أبي إسحاقَ عن أبي حيةَ بنِ قَيسٍ، ((أنه رَأَى عليًّا ﵁ فِي الرَّحَبَةِ تَوَضَّأَ ... إلخ))، الحديث، وفيه: ((وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا)). ثم قال: قال أبو إسحاقَ: فحدَّثني عبدُ خَيرٍ عن عليٍّ بمثلِ هذا، غيرَ أَنَّهُ لما فَرَغَ أَخَذَ حَفْنَةً مِن مَاءٍ في كَفِّهِ فَشَرِبَهَا وهو قَائِمٌ.
فقوله: "فحدَّثني عبدُ خَيرٍ" الظاهرُ أنه وهم ممن دونَ أبي الأحوصِ، لاسيما وفي المتنِ خطأٌ آخر قد بَيَّنَاهُ في تحقيقنا لروايةِ أبي حيةَ في صفةِ الوضوءِ، فالذي يُخطئُ في المتنِ يُخطئُ في السندِ أيضًا، وقد رواه ثلاثةٌ منَ الثقاتِ عن أبي الأحوصِ، ولم يذكروا سماعَ أبي إسحاقَ من عبدِ خَيرٍ، بل رواية خلف تدلُّ على الانقطاعِ كما رأيتَ.
ويؤيدُهُ أن حديثَ أبي إسحاقَ هذا رواه عنه جماعةٌ آخرون، وهو منتشرٌ في الكتبِ، ومع ذلك لم نجدْ مَن ذكره بلفظِ السماعِ أو التحديثِ -رغم كثرةِ المراجعِ- سوى البزار.
ثم قال البزارُ: "وهذا الحديثُ لا نعلمُ أحدًا رواه بهذا اللفظِ عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ خيرٍ وأبي حيةَ، عن عليٍّ، مجموعين إلا أبو الأحوص".
قلنا: وهذا فيه نظرٌ، فقد توبع عليه أبو الأحوص:
قال الدارقطنيُّ: "ورواه عبدُ الرحمنِ بنُ حميدٍ الرؤاسيُّ عن أبي إسحاقَ، عن أبي حيةَ وعبدِ خَيرٍ، عن عليٍّ. ورواه غيلانُ بنُ جامعٍ، وعمارُ بنُ رُزيقٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ خَيرٍ -وحده- عن عليٍّ" (العلل ٢/ ١٢٢).
ثم قال: "وأصحُّها كلها قول من قال: عن أبي حيةَ، وقول عبد الرحمن بن حميد: عن أبي حيةَ وعبدِ خَيرٍ، فإنه ثقةٌ، وقد ضبطه: أبا حيةَ، وزادَ معه: عبدَ خَيرٍ، وتابعه عمار بن رزيق على عبدِ خَيرٍ" (العلل ٢/ ١٢٢ - ١٢٣).
стр. 7947
ومتابعة الرؤاسي عند ابنِ بِشْرَانَ في (الثاني من أماليه ١٣١٤) من طريقِ أبي غسانَ عنه.
فأما متابعة ابن رزيق، فلم نقفْ عليها، وإنما وقفنا على متابعة غيلان:
فقد رواه ابنُ شَاذَانَ في (حديث ابن قانع والدِّينَوَري ق ١٥٤/ أ) بسندٍ صحيحٍ عن غيلانَ بنِ جامعٍ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ خيرٍ، قال: ((أَتَى عليُّ بنُ أبي طَالبٍ المطْهَرةَ، وَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَدَمَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ)).
قَالَ أبو إسْحَاقَ: وحدَّثني أبو (حيةَ) (١) نحو هذا الحديث، وزاد فيه: ((ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَ طَهُورِهِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ هَذَا)).
وغيلانُ قديمٌ، من شيوخِ الثوريِّ وشعبةَ، فلا شَكَّ أنه تَحَمَّله من أبي إسحاقَ قبلَ اختلاطِهِ. وكذلك أبو الأحوصِ، فإن روايتَهُ عن أبي إسحاقَ في الصحيحين، وزَعَمَ ابنُ القطانِ في (بيان الوهم والإيهام ٤/ ١٠٨). أن أبا الأحوصِ سَمِعَ من أبي إسحاقَ بعد اختلاطِهِ، وخالفَ البوصيريُّ في (الزوائد ١/ ١٣٨)، فقال: "وأبو إسحاقَ السبيعيُّ وإن اختلطَ بأَخَرَةٍ، فإن أبا الأحوصِ روى عنه قبلَ الاختلاطِ"، واحتجَّ لذلك بصنيعِ الشيخين، وهذا هو الذي اعتمدَهُ السخاويُّ في (فتح المغيث ٤/ ٣٧٠).
وفي الواقعِ لم نجدْ في كلامِ النُّقادِ ما يدلُّ على أحدِ الأمرين، فَهُم لم
стр. 7948
يذكروه في جملةِ مَن سَمِعَ منه قبلَ الاختلاطِ، كما قال الألبانيُّ في (صحيح أبي داود ٧/ ٣١٠)، ولا ذكروه في الطرفِ الآخرِ، ولكن تخريج الشيخين حديثه عن أبي إسحاق يشهدُ لصنيع البوصيري، أو على الأقل يجعلُ النفسَ تطمئنُ لروايتِهِ عنه ما لم يخالَفْ ممن هو أَوْلى منه. والله أعلم.
* وقد تابعهم شعيبُ بنُ راشدٍ الكوفيُّ، فرواه عن أبي إسحاقَ، بلفظ: ((ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ))، رواه الخلديُّ في (الأول من فوائده ٧٣) ضمن (مجموع فيه ثلاثة أجزاء/ ٣٤٢) عن القاسمِ بنِ محمدٍ الدلالِ عن إبراهيمَ بنِ الحسنِ الثعلبيِّ عن شُعيبٍ به.
ورجاله منَ القاسمِ الدلالِ إلى شُعيبٍ مختلفٌ فيهم، وهناك متابعة أخرى لأبي الأحوص، لكنها واهيةٌ جدًّا، فلا فائدةَ مِن ذِكرها.
فانظرْ إن شئتَ (حديث ابن قانع والدِّينَوَري لابن شاذان ق ١٥٢/أ)، و (تاريخ بغداد ١٠/ ١٤١).
فإن قيلَ: إن كان الحديثُ محفوظًا عن أبي إسحاقَ عن أبي حيةَ وعبدِ خَيرٍ معًا، أفلا يدلُّ ذلك على أنَّ روايةَ الثوريِّ وإسرائيلَ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ خَيرٍ في المسحِ محفوظةٌ؟ !
فالجوابُ: إنه ليس شرطًا أن يكون المحفوظُ عن أبي إسحاقَ هو نفسَ المحفوظِ عن الثوريِّ وإسرائيلَ. ثم إن روايةَ أبي الأحوصِ والرؤاسي ومَن تابعهما عن أبي إسحاقَ عن عبدِ خَيرٍ- مثل روايتهم أيضًا عن أبي إسحاقَ عن أبي حيةَ، حيثُ اتفقوا على غَسْلِ القدمينِ في كلٍّ من الوجهين، وليس كذلك في روايةِ الثوريِّ وإسرائيلَ، فإنه قد اختُلفَ عليهما سندًا ومتنًا، فأوجبَ ذلك ترجيحًا، وقد بَيَّنَّاهُ.
стр. 7949
وخلاصةُ ما سبقَ: أن الحديثَ بلفظِ المسحِ على القَدَمَينِ رواه ثلاثةٌ عن عبدِ خَيرٍ:
أولهم: ابنُه المسيبُ، وجاءَ عنه مِن طريقين:
أحدهما: لا يصحُّ، وهو طريق مطر الوراق. والثاني: طريق أبي السوداء، وقد رواه عنه ابنُ عيينةَ مرَّةً بلفظِ المَسْحِ، ومرَّةً بلفظِ الغَسْلِ، ورجَّحَ الدارقطنيُّ الثاني بدلالةِ المحفوظِ عن عبدِ خَيرٍ من روايةِ خالدِ بنِ علقمةَ وغيره.
وثانيهم: السُّديُّ، وهو من روايةِ شَريكٍ النخعيِّ، ومع سُوءِ حفظه فقد تَبَيَّنَ أنَّ حديثَهُ إنما هو في تجديدِ الوُضُوءِ للطاهرِ، فلا حُجَّةَ فيه للمخالفِ. وقد حَمَلَ بعضُ العلماءِ سائِرَ رواياتِ مسحِ القدمِ على هذا المعنى.
وثالثهم: أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، وهو مدلسٌ، ولم يَثبتْ تصريحُه له بالسماعِ من عبدِ خيرٍ، فروايتُهُ ضعيفةٌ على أيةِ حَالٍ، ومع ذلك فقد اختُلفَ عليه فيه اختلافًا كثيرًا؛ ولذا لا يصحُّ أن يقالَ: "قد تابعه المسيب والسدي، فيصح" لأنا نقول: تابعاه على ماذا؟ أعلى المسح على القدم؟ أم على المسح على الخف؟ ! أم على المسح على النعل؟ أم على غسل القدم؟ !
ولو نظرنا إلى هذا الاختلافِ لوجدنا أن:
* رواية المسح على القدمين: جاءتْ من طريقِ الأعمشِ -مع اختلافٍ عليه- وحديثُهُ عن أبي إسحاقَ مضطربٌ، وقد اضطربَ فيه فعلًا، وجاءتْ أيضًا من طريقِ الثوريِّ، وهي غيرُ محفوظةٍ عنه كما بَيَّنَّاهُ، بل المحفوظُ عنه خلافه، وكذلك الشَّأْنُ مع روايةِ إسرائيلَ.
* ورواية المسح على النعلين: جاءتْ من طريقِ يُونسَ، وقد سَمِعَ من أبيه
стр. 7950
بعدَ اختلاطِهِ.
