وهذه الرواية هي الأرجح؛ لأن الحديث رواه جماعة من الحفاظ عن وكيع موافقة لها، وهم:
١ - أحمد في (مسنده ١٠١٠).
٢ - ابن أبي شيبة، وعنه مسلم (٣٠٣).
٣ - محمد بن عبد الله بن نمير، عند عبد الله في (زوائده على المسند ٦٠٦).
٤ - عمرو بن عبد الله الأودي، عند البزار في (مسنده ٦٥١).
أربعتهم: عن وكيع عن الأعمش، به، دون ذكر ((الأنثيين)).
وكذلك رواه بقية أصحاب الأعمش: الثوري، وشعبة، وهشيم، وأبو معاوية، وجرير، وعبد الله بن داود ... وغيرهم، كما سبق في الصحيحين وغيرهما.
قلنا: هذه الطرق الثلاثة لا يكاد يصفو منها طريق لإثبات لفظة ((الأنثيين)) إلا في طريق (هشام بن عروة، عن أبيه، عن علي) وهي منقطعة لا تصلح للاحتجاج.
ولذا قال الإمام أحمد: ((ما قال (غسل الأنثيين) إلا هشام بن عروة- يعني: في حديث علي- فأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا)) (مسائل أحمد، رواية أبي داود ص ٢٤).
وقال عبد الحق الإشبيلي: ((زاد أبو داود (غسل الأنثيين) خرجه من حديث عروة عن علي، ولم يسمع عروة من علي، والمحفوظ من رواية الثقات أنه قول عروة، ولا يصح أيضًا عن غيره (١))) (الأحكام الوسطى ١/ ١٣٧).
стр. 8962
وقال ابن بزيزة المالكي: ((الوضوء من مس الأنثيين لم يثبت عن النبي ﷺ ) (روضة المستبين في شرح كتاب التلقين ١/ ٢٢٢).
وأشار ابن رجب إلى ضعف هذه الطرق، فقال: ((وقد رُوي في حديث علي أن النبي ﷺ قال: (يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ) من وجوه قد تُكُلِّم فيها)) (فتح الباري ١/ ٣٠٥).
стр. 8963
رِوَايَةُ: أَمَرْتُ المِقْدَادَ، وزاد ((وَمِنَ المَنِيِّ الغُسْلُ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ المَذْيِ، فَقَالَ: ((مِنْهُ الوُضُوءُ، وَمِنَ المَنِيِّ الغُسْلُ)).
[الحكم]: صحيح دون قوله: ((وَمِنَ المَنِيِّ الغُسْلُ)) فلا يصح. وهذا إسناد ضعيف جدًّا.
[التخريج]: [عل ٣١٤].
[السند]:
قال أبو يعلى: حدثنا عبيد الله، حدثنا أيوب بن واقد الكوفي، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي بن أبي طالب، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا؛ آفته أيوب بن واقد الكوفي، وهو: ((متروك)) كما في (التقريب ٦٣٠).
وفيه أيضًا: يزيد بن أبي زياد، ((ضعيف، كَبِر فتغير، وصار يتلقن)) (التقريب ٧٧١٧).
وهذه اللفظة بيزيد أليق؛ فقد رُويت عنه من طرق كثيرة، كما سيأتي في الروايات الآتية.
стр. 8964
رِوَايَةُ: أَمَرْتُ المِقْدَادَ- وَزَادَ: ((إِنَّ كُلَّ فَحْلٍ يُمْذِي))
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَجِدُ مَذيًا، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ ابْنَتَهُ عِنْدِي؛ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّ كُلَّ فَحْلٍ يُمْذِي؛ فَإِذَا كَانَ المَنِيُّ فَفِيهِ الغُسْلُ، وَإِذَا كَانَ المَذْيُ فَفِيهِ الوُضُوءُ)).
[الحكم]: صحيح المتن دون قوله: ((إِنَّ كُلَّ فَحْلٍ يُمْذِي؛ فَإِذَا كَانَ المَنِيُّ فَفِيهِ الغُسْلُ)) فلا يصح.
[التخريج]:
[ش ٩٧٢ "واللفظ له"، ٩٧٣/ طح (١/ ٤٦) / مشكل ٢٦٩٨].
[التحقيق]:
له طريقان:
الطريق الأول:
رواه ابن أبي شيبة في (المصنف ٩٧٣) قال: حدثنا هشيم، عن الأعمش، عن منذر، عن محمد ابن الحنفية - قال: سمعته يحدث - عن أبيه، به.
ورواه الطحاوي في (المشكل ٢٦٩٨)، و (معاني الآثار ١/ ٤٦) من طريق هشيم قال: أنبأنا الأعمش، به.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ ولذا صححه الألباني في (صحيح أبي داود ١/ ٣٨٣).
ولكن خالف هشيمًا جماعةٌ من أصحاب الأعمش، فرووه عنه دون قوله: ((إِنَّ كُلَّ فَحْلٍ يُمْذِي؛ فَإِذَا كَانَ المَنِيُّ فَفِيهِ الغُسْلُ))، وهم:
стр. 8965
١ - الثوري، عند عبد الرزاق في (مصنفه ٦١٠)، وغيره.
٢ - شعبة، عند مسلم (١٨/ ٣٠٣)، وغيره.
٣ - عبد الله بن داود الخُرَيْبي، عند البخاري (١٣٢)، وغيره.
٤، ٥ - وكيع وأبو معاوية، عند مسلم (١٧/ ٣٠٣)، وغيره.
٦ - جرير، عند البخاري (١٧٨)، وغيره.
٧ - الحجاج بن أرطأة، عند عبد الله في (زوائده على المسند ٨١١).
سبعتهم: عن الأعمش عن أبي يعلى المنذر بفظ: ((فِيهِ الوُضُوءُ))، وفي رواية وكيع: ((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ)).
ولم يذكر واحد منهم ما ذكر هشيم من قوله: ((إِنَّ كُلَّ فَحْلٍ يُمْذِي؛ فَإِذَا كَانَ المَنِيُّ فَفِيهِ الغُسْلُ)).
وهشيم وإن كان ثقة، ولكن روى هذه اللفظة بأسانيد ثلاثة:
الإسناد الأول: هشيم، عن الأعمش، عن أبي يعلى المنذر، عن ابن الحنفية، عن علي، به.
وقد تقدم مخالفة الجماعة لهشيم على هذه الألفاظ، ولم يتابعه أحد من أصحاب الأعمش على إثباتها.
الإسناد الثاني: هشيم، عن منصور، عن الحسن البصري، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنْتُ أَجِدُ مَذْيًا، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ ابْنَتَهُ عِنْدِي، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّ كُلَّ فَحْلٍ يُمْذِي، فَإِذَا كَانَ المَنِيُّ فَفِيهِ الغُسْلُ، وَإِذَا كَانَ المَذْيُ فَفِيهِ الوُضُوءُ)).
رواه ابن أبي شيبة في (المصنف ٩٧٢) عن هشيم، به.
