٣٩٣٥)، وقال الحافظُ: "صدوقٌ يخطئ ويُصِرُّ" (التقريب ٤٧٥٨).
الثالثة: المخالفة؛ فقد رواه جماعة منَ الثِّقاتِ الأثبات عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن سُلَيمان بن موسى مرسلًا. وقد تقدم ذلك مِرارًا.
ولذا قال الدَّارَقُطنيُّ عَقِبَه: "وهِمَ عليُّ بن عاصم في قوله عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ ، والذي قَبْلَه أَصَحُّ عنِ ابنِ جُرَيجٍ" (السنن ٣٣٩). أي: المرسل.
وقال ابنُ عبدِ الهادِي بعد ذِكْرِه أقوالَ العلماء في تضعيف عليِّ بن عاصم: "وسُلَيمان بن موسى لم يسمع من أبي هريرةَ. والصواب ما قاله الدَّارَقُطنيُّ أنه مرسل" (تنقيح التحقيق ١/ ٢٠٨).
الطريق الرابع: عن عطاء، عن أبي هريرةَ:
أخرجه أبو يَعْلَى، والطَّبَرانيُّ في (الأوسط ٥٣٨)، والطَّبَريُّ، وابنُ حِبَّانَ