* ورواية المسح على الخفين: جاءتْ من طريقِ ابنِ طهمانَ وابنِ مجاشعٍ، والسندُ إليهما لا يصحُّ، ولا يُعرفُ إن كانا قد تَحَمَّلا من أبي إسحاقَ قبلَ الاختلاطِ أم بعده، وكذلك الشأن في رواية حكيم بن زيد، مع أننا لم نجدْهَا مسندة، وجاءتْ أيضًا عن الأعمشِ، وقد بَيَّنَّا ما فيها.
* فأما رواية غسل القدمين: فجاءتْ من حديثِ غيلانَ، وقد بَيَّنَّا أنه سمعَ من أبي إسحاقَ قبل اختلاطه، ومن حديثِ أبي الأحوصِ، وحديثه عن أبي إسحاق في الصحيحين، ومن روايةِ ابنِ رُزيقٍ، وحديثه عن أبي إسحاق في صحيح مسلم، وهي المحفوظةُ عن الثوريِّ وإسرائيلَ كما بَيَّنَّاهُ، والثوريُّ من أثبتِ الناسِ في أبي إسحاقَ، فهذه الروايةُ هي التي تطمئنُ النفسُ لها، وهي الموافقةُ للمحفوظِ عن عبدِ خَيرٍ، ثم عن عليٍّ ﵁ في صفةِ الوضوءِ.
وبها أعلَّ البزارُ روايةَ المسحِ، فقالَ: "هذا الحديثُ رواه الأعمشُ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ خيرٍ عن عليٍّ، بهذا اللفظِ، ورواه أبو الأحوصِ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ خَيرٍ عن عليٍّ: ((أنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَسَلَ رِجْلَيْهِ)). وهكذا رواه خالدُ بنُ علقمةَ عن عبدِ خَيرٍ عن عليٍّ عن النَّبِيِّ ﷺ : ((غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثًا حيثُ تَوَضَّأَ)). والأخبارُ ثابتةٌ عن عليٍّ مِن وجوهٍ عن النبيِّ ﷺ أنه غَسَلَ رِجْلَيْهِ، فإذا ثبتَ ذلك عن عليٍّ عن النبيٍّ ﷺ أنه غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، فقد وُهِّي حديث الأعمش عن أبي إسحاقَ عن عبدِ خيرٍ، وقد ذكرنا علةَ هذا الحديث في غير هذا الموضع وفساده بأكثر من هذا الكلام، فاستغنينا عن إعادة ذكره بعد" (المسند ٣/ ٣٨).
وهذا الترجيحُ يتفقُ مع ترجيحِ الدارقطنيِّ لروايةِ غَسْلِ القَدَمَينِ في حديثِ ابنِ عيينةَ، وبها أشارَ النسائيُّ إلى إعلالِ روايةِ الأعمشِ في المسحِ، فإنه لما
стр. 7951
أخرجَ روايةَ الأعمشِ تحتَ بابِ المسحِ على الرجلين، أتبعها برواية ابن عيينة المذكورة، (السنن الكبرى ١٤٨، ١٤٩).
ولكنِ الدارقطنيُّ رجَّحَ هنا روايةَ المسحِ على الخُفَّينِ! فقال: "واختلفوا في لفظ الحديث؛ فقال حفص بن غياث (١)، عن الأعمش فيه: ((لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ، لَكَانَ أَسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ))، وقال عيسى بن يونس، ووكيع، عن الأعمش فيه: ((كُنْتُ أُرَى أَنَّ بَاطِنَ القَدَمَيْنِ أَحَقُّ بِالمَسْحِ مِنْ أعلاهما"، وتابعهما يونس بن أبي إسحاق (٢)، وإسرائيل، (و) (٣) الثوري، عن أبي إسحاق، والصحيحُ مِن ذلك قول من قال: ((كُنْتُ أُرَى أَنَّ بَاطِنَ الخُفَّيْنِ أَحَقُّ بِالمَسْحِ مِنْ أعلاهما))، وكذلك قال حكيمُ بنُ زيدٍ عن أبي إسحاقَ.
ومما يقوِّي ما ذكرناه: ما رواه خالدُ بنُ علقمةَ، وعبدُ الملكِ بنُ سَلْعٍ، والحسنُ بنُ عقبةَ أبو كيران ... وغيرُهُم، عن عبدِ خَيرٍ: ((أَنَّ عليًّا ﵁ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا، وقال: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ)) (العلل ٢/ ٢٦ - ٢٧).
قلنا: قد خالفَ الدارقطنيُّ هنا صَنيعَهُ مع حديثِ المسيبِ بنِ عبدِ خَيرٍ، حيثُ رَجَّحَ هناك قولَ مَن قالَ: ((يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ))، على قولِ مَن قالَ: ((يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ))، مستدلًّا أيضًا برواية خالد بن علقمة ومن تابعه عن عبدِ خَيرٍ، عن عليٍّ، ((أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا)) (العلل ٢/ ٣٠).
ولا شَكَّ أن روايتي المسيب وأبي إسحاقَ عن عبدِ خَيرٍ في المسحِ-
стр. 7952
روايتان لحديثٍ واحدٍ، وذلك ظاهر من سياقتيهما.
فإن قلنا: إن حديثَهما مختصرٌ من حديثِ خالدِ بنِ علقمةَ ومَن تَابَعَهُ عن عبدِ خَيرٍ في صفةِ الوُضُوءِ -وفيه غسل القدمين-، فترجح رواية أبي الأحوص ومَن تابعه على الغسلِ هنا كما رجحت رواية الغسل في حديث المسيب!
وإن قلنا: إن حديثَهما حديث آخر غير حديث خالد بن علقمة ومَن تَابَعَهُ عن عبدِ خَيرٍ في صفةِ الوضوء، فلا دخلَ لحديثِ خالدٍ في الترجيحِ بين الرواياتِ المختلفةِ في حديثِهما، وإنما نعين الوجه الثابت من جهة سند هذا الحديث.
ثم إن تعارَضَ هذا الوجه مع حديثِ خالدٍ، نُعمل الترجيح بين الحديثين حينئذٍ.
وقد نظرنا في الرواياتِ المختلفةِ من جهةِ السندِ، فَتَبَيَّنَ أنَّ الثابتَ منها هو رواية غسل القدمين، وهي موافقةٌ لحديثِ خالدٍ والحمد لله، ويبدو أن عُذْرَ الدارقطنيِّ أنه عند ذكر الخلافِ على أبي إسحاقَ في لفظِ الحديثِ، لم يتعرضْ لروايةِ الغسلِ في حديثِهِ أصلًا.
هذا ولم يفطنِ ابنُ الجوزيِّ لاتِّحَادِ مخرج هذه الروايات المختلفة، فقال: "لا شَكَّ أن حديثَ عليٍّ ﵇ انقلبَ على الراوي، فأرادَ أن يقولَ بالمسحِ فقال بالغَسلِ، فإن عبدَ خَيرٍ روى عن عليٍّ ﵇ أنه كان يقول: ((لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ كَانَ بَاطِنُ الْخُفَّيْن أَوْلى بالمسْحِ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا)) (إعلام العالم/ صـ ٩٣).
وقال أبو بكرٍ الحميديُّ -ورواه بلفظ: ((يَمْسَحُ ظُهُورَ قَدَمَيْهِ)) -: "إن كان على الخُفَّينِ فهو سُنَّةٌ، وإن كان على غيرِ الخُفَّينِ فهو منسوخٌ" (المسند عقب
стр. 7953
رقم ٤٧).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ: "مِن أهلِ العلمِ مَن يحملُ هذا على المسحِ على ظُهُورِ الخُفَّينِ ويقول: معنى ذكر القدمين هاهنا أن يكونا مغيبين في الخُفَّينِ، فهذا هو المسحُ الذي ثبتَ عن النَّبِيِّ ﷺ فِعْلُهُ، وأما المسحُ على القَدَمَيْنِ فلا يصحُّ عنه بوجهٍ منَ الوُجُوهِ.
ومَن قالَ: إن هذا الحديثَ على ظاهرِهِ. جعله منسوخًا بقولِهِ ﷺ : «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
والذي تأولتُه في حديثِ عليٍّ هذا أنه أرادَ بذكرِ القدمينِ إذا كانا في الخُفَّينِ قد جاءَ منصوصًا من طريقٍ جيد" (التمهيد ١١/ ١٤٩)، ثم ساقَهُ من طريقِ أبي داودَ عن أبي كُريبٍ به.
وتعرَّض الألبانيُّ لرواياتِ هذا الحديثِ في (صحيح أبي داود ١/ ٢٨٨ - ٢٩٤) وصحَّحَها كلها، مع أنه لما تعرَّضَ لإحداها -وهي رواية المسح على النعلين- قال: "في إسنادِهِ عند الدارميِّ: أبو إسحاقَ، وهو السبيعيُّ، وهو مدلسٌ مع اختلاطِهِ، وقد رواه عن عبدِ خَيرٍ معنعنًا، وخالفه خالدُ بنُ علقمةَ الهمدانيُّ -وهو ثقةٌ- فرواه عن عبدِ خَيرٍ بلفظ: ((غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى ثَلَاثًا وَرِجْلَهُ الشِّمَالَ ثَلَاثًا)) " (تحقيق المسح على الجوربين والنعلين، صـ ٥٠).
قلنا: فكان يجبُ أن يكونَ هذا هو نفسَ مصير سائر الروايات الأخرى عن أبي إسحاقَ، إلا رواية الغسل فإنها موافقةٌ لروايةِ خالدٍ كما بَيَّنَّا.
[تنبيه]:
روى البيهقيُّ في (المعرفة ٢٠٨١) حديث أبي السوداء عن عبد خير بلفظ: ((تَوَضَّأَ عَلِيٌّ فَغَسَلَ ظَهْرَ قَدَمَيْهِ، وقال: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَمْسَحُ
стр. 7954
ظَهْرَ قَدَمَيْهِ، لَظَنَنْتُ أَنَّ بَاطِنَهُمَا أَحَقُّ))، ثم قال: "وهكذا رواه إسحاقُ الحنظليُّ عنِ ابنِ عيينةَ"! (المعرفة ٢٠٨٢).