стр. 8966
وهذا هو الطريق الثاني لهذه الرواية.
ورجاله ثقات، ولكن الحسن البصري رأى عليًّا ولم يسمع منه كما قال أبو زرعة وغير واحد من الأئمة. انظر (المراسيل لابن أبي حاتم ص ٣١)، و (جامع التحصيل ص ١٦٢).
وعليه: فالسند منقطع.
ومنصور بن زاذان وإن كان ثقة، فقد خالفه أشعث بن عبد الملك، فرواه البزار (٥٥٢) من طريق أشعث، عن الحسن عن علي مرفوعًا، مقتصرًا على قوله: ((فِيهِ الوُضُوءُ))، ولم يذكر: ((إِنَّ كُلَّ فَحْلٍ يُمْذِي، فَإِذَا كَانَ المَنِيُّ فَفِيهِ الغُسْلُ)).
ورواية أشعث هذه مُوافِقة لما رواه ابن الحنفية عن علي، كما تقدم في الصحيحين.
قلنا: ورواية منصور عن الحسن بهذه الزيادات انفرد بها هشيم عن منصور، كما تقدم، وهي إحدى أسانيد هشيم الثلاثة التي أشرنا إليها.
الإسناد الثالث: هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَذْيِ، فَقَالَ: ((فِيهِ الوُضُوءُ، وَفِي المَنِيِّ الغُسْلُ)).
رواه ابن أبي شيبة (٩٧١) عن هشيم، به.
وتابع ابنَ أبي شيبة:
الحسنُ بن عرفة، وحميد بن الربيع، عند الطوسي في (مستخرجه ٩٧).
وسعيد بن منصور، عند الطحاوي في (شرح معاني الآثار ١/ ٤٦).
وهذا إسناد رجاله ثقات، غير يزيد بن أبي زياد، وهو ((ضعيف، كَبِر
стр. 8967
فتغير، وصار يتلقن)) (التقريب ٧٧١٧).
وهذه الألفاظ عن يزيد رواها عنه غير هشيم غير واحد، واضطرب عليه لفظه، كما سيأتي في الروايات الآتية.
فالذي نميل إليه هو عدم ضبط هشيم لهذا الحديث؛ لأنه جعل اللفظ المشهور عن يزيد بن أبي زياد - وهو قوله: ((مِنَ المَنِيِّ الغُسْلُ)) - لحديث الأعمش ومنصور. وقد تقدمت مخالفة أصحاب الأعمش له. وكذا مخالفة أشعث بن عبد الملك له عن منصور.
[التحقيق]:
مدار هذه الروايات على يزيد بن أبي زياد، واضطرب عليه متنه، على النحو التالي:
فرواه الترمذي في (جامعه ١١٥) قال: حدثنا محمد بن عمرو السواق البلخي، قال: حدثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد (ح) وحدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا حسين الجُعْفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَذْيِ، فَقَالَ: ((مِنَ المَذْيِ الوُضُوءُ، وَمِنَ المَنِيِّ الغُسْلُ)).
فقال في هذه الرواية: ((سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ... )).
وقد سبقت رواية ابن أبي شيبة في (المصنف ٩٧١)، وغيره، عن هشيم عن يزيد، وفيها: ((سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ المَذْيِ ... )). بإبهام السائل.
ولكن تابع هشيمًا على اللفظ الأول غير زائدة بن قدامة:
خالد الواسطي، عند عبد الله بن أحمد في (زوائده على المسند ٨٩١).
وعلي بن عاصم، عند أبي جعقر البختري في (مجموع له ١٣٩).
وأبو جعفر الرازي، عند أحمد في (المسند ٦٦٢).
وعبد العزيز بن مسلم عند الخطيب في (موضح أوهام الجمع ٢/ ١٧٠).
وأبو يزيد القسملي، عند عبد الله بن أحمد في (زوائده على المسند ٨٩٣، ٩٧٧).
وزُفَر بن الهُذَيْل، عند الطبراني في (الأوسط ٦٠٠٩).
ورواه البزار في (مسنده ٦٣٠)، وغيره، من طريق جرير بن عبد الحميد
стр. 8970
عن يزيد، بنحو رواية الجماعة المتقدمين، ولكن زاد فيه: ((وَتَغْسِلُهُ))، وهذه- والله أعلم- شاذة لمخالفة الجماعة المتقدمين وغيرهم لجرير فلم يذكروها.
وقد جاءت لها متابعة عند البزار (٦٢٩) فرواه عن محمد بن المثنى، عن محمد بن فُضيل، عن يزيد بسنده، فذَكَرها.
ولكن خالف ابنَ المثنى إسحاقُ بن إسماعيل، عند عبد الله في (زوائده على المسند ٨٩٠)، فرواه عن يزيد بدونها، وكذا لم يذكر ((غسل المني)).
ورواه أحمد في (المسند ٨٦٩)، عن عبيدة بن حميد، عن يزيد بن أبي زياد، بلفظ: ((فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ)) لم يجزم فيمن سأل النبي ﷺ ، ولم يذكر زيادة: ((وَتَغْسِلُهُ)).
قلنا: مدار هذه الروايات على يزيد بن أبي زياد، وهو القرشي الهاشمي الكوفي، ضَعَّفه ابن معين وغيره. وقال فيه الحافظ: "ضعيف، كبر فتغير، وصار يَتلقن، وكان شيعيًّا" (التقريب ٧٧١٧).
ومع هذا قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ ، من غير وجه".
وقال بدر الدين العيني: ((وهو جيد حسن، ورجاله ثقات)) (نخب الأفكار ١/ ٤٢٥).
فتعقبه مغلطاي فقال: ((وأما تصحيح الترمذي حديث يزيد ففيه نظر؛ لِما عُلِم من اختلاف نظره فيه: فتارة يصحح حديثه، وتارة يُحَسِّنه، وتارة يُضَعِّفه، وإذا صحح حديثًا استدركه عليه، اللهم إلا أن يكون تصحيحه حديثه بالنظر لما عضده من متابعات وشواهد وغير ذلك)) (شرح ابن ماجه
стр. 8971
٢/ ٩٩).
وكذا تعقبه ابن سيد الناس فقال: ((قد صحح الترمذي هذا الحديث. وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو وإن كان مسلم قد انفرد بإخراج حديثه مقرونًا بغيره، في كتاب الأطعمة، فقد تكلم فيه بعضهم ... )). إلى أن قال: ((وأخرج له في الصحيحين، فلعل التصحيح والتحسين في ذلك بمشاركة الأمور الخارجة عن نفس السند؛ من اشتهار المتون أو غرابتها أو اشتهار طرقها أو عدم ذلك.
وأيضًا: فهو من رواية ابن أبي ليلى عن علي، وقد قيل: لم يسمعه منه)) (نفح الشذى ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٦).
وقال بنحو كلامه الشوكاني في (نيل الأوطار ١/ ٢٧٤).