وعلَّقه ابنُ حَزمٍ في (المحلى ١/ ٣٠١) عن إسحاقَ بلفظ: ((كُنْتُ أَرَى بَاطِنَ القَدَمَيْنِ أَحَقَّ بِالمَسْحِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا))!
قلنا: وحديث إسحاق عند النسائي بلفظ: ((تَوَضَّأَ عَليٌّ فَغَسَلَ ظُهُورَ قَدَمَيْهِ، وقال: لَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ ظُهُورَ قَدَمَيْهِ، لَظَنَنْتُ أَنَّ بُطُونَهُمَا أَحَقُّ)). هكذا بالغسلِ في الموضعينِ، وهو المحفوظُ كما سبقَ.
* * *
стр. 7955
١٨٢٨ - حَدِيثُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ
◼ عَنْ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ ﵁، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ((إِنَّهَا لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ حَتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ [فَـ]ـيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، وَيَمْسَحُ بِرَأْسِهِ، وَرِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ)).
[الحكم]: في صحته نظر. وقد حَسَّنَهُ البزارُ. وَصَحَّحَهُ الحاكمُ، وابنُ عبدِ البرِّ، وابنُ حَجرٍ، والعينيُّ، والألبانيُّ. وجَوَّدَ إسنادَهُ المنذريُّ.
[فائدة]:
قال العظيم آبادي: "وقوله (رِجْلَيْهِ) في حالة النصب معطوف على (وَجْهَهُ) أي: يغسل رجليه" (عون المعبود ٣/ ٧١).
كذا قال، وقد استشهدَ به بعضُهم، كأحدِ الأحاديثِ الواردةِ في مسحِ القَدَمَينِ في الوُضُوءِ، والخلاف فيه كالخلاف في آية الوضوء تمامًا؛ فمَن نَصَبَ قوله: (وَرِجْلَيْهِ) عطفها على غسل الوجه واليدين. ومن جرَّها عطفها على مسحِ الرَّأْسِ.
[التخريج]:
[د ٨٥٠ (والزيادةُ لَهُ ولغيرِهِ) / ن ١١٤٧/ كن ٨١١/ جه ٤٦٣ (واللفظُ لَهُ) / مي ١٣٥٢/ بز ٣٧٢٧/ جا ١٩٧/ ك ٨٨١/ تخ (٣/ ٣٢٠) / طح (١/ ٣٥/ ١٦١) / طحق ٣٥/ طب (٥/ ٣٧/ ٤٥٢٥) / قط ٣١٩/ طوسي ١٠/ صمند (صـ ٧٢٦ - ٧٢٧) / هق ١٩٩، ٣٩١٤/ متفق ٥٦٦/ غو (٢/ ٥٨٢ - ٥٨٣) / تحقيق ٤٩٨/ حلب (٨/ ٣٦٦٩) (١) /
стр. 7956
خبر (٢/ ١٦١)].
[السند]:
أخرجه أبو داود (٨٥٠) قال: حدثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدثنا هشامُ بنُ عبدِ الملكِ والحجاجُ بنُ مِنْهال.
وأخرجه ابنُ ماجه (٤٦٣) قال: حدثنا محمدُ بنُ يحيى، حدثنا حجاجٌ.
وأخرجه النسائيُّ في (الصغرى ١١٤٧) و (الكبرى ٨١١) قال: أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن يزيد أبو يحيى بن المقرئ -وهو بصريٌّ-، قال: حدثنا أبي.
ثلاثتهم (هشامٌ الطيالسيُّ، والحجاجُ بنُ المنهالِ، والمقرئ): عن همامِ بنِ يحيى، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ، عن عليِّ بنِ يحيى بنِ خَلَّاد، عن أبيه، عن عمِّه رفاعةَ بنِ رافعٍ، به.
ومدارُه عندَ الجميعِ على همامِ بنِ يحيى، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ، ظاهره الصحة إلا أن همامَ بنَ يحيى قد تفرَّدَ بذكرِ صفةِ الوضوءِ في هذا الحديثِ، دونَ كلِّ مَن رَوى الحديثَ من الرواةِ، سواء عن شيخِهِ إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ أو عن شيخِ شيخِهِ عليِّ بنِ يحيى بنِ خَلَّاد.
فقد رواه عن إسحاقَ أيضًا: حماد بن سلمة مقتصرًا على قوله: «إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، فَيَضَعَ الوُضُوءَ -يَعْنِي مَوَاضِعَهُ-، ثُمَّ يُكَبِّرُ ... »، فلم يذكر صفة الوضوء (١).
стр. 7957
وكذا رواه عنه جَمٌّ غفيرٌ بدونها؛ كمحمدِ بنِ عجلانَ، ومحمدِ بنِ عمرٍو، ومحمدِ بنِ إسحاقَ، وداودِ بنِ قَيسٍ، ويحيى بنِ عليِّ بنِ يحيى بنِ خَلَّاد ... وغيرهم. رووه - جميعًا - عن عليِّ بنِ يحيى بنِ خَلَّاد، به بقصة المسيء صلاته، وذكرَ بعضُهم فيه فقرةَ الوضُوءِ مجملة دون تفصيل.
ففي روايةِ محمدِ بنِ عجلانَ وداودِ بنِ قَيسٍ: ((فَتَوَضَّأْ فَأَحْسِنِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ ... )).
وفي روايةِ يحيى بنِ عليٍّ: ((فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ، ثُمَّ تَشَهَّدْ ... )).
فنَخْشَى أن يكونَ همام أدرجها في الحديثِ كزيادةٍ تفسيريةٍ منه لقوله: «فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ» لأنه أتى بسياقِ الآيةِ كما هي.
وفضلًا عن تفرُّدِ همامٍ بذكرِ صفةِ الوُضُوءِ، فقد اختُلِفَ على عليِّ بنِ يحيى اختلافًا كبيرًا في متنِ هذا الحديثِ في صفةِ الصلاةِ وغيرِهِا، مما يجعلُ النفسَ لا تطمئنُ لتصحيحِ الحديثِ.
وقد قال الإمامُ البيهقيُّ: "وهؤلاءُ الرواةِ يزيدُ بعضُهم على بعضٍ في حديثِ رِفاعةَ، وليس في هذا البابِ أصح من حديثِ أبي هريرةَ، فالاعتمادُ عليه" (معرفة السنن والآثار ٣/ ٣٢٤).
стр. 7958
وقد صَحَّحَ الحديثَ من طريقِ همامِ بنِ يحيى بزيادةِ صفةِ الوضوءِ فيه- جماعةٌ من أهلِ العلمِ:
فقال البزارُ: "وهذا الحديثُ لا نعلمُ أحدًا رواه عن رسولِ اللهِ ﷺ إلا رفاعة بن رافع وأبو هريرة، وحديث رفاعة أتم من حديث أبي هريرة، وإسناده حسن" (المسند ٩/ ١٧٩).
وقال الحاكمُ عقبه: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ بعدَ أن أقامَ همامُ بنُ يحيى إسنادَهُ فإنه حافظٌ ثقةٌ، وكلُّ مَن أفسدَ قولَهُ فالقولُ قولُ همامٍ، ولم يخرجاه بهذا السياقةِ". (المستدرك ٢/ ٦٥/ رقم ٨٠١).
وقال المنذريُّ: "رواه ابنُ ماجه بإسنادٍ جيدٍ" (الترغيب والترهيب ١/ ١٠٥).
ونقلَ في موضعٍ آخر عن ابنِ عبدِ البرِّ قال: "هذا حديثٌ ثابتٌ (١) " (الترغيب والترهيب ١/ ٢٠١).
وقال ابنُ حَجرٍ: "هذا حديثٌ صحيحٌ" (موافقة الخبر الخبر ٢/ ١٦٢).
وقال العينيُّ: "إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ" (نخب الأفكار ١/ ٣٠٩).
وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ في (صحيح أبي داود ٨٠٤).
وقد صَحَّحَ أصلَ الحديثِ جماعةٌ آخرون، ولكن ليس في روايتِهِم صفةُ الوُضُوءِ، وهو محلُّ الشاهدِ هنا، ولذا لم نذكرْهُم.
стр. 7959
وسيأتي الكلامُ على هذا الحديثِ -مُفصَّلًا- برواياتِهِ كاملة مع تتمةِ أقوالِ أهلِ العلمِ في موسوعةِ الصلاةِ -إن شاء الله-.
[تنبيهان]:
التنبيه الأول:
وقعَ في بعضِ نُسخِ أبي داودَ روايةَ الحديثِ عن عليِّ بنِ يحيى بنِ خَلَّادٍ عن عمِّه: أن رجلًا ... وذكره كذلك المنذري في (مختصر السنن ١/ ٤٠٦) وقال: "المحفوظُ في هذا: علي بن يحيى بن خَلَّاد، عن أبيه، عن عمِّه رفاعة بن رافع".
قال العينيُّ: "وإنما قال ذلك كذلك لأن (١) رفاعةَ هذا ليسَ بعمِّ عليِّ بنِ يحيى وإنما هو عمُّ أبيه؛ لأن خلادًا ورفاعةَ أخوان ابنا رافع، ويحيى هو ابنُ خَلَّادٍ فيكون رفاعة عم يحيى، وعلي هو ابن يحيى، فيكون رفاعة عم أبيه. فافهم" (نخب الأفكار ٤/ ٢٣٤).
التنبيه الثاني:
ذكر الرافعيُّ في (الشرح الكبير) فقال: "رُوي أنه ﷺ قال: ((لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطُّهُورَ مَوَاضِعَهُ، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ))، وهذا ونحوه ظاهر في اعتبار الترتيب" (العزيز شرح الوجيز، المعروف بالشرح الكبير ١/ ١١٧).