قلنا: ولم نقف على أحد أنكر سماع عبد الرحمن من علي، وروايته عنه في الصحيحين، وقد أثبت سماعه من علي جماعة من الأئمة، منهم: ابن معين كما في (تاريخ دمشق ٣٦/ ٨٨)، والبخاري في (التاريخ الكبير ٥/ ٣٦٨)، وقال مسلم في (مقدمة الصحيح ١/ ٣٤)، حيث قال: ((وصَحِب عليًّا)).
стр. 8972
روايةُ ((فَأَمَرْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ (١): كُنْتُ رَجُلًّا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ عِنْدِي، فَقَالَ: ((يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ الوُضُوءُ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ (٢): كُنْتُ أَجِدُ مِنَ المَذْيِ شِدَّةً، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ عِنْدِي، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ، فَأَمَرْتُ عَمَّارًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: ((إِنَّمَا يَكْفِي مِنْهُ الوُضُوءُ)).
• وَفِي رِوَايَةٍ (٣): قُلْتُ لِعَمَّارٍ: سَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ المَذْيِ؛ فَإِنَّ ابْنَتَهُ تَحْتِي، وَإِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَهُ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: ((إِذَا وَجَدَ ذَاكَ، فَلْيَتَوَضَّأْ)).
[الحكم]: منكر بذكر عمار، والمحفوظ أن عليًّا أَمَر المقداد فسأل، كما في الصحيحين. وقال البيهقي: ((حديث المقداد أصح))، وقال الألباني: ((منكر بذكر عمار))، وهذا إسناد ضعيف مضطرب.
[الفوائد]:
قال البيهقي: "وقوله: (يَكْفِي مِنْهُ الوُضُوءُ) يريد نفي وجوب الغسل، فلا يُستدل به على نفي وجوب الاستنجاء؛ فقد روينا عنه في هذه القصة بعينها أنه أَمَر فيها بغسل الفرج والوضوء جميعًا".
وذهب ابن خزيمة وغيره إلى أن هذه الرواية تَصرف الأمر بما سوى الوضوء من الوجوب إلى الاستحباب.
وسياق الأحاديث يشهد للبيهقي.
стр. 8973
[التخريج]:
[ن ١٥٩ "واللفظ له" / كن ١٩٣/ حم ١٨٨٩٢/ عل ٤٥٦ والسياقة الثالثة له/ حمد ٣٩ والسياقة الثانية له / طوسي ٩٩/ مشكل ٢٧٠٣/ طح (١/ ٤٧) / عق (١/ ١٦٦) / هقع ١٤١٣/ تمهيد (٢١/ ٢٠٣) / غو (٢/ ٥١٤) / مخلص ٢٠٠٦ / كما (١٤/ ١٠١)].
[السند]:
أخرجه النسائي في (الصغرى والكبرى) قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائش بن أنس، أن عليًّا، به.
ورواه (أحمد، والحميدي) عن سفيان، به.
وذكرا أن عائش بن أنس سمعه من علي على منبر الكوفة.
ومداره عند الجميع على سفيان بن عيينة، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان:
العلة الأولى: عائش بن أنس؛ ترجم له البخاري في (التاريخ ٧/ ٨٨)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٧/ ٤٠)، وذَكَره ابن حبان في (الثقات ٥/ ٢٨٥)، ولم يذكروا فيمن روى عنه غير عطاء بن أبي رباح، ولا روايته عن غير علي. ولذا قال ابن خراش: ((مجهول)) (ميزان الاعتدال ٤١٠٤)، وقال ابن حجر: ((مقبول)) (التقريب ٣١١٩).
وظاهر رواية عائش هذه أنها مخالفة لما سبق في الصحيحين وغيرهما، من أن الذي أمره عليّ بالسؤال إنما هو المقداد وليس عمارًا.
стр. 8974
وقد أشار سفيان بن عيينة إلى هذه المخالفة عقب روايته للحديث فقال: "وأهل الكوفة يقولون: قال علي: أمرتُ المقداد" (معرفة السنن والآثار ١/ ٢٦٦).
قال البيهقي: "حديث المقداد أصح" (المعرفة ١/ ٢٦٦).
وحَكَم الألباني على رواية عائش هذه بالنكارة، فقال: ((منكر بذكر عمار)) (ضعيف النسائي ١٥٤).
ومع هذا قال العيني: ((جيد، وعايش -بالياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة- وثقه ابن حبان)) (نخب الأفكار ١/ ٤٢٧).
العلة الثانية: أن عطاء بن أبي رباح اختُلف عليه في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، فروى عنه هذا الحديث أربعة من الثقات:
الأول: عمرو بن دينار، واختُلف عليه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: رواية سفيان المتقدمة، وفيها تصريح عائش السماع من علي ﵁، وفيها -أيضًا-: ((أن عليًا أمر عمارًا أن يسأل النبي ﷺ عن المذي)).
الوجه الثاني: رواه عبد الرزاق في (المصنف ٦٠٧) -ومن طريقه العقيلي في (الضعفاء ١/ ١٦٦)، والطبراني في (المعجم الكبير ٢٠/ ٢٣٨/٥٦٢) - عن معمر، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عَنْ عَائِشِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِلمِقْدَادِ: سَلْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُلَاعِبُ امْرَأَتَهُ وَيُكَلِّمُهُا فَيُمْذِي؛ فَلَوْلَا أَنِّي أَسْتَحْيِي وَأَنَّ ابْنَتَهُ تَحْتِي لَسَأَلْتُهُ! فَسَأَلَ المُقْدَادُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لِيَغْسِلْ ذَكَرَهُ، وَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لْيَنْضَحْ فِي فَرْجِهِ)).
стр. 8975
فخالف معمرٌ سفيانَ في ثلاثة أمور:
الأول: أرسل الحديث.
الثاني: جعل المأمور بالسؤال المقداد، وليس عمارًا.
الثالث: زاد في المتن زيادة منكرة، وهي قوله: ((ثُمَّ لْيَنْضَحْ فَرْجَهُ))، فجَمَع بين غَسل الذَّكَر ونَضْح الفرج.
الوجه الثالث: ذكره الدارقطني في (العلل ٢/ ٤٧)، فقال: ((ورواه ورقاء، عن عمرو، عن عائش، لم يذكر بينهما عطاء)).
ورقاء هو ابن عمر اليشكري، احتج به البخاري ومسلم، من روايته عن عمرو بن دينار، وقال ابن حجر: ((صدوق، فى حديثه عن منصور لِين)) (التقريب ٧٤٠٣).
قلنا: فهذه الأوجه الثلاثة رواتها عن عمرو ثقات، غير أن سفيان بن عيينة أثبت الناس فيه وأعلمهم به. قاله أحمد، وابن معين، وعلي بن المديني، وأبو حاتم، وغيرهم. انظر (تاريخ ابن معين، رواية الدارمي، ص: ٥٥)، و (رواية الدوري ٤٨٢، ٥٧٨)، و (سؤالات أبي داود لأحمد ٢٢٠)، و (سؤالات الأثرم لأحمد ٣٩)، و (الجرح والتعديل ١/ ٥٢)، و (شرح علل الترمذي ٢/ ٦٨٤).