قلنا: كذا ذكره بلفظ (ثم) بين كل موضع، وفيه أيضًا: (ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ). ولم نقفْ عليه بهذا اللفظِ في شيءٍ من المصادرِ.
стр. 7960
ولذا قال النوويُّ: "واحتجوا -يعني أصحابَهُ منَ الشافعيةِ- بحديثٍ فيه ذِكرُ الترتيبِ صريحًا بحرف (ثم)، لكنه ضعيفٌ غيرُ معروفٍ" (المجموع شرح المهذب ١/ ٤٤٦).
وقال ابنُ الملقنِ: "هذا الحديثُ غريبٌ بهذا اللفظِ لا أعلمُ مَن خرَّجه كذلك. وقال النوويُّ في (شرح المهذب): إنه ضعيفٌ غيرُ معروفٍ. قلتُ: لكن روى أبو داود، والترمذيُّ، والنسائيُّ عن رفاعةَ بنِ رافعٍ، ... " فذكره باللفظِ المشهورِ، ثم قال: "وأوردَ هذا الحديثَ أبو محمدٍ بنُ حزمٍ في كتابه (المحلى) (١) بلفظِ: ((ثُمَّ يَغْسِل وَجْهَهُ))، ولا يُعرفُ ذلك. والمعروف: «فيغسل» بالفاءِ، كما ذكرناه. وهو أحدُ المواضعِ التي انتقدها عليه ابنُ مفوزٍ الحافظُ" (البدر المنير ١/ ٦٨٣ - ٦٨٤).
وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: "لم أجدْهُ بهذا اللفظِ، وقد سبقَ الرافعيَّ إلى ذكره هكذا ابنُ السمعاني في (الاصطلام). وقال النوويُّ: إنه ضعيفٌ غيرُ معروفٍ.
وقال الدارميُّ في (جمع الجوامع): ليس بمعروفٍ ولا يصحُّ. نعم، لأصحابِ السننِ من حديثِ رفاعةَ بنِ رافعٍ، في قصةِ المسيءِ صلاته فيه: ((إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصَلِّيَ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللهُ))، وفي روايةٍ لأبي داودَ والدارقطنيِّ: ((لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَ اللهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهُ إِلَى المِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ، وَرِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ))، وعلى هذا فالسياق بـ (ثُمَّ) لا أصلَ له" (التلخيص الحبير ١/ ٩٧).
وقد ذكرَ الجصاصُ عن بعضِهم أنه حكاه بلفظ (ثُمَّ) بين كلِّ الأعضاءِ، ثُمَّ قال: "هذا إنما هو حديثُ عليِّ بنِ يحيى بنِ خَلَّادٍ عن أبيه عن عمِّه رفاعةَ بنِ
стр. 7961
رَافعٍ، وقد رُوي من طرقٍ كثيرةٍ وليس في شيءٍ منها ما ذُكِرَ منَ الترتيبِ وعطفِ الأعضاءِ بعضها على بعضٍ بـ (ثُمَّ) وإنما أكثر ما فيه يغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، وقال في بعضها: ((حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ)) وذلك يقتضي جواز ترك الترتيب. وأما عطفه بـ (ثُمَّ) فما رواه أحدٌ ولا ذكره بإسنادٍ ضعيفٍ ولا قويٍّ" (أحكام القرآن ٣/ ٣٧٤).
* * *
стр. 7962
١٨٢٩ - حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ
◼ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ((اجْتَمِعُوا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ )، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ: ((هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ )) قَالُوا: لَا، إِلَّا ابنُ أُخْتٍ لَنَا. قَالَ: ((ابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنْهُمْ)). ((فَدَعَا بِجَفْنَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأَ [وَهُمْ شُهُودٌ] [فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا] وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ [ثَلَاثًا]، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ [وَأُذُنَيْهِ]، وَ [مَسَحَ] ظَهْرَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ [الظُّهْرَ]، فَكَبَّرَ بِهِمْ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، يُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ [الأُولَيَيْنِ] بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَأَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ)).
[الحكم]: ضعيفٌ معلولٌ. وأعلَّه ابنُ رَجبٍ. وضَعَّفَهُ الألبانيُّ.
[فائدة]:
لم يَردْ في المتنِ تصريحٌ برفعِ صفةِ الوضوءِ إلى النبيِّ ﷺ ، فهي موقوفةٌ على أبي مالكٍ ﵁، لكنه لما قال لقومه: ((اجْتَمِعُوا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ )، ثم أَراهم الوضوء والصلاة معًا، احتمل ذلك أنه يعني صلاة النبي ﷺ ووضوءه أيضًا. ولأجل هذا الاحتمال خرجناه هنا.
[التخريج]:
[حم ٢٢٨٩٨ (واللفظُ لَهُ) / طب (٣/ ٢٨٠/ ٣٤١٢) (ومنَ الزيادةِ الثانيةِ إلى السادسةِ لَهُ)، (٣/ ٢٨٠/ ٣٤١٣) (والزيادةُ الأُولى والسادسةُ لَهُ ولغيرِهِ) (٣/ ٢٨١/ ٣٤١٤) / أكابر ١٣].
[التحقيق]:
هذا الحديثُ مدارُه على شهرِ بنِ حوشبٍ، وقد رواه عنه جماعةٌ من
стр. 7963
أصحابِهِ واقتصروا على ذكر صفة الصلاة، منهم عبد الحميد بن بهرام (١)، وداود بن أبي هند (٢) وبديل بن ميسرة (٣)، فلم يذكر أحدٌ منهم صفة الوضوء في متن الحديث، وإنما انفردَ بذلك قتادةُ عن شهرٍ.
وقد اختُلِفَ على قتادةَ في متنِهِ أيضًا:
فرواه أحمدُ (٢٢٨٩٨) عن محمدِ بنِ جعفرٍ.
ورواه الطبرانيُّ في (الكبير ٣٤١٣) والباغنديُّ في (الأول مما رواه الأكابر عن الأصاغر ١٣) من طريقِ يزيدَ بنِ زُريعٍ.
كلاهما عن سعيدِ بنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غنمٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ به، وذكر في الحديثِ أنه: ((مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَظَهْرِ قَدَمَيْهِ))، وأنه أسمع من يليه قراءته.
وسعيدٌ وإن كان قدِ اختلطَ، فروايةُ ابن زريع عنه قبل الاختلاطِ، وقد توبع عليه سعيد:
فرواه الطبرانيُّ في (الكبير ٣٤١٤) من طريقِ القاسمِ بنِ عيسى الطائيِّ، حدثنا طلحةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قتادةَ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، به مثله.
ورواه الطبرانيُّ في (الكبير ٣٤١٢) قال: حدثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ، ثنا أبانُ بنُ يزيدَ، ثنا قتادةُ، ثنا شهرُ بنُ حَوشبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنمٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ به، وفيه: ((وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ قَدَمَيْهِ))، ولم يذكرِ الجهرَ بالقراءةِ.
стр. 7964
وذِكْرُ مسحِ القدمِ في حديثِ عفانَ وهمٌ من الطبرانيِّ أو شيخِهِ.
فقد رواه أحمدُ (٢٢٨٩٣)، وابنُ سعدٍ في (الطبقات ٥/ ٢٧٥ - ٢٧٦) عن عفانَ، حدثنا أبانُ العطارُ، حدثنا قتادةُ، عن شهرِ بنِ حَوشبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غنمٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ به، وقال فيه: ((وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ)).
فهذا هو المحفوظُ عن عفانَ، وعليه فأبان مخالفٌ لسعيدٍ في هذه اللفظةِ، حيثُ ذكرَ سعيدٌ أنه مَسَحَ ظَهْرَ قَدَمَيْهِ، بينما ذكرَ أبان أنه غَسَلَ قَدَمَيْهِ.
وقد توبع أبان على ذلك:
فرواه عبدُ الرزاقِ في (المصنف ٢٥١٩) -ومن طريقه أحمدُ (٢٢٩٠١)، والطبرانيُّ في (الكبير ٣٤١١) -، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غنمٍ، أن أبا مالكٍ الأشعريَّ قال لقومِهِ ... فذكرَ مثلَ حديثِ سعيدٍ إلا أنه قال: ((وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ)) وقال أيضًا: ((وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَيُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ)).
قال ابنُ رجبٍ الحنبليُّ: "وقد رواه عبدُ الحميدِ بنُ بهرامٍ عن شهرِ بنِ حَوشبٍ، وذكرَ في حديثِهِ أنَّه أسرَّ القراءةَ. خرَّجه الإمامُ أحمدُ من طريقِهِ. وهو أصحُّ، وعبدُ الحميدِ أحفظُ لحديثِ شهرِ بنِ حوشبٍ بخصوصه من غيرِهِ" (فتح الباري لابن رجب ٧/ ٨٣).
قلنا: وهو كما قال، فقد قال يحيى القطانُ: "مَن أرادَ حديث شَهْرٍ، فعليه بعبدِ الحميدِ بنِ بهرام"، وقال أحمدُ: "حديثُهُ عن شَهْرٍ مقاربٌ، كان يحفظها كأنه يقرأُ سورةً منَ القرآنِ"، وقال أبو حاتم: "هو في شَهْرٍ مثل الليث في سعيدٍ المقبريِّ" (التهذيب ١٦/ ٤١١، ٤١٢).
стр. 7965
وهذا بخصوصِ مسألةِ الجهرِ بالقراءةِ، فأما مسألةُ المسحِ على القدمِ فالخلاف فيها قائم بين ابن أبي عروبة -ومعه طلحةُ بنُ عبدِ الرحمنِ- من جهةٍ، وبين أبان العطار ومعمرٍ من جهةٍ أُخرَى. ولا شَكَّ أن ابنَ أبي عروبةَ أثبتُ الناسِ في قتادةَ، بخلافِ معمرٍ، فإن روايتَهُ عن قتادةَ ليستْ بالقويةِ، وهو القائلُ: "جلستُ إلى قتادةَ وأنا صغيرٌ، فلم أحفظْ أسانيدَهُ" (تاريخ ابن أبي خيثمة/ السِّفر الثالث ١٢٠٣)، ولذا قال الدارقطنيُّ: "معمرٌ سيئُ الحفظِ لحديثِ قتادةَ" (العلل ٦/ ٢٢٠).
والخلافُ هنا ليسَ في الإسنادِ، وإنما في المتنِ، وقد قال معمرٌ: "جلستُ إلى قتادةَ وأنا ابنُ أربع عشرة سنة، فما سمعتُ منه حديثًا إلا كأنه منقش في صدري" (التهذيب ٢٨/ ٣٠٦).
فإذا كانتْ هذه حاله مع متونِ قتادةَ، وتابعه على قولِهِ مثل أبان بن يزيد العطار، وهو ثبتٌ في كلِّ المشايخِ كما قال أحمدُ، فإن روايتَهما تُعِلُّ روايةَ ابنِ أبي عروبةَ، لاسيما والمحفوظُ من فعلِ النبيِّ ﷺ يوافقُ قولهما، ومتابعة طلحة بن عبدِ الرحمنِ الواسطي لسعيد- ليستْ بشيءٍ، فإنه معدودٌ في الضعفاءِ، له مناكيرُ، ويَروي عن قتادةَ ما لا يتابع عليه (الكامل ٦/ ٣٣٦)، (الميزان ٢/ ٣٤٠).
وعلى فرضِ رُجحان رواية سعيد بن أبي عروبة بالمسحِ، فهي لا تصحُّ أيضًا؛ لأن قتادةَ مدلسٌ مشهورٌ كما في (طبقات المدلسين/ صـ ٤٣)، وقد عنعنه.
فإن قيل: قد رواه ابنُ عبد البر في (التمهيد ٩/ ١٧٦) من طريقِ أبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا شعبة عن قتادة به مقتصرًا على صفة الصلاة فقط، فقد أَمِنا تدليسَ قتادةَ بروايةِ شعبةَ هذه، فكيف تعله
стр. 7966
بعنعنة قتادة؟ !
فالجواب: إن هذا سندٌ به تحريفٌ في موضعين، إذ هو من روايةِ محمدِ بنِ بشرٍ عن سعيدٍ، وهكذا نقله مغلطايُ في (الإعلام ١/ ٣٨٠) من مسندِ ابنِ أبي شيبةَ، فهذا هو الصوابُ، وإن كانتْ طبعةُ (الإعلام) أكثر تحريفًا وأخطاء من طبعة (التمهيد).
وإنما جَزَمْنَا بصحةِ ما في (الإعلام)، وخطأ ما في (التمهيد) لأن ابنَ أبي شيبةَ لا يَروي عن محمدِ بنِ كثيرٍ، وإنما يَروي عن محمدِ بنِ بشرٍ كما تَرَاهُ في ترجمة المحمدين وكُتُب ابن أبي شيبة (١)، ومَن اشتبه عليه "بشر"، بـ"كثير" فلا غرابةَ أن يحرِّفَ كلمةَ "سعيد" إلى "شعبة"، والحديثُ معروفٌ من روايةِ سعيدٍ لا من روايةِ شعبةَ، وشعبةُ ينفر من أحاديث شهر، فقد تركه، ولم يُحَدِّثْ عنه، مع أنه لقيه، وروى عنه بالواسطة أحاديث قليلة جدًّا، فلو كان الحديث عنده لاشتهر.
وقد اختُلِفَ على شهرٍ في إسنادِهِ أيضًا، فرواه عنه أبو المنهالِ الرياحيُّ -كما عند أبي يعلى (٦٨٤٢) -، وليثُ بنُ أبي سُليمٍ كما عند أحمدَ (٢٢٩١١)(٢) -، فأسقطا من سندِهِ ابن غنم! ورُوي هكذا عن داودَ بنِ أبي هندٍ أيضًا. انظر
стр. 7967
(علل الدارقطني ٣/ ٢٤٤، ٢٤٥).
هذا فضلًا عن الخلافِ في شهرِ بنِ حوشبٍ، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع، ورجَّحنا أنه حسنُ الحديثِ، وهذا ما لم يأتِ بمنكرٍ.
وقد أعلَّ الألبانيُّ الحديثَ به، حيث قال عن روايةِ بُدَيْلٍ المختصرةِ عند أبي داودَ وغيرِهِ: "إسنادُهُ ضعيفٌ؛ لأن شهرَ بنَ حوشبٍ ضعيفٌ؛ لسوءِ حفظه وكثرةِ أوهامِهِ" (ضعيف أبي داود ١/ ٢٣٤).
وقال أيضًا متعقبًا المنذريَّ -حيثُ حَسَّنَ بعض روايات الحديث-: "ولا نَرى تحسينه صوابًا؛ لأن مدارَ الإسنادِ على شهرِ بنِ حوشبٍ، وهو ضعيفٌ لسُوءِ حفظه واضطرابه في رواياته ... لذلك أوردتُ قطعةَ الصف منه -وهي عند أبي داود- في (ضعيف سنن أبي داود) " (تمام المنة، صـ ١٦٦، ١٦٧).
[تنبيه]:
قَرَنَ الباغنديُّ في (الأول مما رواه الأكابر عن الأصاغر ١٢، ١٣) بين طريقِ بُدَيْلِ بنِ ميسرةَ عن شهرِ بنِ حوشبٍ، وبين طريقِ سعيدٍ عن قتادةَ عن شهرٍ، وساقَ المتنَ بلفظِ روايةِ سعيدٍ، فأوهم أن بُدَيْلَ بنَ ميسرةَ قد تابعَ قتادةَ على لفظِ المسحِ الذي رواه عنه سعيدٌ! وليس كذلك، فحديثُ بُدَيْلٍ عند أحمدَ (٢٢٩١٨)، وأبي داودَ (٦٧٣)، والطحاويِّ (١/ ٢٦٩/ ١٦١٠)، والطبرانيِّ في (الكبير ٣٤١٦)، و (الأوسط ٤٢٣٣)، والبيهقيِّ في (الكبرى ٥٢٣١)، وليس فيه عندَ واحدٍ منهم ذكر صفة الوضوء كما ذكرناه أولًا.
وعليه فلا حُجَّةَ في هذا الحديثِ على الاقتصارِ على المسحِ، وإنما خرَّجناه هنا لبيان بطلان استدلال من استدلَّ به على ذلك.
[اللغة]:
قال الخطابيُّ: "قوله: ((كَنَفَهَا)) معناه: جمع كَفَّهُ ليصيرَ كَنَفًا للماءِ، والكَنَفُ: الوعاءُ، -ومنه قوله ﵇ في عبدِ اللهِ: ((كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا)) -، المعنى أنه أسبغَ الوضوءَ، وأخذَ الماءَ له غرفًا بملءِ كَفِّهِ" (غريب الحديث ١/ ٢٦٣).
وقال السنديُّ: قوله: "فَكفَّهَا" لعلَّ المرادَ: ضم الأصابع حتى لا يسقط الماء.
[التخريج]:
[حم ١٥٦٦١ (والزيادةُ الأُولى لَهُ)، ١٨٠٧٥ (واللفظُ لَهُ) / تخث (السفر الثاني ٢٥٤٧) (والزيادةُ الثانيةُ لَهُ) / غخطا (١/ ٢٦٣) (معلقًا مختصرًا جدًّا، والروايةُ والزيادةُ الثالثةُ لَهُ)].
[السند]:
رواه أحمدُ في (المسند ١٥٦٦١، ١٨٠٧٥) قال: حدثنا عفانُ، حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدثني أبو جعفرٍ عميرُ بنُ يزيدَ، حدثني الحارثُ بنُ فُضَيْلٍ، وعمارةُ بنُ خُزيمةَ بنِ ثابتٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي قُرَادٍ، به.
وابنُ أبي خَيثمةَ في (التاريخ الكبير/ السِّفر الثاني ٢٥٤٧) قال: حدثنا عفانُ بنُ مسلم، به.
وعلَّقه الخطابيُّ في (غريب الحديث ١/ ٢٦٣) عن محمدِ بنِ يحيى الذُّهْليِّ عن عليِّ بنِ المدينيِّ، نا يحيى بنُ سعيدٍ، نا أبو جعفرٍ الخطميُّ، نا عمارةُ بنُ خُزيمةَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي قُرَادٍ مقتصرًا على قوله: ((أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ في الإنَاءِ فَكَنَفَهَا فَضَرَبَ بِالمَاءِ وَجْهَهُ)).
стр. 7970
والظاهرُ أنَّ هذه الروايةَ هي التي أشارَ إليها ابنُ حَجرٍ بقوله: "وذكرَ ابنُ منده أنَّ عليَّ بنَ المدينيِّ أخرجَ له مِن هذا الوجه حديثًا آخر، قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ ... الحديث" (الإصابة ٤/ ٣٥٣/ ٥١٨٩).
[التحقيق]:
إسنادُهُ رجالُهُ ثقاتٌ، وكذا قال الهيثميُّ في (المجمع ١/ ٢٣٠)، ولذا صَحَّحَهُ الألبانيُّ في (الإرواء ١/ ٦٧) و (الصحيحة ٣/ ١٤٩).
قلنا: ولكن قد اختُلِفَ فيه على أبي جعفرٍ الخطميِّ على عدَّةِ أوجهٍ:
الأول: رواية عفانُ عن يحيى بنِ سعيدٍ عن أبي جعفرٍ، حدثني الحارثُ بنُ فُضَيْلٍ، وعمارةُ بنُ خزيمةَ بنِ ثابتٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي قُرَادٍ، به، هكذا طَوَّله عفانُ.
وقد خالفه جماعةٌ منَ الحفاظِ؛
فرواه أحمدُ في (المسند ١٧٩٧١).
وابنُ أبي شيبةَ في (المصنَّف ١١٣٥).
وبندارٌ -عندَ ابنِ ماجه (٣٣٦) -.