الثاني: مَعْقِل بن عبيد الله، واختُلف عليه:
فرواه العقيلي في (الضعفاء ١/ ١٦٦) من طريق محمد بن يزيد بن سنان، قال: حدثنا مَعْقِل، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش بن أنس، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي عَلِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: سَلْهُ عَنِ المَذْيِ؛ فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَتَهُ، وَأَنَا أَسْتَحْيِي مِنْهُ! ! فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «مِنْهُ الوُضُوءُ». فجعل
стр. 8976
الحديث من مسند عمار.
هذا إسناد ضعيف؛ فيه محمد بن يزيد بن سنان، "ليس بالقوي" (التقريب ٦٣٩٩). وذَكَر المزي في (تهذيب الكمال ١٤/ ١٠٢) أن النسائي رواه في "مسند علي" من رواية معقل بن عبيد الله، عن عطاء، عن عائش ين أنس! عن عمار بن ياسر)) فلا ندري هل هذه الرواية من طريق ابن سنان أم لا.
وكذا جعل الدارقطني رواية معقل عن عطاء، وليس عمرو بن دينار (العلل ٤٤١).
ومعقل أيضًا هو ابن عبيد الله الجزري، "صدوق يخطئ" (التقريب ٦٧٩٧).
وقد خالفَتْ روايةُ معقل هذه روايةَ عمرو بن دينار، حيث جعل الحديث من مسند عمار ﵁.
الثالث: عبد الملك بن جريج، واختُلف عليه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
رواه عبد الرزاق في (المصنف ٦٠٣) -ومن طريقه ابن المنذر في (الأوسط ١٥٣، ٦٨٨)، وغيره- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ قَيْسٌ لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْتَ المَذْيَ، أَكُنْتَ مَاسِحَهُ مَسْحًا؟ قَالَ: لَا، المَذْيُ أَشَدُّ مِنَ البَوْلِ، يُغْسَلُ غَسْلًا!
ثُمَّ أَنْشَأَ يُخْبِرُنَا حِينَئِذٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَائِشُ بْنُ أَنَسٍ- أَخُو سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ- قَالَ: تَذَاكَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَالمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ- المَذْيَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي رَجُلٌ مَذَّاءٌ، فَاسْأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي، وَلَوْلَا مَكَانُ ابْنَتِهِ لَسَأَلْتُهُ!
стр. 8977
فَقَالَ عَائِشٌ: فَسَأَلَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: عَمَّارٌ أَوِ المِقْدَادُ- قَالَ عَطَاءٌ: فَسَمَّى لِي عَائِشٌ الذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ مِنْهُمَا، فَنَسِيتُهُ- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((ذَلِكُمُ المَذْيُ، إِذَا وَجَدَهُ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْسِلْ ذَلِكَ مِنْهُ، ثُمَّ لْيَتَوَضَّأْ، فَلْيُحْسِنْ وُضُوءَهُ، ثُمَّ لْيَنْتَضِحْ فِي فَرْجِهِ)).
قَالَ: فَسَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ((يَغْسِلُ ذَلِكَ مِنْهُ)) قَالَ: حَيْثُ المَذْيُ يَغْسِلُ مِنْهُ أَمْ ذَكَرَهُ كُلَّهُ؟ فَقَالَ: بَلْ حَيْثُ المَذْيُ مِنْهُ فَقَطْ.
ورواه أحمد في (المسند ٢٣٨٢٥) قال: يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثنا عطاء، عن عائش بن أنس البكري، قال: تذاكر علي وعمار والمقداد المذي، فقال علي: إني رجل مذاء وإني أستحي أن أسأله ... فذكره.
وهذا إسناد رجاله ثقات، غير عائش ففيه جهالة، وظاهر رواية عائش هذه الإرسال، حيث ذكر مذاكرة وقعت في زمن النبوة، وعائش بن أنس معدود في التابعين كما تقدم، فأنى له أن يحضر المذاكرة هذه ويرويها؟ !
ولا يقال: سمعها من علي أو عمار كما تقدم في رواية عمرو بن دينار المتقدمة، حيث صرح فيها بالسماع من علي، من رواية ابن عيينة عن عمرو بن دينار عنه كما تقدم.
فإن معمرًا قد خالف ابن عيينة في وصله فأرسله.
ورواية معمر مُوافِقة لرواية ابن جريج على الإرسال، وكذا في ذِكر النضح، حيث لم يذكر النضح مع الغسل إلا في رواية معمر ورواية ابن جريج هذه.
وفي رواية معمر أن السائل هو المقداد، بخلاف رواية ابن عيينة. وفي رواية ابن جريج هذه أن عطاء نسي السائل. وهذا اختلاف قادح في
стр. 8978
الحديث.
فيتلخص الخلاف بينهم في السند والمتن كما يلي:
في السند: سفيان بن عيينة رواه عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش، سمع عليًّا ﵁.
وخالفه معمر، فرواه عن عمرو فأرسله.
ووافقت رواية ابن جريج معمرًا، عن عطاء في الإرسال.
وفي المتن: في رواية ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء قال: ((أمرت عمارًا)) واقتصر على الوضوء. فجعل السائل عمارًا.
وفي رواية معمر عن ابن دينار، عن عطاء قال: ((قال علي للمقداد. وزاد غسل الذكر مع النضح)) فجعل السائل المقداد.
وفي رواية ابن جريج عن عطاء قال: ((فسأله أحد الرجلين. وأطلق الغَسل، وزاد النضح))
وهذا اختلاف قادح في الحديث، فعمرو وابن جريج من أثبت الناس في عطاء.
قال أبو زرعة الدمشقي: فقلت لأحمد بن حنبل: مَن أثبت الناس في عطاء بن أبي رباح؟ فقال: عمرو بن دينار وابن جريج. (تاريخ أبي زرعة ص: ٢٥٢، ٤٥٠).
الوجه الثاني عن ابن جريج:
رواه النسائي في (السنن ٤٤١) قال: أخبرنا علي بن ميمون، قال: حدثنا مَخْلَد بن يزيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: تذاكر علي
стр. 8979
والمقداد وعمار، فقال: علي: إني امرؤ مذاء ... فذكره بنحو رواية عبد الرزاق، ولم يذكر النضح.
فجعل مَخْلَد بن يزيد الحديث من مسند عبد الله بن عباس بدل: ((عائش بن أنس)).
ومَخْلَد ثقة، وروايته عن ابن جريج في الصحيحين، ولكنه دون عبد الرزاق ويحيى بن سعيد، وخاصة في ابن جريج، كما أن له أوهامًا، كما ذكر الحافظ في (التقريب ٦٥٤٠).