والفلاسُ -عندَ النسائيِّ في (الصغرى ١٦) و (الكبرى ١٧) -.
وابنُ معينٍ ومحمدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ -عند عبدِ اللهِ في (زياداته على المسند ١٧٩٧١) -،
ستتهم عن يحيى بنِ سعيدٍ بسندِهِ، ولكن مع اختصارِ مَتْنِهِ، حيث وقفوا بالمتنِ إلى قولِهِ: ((وَكَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً أَبْعَدَ))، وهو مخرج في: (باب
стр. 7971
الإبعاد عند قضاء الحاجة)، فتَفَرُّدُ عفان بهذه السياقة من بين هؤلاء الأئمة غريبٌ، ولكن متابعة ابن المديني التي علَّقها الخطابيُّ تدلُّ على أنَّ الحديثَ عندَ القطانِ مطولٌ، وفيه صفة الوضوء. وكذلك رواية خليفة بن خياط عند ابنِ أبي عاصمٍ، حيث رواه -عقب سياقة ابن أبي شيبة المختصرة - في (الآحاد والمثاني ٢٧٢٣) عن خليفةَ بنِ خَياطٍ، نا يحيى بنُ سعيدٍ، به قال: "بطوله"، ولم يَسُقْ مَتْنَهُ.
الوجه الثاني:
رواه أبو مسلمٍ الكَجِّيُّ في (سننه) -كما في (شرح ابن ماجه ١/ ٤٨٠)، و (عمدة القاري ٢/ ٢٤٠) -: عن حجاجِ بنِ المنهالِ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن أبي جعفرٍ الخطميِّ، [عن عمارة بن خزيمة بن ثابت] (١)، عن رجلٍ من (قيسٍ) (٢) به، بنحو رواية عفان عن يحيى.
ورواه البغويُّ في (الصحابة ٢٦٩١) -عقب رواية الجماعة عن يحيى، المقتصرة على فقرة الإبعاد عند قضاء الحاجة-: عن عَمِّهِ عليِّ بنِ عبدِ العزيزِ، عن حجاجِ بنِ المنهالِ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، به (٣). وقال: "نحوه".
ورواه أبو مسلمٍ الكَجِّيِّ -أيضًا- في (سننه) -كما في (الإمام لابن دقيق العيد ٢/ ٥٠) -: عن أبي عمرَ الضريرِ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن أبي جعفرٍ
стр. 7972
الخطميِّ، عن عمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ ثابتٍ، عن رجلٍ من قَيسٍ، مقتصرًا على قوله: ((صَبَبْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَوَضَّأْ)).
الوجه الثالث:
رواه أحمدُ (٢٣١١٨)، والنسائيُّ (١٤٢) وغيرهما، من طريقِ شعبةَ، عن أبي جعفرٍ قال: سَمِعْتُ عُمَارَةَ بنَ عُثْمَانَ بنِ حُنَيْفٍ، حدثني القَيْسِيُّ، ((أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ فَبَالَ، فأَتَى بمَاءٍ فَهَالَ عَلَى يَدِهِ مِنَ الإِنَاءِ فَغَسَلَهَا مَرَّةً، وَعَلَى وَجْهِهِ مَرَّةً، وَذِرَاعَيْهِ مَرَّةً، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ مَرَّةً بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا)).
فهذه مخالفةٌ في الإسنادِ والمتنِ معًا!
إذن، فهناك اختلافٌ بينَ حمادِ بنِ سلمةَ، وشعبةَ، ويحيى بنِ سعيدٍ القطانِ- على أبي جعفرٍ!
فحمادٌ جَعَلَهُ من روايةِ عمارةَ بنِ خُزيمةَ عن رجلٍ من قيسٍ. وفيه مسح القدم.
ويحيى جَعَلَهُ من روايةِ عمارةَ والحارثِ بنِ فُضيلٍ عن ابنِ أبي قُرَادٍ -وهو أنصاري! -. وفيه مسح القدم أيضًا.
وشعبةُ جَعَلَهُ من روايةِ عُمَارَةَ بنَ عُثْمَانَ بنِ حُنَيْفٍ! عن القيسيِّ -غير مسمى-. وفيه غسل القدم! (١).
стр. 7973
فقدِ اتَّفَقَ حمادٌ ويحيى على شيخِ أبي جعفرٍ، فسمَّيَاه عمارة بن خزيمة، وهو ثقةٌ. وخالفهما شعبةُ فسمَّاه عمارة بن عثمان بن حنيف. وهو لا يُعرفُ كما في (الميزان ٣/ ١٧٧).
واختُلِفَ في تعيينِ صحابيِّ الحديثِ، فقال حمادٌ: إنه (رجلٌ من قيسٍ)، وهو بمعنى قول شعبة فيه: (القيسي)، فيكونان قد اتَّفَقَا على الصحابيِّ، وخالفهما يحيى، حيث سمَّاه (عبد الرحمن بن أبي قراد)، وهو أنصاريٌّ سُلَميٌّ، ولم يقلْ أحدٌ: إنه قيسيٌّ.
وقد ذكرَ ابنُ أبي حاتمٍ في (العلل ١٤٧) أن أبا زرعةَ سُئِلَ عن الخلافِ بين يحيى وشعبةَ، فقال: "الصحيح: حديث يحيى بن سعيد القطان".
قلنا: وشعبةُ ليسَ بأقل من يحيى القطانِ، ومع ذلك فترجيحُ رواية القطانِ له وجهٌ لو كان الاختلاف مقصورًا على شعبةَ والقطانِ في تسميةِ شيخِ أبي جعفرٍ الخطميِّ،
فيكون توهيم شعبة -مع جلالته- أمرًا مقبولًا حينئذٍ؛ حيث يمكنُ أن يقالَ: إنَّ شعبةَ كان يخطئُ في الأسماءِ كما هو معلومٌ (١).
ولكن هذا اختلافٌ بين ثلاثةٍ من الأئمةِ الثقاتِ -وإن كان ثمةَ تفاوتٌ في قوةِ الضبطِ- فترجيحُ روايةِ القطانِ يقتضي توهيم شعبة وحماد أيضًا! وكذا ترجيحُ روايةِ حمادٍ أو شعبةَ يقتضي توهيم إمامين ثقتين أيضًا، وكل منهما
стр. 7974
بمفرده أوثق من أبي جعفرٍ الخطميِّ، فكيفَ يُنسبُ الخطأُ لإمامٍ كبيرٍ كشعبةَ، ولا يُحملُ فيه على أبي جعفرٍ.
فالحكمُ باضطرَابِهِ فيه أَوْلى من تخطئة إمامين ثقتين معًا، لاسيما وأبو جعفرٍ يختلفُ عليه الثقاتُ كثيرًا، ولعلَّ هذا هو سببُ إعراضِ الشيخين عن التخريجِ له. وإليك بعض الأمثلة التي تؤيد ما قلناه:
١ - فقد روى شعبةُ عن أبي جعفرٍ الخطميِّ، قال: سمعتُ عمارةَ بنَ عثمانَ بنِ حنيفٍ يُحَدِّثُ عن خُزَيمةَ بنِ ثابتٍ: ((أَنَّهُ رَأَى فِي المَنَامِ أَنَّهُ يُقَبِّلُ النَّبيَّ ﷺ ، فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَنَاوَلَهُ النَّبيُّ ﷺ فَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ)).
بينما رواه حمادُ بنُ سلمةَ عن أبي جعفرٍ، عن عمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ ثابتٍ، أن أباه قال: ((رَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنِّي أَسْجُدُ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، الحديث، وفيه أن النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَهُ يَسْجُدُ على جَبْهَتِهِ! )).
أخرجه أحمدُ من الوجهينِ في (المسند ٢١٨٦٣، ٢١٨٦٤)، وأعلَّه محققوه بالاضطرابِ.
ويلاحظُ أنَّ هذا اختلافٌ في المتنِ! وفي السندِ! وعلى نفسِ الرجلِ الذي اختلفا عليه في حديثِ الوضوءِ! ولو رجَّحت روايةَ شعبةَ هنا لكونِهِ أحفظ وأثبت من حمادٍ، فيكون في هذا إبطالٌ للعلةِ التي يمكنُ التَّمَسُّكُ بِهَا في تخطئةِ شعبةَ في حديثِ القيسيِّ!
٢ - في حديثِ الرجلِ الضريرِ الذي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أن يعَافيه، فَعَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ ... )) الحديث، نجد أنه: قد رواه شعبةُ وحمادُ بنُ سلمةَ، عن أبي جعفرٍ، عن عمارةَ بنِ خُزيمةَ بنِ ثابتٍ، عن عثمانَ بنِ حنيفٍ به.
стр. 7975
بينما رواه هشامٌ الدستوائيُّ، ورَوْحُ بنُ القاسمِ عن أبي جعفرٍ، عن أبي أمامةَ بنِ سهلٍ، عن عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، نحوه مطولًا.
وفي مَتْنِهِ اختلافٌ أيضًا! وقد رجَّحَ أبو زرعةَ روايةَ شعبةَ، بينما رَجَّحَ ابنُ المدينيِّ وابنُ أبي حاتمٍ روايةَ رَوْحٍ، (العلل لابن أبي حاتم ٢٠٦٤)، و (الدعاء للطبراني ١٠٥٠ - ١٠٥٢).