الوجه الثالث:
رواه البيهقي في (السنن الكبير ١٦٨٦) من طريق الحسن بن مُكْرَم، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، قال: كان علي بن أبي طالب رجلًا مذاء فكان يأخذ الفتيلة فيُدخلها في إحليله. فأرسل الحديث بسياق آخر.
وعثمان بن عمر ثقة من رجال الشيخين، ولكن لم يُخرجا له رواية عن ابن جريج.
قلنا: فهذه الأوجه الثلاثة عن ابن جريج، رواتها ثقات، وإن كان الوجه الأول هو الأصح.
الرابع: عبد الله بن أبي نَجيح، ولم يُختلَف عليه:
رواه النسائي في (السنن ١٦٠، والكبرى ١٩٤)، والبخاري في (التاريخ الكبير ١/ ٤٣٧)، وابن حبان في (صحيحه ١١٠٠)، وغيرهم، من طريقين عن يزيد بن زريع، قال: حدثنا رَوْح- وهو ابن القاسم- عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ
стр. 8980
عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ المَذْيِ، فَقَالَ: ((يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ وَيَتَوَضَّأُ)).
وهذا إسناد رجاله ثقات، غير إياس بن خليفة "مجهول"، قاله العقيلي (الضعفاء ١/ ١٦٥).
قلنا: فخالف عبد الله بن أبي نَجيح- ابن جريج وعمرو بن دينار ومعقل في السند والمتن:
أما السند: فقال ابن أبي نجيح: عن عطاء، عن إياس، عن رافع بن خَديج. جعله من مسند رافع.
وأما ابن جريج وعمرو فاتفقا في شيخ عطاء وهو عائش بن أنس، واختلفا في وصله وإرساله.
وأما معقل فاتفق مع ابن جريج وعمرو في شيخ عطاء، وخالف الجميع فجعله من مسند عمار.
أما المتن: فاختُلف على عمرو بن دينار فيمن سأل رسول الله ﷺ عن المذي: فقال ابن عيينة عنه: ((عمار))، وقال معمر عنه: ((المقداد)).
وأما ابن جريج في روايته عن عطاء، فلم يصرح بالسائل حيث قال عائش: (فسأله أحد الرجلين) قال عطاء: سماه لي عائش ونسيته.
وأما رواية ابن أبي نجيح، فوافق ابن عيينة أن السائل هو ((عمار)).
قلنا: وذَكَر الدارقطني وجهًا آخر عن عطاء موافقًا لرواية عثمان بن عمر عن ابن جريج المتقدمة، فقال: ((وأما طلحة بن عمرو فأرسله، عن عطاء، عن علي)) (العلل ٤٤١).
ولكن طلحة بن عمرو هذا "متروك" (التقريب ٣٠٣٠).
стр. 8981
وقد حاول بعض العلماء ترجيح بعض الوجوه على بعض:
فذكر العقيلي الخلاف فيه ثم قال: ((حديث ابن عيينة ومعمر أَوْلى)) (الضعفاء ١/ ١٥٠ ط/ الرشد، ت/ السرساوي) (١).
أي أن رواية ابن عيينة ومعمر عن عمرو بذكر ((عائش بن أنس)) بدل ((إياس بن خليفة)) هي الأصح. يدل على ذلك قول العقيلي: ((إياس بن خليفة مجهول في الرواية، في حديثه وهم)).
وكذا ذَكَر الدارقطني الخلاف فيه، ثم قال: ((والصواب ما قال عمرو بن دينار وابن جريج، عن عطاء)) (العلل ٤٤١) أي: في ذكر شيخ عطاء.
قلنا: ليس مراد العقيلي والدارقطني تصحيح الوجه مطلقًا، إنما مرادهم تصحيح شيخ عطاء فيه. وإلا فقد اختَلف ابن جريج وعمرو في سند الحديث ومتنه، وكذا اختُلف عليهما.
وقد أشار مسلم للخلاف بلا ترجيح فقال: (((وعائش بن أنس) هكذا قال عمرو بن دينار وابن جريج. وقال ابن أبى نجيح: عن عطاء، عن إياس بن خليفة البكري، عن رافع بن خَديج، عن النبي ﷺ في المذي)) (المنفردات والوحدان، ص: ١١٤).
وتصحيح ابن حبان رواية ابن أبي نجيح، حيث رواها في (صحيحه ١١٠٠) يتعارض مع ترجيح العقيلي والدارقطني.
قلنا: فهذا الاختلاف على عطاء شديد يصعب معه الترجيح؛ لأن رواة
стр. 8982
الأوجه جميعهم ثقات، وإن كان ابن جريج وعمرو أثبت الناس فيه كما تقدم، غير أنهما اختلفا سندًا ومتنًا، وكذا اختُلف عنهما. فليست رواية أحدهما بأَوْلى من الأخرى.
فالذي نميل إليه هو اضطراب عطاء فيه.
ومدار الأوجه جميعها إما عن عائش وإما عن إياس، وكلاهما مجهول. وخالفهما الثقات الأثبات في متنه، فالمحفوظ من رواية الثقات كابن الحنفية وغيره- أن السائل المقداد.
стр. 8983
رِوَايَةُ ((لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الوُضُوءُ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَذْيِ، فَقَالَ: " لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الوُضُوءُ، تَتَوَضَّأُ وَتَغْسِلُ ذَلِكَ مِنْهُ ".
[الحكم]: منكر بهذا اللفظ، وهذا إسناد ضعيف جدًّا.
[التخريج]: [خط (٥/ ٣٥٧)].
[السند]:
قال الخطيب في (تاريخ بغداد): أخبرنا أبو عمر بن مهدي، قال: أخبرنا محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن زياد التُّسْتَري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جَبَلة، قال: حدثنا سَلَّام بن أبي مطيع، قال: حدثنا أبو حصين، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي، عن علي، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف جدًّا، آفته عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، قال عنه أبو زرعة: ((يُحَدِّث بأحاديث أباطيل، عن سَلَّام بن أبي مطيع)) (سؤالات البرذعي ١٧١). وقال أبو حاتم: ((كتبت عنه بالبصرة، وكان يَكذب، فضربت على حديثه)) (الجرح والتعديل ٥/ ٢٦٧). وقال أبو داود: ((ليس بشيء)) (سؤالات الآجري ١٢٨٤)). وقال الدارقطني: ((متروك، يضع الحديث)) (السنن ١/ ٢٩٩).
٢١١٦ - حَدِيثُ عَائِشِ بْنِ أَنَسٍ مرسلًا:
◼ عَنْ عَائِشِ بْنِ أَنَسٍ البَكْرِيِّ قَالَ: تَذَاكَرَ عَلِيٌ وَعَمَّارٌ وَالمِقْدَادُ المَذْيَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي رَجُلٌ مَذَّاءٌ، وَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ تَحْتِي! ، فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا لِعَمَّارٍ أَوْ لِلمْقْدَادِ: سَلْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلتُهُ، فَقَالَ: ((ذَاكَ المَذْيُ، لِيَغْسِلْ ذَاكَ مِنْهُ))، قُلْتُ: مَا ذَاكَ مِنْهُ؟ قَالَ: ((ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ - أَوْ يَتَوَضَّأُ مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ -، وَيَنْضَحُ فِي فَرْجِهِ - أَوْ: فَرْجَهُ -)).
[الحكم]: منكر بهذا السياق، وهذا إسناد ضعيف مرسل.
[التخريج]:
[حم ٢٣٨٢٥ "واللفظ له" / عب ٦٠٣ / منذ ١٥٣، ٦٨٨ / عق (١/ ١٦٧) / تمهيد (٢١/ ٢٠٤) / مبهم (٥/ ٣٩٠)]
[السند]:
قال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثنا عطاء، عن عائش بن أنس البكري، به.
ورواه عبد الرزاق: عن ابن جريج، نحوه.
ومداره عند الجميع على ابن جريج، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
العلة الأولى: عائش بن أنس، فيه جهالة، وقد تقدم بيان حاله آنفًا.
العلة الثانية: الإرسال؛ لأن عائشًا لم يذكره أحد في الصحابة، فأنَّى له أن
стр. 8986
يحضر مذاكرة علي والمقداد وعمار؟ ! وقد فَصَّلنا ذلك عند الكلام على رواية علي ﵁ قال: ((فَأَمَرْتُ عَمَّارًا، فَسَأَلَهُ)).
العلة الثالثة: اضطراب عطاء فيه، كما بينا عند الرواية المذكورة آنفًا.
ومع هذا قال ابن عبد البر: "ففي هذا الحديث بيان أن عليًّا والمقداد وعمار بن ياسر تذاكروا المذي؛ فلذلك ما يجيء في بعض الآثار عن علي: (فأمرت المقداد) وفي بعضها: (فأمرت عمارًا) وجائز أن يأمر أحدَهما، وجائز أن يأمر كل واحد منهما أن يسأل له، فسأل فكان الجواب واحدًا، فحَدَّث به مرة عن عمار ومرة عن المقداد- هذا كله غير مدفوع، لإمكانه وصحته في المعنى، وحسبك أنهم ثلاثتهم قد اشتركوا في المذاكرة بهذا الحديث وعِلْمه والخبر عنه" (التمهيد ٢١/ ٢٠٤).
وقال أيضًا: "والحديث ثابت عند أهل العلم، صحيح، له طرق شتى عن علي وعن المقداد وعن عمار أيضًا، كلها صحاح حِسان، أحسنها ما ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج قال: "قلت لعطاء ... " فذكر الرواية الآتية التي فيها مذاكرة علي وعمار والمقداد للمذي. انظر (الاستذكار ٣/ ١١ - ١٣)، وبنحوه قال ابن العربي في (المسالك في شرح موطأ مالك ٢/ ١٦٩).
ونحا منحى ابن عبد البر هذا الخطيبُ البغدادي، فقال: "وطرق هذه الأحاديث مستقيمة، وأسانيدها ثابتة، والقولان جميعًا صحيحان، يدل على ذلك ما أخبرنا ... " ثم أسند الحديث من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، بقصة المذاكرة بين الثلاثة (الأسماء المبهمة ٥/ ٣٩٠).
стр. 8987
رِوَايَةُ قَالَ عَلِيٌّ لِلمِقْدَادِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَائِشِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِلمِقْدَادِ: سَلْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُلَاعِبُ امْرَأَتَهُ وَيُكَلِّمُهَا فَيُمْذِي، لَولَا أَنِّي أَسْتَحْيِي، وَأَنَّ ابْنَتَهُ تَحْتِي لَسَأَلتُهُ!! فَسَأَلَ المِقْدَادُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ((لِيَغْسِلْ ذَكَرَهُ [وَأُنثَيَيْهِ] وَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لْيَنْضَحْ فِي فَرْجِهِ)).
[الحكم]: منكر بذكر ((الأنثيين))، و ((نضح الفرج))، وهذا إسناد ضعيف مرسل.
[التخريج]:
[عب ٦٠٧ "واللفظ له" / طب (٢٠/ ٢٣٨ / ٥٦٢) / عق (١/ ١٦٦) "والزيادة له"].
[السند]:
أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) -ومن طريقه الطبراني في ((الكبير))، والعقيلي في ((الضعفاء)) - عن معمر، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش بن أنس، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
العلة الأولى: عائش بن أنس، فيه جهالة، وقد تقدم بيان حاله آنفًا.
العلة الثانية: الإرسال: وذلك أن عائش تابعي لم يذكره أحد في الصحابة، فأنى له أن يحضر قول علي للمقداد؟!
العلة الثالثة: اضطراب عطاء فيه، كما بينا عند رواية: ((أمرت عمارًاا)).
قلنا: وزاد معمر في هذه الرواية لفظة ((الأنثيين)، و (النضح))، والحديث محفوظ في الصحيحين بدونهما.
стр. 8988
رِوَايَةُ أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَذْيِ فَقَالَ: إِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ عِنْدِي! فَسَأَلَ عَمَّارٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُمْذِي، فَقَالَ: ((يَكُونُ مِنْهُ الوُضُوءُ)).
[الحكم]: منكر بذكر ((عمار))، وهذا إسناد ضعيف مرسل.
[التخريج]: [مبهم (٥/ ٣٨٩)].
[السند]:
قال الخطيب البغدادي في (الأسماء المبهمة): أخبرنا أبو الصهباء ولاد بن علي التيمي الكوفي، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، حدثنا أحمد بن حازم، أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عايش بن أنس: أن عليًّا أَمَر عمارًا ... فذكره.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: عائش بن أنس، فيه جهالة، وقد تقدم بيان حاله آنفًا.
الثانية: الإرسال؛ لأن عائشًا تابعي كما تقدم بيانه.
الثالثة: اضطراب عطاء فيه، كما بينا عند رواية: ((أمرت عمارًا)) من حديث علي.
قلنا: والحديث محفوظ في الصحيحين وغيرهما، أن عليًّا أَمَر المقداد، وليس عمارًا.
стр. 8989
٢١١٧ - حَدِيثُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ:
◼ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي عَلِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: سَلْهُ عَنِ المَذْيِ؛ فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَتَهُ، وَأَنَا أَسْتَحْيِي! ! فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «مِنْهُ الوُضُوءُ».
[الحكم]: منكر من هذا الوجه، والمحفوظ أنه من حديث علي ﵁، وأن السائل هو المقداد.
[التخريج]:
[عق (١/ ١٦٦) "واللفظ له" / عس (كما ١٤/ ١٠٢)].
[السند]:
أخرجه العقيلي في (الضعفاء) قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا محمد بن مسلم قال: حدثنا محمد بن يزيد بن سنان قال: حدثنا مَعْقِل، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش بن أنس، عن عمار بن ياسر، به.