ورَأْي أبي زرعةَ يقتضي توهيم هشام وروح، والأولُ ثقةٌ ثبتٌ! والثاني ثقةٌ حافظٌ! ورَأْي ابنِ المدينيِّ يقتضي توهيم شعبة وحماد بن سلمة، والأولُ ثقةٌ حافظٌ متقنٌ! والثاني إمامٌ ثقةٌ أيضًا وأَوْلى من ذلك أن يكون هذا الاختلافُ من قِبلِ أبي جعفرٍ الخطميِّ، وأنه اضطربَ فيه! وليس هو بالحافظِ الواسعِ الروايةِ حتى يحمَّلَ ذلك منه على أنه عنده من الوجهينِ، أو أن له فيه شيخين، كما قال ابنُ كَثيرٍ في (البداية ٦/ ١٦١)، وابنُ حجرٍ في (النتائج ٥/ ١٥٣)، لاسيما وقد انفردَ به الخطميُّ، فلو كان الحديثُ عند الرجلين فعلًا لرواه غيرُهُ، إذ كيف يُتصورُ وجود حديث كهذا الحديثِ عند ثقتين مشهورين، أحدهما من رجالِ الصحيحين، ثم ينفردُ به عنهما رجلٌ واحدٌ، وليس هو منَ الحفاظِ؟ !
وكذلك الضعفاءُ يختلفونَ على أبي جعفرٍ الخطميىِّ (عمير بن يزيد)، فانظر (الأوسط للطبراني ٦٥١٧)، و (الآحاد والمثاني ١٣٩٧)، و (المعرفة لأبي نعيم ٤٦٤٠، ٦٩٦٣) وقارِنه بما في (المعرفة أيضًا ٤٦٣٩)، و (شعب الإيمان للبيهقي ١٤٤٠)، تجد اختلافًا عليه في السند، وبعض المتن أيضًا!
فإذا كان الأمرُ هكذا، فليسَ من الصوابِ أن نوهم أحدًا منَ الأئمةِ الثقاتِ الذين اختلفوا على أبي جعفرٍ فيما ذكرناه من أحاديثَ، لاسيما إن كان إمامًا كبيرًا مثل شعبة. فأبو جعفرٍ أَوْلى بأن يتحمل سبب ذلك الاختلاف والله
стр. 7976
أعلم.
وبناءً على ذلك فحديثُنَا ضعيفٌ لاضطرابِ سندِهِ، ولاحتمالِ أن يكونَ الصوابُ ما ذكره شعبةُ، فراويه حينئذٍ غير معروف كما سبقَ، والله أعلم.
هذا وقد قالَ أبو موسى المدينيُّ -عقب حديث القيسي-: "هذا حديثٌ حسنٌ، مختَلفٌ في إسنادِهِ"! (أسد الغابة ٤/ ٤٣٠).
وذكرَ مغلطايُ أن البزارَ أخرجَ حديثَ ابنِ أبي قُرَادٍ المختصر عن الفَلَّاسِ عن يحيى، ثم أشارَ إلى الاختلافِ على الخطميِّ في متنِ الحديثِ، حيث قال: "وقد زادَ فيه غير يحيى كلامًا" (الإعلام ١/ ٢٠٤).
* * *
стр. 7977
١٨٣١ - حَدِيثُ رَجُلٍ مِنْ قَيْسٍ
◼ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَيْسٍ قَالَ: ((تَبِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ... )) [الحَدِيثَ، وَ] (١) قَالَ فِيهِ: ((ثُمَّ مَسَحَ عَلَى قَدَمِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ أُخْرَى فَمَسَحَ بِقَدَمِهِ اليُسْرَى)).
[الحكم]: ضعيفٌ لاضطرابِ راويه فيه، كما بَيَّنَّاهُ في الحديثِ السابقِ.
[الفوائد]:
قال العينيُّ: "المسحُ فيه محمولٌ على الغَسلِ الخفيفِ" (عمدة القاري ٢/ ٢٤٠).
قلنا: ويُؤيدُهُ ذكر قبض الماء في متنه، كما بَيَّنَّاهُ في الحديثِ السابقِ.
[التخريج]: [كجي (مغلطاي ١/ ٤٨٠)، (قاري ٢/ ٢٤٠)].
[السند]:
رواه أبو مسلمٍ الكَجِّيُّ في (سننه) -كما في (الإعلام لمغلطاي ١/ ٤٨٠)، و (عمدة القاري للعيني ٢/ ٢٤٠) -: عن حجاجِ بنِ المنهالِ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن أبي جعفرٍ الخطميِّ عميرِ بنِ يزيدَ، [عن عمارةَ بنِ خُزيمةَ بنِ ثابتٍ] (٢)، عن رجلٍ من (قيسٍ) (٣)، به.
стр. 7978
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ظاهرُهُ الصحةَ، فرجالُهُ ثقاتٌ؛ ولذا صَحَّحَهُ مغلطايُ في (شرح ابن ماجه ١/ ٤٨٠)، ولكن فاتَهُ أنه معلولٌ بالاضطرابِ، فقدِ اختُلِفَ فيه على أبي جعفرٍ الخطميِّ على عدةِ أوجهٍ، والحملُ فيها عليه كما بَيَّنَّاهُ في الكلامِ على حديثِ ابنِ أبي قراد آنفًا.
стр. 7979
١٨٣٢ - حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ عَلِيٍّ
◼ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: ((رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ -يَعْنِي: امْتَخَطَ- ثُمَّ غَسَلَ سَاعِدَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ مَسَحَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ)).
[الحكم]: إسنادُهُ تالفٌ. وقال الجورقانيُّ: "هذا حديثٌ منكرٌ"، وقال ابنُ الجوزيِّ: "لا يصحُّ".
[التخريج]: [طيل ٣٢٢ (واللفظُ لَهُ) / علج ٥٧٤ (معلقًا)].
[السند]:
رواه الجورقانيُّ في (الأباطيل ٣٢٢) قال: أخبرنا بندارُ بنُ موسى بنِ بندارٍ الفارسيُّ، أخبرنا الحسنُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عليٍّ الشيرازيُّ بها، أخبرنا محمدُ بنُ الحسنِ بنِ يوسفَ، قراءةً عليه سنةَ خمس وثمانين وثلاث مائة، قال: حدثنا أبو بكر محمدُ بنُ عليِّ بنِ الجارودِ قال: حدثنا أبو بشرٍ إسماعيلُ بنُ عبدِ اللهِ قال: حدثنا سعدُ بنُ يحيى، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مالكِ بنِ مِغْولٍ عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، به.
وعلَّقه ابنُ الجوزيِّ في (العلل ٥٧٤) عن عبدِ الرحمنِ بنِ مالكٍ به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ساقطٌ، فيه: عبدُ الرحمنِ بنُ مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، كذابٌ، كذَّبه ابنُ مَعينٍ كما في (سؤالات ابن الجنيد ٧٢٤ = ٦٨٠)، و (معرفة الرجال/
стр. 7980
رواية ابن محرز ٩٦)، وكذَّبه ابنُ عمَّارٍ كما في (تاريخ الضعفاء لابن شاهين ٣٨٩)، وكذَّبه أبو داودَ، وقال مرَّة: "يضعُ الحديثِ"، وقال أحمدُ والدارقطنيُّ: "متروكٌ"، وقال النسائيُّ وغيرُهُ: "ليسَ بثقةٍ" (الميزان ٢/ ٥٨٤)، وذكره الذهبيُّ في (الديوان ٢٤٧٨)، وقال: "يأتي بالطاماتِ".
وبه أعلَّه الجورقانيُّ، فقال: "هذا حديثٌ منكرٌ، مدارُهُ على عبدِ الرحمنِ بنِ مالكِ بنِ مِغْوَلٍ"، ثُمَّ نَقَلَ عن أحمدَ أنه قال فيه: "ليسَ بشيءٍ، (خرقنا) حديثَه منذُ دَهْرٍ"، وعنِ ابنِ مَعينٍ، قوله: "قد رأيتُه، وليس هو بثقةٍ"، وعن أبي حاتم قوله: "ضعيفٌ، كأنَّ حديثَهُ موضوعٌ".
وبه أعلَّهُ ابنُ الجوزيِّ أيضًا في (العلل ١/ ٣٤٩)، وذكر أنه لا يصحُّ.
وذكره الذهبيُّ في (الميزان ٢/ ٥٨٥) ضمنَ مناكيرِ عبدِ الرحمنِ.
قلنا: وشيخُهُ يزيدُ بنُ أبي زيادٍ القرشيُّ الهاشميُّ، قال فيه ابنُ حَجرٍ: "ضعيفٌ، كبر فتغيَّرَ وصارَ يتلقن، وكان شيعيًّا" (التقريب ٧٧١٧).
وسعدُ بنُ يحيى -شيخُ الحافظِ سمويه أبو بشرٍ- لم نجدْهُ، ويحتملُ أنه محرَّفٌ من (سعيد بن الحكم).
стр. 7981
١٨٣٣ - حَدِيثُ تَمِيمٍ المَازِنِيِّ
◼ عَنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ المَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ بِالمَاءِ عَلَى رِجْلَيْهِ)).
[الحكم]: رجالُهُ ثقاتٌ، ولكن مَتْنُهُ غريبٌ مشكلٌ، فإن أمكنَ تأويل متنه بالدلك أو الغسل ونحو ذلك، وإلا فهو شاذٌّ؛ لمخالفته عامة الأحاديث الصحيحة.
وقد استغربه ابنُ منده. وَضَعَّفَهُ ابنُ عبدِ البرِّ -وأقرَّهُ الشوكانيُّ-، وعبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ.
بينما صَحَّحَهُ ابنُ خُزيمةَ، وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ دَقيقِ العيدِ، ومغلطاي، وابنِ حَجرٍ، حيثُ وَثَّقُوا رُوَاته متعقبين ابن عبد البر في تضعيفه.
[الفوائد]:
قد ذَهَبَ ابنُ خزيمةَ إلى أن ذلك كان منَ النبيِّ ﷺ وهو طاهرٌ لا محدثٌ.
بينما ذهبَ الطحاويُّ وابنُ شاهينَ إلى أن أحاديثَ المسحِ منسوخةٌ.
وذهبَ الألبانيُّ إلى تأويلِهِ بالمسحِ على نَعْليه ورجليه.
قلنا: ويحتملُ أنه أرادَ بالمسحِ على الرجلِ بالماءِ دَلْكها به. أو يقال: المسحُ منَ الألفاظِ المشتركةِ، يرادُ به ظاهره، ويرادُ به الغسل، وهو المرادُ هنا. وبهذا فسَّره السنديُّ في (حاشيته على المسند).