وأخرجه النسائي في (مسند علي) - كما في (تهذيب الكمال) -: من طريق معقل، عن عطاء، به. لم يذكر عمرو بن دينار.
[التحقيق]:
هذا إسناد ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
العلة الأولى: عائش بن أنس، فيه جهالة، وقد تقدم بيان حاله آنفًا.
العلة الثانية: لا يُعْلَم سماع عائش من عمار.
العلة الثالثة: اضطراب عطاء فيه، كما بينا عند رواية ((أمرتُ عمارًا)) من حديث علي.
стр. 8990
وفيه أيضًا: محمد بن يزيد بن سنان الجزري، أبو عبد الله بن أبي فروة الرهاوي؛ قال فيه الحافظ: "ليس بالقوي" (التقريب ٦٣٩٩).
وقد ذكر المزي في (تهذيب الكمال ١٤/ ١٠٢)، والدارقطني في (العلل ٤٤١) أن معقلًا رواه عن عطاء بدون ذكر عمرو بن دينار. فلا ندري هل الحديث عندهما من طريق ابن سنان أم لا؟ وإن كنا نرجح الثاني؛ لأن النسائي لم يخرج لابن سنان.
وعلى كلٍّ، فمعقل بن عبيد الله الجزري؛ قال فيه الحافظ: "صدوق يخطئ" (التقريب ٦٧٩٧).
ولكن العلة ليست فيه، وإنما هي في عطاء حيث اضطرب فيه كما بينا.
стр. 8991
٢١١٨ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَذَاكَرَ عَلَيٌّ وَالمِقْدَادُ وَعَمًّارٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّي امْرُؤٌ مَذَّاءٌ، وَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ لمَكَانِ ابْنَتِهِ مِنِّي، فَيَسْأَلُهُ أَحَدُكُمَا! ! فَذَكَرَ لِي أَنَّ أَحَدَهُمَا - وَنَسِيتُهُ - سَأَلَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ذَاكَ المَذْيُ، إِذَا وَجَدَهُ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْسِلْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ - أَوْ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ -».
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: كُنْتُ رَجُلًا أَجِدُ مِنَ الْمَذْيِ أَذًى فَأَمَرْتُ عَمَّارًا يَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأَنْ ابْنَتَهُ كَانَتْ تَحْتِي! ، فَقَالَ: ((يَكْفِيكَ مِنْهُ الْوُضُوءُ)).
[الحكم]: معلول بهذا اللفظ.
[التخريج]:
[ن ٤٤١ "واللفظ له" / تمهيد (٢١/ ٢٠٣) "والرواية له"].
[التحقيق]:
حديث ابن عباس هذا له طريقان:
الطريق الأول:
أخرجه النسائي في (السنن الصغرى ٤٤١) قال: أخبرنا علي بن ميمون، قال: حدثنا مَخْلَد بن يزيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
وهذا إسناد رجاله ثقات عدا مخلد بن يزيد، وثقه جماعة، وذَكَر أحمد والساجي أنه كان يهم؛ ولذا قال الحافظ: "صدوق، له أوهام" (التقريب ٦٥٤٠).
стр. 8992
قلنا: وقد وهم في هذا الحديث؛ فقد أخرجه أحمد عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائش بن أنس، به مرسلًا. وقد سبق.
وكذلك رواه عبد الرزاق عن ابن جريج كما سبق أيضًا.
وهذا ما صوبه الدارقطني في (العلل ٤٤١).
ومع هذ فقد صحح الألباني إسناده في (صحيح النسائي ٤٣٥).
الطريق الثاني:
رواه ابن عبد البر في (التمهيد ٢١/ ٢٠٣) من طريق سعيد بن منصور، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه سمع علي بن أبي طالب بالكوفة يقول: كنتُ رجلًا أجد من المذي أذى، ... فذكره بلفظ السياقة الثانية.
وهذا إسناد ظاهره الصحة؛ رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، إلا أن سعيد بن منصور قد خولف فيه.
فقد رواه أحمد بن حنبل والحميدي وقتيبة وابن بشار وعبيد الله بن موسى، وغيرهم، كلهم: عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عائش، به، كما سبق.
وهذا هو الصواب؛ فهؤلاء مُقدَّمون في ابن عيينة فُرَادى، فكيف وقد اجتمعوا؟ !
وقد قال الفسوي عن ابن منصور: "كان الحميدي يخطئه في الشيء بعد الشيء من رواية ما يَروي عن سفيان، فسمعت سعيدًا يقول: لا تسألوني عن
стр. 8993
حديث حماد بن زيد؛ فإن أبا أيوب يجعلنا على طبق! ولا تسألوني عن حديث سفيان؛ فإن هذا الحميدي يجعلنا على طبق" (المعرفة والتاريخ ٢/ ١٠٦).
وإلى هذا أشار ابن عبد البر بقوله - عقبه -: " هكذا قال: عطاء عن ابن عباس عن علي. وخالفه الحميدي وغيره، فجعله: عن عطاء عن عائش البكري عن علي" (التمهيد ٢١/ ٢٠٣).
قلنا: فرجع الطريقان إلى طريق عطاء، عن عائش بن أنس، به.
وعائش كما سبق فيه جهالة، وروايته على هذا مرسلة؛ إذ ظاهر وقوعها في زمن النبي ﷺ ، كما سبق وبيَّنَّا.
وعطاء اضطرب في إسناده ومتنه، على ما بيَّنَّاه تحت رواية: ((أمرتُ عمارًا)) من حديث علي.
стр. 8994
٢١١٩ - حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ:
◼ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁: أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ المَذْيِ، فَقَالَ: ((يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ (وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ)، وَيَتَوَضَّأُ)).
[الحكم]: منكر بذكر ((عمار)) و ((المذاكير)) أو ((الأُنْثَيَيْنِ))، وهذا إسناد معل ضعيف، وأعله: العقيلي والدارقطني، وأنكر الألباني متنه كذلك.
[الفوائد]:
قال الطحاوي: ((ففي هذا الحديث أمره إياه بغسل مذاكيره، فقال قائل: ما المراد بذلك؟ وغسل المذاكير لا يؤمر به من بال، وإنما حُكْم خروج المذي مردود إلى حكم خروج البول؟ !
فكان جوابنا له في ذلك - بتوفيق الله وعونه -: أنه أَمَره بذلك ليتقلص المذي فلا يخرج؛ لأن الماء يقطعه عن ذلك. كما أمر المسلمون من ساق بدنةً ولها لبن أن ينضح ضرعَها بالماء حتى لا يسيل ذلك اللبن منه؛ لأن الماء يقلصه. فمثل ذلك ما أَمَر به في هذا الحديث من غسل المذاكير إنما هو ليتقلص المذي فلا يخرج, لا أن ذلك واجب كوجوب وضوء الصلاة في خروجه)) (شرح مشكل الآثار ٧/ ١٢٧ - ١٢٨).
[التخريج]:
[ن ١٦٠ "واللفظ له" / كن ١٩٤ / حب ١١٠٠ / طب (٤/ ٢٨٥/ ٤٤٤٠) / طس ٨٥٣٤/ معل ١١٥ / مشكل ٢٦٩٦ / طح (١/ ٤٥) / عق (١/ ١٦٥ - ١٦٦) / نجيح (ق ٢٣٠/ب) والرواية له / (تخ ١/ ٤٣٧) / مبهم (٥/ ٣٩٠ / إمام (٣/ ٤٠٨) / كما (٣/ ٤٠١)].
стр. 8995
[السند]:
أخرجه النسائي في (الصغرى) و (الكبرى) قال: أخبرنا عثمان بن عبد الله، قال: أنبأنا أمية، قال: حدثنا يزيد بن زريع، أن رَوْح بن القاسم، حدثه عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خَديج، به.
ورواه أبو بكر ابن نَجيح في (جزئه): أخبرنا جعفر بن أبي عثمان، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، بسنده فقال: ((وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ)) بدل: (وَمَذَاكِيرَهُ). وهما بمعنى واحد، كما تقدم بيانه.
ومداره عندهم على يزيد بن زريع به.
قال الطبراني: "لم يَرْوِ هذا الحديث عن رَوْح إلا يزيد، تَفَرَّد به أمية" (الأوسط ٨٥٣٤).
قلنا: بل توبع عليه أمية:
فرواه البخاري في (التاريخ الكبير ١/ ٤٣٧) عن الصلت بن محمد، عن يزيد بن زريع، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح عدا إياس بن خليفة البكري.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من التابعين، وقال: "كان قليل الحديث" (الطبقات الكبرى ٨/ ٣٧).
وترجم له البخاري في (التاريخ الكبير ١/ ٤٣٧)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل ٢/ ٢٧٨)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
стр. 8996
وذَكَره ابن حبان في (الثقات ٤/ ٣٤)، وصحح له هذا الحديث، حيث أخرجه في صحيحه.
ونَقَل مغلطاي أن ابن شاهين ذكره في جملة الثقات (إكمال تهذيب الكمال ٢/ ٣٠٣). ولذا صَدَّقه الحافظ كما سيأتي.
وذكره العقيلي في (الضعفاء ١/ ١٦٥) وقال: "مجهول في الرواية، في حديثه وهم"، ثم أسند له هذا الحديث وأعله، كما سيأتي.
وقال عنه الذهبي: "لا يكاد يُعرف" (ميزان الاعتدال ١/ ٤٥٠)، وتبعه الحافظ في (اللسان ٧/ ١٨٠). وذلك؛ لأنه قد تفرد عطاء بن أبي رباح بالرواية عنه. وخالف الحافظ ذلك في التقريب، فقال: "صدوق" (التقريب ٥٨٥).
وصحح ابن حبان حديثه.
وقال الخطيب عقب روايته له: "وطرق هذه الأحاديث مستقيمة وأسانيدها ثابتة، والقولان جميعًا صحيحان" (الأسماء المبهمة ٥/ ٣٩٠).
قلنا: الذي نميل إليه هو ما ذهب إليه العقيلي والذهبي، أي أنه مجهول؛ إذ لا يُعْرَف له إلا هذه الرواية وهي وهمٌ، كما ذهب العقيلي الدارقطني.
وذلك أن ابن جريج وعمرو بن دينار قد خالفا ابن أبي نجيح في سنده:
فقد رواه ابن جريج وعمرو بن دينار عن عطاء: ((عن عائش بن أنس، به)) كما سبق.
وقال ابن أبي نجيح: ((إياس بن خليفة)).
وقال العقيلي عقب رواية ابن أبي نجيح: "وروى هذا الحديث ابن عيينة
стр. 8997
ومعمر (عن عمرو) بن دينار، عن عطاء، عن عائش بن أنس، أن علي بن أبي طالب ... الحديث، ثم أسنده من طرق أخرى ثم قال: "حديث ابن عيينة ومعمر أَوْلى" (الضعفاء ١/ ١٦٧/ حاشية رقم ٢).
وقال الدارقطني: "والصواب ما قال عمرو بن دينار وابن جريج، عن عطاء. والله أعلم" (العلل ٢/ ٤٨).
قلنا: لكن اتجه مسلم اتجاهًا آخر حيث ذكر عائشًا في (الوحدان ١٧٥) فقال: ((وعائش بن أنس، هكذا قال عمرو بن دينار وابن جريج. وقال ابن أبي نجيح: عن عطاء عن إياس بن خليفة البكري عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ ، في المذي)).
وهذا منه إشارة للمخالفة بلا ترجيح.
وهذا ما نميل إليه - عدم ترجيح طريق - إذ لم يتفق عمرو وابن جريج وابن أبي نجيح في إسناده. وإن كان عمرو وابن جريج اتفقا في شيخهما، فالحديث مضطرب لاضطراب عطاء فيه كما بينا تحت رواية: ((أمرت عمارًا)) من حديث علي.
قلنا: وقوله: ((أن عليًّا أَمَر عمارًا)) مخالف للثابت في الصحيحين وغيرهما ((أن عليًّا أَمَر المقداد فسأل)).
ولذا قال الألباني معلقًا على رواية ابن أبي نجيح: "منكر، والمحفوظ أن المأمور المقداد" (ضعيف النسائي ١٥٥).
стр. 8998
رِوَايَةُ: ((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ عليًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَذْيِ، فَقَالَ: ((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ)).
[الحكم]: منكر بذكر ((عمار))، وهذا إسناد ضعيف معلول.
[التخريج]: [طس ٧١٧].
[السند]:
قال الطبراني في (الأوسط): حدثنا أحمد قال: نا أمية بن بسطام قال: نا يزيد بن زريع، عن رَوْح بن القاسم، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خَديج: أن عليًّا أَمَر عمارًا ... فذكره.
وأحمد شيخ الطبراني هو أحمد بن علي الأبار.
[التحقيق]:
إسناده ضعيف كما تقدم في الرواية السابقة.
قلنا: وقوله: ((أن عليًّا أَمَر عمارًا)) مخالف للثابت في الصحيحين وغيرهما ((أن عليًّا أَمَر المقداد فسأل)).
стр. 8999
رِوَايَةُ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المَذْيِ، فَقَالَ: «اغْسِلْ ذَكرَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ».
[الحكم]: صحيح المتن، وإسناده ساقط.
[التخريج]: [طب (٤/ ٢٨٦ / ٤٤٤١)].
[السند]:
أخرجه الطبراني في (الكبير) قال: حدثنا عبدان بن أحمد، ثنا حفص بن عمرو الربالي، ثنا محمد بن عمر الواقدي، ثنا إبراهيم بن نافع المكي، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خَديج، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد ساقط؛ فيه محمد بن عمر الواقدي؛ وهو متروك متهم بالكذب والوضع، كما تقدم مرارًا.
وسبق آنفًا الكلام عن بقية رجال السند وعلله.