وعلى هذا فلا يتعارضُ هذا الحديثُ مع الأحاديثِ الصحيحةِ الواردةِ في غَسلِ القَدَمَينِ، وتشديد العقوبة على من ترك ذلك.
[التخريج]:
[خز ٢١٣/ حم ١٦٤٥٤ (واللفظُ لَهُ) / طس ٩٣٣٢/ طب (٢/ ٦٠/
стр. 7982
١٢٨٦) / مش (خيرة ٥٥٥/ ١، ٥٥٥/ ٢) / عدني (خيرة ٥٥٥) / مث ٢١٩٢/ قا (١/ ١١٥) / صحا ١٢٩٨/ علج ٥٧٥].
[السند]:
قال أحمد: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ أبو عبدِ الرحمنِ المقرئُ قال: حدثنا سعيدٌ -يعني ابنَ أبي أيوبَ- قال: حدثني أبو الأسودِ عن عبادِ بنِ تميمٍ المازنيِّ عن أبيه به.
ومدارُه عندهم على أبي عبدِ الرحمنِ المقرئ به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجالُ الشيخينِ، غير صحابيِّ الحديث تميم المازني ﵁، قال ابنُ حِبَّانَ: "له صحبةٌ، وحديثُهُ عند ولده" (الثقات ٣/ ٤١).
وجزم بصحبته أيضًا: أبو نعيم في (المعرفة ١/ ٤٥٢)، وابنُ البرقي -نقله عنه ابن ناصر وأقرَّه في (التوضيح ٨/ ١١) -، والمزيُّ في (التهذيب ١٤/ ١٠٨)، والسبكيُّ في (طبقات الشافعية ١٠/ ١٠٩)، والذهبيُّ في (التجريد ٥٥٧)، ونقلَهُ عنه أبو تُرابٍ السنديُّ وأقرَّه في (مختصر المغاني ٧١)، وصفيُّ الدينِ الخزرجيُّ في (الخلاصة صـ ٥٥)، والعينيُّ في (المغاني ١١٦٧)، والسيوطيُّ في (الإسعاف، صـ ٣٢٩).
وهو ظاهر صنيع ابن خزيمة حيث خرَّجه في صحيحه.
وخالفَ في ذلك ابنُ عبدِ البرِّ؛ فقال: "ولا أعرفُ لتميمٍ هذا غير هذا الحديث، وفي صحبته نظر" (الاستيعاب ١/ ١٩٥).
قلنا: بِغَضِّ النظرِ عن اتِّفاقِ مَن سبقَ إلى القول بصحبته، فتميمٌ هذا أُمُّه هي الصحابيةُ الجليلةُ أُمُّ عمارة نُسيبةُ بنتُ كعبٍ، وأبوه هو غزية بن عمرو
стр. 7983
الذي شهدت معه أم عمارة العقبة وأُحدًا، وابنه عباد وُلِدَ في حياةِ النبيِّ ﷺ كما نصَّ عليه غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ؛ ولذا قال ابنُ حَجرٍ: قيل: "إن له رؤية".
فرجلٌ أبواه صحابيان، ووُلدِ في حياةِ النبيِّ ﷺ أو على الأقلِ يروي عن جماعةٍ منَ الصحابةِ منهم جدته وعمه، فماذا عساه أن يكون؟ !
نعم، في سندِهِ غرابةٌ، وهي رواية عباد عن أبيه، إذ هو معروف بالرواية عن عمِّه.
ولذا قال ابنُ منده عقبه: "هذا حديثٌ غريبٌ بهذا الإسنادِ، لا يُعرفُ إلا من هذا الوجه".
وقال البغويُّ أيضًا: "لا أعلمُ روى عبادُ بنُ تميمٍ عن أبيه عن النبيِّ ﷺ غير هذا، وإنما يُحدِّثُ عبادُ بنُ تميمٍ عن عمِّه عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ عن النبيِّ ﷺ " (معجم الصحابة ١/ ٤١٦).
ويؤيدُ ما قاله أبو القاسمِ عدم وجود أحاديث لتميمٍ في الكتبِ الستةِ، إلا ما وقعَ خطأ في بعضِ النُّسخِ المتأخرةِ من (سنن ابن ماجه) في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ: سمعتُ عبَّادَ بنَ تميمٍ يُحَدِّثُ عن أبيه، عن عمِّه: ((أنَّه شَهِدَ النبيَّ ﷺ خَرَجَ إلى المُصَلَّى يَسْتَسْقِي، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ)).
قال المزيُّ: "هكذا ذكره أبو القاسمِ في (الأطراف)، وهو وهمٌ قبيحٌ، وتخليطٌ فاحشٌ، ووقعَ في عدةِ نُسَخٍ عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ قال: سمعتُ عبادَ بنَ تميمٍ يحدثُ عن أبيه عن عمِّه، وهو الصوابُ" (تهذيب الكمال ٤/ ٣٣٠).
стр. 7984
إلَّا أنَّ ابنَ حَجرٍ تَعَقَّبَ البغويَّ بقولِهِ: "وفيه نظر، فقد أخرجَ لَهُ ابنُ منده حديثين آخرين: أحدهما في الشَّكِّ في الحَدثِ" (الإصابة ٢/ ١٤ - ١٥)
قلنا: الحديثُ الأولُ الذي عَنَاهُ حديث الشَّكِّ في الصلاةِ. أخرجه ابنُ منده من طريقِ ابنِ لهيعةَ (معرفة الصحابة ١/ ٣٢٣)، ولا شَكَّ أن هذا وهمٌ من ابنِ لهيعةَ كما أقرَّ بذلك الحافظُ نفسُه في (الإصابة ٢/ ١٥).
الحديثُ الثاني أخرجه ابنُ منده في (معرفة الصحابة، صـ ٣٢٣) من طريقِ ابنِ شهابٍ، عن عبادِ بنِ تميمٍ، عن أبيه وعمِّه: ((أنَّهما رَأَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ مُضْطَجِعًا على ظَهْرِهِ، رَافِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى)).
وهذا الخبرُ معروفٌ من روايةِ عبادٍ عن عمِّه أيضًا، قاله الحافظُ، ثم أتبعه بقوله: "لكن لا مانعَ أن يرويه عبادٌ عنهما معًا، وقد أخرجه الباوَرْديُّ من طريقِ أبي بكرٍ الهذليِّ عنِ الزهريِّ، فقال: عن عبادٍ، عن أبيه، أو عمِّه -على الشَّكِّ- والله أعلم" (الإصابة ٢/ ١٥).
قلنا: والهذليُّ هذا متروكٌ، فلا عبرةَ بروايته، والمعتمدُ روايته عن عمِّه.
فبقيتْ غرابةُ السندِ، بالإضافةِ إلى مخالفةِ ظاهرِ المتنِ لما هو محفوظٌ عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ بلغتْ مبلغَ التواترِ، من أنَّه كانَ يغسلُ قَدَمَيهِ في الوضوءِ، وعليه إجماعُ المسلمينَ.
ولذا فقد رَدَّهُ عبدُ الحَقِّ الإشبيليُّ بقوله: "وقد وَرَدَ من الطرقِ الصحاحِ عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ وغيرِهِ أن النبيَّ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ" (الأحكام الوسطى ١/ ١٧٦).
ثُمَّ ذَكَرَ رَدَّ ابنِ عبدِ البرِّ حديث عبادٍ عن أبيه بقوله: "هو حديثٌ ضعيفُ الإسنادِ لا تقومُ به حجةٌ" (الاستيعاب ١/ ١٩٥).
стр. 7985
وأقرَّهُ عبدُ الحَقِّ، والشوكانيُّ في (النيل ١/ ٢١٣).
بينما تعقبه جماعةٌ، منهم ابنُ دَقيقٍ؛ حيثُ قَالَ: "وفيما قال نظر، فعليك بتتبعِ رواته من لدن المقرئ إلى تميمٍ، فإنه ليس منهم إلا مَن وُثِّقَ" (الإمام ١/ ٥٩٤).
وكذا قال مغلطايُ عقب كلام ابنِ عبدِ البرِّ (شرح ابن ماجه ١/ ٤٨٠).
وقال الحافظُ ابنُ حَجرٍ: "رجالُهُ ثقاتٌ، وأغربَ أبو عمرَ فقال: إنه ضعيفٌ" (الإصابة ٢/ ١٤).
وقال في موضعٍ آخرَ: "وزعمَ ابنُ عبدِ البرِّ أنه لا يقومُ به حجةٌ، وهو طعنٌ مردودٌ؛ فقد رواه أحمدُ في (مسنده) ... ورجالُهُ رجالُ الصحيحِ" (إتحاف المهرة ٦/ ٦٤٤).
قلنا: نعم، سوى صحابيه تميم فليس من رجال الصحيح، ولكن هذا بمفرده لا يضر.
وقد ردَّهُ عبدُ الحَقِّ بعلةٍ أُخرَى، فقال: "وأبو الأسودِ هذا لا أدري مَن هو" (الأحكام الوسطى ١/ ١٧٦).
وبمثله قال مغلطايُ في (شرح ابن ماجه ١/ ٤٧٩)! مع أنه نقلَ بعده بصفحة كلامَ عبدِ الحَقِّ، وأتبعه بقولِ ابنِ الحَصَّارِ: "هو يتيمُ عروةَ" (شرح ابن ماجه ١/ ٤٨٠)! !
وبهذا تعقب العراقي عبد الحق في (الذيل صـ ٢١٣).
ولذا قال ابنُ حَجرٍ -عقبَ كلامِ عبدِ الحَقِّ-: "وتُعقبَ بأن رجالَهُ رجالُ الصحيحِ، وأبو الأسودِ ثقةٌ معروفٌ وهو يتيمُ عروةَ، واسمه: محمدُ بنُ